الأول والآخر اسمان من أسماء الله ﷿، ويتضمن هذان الاسمان صفتين من صفاته سبحانه، وهما: الأولية والآخرية.
ولهاتين الصفتين أثرهما على إيمان العبد وعبوديته لربه، فالله هو الأول وكل شيء بدايته بيده، وهو سبحانه الآخر وكل شيء خاتمته إليه.
[ ٢ / ١ ]
أهمية علم العقيدة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعه، وكل بدعة ضلاله، وكل ضلاله في النار، ثم أما بعد: فإن علم العقيدة من أشرف العلوم؛ لأنه يتعلق بصفات الرب جلا في علاه، ولا أحد أشرف من الله، والعبد مربوب لله جلا في علاه، والله جلا في علاه يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، والعلم من أجل العبادات، فبه يتعرف الإنسان على ربه حق المعرفة، فيعرفه بأسمائه الحسنى وبصفاته العلى، كما يعرف كمال الله وجلاله ﷾، ولا بد أن يعرف الإنسان كيف يتعبد لله جلا في علاه بصفاته التي علمه إياها.
[ ٢ / ٢ ]
الفرق بين الصفات الثبوتية والصفات السلبية
إن الفرق بين الصفات الثبوتيه والصفات السلبية هو أن الصفات الثبوتية يثبت الله لنفسه بها الكمال، وأما الصفات السلبية فينفي الله عن نفسه بها النقص، فالصفة الثبوتية كقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، ففي هذه الآية أثبت الله لنفسه صفة الحياة والقيومية، وهما من صفات الكمال، وكقول النبي ﷺ في الحديث القدسي كما في الصحيحين (الكبرياء ردائي والعظمة إزاري).
[ ٢ / ٣ ]
المعطلة من الجهمية والمعتزلة ومنهجهم في الصفات
المعطلة هم الذين عطلوا الأسماء والصفات فنفوها أو أولوها، كالجهمية والمعتزلة.
وهم قسمان: المعتزلة والجهمية، فالمعتزلة نفوا الصفات وأثبتوا الأسماء، والجهمية نفوا الأسماء والصفات، وعليه فإن التعطيل قسمان: تعطيل ناقص كتعطيل المعتزلة، وتعطيل كامل كتعطيل الجهمية.
فالمعتزلة يقولون: إن الله له اسم السميع لكن بلا سمع، وعند الجواب عليهم وإلزامهم بالحجة لا بد أن نأتي على المتفق عليه بيننا وبينهم، ثم نرد على المختلف فيه والمتفق عليه بين أهل السنة والجماعة وبين المعتزلة هو إثبات الذات لله جل وعلا، والمختلف فيه بينهم هو إثبات الصفات، فيكون الجواب على المعتزلة بقاعدة: القول في الصفات كالقول في الذات؛ لأن الصفة معنى قائم بالذات، فإذا قالوا: إن الله جلا وعلا له ذات مقدسه، وأثبتوا أن الله سميع مثلًا فيلزمهم أن يثبتوا المعنى القائم بهذه الذات وهو صفة السمع، فالقول في الصفات كالقول بالذات.
[ ٢ / ٤ ]
إثبات صفة الأولية لله ﷿
إن صفة الأولية من الصفات الذاتية الثبوتيه، وهي أخص صفه من صفات الله جلا في علاه، فالله جلا وعلا أول ليس قبله شيء.
والقاعدة في الصفات أنها توقيفه كلها، بمعني أننا لا بد أن نأخذها من الكتاب والسنة، وصفة الأولية ثبتت لله في الكتاب السنة نصًا واستنباطًا.
فأما النص فقد قال الله تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد:٣]، فالاسم هو الأول، وإذا ذكر الله الاسم فقد ذكر الصفة، للقاعدة التي قعدها أهل العلم وهي: أن كل اسم يتضمن صفة كمال، إذًا: فاسم الله الأول يتضمن صفة الأولية.
وأما من السنة فكان النبي ﷺ يقول: (اللهم أنت الأول)، ثم يفسر ذلك فيقول: (ليس قبلك شيء)، وأشار إلى هذا المعنى كما في الصحيحين، فقال ﷺ (كان الله ولم يكن شيء معه أو قبله)، فهذه الأدلة تثبت هذه الصفة.
[ ٢ / ٥ ]
كيفية التعبد لله بصفة الأولية
إذا أثبت العبد لله جلا في علاه صفة الأولية، وعلم أن الله هو الأول فلا بد أن يتعبد بهذه الصفة.
والتعبد بهذه الصفة تتضمن عدة أمور: أولاها: الرد على الفلاسفة، فإذا اعتقد العبد اعتقاد جازمًا بأن الله هو الأول، وأن الله كان ولم يكن شيء معه، فسوف يرد على الفلاسفة الذين يقولون بالتسلسل، والتسلسل قول مردود فالله كان ولا شيء معه، والكل كان عدمًا، وما كان إلا الله جلا في علاه، والعبد لم يكن في هذا الكون إلا بعد أن خلقه الله جلا وعلا، وأسبغ عليه نعمه، قال الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان:١]، فالله جلا في علاه كوّن هذا الإنسان وخلقه، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنه، وأخرجه من بطن أمه لا يعلم شيًا.
إذًا: فأول شيء يتعبد به الإنسان لله جلا في علاه في صفة الأولية: هو الرد على الفلاسفة الذين يشوشون على عقائد الناس.
ثانيها: أن العجب داء، وهو من أشد الأمراض التي تميت القلوب، وهذا المرض لا يأتي إلا بالتخلف عن فهم أولية الله جلا في علاه، فداء العجب يورث الكبر، والكبر يورث النار؛ لأن النبي ﷺ قال (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذره من كبر).
وأصل الكبر هو أن يعجب الإنسان بعلمه، أو بقوته، أو بغناه، أو بكثرته وكثرة من معه، فالتعبد لله بصفة الأولية، يقلل من داء العجب في القلب؛ لأن العبد إذا تدبر أن الله هو الأول، وهو الذي ابتدأ خلقه وأنعم عليه، وهو الذي علمه وأطعمه وسقاه، وهو الذي أوجده في هذه الدنيا على الإسلام، فإذا تدبر ذلك علم أولًا: أن العلم الذي هو فيه لم يأت من عنده نفسه، وإنما هو من عند الله، فلا يقول كما قال قارون: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨] بل سيقول: إن الله هو الذي علمني بعد أن كنت جاهلًا يقول الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣] أي: ليس للعبد فيها شأن، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ليس مني شيء، وليس بي شيء، وليس لي شيء، إن الأمر كله لله، أوله ونهايته لله جلا في علاه؛ فالله هو الذي رزق هذا الإنسان العلم والقوة والمال، وهداه إلى الإسلام، فإذا تدبر العبد ذلك فلا يمكن أن يحتقر أحدًا، أو يصل إلى قلبه داء العجب؛ لأنه يعلم أن الله جلا وعلا هو الذي ابتدأ الخير الذي هو فيه، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ﴾ [النحل:٧٨]، وهذا معنى من معاني أوليته جل في علاه، فهو الذي ابتدأ هذا الخير وأعطاه إياه، وهو الذي يستطيع أن يمنعه منه، بل ويسحب منه كل النعم التي أوصلها إليه.
ثالثها: إن أفضل عبادة على اللسان هي ذكر الله، قال النبي ﷺعندما نصح رجلًا كان يستنصحه في آخر عمره-: (لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله)، وكفى للذاكرين فضلًا أن الله يذكر من ذكره، قال النبي ﷺ: (قال الله تعالى: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير من).
وذكْر الله جلا في علاه ليس بقوة العبد ولا بجهده، وإنما الله بأوليته هو الذي ابتدأ على لسانه أن يذكره، ثم بعد ذلك قبل منه هذا الذكر، ثم كافأه بأن ذكره في الملأ الأعلى، وهذه نعمة عظيمة ينبغي على الإنسان أن يتفكر فيها، فإنه ما ذكر الله إلا بأوليته، وما سجد لله ليرتفع درجة إلا بأوليته، فكيف لا يهفو قلبه إلى خالقه الذي ابتدأ الإنعام عليه؟ إن العبد إذا قال: لا إله إلا الله فهي ليست منه، إنما هي من الأول، فهو الذي ابتدءها على لسانه، ثم كافأه بأن ذكره في الملأ الأعلى.
[ ٢ / ٦ ]
التعبد لله بأوليته عند أصحاب المعاصي
كل إنسان منا يقع في معصية الله ﷿ وجل، فنحن لسنا ملائكة، فقد يعصي الإنسان ربه إما بقلبه بالتفكير في غير الله جلا في علاه، أو بشهوة من شهوات هذه الدنيا، أو بغفلة القلب عن ذكر الله جلا في علاه، وقد يعصي بلسانه فيسب أو يشتم أو يغتاب، أو بعينه فينظر إلى ما حرم الله، فكيف يمكن أن يتعبد الإنسان لربه بصفة الأولية وهو يعصى الله؟ والجواب هو: إن الله جلا في علاه جعل العبد يعمل المعصية، فإن كان مؤمنًا فإن الله جلا في علاه أراد أن يرده إليه ردًا جميلًا، وهذا من أولية الله جل في علاه، فبعد أن يعصي العبد ربه يسمع كلام النبي ﷺ يقول: (وخير الخطائين التوابون)، فيذهب ليتوب إلى الله، وهذه التوبة ليست منه إنما هي من الله.
وكثير من الناس من يعصي الله ويقول: سوف أتوب، ولا يتوب؛ ذلك لأن التوبة ليست بيد الناس ولا بقلوبهم مع أن الله أمرهم بها لكنها ليست بأيديهم، فقد يعصي العبد ويتعدى حدود الله، ثم يريد أن يتوب فلا تكون منه، وإنما تكون من الأول، والدليل على ذلك قول الله تعالى في الذين خلفوا: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة:١١٨]، فما تابوا من أنفسهم، بل إن الله هو الذي ابتدأ لهم التوبة، فأودع في قلوبهم الندم على المعصية، ثم بعد ذلك وفق اليد أن ترتفع لتتضرع وتتذلل وتتمسكن، ثم وفق اللسان أن يخشع ساكنًا لربه جل في علاه معترفًا بذنبه، فيقول ما قاله يونس: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧].
فينبغي على العبد أن يتعبد الله بصفة الأولية فيقول: توبتي ليست بيدي، بل هي بيد الأول ﷾.
والتوبة منّة عظيمة منّ الله بها على العبد بعد أن عصاه، وهو قادر على أن يأخذه، فالله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ولكنه سبحانه ابتدأ له الخير بأوليته فوفق قلبه للندم على المعصية، ثم بعد ذلك ذلل لسانه بالذكر والاستغفار، ثم رفع يديه إلى ربه فقبل منه توبته.
[ ٢ / ٧ ]
الدعاء تعبد لله بصفة الأولية
إن كل إنسان له مطلب عند ربه، والطمع في الدين محمود، والطمع في الله فقه لم يصل إليه أي أحد إلا أيوب ﵇، فقد بين لنا قاعدة عظيمة في التعامل مع الكريم، فإذا لقيت كريمًا من أهل الدنيا فإن أكثرت عليه بالسؤال قال: إن كان حبيبك عسلًا فلا تلحسه كله، فلسانك سينقطع.
ولكن الله ﷿ كريم وليس لكرمه حد ولا نهاية، يقول جل في علاه كما في الحديث: (لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك من ملكي شيء).
فأيوب ﵇ بعدما أغناه الله جلا في علاه، وأنزل عليه جرادًا من ذهب، وهو يحثوا الذهب قال الله له: ألم أكن قد أغنيتك؟ قال: لا غنى لي عن بركتك، وإني اطمع في كرمك.
وما من أحد إلا ويعلم أن خزائن السموات والأرض بيد الله سبحانه، والموفق من وفقه الله بطلب الدعاء، يقول عمر بن الخطاب: إني لا أحمل هم الإجابة، ولكن أحمل همّ الدعاء؛ لأنه يعلم تعبدًا بأولية الله أن الدعاء توفيق من الله، وأن رفع اليد والتذلل، وبكاء القلب قبل بكاء العين كله من الله، فإذا دعا العبد ربه بصدق نال منه ما يريد، وإذا تعبد الإنسان لربه بأوليته وصل بها إلى آخريته سبحانه جلا في علاه.
فالله هو الأول الذي ابتدأ لك التوفيق أن تدعوه، وهو الذي يعقب بعد ذلك بأن يستجيب لك الدعاء، فهذا هو التعبد لله بصفته العظيمة الجليلة الكاملة: صفة الأولية.
[ ٢ / ٨ ]
أصناف الناس في التعبد لله بصفة الأولية
هناك قصة تبين لنا كيف أن الله يميز بين عباده، ويفرق بين من يتقن صفات الله ويتقن التعبد بها ممن لا يتقن ذلك، فقد كان هناك ثلاثة من بني إسرائيل: أقرع وأبرص وأعمى، ولكي يبين الله لنا كيف نعتقد فيه حق الاعتقاد، ثم نتعبد له حق التعبد جاء الملك إلى هؤلاء الثلاثة فقال للأول -وكان أصلع-: ماذا تطلب؟ فقال الأصلع: أطلب شعرًا أتزين به أمام الناس، فمنحه الله شعرًا جميلًا، ثم جاء إلى الأعمى وقال: ماذا تطلب؟ قال: أريد البصر، فرد الله عليه بصره، ثم جاء إلى الأبرص فقال له: ماذا تطلب؟ قال: أطلب جلدًا طيبًا؛ فقد قذرني الناس مما أنا فيه، فأبدله الله جلدًا طيبًا، وأذهب عنه البرص.
وقال هذا الملك لكل واحد من الثلاثة: أي المال أحب إليك؟ فقال أحدهم: الإبل، وقال الثاني: البقر، وقال الثالث: الغنم، فأعطى كل واحد منهم ما تمنى، حتى صار للثلاثة واد من الإبل وواد من البقر وواد من الغنم.
ثم جاء الملك على صورة رجل فقير فقال للأول: اعطني مما أعطاك الله؟ فنظر إليه فقال: الحقوق كثيرة، ولم يعطه شيئًا، فقال: كأني أعلم أنك كنت قد قذرك الناس، وكنت فقيرًا، فقال له: إني ورثت هذه المال كابرًا عن كابر، وجحد بأولية الله جلا في علاه، ونسي أن تلك النعم هي أولًا من الله، وتمثل فيه قول قارون عندما قال: «إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي» [القصص:٧٨]، فقال له الملك: صيرك الله إلى ما كنت عليه، فأذهب الله جل وعلا عنه ذلك المال، وعاد إلى ما كان عليه من البرص.
ثم جاء الملك إلى الثاني فقال له: أعطني مما أعطاك الله، فقال: الحقوق كثيرة، وجحد بأولية الله، فقال له الملك: كنت أراك رجلًا أصلع والناس يتقززون منك، وقد أعطاك الله ما أنت فيه، قال: إنما ورثت ذلك كابرًا عن كابر، فقال: صيرك الله إلى ما كنت عليه إن كنت كاذبًا، فصيره الله إلى ما كان عليه من قبل.
ثم جاء إلى الثالث وقال مثلما قال للأول والثاني، فقال: نعم، إني كنت فقيرًا فأغناني الله، وكنت مريضًا فشفاني الله، وانظر إلى هذا الوادي فأي المال أحببت فخذ ما شئت منه.
فتعبد الله بأوليته، وأقر بأن هذه النعم إنما هي من الله وحده، فدعا له الملك، وثبت الله له هذا الخير.
ومن جحد نعم الله عليه فلا يلومن إلا نفسه، ومن شكر فإن الله يشكره، ومن أعطى فإن الله يعطيه، ويخلف عليه.
فينبغي على الإنسان أن يجلس مع نفسه، ويمعن النظر متدبرًا في صفات الله، وليحاسب نفسه على هذه النعم التي أنعم الله بها عليه، وليشكر الله تعالى على هذه النعم، فإن هذه النعم ابتداءً هي من الله لا من غيره، ولذلك جاء في الإسرائيليات أن أحد أبناء بني إسرائيل كان يتضرع إلى الله ويقول: كيف أشكرك والشكر منك نعمة فتسلسل الشكر ليس مني، بل هو منك يا الله.
إذًا: الصفة الأولى من الصفات الذاتية التي لا بد لكل امرئ أن يتدبرها ويتعبد بها لله هي الأولية.
[ ٢ / ٩ ]
إثبات صفة الآخرية لله وكيفية التعبد بها
الصفة الثانية من الصفات الذاتية: الآخرية، وهي آخرية الله جل في علاه وهي صفة ثبوتية فعلية، وآخرية على وزن فعلية.
[ ٢ / ١٠ ]
الفرق بين الصفات الذاتية والفعلية
إن الفرق بين الصفات الذاتية والفعلية أن الصفات الذاتية لا تنفك عن الله بحال من الأحوال، ولا يصح أن يقال: إن الله يتصف بها في وقت دون آخر، كصفة القوة، فإنها لا تنفك عن الله، ولا يصح أن يقال: إن الله يتصف بها في وقت دون آخر.
وأما الصفات الفعلية فهي التي يتصف بها الله ﷿ وجل متى أراد، كالكلام والضحك، يقول الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣]، فالله ﷿ تكلم لما جاء موسى.
ويقول النبي ﷺ: (يضحك الله من رجلين قتل أحدهما الآخر فدخلا الجنة)، ووجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ أثبت صفة الضحك لله ﷿، وكان ضحكه سبحانه حينما رأى ما فعله الرجلان.
[ ٢ / ١١ ]
أدلة اتصاف الله بصفة الآخرية
إن صفة الآخرية صفة ذاتية ثبوتية ثبتت لله بالكتاب والسنة، فمن الكتاب: قول الله تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ﴾ [الحديد:٣]، ووجه الدلالة: أن الآخر اسم من أسماء الله جلا في علاه يتضمن صفة الآخرية، وهي صفة من صفات الكمال والجلال.
ومن السنة: قول النبي ﷺ: (اللهم أنت الآخر فليس بعدك شيء).
[ ٢ / ١٢ ]
التعبد لله بصفة الآخرية
إن التعبد لله بصفة الآخرية يكون بالتدبر في زوال كل شيء وأن كل شيء له آخر، والله ليس له آخر، وأن آخرة هذا الإنسان وهذا الكون كله بيد الآخر ﷾، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧].
فعلى الإنسان أن يعلم أن آخريته بيد الله جلا في علاه، وأن الأعمال بالخواتيم، وهذه الخواتيم بيد الآخر سبحانه جل في علاه، فإذا علم الإنسان ذلك تضرع إلى ربه أن يختم له في آخر حياته بالتوحيد والهدى والتقوى والإحسان، وقد قال النبي ﷺ: (إذا أحب الله عبدًا عسله، قالوا: وما علسه يا رسول الله؟! قال: إذا أحب الله عبدًا وفقه لعمل الخير، ثم قبضه على هذا العمل)، فكانت خاتمته بالأعمال الصالحة.
وكما أن آخرة الإنسان في هذه الدنيا بالله جلا في علاه، فإن آخرته يوم القيامة بيد الآخر سبحانه، فليدع ربه أن يختم له بخاتمة حسنة بقول: لا إله إلا الله، عملًا بقول النبي ﷺ: (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة).
إن الصحابة والتابعين ومن بعدهم كانوا يتدبرون أسماء الله الحسنى وصفاته العلى، ويتعبدون لله بها، فهذا عمر بن الخطاب كان يحفظ القرآن عشر آيات عشر آيات، فحفظ البقرة في ست؛ فيتعلم القراءة، ثم يحفظ العشر الآيات، ثم يعمل بها تعبدًا لله جلا في علاه.
وكان ابن عمر يقول: تعلمنا الإيمان، ثم تعلمنا القرآن، فجاء نور القرآن على نور الإيمان، فتم نور الله في قلب المؤمن.
وهذا أبو زرعة ﵀ جبل من جبال أهل العلم، وكان حافظًا ثقة ثبتًا، وكان يعرض عليه صحيح مسلم فيقرأ فيه ويقول: هؤلاء القوم ما أرادوا إلا الشهرة؛ لأنه تكلم عن بعض الروايات في صحيح مسلم، منها: روايات أبو الزبير عن جابر، وكان أبو زرعة مجتهدًا في رواية الحديث عن النبي ﷺ، وكان ينتقي من الأحاديث الضعيفة والموضوعة فيتعبد لله بالآخرية، فكافأه الله عند احتضاره بخاتمة حسنة، فعندما كان على فراش الموت اجتمع عنده المحدثون يذكرون حديثًا عن النبي ﷺ، فيقول أحدهم: حدثني فلان عن فلان عن فلان أن النبي ﷺ قال: كذا وكذا وكذا، ويذكر أحاديث، فقال له أبو زرعة: هذا الحديث عندي، وهو أشبه بحديث فلان، فتكلم في آخر لحظات حياته وقال: حدثني فلان عن فلان عن فلان عن النبي ﷺ أنه قال: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) ثم مات، فلما اعتقد اعتقادًا جازمًا بأن آخرته لا تكون إلا لله تعبدًا لله، كانت آخرته أن ﵁ ورطب لسانه بلا إله إلا الله، ثم مات عليها.
وهذا الإمام الفذ مسلم بن الحجاج ثاني علماء الأمة، وكتابه ثاني أصح الكتب بعد كتاب الله جلا في علاه، وبعد كتاب البخاري، عندما علم أن الله هو الآخر، وأن آخرته بيد الله، ابتدءها أولًا بالإحسان، فختمها الله له بالإحسان، قال الله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠]، وهيئ له أسبابًا للآخرية الصالحة؛ وروي أنه جلس في مجلس تحديث ومذاكرة مع بعض العلماء فذكروا له حديثًا لم يعرفه، فقام طوال الليل يبحث عن الحديث، وينظر في كل المصنفات، وكان يأخذ تمرةٍ ويقرأ حديثًا وهكذا، حتى ظفر بالحديث فأخذ التمرة، وحمد الله وهو ينظر إلى الحديث ويقرؤه، ثم مات على ذلك وهو يقرأ حديث النبي ﷺ.
ومن المعاصرين: الشيخ كشك رحمة الله عليه، فقد كان دائمًا ينافح عن دين الله، ويدل الناس على الخير، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولما كانت آخريته بيد الله ختم الله له بخاتمة حسنة فمات وهو ساجد؛ لأنه دعا الله ألا يقبضه إلا ساجدًا.
إن آخرة كل إنسان وموته بيد المليك المقتدر، فإذا تبعد لربه بأن الآخرية بيده، واعتقد ذلك اعتقادًا جازمًا، والتجأ قلبه إلى صاحب الآخرية، فإنه لا يمكن أن تكون آخرته إلى الشيطان؛ لأن الشيطان يقعد عند رأس المرء عند موته وآخرته فيقول له: إن أباك مات على النصرانية، إن أباك مات على اليهودية، إن أباك مات على المجوسية، ذلك هو الدين الحق، بل ويمثل له أباه وأمه، وهذا الذي حدث مع صناديد أهل العلم، فقد تمثل للإمام أحمد، وقال له: يا أحمد! لقد ظفرت بك، وسوف آخذ منك ما أريد، ولا أحد يستطيع أن ينقذك مني، والإمام أحمد يقول: لا، وابنه يقول له: يا أبتي! قل: لا إله إلا الله، وهو يقول للشيطان: لا، فدهش الولد مما يقول أبوه، فلما أفاق الإمام أحمد قال له: يا أبتي! أقول لك: قل: لا إله إلا الله، وتقول: لا، فقال له: تمثل لي الشيطان، فقال لي: الآن أظفر منك يا أحمد، وأنا أقول: لا لا، وهذا يدل على قوة اعتقاده بآخرية الله، فوفقه الله أن يموت على: لا إله إلا الله، نحسبه كذلك، ونسأل الله له الدرجات العلى.
نسأل الله جل في علاه أن يوفقنا وإياكم إلى التعبد له بصفاته العلية الكاملة، بأن نعرف كل صفة، وكيف نتعبد بها له سبحانه.
[ ٢ / ١٣ ]