من عقيدة أهل السنة والجماعة: تولي أصحاب رسول الله ﷺ ومحبتهم، وذكر محاسنهم، والدفاع عنهم، والكف عن مساويهم وما حصل بينهم من شجار أو قتال. ومن عقيدتهم: الترضي عن أزواج النبي ﷺ والاعتراف بفضلهن وسابقتهن، وأن معاوية ﵁ خال المؤمنين، وكاتب وحي رسول رب العالمين، وأحد خلفاء المسلمين. ومن عقيدتهم: وجوب السمع والطاعة لأمراء المسلمين وأئمتهم، وعدم الخروج على ولاة المسلمين وإن كانوا ظالمين.
[ ١٩ / ١ ]
من السنة تولي أصحاب رسول الله ومحبتهم وذكر محاسنهم
قال الموفق ﵀: [ومن السنة تولي أصحاب رسول الله ﷺ، ومحبتهم، وذكر محاسنهم، والترحم عليهم، والاستغفار لهم، والكف عن ذكر مساويهم وما شجر بينهم، واعتقاد فضلهم، ومعرفة سابقتهم].
هذا كله مستقر أن من السنة التولي لأصحاب رسول الله ﷺ، والمصنف عبر بقوله: (والترحم عليهم) ولو عبر بالترضي لكان أجود، فإن الله يقول: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح:١٨]، ويقول: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ ﵃﴾ [التوبة:١٠٠] فالذي درج عليه أهل العلم وأهل السنة هو الترضي عن الصحابة، وأما من بعد الصحابة فإنه يترحم عليه، وهذا كله دعاء، وليس خبرًا، ومع ذلك قدر يقع قدر من التوسع في ذلك، فأحيانًا يُترضى عمن من بعد الصحابة فهذا لا بأس به، بل حتى ما هو فوق ذلك وهي الصلاة والسلام، فإنها خاصة برسول الله ﷺ إذا ما قصد الاطراد، وإلا إذا قيل: هل يجوز أن يصلى على غير النبي ﷺ فيقال مثلًا: أبو بكر ﵊؟
ذهب: الجمهور من أهل السنة وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ والصحيح في مذهب أحمد أن هذا جائز، وإذا قيل: إنه جائز.
ليس معناه أنه مشروع، إنما المراد أنه مأذون فيه ولا ينكر، وبشرط ألا يختص بمعين غير النبي ﷺ، وألا يكون مطردًا.
أي: دائمًا لا يذكر أحد من الصحابة إلا ويقول: ﵊! هذا لا شك أنه بدعة، أو خصص صحابيًا من الصحابة بعينه كـ علي أو غيره من آل البيت بذلك فلا شك أن هذا بدعة، وأما إذا عرض أحيانًا فإنه سائغ، وقد قال ابن عباس لـ عمر: [عليك الصلاة والسلام]؛ فأقره.
[ ١٩ / ٢ ]
وجوب الكف عن مساوئ الصحابة
قال الموفق ﵀: [والكف عن ذكر مساويهم].
من هدي أهل السنة والجماعة فيما شجر بين الصحابة ﵃ زمن الفتنة والقتال هو الكف عن ذلك، وقد كان الإمام أحمد ﵀ يجيب في بعض جواباته إذا سئل عن ذلك: بقوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:١٣٤] وهذه قاعدة شريفة يجب على طالب العلم وعلى المسلمين عامة أن يتقلدوها، وهي من قواعد القرآن في الحكم بين الناس ومعرفة أحوالهم، فإن الله لم يكلف العباد أن يعرف بعضهم حال بعض أو شأن بعض، لا من جهة البر ولا من جهة الإثم والشر والعدوان.
ولهذا فإن الصحابة في الجملة لم يكونوا على معرفة بتفاصيل أحوال المنافقين، وحتى ظاهر القرآن يبين أن النبي ﷺ نفسه لم يعلم جميع المنافقين من حوله وفي زمنه، كما في قوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة:١٠١] هذا صريح القرآن.
إذًا: ما يقصد إليه البعض من تتبع أعيان الناس في الشرق والغرب، وفي اليسير والقليل من الكلام، ويأخذ الكلام المجمل فيجعله مفصلًا، ويقول: إنه قصد كذا وكذا ..
وهذا أصله من كذا وكذا ..
ويفرع تفريعات، ويرمي الناس بالألقاب والأوصاف التي هي أوصاف ذم أو طعن! ويرى أن هذا من التحقيق والضبط للأمور ..
هذا فيه تكلف ولا شك.
لا شك أن من أظهر البدعة وعرف بها فإنه يطعن فيه، ويسمى مبتدعًا ببدعته، وهذا الذي درج عليه السلف؛ ولهذا من يقول: إن السلف ذموا أهل البدع.
نقول: نعم، هذه سنة من سنن السلف لا ينكرها إلا جاهل أو مخالف للسلف، ولكن السلف إنما ذموا أهل البدع الذين أظهروا البدع وفارقوا السنة والجماعة، فكل من أظهر البدعة وفارق السنة والجماعة فإنه يذم، أما أن يتكلف إخراج الناس من السنة والجماعة ويحتكر اسم السنة والجماعة أو السلفية على أعداد يسيرة من الناس، فهذا ليس عدلًا ولا شرعًا ولا هدىً ولا أثرًا سلفيًا.
فهذا حماد بن أبي سليمان أخرج العمل عن مسمى الإيمان، وعد السلف قوله بدعة وهو من أعيان أهل السنة، وابن خزيمة فسر حديث الصورة بتفسير كان الإمام أحمد يقول فيه: "هذا تفسير الجهمية"، ومع ذلك ما قال أحد: إن ابن خزيمة من الجهمية، والإمام أحمد في مسألة اللفظ بالقرآن في رواية أبي طالب، وهي رواية صحيحة معتبرة، ومن أنكرها فقد غلط، وهي معروفة عند محققي الحنابلة وغيرهم، يقول: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال: القرآن غير مخلوق فهو مبتدع، ومع ذلك جاء محمد بن يحيى الذهلي وهو من كبار المحدثين وشيخ البخاري وأمثاله فقال: "إن اللفظ بالقرآن ليس مخلوقًا"، وأراد الذهلي أن القرآن ليس مخلوقًا، فكان مراد الذهلي صحيحًا، وحرفه ينكره الإمام أحمد ويقول: هذا حرف أهل البدع.
وجاء البخاري وجماعة من كبار أئمة السنة والمحدثين فقالوا: "اللفظ بالقرآن مخلوق"، وكان مراد البخاري وأمثاله: أن أفعال العباد مخلوقة، فأرادوا باللفظ هنا فعل العبد، فمراد البخاري وأمثاله صحيح، وإن كان حرفه حرفًا مجملًا، فهل يقال: إن البخاري يسمى جهميًا لأن الإمام أحمد يقول: من قال: اللفظ بالقرآن مخلوق فهو جهمي؟!
وأما ما تكلف فيه بعض المتأخرين أنها نسبة خاطئة إلى البخاري ولم يصح عنه؛ بلى فهذا غير صحيح، بل هذه أمور منضبطة وصحيحة عن البخاري وغيره، لكن المقصود أن الكلمات تفهم على مقاصدها، فمنهج أهل السنة الكف عما شجر بين الصحابة.
وهذا لا يعني عدم العلم بما جاءت به السنة، كالقول بأن عليًا أولى بالحق من معاوية، فهذا ليس من الطعن في معاوية، بل هذه سنن ثابتة حدث بها الرسول ﵊ كما في قوله: (تقتلهم أولى الطائفتين بالحق).
وكذلك القول عن الطائفة المعارضة لـ علي: إنها طائفة باغية هذا لا بأس به؛ فإن النبي ﵊ كما ثبت عنه في الصحيح قال: (تقتل عمارًا الفئة الباغية)
إلى غير ذلك.
فمثل هذه الأمور التي انضبطت سننًا وآثارًا عن النبي ﵊ تقال، وأما التفاصيل والدخول في المقاصد وأمثال ذلك فهذا ليس من الهدي.
قال الموفق ﵀: [قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًاّ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر:١٠]، وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩] وقال النبي ﷺ: (لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)].
لا يصل أحد إلى قدر الصحابة ومكانتهم أيًا كان قدره ومقامه، فإن الصحابة لهم اختصاص الصحبة، وقد فضلهم الله تعالى بذلك، ومن هنا نهى النبي ﷺ عن سبهم والتقديم عليهم.
[ ١٩ / ٣ ]
الترضي عن أزواج النبي ﷺ والاعتراف بفضلهن
قال الموفق ﵀: [ومن السنة الترضي عن أزواج الرسول ﷺ، أمهات المؤمنين المطهرات المبرآت من كل سوء، أفضلهن خديجة بنت خويلد، وعائشة الصديقة بنت الصديق، التي برأها الله في كتابه، زوج النبي ﷺ في الدنيا والآخرة، فمن قذفها بما برأها الله منه فقد كفر بالله العظيم].
أفضل نساء النبي ﷺ وأزواجه هي خديجة وعائشة، وقد أجمع أهل السنة على أن أفضل نساء هذه الأمة ثلاث: عائشة، وخديجة، وفاطمة، ثم اختلفوا، فمنهم من فضل عائشة، ومنهم من فضل خديجة، ومنهم من فضل فاطمة، ومنهم من توقف، وهذه مسألة اجتهادية فيها سعة.
ومن قذف عائشة ﵂ بعدما تبين له النظر في كتاب الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور:١١] فمن لم يعتبر بهذا المذكور في كلام الله ﷾ وأصر على ذلك فلا شك أنه كافر؛ لأن هذا تكذيب للقرآن.
[ ١٩ / ٤ ]
فضل معاوية وتبرئته من الفسق والنفاق
قال الموفق ﵀: [ومعاوية خال المؤمنين، وكاتب وحي الله، أحد خلفاء المسلمين ﵃].
الطعن في معاوية من طرق أهل البدعة المخالفين للسنن والآثار، ومن يطعن فيه من الشيعة فإنهم يخالفون أصول أئمتهم الذين هم أئمة الهدى إذا صح أن لهم أئمة على هذا الاختصاص، وإلا فالحق أن علي بن أبي طالب -وإن كان إمامًا- والحسن والحسين لم يختصوا بطائفة، ولم يجعلوا أنفسهم أئمة مختصين بطائفة معينة، بل كانوا أئمةً لسائر المسلمين من أهل البيت وغيرهم.
فهذا الحسن بن علي -وهو من أئمة آل البيت- لما صار إليه الأمر تنازل به لـ معاوية، فلو كان معاوية في نظر الحسن بن علي وأئمة آل البيت رجلًا فاسقًا أو منافقًا -فضلًا عن كونه كافرًا- لما أمكن الحسن بن علي أن يتنازل بملك المسلمين ورقابهم وسلطانهم وطاعتهم وولايتهم لرجل فاسق.
وأما ما يعتذر به بعض الشيعة من أن هذا من التقية عند الحسن فهذه سفسطة لا صحة لها.
وأما إذا قيل: إنه كان عاجزًا فهذا يرده الواقع التاريخي، فقد جاء في صحيح البخاري وغيره من حديث عبد الرحمن بن حسنة: "أن الحسن بن علي استقبل معاوية بكتائب أمثال الجبال، فلما بلغ معاوية وقد حرضه بعض أهل الشام على المواجهة قال: إذا قتل هؤلاء هؤلاء من لي بضعفة المسلمين! من لي بنسائهم! من لي بذراريهم
إلخ".
فكان معاوية رفيقًا والحسن أيضًا كان رفيقًا حتى حصل الصلح بينهما.
إذًا: تنازل الحسن بن علي دليل على أنه يرى أن معاوية رجل صالح فاضل، بريء من الفسق فضلًا عن الكفر والنفاق.
[ ١٩ / ٥ ]
وجوب السمع والطاعة لأمراء المسلمين وأئمتهم
قال الموفق ﵀: [ومن السنة السمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين، برهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله، فإنه لا طاعة لأحد في معصية الله].
من منهج أهل السنة والجماعة السمع والطاعة لأمراء المسلمين بالمعروف، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] وهي مقيدة بطاعة الله ورسوله؛ ولهذا فإن في كتاب الله طاعتهم لم تطلق، فإن الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء:٥٩] فأعاد العامل -الذي هو الفعل (أطيعوا) - ولما ذكر أولي الأمر ترك العامل ولم يقل: (وأطيعوا أولي الأمر) فدل هذا على أن طاعتهم تابعة لطاعة الله ورسوله، وهذا هو معنى طاعتهم بالمعروف، فيطاعون في الطاعة دون المعصية.
[ ١٩ / ٦ ]
من قواعد أهل السنة عدم الخروج على الولاة المسلمين
قال الموفق ﵀: [ومن ولي الخلافة، واجتمع عليه الناس، ورضوا به، أو غلبهم بسيفه حتى صار خليفة فسمي أمير المؤمنين وجبت طاعته، وحرمت مخالفته والخروج عليه، وشق عصا المسلمين].
هذه قاعدة من القواعد الشرعية الصحيحة: أن ثبوت الملك يكون إما بالشورى وإما بالغلبة، فمن غلب واستقر ملكه وأظهر الإسلام بعد غلبته واستقراره فإن طاعته تكون واجبة ويكون وليًا شرعيًا، ولا يلزم في ذلك أن يكون جميع الأمر على مبدأ الشورى أو ما إلى ذلك، فإن من ظهر صح ظهوره وصحت طاعته.
والدليل على ذلك: إجماع العلماء على صحة إمارة بني العباس وأمثالهم، فإنهم أخذوها بالسيف ولم يأخذوها بالشورى، فظهروا على دولة بني أمية حتى غلبوهم، ومع ذلك لما ظهرت غلبتهم واستقر أمرهم، وذهب ملك بني أمية اعتبر الأئمة ﵏ أن بني العباس هم الملوك والسلاطين.
ومن يطلب فإنه قد يحصل منه التعدي أو سفك الدماء، فهذا مقام يختص به ويحاسبه الله عليه، لكن طاعته تكون شرعيةً واجبة، ولا يقال: إنه خرج أو انشق؛ فإن بني العباس إنما انشقوا على دولة بني أمية، ولم يقل العلماء والأئمة: إنهم خرجوا على دولة بني أمية، فإن الحاكم إذا غلب بالسيف واستقر أمره وأظهر الإسلام صار ملكًا شرعيًا تجب طاعته، ويكون من مضى على أمرٍ قد سلف.
[ ١٩ / ٧ ]