- القول الثاني: عدم إثبات صفة القعود لله تعالى (^٢).
القول الأول: إثبات صفة القعود لله تعالى.
وهو قول أكثر أهل السُّنَّة (^٣).
أدلة هذا القول:
- أولًا: القرآن الكريم:
- الدليل الأول: قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [سورة الإسراء آية: ٧٩].
وجه الدلالة من الآية: قال مجاهد: يجلسه معه على العرش (^٤).
- ثانيًا: السُّنَّة النَّبويَّة:
- الدَّليل الأوَّل: أَتَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَتِ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُدْخِلَنِي الْجَنَّةَ، فَعَظَّمَ الرَّبَّ - ﷿ - وَقَالَ: «إِنَّ كُرْسِيَّهُ وَسِعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّهُ يَقْعُدُ عَلَيْهِ، فَمَا يَفْضُلُ مِنْهُ قِيدُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ، مَدَّ أَصَابِعَهُ الْأَرْبَعَ، وَإِنَّ لَهُ أَطِيطًا كَأَطِيطِ الرَّحْلِ الْجَدِيدِ إِذَا رُكِبَ مِنْ ثِقَلِهِ» (^٥).
_________________
(١) بوب المصنف لصفة القعود، وأخرج أحاديث فيه، انظر الحديث [٨١٢] وما بعده.
(٢) إثبات الحد لله تعالى، محمود ابن أبي القاسم الدشتي، قسم الدراسة (ص ٦٤، ١٥٤، ١٥٥).
(٣) مجموع الفتاوى (١٦/ ٤٣٥). وانظر: إثبات الحد لله (ص ١٥٠) العرش للذهبي (٢/ ١٥٦).
(٤) أخرجه الطبري في جامع البيان عن تأويل آي القرآن (١٥/ ٤٧). من طريق مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ. وهذا إسناد مقطوع ضعيف؛ لضعف ليث، قال عنه ابن حجر: صدوق اختلط جدا ولم يتميز حديثه فترك. التقريب (٥٦٨٥). والخبر ضعفه الألباني في ظلال الجنة (٦٩٥).
(٥) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٢/ ٦٥٠)، وابن بطة في الإبان الكبرى (٧/ ١٧٨). صححه ابن القيم، انظر: تهذيب سنن أبي داود وإيضاح علله ومشكلاته، لابن القيم (١٣/ ١٣). وقال الألباني: منكر. الضعيفة (٨٦٦).
[ ٢ / ٦٨ ]
وجه الدلالة من الحديث:
الحديث ينصُّ بصريح العبارة الَّتي لا تقبل التَّأويل أنَّ الله - ﷿ - يَجْلِسُ على كرسيِّه.
- الدَّليل الثَّاني: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَقُولُ اللهُ - ﷿ - لِلْعُلَمَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا قَعَدَ عَلَى كُرْسِيِّهِ لِقَضَاءِ عِبَادِهِ: إِنِّي لَمْ أَجْعَلْ عِلْمِي وحُكْمِي فِيكُمْ إِلَّا وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَغْفِرَ لَكُمْ، عَلَى مَا كَانَ فِيكُمْ، وَلَا أُبَالِي» (^١).
وجه الدلالة من الحديث:
أثبت الرَّسول - ﷺ - صفة القعود لله - ﷿ -.
- الدَّليل الثَّالث: بَعَثَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ - ﵃ - يَسْأَلُهُ: هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ - ﷺ - رَبَّهُ؟ فَبَعَثَ إِلَيْهِ: أَنْ نَعَمْ قَدْ رَآهُ، فَرَدَّ رَسُولَهُ إِلَيْهِ وَقَالَ: كَيْفَ رَآهُ؟ فَقَالَ: رَآهُ عَلَى كُرْسِيٍّ مِنْ ذَهَبٍ تَحْمِلُهُ أَرْبَعَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةَ: مَلَكٌ فِي صُورَةِ رَجُلٍ، وَمَلَكٌ فِي صُورَةِ أَسَدٍ، وَمَلَكٌ فِي صُورَةِ ثَوْرٍ، وَمَلَكٌ فِي صُورَةِ نَسْرٍ فِي رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ دُونَهُ فِرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ (^٢).
وجه الدلالة من الحديث:
الحديث نَصٌّ في المسألة؛ فهو يثبت صفة الجلوس لله تعالى.
- الدليل الرابع: قال رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ حُشِرَ النَّاسُ عُرَاةً حُفَاةً غُرْلًا، ثُمَّ يَجْلِسُ اللَّهُ عَلَى كُرْسِيِّهِ» (^٣).
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الكبير (٢/ ٨٤) (١٣٨١). قال ابن كثير في تفسير القرآن العظيم (٥/ ٢٧٢): إسناده جيد. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (١/ ١٢٦): رواه الطبراني في الكبير، ورجاله موثقون. وقال الألباني: موضوع. الضعيفة (٨٦٧). وسيأتي [٨١١].
(٢) السنة، عبد الله بن أحمد (٢١٧). إسناده ضعيف، وانظر تخريجه في الشريعة للآجري (١٠٣٤).
(٣) أخرجه الروياني في مسنده (٢/ ٤٧٠) (١٤٩١) قال: أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، نَا عَمِّي، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيُّ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، بطوله. ولفظ الجلوس منكر، تفرد به أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، صدوق تغير بأخرة. التقريب (٦٧). ومحمد بن مسلم الطائفي: صدوق يخطئ من حفظه. التقريب (٦٢٩٣). والحديث أخرجه جماعة كالبخاري في الأدب المفرد (٩٧٠) من طرق أخرى عن القاسم بن عبد الواحد، ولم يذكروا لفظ الجلوس.
[ ٢ / ٦٩ ]
وجه الدلالة من الحديث:
حدَّث العلماء المرضيُّون وأولياؤه المقبولون: أنَّ محمَّدًا رَسُولَ الله - ﷺ - يُجْلِسُهُ ربُّه على العَرْشِ معه (^١).
- الدَّليل الخامس: وفي الحديث الطَّويل: إِنَّا جَالَسْنَا اليَوْمَ رَبَّنَا الجَبَّارَ، وَيَحِقُّنَا أَنْ نَنْقَلِبَ بِمِثْلِ مَا انْقَلَبْنَا (^٢).
وجه الدلالة من الحديث:
قول أهل الجنَّة: «جَالَسْنَا اليَوْمَ رَبَّنَا الجَبَّارَ» إِثْبَاتٌ لِصِفَةِ الجلوس لله ﷾.
- الدَّليل السَّادس: عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ، تَلَقَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَلَمَّا نَظَرَ جَعْفَرٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - حَجَلَ؛ إِعْظَامًا مِنْهُ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: «يَا حَبِيبِي، أَنْتَ أَشْبَهُ النَّاسِ بِخَلْقِي وَخُلُقِي، وَخُلِقْتَ مِنَ الطِّينَةِ الَّتِي خُلِقْتُ مِنْهَا، يَا حَبِيبِي، حَدِّثْنِي عَنْ بَعْضِ عَجَائِبِ أَرْضِ الْحَبَشَةِ». قَالَ: نَعَمْ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَيْنَا أَنَا قَائِمٌ فِي بَعْضِ طُرُقِهَا، إِذَا أَنَا بِعَجُوزٍ عَلَى رَأْسِهَا مِكْتَلٌ، وَأَقْبَلَ شَابٌّ يَرْكُضُ عَلَى فَرَسٍ لَهُ، فَزَحَمَهَا، وَأَلْقَى الْمِكْتَلَ عَنْ رَأْسِهَا، فَاسْتَوَتْ قَائِمَةً، وَأَتْبَعَتْهُ الْبَصَرَ، وَهِيَ تَقُولُ: الْوَيْلُ لَكَ غَدًا إِذَا جَلَسَ الْمَلِكُ عَلَى كُرْسِيِّهِ، فَاقْتَصَّ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ. قَالَ جَابِرٌ: فَنَظَرْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَإِنَّ دُمُوعَهُ لَتَنْحَدِرُ عَلَى عَيْنَيْهِ مِثْلَ الْجِمَارِ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَا قَدَّسَ اللَّهُ أُمَّةً لَا يَأْخُذً الْمَظْلُومُ حَقَّهُ مِنَ الظَّالِمِ، غَيْرَ مُتَعْتَعٍ» (^٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٤/ ٣٧٤).
(٢) أخرجه الترمذي في السنن (٢٥٤٩). وضعفه الألباني.
(٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦/ ٣٣٤) (٦٥٥). قال الهيثميُّ في «مجمع الزَّوائد ومنبع الفوائد» (٥/ ٢٠٩): رواه الطَّبرانيُّ في الأوسط، وفيه مكِّيُّ بن عبد الله الرعينيُّ، وهو ضعيف. أقول: إسناده ضعيف جدا، ومكيٌّ قال عنه الذهبي: له مناكير. وقال العُقيلي: حَدِيثُهُ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ. الميزان (٤/ ١٧٩). وسيأتي تخريجه [٨١٢].
[ ٢ / ٧٠ ]
وجه الدلالة من الحديث:
بيَّن النَّبيُّ - ﷺ - أنَّ الله - ﷾ - عِنْدَ القَضَاءِ يَكُونُ جالسًا على كرسيِّه، فيقضي بين العباد، فيقتصُّ للمظلوم من الظَّالم.
- الدليل السابع: عَنْ عُمَرَ - ﵁ - قَالَ: «إِذَا جَلَسَ الرَّبُّ - ﷿ - عَلَى الْكُرْسِيِّ» (^١).
وجه الدلالة من الحديث:
أثبت الحديث أنَّ الجلوس صفة من صفات الله تعالى.
قال وكيع: «أَدْرَكْنَا الْأَعْمَشَ وَسُفْيَانَ يُحَدِّثُونَ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ لَا يُنْكِرُونَهَا» (^٢).
قال ابن تيمية: «الْمَيِّتُ فِي قَبْرِهِ تَقْعُدُ رُوحُهُ وَتَجْلِسُ وَتُسْأَلُ وَتُنَعَّمُ وَتُعَذَّبُ وَتَصِيحُ وَذَلِكَ مُتَّصِلٌ بِبَدَنِهِ؛ مَعَ كَوْنِهِ مُضْطَجِعًا فِي قَبْرِهِ وَإِذَا كَانَ قُعُودُ الْمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ لَيْسَ هُوَ مِثْلَ قُعُودِ الْبَدَنِ، فَمَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - مِنْ لَفْظِ "الْقُعُودِ وَالْجُلُوسِ" فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَحَدِيثِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - وَحَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ - وَغَيْرِهِمَا أَوْلَى أَنْ لَا يُمَاثِلَ صِفَاتِ أَجْسَامِ الْعِبَادِ» (^٣).
_________________
(١) السنة، لعبد الله بن أحمد (٥٨٥) (٥٨٧) إسناده ضعيف، فيه عبد الله بن خليفة الهمداني الكوفي، قال الذهبي: لا يكاد يعرف. وقال ابن حجر: مقبول. ميزان الاعتدال (٢/ ٤١٤) التقريب (٣٢٩٤). قال الذَّهبيُّ: هذا الحديث صحيح عند جماعة من المحدِّثين، أخرجه الحافظ ضياء الدِّين المقدسيُّ في صحيحه، وهو من شرط ابن حبان، فلا أدري أخرجه أم لا؟ فإنَّ عنده أنَّ العدل الحافظ إذا حدَّث عن رجل لم يعرف بجرح، فإن ذلك إسناد صحيح. فإذا كان هؤلاء الأئمَّة: أبو إسحاق السبيعي، والثوري، والأعمش، وإسرائيل، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبو أحمد الزبيري، ووكيع، وأحمد بن حنبل، وغيرهم ممَّن يطول ذكرهم وعددهم الَّذين هم سُرُج الهدى ومصابيح الدُّجَى، قد تلقَّوا هذا الحديث بالقبول وحدَّثوا به، ولم ينكروه، ولم يطعنوا في إسناده، فمن نحن حتَّى ننكره ونتحذلق عليهم؟ بل نؤمن به، وَنَكِلُ عِلْمَهُ إلى الله - ﷿ -. انظر: العرش، الذهبي (٢/ ١٥٦).
(٢) السنة عبد الله بن أحمد (١/ ٣٠٢) (٥٨٧).
(٣) شرح حديث النزول، لابن تيمية (ص ١٥٠ - ١٥١).
[ ٢ / ٧١ ]
استدل ابن تيمية هنا بقياس الأولى، فَمَثَّلَ بالإنسان، فإن صفة قعوده أثناء حياته (قعود البدن) ليست كقعوده في قبره بعد مماته (قعود الروح مع اضطجاع البدن في القبر)، وهذا الاختلاف وقع في مخلوق واحد، فمن باب أولى ألا يكون قعود الخالق - ﷾ - كقعود المخلوق.
أخرج عبد الله بن أحمد: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ أَبُو جَعْفَرٍ الدَّارِمِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ خَارِجَةَ يَقُولُ: «الْجَهْمِيَّةُ كُفَّارٌ بَلِّغُوا نِسَاءَهُمْ أَنَّهُنَّ طَوَالِقُ، وَأَنَّهُنَّ لَا يَحْلِلْنَ لِأَزْوَاجِهِنَّ، لَا تَعُودُوا مَرْضَاهُمْ، وَلَا تَشْهَدُوا جَنَائِزَهُمْ»، ثُمَّ تَلَا: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ١ - ٢] إِلَى قَوْلِهِ - ﷿ -: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وَهَلْ يَكُونُ الِاسْتِوَاءُ إِلَّا بِجُلُوسٍ (^١).
فالحاصل أنَّ صفة القعود والجلوس كان السَّلف يذكرونها ولا ينكرونها؛ لأنَّ هذا سبيل الصِّفات كلِّها؛ فإنَّها تثبت على ما يَلِيقُ بالله ﷾ (^٢).
_________________
(١) السن، عبد الله بن أحمد (١٠) إسناده ضعيف. أحمد: ثقة حافظ. التقريب (٣٩). وأبوه: مجهول. لسان الميزان (٤/ ٦٠). وخارجة: هو ابن مصعب بن خارجة، أبو الحجاج السرخسي، متروك، وكان يدلس عن الكذابين، ويقال إن ابن معين كذبه، من الثامنة مات سنة (١٦٨ هـ)، ت ق. التقريب (١٦١٢).
(٢) الإعلام بمخالفات الموافقات والاعتصام، ناصر بن حمد بن حمين الفهد (ص ٥٩).
[ ٢ / ٧٢ ]