مما يتعلق بالإيمان باليوم الآخر: الإيمان بالبعث والنشور بعد الموت، والنفخ في الصور، ونصب الموازين، والحوض، والصراط والمرور عليه، والإيمان بالشفاعة، وهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، وهي أنواع، أعظمها: الشفاعة العظمى، وهي خاصة بالنبي ﷺ الله عليه وسلم.
[ ١٤ / ١ ]
الإيمان بالبعث
قال الموفق ﵀: [والبعث بعد الموت حق].
أي: بعث الناس من قبورهم، فإن جميع الناس يبعثون من قبورهم أو من مكان موتهم، وإن تفرقت أجزاؤهم وأجسادهم إما في البحر أو في ما شاء الله من الخلق، فإنهم يجمعون في يومهم الموعود ويحشرون إلى ربهم ﷾ كما هو صريح في كلام الله ورسوله.
[ ١٤ / ٢ ]
النفخ في الصور
قال الموفق ﵀: [وذلك حين ينفخ إسرافيل ﵇ في الصور، فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون].
قوله: (من الأجداث) أي: من القبور، أو من مكان موتهم ورفاتهم.
[ ١٤ / ٣ ]
الإيمان بشفاعة الرسول ﷺ يوم القيامة
قال الموفق ﵀: [ويحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلًا بهمًا].
هذا متواتر عن النبي ﷺ، وهو في الصحيحين وغيرهما، وقد اتفق أئمة الحديث على أن الناس يحشرون يوم القيامة على هذه الحال، وقوله: (غرلًا) أي: ليسوا مختنين.
قال الموفق ﵀: [فيقفون في موقف القيامة].
قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ﴾ [إبراهيم:٤٨] فالأرض ستبدل، ولا يمكن أن يقال: هي الشام أو غيرها، وإن كان هناك دلائل على أن أرض الشام لها اختصاص من جهة جمع الناس ليوم الحساب.
قال الموفق ﵀: [حتى يشفع فيهم نبينا محمد ﷺ ويحاسبهم الله ﵎].
هذا مقام الشفاعة العظمى، وقد أجمع المسلمون على ثبوتها من أهل السنة وأهل البدعة، ولم يخالف فيها أحد، وهذه الشفاعة هي شفاعة النبي ﷺ لأهل الموقف أن يقضي ويفصل الحساب بينهم، وقد تواترت عن الرسول ﵊، وحديثها في الصحيحين وغيرهما من رواية جماعة من الصحابة كـ أبي هريرة: (أن النبي ﷺ أُتي بلحم، فرفع إليه الذراع فكانت تعجبه، فنهس منها نهسةً، ثم قال: أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون لم ذلك؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون إلى ما أنتم فيه؟ ألا ترون إلى ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: أبوكم آدم؟
فيأتون آدم فيعتذر عن الشفاعة، فيأتون نوحًا فيعتذر، فيأتون إبراهيم فيعتذر، فيأتون موسى فيعتذر، فيأتون عيسى فيعتذر، ثم يأتون محمدًا ﷺ، قال: فأنطلق، فآتي تحت العرش فأقع ساجدًا لربي، ثم يفتح الله علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئًا لم يفتحه لأحد قبلي، ثم قال: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يا رب! أمتي أمتي.
فيقال: أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سواه من الأبواب، والذي نفس محمد بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر أو كما بين مكة وبصرى)، وهذا الحديث له طرق في الصحيحين وغيرهما.
والشفاعة العظمى دل عليها ظاهر القرآن كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩] فإن المقام المحمود في تفسير السلف هو شفاعته ﷺ.
[ ١٤ / ٤ ]
الإيمان بنصب الموازين يوم القيامة
قال الموفق ﵀: [وتنصب الموازين، وتنشر الدواوين].
هذا كله حق على ظاهره كما دلت على ذلك الأدلة من الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢ - ١٠٣]، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء:٤٧] وهذه الموازنة إذا ذكرت الموازنة على صيغة المقارنة فيراد بها الموازنة بين التوحيد والكفر، فقوله: (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ) أي: بالإيمان، (وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ) أي: بالشرك.
وما ذهب إليه ابن حزم ﵀ وتبعه عليه ابن القيم في أهل الكبائر من المسلمين حين قالوا: إن أهل الكبائر من المسلمين ثلاثة أقسام: قوم فضلت -أي: زادت -حسناتهم على كبائرهم، قالوا: فهؤلاء لا يعذبون، ولا يمسهم شيء من الوعيد مع ما عندهم من الكبائر، بل يصيرون إلى الجنة ابتداءً.
- وقوم تساوت حسناتهم مع كبائرهم من سيئاتهم، فهؤلاء لا يعذبون ولكنهم لا يدخلون الجنة ابتداءً، بل يحبسون عن الجنة زمنًا ثم يدخلون إياها.
- وقوم زادت كبائرهم وسيئاتهم على حسناتهم، فهؤلاء هم الذين يعذبون في النار قدرًا ثم يدخلون الجنة.
ويعد ابن حزم أول من فصل هذا التفصيل ونسبه لأهل السنة، وجاء ابن القيم ﵀ فزاد على ذلك ما هو أشد من التصريح، فقال في هذه المسألة: "ومسألة الموازنة لا يعرف الحق فيها كثير من الناس"، وقال: "بل كثير من المنتسبين للسنة لا يعرفون إلا قول المرجئة، وأما قول الصحابة والتابعين فإنهم لا يعرفونه، وهو: أن أهل الكبائر على ثلاثة أقسام".
ثم ذكر هذا التقسيم، فجعله ابن القيم ﵀ قولًا للصحابة والتابعين، وجعل خلافه قول المرجئة.
وهذا كله لا أصل له، وإن كان تكلم به ابن القيم ﵀ فهذا ليس صحيحًا، ولم يعرف في كلام أئمة السنة المتقدمين هذا التفصيل، وابن القيم ﵀ إنما نقل هذا عن أبي محمد ابن حزم في كتاب (الفِصَلَ)، مع أن ابن حزم أخف في التعبير والجزم من ابن القيم، فـ ابن القيم في طريق الهجرتين زاد في التعبير، وجزم أنه مذهب جميع الصحابة
إلخ، وقد استدل ابن القيم بعموم قوله تعالى: (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ)، وقوله: (وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ) وهذا ليس وجه في القياس صحيح، فإن المقصود بهذه الآيات الإيمان والكفر، وهذا صريح في سياقها، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمْ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ [المؤمنون:١٠٣ - ١٠٦]، فالسياق صريح في المؤمنين والكفار، فاستدلاله ﵀ ليس في مقامه.
ثم استدل بأن طائفة من الصحابة كـ جابر بن عبد الله وابن مسعود قالوا في أهل الأعراف الذين ذكرهم الله في سورة الأعراف: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ [الأعراف:٤٦]
إلخ، قال: إن أهل الأعراف هم من استوت حسناتهم مع سيئاتهم، وأنهم يحبسون عن الجنة.
أولًا: هذا ليس إجماعًا للصحابة، بل إن صح فهو تفسير لعدد من الصحابة قد لا يصلون إلى العشرة، وروي عن ابن عباس، واختلف قول ابن عباس في ذلك عن ابن مسعود.
ثانيًا: أن هذا غير منضبط صحته عن الصحابة، ولهذا فإن ابن جرير ﵀ منهجه في التفسير أنه إذا فسر الآيات وللصحابة قول؛ لا يعارضه، لكنه هنا لما ذكر قول ابن عباس وابن مسعود وجابر بن عبد الله ذكر أقوالًا ثمانية في الأعراف، وهذا مما يدلك على أن أهل الأعراف ليس فيهم إجماع: أنهم من تساوت حسناتهم مع سيئاتهم، بل السلف مختلفون فيهم.
وقال ابن جرير: "الصواب أن الله أعلم بشأنهم"، ولم يجزم بأنهم من استوت حسناتهم وسيئاتهم.
إذًا: هذا التفصيل من ابن القيم وابن حزم ليس صحيحًا، وقد دخل على ابن القيم ﵀ قدر من كلام ابن حزم بعض المسائل، وهذه من أخصها.
ومن الذي يستطيع أن يجزم بأن من زادت سيئاته ولو بواحدة أنه يعذب في النار؟ لا يمكن لأحد أن يجزم به، وليس في كتاب الله ذكر ذلك، وإنما الذي في الكتاب وأجمع عليه السلف هو الإيمان بالموازنة، والإيمان بالشيء المجمل لا يستلزم العلم به مفصلًا، والموازنة مردها إلى عدل الله ورحمته وحكمته.
وقد وصف ابن تيمية ﵀ القول الذي انتصر له ابن حزم وابن القيم فقال: "هذا قول طائفة من المنتسبين إلى السنة من أصحابنا وغيرهم".
وهذا تهوين منه لهذا القول، وأنه ليس من الأصول المجمع عليها عند الصحابة كما يقول ابن القيم ﵀.
إذًا ..
أن هذا قول غلط، والصواب التوقف، فيقال: الإيمان بالموازنة أصل، ولكن هذا مرده إلى عدل الله وحكمته ورحمته، والله ﷾ هو الذي يحكم بين العباد، ولا يوصف بهذا الوصف المفصل، بل يقال على قول الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ [الأنبياء:٤٧] والقسط هنا صفة لهذه الموازنة، وهذا من لطيف اللغة.
أن القسط مفرد مذكر، والموصوف جمع، مع أن القاعدة أن الصفة تطابق الموصوف، لكن هذا الأسلوب هو السليم في اللغة، تقول: هذه المقالات الغلط، والجواب عن هذا أن النعت هنا مصدر، ولهذا قال ابن مالك:
ونعتوا بمصدر كثيرا فالتزموا الإفراد والتذكيرا
[ ١٤ / ٥ ]
الحوض والآثار الواردة فيه
قال الموفق رحمه الله تعالى: [ولنبينا محمد ﷺ حوض في القيامة، ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، وأباريقه عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا].
كذلك مما يجب الإيمان به حوضه ﷺ ﷺ، وهذه الجمل التي ذكرها المصنف في صفة هذا الحوض جاءت صريحة في السنة، فإن النبي ﷺ ذكر حوضه في أحاديث متواترة تواترًا معتبرًا في الشرع والعقل واللغة واعتبار الأئمة، وقد جاء في الصحيحين وغيرهما من غير وجه، وإذا قيل: هل ورد ذكر الحوض في القرآن؟
الجواب: نعم.
ورد ذكره في القرآن على قدر من الإجمال كذكر مقام الشفاعة، فإن الله تعالى قال: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١].
وفي الصحيح عن أنس: (أن النبي ﷺ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسمًا وهو يضحك، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟! قال: أنزلت عليَّ آنفًا سورة، ثم قرأ: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] حتى ختم السورة، فقال: أتدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه نهر وعدنيه ربي ﷿ عليه خير كثير، وهو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا) فذكر الكوثر في كتاب الله يتضمن ذكرًا للحوض بتفسير النبي ﷺ لهذه الآية.
وعليه فإنه يقال: إن حوضه ﷺ مما أجمع السلف على الإيمان به، وصفته كما ذُكر في حديث أبي ذر وجابر بن سمرة وأبي هريرة وجماعة من الصحابة: أن طوله شهر، وعرضه شهر، وآنيته عدد نجوم السماء، وهكذا وصفه ﷺ تارة بالمقدار الزماني، كقوله: (طوله شهر وعرضه شهر) وتارة بالمقدار المكاني، كقوله ﷺ: (حوضي ما بين مقامي هذا إلى صنعاء اليمن)، وكقوله: (ما بين جرباء إلى أذرع) وهما بلدان في الشام إلى غير ذلك، فهذه أوصاف عرض حوضه ﷺ كما ذكر.
وإن كان بعض شراح الأحاديث وقع عندهم شيء من التكلف في مقدار الحوض كما يقع أحيانًا في لزوم الجواب عن مثل هذه التساؤلات:
فمنهم من قال: إنه ابتدأ بمقدار ثم زيد، فكان النبي ﷺ كلما جاءه الوحي بزيادة في قدر هذا الحوض حدَّث به، فهذا هو وجه تعدد الروايات على قدر من الزيادة في بعضها دون بعض ..
إلى آخره، هذا فيما يظهر قدره من التكلف.
والعرب إذا تكلمت بمثل هذا الكلام لم ترد بالضرورة الأقيسة الرياضية والهندسية الدقيقة المطردة من كل وجه، إنما هو إشارة إلى معنىً عام.
فهذا الاستدراك في أصله ليس له موجب، وإنما يُعمل بهذه الأحاديث على إطلاقها.
ثم بين النبي ﷺ أن قومًا يذادون عن حوضه كما في حديث أبي هريرة الثابت في الصحيح، قال: (كنا عند رسول الله ﷺ، فقال: وددت أنا قد رأينا إخواننا، قلنا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: بل أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد) ولهذا من أدركه وآمن به يسمى صاحبًا له، ومن لم يدركه يسمى من إخوانه، كما قال النبي ﷺ ذلك.
(قلنا: يا رسول الله! كيف تعرف من لم يأتِ بعد من أمتك؟ قال: أرأيتم لو أن رجلًا له خيل غر محجلة بين ظهري خيل دهم بهم ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: فإنهم يأتون يوم القيامة غرًا محجلين من آثار الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض، ثم قال: ألا ليذادُّن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، أناديهم: ألا هلم! ألا هلم! فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا) وفي رواية في البخاري قال: (فأقول: أصحابي أصحابي، فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك).
[ ١٤ / ٦ ]
استدلال الشيعة بحديث الحوض على ردة الصحابة والرد عليهم
تمسك بعض الشيعة بلفظ (أصحابي) في الحديث السابق، وزعموا أن هذا دليل على ما حصل من نفاق وردة الصحابة، أو مروقهم عن هديه وسنته إلى آخره.
والجواب أن نقول: هذا ليس بشيء، فإن قوله: (أصحابي) لا يراد بالصاحب هنا الأصحاب الذين حققوا الصحبة، وإنما يراد من هم في ظاهر أمرهم من الأمة.
وفي كتاب الله تارة يدخل المنافق في عموم المسلمين، وتارة يخرج منهم، كقوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب:١٨] فجعلهم مضافين إلى المؤمنين، قال: ﴿وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ﴾ [الأحزاب:١٨] فذكر اسم الأخوة هنا، مع أن المنافق عند التحقيق ليس أخًا للمؤمن، ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٦٧] ..
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١] فهذا التمييز في كتاب الله لا ينافي الجمع في مكان آخر، فالتمييز في مثل قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١] ومثل قوله تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ﴾ [التوبة:٥٦] هذا تمييز لا ينافي الجمع المذكور في مثل قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب:١٨].
[ ١٤ / ٧ ]
الصراط وأحوال الناس فيه
قال الموفق ﵀: [والصراط حق يجوزه الأبرار، ويزل عنه الفجار].
ومما يجب الإيمان به الصراط، وهو يُنصب على متن جهنم، ويمر عليه الناس، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] أي: يرمون على الصراط، وهذا هو التفسير الصحيح للآية.
وأما من قال: إن الورود هو لفحة من لفحات النار فهذا ليس صحيحًا، فإن المؤمنين الأبرار المتقين من الأنبياء والمرسلين والصديقين والشهداء والصالحين لا يمسهم شيء من أثر النار وإن كانوا يمرون على الصراط.
وقد جاء في حديث متواتر عن النبي ﷺ، أن العباد يمرون على الصراط، فيمر أولهم على صورة القمر، ثم ذكر أحوالهم في المرور، ومقدار مرورهم، كمرور الريح، وكأجاود الخيل والركاب ..
وما إلى ذلك، ومنهم من يخطف وهو على الصراط فيقع في نار جهنم ..
ومنهم من يتعثر فيلحقه مقام من مقامات الشفاعة، وذكر ﵊ أن الأمانة والرحم تقومان على جنبتي الصراط، وأن الأنبياء والمرسلين يقولون: اللهم سلِّم سلِّم.
فهذه بعض مواقف الصراط يجب الإيمان بها على ظاهرها، كما يجب الوقوف على نصها الصريح فقط، وأما المعنى الذي لم يتضمنه النص الصريح مما يفرض العقل الاستفصال عنه فإن الواجب السكوت عنه.
وأيضًا: ثبت الصراط على وجه التحديد، وكذلك بعض مسائله، وقد روي فيه روايات منكرة في بعض كتب الرواية -ولا سيما في كتب الوعظ وذكر الجنة والنار والمآلات وما إلى ذلك- ذُكر في الصراط روايات منكرة في صفته وهيأته وما إلى ذلك، فهذا يعتبر فيه الثابت ثبوتًا بينًا، وأما ما تردد في ثبوته فإنه يسكت عنه.
[ ١٤ / ٨ ]
الشفاعة وأنواعها
[ ١٤ / ٩ ]
الشفاعة العظمى
قال الموفق ﵀: [ويشفع نبينا ﷺ فيمن دخل النار من أمته من أهل الكبائر، فيخرجون بشفاعته بعدما احترقوا وصاروا فحمًا وحممًا، فيدخلون الجنة بشفاعته].
شفاعة النبي ﷺ ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، وله ﷺ شفاعات أعظمها وأجلها الشفاعة العظمى، وهي: شفاعته في أهل الموقف أن يُفصل بينهم، وقد أجمع المسلمون سُنيِّهم وبدعيِّهم على هذه الشفاعة، وذكرها في السنة متواتر، وقد ذكرت مجملة في القرآن كما قال تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩] فإن المقام المحمود هو الشفاعة العظمى.
[ ١٤ / ١٠ ]
الشفاعة لأهل الكبائر
وله ﷺ شفاعات كشفاعته في أهل الكبائر وهي على وجهين:
الوجه الأول: شفاعته فيمن دخل النار من أهل الكبائر أن يُعجَّل خروجه منها، وهذا أفصح من أن تقول: أن يخرج منها؛ لأن معنى ذلك أن الشفاعة لو لم تدركه لبقي، وهذا غير صحيح، فإن جميع من يخرج من النار لا يخرجون بشفاعة الأنبياء وإنما يخرجون من النار بوعد الله ﷾، وأنه لا يُخلَّد في النار إلا من كفر به.
فإذا قيل: إن صاحب الكبيرة ليس مخلدًا في النار، فما معنى الشفاعة له؟
قيل: معناها أن يعجل خروجه منها قبل استتمام عذابه الذي قضاه الله وعيدًا عليه، فهذا هو معنى الشفاعة من النبي ﷺ، وليس معناه: أن الشفاعة لو لم تدركه لبقي مخلدًا في النار، فإنه لا يخلد في النار إلا الكفار.
وهذه الشفاعة ثابتة بحديث متواتر عن النبي ﷺ، كما في حديث أبي سعيد الخدري وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: (أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس منكم أصابتهم النار بذنوبهم أو بخطاياهم فأماتهم الله إماتة، حتى إذا كانوا فحمًا أذن بالشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة ) إلى آخره.
فهذه الأحاديث واردة من حديث أبي سعيد الخدري وعبد الله بن مسعود وأبي هريرة في الصحيحين وغيرهما تدل دلالة صريحة على ثبوت الشفاعة، وخروج أهل الكبائر من النار، وفيها تصريح بدخول طائفة وخروجها، هذا وجه في شفاعته منصوص عليه في صريح السنة.
الوجه الثاني: شفاعته فيمن استوجب النار من أهل الكبائر أن لا يدخلها، وهذا يدل عليه عموم أحاديث الشفاعة، كقوله ﵊ في حديث أبي هريرة في الصحيح: (أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه) وفي حديث يرويه سبعة عن النبي ﷺ: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) وإن كان هذا الحديث فيه كلام، لكن من أهل العلم من اعتبره.
والشاهد من هذا أن عموم شفاعته لأهل الكبائر تدل على أنه يشفع فيمن استوجب دخول النار أن لا يدخلها، وإذا كان النبي ﵊ شفع فيمن دخل النار فلا شك أن من لم يدخل النار أقرب إلى هديه وسنته ممن دخلها، فإن الله لا يظلم مثقال ذرة، ولا شك أنهم أقرب إلى العفو والرحمة ممن دخل النار، وعليه فإن هذه الشفاعة ثابتة وداخلة في كلام السلف، وما ذكره بعض أهل العلم كالإمام ابن القيم ﵀ عندما قال: "وهذا النوع من الشفاعة ليس فيه صريح
إلى آخره"، فهذا ليس على إطلاقه، بل هذه الشفاعة ثابتة بإجماع أهل السنة والجماعة، فإن السلف إذا ذكروا الشفاعة لأهل الكبائر أرادوا بها هذا وهذا، وإن كان النوع الأول جاء تفصيله في النصوص أكثر.
وهذا النوع من الشفاعة أنكره الخوارج والمعتزلة بناءً على أصلهم الفاسد: أن مرتكب الكبيرة مخلد في النار، وأقر بها جمهور المسلمين، وهي إجماع عند أهل السنة والجماعة.
وإذا قيل: هل جاء ذكرها في كلام الله؟
الجواب: جاء ذكرها في القرآن مجملًا، فذكر الشفاعة التي يأذن الله بها لمن يشاء ويرضى.
وهذه الشفاعة ليست خاصة برسول الله ﷺ، بل تكون له ولغيره من الأنبياء والمرسلين ومن شاء الله من الصديقين والصالحين، ولكن قيل: كل شفاعة ليست خاصة فإن حظه ﷺ ومقامه فيها أتم من مقام غيره، ومقامه في هذه الشفاعة أتم من مقام سائر الأنبياء فضلًا عمن دونهم.
[ ١٤ / ١١ ]
الشفاعة لأهل الجنة بتعجيل دخولهم ورفع درجاتهم
ومن شفاعته ﷺ لأهل الجنة أن يعجل دخولهم ويرفع درجاتهم، فهذان وجهان من الشفاعة لأهل الثواب، وهذه الشفاعة أقر بها المعتزلة والخوارج في الجملة، وليس فيها نزاع مشهور بين أهل القبلة، وإن كان بعض غلاة أهل البدع أنكرها كما قال ذلك شيخ الإسلام: "ونقل بعض الغلاة من الوعيدية الإنكار لمثل هذا النوع من الشفاعة، وإذا قيل -أي: إنكارها- ففي الغالب أن إنكارها على أصول المعتزلة أظهر منه على أصول الخوارج؛ لأن المعتزلة يعتبرون في أصولهم: أن الثواب والعقاب على مبدأ المعاوضة، ومن هنا يمتنع عندهم الزيادة والنقص فيه؛ ولهذا يترددون في مسألة الزيادة والنقصان فيه لأنهم يعتبرونه من باب الظلم، إذا زيد أحد فإنه نقص لغيره، أو عدم عدل مع غيره ..
إلخ".
أما جمهور المعتزلة فهم يثبتون هذا النوع من الشفاعة، وهو الذي عليه جمهور المسلمين وهو إجماع لأهل السنة.
إذًا: هذه الشفاعة الثالثة يقال فيها ما يقال في الثانية: أنها ليست خاصة برسول الله، بل تكون له ولغيره، ولكن مقامه أتم.
[ ١٤ / ١٢ ]
شفاعته ﷺ في عمه أبي طالب
وهذه الشفاعة خاصة به ﷺ وخاصة بـ أبي طالب، وهذا خاص به وخاص لـ أبي طالب، فليس هناك نبي أو رسول أو غيرهم يشفع لكافر، فإن الكفار محجوبون عن الشفاعة، كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨] أما أبو طالب فإن النبي ﷺ اختصه بهذه الشفاعة وعدًا من الله.
وإذا قيل: إن هذا الحديث معارض لظاهر القرآن!
قيل: هذا ليس صحيحًا، إنما هذه حالة مخصوصة لـ أبي طالب، والذي ذكر في القرآن هو مسألة العذاب من جهة رفعه، وأما من جهة درجات العذاب فإن هذا لم يذكر شأنه في القرآن، وأبو طالب لم يحصل له بالشفاعة رفع العذاب عنه وإنما حصل له قدر من ماهية العذاب، ولهذا فإن العباس لما قال للنبي ﷺ كما في الصحيح: (هل نفعت أبا طالب بشيء فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: نعم، هو في ضحضاح من النار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار).
وهنا سؤال هل النبي ﷺ سأل ربه الشفاعة لـ أبي طالب وأن يخفف عنه العذاب فأجابه الله إلى ذلك فخفف عنه العذاب، أم أن الأمر هو أن الله قضى لـ أبي طالب هذا القضاء بسبب حاله مع الرسول ﷺ؟!
الجواب: لا يلزم أنه سأل ربه ذلك، لكن الله أخبره أن عمه على هذا القدر من العذاب بسببه، ولولا مقامه مع رسول الله ﷺ لما كان على هذا القدر، بل كان أشد.
ونقول: إن الأصل والمناسب لأصول الشريعة أن هذا هو قضاء الله، إلا إذا جاء نص صريح في السنة النبوية يبين أن النبي ﷺ شفع وسأل ربه لعمه سؤالًا مختصًا فأجيب إليه، فإن قوله ﵊ للعباس لما سأله لا يلزم منه أنه حصل هذا عن عن سؤال، إنما كان هذا عن إخبار من الله للنبي في شأن عمه، وبين الله لنبيه أن هذا بسبب حاله مع رسول الله.
إذًا ..
الأصل وظاهر بعض النصوص في الصحيحين وغيرهما أن هذا كان من قضاء الله المحض الذي ليس فيه شفاعة، ولكنه قرن بسببه ﷺ، فما درج عليه شفاعته لـ أبي طالب فلا نجزم فيها بنفي، لكن نقول: هذا معتبر بثبوت النص، فإن ثبت نص صريح في أن النبي شفع له قيل: هذه شفاعة أجيب إليها.
وإن لم يثبت قيل: هذا قضاء الله، ولكن ذكر سببه وهو مقامه مع النبي ﵌، وهذا الفهم إذا لم يوجد نص هو الذي يصار إليه ولا يعدل إلى غيره، وكما هو مذكور في الحديث أنه ليس إخراجًا من النار وإنما هو تخفيف من شأن عذابه، وهذا دليل على أن أبا طالب كان كافرًا خلافًا لما زعمته بعض طوائف الشيعة أنه أسلم إلى آخره، فإن هذا كله من الكذب الذي ليس بشيء.
وباختصار: فإن مسألة أبي طالب تحتاج إلى تعمق وتتبع للنصوص، فإذا لم يصح فيها نص بذكر الشفاعة فلا تعد من مسائل الشفاعة وإنما تعد من قضاء الله المختص بـ أبي طالب، وأما إبراهيم فإنه يشفع لأبيه فلا يشفعه الله فيه كما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة: (يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول إبراهيم لأبيه: ألم أقل لك: لا تعصني؟ فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: يا رب! إنك وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله له: إني حرمت الجنة على الكافرين، ثم يقال: يا إبراهيم! انظر ما تحت رجليك؟ فينظر فإذا هو بذيخ متلطخ -أي: أن صورة آزر تقلب إلى سبع- فيقول إبراهيم: بعدًا بعدًا، فيؤخذ بقوائمه إلى النار) فلا تقبل شفاعة نبي أو رسول في أحد من أقاربه أو من غيرهم، إنما هذا خاص بـ أبي طالب.
والأظهر أنه قضاء من الله ﷾ وليس عن شفاعة، وهذا هو الأنسب في الأصول، وهو المناسب لظاهر القرآن في قوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨]، وقوله تعالى في شأن أبي طالب: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:١١٣] وإن كان هذا في الاستغفار، وقال النبي ﷺ: (استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي) وكذا في قصة نوح مع ابنه.
ولهذا لك أن تقول: إن فيه خصوصية لـ أبي طالب؛ لأن قائلًا قد يقول: وغيره من الكفار الذين لهم بعض الحسنات هل يخفف عذابهم بحسناتهم كمن يبذل المال أو الماء أو العتاق أو يبذل في بعض وجوه الخير؟
الجواب: النبي ﷺ قال في حديث أنس الذي رواه مسلم وغيره: (إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها) والمراد بالحسنة هنا: لا يلزم أن الكفار ما يعرفون الخير، فالله يقول: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤] وهذه كلها أوجه من الخير تصدر من المسلم والكافر، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٤] أي: في الآخرة، ولهذا فإن الكافر قد يفعل الخير على مثل هذا الوجه.
أبو طالب لم تكن حسنته لوجه الله ﷾، إنما كانت حسنة مع رسول الله من أجل القرابة والصلة والسؤدد ..
إلى آخره من أوجه المقاصد عند أبي طالب، لم يجز عليها في الآخرة.
[ ١٤ / ١٣ ]
شبهة المعتزلة في نفي الشفاعة والرد عليها
قال الموفق ﵀: [ولسائر الأنبياء والمؤمنين والملائكة شفاعات، قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنْ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:٢٨] ولا تنفع الكافر شفاعة الشافعين].
قوله: (والمؤمنين) ليس المراد أن جملة أعيان المؤمنين يشفعون، فإن هذا ليس بلازم، وإنما من يقضي الله له ﷾ بمقام من الشفاعة بشرط إذن الله للشافع ورضاه عن المشفوع له.
وقد استدل الخوارج والمعتزلة على نفي الشفاعة بقوله: ﴿إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦]، حيث قالوا: وهذا دليل على أنها لا تكون لأهل الكبائر، بل تكون لأهل الثواب في رفع الدرجات ونحو ذلك؛ لأن شرطها أن يأذن الله ويرضى، الإذن للشافع والرضا عن المشفوع له.
قالوا: وصاحب الكبيرة ليس مرضيًا عند الله لكبيرته، وإنما المرضي عنده صاحب الثواب؛ فهذا هو الذي يشفع له في رفع درجاته، فإن الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه الأبرار الصالحون الذين ذكرهم في مثل قوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح:١٨] ..
﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠]، فالفجار والفساق وأهل الكبائر ليسوا ممن ﵃!
ويجاب على ذلك بأن يقال: إن الأسماء والأوصاف والإضافات في كتاب الله بحسب مواردها، فالرضا هنا يراد به عن أصل التوحيد، فإن صاحب الكبيرة هل يقال: إن الله لم يرض عنه مطلقًا، أم أن الله رضي عنه توحيده وإسلامه الأصل؟
فبقدر ما يقال: إنه ممن غضب الله عليه إلا أن له حالة من الرضا، فإذا كانت كبيرته موجبة لغضب الله فإن حسنته موجبة لرضاه، فمن قال: إنه قد غضب عليه بالكبيرة، قيل: فلم لم يرض عنه بالطاعة؟
لماذا رضي الله عن الصحابة؟
لأنهم أصحاب حسنات.
ولماذا غضب على الكفار؟
لأنهم أصحاب سيئات محضة.
فإذا اجتمعت حسنة وسيئة فمن قال: إنه يستحق الغضب قيل: أليس بأولى أن يستحق الرضا؟ فإن موجب الغضب هو السيئة، وموجب الرضا هو الحسنة، وصاحب الكبيرة كما أن له سيئة إلا أن له حسنة أعظم من سيئته.
إذًا ..
قوله: (ويرضى) إبانة لامتناع الشفاعة في حق الكفار، وهو معنى قوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨].
[ ١٤ / ١٤ ]