الضابط الأول التكفير حكم شرعي، وحق لله رب العالمين
(التكفير حكم شرعي، وحق محض للرب ﷾، لا تملكه هيئة من الهيئات، أو جماعة من الجماعات، ولا اعتبار فيه لذوق أو عقل، ولا دخل فيه لحماسة طاغية، أو عداوة ظاهرة، ولا يحمل عليه ظلم ظالم تمادى في ظلمه وغيه، وإنما لا يكفر إلا من كفره الله ورسوله) (^١).
يقول شيخ الإسلام: "وهذا بخلاف ما كان يقوله بعض الناس، كأبي إسحاق الإسفراييني ومن اتبعه، يقولون: لا يكفر إلا من يكفر. فإن التكفير ليس حقا لهم، بل هو حق الله، وليس للإنسان أن يكذب على من يكذب عليه، ولا يفعل الفاحشة بأهل من فعل الفاحشة بأهله، بل لو استكرهه رجل على اللواطة، لم يكن له أن يستكرهه على ذلك،
_________________
(١) التكفير في ضوء السنة النبوية لباسم الجوابرة (٥٨).
[ ١٢ ]
ولو قتله بتجريع خمر أو تلوط به لم يجز قتله بمثل ذلك، لأن هذا حرام لحق الله تعالى، ولو سب النصارى نبينا، لم يكن لنا أن نسب المسيح، والرافضة إذا كفروا أبا بكر وعمر فليس لنا أن نكفر عليا». (^١)
الضابط الثاني أهلية المكفر
التكفير حكم شرعي، ومسألة كبرى لا يتصدى لها إلا الأئمة الكبار وأهل العلم الذين أمر الله بسؤالهم والرد إليهم، حين قال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] وهذا الضابط سيتناول المؤهل لإصدار حكم التكفير.
أ. تعريف الأهلية:
يقال: أهلٌ لكذا: أي مستوجب له؛ الواحد والجمع في ذلك سواء.
ويقال: هو أهل ذاك، وأهل لذاك، ويقال: هو أهلة ذلك، وأهله لذلك الأمر تأهيلا، وأهله: رآه له أهلا، واستأهله: استوجبه (^٢).
ب. شروط المكفر:
لابد أن يكون المكفر عالما مجتهدا، لأن التكفير يقوم على أدلة شرعية إما قرآنية معلومة الثبوت أو حديثية لا يستطيع القطع بثبوتها
_________________
(١) منهاج السنة النبوية (٥/ ٢٤٤)
(٢) لسان العرب: مادة (أهل).
[ ١٣ ]
ولا يمتلك أدوات فهمها فهما سليما إلا العلماء، وأما العوام فالواجب عليهم الرجوع إليهم في هذه المسائل وغيرها من مسائل العقائد والأحكام، يقول تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، ويقول رسول الله ﵌ «… إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضا، بل يصدق بعضه بعضا فما عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه» (^١).
وأهل الأهواء من قديم الزمان يسلكون مسلكا مريبا في طعنهم العلماء، ويسقطون هيبتهم من النفوس حتى لا يرجع إليهم، كما سبق أن أسقطوا هيبة الأمراء، وقد قال ابن المبارك: «من استخف بالعلماء ذهبت آخرته، ومن استخف بالأمراء ذهبت دنياه، ومن استخف بالإخوان ذهبت مروءته» (^٢).
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده (١١/ ٣٠٤) قال شعيب الأرنؤوط: صحيح. والطبراني في الأوسط (١/ ١٦٥).
(٢) رواه ابن المبارك في الزهد برقم (٦١) وأبو عمرو الداني في الفتن (٢/ ٦٢) وذكره الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (٦٩٥) وانظر: التكفير في ضوء السنة لباسم الجوابرة (٩٢).
[ ١٤ ]
ت. النصوص الواردة في أهلية المكفر:
أمر الله بسؤال أهل الذكر ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، قال الشيخ السعدي: (وهذه الآية وإن كان سببها خاصا بالسؤال عن حالة الرسل المتقدمين لأهل الذكر، وهم: أهل العلم؛ فإنها عامة في كل مسألة من مسائل الدين أصوله وفروعه، إذا لم يكن عند الإنسان علم منها، أن يسأل من يعلمه) (^١)
٢. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] قال الشيخ السعدي: «أمر بطاعة أولي الأمر وهم: الولاة على الناس، من الأمراء والحكام والمفتين، فإنه لا يستقيم للناس أمر دينهم ودنياهم إلا بطاعتهم والانقياد لهم، طاعة لله ورغبة فيما عنده، ولكن بشرط ألا يأمروا بمعصية الله، فإن أمروا بذلك فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ولعل هذا هو السر في حذف الفعل عند الأمر بطاعتهم وذكره مع طاعة الرسول، فإن الرسول لا يأمر إلا بطاعة الله، ومن يطعه فقد أطاع الله، وأما أولو الأمر فشرط الأمر بطاعتهم أن لا يكون معصية». (^٢)
_________________
(١) تفسير السعدي (ص ٣٢٢).
(٢) تفسير السعدي (ص ١٨٣)
[ ١٥ ]
٣. ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] قال الشيخ السعدي:
«هذا تأديب من الله لعباده عن فعلهم هذا غير اللائق. وأنه ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة والمصالح العامة ما يتعلق بالأمن وسرور المؤمنين، أو بالخوف الذي فيه مصيبة عليهم أن يتثبتوا ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر، بل يردونه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، أهل الرأي والعلم والنصح والعقل والرزانة، الذين يعرفون الأمور ويعرفون المصالح وضدها». (^١)
٤. روى الإمام مسلم عن جندب أن رسول الله -ﷺ- حدث أن رجلا قال: والله لا يغفر الله لفلان، وإن الله تعالى قال: "من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان، فإني قد غفرت لفلان، وأحبطت عملك». (^٢)
ربما نتعاظم جميعا ما قاله ذلك الرجل ونتساءل: من يستطيع أن يقول كما قال ذلك الرجل؟ ومن يستطيع أن يحجر واسعا؟ أو يحكم على مسلم بالخلود في النار؟
أقول: من يحمل راية التكفير الواسعة يستطيع أن يقول ذلك، بل
_________________
(١) تفسير السعدي (ص ١٩٠).
(٢) (ص ١٠٥٣) ٢٦٢١ كتاب البر والصلة والآداب.
[ ١٦ ]
لا بد أن يقول ذلك؟ ومن يجرؤ على التكفير أو يتساهل في أمره فهو واقع في ذلك لا محالة: وكيف ذلك؟ وإذا حكم على معين بأنه كافر فقد حكم بأن الله لا يغفر له، وقد قال بلسان حاله إن لم يكن بلسان مقاله: والله لا يغفر الله لفلان. وهذا أمر بالغ الخطورة!! (^١)
ث. أقسام المكفرين:
القسم الأول: أن يكون المكفر من صلحاء الأمة متأولا مخطئا، وهو ممن يسوغ له التأويل:
فهذا وأمثاله ممن رفع عنه الحرج والتأثيم لاجتهاده، وبذل وسعه، كما في قصة حاطب بن أبي بلتعة؟، فإن عمر؟ وصفه بالنفاق واستأذن رسول الله -ﷺ- في قتله، فقال له رسول الله -ﷺ-: "وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم» (^٢)، ومع ذلك فلم يعنف عمر على قوله لحاطب: إنه قد نافق.
القسم الثاني: المكفر لأحد من هذه الأمة يستند في تكفيره له إلى نص وبرهان من كتاب الله وسنة رسوله، وقد رأى كفرا بواحا،
_________________
(١) (حتى لا تبوء بها) الشيخ السحيم.
(٢) أخرجه البخاري كتاب استتابة المرتدين/ باب ما جاء في المتأولين (٦/ ٢٤٥٢) ٦٥٤٠، ومسلم كتاب فضائل الصحابة (٧/ ١٦٧)، ٢٤٩٤.
[ ١٧ ]
القسم الثالث: من أطلق لسانه بالتكفير لمجرد عداوة
كالشرك بالله، وعبادة ما سواه، والاستهزاء به تعالى، أو بآياته، أو رسله، أو تكذيبهم، أو كراهة ما أنزل الله من الهدى ودين الحق، أو جحود الحق، أو جحد صفات الله تعالى ونعوت جلاله ونحو ذلك:
فالمكفر بهذا وأمثاله مصيب مأجور، مطيع لله ورسوله، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل: ٣٦] فمن لم يكن من أهل عبادة الله تعالى، وإثبات صفات كماله، ونعوت جلاله، مؤمنا بما جاءت به رسله، مجتنبًا لكل طاغوت يدعو إلى خلاف ما جاءت به الرسل، فهو ممن حقت عليه الضلالة، وليس ممن هدى الله للإيمان به، وبما جاءت به الرسل عنه، والتكفير بترك هذه الأصول، وعدم الإيمان بها من أعظم دعائم.
القسم الثالث: من أطلق لسانه بالتكفير لمجرد عداوة، أو هوى، أو المخالفة في المذهب، كما يقع لكثير من الجهال: فهذا من الخطأ البين، والتجاسر على التكفير، والتفسيق، والتضليل، لا يسوغ إلا لمن رأى كفرا بواحا عنده فيه من الله برهان.
والمخالفة في المسائل الاجتهادية، التي قد يخفي الحكم فيها
[ ١٨ ]
على كثير من الناس، لا تقتضي كفرا ولا فسقا، وقد يكون الحكم فيها قطعيا جليا عند بعض الناس، وعند آخرين يكون الحكم فيها مشتبها خفيا، والله لا يكلف نفسا إلا وسعها.
والواجب على كل أحد، أن يتقي الله ما استطاع، وما يظهر لخواص الناس من الفهوم والعلوم، لا يجب على من خفيت عليه عند العجز عن معرفتها، والتقليد ليس بواجب، بل غايته أن يسوغ عند الحاجة، وقد قرر بعض مشايخ الإسلام أن الشرائع لا تلزم إلا بعد البلوغ، وقيام الحجة، ولا يحل لأحد أن يكفر، أو يفسق بمجرد المخالفة للرأي والمذهب.
القسم الرابع: الذين يكفرون بما دون الشرك من الذنوب، كالسرقة، والزنا، وشرب الخمر:
وهؤلاء هم الخوارج، وهم عند أهل السنة أهل ضلال وبدعة، قاتلهم أصحاب رسول الله -ﷺ-؛ لأن الحديث قد صح بالأمر بقتالهم، والترغيب فيه، وفيه: «أنهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم». (^١)
الضابط الثالث الحكم بالظاهر
اتفق أئمة أهل السنة والجماعة على قاعدة (من ثبت إسلامه فلا يزول بشك)؛ فكانوا أعظم الناس ورعا؛ لأن تكفير المسلم مسألة
_________________
(١) الإتحاف في الرد على الصحاف [ص ٢٧].
[ ١٩ ]
خطيرة، يجب عدم الخوض فيها دون دليل وبرهان، وينبغي الاحتراز من التكفير ما وجد إلى ذلك سبيلا، فباب التكفير باب خطير، وقد حذر النبي -ﷺ- أن يكفر أحدٌ أحدا دون برهان.
والأصل في المسلم السلامة من الفسق والكفر، فإذا تقرر هذا الأصل صار هو القدر المتيقن، و… (اليقين لا يزول بالشك) ولا يعدل عن هذا اليقين أو الأصل إلا بدليل صريح صحيح، أما الظن والتخمين فليس هذا مجاله أبدا. وإذا كانت هذه القاعدة تقرر أنه لا يجوز الحكم بنقض وضوء المسلم إلا بدليل، فكيف الحال عند الحكم بنقض إسلامه بالكلية؟!. (^١)
ويتفرع عن هذا الأصل حرمة دم المسلم وعرضه وماله، ودليله حديث رسول الله -ﷺ- في خطبته يوم النحر في حجة الوداع أخرجه البخاري (^٢) ومسلم (^٣) في صحيحيهما: (.. فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، فليبلغ الشاهد الغائب). (^٤)
_________________
(١) قواعد الأحكام (٢/ ٢٦)
(٢) كتاب الحج، باب الخطبة أيام منى (٤/ ٣٣٥) ١٧٤١.
(٣) كتاب القسامة والمحاربين (٣/ ٢٣٠٥) ١٦٧٩.
(٤) [وقفات تأصيلية] (التكفير بين العلم والجهل) د. فهد بن سعد الزايدي الجهني.
[ ٢٠ ]
وقبل الكلام على أدلة الحكم بالظاهر لابد أن نتعرف على معنى الظاهرة:
أ. تعريف الظاهرة
ظهر يظهر ظهورا فهو ظاهر، والظاهر خلاف الباطن. (^١)
ب. الحكم بالظاهر وأدلة ذلك (^٢):
هذه من المسائل العظيمة في مذهب أهل السنة في الحكم على الناس، فلا تكون أحكامهم مبنية على ظنون وأوهام أو دعاوي لا يملكون عليها بينات، وهذه من رحمة الله وتيسيره على عباده ومن باب تكليفهم بما يطيقون ويستطيعون، وكل ما سبق المقصود به الحكم الدنيوي على الشخص بالإسلام أو الكفر، أما الحكم على الحقيقة فلا سبيل إليه، يقول الإمام الشاطبي الله -﵀- مبينا أهمية هذا الأصل وخطورة إهماله: (إن أصل الحكم بالظاهر مقطوع به في الأحكام خصوصا، وبالنسبة إلى الاعتقاد في الغير عموما، فإن سيد البشر مع إعلامه بالوحي يجري الأمور على ظواهرها في المنافقين
_________________
(١) لسان العرب: مادة (ظهر).
(٢) مستفاد من نواقض الإيمان الاعتقادية د. محمد الوهيبي (١/ ٢٠١)
[ ٢١ ]
وغيرهم، وإن علم بواطن أحوالهم، ولم يكن ذلك بمخرجه عن جريان الظواهر على ما جرت عليه. لا يقال: إنما كان ذلك من قبيل ما قال: (خوفا من أن يقول الناس أن محمدا يقتل أصحابه) (^١) فالعلة أمر آخر لا ما زعمت، فإذا عدم ما علل به فلا حرج. لأنا نقول: هذا أدل الدليل على ما تقرر، لأن فتح هذا الباب يؤدي إلى أن لا يحفظ ترتيب الظواهر فإن من وجب عليه القتل بسبب ظاهر، فالعذر فيه ظاهر واضح، ومن طلب قتله بغير سبب ظاهر بل بمجرد أمر غيبي ريما شوش الخواطر وران على الظواهر، وقد فهم من الشرع سد هذا الباب جملة ألا ترى إلى باب الدعاوي المستند إلى أن «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» (^٢)، ولم يستثن من ذلك أحدا حتى أن رسول الله -ﷺ- احتاج في ذلك إلى البينة، فقال من يشهد لي؟ حتى شهد له خزيمة بن ثابت (^٣) فجعلها
_________________
(١) جزء من حديث، رواه البخاري، كتاب التفسير، باب قوله تعالى: ﴿؟؟؟؟ …﴾ الآية .. الفتح (٨/ ٦٤٨) ٤٦٢٢.
(٢) أخرجه البخاري ٨/ ٣٩٨ في تفسير سورة الأحزاب.
(٣) أما خزيمة فهو: خزيمة بن ثابت بن الفاكه بن ثعلبة بن ساعده، أبو عمار الأنصاري المدني، ذو الشهادتين شهد أحدا وما بعدها. استشهد مع علي ﵁ يوم صفين، صحابي جليل وله أحاديث، انظر لترجمته: طبقات ابن سعد ٤/ ٣٧٨، أسد الغابة ٢/ ١٣٣. والإصابة ٣/ ٩٣٠.
[ ٢٢ ]
الله شهادتين (^١) فما ظنك بأحاد الأمة، فلو ادعي أكذب الناس على أصلح الناس لكانت البينة على المدعي، واليمين على من أنكر وهذا من ذلك والنمط واحد، فالاعتبارات الغيبية مهملة بحسب الأوامر والنواهي الشرعية) (^٢)
واستند أهل السنة في تقريرهم لهذا الأصل العظيم إلى أدلة كثيرة منها:
١. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النساء: ٩٤]
_________________
(١) والقصة في هذا: أن النبي -ﷺ- ابتاع فرسا من أعرابي فاستتبعه النبي -ﷺ- ليقضيه ثمن فرسه فأسرع رسول الله -ﷺ- المشي وأبطأ الأعرابي فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس ولا يشعرون أن النبي -ﷺ- ابتاعه فنادى الأعرابي رسول -ﷺ- فقال إن كنت مبتاعا هذا الفرس وإلا بعته فقام النبي -ﷺ- حين سمع نداء الأعرابي فقال «أوليس قد ابتعته منك «فقال الأعرابي لا والله ما بعتكه فقال النبي -ﷺ- «بلى قد ابتعته منك «فطفق الأعرابي يقول هلم شهيدا فقال خزيمة بن ثابت أنا أشهد أنك قد بايعته فأقبل النبي -ﷺ- على خزيمة فقال «بم تشهد؟ «فقال بتصديقك يا رسول الله فجعل النبي -ﷺ- شهادة خزيمة بشهادة رجلين. أخرجه أبو داود (٢/ ٣٣١)، والنسائي (٧/ ٣٠١)، وأحمد (٥/ ٢١٥). وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ٣٦٠٧.
(٢) الموافقات للشاطبي ٢/ ٢٧١، ٢٧٢.
[ ٢٣ ]
قال الشوكاني قال: (والمراد هنا: لا تقولوا لمن ألقى بيده إليكم واستسلم لست مؤمنا فالسلم والسلام كلاهما بمعنى الاستسلام، وقيل هما بمعنى الإسلام: أي لا تقولوا لمن ألقى إليكم التسليم فقال السلام عليكم: لست مؤمنا والمراد نهي المسلمين عن أن يهملوا ما جاء به الكافر مما يستدل به على إسلامه ويقولوا إنه إنما جاء بذلك تعوذا وتقية) (^١).
وقال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب -﵀- (فالآية تدل على أنه يجب الكف عنه والتثبت، فإذا تبين منه بعد ذلك ما يخالف الإسلام قتل، لقوله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ ولو كان لا يقتل إذا قالها لم يكن للتثبت معنى، إلى أن يقول: (وإن من أظهر التوحيد والإسلام وجب الكف عنه إلى أن يتبين منه ما يناقض ذلك) (^٢)
٢. واستدلوا بقوله -ﷺ-: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام،
_________________
(١) فتح القدير ١/ ٥٠١.
(٢) كشف الشبهات ٤٩.
[ ٢٤ ]
وحسابهم على الله». (^١)
والشاهد من الحديث قوله (وحسابهم على الله) قال ابن رجب: (وأما في الآخرة فحسابه على الله ﷿، فإن كان صادقا أدخله الله بذلك الجنة، وإن كان كاذبا فإنه من جملة المنافقين في الدرك الأسفل من النار) (^٢). وقال الحافظ في الفتح: (أي أمر سرائرهم .. وفيه دليل على قبول الأعمال الظاهرة والحكم بما يقتضيه الظاهر) (^٣) وقال الإمام البغوي: (وفي الحديث دليل على أن أمور الناس في معاملة بعضهم بعضا إنما تجري على الظاهر من أحوالهم دون باطنها، وأن من أظهر شعار الدين أجري عليه حكمه، ولم يكشف عن باطن أمره، ولو وجد مختون فيما بين قتلى غلف، عزل عنهم في المدفن، ولو وجد لقيط في بلد المسلمين حكم بإسلامه) (^٤).
_________________
(١) رواه البخاري كتاب الإيمان، ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ .. الآية (الفتح) ١/ ٧٥، ومسلم كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا (لا إله إلا الله محمد رسول الله) (شرح النووي) ١/ ٢١٠.
(٢) جامع العلوم والحكم ٨٣.
(٣) فتح الباري ١/ ٧٧، وانظر شرح النووي ١/ ٢١٢، وجامع العلوم والحكم ٨٣.
(٤) شرح السنة ١/ ٧٠.
[ ٢٥ ]
٣. واستدلوا أيضا بقصة أسامة؟ المشهورة قال: "بعشنا رسول الله -ﷺ- في سرية فصبحنا الحرقات من جهينة) (^١)
فأدركت رجلا فقال لا إله إلا الله فطعنته فوقع في نفسي من ذلك فذكرته للنبي -ﷺ- فقال رسول الله -ﷺ-: أقال لا إله إلا الله وقتلته قال: قلت: يا رسول الله إنما قالها خوفا من السلاح، قال: أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا، فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ» (^٢)، (^٣)
والحديث فيه زجر شديد وتحذير من الإقدام على قتل من تلفظ بالتوحيد وتحذير صريح من تجاوز الظاهر والحكم على ما في القلب دون بينة، قال النووي -﵀-: (وقوله -ﷺ- أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟
الفاعل في قوله أقالها هو القلب (^٤)، ومعناه
_________________
(١) الحرقات من جهينة: هم بطن من جهينة، وانظر في سبب تسميتهم الفتح ١٢/ ١٩٥.
(٢) حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ: (أي لم يكن تقدم إسلامي بل ابتدأت الآن الإسلام ليمحو عني ما تقدم) شرح النووي ٢/ ١٠٤.
(٣) رواه مسلم، واللفظ له كتاب الإيمان، " باب تحريم قتل الكافر بعد قوله لا إله إلا الله " (مسلم بشرح النووي ٢/ ٩٩)، والبخاري، كتاب الديات "باب قول الله تعالى: ﴿ومن احياها .. الآية) (الفتح ٧/ ٥١٧، ١٢/ ١٩١)، وانظر أحاديث شبيهة، مسلم بشرح النووي ٢/ ٩٨ - ١٠١، "كتاب المغازي" باب بعث النبي -ﷺ- أسامة.
(٤) أي أقالها خوفا من السلاح أم لا؟
[ ٢٦ ]
أنك إنما كلفت بالعمل بالظاهر وما ينطق به اللسان، وأما القلب فليس لك طريق إلى معرفة ما فيه فأنكر عليه امتناعه من العمل بما ظهر باللسان، وقال أفلا شققت عن قلبه التنظر، هل قالها القلب واعتقدها وكانت فيه أم لم تكن فيه بل جرت على اللسان فحسب، يعني وأنت الست بقادر على هذا فاقتصر على اللسان فحسب ولا تطلب غيره) (^١) وقال أيضا في تعليقه على قوله -ﷺ-: "أفلا شققت عن قلبه؟» (وفيه دليل على القاعدة المعروفة في الفقه والأصول أن الأحكام فيها بالظاهر والله يتولى السرائر) (^٢)
٤. ومن الأحاديث العظيمة في هذا الباب حديث جارية معاوية بن الحكم السلمي لما سأل رسول الله -ﷺ-: " أفلا أعتقها؟ قال: ائتني بها فأتيته بها فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة» (^٣).
قال شيخ الإسلام في تعليقه على هذا الحديث: (… فإن الإيمان الذي علقت به أحكام الدنيا، هو الإيمان الظاهر وهو
_________________
(١) مسلم بشرح النووي ٢/ ١٠٤.
(٢) نفسه ٢/ ١٠٧.
(٣) رواه مسلم كتاب المساجد، "باب تحريم الكلام في الصلاة" رقم ٥٣٧.
[ ٢٧ ]
الإسلام، فالمسمى واحد في الأحكام الظاهرة، ولهذا لما ذكر الأثرم لأحمد احتجاج المرجئة بقول النبي -ﷺ-: " أعتقها فإنها مؤمنة» أجابه بأن المراد حكمها في الدنيا حكم المؤمنة، لم يرد أنها مؤمنة عند الله تستحق دخول الجنة بلا نار إذا لقيته بمجرد هذا الإقرار) (^١)، (لأن الإيمان الظاهر الذي تجري عليه الأحكام في الدنيا لا يستلزم الإيمان في الباطن الذي يكون صاحبه من أهل السعادة في الآخرة) (^٢)
ولذلك كان -ﷺ- يعامل المنافقين على ظواهرهم مع علمه بنفاق كثير منهم ليقرر هذا الأصل العظيم (فهم في الظاهر مؤمنون يصلون مع الناس ويصومون، ويحجون ويغزون والمسلمون يناكحونهم ويوارثونهم .. ولم يحكم النبي -ﷺ- في المنافقين بحكم الكفار المظهرين للكفر، لا في مناكحتهم ولا موارثتهم ولا نحو ذلك، بل لما مات عبد الله بن أبي ابن سلول وهو من أشهر الناس بالنفاق ورثه ابنه عبد الله وهومن خيار المؤمنين، وكذلك سائر من كان يموت منهم يرثه ورثته المؤمنون، وإذا مات لأحدهم وارث ورثوه مع المسلمين .. لأن الميراث مبناه على الموالاة الظاهرة، لا على المحبة التي في القلوب، فإنه لو
_________________
(١) الإيمان ٣٩٨، وانظر ٢٠١، ٢٠٢، ٢٤٣.
(٢) نفسه ١٩٧.
[ ٢٨ ]
علق بذلك لم تمكن معرفته، والحكمة إذا كانت خفية أو منتشرة علق الحكم بمظنتها، وهو ما أظهروه من موالاة المؤمنين .. وكذلك كانوا في الحقوق والحدود كسائر المسلمين) (^١)
الضابط الرابع التفريق بين التكفير المطلق والتكفير المعين
من أصول أهل السنة والجماعة، التفريق بين التكفير المطلق وتكفير المعين، لأنه من الممكن أن يقول المسلم قولا أو يفعل فعلا قد دل الكتاب والسنة وإجماع الأمة على أنه كفر وردة عن الإسلام، ولكن لا تلازم عندهم بين القول بأن هذا كفر، وبين تكفير الشخص بعينه. (^٢)
فالتكفير المطلق: هو الحكم بالكفر على القول أو العمل، أو الاعتقاد الذي ينافي أصل الإسلام ويناقضه، وعلى فاعليها على سبيل الإطلاق، بدون تحديد أحد بعينه.
أما تكفير المعين: فهو الحكم على المعين بالكفر، الإتيانه بأمر يناقض الإسلام بعد استيفاء شروط التكفير فيه، وانتفاء موانعه. (^٣)
_________________
(١) الإيمان لابن تيمية ١٩٨.
(٢) الإيمان حقيقته، خوارمه، نواقضه عند أهل السنة والجماعة (١٠٧/ ١).
(٣) منهج ابن تيمية في مسألة التكفير لعبدالله المشعبي (١/ ١٩٣).
[ ٢٩ ]
والحكم على الفعل الظاهر بأنه كفر متعلق ببيان الحكم الشرعي مطلقا، وأما الفاعل فلابد من النظر إلى قصده لما فعل والتبيين عن حاله في ذلك قبل الجزم، وليس المراد بالقصد هنا مجرد القصد إلى الفعل فإن هذا لا يتخلف عنه عمل أصلا خلا عمل المجنون والنائم وهو في حقيقته الإرادة الجازمة لتحقيق الفعل بحيث يكون الإنسان معها مخيرا أن يفعل الفعل وأن لا يفعله، وهذا القصد هو مناط ذالتكليف، وإنما المراد القصد هنا القصد بالفعل الذي هو غاية الفاعل من فعله والباعث له عليه، والدافع على تحقيقه ومراده به، ولهذا كان القصد بفعل هو حقيقة النية التي عليها الثواب والعقاب والمدح والذم، وهي المرادة في قول الرسول -ﷺ-، "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (^١) (^٢)
أ. نصوص تحذر من إطلاق تكفير المعين.
لما كان الأصل في المسلم العدالة، جاءت النصوص الشرعية بالتحذير من إطلاق الكفر على شخص بعينه ما لم تجتمع الشروط
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله (١/ ١) ١، ومسلم الإمارة (٦/ ٤٨) ٥٠٣٦.
(٢) ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة لعبد الله القرني ص ٢٧٥.
[ ٣٠ ]
وتنتفي الموانع، ومن الأحاديث المحذرة من تكفير المسلم:
١. عن عبد الله بن عمر؟ أن رسول الله -ﷺ- قال: «أيما رجل قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما» (^١).
وفي رواية عند ابن حبان عن أبي سعيد قال: قال رسول الله: «ما أكفر رجل رجلا قط إلا باء أحدهما بها إن كان كافرا وإلا كفر بتكفيره». (^٢)
وفي تأويل الحديث أوجه: أحدها: أنه محمول على المستحل لذلك وهذا يكفر.
والوجه الثاني: معناه رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره.
والثالث: أنه محمول على الخوارج المكفرين للمؤمنين وهذا الوجه نقله القاضي عياض خلاله عن الإمام مالك بن أنس.
_________________
(١) أخرجه البخاري كتاب الأدب/ باب من أكفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال (٥/ ٢٢٤٦) ٥٧٥٣ ومسلم كتاب الإيمان (١/ ٦٥) ٢٢٥.
(٢) صحيح ابن حبان (١/ ٤٨٣)، وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (٢/ ٢٠٢)، والخرائطي في مساوئ الأخلاق (١/ ٢٠)، والأصبهاني في الحجة في بيان المحجة (٢/ ٤٥٢)، قال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: صحيح لغيره (٣/ ٣٥).
[ ٣١ ]
والوجه الرابع: معناه أن ذلك يؤول به إلى الكفر، وذلك أن المعاصي كما قالوا بريد الكفر ويخاف على المكثر منها أن يكون عاقبة شؤمها المصير إلى الكفر، ويؤيد هذا الوجه ما جاء في رواية لأبي عوانة الإسفرايني في كتابه المخرج على صحيح مسلم: «فإن كان كما قال وإلا فقد باء بالكفر» وفي رواية «إذا قال لأخيه يا كافر وجب الكفر على أحدهما» (^١).
الوجه الخامس: ورجح الحافظ ابن حجر معنى آخر، واستحسنه: أن من قال ذلك لمن يعرف منه الإسلام ولم يقم له شبهة في زعمه أنه كافر فإنه يكفر بذلك .. فمعنى الحديث فقد رجع عليه تكفيره، فالراجع التكفير لا الكفر، فكأنه كفر نفسه لكونه كفر من هو مثله، ومن لا يكفره إلا كافر يعتقد بطلان دين الإسلام، ويؤيده أن في بعض طرقه «وجب الكفر على أحدهما ". (^٢)
٢. وجاء عند البخاري من حديث ثابت بن الضحاك عن النبي -ﷺ- قال: «من حلف بملة غير الإسلام كاذبا فهو كما قال، ومن قتل نفسه بشيء عذب به في نار جهنم، ولعن المؤمن كقتله، ومن رمى مؤمنا
_________________
(١) ينظر شرح النووي على مسلم (١/ ١٥٣).
(٢) فتح الباري ١٧/ ١٩٩
[ ٣٢ ]
بكفر فهو كقتله» (^١)
٣. وعن جندب؟ أن رسول الله حدث: «أن رجلا قال والله لا يغفر الله لفلان، وإن الله تعالى قال من ذا الذي يتألي (^٢) علي، أن لا أغفر لفلان، فإني قد غفرت لفلان وأحبطت عملك». أو كما قال (^٣)
٤. وعن أبي ذر؟ أنه سمع النبي -ﷺ-، يقول: " لا يرمي رجلٌ رجلا بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك» (^٤).
وعن أبي ذر أيضا أنه سمع رسول الله -ﷺ- يقول: «ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر، ومن ادعي ما ليس له فليس منا وليتبوأ مقعده من النار، ومن دعا رجلا بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك
إلا حار (^٥) عليه» (^٦).
_________________
(١) كتاب الأدب/ باب من أكفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال (٥/ ٢٢٦٤) ٥٧٥٤.
(٢) يتألى: يحلف والألية اليمين. شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٧٤).
(٣) أخرجه مسلم كتاب البر والصلة والآداب (٨/ ٣٦) ٦٨٤٧.
(٤) أخرجه البخاري كتاب الأدب/ باب ما ينهى من السباب واللعان (٥/ ٢٢٤٧) ٥٩٦٨.
(٥) حار عليه: رجع عليه، والحور الرجوع. إكمال المعلم شرح صحيح مسلم للقاضي عياض (١/ ٢٢٤).
(٦) أخرجه مسلم كتاب الإيمان (١/ ٧٥) ٢٢٦.
[ ٣٣ ]
٥. وجاء عن معاذ بن جبل (^١)، وحذيفة (^٢)؟ قال: قال
رسول الله -ﷺ-: "أخوف ما أخاف عليكم ثلاث: رجل قرأ كتاب الله حتى إذا رئيت عليه بهجته وكان ردءا للإسلام، أعاره الله إياه، اخترط سيفه فضرب به جاره، ورماه بالشرك، قلنا يا رسول الله الرامي أحق بها أم المرمي؛ قال الرامي» (^٣).
ولما سئل علي بن أبي طالب؟ عن أهل النهروان أمشركون هم؟ قال: «من الشرك فروا، فسئل: أمنافقون هم؟ قال:
_________________
(١) أخرجه الطبراني المعجم الكبير (١٤/ ٤٩٧)، وفي المسند الشاميين (٢/ ٢٥٤)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٣٥٨). وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٤)، وفي الديات (١/ ٩١)، وعبد الأنصاري في ذم الكلام وأهله (١/ ١٠٢)، والأصبهاني في الحجة في بيان المحجة (٢/ ٤٥٢)، وقال الهيتمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٧٦): رواه الطبراني في الكبير والصغير بنحوه وفيه شهر بن حوشب وهو ضعيف يكتب حديثه. وعلق الشيخ حمود التويجري على كلام الهيتمي في إتحاف الجماعة (١/ ٣٢٥) قال: قد وثقه أحمد وابن معين وحسبك بتوثيقها، ووثقه أيضا العجلي ويعقوب بن شيبة ويعقوب بن سفيان، وروى له البخاري تعليقا ومسلم، وصحح الترمذي حديثه. ويكفي هذا في قبول حديثه)
(٢) أخرجه ابن حبان (١/ ٢٨١)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٢/ ٢٠٢)، وعبد الله الأنصاري في ذم الكلام واهله (١/ ١٠٣)، وابن عساكر في تبيين كذب المفتري (١/ ٤٠٣)، والأصبهاني في الحجة في بيان المحجة (٢/ ٤٥٣)، ورواه البخاري مختصرا في التاريخ (٤/ ٣٠١)، وقال ابن كثير في تفسيره: إسناد جيد (٢/ ٣٢٤).
(٣) صحح متن الحديث الألباني في الصحيحة (٨/ ٢٠٨).
[ ٣٤ ]
المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلا، وأولئك يذكرون الله صباح مساء، وإنما هم إخواننا بغوا علينا» (^١).
ب. أقوال أهل العلم في النهي عن تكفير المعين دون قيام حجة
قال شيخ الإسلام ابن تيمية الله -﵀-: (وليس لأحد أن يكفر أحدا من المسلمين، وإن أخطأ وغلط؛ حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بشك؛ بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة، وإزالة الشبهة) (^٢).
وقال أيضا: (إني من أعظم الناس نهيا عن أن ينسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية، إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرا تارة وفاسقا أخرى، وعاصيا أخرى) (^٣)
وقال ابن أبي العز الحنفي: (وأما الشخص المعين، إذا قيل: هل تشهدون أنه من أهل الوعيد وأنه كافر؟ فهذا لا نشهد عليه إلا بأمر تجوز معه الشهادة، فإنه من أعظم البغي أن يشهد على معين أن الله لا يغفر له
_________________
(١) أخرجه البيهقي (٨/ ١٧٣)، وابن أبي شيبة (٧/ ٥٣٥) وإسناده صحيح.
(٢) مجموع الفتاوى (١٢/ ٤٦٦).
(٣) مجموع الفتاوى (٣/ ٢٢٩).
[ ٣٥ ]
ولا يرحمه بل يخلده في النار، فإن هذا حكم الكافر بعد الموت) (^١).
وجاء في بيان هيئة كبار العلماء حول الغلو والتكفير وما ينجم عنهما من الفساد:
(ولما كان مرد حكم التكفير إلى الله ورسوله لم يجز أن نكفر إلا من دل الكتاب والسنة على كفره دلالة واضحة، فلا يكفي في ذلك مجرد الشبهة والظن؛ لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة، وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات، مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات). (^٢)
فتبين مما سبق أن أهل السنة يطلقون التكفير بالعموم، وكذلك الوعيد ولكن الحكم على المعين بالكفر والوعيد لابد فيه من الدقة والاحتياط للتأكد من توفر الشروط وانتفاء الموانع.
(فإن التكفير المطلق مثل الوعيد المطلق، لا يستلزم تكفير الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة التي تكفر تاركها، كما ثبت في
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٣١٦).
(٢) مجلة البحوث الإسلامية» العدد (٥٦)، (ص ٣٥٧ - ٣٦٢) وكتاب الفتاوى الشرعية في القضايا العصرية جمع وإعداد محمد بن فهد الحصين ٦٥ - ٧٠، وينظر (حديث حول الأحداث ظاهرة الغلو والتكفير الأصول، والأسباب، والعلاج) للد. ناصر العقل ص ١٦.
[ ٣٦ ]
الصحاح عن النبي -ﷺ- في الرجل الذي قال: (إذا أنا مت فاحرقوني ثم اسحقوني ثم ذروني في اليم؛ فو الله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين، فقال الله له: ما حملك على ما فعلت؟ قال: خشيتك. فغفر له) (^١)، فهذا الرجل اعتقد أن الله لا يقدر على جمعه إذا فعل ذلك أو شك وأنه لا يبعثه وكل من هذين الاعتقادين كفر يكفر من قامت عليه الحجة لكنه كان يجهل ذلك ولم يبلغه العلم بما يرده عن جهله وكان عنده إيمان بالله وبأمره ونهيه ووعده ووعيده فخاف من عقابه فغفر الله له بخشيته) (^٢).
لكن ظن بعض المتوهمين بسبب قراءتهم لهذه النصوص وأمثالها أن أهل السنة لا يكفرون المعين، هكذا بالإطلاق، وظنهم هذا شبيه بظن من اعتقد أن أهل السنة يتساهلون في مسألة التكفير، والحق أن أهل السنة يكفرون المعين وذلك إذا قامت عليه الحجة، وزالت الشبهة وانتفت الموانع، وتيقنوا من إصراره وتكذيبه، فلا يمتعون من تكفير المعين مطلقا، بل من أتي بقول كفري يخرجه من الملة أو فعلٍ كفريٍ يخرجه من الملة أو اعتقاد كفري يخرجه من الملة أو شك وارتياب
_________________
(١) أخرجه البخاري كتاب التوحيد/ باب قول الله تعالى: (يريدون أن يبدلوا كلام الله) (٦/ ٢٧٢٥) ٧٠٦٧، ومسلم كتاب التوبة (٨/ ٩٧) ٧١٥٦.
(٢) الاستقامة لابن تيمية (١/ ١٦٤)
[ ٣٧ ]
يخرجه من الملة، فإنه بعد اجتماع الشروط وانتفاء الموانع يحكم عليه العالم أو القاضي بما يجب من الردة ومن القتل بعد الاستتابة في أغلب الأحوال.
[ ٣٨ ]