قال أبو إسماعيل الأنصاريُّ (^١): سمعت يحيى بن عمَّار الواعظ (^٢)، وقد سألته عن ابن حبَّان، فقال: نحن أخرجناه من سجستان، كان له علم كثير، ولم يكن له كبير دين، قدم علينا، فأنكر الحدَّ لله، فأخرجناه.
قال الذَّهبيُّ: إنكاركم عليه بدعة أيضًا، والخوض في ذلك ممَّا لم يأذن به الله، ولا أتى نَصٌّ بإثبات ذلك ولا بِنَفْيِهِ، وَمِنْ حُسْنِ إسلام المرء تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيهِ، وَتَعَالَى اللهُ أن يُحَدَّ أو يُوصَفَ إلاَّ بما وَصَفَ به نَفْسَهُ، أو عَلَّمَهُ رُسُلَهُ بالمعنى الَّذي أراد، بلا مِثْلٍ ولا كَيْفٍ؛ ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (^٣).
وقال في ميزان الاعتدال: إنكاره الحدَّ وإثباتُكم للحدِّ نَوْعٌ من فضول الكلام، والسُّكوت عن الطَّرَفَيْنِ أولى؛ إذ لم يَأْتِ نَصٌّ بنفي ذلك ولا إثباته، والله تعالى ليس كمثله شيء، فمن أثبته قال له خصمه: جعلت لله حدًّا برأيك، ولا نَصَّ مَعَكَ بالحدِّ، والمحدود مخلوق، تعالى الله عن ذلك.
وقال هو للنَّافي: سَاوَيْتَ رَبَّكَ بالشَّيء المعدوم؛ إذ المعدوم لا حَدَّ له، فمن نزَّه الله وسكت سَلِمَ، وَتَابَعَ السَّلَفَ (^٤).
- أدلة القول الأول:
أولًا: القرآن الكريم:
قال تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي
_________________
(١) عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَلِيِّ بنِ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ، ستأتي ترجمته [٨٩٠].
(٢) يحيَى بنُ عَمَّارِ بنِ يَحْيَى بنِ عَمَّارِ بنِ العَنْبَسِ، الإِمَامُ، المُحَدِّثُ، الوَاعِظُ، شَيْخُ سِجِسْتَان، أَبُو زَكَرِيَّا الشَّيْبَانِيُّ تُوُفِّيَ بهَرَاة سنة (٤٢٢ هـ). ينظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (١٧/ ٤٨٣).
(٣) سير أعلام النبلاء، الذهبي (١٦/ ٩٨).
(٤) ميزان الاعتدال في نقد الرجال، الذهبي (٣/ ٥٠٧).
[ ٢ / ٨٣ ]
السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٦، ١٧].
وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥].
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨].
وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].
وقال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤].
وقال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠].
وجه الدلالة من الآيات:
دلَّت الآيات على أنَّ لله - ﷿ - حدًّا، والله أعلم بِحَدِّهِ (^١).
ثانيًا: السنة النبوية:
- الدَّليل الأوَّل: عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: كَانَتْ لِي جَارِيَةٌ تَرْعَى غَنَمًا لِي قِبَلَ أُحُدٍ وَالْجَوَّانِيَّةِ (^٢)، فَاطَّلَعْتُ ذَاتَ يَوْمٍ فَإِذَا الذِّيبُ قَدْ ذَهَبَ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ، آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ (^٣)، لَكِنِّي صَكَكْتُهَا صَكَّةً (^٤)، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَعَظَّمَ ذَلِكَ عَلَيَّ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَفَلَا أُعْتِقُهَا؟ قَالَ: «ائْتِنِي بِهَا» فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ لَهَا: «أَيْنَ اللهُ؟» قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، قَالَ: «مَنْ أَنَا؟» قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ: «أَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» (^٥).
- الدَّليل الثَّاني: عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لأَبِي: «يَا حُصَيْنُ، كَمْ تَعْبُدُ اليَوْمَ إِلَهًا؟» قَالَ أَبِي: سَبْعَةً؛ سِتَّةً فِي الأَرْضِ، وَوَاحِدًا فِي السَّمَاءِ. قَالَ: «فَأَيُّهُمْ تَعُدُّ لِرَغْبَتِكَ وَرَهْبَتِكَ؟» قَالَ: الَّذِي فِي السَّمَاءِ. قَالَ: «يَا حُصَيْنُ أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَسْلَمْتَ عَلَّمْتُكَ كَلِمَتَيْنِ
_________________
(١) إثبات الحد لله تعالى، محمود ابن أبي القاسم الدشتي (ص ١٠٧).
(٢) الْجَوَّانِيَّةُ بِقُرْبِ أُحُدٍ مَوْضِعٌ فِي شَمَالِيِّ الْمَدِينَةِ.
(٣) أَيْ أَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُونَ.
(٤) أَيْ لَطَمْتُهَا لَطْمَةً.
(٥) صحيح مسلم (١/ ٣٨١) (٥٣٧). المنهاج شرح صحيح مسلم للنووي (٥/ ٢٣، ٢٤).
[ ٢ / ٨٤ ]
تَنْفَعَانِكَ». قَالَ: فَلَمَّا أَسْلَمَ حُصَيْنٌ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ عَلِّمْنِيَ الكَلِمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ وَعَدْتَنِي. فَقَالَ: «قُلْ: اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي، وَأَعِذْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسِي» (^١).
أَثْبَتَتِ الأحاديث السَّابقة أنَّ لله تعالى حدًّا، ولكن لا يعلمه إلاَّ هو (^٢).
- الدَّليل الثَّالث: قال إسماعيل الهرويُّ: باب إثبات الحدِّ لله - ﷿ -. ثمَّ ذَكَرَ الحديث بِسَنَدِهِ (^٣) كان النَّبيُّ - ﷺ - إذا أراد أن ينام قال: «اللهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَرَبَّ الْأَرْضِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى، وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، اللهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ، وَأَغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ» (^٤).
وجه الدلالة من الحديث:
قال محمود الدَّشْتِيُّ: فهذا إمام من أئمَّة المسلمين (^٥) استدلَّ بهذا الحديث على أنَّ الله - ﷿ - له حدٌّ لا يَعْلَمُهُ إلاَّ هو، ومن قال: إنَّ هذا الحديث ليس فيه دَلِيلٌ على إثبات الحدِّ لله تعالى فهو رجل غُمْرٌ، في صدره غَمَرٌ، ليس له معرفة بكلام العرب، ولا بِلُغَاتِهِمْ.
فَمِنْ مَذْهَبِ أصحاب الحديث الَّذين هم أهل السُّنَّة وأئمَّةُ المسلمين وعلماءُ بيانٍ يعتقدون ويشهدون: أنَّ من قال: «ليس لله تعالى حَدٌّ» يَعْنِيْ بذلك أنَّ اللهَ في كلِّ مكان، أو ليس هو على العرش استوى كما تقرَّر في قلوب العامَّة، أو ليس سبحانه «شخصًا» (^٦) ولا «شيئًا»، أو ليس لله
_________________
(١) أخرجه الترمذي في السنن (٣٤٨٣) وضعفه الألباني.
(٢) إثبات الحد لله تعالى، محمود ابن أبي القاسم الدشتي (ص ١٠٧).
(٣) الأربعون في دلائل التوحيد، أبو إسماعيل الهروي (ص ٥٧٩).
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع (٤/ ٢٠٨٤) (٢٧١٣).
(٥) يعني: إسماعيل الهرويّ.
(٦) كلمة "شخص" يجوز إطلاقها على الله - ﷿ - من باب الإخبار عنه، كما أخرج مسلم (١٤٩٨) - (١٦) أن النبي - ﷺ - قال: «وَلَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ».
[ ٢ / ٨٥ ]
جهة، ولا له مكانٌ- فقد ارتدَّ عن دين الإسلام، وَلَحِقَ بالمشركين، وَكَفَرَ بالله وبآياته وبما جاء به رسوله - ﷺ - تعالى اللهُ عمَّا يَقُولُ خُصُومُنَا عُلُوًّا كبيرًا.
وقد قال الله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [سورة الشورى آية: ١١]؛ أي: ليس كَذَاتِهِ ذاتٌ، ولا كَصِفَاتِهِ صِفَاتٌ. ثمَّ أثبت لنفسه الصِّفَةَ من غير تشبيه، وَنَفَىْ التَّشبيهَ من غير تعطيل، ومن قال بالحدِّ يقول: إنَّهُ من صفات الله التي ثَبَتَتْ بالكتاب والسُّنَّة. ويعتقد أنَّ الله - ﷾ - له ذات وصفات، ليس كَذَاتِهِ ذَاتٌ، ولا كَصِفَاتِهِ صِفَاتٌ، وأنَّ الحدَّ من صفات الله - ﷿ - بالدَّليل من الكتاب والسُّنَّة.
قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥]، وقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، والآيات الخمسة الَّتي قال الإمام أحمد حين سألوه عن قول ابن المبارك: «إنَّ اللهَ على العرش استوى بحدٍّ». قال: لهذا شواهد في القرآن في خمسة مواضع: قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]، وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٧]، وقوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢].
فهذه البراهين من قول الله تعالى تدلُّ على أنَّ الله على عرشه بحدٍّ (^١).
- الدليل الرابع: قيل: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيْنَ كَانَ رَبُّنَا - ﷿ - قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ؟ قَالَ: «فِي عَمَاءٍ مَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ، وَمَا تَحْتَهُ هَوَاءٌ، ثُمَّ خَلَقَ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ» (^٢).
_________________
(١) إثبات الحد لله تعالى، محمود ابن أبي القاسم الدشتي (ص ١٢٩ - ١٣٠).
(٢) رواه الطيالسي في مسنده (١٠٩٣)، والإمام أحمد في المسند (٦/ ٥٨٦) (١٦٤٥٠) والترمذي (٥/ ٢٨٨) (٣١٠٩)، وابن ماجه (١/ ٦٤) (١٨٢) في سننهما، وعبد الله ابن الإمام أحمد في السنة (١/ ٢٤٥)، وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٧١) (٦١٢)، والطبراني في المعجم الكبير (١٩/ ٢٠٧) (٤٦٨)، وابن بطة في الإبانة (٧/ ١٦٨). وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (٩/ ٦).
[ ٢ / ٨٦ ]
وجه الدلالة من الحديث:
الحديث يثبت أنَّ لله تعالى حدًّا؛ حيث نصَّ على مكانه، والمكان يَدُلُّ على أنَّ له حَدًّا، ولكن لا يعلمه إلاَّ هو - ﷾ - (^١).
قال الأزهري: قال أبو عبيد: العماء في كلام العرب: السَّحاب؛ أي: هو في ارتفاعه قد بلغ السَّحاب؛ فالسَّحاب ينجاب عنه؛ أي: ينكشف. قال أبو عبيد: وإنَّما تأوَّلنا هذا الحديث على كلام العرب المعقول عنهم، ولا ندري كيف كان ذاك العماء. قال: وأمَّا العمى في البصر فمقصور، وليس هو من هذا الحديث في شيء.
قلت - الأزهري -: وقد بَلَغَنِي عن أبي الهيثم ولم يَعْزُهُ لي إليه ثِقَةٌ أنَّه قَالَ في تفسير هذا الحديث: ولفظه: إنَّه كان في عمىً؛ مَقْصُوْرٌ. قال: وَكُلُّ أَمْرٍ لا تدركه القلوب بالعقول فهو عمىً. قال: والمعنى أنَّه كان حيث لا يدركه عقول بني آدم، ولا يبلغ كُنْهَهُ وَصْفٌ (^٢).
أدلة القول الثاني:
أولًا: القرآن الكريم:
قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٠٣]. أي: بِلا حَدٍّ، ولا غَايَة (^٣)، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [سورة طه آية: ١١٠].
وجه الدلالة من الآيتين:
لا تدركه؛ أي: لا تُحِيطُ به. وهذا يَقْتَضِي أَنْ لا حَدَّ له (^٤).
_________________
(١) إثبات الحدِّ لله تعالى، محمود ابن أبي القاسم الدشتي (ص ١٣٠).
(٢) تهذيب اللغة، الأزهري (٣/ ١٥٦).
(٣) العرش، الذهبي (١/ ٢٥٨).
(٤) أنوار التنزيل وأسرار التأويل، البيضاوي (٢/ ١٧٦).
[ ٢ / ٨٧ ]
الرأي الراجح:
الرَّاجح في المسألة أنَّ الله تعالى له حَدٌّ لا يعلمه أحد غيره، ولا يجوز لأحد أن يتوهَّم لحدِّه في نفسه، ولكن يؤمن بالحدِّ، وَيَكِلُ عِلْمَ ذلك إلى الله؛ فهو على عرشه فوق سماواته، فهذان حدَّان اثنان؛ لما يأتي:
١ - في إثبات هذا اللَّفظ رَدٌّ على الجهميَّة فيما زعموا.
٢ - في معنى الحَدِّ إثبات مباينة الله لخلقه، وعلوِّه عليهم، واستوائه على عرشه.
[ ٢ / ٨٨ ]
المبحث الثامن: إثبات صفة الساق لله - ﷿ - (^١)
يثبت أئمة السلف صفة الساق لله - ﷿ -، هذا هو الأصل المقرر عندهم، غير أنه نُقِلَ عنهم قولان في تفسير الآية: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢].
- القول الأول: الساق في هذه الآية صفة من صفات الله تعالى، وهو قول أبي سعيد الخُدْرِيِّ - ﵁ - وطائفة (^٢).
- والقول الثاني: المراد بالساق الواردة في الآية: الشِّدَّة. وهو مروي عن ابن عباس - ﵁ - وغيره.
قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢]، قال جماعة من الصَّحابة والتَّابعين من أهل التَّأويل: يبدو عن أمر شديد (^٣).
وهذا الخلاف المروي عنهم ليس في إثبات صفة السَّاق لله - ﷿ -، فإنهم يثبتونها قطعا بأدلةٍ أخرى أيضا، إنما الخلاف محصور في تفسير الآية؛ هل المراد بها الكشف عن الشِّدَّة، أو المراد الكشف عن ساق الله؟ والله أعلم (^٤).
فالحاصل: أن الخلاف بينهم في هذه الآية: هل هي من آيات الصفات أم لا؟ مع أن صفة "الساق" ثابتة عندهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وعن أبي سعيد وطائفة أنَّهم عدُّوها في الصِّفات؛ للحديث الَّذي رواه أبو سعيد في «الصحيحين»، ولا ريب أنَّ ظاهر القرآن يدلُّ على أنَّ هذه من الصِّفات (^٥).
وقال أيضًا: والصَّحابة قد تنازعوا في تفسير الآية هل المراد به الكشف عن الشِّدَّة أو المراد
_________________
(١) بوَّب المصنِّف لصفة الساق، وأخرج حديثا سيأتي برقم [١٠١٦].
(٢) دقائق التفسير الجامع لتفسير ابن تيمية (٢/ ٤٨٢)، بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، لابن تيمية (٥/ ٤٧٢)، المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام، لابن تيمية (١/ ٧١).
(٣) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، لابن جرير (٢٣/ ١٨٦).
(٤) صفات الله - ﷿ - الواردة في الكتاب والسنة، تأليف: علوي السقَّاف (ص ١٩٢).
(٥) دقائق التفسير الجامع لتفسير ابن تيمية (٢/ ٤٨٢).
[ ٢ / ٨٩ ]
به أنَّه يكشف الرَّبُّ عن ساقه (^١).
وقال: ولا أعلم خلافًا عن الصحابة في شيء مما يعد من الصفات المذكورة في القرآن إلا هذه الآية؛ لعدم الإضافة فيها. والذي يجعلها من الصفات يقول فيها كقوله في قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]، ونحو ذلك؛ فإنَّ الصِّفات تثبت، ويجب تنزيه الرَّبِّ عن التَّمثيل؛ لأنَّه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (^٢).
وقال: والصَّحابة قد تنازعوا في تفسير الآية، هل المراد به الكشف عن الشِّدَّة، أو المراد به أنَّه يكشف الرَّبُّ عن ساقه؟ ولم يتنازع الصَّحابة والتَّابعون في ما يذكر من آيات الصِّفات إلاَّ في هذه الآية (^٣).
قال ابن العثيمين: إنَّ لعلماء السَّلَف في قوله: ﴿عَنْ سَاقٍ﴾ قولين:
- القول الأول: أنَّ المراد به الشِّدَّة.
- والقول الثَّاني: أنَّ المراد به ساق الله - ﷿ - (^٤).
أدلة القول الأول:
أولًا: القرآن الكريم:
قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢].
وجه الدلالة من الآية:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [سورة القلم، آية: ٤٢] لم يقل يوم يكشف السَّاق، وهذا يبين خطأ من قال المراد بهذه كشف الشدة، وأن الشدة تسمى
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، لابن تيمية (٥/ ٤٧٢).
(٢) المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام، لابن تيمية (١/ ٧١).
(٣) بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، لابن تيمية (٥/ ٤٧٢).
(٤) مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين (٨/ ٢٥٥).
[ ٢ / ٩٠ ]
ساقًا، وأنه لو أريد ذلك، لقيل: يوم يكشف عن الشدة أو يكشف الشدة، وأيضًا فيوم القيامة لا يكشف الشدة عن الكفار، والرواية في ذلك عن ابن عباس ساقطة الإسناد (^١).
وقال الشَّوكانيُّ: وقد أغنانا الله سبحانه في تفسير هذه الآية بما صحَّ عن رسول الله - ﷺ - كما عرفت، وذلك لا يستلزم تجسيمًا ولا تشبيهًا؛ فليس كمثله شيء (^٢).
وقال السَّعديُّ: إذا كان يوم القيامة، وانكشف فيه من القلاقل والزَّلازل والأهوال ما لا يدخل تحت الوهم، وأتى الباري لفصل القضاء بين عباده ومجازاتهم فكشف عن ساقه الكريمة الَّتي لا يشبهها شيء (^٣).
ثانيًا: السنة النبوية:
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «يَكْشِفُ رَبُّنَا عَنْ سَاقِهِ، فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ، فَيَبْقَى كُلُّ مَنْ كَانَ يَسْجُدُ فِي الدُّنْيَا رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ، فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا» (^٤).
وجه الدلالة من الحديث:
دل حديث أبي سعيد الخُدْرِيِّ - ﵁ - دلالة صريحة على أن الساق من صفات الله - ﷾ -، وهو حديث صحيح.
قال أبو سليمان الخطابي: وهذا الحديث ممَّا قد تهيب القول فيه شيوخنا، فَأَجْرَوْهُ على ظاهر لفظه، ولم يَكْشِفُوا عن باطن معناه، على نحو مذهبهم في التَّوقُّف عن تفسير كلِّ ما لا يحيط العلم بِكُنْهِهِ من هذا الباب (^٥).
_________________
(١) الرد على البكري، لابن تيمية (٢/ ٥٤٣).
(٢) فتح القدير، الشوكاني (٥/ ٣٣٢).
(٣) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، السعدي (ص ٨٨١).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، بَابُ ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] (٦/ ١٥٩) (٤٩١٩).
(٥) أعلام الحديث، الخطابي (٣/ ١٩٣٠).
[ ٢ / ٩١ ]
أدلة القول الثاني:
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢]، وقد روي عن ابن عباس - ﵁ - وغيره أن المراد بالساق: الشِّدَّةُ، وسيأتي عرض أقوالهم.
وجه الدلالة من الآية:
قال ابن قتيبة: وأصل هذا: أن الرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج إلى معاناته والجد فيه، شمر عن ساقه، فاستعيرت الساق في موضع الشدة. هذا قول الفرَّاء وأبي عبيدة واللُّغويِّين. وقد أضيف هذا الأمر إلى الله تعالى (^١).
قال الخطابي: روي عن ابن عبَّاس أنَّه قال: عن شِدَّةٍ وكرب. قال الْخَطَّابِيُّ: فيحتمل أن يكون معنى قوله: يكشف ربُّنا عن ساقه؛ أي: عن قُدْرَتِهِ الَّتي تنكشف عند الشِّدَّة والمعزَّة (^٢).
آثار مروية عن ابن عباس ﴿وغيره في تفسير الآية:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ - ﷿ -: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] قَالَ: «إِذَا خَفِي عَلَيْكُمْ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ فَابْتَغُوهُ فِي الشِّعْرِ، فَإِنَّهُ دِيوَانُ الْعَرَبِ». أَمَا سَمِعْتُمْ قَوْلَ الشَّاعِرِ:
اصْبِرْ عَنَاقَ إِنَّهُ شَرٌّ بَاقٍ
قَدْ سَنَّ قَوْمَكَ ضَرْبُ الْأَعْنَاقْ
وَقَامَتِ الْحَرْبُ بِنَا عَنْ سَاقْ (^٣)
وعن ابن عباس ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] قال: يَوْمُ كَرَبٍ وَشِدَّةٍ (^٤).
وعنه: قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] يقول: حين يكشف الأمر، وتبدو الأعمال، وكشفه: دخول الآخرة، وكشف الأمر عنه (^٥).
_________________
(١) تأويل مشكل القرآن، لابن قتيبة (ص ٨٩).
(٢) أعلام الحديث، الخطابي (٣/ ١٩٣٠). وعنه البيهقي في الأسماء والصفات (٧٤٥).
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٥٤٢) (٣٨٤٥) وقال: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ. ووافقه الذهبي.
(٤) الزهد والرقائق، لابن المبارك (٢/ ١٠٥)، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الطبري (٢٣/ ١٨٧)، شرح السنة، البغوي (١٥/ ١٣٨).
(٥) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الطبري (٢٣/ ١٨٧).
[ ٢ / ٩٢ ]
وعنه أيضاَ: في قوله - ﷿ -: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] قال: هُوَ الْأَمْرُ الشَّدِيدُ الْمُفْظِعُ مِنَ الْهَوْلِ يَوْمَ الْقِيَامَة (^١).
وعن مجاهد، قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] قال: شدَّة الأمر وَجَدُّهُ (^٢).
وعن ابن عبَّاس في قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ [القلم: ٤٢] يقول: حِينَ يُكْشَفُ الْأَمْرُ وَتَبْدُو الْأَعْمَالُ، وَكشْفُهُ دُخُولُ الْآخِرَةِ وَكَشَفُ الْأَمْرِ عَنْهُ (^٣).
وقال ابن عبَّاس: هي أوَّل ساعة تكون في يوم القيامة، غير أنَّ في حديث الحارث قال: وقال ابن عبَّاس: هي أشدُّ ساعة تكون في يوم القيامة (^٤).
وعن سعيد بن جُبير (^٥)، أنَّ ابن عبَّاس في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] قال: عَنْ بَلَاءٍ عَظِيمٍ (^٦).
وعن سعيد بن جبير قال: عن شدَّة الأمر (^٧).
وعن قتادة (^٨) في قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [سورة القلم آية: ٤٢] قال: عن أَمْرٍ فَظِيْعٍ جَلِيْلٍ (^٩).
وعن معمر عن قتادة في قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] قال: يوم يكشف عن شدَّة
_________________
(١) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الطبري (٢٣/ ١٨٧).
(٢) الزهد والرقائق، لابن المبارك (٢/ ١٠٥)، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الطبري (٢٣/ ١٨٨).
(٣) الأسماء والصفات، للبيهقي (٧٤٩).
(٤) الزهد والرقائق، لابن المبارك (٢/ ١٠٥).
(٥) سَعِيْدُ بنُ جُبَيْرِ بنِ هِشَامٍ الوَالِبِيُّ مَوْلَاهُم، الإِمَامُ، الحَافِظُ، المُقْرِئُ، المُفَسِّرُ، رَوَى عَنِ: ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَكْثَرَ وَجَوَّدَ، قتله الحجاج بن يوسف سنة (٩٥ هـ). ينظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (٤/ ٣٢١).
(٦) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، اللالكائي (٧٢٤).
(٧) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الطبري (٢٣/ ١٨٨).
(٨) قَتَادَةُ بنُ دِعَامَةَ السَّدُوْسِيُّ، أَبُو الخَطَّابِ البَصْرِيُّ، ثقة ثبت، سيأتي [٧٩٣].
(٩) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الطبري (٢٣/ ١٨٨).
[ ٢ / ٩٣ ]
الأمر (^١).
وعن عكرمة في قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] قال: هو يَوْمُ كَرْبٍ وشدَّة (^٢).
قال الخطابي: وقال غير ابن عباس من أهل التَّفسير والتَّأويل في قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] أي: عن الأمر الشَّديد. وأنشدوا:
قد شمَّرت عن ساقها فشدُّوا
وجدَّت الحرب بكم فجدُّوا
وقال بعض الأعراب:
عجبت من نفسي ومن إشفاقها
ومن طرادي الطَّير عن أرزاقها
في سنة قد كشفت عن ساقها
وإنَّما جاء ذكر الكشف عن السَّاق على معنى الشِّدَّة (^٣).
قال ابن كثير: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] يعني: يوم القيامة، وما يكون فيه من الأهوال والزَّلازل والبلاء والامتحان والأمور العظام (^٤).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ولا رَيْبَ أنَّ ظَاهِرَ القرآن لا يَدُلُّ على أنَّ هذه من الصِّفات؛ فإنَّه قال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] نَكِرَةٌ في الإثبات لم يُضِفْهَا إلى الله، ولم يقل عن ساقه، فمع عدم التَّعريف بالإضافة لا يَظْهَرُ أنَّه من الصِّفات إلاَّ بدليل آخر، ومثل هذا ليس بتأويل؛ إنَّما التَّأويل صَرْفُ الآية عن مدلولها ومفهومها ومعناها المعروف (^٥).
مناقشة:
القول بأنَّ المراد بالسَّاق الشِّدَّة لا يَصِحُّ من وُجُوهٍ:
- الأوَّل: لغة العرب في مثل ذلك أن يُقَالَ: «كَشَفَتِ الشِّدَّةُ عن القوم» لا: كُشِفَ عنها، كما
_________________
(١) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الطبري (٢٣/ ١٨٩).
(٢) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الطبري (٢٣/ ١٩٥).
(٣) أعلام الحديث، الخطابي (٣/ ١٩٣٠).
(٤) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير (٨/ ١٩٨).
(٥) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٦/ ٣٩٥).
[ ٢ / ٩٤ ]
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٥]، وقال: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ﴾ [المؤمنون: ٧٥]؛ فالعذاب والشِّدَّة هو المكشوف، لا المكشوف عنه.
- الثاني: يوم القيامة تحدث الشِّدَّة وتشتدُّ ولا تُزَالُ إلاَّ بدخول الجنَّة (^١).
قال ابن القيِّم: والَّذين أثبتوا ذلك صفة كاليدين والإصبع لم يأخذوا ذلك من ظاهر القرآن، وإنَّما أثبتوه بحديث أبي سعيد الخدريِّ المتَّفق على صحَّته، وهو حديث الشَّفاعة الطويل، وفيه: «فَيَكْشِفُ الْرَّبُّ عَنْ سَاقِهِ، فَيَخِرُّوْنَ لَهُ سُجَّدًا»، وَمَنْ حَمَلَ الآية على ذلك قال: قوله تعالى ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] مطابق لقوله: فيكشف عن ساقه، فيخرُّون له سجَّدًا، وتنكيره للتَّعظيم والتَّفخيم، كأنَّه قال: يكشف عن ساق عظيمة جلَّت عظمتها وتعالى شأنها أن يكون لها نظير أو مثيل أو شبيه. قالوا: وحمل الآية على الشِّدَّة لا يَصِحُّ بِوَجْهٍ، فإن لغة القوم في مثل ذلك أن يقال: كُشِفَتِ الشِّدَّة عن القوم، لا كُشِف عنها، كما قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ [الزخرف: ٥٠]، وقال: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ﴾ [المؤمنون: ٧٥]؛ فالعذاب والشِّدَّة هو المكشوف لا المكشوف عنه، وأيضًا فهناك تحدث الشِّدَّة وتشتد ولا تزال إلا بدخول الجنة، وهناك لا يدعون إلى السجود، وإنما يدعون إليه أشد ما كانت الشِّدَّة (^٢).
الرأي الراجح:
الراجح هو القول الأول، وهو أن قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] هي آية من آيات الصفات، والمراد بها صفة الساق لله - ﷿ -؛ لدلالة حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - دلالة صريحة، وهو حديث صحيح، أخرجه البخاري وغيره.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [سورة القلم، آية: ٤٢] لم يقل يوم يكشف السَّاق، وهذا يبين خطأ من قال المراد بهذه كشف الشدة، وأن الشدة تسمى
_________________
(١) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة، لابن القيم (١/ ٢٥٣).
(٢) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة، لابن القيم (١/ ٢٥٣).
[ ٢ / ٩٥ ]
ساقًا، وأنه لو أريد ذلك، لقيل: يوم يكشف عن الشدة أو يكشف الشدة، وأيضًا فيوم القيامة لا يكشف الشدة عن الكفار، والرواية في ذلك عن ابن عباس ساقطة الإسناد (^١).
_________________
(١) الرد على البكري، لابن تيمية (٢/ ٥٤٣).
[ ٢ / ٩٦ ]
المبحث التاسع: صفة الضحك (^١)
يثبت أهل السُّنَّة والجماعة صفة الضحك لله تعالى كما جاءت في الأحاديث الشريفة.
وخالف ابن عبد البر وغيره فقالوا: المراد بالضحك الرحمة والرضوان والعفو والغفران (^٢).
أدلة المثبتين:
هي أدلة كثيرة جدا، سأذكر بعضها،،،
- الدليل الأول: عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قال: آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ، فَهْوَ يَمْشِي مَرَّةً، وَيَكْبُو مَرَّةً، وَتَسْفَعُهُ النَّارُ مَرَّةً فَإِذَا أَدْنَاهُ مِنْهَا فَيَسْمَعُ أَصْوَاتَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَدْخِلْنِيهَا، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ مَا يَصْرِينِي مِنْكَ؟ أَيُرْضِيكَ أَنْ أُعْطِيَكَ الدُّنْيَا وَمِثْلَهَا مَعَهَا؟ قَالَ: يَا رَبِّ، أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ "، فَضَحِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: أَلَا تَسْأَلُونِي مِمَّ أَضْحَكُ فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ، قَالَ: هَكَذَا ضَحِكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: " مِنْ ضَحِكِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حِينَ قَالَ: أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَيَقُولُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ مِنْكَ، وَلَكِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ (^٣).
- الدليل الثاني: روى أَبُو هُرَيْرَةَ - ﵁ - نحوه، ولفظه: «… ثُمَّ يَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ اللهُ ﵎ لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ مَا أُعْطِيتَ؟، وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ، مَا أَغْدَرَكَ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، لَا أَكُونُ أَشْقَى خَلْقِكَ، فَلَا يَزَالُ يَدْعُو اللهَ حَتَّى يَضْحَكَ اللهُ ﵎ مِنْهُ، فَإِذَا ضَحِكَ اللهُ مِنْهُ قَالَ: ادْخُلْ الْجَنَّةَ» (^٤).
- الدليل الثالث: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصَابَنِي الجَهْدُ، فَأَرْسَلَ إِلَى نِسَائِهِ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُنَّ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «أَلَا رَجُلٌ يُضَيِّفُهُ
_________________
(١) بوب المصنِّف لصفة الضحك، وأخرج حديثا سيأتي برقم [٨١٦].
(٢) الاستذكار، لابن عبد البر (٥/ ٩٧).
(٣) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، بَابُ آخَرِ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا (١/ ١٧٤) (١٨٧).
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية (١/ ١٦٣) (١٨٢).
[ ٢ / ٩٧ ]
هَذِهِ اللَّيْلَةَ، يَرْحَمُهُ اللَّهُ؟» فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: ضَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - لَا تَدَّخِرِيهِ شَيْئًا، قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا عِنْدِي إِلَّا قُوتُ الصِّبْيَةِ، قَالَ: فَإِذَا أَرَادَ الصِّبْيَةُ العَشَاءَ فَنَوِّمِيهِمْ، وَتَعَالَيْ فَأَطْفِئِي السِّرَاجَ وَنَطْوِي بُطُونَنَا اللَّيْلَةَ، فَفَعَلَتْ، ثُمَّ غَدَا الرَّجُلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: «لَقَدْ عَجِبَ اللَّهُ - ﷿ - أَوْ ضَحِكَ - مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانَةَ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ - ﷿ -: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] (^١).
وجه الدلالة من الأحاديث:
لقد أثبتت الأحاديث صفة الضَّحك لله تعالى (^٢)، ولا يلزم من إثباتها أي محذور، وليس فيه أي تشبيه لله بخلقه، خصوصًا وقد مدح الله نفسه بها، ولا يتصور التَّشبيه إلاَّ من لم يعرف الحقَّ، ولم يطلع على مذهب السلف؛ ذلك أنَّها صفات تليق بالله - ﷿ - وكما لا نَعْرِفُ ذاته، فكذلك لا نعرف كيفية صفاته (^٣).
فكما أنَّ النطق صفة كمال، فكذلك الضحك صفة كمال، فمن يتكلم أكمل ممَّن لا يتكلم، ومن يضحك أكمل ممن لا يضحك، وإذا كان الضحك فينا مستلزمًا لشيء من النقص فالله منزه عن ذلك، وذلك الأكثر مختصٌّ لا عامٌّ، فليس حقيقة الضَّحك مطلقًا مقرونة بالنقص، كما أن ذواتنا وصفاتنا مقرونة بالنَّقص، ووجودنا مقرون بالنَّقص، ولا يلزم أن يكون الرب موجدًا وألا تكون له ذات (^٤).
قال ابن خُزَيْمَةَ: بَابُ ذِكْرِ إِثْبَاتِ ضَحِكِ رَبِّنَا - ﷿ - بِلَا صِفَةٍ تَصِفُ ضَحِكَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، لَا وَلَا يُشَبِّهْ ضَحِكَهُ بِضَحِكِ الْمَخْلُوقِينَ، وَضَحِكُهُمْ كَذَلِكَ، بَلْ نُؤْمِنُ بِأَنَّهُ يَضْحَكُ، كَمَا أَعْلَمَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَنَسْكُتُ عَنْ صِفَةِ ضَحِكِهِ جَلَّ وَعَلَا، إِذِ اللَّهُ - ﷿ - اسْتَأْثَرَ بِصِفَةِ ضَحِكِهِ، لَمْ يُطْلِعْنَا عَلَى ذَلِكَ،
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الحشر: ٩] الآية (٦/ ١٤٨) (٤٨٨٩).
(٢) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، لابن القيم (ص ٢٨٥)، إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة، التويجري (٣/ ٢٩٦).
(٣) فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام وبيان موقف الإسلام منها، د. غالب بن علي عواجي (٣/ ١٢٨٤).
(٤) الرسالة الأكملية في ما يجب لله من صفات الكمال، لابن تيمية (ص ٥٥).
[ ٢ / ٩٨ ]
فَنَحْنُ قَائِلُونَ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - مُصَدِّقُونَ بِذَلِكَ، بِقُلُوبِنَا مُنْصِتُونَ عَمَّا لَمْ يُبَيَّنْ لَنَا، مِمَّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ (^١).
وقال ابن تيمية: وكذلك أحاديث الضَّحك متواترة عن النَّبيِّ، وقد رواها الأئمَّة (^٢).
وقال معمر بن أحمد الأصبهاني شيخ الصوفية (^٣): أحببت أن أوصي أصحابي بوصية من السنة، وأجمع ما كان عليه أهل الحديث، وأهل المعرفة والتصوف، من المتقدمين والمتأخرين، فذكر أشياء في الوصية، إلى أن قال فيها: ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكًا (^٤).
- الدليل الرابع: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ يَدْخُلَانِ الجَنَّةَ: يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَيُقْتَلُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى القَاتِلِ، فَيُسْتَشْهَدُ (^٥).
وجه الدلالة من الحديث:
أثبت هذا الحديث صفة الضحك لله تعالى، ولو كان تفسير الضحك الرضا والرحمة والصفح عن الذنوب، لما كان لأبي رزين أن يقول: من ربٍّ يضحك، بل كان عليه أن يقول: لن نعدم الخير من ربٍّ يرحم (^٦).
قال الحافظ المقدسي: فهذا وما أشبهه مما صحَّ سنده وعدلت رواته، نؤمن به، ولا نردُّه ولا نجحده ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره، ولا نشبهه بصفات المخلوقين، ولا بسمات المحدثين، ونعلم أن الله ﷾ لا شبيه له ولا نظير ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ
_________________
(١) كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - ﷿ -، تأليف: ابن خزيمة (٢/ ٥٦٣).
(٢) الفتاوى الكبرى، لابن تيمية (٦/ ٦١٤).
(٣) معمر بن أحمد بن محمد بن زياد، شيخ الصوفية. ينظر: تذكرة الحفاظ، للذهبي (٣/ ١٩٠).
(٤) العرش، الذهبي (٢/ ٤٤٧).
(٥) متفق عليه. البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب الكافر يقتل المسلم، ثم يسلم، فيسدد بعد ويقتل (٤/ ٢٤) (٢٨٢٦)، مسلم، كتاب الإمارة، باب بيان الرجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة (٣/ ١٥٠٤) (١٨٩٠).
(٦) القول السديد في الرد على من أنكر تقسيم التوحيد، عبد الرازق البدر (ص ١٠٨).
[ ٢ / ٩٩ ]
الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. وكل ما تخيِّل في الذِّهن أو خطر بالبَال فإنَّ الله تعالى بخلافه (^١).
والضحك من الله - ﷾ - دَلِيلٌ على حصول الخير (^٢).
- الدليل الخامس: عَنِ امْرَأَةٍ، مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهَا، أَسْمَاءُ بِنْتُ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ، قَالَتْ: لَمَّا مَاتَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، صَاحَتْ أُمُّهُ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «أَلَا يَرْقَأُ دَمْعُكِ، وَيَذْهَبُ حُزْنُكِ، فَإِنَّ ابْنَكِ أَوَّلُ مَنْ ضَحِكَ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَاهْتَزَّ مِنْهُ الْعَرْشُ» (^٣).
وجه الدلالة من الحديث:
دلَّ الحديث على أنَّ الضَّحك صفة لله تعالى، ولو كان المراد به الرَّحمة أو الرِّضا، ما كان يقول النَّبيُّ - ﷺ -: «أوَّل من ضحك الله إليه» (^٤).
أدلة المأولين:
- الدليل الأول: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ يَدْخُلَانِ الجَنَّةَ: يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَيُقْتَلُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى القَاتِلِ، فَيُسْتَشْهَدُ (^٥).
وجه الدلالة من الآية:
قال ابن عبد البرِّ: وأمَّا قوله: «يَضْحَكُ اللهُ إليه»؛ أي: يتلقَّاه الله - ﷿ - بالرَّحمة والرضوان والعفو والغفران. ولفظ الضَّحك ها هنا مجازٌ؛ لأنَّ الضحك لا يكون من الله - ﷿ - على ما هو من البشر؛ لأنَّه ليس كمثله شيء ولا تشبهه الأشياء (^٦).
_________________
(١) لمعة الاعتقاد، الحافظ المقدسي (ص ١١ - ١٢).
(٢) شرح سنن ابن ماجه (ص ١٦)، شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري، عبد الله بن محمد الغنيمان (٢/ ١٠٥).
(٣) المسند (٢٨٢٢٩)، وضعفه الألباني في ظلال الجنة (٥٥٩) وشعيب في المسند. وسيأتي [٨٥٨].
(٤) نقض الدارمي على المريسي (٢/ ٧٩٧).
(٥) تقدم تخريجه في صفحة (٩٩).
(٦) الاستذكار، لابن عبد البر (٥/ ٩٧).
[ ٢ / ١٠٠ ]
وقال ابن فورك: فالمعنى إظهار إجابته، والإنعام عليه، وابتداؤه بالكرم والرحمة (^١).
وقال المازَري: الضَّحك من الله محمول على إظهار الرِّضا والقبول؛ إذ الضحك في البشر علامة على ذلك. ويقال: ضحكت الأرض، إذا ظهر نباتها. وفي بعض الحديث «فَيَبْعَثُ الله سحابًا فَيَضْحَكُ أحْسَن الضَّحِكِ» فجعل انجلاءه كل البرق ضحكًا على الاستعارة، كأنَّه تعالى لما أظهر له رحمته استعير له اسم الضَّحك مجازًا (^٢).
وقال الطيِّبي: الضحك من الله - ﷾ - محمول على غاية الرضا والرأفة، فالمعنى أنه تعالى يتجلى لهم ضاحكًا، أي راضيًا عنهم متعطفًا عليهم؛ لأن الملك إذا نظر إلى بعض رعيته بعين الرضا، لا يدع من إنعام وإكرام إلا فعل في حقه (^٣).
وقال القاضي عياض: الضَّحك في البشر أمر اختصُّوا به، وحالة تغيُّر أوجبها سرور القلب، فتنبسط له عروق القلب، فيجرق الدَّم فيها، فيقبض إلى سائر عروق الجسد، فيثور لذلك حرارة يبسط لها الوجه ويضيق عنها الفم فينفتح، وهو التَّجسم، فإذا زاد السرور وتمادى ولم يضبط الإنسان نفسه واستخفه سروره قَهْقَهَ، والتَّغيُّرات وأوصاف الحَدَثِ منفيَّة عن الله تعالى، وجاءت الآثار الصَّحيحة بإضافة الضَّحك إليه، فحمل العلماء ذلك على الرضا بفعل عبده، ومحبَّته للقائه، وإظهار نعمه وفضله عليه، وإيجابها له. وقد حملوه أيضًا على التَّجلِّي للعبد، وكشف الحجاب عن بصره حتَّى يراه، والضَّحك يعبَّر به عن الظُّهور (^٤).
- الدليل الثاني: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصَابَنِي الجَهْدُ، فَأَرْسَلَ إِلَى نِسَائِهِ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُنَّ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «أَلَا رَجُلٌ يُضَيِّفُهُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، يَرْحَمُهُ اللَّهُ؟» فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: ضَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - لَا تَدَّخِرِيهِ شَيْئًا، قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا عِنْدِي إِلَّا قُوتُ الصِّبْيَةِ، قَالَ: فَإِذَا أَرَادَ الصِّبْيَةُ العَشَاءَ فَنَوِّمِيهِمْ، وَتَعَالَيْ فَأَطْفِئِي السِّرَاجَ وَنَطْوِي بُطُونَنَا اللَّيْلَةَ، فَفَعَلَتْ، ثُمَّ غَدَا
_________________
(١) مشكل الحديث وبيانه، لابن فورك (ص ٤٧٧).
(٢) المُعْلم بفوائد مسلم، المازري (١/ ٣٣٩).
(٣) شرح الطيبي على مشكاة المصابيح، الطيبي (٤/ ١٢٠٦)
(٤) إكمال المُعْلم بفوائد مسلم (١/ ٥٥٨).
[ ٢ / ١٠١ ]
الرَّجُلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: «لَقَدْ عَجِبَ اللَّهُ - ﷿ - أَوْ ضَحِكَ - مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانَةَ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ - ﷿ -: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] (^١).
وجه الدلالة من الحديث:
الضَّحك هنا معناه: الرَّحمة والرضا.
قال الخطابيُّ: تأويله على معنى الرِّضا أشبه وأقرب، وذلك أن الضحك من الكرام يدل على الرضا والاستهلال منهم مقدمة إنجاح الطلبة وقبول الوسيلة. والأجواد يوصفون عند المسألة بالبشر وحسن اللِّقاء (^٢).
مناقشة:
- الأول: ليس في إثبات الضَّحك تشبيه لله تعالى بالمخلوقات، حيث التَّشبيه الممتنع على الله أن يشارك المخلوقات في شيء من خصائصها، وأن يكون مماثلًا لها في شيء من صفاته، كالحياة والعلم والقدرة؛ فإنَّه وإن وصف بها فلا تماثل صفة الخالق صفة المخلوق، كالحدوث والموت والفناء والإمكان (^٣).
- الثاني: الصَّحابة - ﵃ - كانوا يسألون النَّبيَّ - ﷺ - عمَّا يُشْكِلُ عليهم من الصِّفات، فيُجيبهم بتقريرها، لا بالمجاز والتَّأويل الباطل (^٤).
- الثالث: قال ابن القيِّم: من تأوَّل الضَّحك بالرضا، والرضا بالإرادة، إنَّما فرَّ من صفة إلى صفة، فهلا أقر النُّصوص على ما هي عليه ولم ينتهك حرمته؟ فإنَّ المتأول إمَّا أن يذكر معنى ثبوتيًّا، أو يتأوَّل اللَّفظ بما هو عدم محض، فإنَّ تأوُّله بمعنى ثبوتيٍّ كَائِنٌ لَزِمَهُ فيه نظير ما فرَّ منه (^٥).
_________________
(١) صحيح البخاري (٤٨٨٩).
(٢) أعلام الحديث، الخطابي (٣/ ١٩٢٢)
(٣) الرسالة الأكملية في ما يجب لله من صفات الكمال، لابن تيمية (ص ٥٦).
(٤) مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لابن القيم، اختصره: محمد البعلي (ص ٥٣٩).
(٥) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة، لابن القيم (١/ ٢٣٦).
[ ٢ / ١٠٢ ]
الرأي الراجح:
الرَّأي الرَّاجح هو ثبوت صفة الضَّحك لله تعالى؛ لما يأتي:
١ - ثبوتها في السُّنَّة الصَّحيحة.
٢ - التَّأويل يخالف التَّصديق، وهو فرار من صفة إلى صفة، فعليه كما أثبت الأخرى أن يثبت الأُولى.
٣ - هكذا أخبر الله عن نفسه، فهل نحن أعلم أم الله؟
[ ٢ / ١٠٣ ]