يجب الإيمان بالجنة والنار، وأنهما مخلوقتان الآن، وأنهما لا تفنيان أبدًا، فأهل الجنة فيها خالدون، وأهل النار فيها خالدون، والقول بفنائهما أو بفناء النار فقط قول مبتدع محدث لا دليل عليه من الكتاب ولا من السنة، وأول الأمم دخولًا الجنة هم أمة محمد ﷺ، صاحب اللواء المعقود، والحوض المورود، والمقام المحمود.
[ ١٥ / ١ ]
الإيمان بالجنة والنار
قال الموفق ﵀: [والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان، فالجنة مأوى أوليائه، والنار عقاب لأعدائه].
الجنة والنار مخلوقتان وموجودتان الآن، وغلط من قال من أهل البدع: إنهما تنشآن عند موافاة الناس لربهم، بل الصواب الذي قضت به النصوص وأجمع عليه السلف: أن الجنة والنار مخلوقتان، والنبي ﵊ أُري ذلك في يقظته ومنامه، وجاء ذكر ذلك في الكتاب والسنة على التفصيل.
ومسألة دوام الجنة أمر مجمع عليه بين السلف إجماعًا قطعيًا، ومن شذ فيه فإنما هو من ضلالات وغلو من قد يفرض ضلاله أو شذوذه من أهل البدع.
وأما النار، فإنها دائمة كدوام الجنة، وكان جهم بن صفوان لا يذهب إلى دوامها، وكذلك أبو الهذيل العلاف، وإن كان بين القولين فرق معروف في كتب المتكلمين، فهذان القولان من أقوال أهل البدع.
وهناك قول ثالث انتصر له ابن القيم ﵀ في كتابه: حادي الأرواح.
لابد لنا أن نعرف أن بين هذه الأقوال اختلافًا بينًا، فأشذها قول الجهم، ثم أقل منه قول أبي الهذيل العلاف، وهذان القولان من أقوال أهل البدع المعروفة، وابن القيم ذكر قولًا نذكره في مسألتين:
المسألة الأولى: أن القول الذي أشار إليه ابن القيم ليس قول أبي الهذيل ولا قول الجهم بن صفوان، ولهذا من رد على ابن القيم ﵀ وقال: إن قوله هذا هو قول أبي الهذيل وجهم بن صفوان، هذا غلط على ابن القيم وزيادة عليه ﵀، والعدل واجب، والإنصاف لازم.
المسألة الثانية: أن ما جمعه ابن القيم في كتابه: (حادي الأرواح) من الآثار والأدلة فيه زيادة، فإن صح فهو اجتهاد من ابن القيم، أن عمر وجماعة من الصحابة وكبار أئمة التابعين كانوا يقولون بهذا القول، وهذا عليه ظواهر النصوص ..
إلى آخره، وافترق عليه السلف ..
والجمع بين الفريقين ..
إلى آخر تعبيرات ابن القيم ﵀.
فالمسألة لم تكن بهذا القدر أبدًا عند السلف ولهذا لم ينتشر الخلاف فيها في كتب أهل السنة الأولى، ففيه تصوير زائد في المسألة، وإنما هذا قول يسير من أهل العلم فهموا هذا الفهم، وابن القيم مال إليه في هذا الكتاب ميلًا أو مقاربة أكثر منه إلى التصريح، فإنه يُقدم ثم يحجم ﵀ عن التصريح والجزم.
وفي كتابه: (الوابل الصيب) عندما ذكر هذه المسألة نص على أن مذهب أهل السنة والجماعة: أن الجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان ولا تبيدان، وهذا قول مجمل، فهل ابن القيم ﵀ اعتبر القول الذي ذكره في الوابل وكان مترددًا في القول الثاني الذي ذكره في حادي الأرواح؟!
المسألة الثانية: أن ذكر ابن القيم ﵀ لآثار سلفية، وانقسام أهل السنة ..
إلى آخره، المسألة ليست بهذا القدر، لم ينتشر الخلاف فيها في كتب أهل السنة الأولى ولا بين السلف، إنما ظاهر كلامهم المنقول عنهم -وهو الدوام- كما هو ظاهر كتاب الله وسنة نبيه.
مسألة: هل يقول ابن تيمية ﵀ بفناء النار؟
كتب شيخ الإسلام ﵀ ليس فيها ذكر لهذا القول أبدًا، وإنما هناك رسالة محققة منسوبة لـ شيخ الإسلام ابن تيمية فيها جزم وتصريح بهذا القول، ونسبتها إليه لا تصح فهو غلط.
وشيخ الإسلام في كتبه نص في مواضع كثيرة على أن الجنة والنار لا تبيدان ولا تفنيان، وذكر أن هذا إجماعًا عند أهل السنة والجماعة، وأن خلافهم من أقوال أهل البدع، وما نطق بحرف واحد في كتبه المعتبرة المضبوطة عنه بأن النار تفنى.
وعلى فرض الجدل أن ابن القيم أو ابن تيمية ﵀ يقول بفناء النار، فهذا اجتهاد قد انفردا فيه، وفاتهم فيه شيء، وأمره يسير، ولا يكون من المسائل المشكلة على طالب العلم.
[ ١٥ / ٢ ]
أهل الجنة والنار مخلدون
قال الموفق ﵀: [وأهل الجنة مخلدون: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [الزخرف:٧٤] * ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف:٧٥] ويؤتى بالموت في صورة كبش أملح، فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال: (يا أهل الجنة! خلود ولا موت، ويا أهل النار! خلود ولا موت)].
هذه المسألة من الأحكام الغيبية التي يجب الإيمان بها من أن الموت يؤتى به في صورة كبش، وهذا من جنس قول النبي ﷺ كما في حديث أبي أمامة في الصحيح: (تجيء البقرة وآل عمران يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف) مع أن القرآن -ومنه سورة البقرة- هو كلام الله، فهذا ليس معناه أن كلام الله ينقلب إلى أعيان مخلوقة، فإن كلامه ﷾ صفة من صفاته في هذه الدنيا، وإذا قام الناس إلى ربهم سبحانه، فإنه يجيء ثوابهما؛ لأن صفات الله ﷾ لها أثر، كما في قول النبي ﷺ: (إن الله خلق مائة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة بها يتراحم الناس، وبها تعطف الوحش على ولدها، وأبقى تسعة وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة).
فصرح في الحديث بلفظ (الخلق) مع أن رحمة الله صفة من صفاته ليست مخلوقة، وهذه قاعدة أشار إليها شيخ الإسلام، -وإن كانت الرواية الأولى في صحيح مسلم ليس فيها ذكر الخلق، إنما فيها: (إن لله مائة رحمة).
ومنهم من قال بشذوذ رواية (للخلق)، وهذا لا موجب له من جهة المتن، فإن ابن تيمية ﵀ ذكر قاعدة وهي: "أن الاسم قد يذكر ويراد به الفعل الذي هو الصفة، وقد يذكر الاسم ويراد به المفعول"، وهذا أثر من آثار هذا الاسم، كتسمية المطر من رحمة الله، فهذا أثر عن رحمة الله ﷾.
[ ١٥ / ٣ ]
الإيمان بنبوة محمد ﷺ من أركان الإسلام
قال الموفق ﵀: [ومحمد رسول الله ﷺ خاتم النبيين وسيد المرسلين، لا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته، ويشهد بنبوته، ولا يقضى بين الناس في القيامة إلا بشفاعته].
هنا مسألة تكلم عنها كثير من المتأخرين من أهل العلم، وهي: من شهد أن لا إله إلا الله ولم يشهد أن محمدًا رسول الله، فهل يقال: إنه بشهادة أن لا إله إلا الله دخل الإسلام ويعتبر مسلمًا، أم يقال: إنه لا يدخل الإسلام إلا بالشهادتين معًا؟
الجواب: لا يثبت الإيمان والإسلام إلا بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، لكن هل يلزم على هذا أن من قال: لا إله إلا الله وقصد بها الدخول في دين الإسلام، والبراءة من الكفر، وهو على إقدام في قلبه بذكر شهادة أن محمدًا رسول الله، وبمن جاء به نبيًا رسولًا، وهو محمد ﵊، من قال هذه الكلمة وقصد معنى شهادة أن محمدًا رسول الله في ضمنها؛ فإن هذا دخل في الإسلام إجماعًا، وما حَكَمَ من المتأخرين بخلافه فليس بصحيح؛ لأن لا إله إلا الله تتضمن الدين كاملًا، ولهذا يقال: من كفر برسول الله فقد كفر بالله، إذًا: يحمل حسب المعاني القائمة في القلب.
أما من قال: لا إله إلا الله ولم يقصد الإيمان برسوله، وإنما قال: أنا أؤمن بالتوحيد دون أن يلزم بشريعة محمد ويكون على شريعة غيره أو ما إلى ذلك، هذا لم يكن مسلمًا، وكثير من المتأخرين يقول: لأنه لم يصرح بشهادة أن محمدًا رسول الله ..، والصواب أنه كفر؛ لأن قوله: لا إله إلا الله ليست صحيحة، فإن من يقول: لا إله إلا الله ولا يؤمن برسول الله شهادته بالتوحيد شهادة باطلة؛ لأن معنى لا إله إلا الله: أن الله هو المعبود وحده بما شرع، فمن يقول بالتوحيد دون شريعة محمد فحقيقة قوله: أن الله معبود عنده بما يهواه، وليس بما شرع الله، والتوحيد شريعة وإخلاص، ولهذا فإن من عبد الله بهواه لا يكون عابدًا له، وكذا كل من انسلخ من الشريعة لم يكن محققًا للإخلاص والتوحيد، إلا أصحاب الشرائع النبوية، ولهذا فإن من فسدت شريعته في أصولها فسد توحيده كاليهود والنصارى، فإنه لما فسدت شريعتهم دخل عليهم الشرك، وهكذا.
أيضًا: كلمة لا إله إلا الله تتضمن الرسالة النبوية، وكلمة الرسالة النبوية تتضمن التوحيد، وعليه فإذا قيل: هل يدخل الإسلام بلا إله إلا الله أو بالثانية معها؟
قيل: هذا بحسب المقامات والمعاني، ولهذا من يقول من المتأخرين: إنه لا بد من ذكر محمد رسول الله.
نقول: نعم، لا شك أن من لم يؤمن برسول الله فهو كافر، وأن الشهادة له ﷺ بالرسالة واجبة معنىً ولفظًا، وركن في الإسلام، فالإسلام بني على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فمن أركان الإسلام النطق بالشهادتين معًا، من لم ينطق بهما، أو امتنع عن النطق بشهادة أن محمدًا رسول الله، وقال: هي قائمة في قلبه لكنه لا يريد أن ينطق بها فإنه يكون كافرًا.
لكن من قصد النطق بالابتداء الأول (لا إله إلا الله) فهذا من جنس قول النبي ﷺ لـ أسامة بن زيد لما أدرك الرجل في القتال، فقال الرجل: لا إله إلا الله عندما رفع عليه أسامة السيف وكان الرجل يقاتل المسلمين فقتله أسامة، قال النبي ﷺ: (أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله؟! فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟!)، ومثله حديث المقداد بن الأسود لما قال: (أرأيت يا رسول الله إن لقيت رجلًا من الكفار فقاتلني، فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة، فقال: أسلمت لله، أفأقتله يا رسول الله؟! قال: لا، قلت: فإن قتلته؟ قال: إن قتلته فإنك بمنزلته قبل أن تقتله، وإنه بمنزلتك قبل أن يقول كلمته التي قال) مع أن الرجل قال: أسلمت لله.
إذًا: مسائل الابتداء ليست هي مسائل الثبوت الثاني، ولهذا كان النبي ﷺ يقول لعمه كما في حديث سعيد بن المسيب الذي في الصحيحين: (يا عم! قل: لا إله إلا الله) هل أراد النبي ﷺ أنها تكفيه ولو لم يؤمن بالرسالة؟! كلا، فإن هذه المسألة فيها تفصيل لفظي، وأما معانيها فإنها متفقة.
[ ١٥ / ٤ ]
شفاعة الرسول ﵊ في تعجيل القضاء بين العباد يوم القيامة
قال الموفق ﵀: [ولا يقضى بين الناس في القيامة إلا بشفاعته].
يقصد المصنف بذلك الشفاعة العظمى، وهذه الكلمة لو لم يعبر بها المصنف لكان أشرف، فإن التعظيم للرسول ﷺ لا يجب أن يكون على حقوق الله.
فقوله: (ولا يقضى بين الناس في القيامة إلا بشفاعته) الصواب: أنه يقضى بينهم ولو لم يشفع فيهم النبي ﷺ؛ لأن الله ﷾ ما جاء بهم للفصل يوم الحساب إلا ليقضي بينهم، لكن هذا من تعجيل القضاء، فإذا قيل: هل شفاعته هي التي استوجبت القضاء، أم استوجبت تعجيله؟
نقول: هذه أحكام الله وحقوقه ﷾، لا يجوز أن يُصرف منها شيء لنبي من الأنبياء أو لرسول من الرسل.
فتعبير المصنف فيه إجمال لو لم يعبر به لكان أجود.
إذًا ..
يقضي الله بين الناس قضاءً، وهذا وعد الله وقدره السابق، لكن إنما كانت شفاعة النبي ﷺ سببًا للتعجيل.
[ ١٥ / ٥ ]
أمة محمد ﷺ أول الأمم دخولًا الجنة
قال الموفق ﵀: [ولا يدخل الجنة أمة إلا بعد دخول أمته].
النبي ﷺ هو أول من يدخل الجنة كما في الصحيحين عن أنس: (آتي يوم القيامة باب الجنة فيستفتح، فيقول خازنها: من أنت؟ فيقول: محمد، فيقول: بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك) وكذلك أمته هي أول الأمم دخولًا الجنة.
وقوله: (لا يدخل الجنة أمة إلا بعد دخول أمته) هذا فيه قدر من الإجمال، ولا يلزم من هذا أن سائر طبقات هذه الأمة يدخلون قبل دخول بقية الأمم، فإن الأمم الأخرى فيهم الأنبياء، ولا شك أن الأنبياء مقامهم أشرف حتى من مقام الصحابة، وكذلك فيهم قوم صالحون وصديقون أفضل من كثير من أتباع النبي ﷺ، فإن في أتباع محمد السابق بالخيرات ..
والمقتصد ..
والظالم لنفسه ..
وصاحب الكبائر ..
إلى آخره.
إذًا ..
أمة النبي ﷺ أول من يدخلون الجنة من جهة ابتداء الأمم لا من جهة كل الأفراد والأعيان، فهذا أمر ممتنع، ومثل هذه اللزومات في كلام بعض أهل العلم فيها تكلف، ككلام ابن حزم ﵀ لما قال: إن نساء الرسول ﵊ أفضل من العشرة المبشرين بالجنة؛ لأنهن نساؤه في الدنيا والآخرة، وإذا كن نساؤه في الجنة سيكن معه في درجته، ودرجته لا يبلغها العشرة المبشرون بالجنة! وهنا قيمة تكلف وظاهرية محضة من ابن حزم؛ لأنه لو لزم هذا المعنى للزم أن نساء النبي ﷺ أفضل من الأنبياء والمرسلين، فمثل هذه الأمور قياسات لا وجه لها.
[ ١٥ / ٦ ]
من خصائص المصطفى ﷺ
قال الموفق ﵀: [صاحب لواء الحمد، والمقام المحمود، والحوض المورود، وهو إمام النبيين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم].
هذه من خصائصه وفضائله ﷺ، وفضائله وخصائصه ﷺ أكمل من فضائل غيره في الدنيا والآخرة، ولكن مع ذلك يكون بعض المرسلين لهم مقامات يختصون بها، كعيسى فإن الله رفعه إليه، فهذا اختصاص في شأن عيسى ﵊، ولا شك أنها منزلة لم يؤتها غيره من الأنبياء والمرسلين.
يقول ﵊: (إن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق، فإذا موسى آخذ بقائمة العرش -وفي وجه: بساق العرش- فلا أدري أفاق قبلي، أم جوزي بصعقة الطور) فهذا من مقامات التشريف لموسى، مثل قوله ﵊: (إن أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم) فهذه تشريفات مختصة بالأنبياء.
إذًا: لا يظن أن مقام الأنبياء أو أولي العزم من الرسل مؤخر على كل تقديم، بل هناك مقامات، ولكن الاعتبار بالتفضيل العام الشامل، وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة:٢٥٣].
[ ١٥ / ٧ ]