الفصل الأول: مصطلح أهل السنة والجماعة.
أولًا: تعريف المصطلح باعتبار مفرداته:
١- تعريف السنة لغة واصطلاحًا:
السنة لغة ١:
السيرة والطريقة: حسنة كانت أو قبيحة، وهي مأخوذة من السنن وهي الطريق.
قال ابن فارس: "سن -السين والنون أصل واحد مطرد، وهو جريان الشيء واطراده في سهولة، والأصل قولهم: سننت الماء على وجهي أسنه سنا، إذا أرسلته إرسالا".
"ومما اشتق منه السنة، وهي السيرة، وسنة رسول الله ﷺ سيرته. قال الهذيلي:
فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها فأول راضٍ سنة من يسيرها٢
وقد ورد هذا المعنى في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]، أي: يهديكم سنن الذين من قبلكم، يعني طرائقهم الحميدة٣.
_________________
(١) ١ لسان العرب لابن منظور "٦/ ٣٩٥-٤٠٢"، والقاموس المحيط للفيروزابادي ص١٥٥٧-١٥٥٩، ومختار الصحاح للرازي ص١٣٣. ٢ معجم مقاييس اللغة لابن فارس "٣/ ٦٠-٦١". ٣ تفسير ابن كثير "١/ ٤٨٠".
[ ١٣ ]
وعن مجاهد في قوله تعالى: ﴿قَدَّمَتْ وَأَخَّرَت﴾ [الانفطار: ٥]، قال: "أخرت من سنة يعمل بها من بعده"١.
ومن ذلك الحديث: "من سن في الإسلام سنة حسنة ومن سن في الإسلام سنة سيئة" ٢.
قال ابن الأثير: "وقد تكرر في الحديث ذكر السنة، وما تصرف منها، والأصل فيه: الطريقة والسيرة"٣.
وهذا المعنى هو المراد هنا من معاني "السنة" اللغوية، وقد تطلق السنة ويراد بها:
- البيان:
كما قال تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأحزاب: ٣٨، ٦٢] .
نصب "سنة" على إرادة الفعل، أي: سنن الله ذلك بمعنى بينه٤.
العادة الثابتة المستقرة:
كما في قوله تعالى: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٧] .
فالسنة هنا تعني: العادة الثابتة التي تحكم الله بها وقضاها٥.
وهذا المعنى قريب من سابقه، وكلاهما يتفق مع التفسير السابق للسنة بالسيرة والطريقة.
وقيل: هي الصقل والتزيين٦، وقيل: التقوية٧، والذي يعنينا هنا هو المعنى
_________________
(١) ١ التاريخ الكبير لابن أبي خيثمة "٥٢٣". ٢ رواه مسلم "١٠١٧" من حديث جرير بن عبد الله ﵁. ٣ النهاية في غريب الحديث لابن الأثير "٢/ ٤٠٩"، ولسان العرب لابن منظور "٦/ ٣٩٩". ٤ لسان العرب لابن منظور "٣/ ٣٩٩". ٥ تفسير ابن كثير "٣/ ٥٤". ٦ انظر: لسان العرب لابن منظور "٦/ ٤٠٠"، والمعجم الوسيط إصدار مجمع اللغة العربية "١/ ٤٧٣". ٧ لسان العرب لابن منظور "٣/ ٣٩٦".
[ ١٤ ]
الأول، وهو موافق لبعض المعاني الاصطلاحية للسنة.
السنة اصطلاحًا:
ثم إن السنة -بعد ذلك- لها معان اصطلاحية متعددة بحسب الفن الذي ترد فيه، فالسنة عند الفقهاء غيرها عند المحدثين، غيرها عند الأصوليين.
لكن يعنينا هنا معناها عند علماء الاعتقاد، وهي عندهم على معنيين: الثاني منهما متفرع عن الأول، ومتأخر عنه.
فالأول هو الأصل في إطلاق السنة في اصطلاح السلف، وهو:
"ما كان عليه النبي ﷺ من العلم والعمل والهدي وكل ما جاء به مطلقا".
وهذا اصطلاح عام، فيشمل التوحيد وغيره، فالسنة بهذا الاعتبار تطلق على طريقة النبي ﷺ وأصحابه علما وعملا، اعتقادا وسلوكا، خلقا وأدبا، وهي السنة التي يجب اتباعها، ويحمد أهلها، ويذم من خالفها.
فهي على هذا المعنى مرادفة للدين والشريعة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "السنة هي الشريعة، وهي ما شرعه الله ورسوله من الدين"١.
وقال أيضا: "إن السنة التي يجب اتباعها ويحمد أهلها ويذم من خالفها هي سنة رسول الله ﷺ في أمور الاعتقاد، وأمور العبادات، وسائر أمور الديانات، وذلك إنما يعرف بمعرفة أحاديث النبي ﷺ الثابتة عنه، في أقواله وأفعاله، وما تركه من قول وعمل، ثم ما كان السابقون والتابعون لهم بإحسان"٢.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى "٤/ ٤٣٦". ٢ مجموع الفتاوى "٣/ ٣٧٨".
[ ١٥ ]
فالسنة هي: ما تلقاه الصحابة عن رسول الله ﷺ، من الشرع والدين، والهدي الظاهر والباطن، وتلقاه عنهم التابعون ثم تابعوهم، ثم أئمة الهدى العلماء العدول، المقتدون بهم، ومن سلك سبيلهم إلى يوم القيامة١.
ومن ذلك: قول الإمام مالك رحمه الله تعالى في وصف المدينة: "وهي دار الهجرة والسنة"٢.
وقال ابن رجب: "وعن سفيان الثوري، قال: استوصوا بأهل السنة خيرًا فإنهم غرباء٣، ومراد هؤلاء الأئمة بالسنة: طريقة النبي ﷺ التي كان عليها هو وأصحابه، السالمة من الشبهات والشهوات"٤.
ويشهد لهذا المعنى حديث أنس بن مالك ﵁، وفيه: "فمن رغب عن سنتي فليس مني" ٥.
فالإطلاق الأول للسنة هو ما كان عليه النبي ﷺ من العلم والعمل والهدي في أصول الدين وفروعه.
أما الإطلاق الثاني، فيقصد به "العقيدة الصحيحة الثابتة بالكتاب والسنة".
حيث أطلق السلف مصطلح "السنة" على أصول الدين، وفرائض الإسلام، وأمور الاعتقاد، والأحكام القطعية في الدين، وعلى هذا جرى الإمام أحمد وغيره من الأئمة في تصنيفهم كتب الاعتقاد باسم السنة.
_________________
(١) ١ انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية "٣/ ٣٥٨". ٢ التاريخ الكبير، لابن أبي خيثمة "١٣٥٢". ٣ رواه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة "١/ ٦٤". ٤ كشف الكربة في وصف حال أهل الغربة لابن رجب ص١٧، ١٨. ٥ رواه البخاري "٥٠٦٣"، ومسلم "١٤٠١" من حديث أنس ﵁.
[ ١٦ ]
وعليه فالسنة تطلق عندهم على: "ما سلم من الشبهات في الاعتقادات، خاصة في مسائل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وكذلك في مسائل القدر، وفضائل الصحابة"١.
وقال ابن رجب: "وكثير من العلماء المتأخرين يخص السنة بما يتعلق بالاعتقاد؛ لأنها أصل الدين، والمخالف فيها على خطر عظيم"٢.
ويلاحظ في سبب هذا الإطلاق والاصطلاح الاعتقادي للفظ السنة، أن السنة من مصادر التلقي للعقيدة الصحيحة، وبها تثبت أحكام الاعتقاد.
فإذا قيل مذهب أهل السنة، فالمراد: معتقداتهم وأقوالهم في أصول الدين.
ومما يشهد لهذا المعنى قول سفيان بن عيينة: "السنة عشرة، فمن كن فيه فقد استكمل السنة، ومن ترك منها شيئا فقد ترك السنة: إثبات القدر، وتقديم أبي بكر وعمر، والحوض، والشفاعة، والميزان، والصراط، والإيمان قول وعمل، والقرآن كلام الله، وعذاب القبر، والبعث يوم القيامة، ولا تقطعوا بالشهادة على مسلم"٣.
وقول الشافعي: "القول في السنة التي أنا عليها، ورأيت عليها الذين رأيتهم مثل سفيان الثوري ومالك وغيرهما: الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن الله على عرشه في سمائه، يقرب من خلقه كيف شاء، وينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء "٤.
وعلى هذا فالسنة تقابلها البدعة، وعليه يحمل قول ابن مسعود ﵁: "القصد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة"٥.
_________________
(١) ١ كشف الكربة في وصف أهل الغربة لابن رجب ص٢٦-٢٨. ٢ جامع العلوم والحكم لابن رجب "٢/ ١٢٠". ٣ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي "١/ ١٥٥، ١٥٦". ٤ العلو للعلي الغفار للذهبي ص١٢٠. ٥ رواه الدارمي "١/ ٨٣"، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة "١/ ٥٥"، والبيهقي في السنن الكبرى "٣/ ١٩"، وصححه الألباني في صلاة التراويح ص٦.
[ ١٧ ]
وقول ابن عباس: "النظر إلى الرج من أهل السنة يدعو إلى السنة، وينهى عن البدعة عبادة"١.
وقال أبو المليح: "وكان كتب عمر بن عبد العزيز راجيا السنة وإماتة البدعة"٢.
وقال ابن يونس: "امتحن أهل الموصل بالمعافى بن عمران فإن أحبوه فهم أهل سنة، وإن أبغضوه فهم أهل بدعة، كما يمتحن أهل الكوفة بيحيى"٣.
وقال الأوزاعي: "كان يقال: خمس كان عليها أصحاب محمد ﷺ والتابعون بإحسان: لزوم الجماعة، واتباع السنة، وعمارة المساجد، وتلاوة
القرآن، والجهاد في سبيل الله"٤.
وقال الإمام مالك رحمه الله تعالى: "إياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعداء أهل السنة"٥.
ومن هذا الباب ما يأتي بعد قليل عن ابن سيرين وغيره أثناء الكلام عن مصطلح أهل السنة باعتبار تركيبه الإضافي.
والسنة في هذا كله بمعنى الاعتقاد الصحيح المقابل لاعتقاد أهل البدع الباطل.
وكان السلف يفرقون في هذا المقام بين السنة والحديث، قال ابن مهدي: "الناس على وجوه، فمنهم من هو إمام في السنة، إمام في الحديث، ومنهم من هو إمام في الحديث، فأما من هو إمام في السنة وإمام في الحديث فسفيان الثوري"٦.
_________________
(١) ١ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي "١/ ٥٤". ٢ التاريخ الكبير، لابن أبي خيثمة "٤٦٢٨". ٣ رواه ابن مأبي خيثمة في التاريخ "٤٦٥٧"، ومن طريقه اللالكائي "١/ ٦٦". ٤ رواه ابن ماجه أبي خيثمة في التاريخ "٤٧٠٢"، ومن طريقه اللالكائي "١/ ٦٤". ٥ حلية الأولياء لأبي نعيم "٦/ ٣٢٧". ٦ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي "١/ ٦٣".
[ ١٨ ]
ولما سئل ابن الصلاح عن الفرق بين قولهم عن مالك إنه جمع بين السنة والحديث، فما الفرق بين السنة والحديث؟ أجاب ﵀: "السنة ههنا ضد البدعة، وقد يكون الإنسان من أهل الحديث وهو مبتدع، ومالك ﵀ جمع بين السنتين، فكان عالما بالسنة أي: الحديث، ومعتقدًا للسنة، أي كان مذهبه مذهب أهل الحق من غير بدعة، والله أعلم"١.
فلما ظهرت البدع، وانتشرت الفتن، ميز أهل السنة أنفسهم، ببقائهم على أصل الإسلام والشريعة، وخرجت عنهم الخوارج، واعتزلتهم المعتزلة، ورفضت الروافض، فتشتت أهل البدع وتفرقوا، ومكث أهل السنة على أصلهم الباقي على مر الزمان، وهو ما شرعه النبي ﷺ، وسنه لهم من السنة والجماعة.
ولما كان أكثر الاختلاف بينهم وبين غيرهم في أمور الاعتقاد صار مفهوم السنة يعني السير على طريقة الصحابة والتابعين بإحسان في أمور الاعتقاد خاصة، وأمور الدين عامة، ومن هنا نشأ المعنى الثاني للسنة.
_________________
(١) ١ فتاوى ابن الصلاح "١/ ٢١٣"، بتحقيق د. عبد المعطي أمين قلعجي.
[ ١٩ ]
٢- تعريف الجماعة لغة واصطلاحا:
الجماعة لغة:
الجماعة: اسم مصدر اجتمع يجتمع اجتماعا وجماعة، وصارت لفظة الجماعة تطلق على القوم المجتمعين بالنقل، حتى صارت حقيقة عرفية في القوم المجتمعين١.
وقال ابن تيمية: "الجماعة هي الاجتماع، وضدها الفرقة، وإن كان لفظ الجماعة قد صار اسما لنفس القوم المجتمعين"٢.
والجمع: اسم لجماعة الناس، والإجماع: الاتفاق والإحكام، يقال: أجمع الأمر أي أحكمه، ومنه إجماع أهل العلم، أي: اتفاقهم على حكم مسألة.
الجماعة اصطلاحًا:
ذكر الإمام الطبري الأقوال في معنى الجماعة، ونقلها عنه ابن حجر٣، ورد الأقوال إلى أربعة أقوال هي:
- السواد الأعظم من أهل الإسلام.
- أئمة العلماء المجتهدين المتبعين لمنهج الفرقة الناجية.
- الصحابة على وجه الخصوص.
- المجتمعون على أمير شرعي.
وكذا قال الشاطبي، وزاد قولا خامسا وهو جماعة أهل الإسلام٤.
وبمحاولة الجمع والتوفيق بين هذه الأقوال المتعددة، يلاحظ أن جملة هذه المعاني تؤول إلى معنيين اثنين:
١- ما عليه أهل الحق من الاتباع وترك الابتداع، وهو المذهب الحق الواجب اتباعه والسير على منهاجه، وهذا معنى تفسير الجماعة بالصحابة، أو أهل العلم والحديث، أو الإجماع، أو السواد الأعظم، فهي كلها ترجع إلى معنى واحد هو: ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، فيجب الاجتماع على الاتباع حينئذ، ولو كان المتمسك بهذا قليلا، وهذا معنى علمي، ويشهد له قول ابن مسعود ﵁: "إنما الجماعة ما وافق طاعة الله، وإن كنت وحدك"٥.
_________________
(١) ١ لسان العرب لابن منظور "٢/ ٣٥٥-٣٦١"، والمعجم الوسيط إصدار مجمع اللغة العربية "١/ ١٤٠، ١٤١". ٢ مجموع الفتاوى "٣/ ١٥٧". ٣ فتح الباري لابن حجر "١٣/ ٣٧". ٤ الاعتصام للشاطبي "٢/ ٢٦٣". ٥ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي "١/ ١٠٩".
[ ٢٠ ]
٢- المجتمعون على أمير على مقتضى الشرع، فيجب لزوم هذه الجماعة، ويحرم الخروج عليها وعلى أميرها، وهذا معنى سياسي تشهد له كثير من النصوص الشرعية.
وهذا ما رجحه جمع من أهل العلم كالقاضي ابن العربي وغيره١.
وهو ما انتهى إليه د. عبد الرحمن المحمود في رسالته عن "موقف ابن تيمية من الأشاعرة"٢، والشيخ رضا بن نعسان معطي في تحقيقه، ودراسته لكتاب "الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية"٣ لابن بطة، ود. محمد باكريم في رسالته "وسطية أهل السنة بين الفرق"٤، ود. جمال بادي في رسالته عن "وجوب لزوم الجماعة وترك التفرق"٥، ود. ناصر العقل في رسالته "مفهوم أهل السنة والجماعة"٦.
_________________
(١) ١ انظر: عارضة الأحوذي لابن العربي ٩/ ١٠"، والاعتصام للشاطبي "٢/ ٢٦٠-٢٦٥"، وفتح الباري لابن حجر "١٣/ ٣٧". ٢ موقف ابن تيمية من الأشاعرة للدكتور عبد الرحمن المحمود "١/ ١٦-١٧". ٣ الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية لابن بطة، تحقيق رضا بن نعسان معطي. مقدمة المحقق ص ٧١، ٧٢. ٤ وسطية أهل السنة بين الفرق للدكتور محمد باكريم ص٩١-٩٦. ٥ وجوب لزوم الجماعة وترك التفرق د. جمال بشيرابادي ص٨٧-١١٥. ٦ مفهوم أهل السنة والجماعة د. ناصر العقل ص٦٩، ٧٠.
[ ٢١ ]
ثانيا: تعريف المصطلح باعتبار تركيبه الإضافي:
وعلى هذا، فإن مصطلح أهل السنة والجماعة يعنى به:
المستمسكون بسنة رسول الله ﷺ، الذين اجتمعوا على ذلك، وهم الصحابة والتابعون وأئمة الهدى المتبعون لهم، ومن سلك سبيلهم في الاعتقاد والقول والعمل إلى يوم الدين١.
"وهم أهل السنة والجماعة: المتمسكون بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وبما كان عليه الصدر الأول من الصحابة والتابعين، وأئمة المسلمين في قديم الدهر وحديثه"٢.
"فهم الذين اجتمعوا على السنة وأجمعوا عليها، واجتمعوا على الحق وعلى أئمتهم فجاء اسمهم ووصفهم مركبا من أهل السنة والجماعة"٣.
"وهم المتبعون للعقيدة الإسلامية الصحيحة، الملتزمون منهج الرسول ﷺ وأصحابه والتابعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين"٤.
وهم المجتمعون على أئمتهم أبي بكر، وعمر ومن بعدهما، الصابرون على ولاتهم برهم وفاجرهم.
كما سئل الإمام سفيان بن عيينة ﵀ عن قول الناس: السنة والجماعة. وقولهم: فلان سني جماعي، وما تفسير السنة والجماعة؟
فقال: "الجماعة: ما اجتمع عليه أصحاب محمد ﷺ من بيعة أبي بكر وعمر، والسنة: الصبر على الولاة وإن جاروا وإن ظلموا"٥.
فهم بالجملة كل من اجتمع على التمسك بالسنة ونبذ الفرقة، وجمع الدين قولا وعلما وعملا، مع الاجتماع على أئمة الحق والحرص على وحدة الصف، جمعا بين واجبي الاتباع والاجتماع، واجتماعا على الاتباع للمنهج الحق.
ومما سبق.. فإن من الوجوه التي يمكن التعرف منها على أهل السنة ما يلي:
أولا: أنهم هم صحابة رسول الله ﷺ الذين تعلموا سنته وعلموها، وعملوا بها
_________________
(١) ١ يراجع: شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز "٢/ ٥٤٤-٥٤٦"، ورسائل في العقيدة لابن عثيمين ص٥٣، ومباحث في عقيدة أهل السنة د. ناصر العقل ص١٣، ١٤. ٢ تفسير ابن كثير "٣/ ٤٣٤". ٣ مفهوم أهل السنة والجماعة عند أهل السنة والجماعة. د. ناصر العقل ص٧٥-٧٧. ٤ المدخل لعقيدة أهل السنة د. البريكان ص١٣. ٥ مشيخة ابن الخطاب ص١١٦.
[ ٢٢ ]
ونقلوها وحملوها رواية ودراية ومنهجا، فهم أجدر، من يستحق التسمي بأهل السنة، لسبقهم إلى السنة علمًا وعملًا وزمنًا.
ثانيا: يليهم أتباعهم الذين أخذوا عنهم هذا الدين ونقوله، وعلموه وعملوا به من التابعين وتابعيهم، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، فهم أهل سنة رسول الله ﷺ الذين تمسكوا بها، ولم يبتدعوا ولم يتبعوا غير سبيل المؤمنين.
قال الإمام أحمد ﵀: "هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر، وأهل السنة المستمسكين بعروتها، المعروفين بها، المقتدى بهم فيها من لدن أصحاب النبي ﷺ إلى يومنا هذا، وأدركت عليها من علماء الحجاز والشام وغيرهما عليها، فمن خالف شيئا من هذه المذاهب، أو طعن فيها، أو عاب قائلها فهو مخالف مبتدع، وخارج عن الجماعة، زايل عن منهج السنة وسبيل الحق"١.
وكل من اقتدى -من العوام- بأهل العلم والاتباع فهو من أهل السنة، قال ابن حزم ﵀: "وأهل السنة الذين نذكرهم أهل الحق، ومن عداهم فأهل البدعة فإنهم: الصحابة ﵁، وكل من سلك نهجهم من خيار التابعين رحمة الله عليهم، ثم أصحاب الحديث ومن تبعهم من الفقهاء جيلا فجيلا إلى يومنا هذا، ومن اقتدى بهم من العوام في شرق الأرض وغربها رحمة الله عليهم"٢.
_________________
(١) ١ العقيدة للإمام أحمد رواية أبي بكر الخلال ص٧٣. ٢ الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم "٢/ ٩٠".
[ ٢٣ ]
الفصل الثاني: سبب التسمية وذيوعها:
نسب أهل الحق إلى المصطلح، لأجل حرصهم على السنة والجماعة.
فهم "أهل السنة"؛ لأنهم متبعون لحديث النبي ﷺ: "عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي" ١. "فالسنة هي ما تلقاه الصحابة عن رسول الله ﷺ، وتلقاه عنهم التابعون ثم تابعوهم إلى يوم القيامة"٢.
وهم "أهل الجماعة"؛ لأنهم يعتبرون الكتاب والسنة والإجماع مصادر معصومة من الضلال، فبها يأخذون، وعليها يعتمدون، ثم هم بعد ذلك مع أئمتهم مجتمعون، وبواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قائمون، وبالجهاد مع أئمتهم -فجارًا أو أبرارا- آمرون ومجاهدون، يجتمعون على السنة والاتباع، والبعد عن الفرقة والابتداع، فهم أحق بالجماعة التي من تعلق بها نجا، كما ورد في حديث افتراق الأمة، حيث أخبر النبي ﷺ "عن افتراق أمته إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة وهي "الجماعة" ٣، وفي رواية قال: "ما أنا عليه وأصحابي" ٤.
_________________
(١) ١ رواه أحمد "١٦٦٩٢"، والدارمي "٩٥"، وابن ماجه "٤٤"، وأبو داود "٤٦٠٧"، والترمذي "٢٦٧٦"، والحاكم "٣٢٩" من حديث العرباض بن سارية ﵁، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الحاكم، وقال: على شرط الشيخين، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع "٤٣٦٩". ٢ مجموع الفتاوى "٣/ ٣٥٨". ٣ أخرجه أحمد "١٦٤٩٠"، وأبو داود "٤٥٩٧"، والحاكم "٤٤٣" من حديث معاوية بن أبي سفيان ﵁. وصححه الحاكم، والشيخ الألباني في صحيح الجامع "٢٦٤١". ٤ أخرجه الترمذي "٢٦٤١"، والحاكم "٤٤٤" من حديث عبد الله بن عمرو ﵄، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه". وقال المناوي في فيض القدير "٥/ ٣٤٧": وفيه عبد الرحمن بن زياد الأفريقي، قال الذهبي: ضعفوه". وقال المباركفوري في تحفة الأحوذي "٧/ ٣٣٤": "في سنده عبد الرحمن=
[ ٢٥ ]
وسبب ذيوع هذه التسمية يرجع إلى أول بدعة وقعت في الإسلام، بعد موته ﷺ، وهي بدعة الخروج على الأئمة، وتشقيق الصف، وثلم الجماعة، ونكث الصفقة والبيعة، حين اتخذ الخوارج منهج فكريا عقائديا خالفوا به جماهير المسلمين، فكفروا بالذنوب واستحلوا الدماء والأموال، فقاتلهم علي ﵁، وأجمع الصحابة على ذلك، ووقعت في أثناء ذلك الفتنة بين علي ﵄، وأريقت فيها الدماء، وتفرقت فيها الكلمة، ثم اجتمعت الأمة بعد ذلك على معاوية ﵁، بعد أن حقن الله دماء المسلمين بتنازل الحسن بن علي ﵄ عن الخلافة، وسمي ذلك العام -عام إحدى وأربعين- بعام الجماعة.
وفي إثر بدعة الخوارج ظهرت بدعة الروافض، الذين اشتهروا بالكذب، بخلاف الخوارج الذين اشتهر معظمهم بالصدق، فكان من شأن أهل السنة مع الروافض أن سألوا عن الإسناد وعنوا به، روى الإمام مسلم في صحيحه عن ابن سيرين قال: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى البدعة فلا يؤخذ حديثهم"١.
ثم ظهر قول القدرية٢ بإنكار العلم السابق، وانتشر قول الجهمية والجبرية بأن العبد مجبور، فعقبت طائفة من أهل العلم بالرد على أهل البدع بتصنيف كتب في العقيدة أسموها "كتب السنة"، ومن اشتهرت هذه الطائفة من أهل العلم بالحرص على
_________________
(١) = ابن زياد الأفريقي وهو ضعيف، فتحسين الترمذي له لاعتضاده بأحاديث الباب". وحسنه الشيخ الألباني في صحيح الجامع "٥٣٤٥". ١ رواه مسلم في مقدمة صحيحه "١/ ١٥"، وأحمد في العلل ومعرفة الرجال "٣٦٤٠"، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل "٢/ ٢٨"، والرامهرمزي في المحدث الفاصل ص٢٠٩، والسمعاني في أدب الإملاء ص٥، والخطيب في الكفاية ص١٢٢. ٢ وهم الذين تبرأ منهم عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، حين سئل عنهم. كما في صحيح مسلم "٨". وانظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي "١/ ١٦".
[ ٢٦ ]
السنة، وتمييز المقبول من المردود من الرواة والروايات، فتبلور منذ ذلك الحين هذا المصطلح، الذي أصبح لقبا على كل من انتمى إلى أهل الحق المتبعين للسنة والآثار، الحريصين على جمع شمل المسلمين واتفاق كلمتهم في آن واحد.
حتى كان عصر الإمام أحمد بن حنبل، ﵀ فأظهر الله تعالى إمامته وفضله، وحرصه على صفاء وجه السنة أن تخدشه بدعة القول بخلق القرآن -والتي جاء بها المعتزلة، مع حرصه على وحدة الجماعة أن تنثلم بالخروج على المأمون، فأقام واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على وجهه الصحيح، فنصر الله به الملة، وأعز به السنة، وثبت به قلب الأمة، ثم إنه قد اجتمعت لديه من أسباب الخروج على المأمون ما لم يجتمع لغيره، فقد أصغى الناس إلى الإمام سمعا، وألقوا إليه بأزمة القلوب انقيادًا وحبا، وقد أتى المأمون ببدعته -متأولًا- كفرًا، فلما قيل للإمام: لم لا تخرج على المأمون؟! قال: كرهت أن أفرق جماعة المسلمين، فلم تمنعه سطوة السلطان أن يقول بالحق إذ علمه، ولم يحمله بطش السلطان وتنكيله به على أن يخرج عليه فيكون سببا في إعمال السيف في رقاب المسلمين.
وبهذا استقر مذهب أهل السنة على ترك الخروج على المبتدع والظالم من الأئمة، ما لم يأت كفرا صريحا لا تأويل فيه ولا شبهة، وخرج الإمام من هذه المحنة إماما للعامة، وعندها دعي الإمام أحمد بإمام أهل السنة والجماعة، وكان أول من لقب بهذا اللقب ﵀.
وفي هذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فصار إماما من أئمة السنة، وعلما من أعلامها، لقيامه بإعلامها وإظهارها، وإطلاعه على نصوصها وآثارها، وبيانه لخفي أسرارها، لا؛ لأنه أحدث مقالة أو ابتدع رأيا، ولهذا قال بعض شيوخ المغرب: المذهب لمالك والشافعي، والظهور لأحمد، يعني: أن مذاهب الأئمة في الأصول مذهب واحد، وهو كما قال"١.
_________________
(١) ١ منهاج السنة النبوية لشيخ الإسلام ابن تيمية "٢/ ٦٠٦".
[ ٢٧ ]
الفصل الثالث: مشروعية هذه التسمية:
إن سند مشروعية هذه التسمية، وتلك النسبة الشريفة ثابت بدلالة الكتاب وصحيح السنة وصريح آثار الصحابة والسلف، وبيان ذلك فيما يلي:
أولًا: دلالة الكتاب:
وتتمثل في الآيات الآمرة باتباع النبي ﷺ وطاعته فيما أتى به، وأن طاعته من طاعة الله ﷿، والتحذير من مخالفته وعصيانه، فصار اتباع النبي ﷺ وطاعته اتباعا للكتاب، وطاعة للآيات القرآنية المشار إليها.
وقد ورد هذا المصطلح في سنة النبي ﷺ، فصار اتباعه اتباعًا للقرآن على الوصف المذكور.
وقد ورد تفسير بعض آي الذكر الحكيم بالسنة والجماعة، كما سيأتي هنا.
ومن ذلك أيضا تفسير الصراط المستقيم بالسنة والجماعة١.
ثانيا: دلالة السنة:
إن هذا المصطلح والوصف مستمد في الحقيقة من سنة النبي ﷺ؛ لأنه الآمر بالعناية بالسنة، فقال: "عليكم بسنتي" ٢، وهو الآمر بالجماعة، فقال: "وأنا آمركم بخمس كلمات أمرني الله بهن: الجماعة،.." ٣، وهو الذي نهى عن الفرقة، فقال: "من
_________________
(١) ١ انظر: الإتقان للسيوطي "٢/ ٤٦٩". ٢ حديث صحيح: سبق تخريجه. ٣ أخرجه أحمد "١٦٧١٨، ١٧٣٤٤، ٢٢٤٠٣"، والترمذي "٢٨٦٣"، وابن خزيمة "١٨٩٥"، وابن حبان "٦٢٣٣"، والحاكم "٤٠٤" من حديث الحارث الأشعري ﵁، قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب"، وصححه الحاكم، والألباني في صحيح الجامع "١٧٢٤".
[ ٢٩ ]
فارق الجماعة شبرًا فمات، إلا مات ميتة جاهلية" ١.
"فأهل السنة والجماعة إنما سماهم الرسول ووصفهم بذلك"٢.
وليس لأهل السنة والجماعة رسم ولا سم يتسمون به خصوصا غير هذا الاسم، الذي يعني في الحقيقة التزام الجادة والمحجة البيضاء التي تركنا عليها النبي ﷺ، "فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة"٣.
سئل مالك ﵀ عن السنة، فقال: "هي ما لا اسم له غير السنة، وتلا: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] "٤.
ولما سئل مالك ﵁ عن أهل السنة، قال: "أهل السنة الذين ليس لهم لقب يعرفون به، لا جهمي، ولا قدري، ولا رافضي"٥.
ثالثا: آثار الصحابة والسلف:
ومن ذلك قول ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] فأما الذين ابيضت وجوههم فأهل السنة والجماعة، وأما الذين اسودت وجوههم فأهل البدع والضلالة"٦.
وقال أيضا: "النظر إلى الرجل من أهل السنة يدعو إلى السنة، وينهى عن البدعة عبادة"٧.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري "٧٠٥٣، ٧٠٥٤"، ومسلم "١٨٤٩" من حديث ابن عباس ﵄. ٢ مفهوم أهل السنة والجماعة عند أهل السنة والجماعة د. ناصر العقل ص٧٨. ٣ مجموع الفتاوى لابن تيمية "٣/ ٣٤٦". ٤ الاعتصام للشاطبي "١/ ٥٨". ٥ الانتقاء لابن عبد البر ص٣٥. ٦ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي "١/ ٧٢"، والشرح والإبانة لابن بطة "١٣٧"، وتاريخ جرجان لأبي القاسم الجرجاني ص١٣٢، وانظر: فتح القدير للشوكاني "١/ ٣٧١". ٧ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي "١/ ٥٤".
[ ٣٠ ]
وقال سعيد بن جبير ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٢٨": "لزم السنة والجماعة"١.
"وروي نحوه عن مجاهد، والضحاك وغير واحد من السلف"٢.
وقال أيوب السختياني ﵀: "إذا كان الرجل صاحب سنة وجماعة، فلا تسأل عن أي حال كان فيه"٣.
وقال عمرو بن قيس الملائي ﵀: "إذا رأيت الشاب أول ما ينشأ مع أهل السنة والجماعة، فارجه"٤.
وقال سفيان الثوري ﵀: "إذا بلغك عن رجل بالمشرق صاحب سنة، وآخر بالمغرب، فابعث إليهما بالسلام وادع لهما، ما أقل أهل السنة والجماعة"٥.
وقال قتيبة بن سعيد: "إذا رأيت الرجل يحب أحمد بن حنبل، فاعلم أنه صاحب سنة وجماعة"٦.
وورد نحو هذا في المعافى بن عمران٧، وجماعة من الأئمة والرواة٨.
_________________
(١) ١ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي "١/ ٧١"، وتفسير البغوي "٣/ ٢٢٧"، وتفسير ابن كثير "٣/ ١٦٢". ٢ تفسير ابن كثير "٣/ ١٦٢". ٣ المصدر السابق "٣٣". ٤ الشرح والإبانة لابن بطة ص١٣٣. ٥ الورع للإمام أحمد ص١٩٤، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي "١/ ٦٤"، وتلبيس إبليس لابن الجوزي ص١٧. ٦ الجرح والتعديل لابن أبي حاتم "١/ ٣٠٨". ٧ تهذيب الكمال للمزي "٢٨/ ١٥٣". ٨ انظر على سبيل المثال: تهذيب الكمال للمزي "٢/ ١٠٦"، "٧/ ٣٩٤"، "١١/ ٢٨٦"، "١٦/ ٦١"، "٢٣/ ٥٣٦"، "٢٦/ ٥٩".
[ ٣١ ]
رابعًا: نصوص العلماء واستعمال الأئمة:
وقد نص العلماء على أن أهل السنة هم الصحابة، ومن اقتفى آثارهم.
قال شارح الطحاوية ﵀: "هم الصحابة والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين"١.
وقال ابن تيمية ﵀: "ومذهب أهل السنة مذهب قديم معروف قبل أن يخلق الله تعالى أبا حنيفة ومالكا والشافعي وأحمد، فإنه مذهب الصحابة الذين تلقوه عن نبيهم ﷺ، ومن خالف في ذلك كان مبتدعا عند أهل السنة والجماعة وأحمد بن حنبل، وإن كان قد اشتهر بإمامة السنة فليس ذلك؛ لأنه انفرد بقول أو ابتدع قولا، بل إن السنة كانت موجودة معروفة قبله، علمها ودعا إليها، وصبر على من امتحنه ليفارقها، وكان الأئمة قبله قد ماتوا قبل المحنة"٢.
وسبق قول ابن حزم ﵀: "أهل السنة هم أهل الحق، ومن عداهم فأهل البدعة، فإنهم -أي أهل السنة- الصحابة ﵃، ومن سلك منهجهم من خيار التابعين، ثم أصحاب الحديث، ومن اتبعهم من الفقهاء، جيلا فجيلا إلى يومنا هذا، ومن اقتدى بهم من العوام في شرق الأرض وغربها، رحمة الله عليهم"٣.
وقال أيضا: " وأن من اتبع أحدًا دون رسول الله ﷺ، فلم يتبع السنة ولا الجماعة، وأنه كاذب في دعواه السنة والجماعة، فنحن معشر المتبعين للحديث المعتمدين عليه أهل السنة والجماعة حقا بالبرهان الضروري، وأننا أهل الإجماع كذلك"٤.
_________________
(١) ١ شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي "٢/ ٥٤٤". ٢ منهاج السنة النبوية لابن تيمية "٢/ ٦٠١-٦٠٢". ٣ الفصل في الملل والنحل لابن حزم "٢/ ١٠٧". ٤ الإحكام لابن حزم "٤/ ٥٢٥".
[ ٣٢ ]
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "صار المتمسكون بالإسلام المحض هم أهل السنة والجماعة"١.
وهذا يشمل الصحابة ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ولذا بدأ علماء الاعتقاد عند ذكر أئمة أهل السنة والجماعة بالصحابة، ثم من بعدهم من التابعين.
ومن ذلك:
قول اللالكائي في صدر كتابه: "باب سياق ذكر من رسم بالإمامة في السنة والدعوة، والهداية إلى طريق الاستقامة بعد رسول الله ﷺ إمام الأمة: فمن الصحابة: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي، فعد جماعة من الصحابة ﵃، ثم جماعة من التابعين من أهل المدينة ومكة، ومصر وبغداد وواسط وغيرهم٢.
وذكر موقف المعتزلة من أهل السنة والجماعة، ثم قال: " ما قذفوا به المسلمين من التقليد" إلخ، فسوى بين "أهل السنة والجماعة"، وبين "المسلمين"٣، وهذا صريح في أن أهل السنة والجماعة هم أهل الإسلام الصحيح المتلقى عن النبي ﷺ من لدن الصحابة، وأتباعهم حتى آخر الزمان، فمن خالف هؤلاء في أصولهم لم يكن من أهل السنة والجماعة.
هذا، وقد استعمل الأئمة هذا الاسم والمصطلح المبارك في النص على أمور الاعتقاد الصحيحة تمييزا لها عن غيرها، كما فعل ذلك قتيبة بن سعيد الثقفي ﵀، ونقله عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء٤، بل جعل بعض الأئمة هذا الاسم ضمن
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى "٣/ ١٥٩". ٢ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي "١/ ٢٩-٤٩". ٣ المصدر السابق "١/ ١٣". ٤ انظر على سبيل المثال: سير أعلام النبلاء للذهبي "١١/ ٢٠".
[ ٣٣ ]
عناوين كتبهم في العقيدة كما فعل اللالكائي ﵀ في كتابه "شرح أصول اعتقاد أهل السنة"، وكما فعل قوام السنة إسماعيل بن محمد الأصبهاني ﵀ في كتابه "الحجة في بيان المحجة، وشرح عقيدة أهل السنة".
خامسا: ترادفه مع مصطلحات شرعية.
ثم إن هذا المصطلح يرادف عند الإطلاق مصطلحات شرعية أخرى مثل أهل الحديث، والفرقة الناجية والطائفة المنصورة، والسلف الصالح، كما سيتبين في المبحث التالي.
ومن جملة ما تقدم يتضح جليا أن مذهب أهل السنة قديم، وأن التسمية قديمة، تبدأ ببداية الإسلام؛ لأن أهل السنة على الحقيقة هم أهل الإسلام، المتبعون لسيد الأنام، وعلى هذا سار أئمة أهل السنة والجماعة، وكلام اللالكائي السابق قريبا صريح في ذلك، ويظهر هذا جليا بالنظر إلى صفاتهم وخصائصهم، كما أن أول من دعي "بإمام أهل السنة"، هو الإمام أحمد بن حنبل ﵀، وفي هذا رد على من زعم أن مذهب أهل السنة والجماعة، إنما عرف وظهر في زمن أبي الحسن الأشعري، وأبي منصور الماتريدي، وأن أهل السنة هم الأشاعرة والماتريدية!! كما تبناه بعض العلماء قديما وحديثًا! ١. وفي نفي هذا الاسم عن الأشاعرة -مع قربهم في أصول ومسائل عقدية من أهل السنة- ما يقطع بانتفائه عن بقية أهل البدع والأهواء كالرافضة والمعتزلة، وإن تنازعوا هذه التسمية الشريفة.
وكل يدعي وصلا بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا
وكما قيل:
والدعاوى إن لم تقم عليها بينات أصحابها أدعياء
_________________
(١) ١ راجع في القديم كلام الباقلاني في "الإنصاف فيما يجب اعتقاده، ولا يجوز الجهل به" ص١٠٨، و"الفرق بين الفرق" للبغدادي ص٢٦، ومثله الإسفراييني في "التبصير في الدين" ص٢٥، وكذا الجويني والغزالي والرازي، وراجع في الحديث كلام الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في "كبرى اليقينيات الكونية" ص١٢٥، وكلام وهبي سليمان غاوجي الألباني في "أركان الإيمان" ص٢٥، وغيرهم كثير.
[ ٣٤ ]
الفصل الرابع: بين مصطلح أهل السنة ومصطلحات أخرى
أولًا: الفرقة الناجية
الفصل الرابع: بين مصطلح أهل السنة ومصطلحات أخرى
تقرر فيما سبق أن مصطلح أهل السنة والجماعة مما نطق بمعناه الكتاب والسنة، وتداول لفظه الصحابة والتابعون، وأهل الحق من الأسلاف الصالحين، ومن المفيد أن نتناول مصطلحات أخرى تداولها علماء التوحيد والعقيدة في الدلالة على المذهب الحق في أمور الاعتقاد.
أولا: الفرقة الناجية:
أما مصطلح الفرقة الناجية، فقد دلت عليه ظاهر الأحاديث الكثيرة التي رواها بضعة عشر صحابيا، ويكفي في ثبوت وجود هذه الفرقة الناجية أن تكون هذه الروايات قد ذكرتها بعد ذكر افتراق الأمة.
ومن هذه الروايات: ما رواه أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن بني إسرائيل تفرقت على إحدى وسبعين فرقة، فهلكت سبعون فرقة وخلصت واحدة، وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة، فتهلك إحدى وسبعين وتخلص فرقة"، قالوا: يا رسول الله، من تلك الفرقة؟ ".
قال: "الجماعة، الجماعة" ١.
وفي رواية قال: "ما أنا عليه وأصحابي" ٢.
ووصفها علي ﵁ بأنها المستحقة لقوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد "١٢٠٧٠"، وابن ماجه "٣٩٩٣"، وأبو يعلى "٤١٢٧"، قال البوصيري في مصباح الزجاجة "٤/ ١٨٠": "هذا إسناد صحيح رجاله ثقات".ا. هـ. وصححه الألباني في صحيح الجامع "٢٠٤٢". ٢ سبق تخريجه.
[ ٣٥ ]
وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨١] .
وورد في وصف غيرها من الفرق المناقضة لها أن في قلوبها زيغ، وأن الأهواء تتجارى بها كما يتجارى الكلب بصاحبه١.
وهذا يقتضي بمفهوم المخالفة سلامة الفرقة الناجية من الهوى والزيغ.
وجملة هذه الأوصاف تقضي بأن هذه الفرقة الناجية هي عين أهل السنة والجماعة، إذ هي الجماعة، وهم المستمسكون بما عليه الصحابة٢، وهي أولى الناس بالسنة وأبعد الناس عن البدعة، فحيث أطلقت الفرقة الناجية فالمقصود بها أهل السنة والجماعة؛ لأنهم أولى الناس بالنجاة في الدنيا من الافتراق، وفي الآخرة من النار.
قال عبد القادر الجيلاني ﵀: "وأما الفرقة الناجية: فهي أهل السنة والجماعة"٣.
وقال شيخ الإسلام في أول عقيدته الواسطية: "أما بعد: فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة "٤.
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد "١٦٤٩٠"، وأبو داود "٤٥٩٧"، والحاكم "٤٤٣"، من حديث معاوية ﵁، وصححه الحاكم والألباني في صحيح الجامع "٢٦٤١". ٢ وانظر: فتاوى مهمة لعموم الأمة للشيخ ابن باز ص١٧. ٣ الغنية لطالبي طريق الحق لعبد القادر الجيلاني ص٨٥. ٤ العقيدة الواسطية لابن تيمية بشرح الشيخ هراس ص١٤.
[ ٣٦ ]
ثانيا: الطائفة المنصورة:
وأما مصطلح الطائفة المنصورة، فقد ورد ذكره في أحاديث عدة عن تسعة عشر صحابيا، إضافة إلى بعض المراسيل، حتى لقد صرح عدد من العلماء المعتبرين بتواتر هذا الحديث، كشيخ الإسلام ابن تيمية١، والسيوطي٢، والزبيدي٣، والكتاني٤، وغيرهم..
ومن هذه المرويات ما رواه ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك" ٥.
وما رواه جابر ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين إلى يوم القيامة" ٦.
ومن جملة المرويات، يتضح أن هذه الطائفة المنصورة طائفة من الأمة مجتمعة على الحق، إظهارا وبيانا بالحجة والبرهان، وظهورا وغلبة بالسيف والسنان، وهي ظاهرة، بينة طرائقها وسبلها، واضحة مناهجها، في كل زمان ومكان.
وهي طائفة قائمة بأمر الله، وواجب الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يخلو الزمان عنها، ولا تتخلى عن واجب الجهاد، فهي إما في جهاد بالفعل أو في سبيلها إلى الجهاد إعدادًا وتهيؤًا، صابرة على هذا العمل الجليل وهي طائفة منصورة في جملة أحوالها وأماكنها، وعلى مر الأزمان.
_________________
(١) ١ اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية "١/ ٦". ٢ قطف الأزهار المتناثرة للسيوطي "رقم ٨١" ص٢١٦. ٣ لقط اللآلئ المتناثرة في الأحاديث المتواترة للزبيدي ص٦٨. ٤ النظم المتناثرة في الحديث المتواتر للكتاني ص٩٣. ٥ رواه مسلم "١٩٢٠" من حديث ثوبان ﵁. ٦ رواه مسلم "١٩٢٣" من حديث جابر بن عبد الله ﵄.
[ ٣٧ ]
ثالثا: أهل الحديث:
وأما فيما يتعلق بمصطلح أهل الحديث، فقد روى الخطيب البغدادي بسنده عن الإمام أحمد: أنه ذكر حديث النبي ﷺ: "تفترق الأمة على نيف وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة"، فقال: "إن لم يكونوا أصحاب الحديث، فلا أدري من هم"١.
وقال القاضي عياض عقب قول أحمد السابق: "إنما أراد أحمد أهل السنة والجماعة، ومن يعتقد مذهب أهل الحديث"٢.
وقال الجيلاني: "أهل السنة لا اسم لهم إلا اسم واحد، وهو: أصحاب الحديث".
وفي هذه الآثار دلالة على الترادف بين معنى مصطلح الفرقة الناجية وأهل الحديث، وأنهم المقصودون بهذا المصطلح عند إطلاقه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إذا كانت سعادة الدنيا والآخرة هي باتباع المرسلين، فمن المعلوم أن أحق الناس بذلك: هم أعلمهم بآثار المرسلين، وأتبعهم لذلك، فالعالمون بأقوالهم وأفعالهم، المتبعون لها، هم أهل السعادة في كل زمان ومكان، وهم الطائفة الناجية من أهل كل ملة، وهم أهل السنة والحديث من هذه الأمة، فإنهم يشاركون سائر الأمة فيما عندهم من أمور الرسالة، ويمتازون عنهم بما اختصوا به من العلم الموروث عن الرسول، مما يجهله غيرهم أو يكذب به"٣.
ووصفهم الخطيب البغدادي ﵀ بقوله: "حفظة الدين، وأوعية العلم وحملته.. ومنهم كل عالم فقيه، وإمام رفيع نبيه، وزاهد في قبيلة، ومخصوص بفضيلة، وقارئ متقن، وخطيب محسن وهم الجمهور العظيم، وسبيلهم السبيل المستقيم، وكل مبتدع باعتقادهم يتظاهر، وعلى الإفصاح بغير مذاهبهم لا يتجاسر"٤.
_________________
(١) ١ شرف أصحاب الحديث للخطيب البغدادي ص٢٥، ٢٧، ومعرفة علوم الحديث للحاكم ص٢٦. ٢ شرح النووي على صحيح مسلم "١٣/ ٦٧". ٣ مجموع الفتاوى "٤/ ٢٦". ٤ شرف أصحاب الحديث للخطيب البغدادي ص٩.
[ ٣٨ ]
ويتضح مما سبق أن الفرقة الناجية هم أهل الحديث، كما اتضح أن الطائفة المنصورة هم أهل الحديث أيضًا.
سئل ابن المبارك عن الطائفة المنصورة: من هذه الطائفة؟ فقال: "هم عندي أصحاب الحديث"١.
وقال يزيد بن هارون: "إن لم يكونوا أصحاب الحديث، فلا أدري من هم"٢.
وقال البخاري في قوله ﷺ: "لا تزال طائفة من أمتي ": "يعني: أصحاب الحديث"٣، وقال: "وهم أهل العلم"٤.
وقال أحمد بن سنان: "هم أهل العلم، وأصحاب الآثار"٥.
وقال شيخ الإسلام في وصف أهل الحديث: "وكانوا يقولون: هم الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة، الظاهرون على الحق؛ لأن الهدى ودين الحق الذي بعث الله به رسله معهم، وهو الذي وعد الله بظهوره على الدين كله، وكفى بالله شهيدًا"٦.
وإذا كانت الفرقة الناجية هي أهل الحديث، وأهل الحديث هم الطائفة المنصورة، وأهل الحديث هم أهل السنة والجماعة، فإن هذا يدل على ترادف هذه الاصطلاحات بإطلاق.
بمعنى أنه إذا أطلق واحد منهم دخل فيه الباقي، وأصبح اللفظ دالا بمفرده على جميع أهل الحق.
_________________
(١) ١ المرجع السابق ص٢٦. ٢ المحدث الفاضل للرامهرمزي ص١٧٧. ٣ شرف أصحاب الحديث للخطيب البغدادي ص٢٧. ٤ صحيح البخاري "٨/ ١٤٩"، وخلق أفعال العباد للبخاري ص٤٢. ٥ شرف أصحاب الحديث للخطيب البغدادي ص٢٧. ٦ مجموع الفتاوى "٤/ ٩٧".
[ ٣٩ ]
وأما إذا اجتمع اثنان كأهل الحديث وأهل السنة فبينهما تغاير، حيث يطلق الأول على المعتنين بعلم الحديث، ويطلق الثاني على باقي أهل الخير من الفرقة الناجية، فإذا اجتمعا افترقا، ومن ذلك قول عبد الرحمن بن مهدي ﵀: "الناس على وجوه: فمنهم من هو إمام في السنة إمام في الحديث، ومنهم من هو إمام في الحديث، فأما من هو إمام في السنة، وإمام في الحديث فسفيان الثوري"١.
- وهنا يثور سؤال حول تحديد أهل الحديث، وهل كل هذا الفضل خاص بدارسي هذا العلم، وحفظة متونه دون باقي أصناف أهل العلم؟
وإذا كانت الإجابة بدخول أصناف أخرى من أهل العلم، فإن ثمة سؤال آخر حول هذا ملعنى، وهو: هل يدخل في معنى أهل الحديث أناس آخرون لا علاقة لهم بعلم الحديث، ولا دراية لهم بالفقه وسائر العلوم: كالمجاهدين، والأجناد المرابطين على الثغور، ونحوهم؟
فأما السؤال الأول، فإن الإجابة تتقرر في دخول طوائف أهل العلم بالتفسير، والفقه، والتوحيد، وسائر العلوم الشرعية، في مصطلح أهل الحديث بعد دخول المشتغلين بعلم الحديث دخولا أوليا في هذا المصطلح.
ويدل على ذل عبارة الإمام البخاري في وصفهم بأنهم: "هم أهل العلم"، وكذا عبارة الإمام أحمد بن سنان: "هم أهل العلم وأصحاب الآثار".
فإذا وجد ما يدل على أنهم أهل العلم بالحديث، فهو من باب تفسير الشيء بذكر بعض أجزائه وأفراده، والقاعدة أن ذكر بعض أفراد العام لا يخصصه.
ولذلك كانت عبارة الإمام أحمد دقيقة حين رأى قوما يشتغلون بمدراسة
_________________
(١) ١ مقدمة الجرح والتعديل لابن أبي حاتم "١/ ١١٨"، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي "١/ ٦٣".
[ ٤٠ ]
الحديث، فأطلق عليم أنهم "ممن" قال فيهم الرسول ﷺ: "لا تزال طائفة من أمتي.." الحديث١.
وقد نقل النووي -كما سبق- قول أحمد والبخاري في الطائفة المنصورة، ثم قال: "قال القاضي عياض: إنما اراد أحمد أهل السنة والجماعة، ومن يعتقد مذهب أهل الحديث"٢.
وقال شيخ الإسلام: "ونحن لا نعني بأهل الحديث المقتصرين على سماعه أو كتابته أو روايته، بل نعني بهم: كل من كان أحق بحفظه ومعرفته وفهمه ظاهرا وباطنا، واتباعه باطنا وظاهرا، وكذلك أهل القرآن، وأدنى خصلة في هؤلاء محبة القرآن والحديث، والبحث عنهما وعن معانيهما، والعمل بما علموه من موجبها.
ففقهاء الحديث أخبر بالرسول من فقهاء غيرهم، وصوفيتهم أتبع للرسول من صوفية غيرهم، وأمراؤهم أحق بالسياسة النبوية من غيرهم، وعامتهم أحق بموالاة الرسول من غيرهم"٣.
فهذا وأمثاله من النقول عن الأئمة العدول يبين لنا دخول أهل العلم -المتبعين الناجين من الابتداع- في زمرة الحديث بالاصطلاح الأعم الأوسع.
ومما تنبغي الإشارة إليه: أن "مصطلح أهل الحديث"، قد أطلق في مقابلة "أهل الكلام" تارة، و"أهل الرأي "تارة أخرى، فالإطلاق الأول يتعلق بالعقائد، والثاني بالفقه.
وأما السؤال الثاني، وهو: هي يدخل في الطائفة المنصورة أهل الحديث أصناف أخرى من الناس، ليست من المشهورة بالعلم؟
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري "٧٣١١"، ومسلم "١٩٢١" من حديث المغيرة بن شعبة ﵁. ٢ شرح النووي على صحيح مسلم "١٣/ ٦٧. ٣ مجموع الفتاوى "٤/ ٩١-٩٥".
[ ٤١ ]
فإجابته قد ذكرها جملة من أهل العلم، نذكر منهم الإمام النووي حين سئل عن الطائفة المنصورة: من هم؟
فقال: "ويحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين: منهم زهاد، وآمرون بالمعروف، وناهون عن المنكر، ومنهم أنواع أخرى من الخير"١، فأدخل فيهم أهل الجهاد وأنواعا أخرى من الخير: كالزهاد، والعباد، وغيرهم.
وقد صاغ ابن حجر كلام النووي بلفظ مقارب، فقال: "يجوز أن تكون الطائفة جماعة متعددة من أنواع المؤمنين: ما بين شجاع، وبصير بالحرب، وفقيه، ومحدث، ومفسر، وقائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وزاهد، وعابد"٢.
ويخلص من ذلك كله إلى أن المصطلحات "الفرقة الناجية -الطائفة المنصورة- أهل السنة والجماعة- أهل الحديث"، هي مصطلحات شرعية مترادفة في معناها،
وعند إطلاقها يدخل بعضها في بعض، وأن أهلها متفاوتون في العلم بالسنة
والعمل بها، والجهاد والقيام به، ولا يتخلون عنه جميعا، وأن أهل هذه المصطلحات غير معصومين، والخير فيهم أكثر من الشر، كما أن الشر في غيرهم أكثر من الخير، ومع أنه ليس لهم تخصص علمي أو عملي يجمعهم، فقد وصلوا بمجموعهم إلى درجة الكمال البشري، مع التكامل في الواجبات والتخصصات، فهم قائمون بمجموعهم مقام النبوة في الأمة بحفظ الدين وإقامة الملة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما أهل العلم فكانوا يقولون: هم الأبدال؛ لأنهم أبدال الأنبياء، وقائمون مقامهم حقيقة، ليسوا من المعدمين الذين لا يعرف لهم حقيقة، كل منهم يقوم مقام الأنبياء في القدر الذي ناب عنهم فيه، هذا في العلم والمقال، وهذا في العبادة والحال، وهذا في الأمرين جميعًا"٣.
ثم إنه بقي مصطلح أخير عرفه أهل السنة والجماعة وتداولوه، ألا وهو مصطلح السلف.
_________________
(١) ١ شرح النووي على صحيح مسلم "١٣/ ٦٦-٦٧". ٢ فتح الباري "١٣/ ٢٩٥". ٣ مجموع الفتاوى "٤/ ٩٧".
[ ٤٢ ]
رابعا: السلف:
معنى "السلف" لغة:
قال ابن فارس: "سلف، السين واللام والفاء، أصل يدل على تقدم وسبق، من ذلك السلف الذين مضوا، والقوم السلاف: المتقدمون"١.
وقد استعملت كلمة "سلف" في القرآن للدلالة على نفس المعنى، وهو التقدم والسبق في التقدم.
قال تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤]، أي: قدمتم في الدنيا.
وقال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف: ٥٦]، أي: قوما سابقين من جاء بعدهم، وقيل: عظة وعبرة لم يأتي بعدهم٢.
وقال تعالى: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، أي: سبق وتقدم.
وقال تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ [المائدة: ٩٥]، وقال جل ذكره: ﴿يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] .
كما استعملت كلمة "سلف" في السنة للدلالة على نفس المعنى السابق.
_________________
(١) ١ معجم مقاييس اللغة لابن فارس "٣/ ٩٥". ٢ لسان العرب لابن منظور "٦/ ٣٣١"، وتفسير ابن كثير "٤/ ١٣١"، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للسعدي "٦/ ٦٥٤".
[ ٤٣ ]
ومن ذلك: قول النبي ﷺ لابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها وأرضاها: "ونعم السلف أنا لك" ١. وقوله ﷺ لحكيم بن حزام ﵁: "أسلمت على ما سلف من خير" ٢.
معنى "السلف" اصطلاحا:
في اصطلاح علماء العقيدة يطلق "السلف" على الصحابة ﵁ والتابعين لهم بإحسان وتابعيهم، وأئمة الإسلام العدول، ممن اتفقت الأمة على إمامتهم وعظم شأنهم في الدين، وتلقى المسلمون كلامهم خلفا عن سلف بالقبول، دون من رمي ببدعة، أو لقب غير مرضي، كالخوارج، والرافضة، والناصبة، والقدرية، والمرجئة، والأشعرية، والمعتزلة، والجهمية ونحوهم.. ومذهب السلف هو طريقهم في الاعتقاد المنسوب إليهم٣.
وقال الشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي: "وعلى ذلك فالمراد بمذهب السلف: ما كان عليه الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين، وأتباعهم، وأئمة الدين ممن شهد له بالإمامة، وعرف عظيم شأنه في الدين، وتلقى الناس كلامهم خلفا عن سلف، كالأئمة الأربعة، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، وابن المبارك، والنخعي، والبخاري، ومسلم، وسائر أصحاب السنن، دون من رمي ببدعة، أو شهر بلقب غير مرضي، مثل: الخوارج، والروافض، والمرجئة، والجبرية والجهمية، والمعتزلة"٤.
فالسلف إذن مصطلح يطلق على المتقدمين من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وهم المذكورون في حديثه ﷺ: "خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" ٥.
_________________
(١) ١ رواه البخاري "٦٢٨٥"، ومسلم "٢٤٥٠". ٢ رواه البخاري "١٤٣٦"، ومسلم "١٢٣". ٣ لوامع الأنوار للسفاريني "١/ ٢٠"، والأسئلة والأجوبة الأصولية لمحمد عبد العزيز السلماني ص١١، ١٢. ٤ العقائد السلفية بأدلتها العقلية والنقلية والنقلية لأحمد بن حجر آل بوطامي ص١١. ٥ أخرجه البخاري "٦٦٩٥"، ومسلم "٢٥٣٥" من حديث عمران بن حصين ﵁.
[ ٤٤ ]
ومذهب السلف هو مذهب الصحابة الكرام، والتابعين وتابعيهم من الأئمة المذكورين المشهورين.
ثم إن كل من التزم بعقائد وأصول هؤلاء الأئمة كان منسوبا إليهم، وإن باعدت بينه وبينهم الأماكن والأزمان، وكل من خالفهم فليس منهم، وإن عاش بين أظهرهم، وجمعه بهم نفس المكان والزمان.
ويشهد لذلك قول الأوزاعي: "كتب إلي قتادة من البصرة: إن كانت الدار فرقت بيننا وبينك، فإن ألفة الإسلام بين أهلها جامعة"١.
ويقول الدكتور محمود خفاجى: "وليس التحديد الزمني كافيا في ذلك، بل لا بد أن يضاف إلى هذا السبق الزمني موافقة الرأي للكتاب والسنة وروحهما، فمن خالف رأيه الكتاب والسنة فليس بسلفي، وإن عاش بين أظهر الصحابة والتابعين وتابعي التابعين"٢.
ويشهد لهذا: قول أبي عبد الله النباجي الزاهد: "أصل العلم خمس خصال: أولها: الإيمان بالله، والثانية: معرفة الحق، والثالثة: إخلاص العمل، والرابعة: أن يكون مطعم الرجل من حلال، والخامسة: أن يكون على السنة والجماعة، فلو أن عبدًا آمن بالله ﷿ وأخلص نيته لله وعرف الحق على نفسه، وكان مطعمه من حلال ولم يكن على السنة والجماعة لم ينتفع من ذلك بشيء"٣.
فالعبرة بالتزام السنة والجماعة بغض النظر عن المكان والزمان.
_________________
(١) ١ سيرة أعلام النبلاء للذهبي "٧/ ١٢١". ٢ العقيدة الإسلامية بين السلفية والمعتزلة للدكتور محمود خفاجى ص٢١. ٣ حلية الأولياء لأبي نعيم "٩/ ٣١٠"، وتاريخ دمشق لابن عساكر "٧/ ٢١٧-والسياق له"، وجامع العلوم والحكم لابن رجب "١/ ٢٦٣".
[ ٤٥ ]
"ولقد بدأت الحاجة إلى الانتساب للسلف حين تفرقت الأمة الإسلامية، وتعددت الاتجاهات الفكرية فيها حول أصول الدين، مما دعا علماء الأمة الأثبات وأساطينها الأعلام، لتجريد أنفسهم لتلخيص وترتيب الأصول العظمى والقواعد الكبرى للاتجاه السلفي، والمعتقد القرآني النبوي، ومن ثم نسبته إلى السلف الصالح، لقطع الباب على كل من ابتدع بدعة اعتقادية، وأراد نسبتها إليهم، حتى كانت النسبة إلى السلف رمزًا للافتخار، وعلامة على العدالة في الاعتقاد، مما يدل على أن النسبة إلى السلف لم تكن بدعة لفظية، ولا مجرد اصطلاحي كلامي، لكنه حقيقة شرعية ذات مدلول محدد، ولذلك لم تؤصل قواعده، ولم تحر موارده، إلا بقيام الحاجة في الأمة لبيان متكامل الصورة عما كان عليه أهل القرون المفضلة المشهود لهم بالعدالة من طريقة عقدية وسيرة توحيدية"١.
ويبدو جليا من هذه الدراسة الاصطلاحية الشرعية لمدلول كلمة السلف، أن هذا المصطلح يلتقي مع مصطلح أهل السنة والجماعة، وأهل الحديث، والفرقة الناجية، والطائفة المنصورة.
فالسلف هم أهل الحديث كما سماهم بذلك كثير من الأئمة، وصدروا مؤلفاتهم بذلك، مثل: كتاب "عقيدة السلف أصحاب الحديث" للإمام إسماعيل الصابوني.
والسلف هم الفرقة الناجية، والطائفة المنصورة؛ لأنهم الصحابة ومن تابعهم من التابعين وتابعيهم.
والسلف هم أهل الأثر، وهم أهل الاتباع؛ لأن من طريقتهم "اتباع آثار رسول الله ﷺ باطنا وظاهرا، واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، واتباع وصية رسول الله ﷺ، حيث قال: " عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي،
_________________
(١) ١ نظريات شيخ الإسلام في السياسة والاجتماع للمستشرق الفرنسي لاووست ص٣٢.
[ ٤٦ ]
تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة" ١ ٢.
وما زال أهل السنة وما برحوا يستدلون على عقائدهم بالكتاب والسنة، فإن لم يجدوا فبما ثبت عن السلف الصالحين، من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، وبهذا كانوا يتواصون ويوصون.
قال الأوزاعي: "عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس"٣.
وقال: " واسلك سبيل سلفك الصالح، فإنه يسعك"٤.
والإمام ابن كثير ينهج هذا النهج عند تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش﴾ [الأعراف: ٥٤]، يقول: "فللناس في هذا مقالات كثيرة جدا، ليس هذا موضع بسطها، وإنما يسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح، مالك، والأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق "٥.
والإمام الذهبي يقول في مقدمة كتابه "العلو للعلي الغفار": "فإن أحببت يا عبد الله الإنصاف، فقف مع نصوص القرآن والسنة، ثم انظر ما قاله الصحابة والتابعون وأئمة التفسير في هذه الآيات، وما حكموه من مذاهب السلف، فإما أن تنطق بعلم، وإما أن تسكلت بعلم"٦.
وعلى هذا فإن الدعوة إلى اتباع السلف إنما هي دعوة إلى الإسلام والسنة، ولا غضاضة في ذلك.
_________________
(١) ١ حديث صحيح، سبق تخريجه ص٢٥. ٢ شرح العقيدة الواسطية لمحمد خليل هراس ص١٧٩-١٨٠. ٣ الشريعة للآجري ص١٠٢، وصححه الألباني في مختصر العلو ص١٣٨. ٤ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي "١/ ١٥٤". ٥ تفسير القرآن العظيم لابن كثير "٢/ ٢٢١". ٦ العلو للعلي الغفار للذهبي ص١٦.
[ ٤٧ ]
قال شيخ الإسلام: "لا عيب على من أظهر مذهب السلف، وانتسب إليه، واعتزى إليه، بل يجب قبول ذلك منه، فإن مذهب السلف لا يكون إلا حقا"١.
وأخيرًا فإن مصطلحين كـ"أهل الأثر"، أو"أهل الجماعة" يطلقان أيضا -بقلة- ويراد بهما أهل الحديث وأهل السنة والجماعة، وقد وقعا في كلام السلف أيضًا.
فمن الأول قول أبي حاتم الرازي: "مذهبنا واختيارنا اتباع رسول ﷺ وأصحابه والتابعين ومن بعدهم بإحسان، والتمسك بمذهب أهل الأثر مثل أبي عبد الله أحمد بن حنبل"٢.
ومن الثاني قول ابن المبارك حين سئل عن الجماعة؟ فقال: "أبو بكر وعمر، قيل له: قد مات أبو بكر وعمر، قال: فلان وفلان، قيل له: قد مات فلان وفلان؟ فقال عبد الله بن المبارك: أبو حمزة السكري جماعة"٣.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى "٤/ ١٤٩". ٢ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي "١/ ١٨٠". ٣ الجامع الصحيح للترمذي "٤/ ٤٦٦".
[ ٤٨ ]
الفصل الخامس: الخصائص والصفات العامة لأهل السنة والجماعة
أولا: أهل السنة ليس لهم اسم يجمعهم سوى هذا الاسم:
أهل السنة والجماعة ليس لهم اسم يعرفون به، ولا لقب ولا رمز يميزهم عن غيرهم، إلا الإسلام وما دل عليه من المصطلحات والأسماء الشرعية.
قال ميمون بن مهران: "إياكم وكل اسم يسمى بغير الإسلام"١.
فكل من خالف السنة والجماعة فقد تسمى بغير الإسلام والسنة، كأصحاب الأهواء والفرق الضالة، وإن ادعى أنه من أهل السنة.
وأما أهل السنة فليس لهم اسم إلا هذا الاسم، وإن كان غيرهم قد يسميهم بأسماء باطلة، فإنه ما من فرقة إلا وابتدعت لأهل السنة اسمًا يناسب ما خالفها فيه أهل السنة، ومع ذلك بقي أهل السنة لم يلزمهم اسم من هذه الأسماء الباطلة.
روى ابن البر قال: "جاء رجل إلى مالك فقال: يا أبا عبد الله، أسألك عن مسألة أجعلك حجة فيما بيني وبين الله ﷿. قال مالك: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، سل: قال: من أهل السنة؟ قال: أهل السنة الذين ليس لهم لقب يعرفون به، لا جهمي، ولا قدري، ولا رافضي"٢.
وهكذا يحدد الإمام مالك ﵀، ويعرف أهل السنة بأنهم ليس لهم لقب يعرفون به إلا اللقب المسئول عنه "أهل السنة".
وقال الإمام ابن القيم ﵀: "وقد سئل بعض الأئمة عن السنة؟ فقال: ما لا اسم
_________________
(١) ١ الشرح والإبانة لابن بطة ص١٣٧. ٢ الانتقاء لابن عبد البر ص٣٥.
[ ٤٩ ]
له سوى السنة، يعني: أن أهل السنة ليس لهم اسم ينسبو إليه سواها"١.
ويقول الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد -حفظه الله تعالى-: "وليس لهم -أي أهل السنة والجماعة- رسم ومنهاج سوى منهاج النبوة "الكتاب والسنة"، إذ الأصل لا يحتاج إلى سمة خاصة تميزه، إنما الذي يحتاج إلى اسم معين هو الخارج من هذا الأصل"٢.
فأهل السنة لا يتعصبون للأحزاب، ولا الشعارات، ولا القوميات، ولا يتعصبون للأوطان ولا الشعوب، ولا الأجناس، ولا القبائل، إنما يجمعهم شعار السنة والإسلام، في أي مكان وأي زمان.
عن ابن عباس ﵄ قال: "من أقر باسم من هذا الأسماء المحدثة، فقد خلع ربقه الإسلام من عنقه"٣.
وقال مالك بن مِغْوَل: "إذا تسمى الرجل بغير الإسلام والسنة، فألحقه بأي دين شئت"٤.
وهذا لا يعني عدم مشروعية مطلق الانتماء إلى إمام، أو التسمي بأسماء المذاهب، أو الانتساب إلى القبائل، أو المشايخ، ونحو ذلك ، بل الممنوع منه هو اتخاذ هذه الأسماء معقدا للولاء والبراء، وشعارا يمتحن الناس به، ويفرق به بين الأمة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "بل الأسماء التي قد يسوغ التسمي بها، مثل انتساب الناس إلى إمام: كالحنفي والمالكي والشافعي، والحنبلي، أو إلى شيخ:
_________________
(١) ١ مدارج السالكين لابن القيم "٣/ ١٧٤". ٢ حكم الانتماء إلى الفرق والأحزاب والجماعات الإسلامية للشيخ بكر أبو زيد ص٢٨. ٣ الشرح والإبانة لابن بطة ص١٣٧. ٤ الدر المنثور للسيوطي "٢/ ٦٣"، والشرح والإبانة لابن بطة ص١٣٧.
[ ٥٠ ]
كالقادري والعدوي ونحوهم، أو مثل الانتساب إلى القبائل: كالقيسي واليماني، وإلى الأمصار: كالشامي والعراقي والمصري، فلا يجوز لأحد أن يمتحن الناس بها، ولا يوالي بهذه الأسماء ولا يعادي عليها، بل أكرم الخلق عند الله أتقاهم من أي وظيفة كان"١.
ومما هو جدير بالتنبيه عليه في هذا المقام، أنه سبقت لأهل السنة والجماعة أسماء أخرى وردت بها النصوص، وهو من باب إطلاق الأسماء المختلفة على مسمى واحد.
فالانتساب إلى أهل السنة والجماعة أو السلف، أو الفرقة الناجية كل ذلك سواء وقد أطلق شيخ الإسلام ابن تيمية لقب السلفية في بعض مصنفاته٢، وكذا الشيخ المعلمي اليماني٣ والشيخ الألباني٤، والشيخ ابن باز٥ وغيرهم من أهل العلم والاتباع سلفا وخلفا.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى "٣/ ٤١٦". ٢ بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية "١/ ١٢٢". ٣ القائد إلى تصحيح العقائد للمعلمي اليماني ص٤٧، ٥١، ٥٥، ١٩٩. ٤ مختصر العول للألباني ص١٢٢، ومقدمة الشيخ الألباني لشرح الطحاوية ص٥٧. ٥ تنبيهات هامة على ما كتبه محمد علي الصابوني في صفات الله ﷿ للشيخ ابن باز ص٣٤، ٣٥.
[ ٥١ ]
ثانيا: أهل السنة لا يجمعهم مكان واحد، ولا يخلو عنهم زمان:
إن أهل السنة هم أهل الحق، فكل من دان بهذا الحق فهو من أهل السنة، في أي مكان وجد، وفي أي زمان كان.
ويشهد لذلك ما سبق عن الأوزاعي، قال: "كتب إلي قتادة من البصرة: إن كانت الدار فرقت بيننا وبينك، فإن ألفة الإسلام بين أهلها جامعة"١.
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: "ولا يلزم أن يكونوا -أي: الطائفة المنصورة-
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء للذهبي "٧/ ١٢١".
[ ٥١ ]
مجتمعين، بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض"١.
وقد كان صحابة رسول الله ﷺ، والتابعون وأئمة الدين من بعدهم، مفرقين في الأمصار، لا يجمعهم مكان واحد، ومع ذلك كانوا جميعا من أهل السنة، بل أئمة أهل السنة وأعلامهم.
وأما الأحاديث التي حددت وجودهم بالشام٢ فقد يجاب عليها بما يلي:
١- قد يراد بها -والله أعلم- فترة تاريخية معينة، هي التي تكون قبل قيام الساعة، حيث تدل النصوص الكثيرة على أن معظم الأحداث المتعلقة بالمهدي وعيسى بن مريم، ونحو ذلك من أشراط الساعة، إنما يتكون بالشام.
٢- كما يحتمل أن يكون المقصود قتالهم للروم المذكور في الأحاديث، ثم للدجال، حتى يأتيهم أمر الله وهم بالشام، فيكون قوله ﷺ: "وهم بالشام"، أي: حال إتيان أمر الله.
٣- وهذا كله على فرض صحة هذه الأحاديث، فكيف وأسانيدها لا تصح، والأصح والأشهر من الأحاديث بدون تقييد، وأعلى ما ورد في الشام قول معاذ: "وهم بالشام"، وفي رواية له: "وهم أهل الشام" ونحو هذا، وأكثر الرواة لم يذكروا هذه الزيادة في الحديث، ورواية الجماعة أولى بالصواب، وقد سبق هنا استغراب أي نعيم لهذه الزيادة.
_________________
(١) ١شرح النووي على صحيح "١٣/ ٦٧". ٢ من ذلك: ما روي من قول مالك بن يخامر عن معاذ: "وهم بالشام"، أخرجه أبو عوانة "٧٥٠٢"، وأبو يعلى "٧٣٨٣"، واللالكائي "١٦٦"، وأبو نعيم في الحلية "٥/ ١٥٩". وقال أبو نعيم: "غريب من حديث عمير، تفرد به عنه ابن جابر، وهذه الزيادة من قبل معاذ لا تحفظ إلا في هذا الحديث". وروي من وجه آخر عن معاذ قال: "وهم أهل الشام". وانظر: تاريخ دمشق لابن عساكر "١/ ٢٦١-٢٦٩". ورواه البخاري في التاريخ الكبير في ترجمة حسان بن وبرة عن أبي هريرة ﵁ عن النبي صلى لله عليه وسلم: $"لا تزال عصابة بدمشق ظاهرين" "٣/ ٣٥ رقم ١٤٧"، وحسان لم يوثقه معتبر، وهو حيان بالياء بدل السين انظر: الإصابة لابن حجر "٢/ ١٨٨"، ونحو ذلك من الأحاديث.
[ ٥٢ ]
وأهل السنة كما أنه لا يجمعهم مكان واحد، فإنهم لا يخلو عنهم زمان حتى قيام الساعة.
فقد صحت البشارة عن رسول الله ﷺ باستمرار وجود الطائفة المنصورة -أهل السنة والجماعة- من هذه الأمة إلى أن يأتي أمر الله، لا يضرهم خلاف المخالف، ولا خذلان الخاذل.
وجاء ذلك في أحاديث كثيرة عن جمع من الصحابة، حتى لقد صرح عدد من العلماء المعتبرين بتواتر هذا الحديث، كشيخ الإسلام ابن تيمية، والسيوطي، والزبيدي، والكتاني، وغيرهم١.
ومن هذه الأحاديث.
ما جاء عن المغيرة بن شعبة ﵁، عن النبي ﷺ، قال: "لا يزال ناس من أمتي ظاهرين، حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرين" ٢.
وعن جابر بن سمرة ﵁، عن النبي ﷺ، أنه قال: "لن يبرح هذا الدين قائمًا، يقاتل عليه عصابة من المسلمين، حتى تقوم الساعة" ٣.
وعن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين، إلى يوم القيامة" ٤.
فهذه الأحاديث وما ماثلها توضح أن أهل السنة -الطائفة المنصورة- سيستمر بقاؤهم إلى يوم القيامة، فلن يخلو عنهم زمان حتى يأتيهم أمر الله ﷿.
_________________
(١) ١ قد سبقت الإشارة إلى ذلك في الفصل الأول ص٣٩. ٢ رواه البخاري "٣٦٤٠"، ومسلم "١٩٢١" من حديث المغيرة بن شعبة ﵁. ٣ رواه مسلم "١٩٢٢" من حديث جابر بن سمرة ﵁. ٤ سبق تخريجه.
[ ٥٣ ]
والمقصود أن بقاءهم يكون حتى يرسل الله ريحا طيبة -وهي أمر الله-، فتقبض روح كل مؤمن ومؤمنة، ويكون ذلك قبيل قيام الساعة، ويكون ذلك قبيل قيام الساعة، ويكون التعبير بقوله: "إلى قيام الساعة". معناه: إلى قرب قيامها.
قال الإمام النووي ﵀: "فأطلق في هذا الحديث بقاءهم إلى قيام الساعة، على أشراطها ودنوها المتناهي في القرب"١.
وقال رحمه الله تعالى: "وذكرنا هناك -أي في كتاب الإيمان- الجمع بين الأحاديث الواردة في هذا المعنى، وأن المراد بقوله ﷺ: "حتى يأتي أمر الله" من الريح التي تأتي فتأخذ روح كل مؤمن ومؤمنة، وأن المراد رواية من روى: "حتى تقوم الساعة"، أي: تقرب الساعة، وهو خروج الريح"٢.
_________________
(١) ١ شرح النووي على صحيح مسلم "٢/ ١٣٢". ٢ المرجع السابق "١٣/ ٦٦".
[ ٥٤ ]
ثالثا: أهل السنة مشتغلون بأبواب الخير كافة:
أهل السنة لا يجمعهم تخصص علمي ولا عملي بعينه، بل منهم المشتغلون بألوان العلوم النافعة، بقصد حماية الدين وحفظ العلم -أصولا، وفروعا، ووسائل-، ومنهم المشتغلون برد البدع وقمع أهلها، وبيان طريق المحجة، ودفع الالتباس عنها.
ومنهم المرابطون في الثغور، المصابرون للأعداء، الساهرون على حماية الحوزة وحفظ البيضة.
ومنهم المناهضون للمنكر، الناهون عنه، الآمرون بالمعروف، الداعون إليه.
ولا شك أن المشتغلين بعلوم الإسلام -عقيدة، وفقها، وحديثا، وتفسيرا، وتعلما وتعليما، ودعوة، وتطبيقا- هم أولى الناس بهذا الوصف، وأولاهم بالدعوة،
[ ٥٤ ]
والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والرد على أهل البدع، إذ إن ذلك كله لا بد أن يقترن بالعلم الصحيح المأخوذ من الوحي.
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: "ويحتمل أن هذه الطائفة -يعني: الطائفة المنصورة- مفرقة بين أنواع المؤمنين، منهم شجعان مقاتلون، ومنهم زهاد، وآمرون بالمعروف، وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير "١.
وقد فسر بعض أئمة السلف الطائفة المنصورة والفرقة الناجية أهل السنة والجماعة بأنهم: أصحاب الحديث.
ومقصود هؤلاء الأئمة -كما سبق أيضا- بأهل الحديث، أنهم أهل السنة، المتبعون لما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، المجانبون لطريقة أهل البدعة، الملتزمون بالدليل في الاعتقاد والفقه، المستقيمون على الجادة في الخلق والعبادة، والسلوك.
وهم -بهذا- الفئة المقابةل لأهل الكلام -أيا كانت بدعتهم-، والفئة المقابلة لأهل الرأي الذين يقدمون آراءهم أو أقوال شيوخهم على الدليل الصحيح، بحجة أن الدليل ظني الثبوت، أو أن شيوخهم أعلم بالدليل أو بغير ذلك من الحجج الواهية.
ولذلك عبر الإمام البخاري رحمه الله تعالى عنهم بقوله: "وهم أهل العلم"٢.
ومدلول العلم أوسع من مدلول الحديث، وإن كان الحديث قد يطلق عليه العلم٣.
فقد يكون الرجل من أهل السنة، ومن أهل العلم الذين يرابطون على ثغور
_________________
(١) ١ شرح النووي على مسلم "١٣/ ٦٧". ٢ صحيح البخاري "٨/ ١٤٩". ٣ كما قال محمد بن سيرين: "إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم". رواه مسلم في مقدمة صحيحه "١/ ١٤".
[ ٥٥ ]
الإسلام، ويدافعون عنه، ولكنه ليس من أهل الحديث، بمعنى: المشتغلين به رواية ودراية، حتى عرفوا به، وأمثلة هذا كثيرة من المشتغلين بالتفسير، أو القراءات، أو اللغة، أو الأدب، أو التاريخ، أو غيرها.
وأما عبارة علي بن المديني في تعريفه أصحاب الحديث، والتي يقول فيها: "هم أصحاب الحديث الذين يتعاهدون مذاهب الرسول ﷺ، ويذبون عن العلم، لولاهم لم نجد عند المعتزلة والرافضة والجهمية، وأهل الرأي شيئا من سنن المرسلين"١. ففي عبارة علي بن المديني نوع من التخصيص، إذ يفسر أهل الحديث بأنهم الذين يتعاهدون مذاهب الرسول ﷺ، ويذبون عن العلم، ويبلغون للناس سنن المرسلين. وهذا تفسير للشيء ببعض أجزائه، وأهل السنة الطائفة المنصورة أعم من ذلك، ولا شك أن قوما كهؤلاء الذين ذكرهم ابن المديني هم أولى الناس بالدخول في هذه الطائفة، وإلى ما عندهم يرجع كل متبع في أي تخصص كان، ولكن لا يلزم من ذلك أن يكونوا -وحدهم- الطائفة المنصورة أو أهل السنة والجماعة، كما سبق تقريره.
إذن، فأهل السنة لا يجمعهم تخصص علمي ولا عملي بعينه، بل هم مفرقون في أبواب الخير كافة، يقولون بالحق، ويرحمون الخلق، ويجتمعون على منهج الاتباع.
_________________
(١) ١ رواه ابن عدي في الكامل "١/ ١٢١" في ترجمة علي بن المديني، وانظر: الرحلة في طلب الحديث للخطيب البغدادي "٢٢٣".
[ ٥٦ ]
رابعا: أهل السنة نمط واحد في باب الاعتقاد وأصول الدين:
لا منازعة بين المسلمين على خطورة أمر الاعتقاد، وعظم شأنه، وعلو قدره، إذ المخالف فيه على شفا هلكة.
ولهذا نجد أهل السنة جميعا على قول واحد في أصول هذا الباب وكليات، لم ينقل عنهم اختلاف في أمهات مسائل الاعتقاد وأصول الدين، بل المحفوظ عنهم اتفاقهم في هذه المسائل، وعدم اختلافهم عليها.
قال الشافعي ﵀: "القول في السنة التي أنا عليها، ورأيت عليه الذين رأيتهم مثل سفيان ومالك وغيرهما: الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأن الله على عرشه في سمائه، يقرب من خلقه كيف شاء، وينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء.."١.
وقال الإمام أحمد ﵀: "هذه مذاهب أهل العلم، وأصحاب الأثر، وأهل السنة المستمسكين بعروتها، المعروفين بها، المقتدى بهم فيها من لدن أصحاب النبي ﷺ إلى يومنا هذا، وأدركت عليها من علماء الحجاز والشام وغيرهما عليها، فمن خالف شيئا من هذه المذاهب، أو طعن فيها، أو عاب قائلها فهو مخالف مبتدع، وخارج عن الجماعة، زايل عن منهج السنة وسبيل الحق"٢.
قال ابن كثير في وصف وبيان من هم أهل السنة: "وهم أهل السنة والجماعة: المتمسكون بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وبما كان عليه الصدر الأول من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين في قديم الدهر وحديثه"٣.
وهذا لا يعني أن كل مسائل الاعتقاد متفق عليها عند أهل السنة والجماعة، إذ قد وقع الخلاف بين الصحابة أنفسهم حول بعض مسائل العقيدة، ولكن لم تكن هذه المسائل من الأمهات والكليات في هذا الباب.
ومن الأمثلة على ذلك:
- اختلافهم في رؤية النبي ﷺ لربه ليلة المعراج، هل وقعت أم لا؟
_________________
(١) ١ العلو للعلي الغفار، للذهبي ص١٢٠. ٢ العقيدة للإمام أحمد رواية أبي بكر الخلال ص٧٣. ٣ تفسير ابن كثير "٣/ ٤٣٤".
[ ٥٧ ]
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وإنما كان النزاع بين الصحابة في أن محمدا هل رأى ربه ليلة المعراج؟ فكان ابن عباس ﵄ وأكثر علماء السنة يقولون: إن محمدا رأى ربه ليلة المعراج: وكانت عائشة ﵂ وطائفة معها تنكر ذلك"١.
- ومن ذلك أيضا: اختلافهم في أنه هل يكون للبدن في القبر عذاب أو نعيم دون الروح أم لا؟
فقد سئل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عن عذاب القبر: هل هو على النفس والبدن، أو على النفس دون البدن؟ فأجاب ﵀: "بل العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعا باتفاق أهل السنة والجماعة، تنعم النفس وتعذب منفردة عن البدن، وتعذب متصلة بالبدن والبدن متصل بها، فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه الحال مجتمعين، كما يكون للروح منفردة عن البدن، وهل يكون العذاب والنعيم للبدن بدون الروح؟ هذا فيه قولان مشهوران لأهل الحديث والسنة والكلام"٢.
وقال: "ومعاد الأبدان متفق عليه عند المسلمين، واليهود والنصارى، وهذا كله متفق عليه عند علماء الحديث والسنة، وهل يكون للبدن دون الروح نعيم أو عذاب؟ أثبت ذلك طائفة منهم، وأنكره أكثرهم"٣.
- ومن ذلك: اختلافهم فيما يوزن يوم القيامة: هل هو العمل، أم صحائف العمل، أم العامل نفسه أي صاحب الأعمال؟ ٤.
وليس مقصودنا في هذا المقام استقصاء مثل هذه المسائل، وإنما المقصود بيان أن بعض مسائل الاعتقاد قد وقع الخلاف عليها بين أهل السنة والجماعة، وإن كانت هذه المسائل -كما سبق- ليست من أصول العقيدة وكلياتها.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى لابن تيمية "٣/ ٣٨٦". ٢ المرجع السابق "٤/ ٢٨٢، ٢٨٣". ٣ المرجع السابق "٤/ ٢٨٤". ٤ انظر: شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز "٢/ ٦٠٨-٦١٣".
[ ٥٨ ]
خامسًا: أهل السنة أحرص الناس على الاتباع والائتلاف، وأبعد الناس عن الافتراق والاختلاف
خامسًا: أهل السنة أحرص الناس على الاجتماع والائتلاف، وأبعد الناس عن الافتراق والاختلاف.
إن اعتصام أهل السنة بالجماعة من أهم أركان منهجهم المبارك.
قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣] .
قال ابن جرير الطبري: "يريد بذلك تعالى ذكره: وتمسكوا بدين الله الذي أمركم به، وعهده الذي عهده إليكم في كتابه إليكم، من الألفة، والاجتماع على كلمة الحق، والتسليم لأمر الله"١.
وروى ابن جرير بأسانيده إلى ابن مسعود ﵁ أنه قال في تفسير "حبل الله" في قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]: "الجماعة"٢، ومثل هذا نقله القرطبي عنه في التفسير٣.
وذكر ابن جرير أقوالًا أخرى عن السلف في تفسير معنى حبل الله، منها: القرآن والإخلاص لله وحده والإسلام٤.
وقال الشوكاني في نفس الآية: "أمرهم الله أن يجتمعوا على التمسك بدين الإسلام
_________________
(١) ١ تفسير الطبري "٤/ ٣٠". ٢ تفسير الطبري "٤/ ٣٠". ٣ المصدر السابق "٤/ ١٥٩". ٤ المصدر السابق "٤/ ٣٠، ٣١".
[ ٥٩ ]
أو بالقرآن، ونهاهم عن التفرق الناشئ عن الاختلاف في الدين"١.
"وهذه الأقوال مؤداها واحد ونتيجتها واحدة، فإن الاعتصام بالقرآن، والإخلاص لله وحده، والتمسك بالإسلام الصحيح الذي جاء به رسول الله ﷺ، كلها مما ينتج عنه تآلف المسلمين واجتماعهم وترابطهم، وتماسك مجتمعهم"٢.
قال ابن القيم ﵀ في حقيقة هذا الاعتصام: "وهو تحكيمه دون آراء الرجال ومقاييسهم، ومعقولاتهم، وأذواقهم، وكشوفاتهم، ومواجيدهم، فمن لم يكن كذلك، فهو منسل من الاعتصام، فالدين كله في الاعتصام به وبحبله، علما وعملا، وإخلاصا واستعانة، ومتابعة، واستمرارًا على ذلك إلى يوم القيامة"٣.
قال ابن المبارك٤:
إن الجماعة حبل فاعتصموا منه بعروته الوثقى لمن دانا
فأهل السنة على الحقيقة هم أهل الجماعة والاجتماع، مع الحرص على ذلك والتواصي به ظاهرا وباطنا.
ولكنهم حين يجتمعون يدعون إلى الاجتماع يضبطون دعوتهم بضابطين هما:
١- الاجتماع على كلمة الحق:
فبدون هذا القيد الضابط لا يكون اجتماع أصلا، فضلا عن أن يكون صحيحا،
_________________
(١) ١ فتح القدير للشوكاني "١/ ٣٦٧". ٢ وجوب لزوم الجماعة وترك التفرق د. جمال بادي ص١٩، ٢٠. ٣ مدارج السالكين لابن القيم "٣/ ٣٢٣". ٤ انظر تفسير القرطبي "٤/ ١٥٩".
[ ٦٠ ]
ذلك أن الباطل وأهله في أمر مريج، لا يقرون على قرار، ولا يهتدون لأمر سواء.
فسبب الاجتماع جمع الدين كله علما وعملا، ونتيجته سعادة الدنيا والآخرة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "إن سبب الاجتماع والألفة جمع الدين والعمل به كله، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، كما أمر به باطنا وظاهرا ونتيجة الجماعة: ﵀ ورضوانه، وسعادة الدنيا والآخرة، وبياض الوجوه"١.
قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٦] .
وقال شيخ الإسلام: "فمتى ترك الناس بعض ما أمرهم الله به وقعت بينهم العداوة والبغضاء، وإذا تفرق القوم فسدوا وهلكوا، وإذا اجتمعوا صلحوا وملكوا، فإن الجماعة رحمة والفرقة عذاب"٢.
وقال: "فإنهم إذا اجتمعوا كانوا مطيعين لله بذلك مرحومين، فلا تكون طاعة الله بفعل لم يأمر الله به من اعتقاد أو قول أو عمل، فلو كان القول أو العمل الذي اجتمعوا عليه لم يأمر الله به، لم يكن ذلك طاعة لله ولا سببا لرحمته"٣.
فأهل السنة مستمسكون بالجماعة، معرضون عن مواضع التفرق والاختلاف، ملتزمون بجمل الكتاب والسنة والإجماع، بعيدون عن مواطن المتشابهات التي تفرق الجمع وتشتت الشمل؛ لأن الجماعة عندهم هي مناط النجاة في الدنيا والآخرة.
وهذا يشهد لصدقه واقع أهل البدع والأهواء المجتمعين على الأصول البدعية، فإن فرقهم الكبرى انشعبت إلى ما لا يحصى عدا من الفرق المتشاكسة المتعاكسة، وهذا
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى "١/ ١٧". ٢ المرجع السابق "٣/ ٤٢١". ٣ المرجع السابق "١/ ١٧".
[ ٦١ ]
ظاهر في الخوارج والروافض -مثلا-، فكل من هاتين الطائفتين، افترقت إلى فرق كثيرة، بعد أن فارقوا الحق وتركوا الاجتماع عليه.
قال شيخ الإسلام: "والبدعة مقرونة بالفرقة، كما أن السنة مقرونة بالجماعة، فيقال أهل السنة والجماعة، كما يقال أهل البدعة والفرقة"١.
وقال الشاطبي ﵀: "وقال جماعة من العلماء: أصول البدع أربعة، وسائر الثنتين والسبعين فرقة عن هؤلاء تفرقوا، وهم: الخوارج، والروافض، والقدرية، والمرجئة"٢.
"وقد ذكر بعض المصنفين أن الروافض انقسموا إلى ثلاث وسبعين فرقة، وأوصلهم بعضهم إلى ثلاثمائة"٣.
٢- مراعاة ضوابط الخلاف:
كما أمر الله تعالى بالاجتماع والاعتصام فقد حذر ونهى عن الافتراق والابتداع، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] .
فحين يقع الخلاف العلمي بين أهل السنة يقع منضبطا بضوابطه التي من أهمها الحرص على الوحدة والائتلاف، وصلاح ذات البين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد كان العلماء من الصحابة والتابعين، ومن
_________________
(١) ١ الاستقامة لابن تيمية "١/ ٤٢". ٢ الاعتصام للشاطبي "٢/ ٢٢٠". ٣ انظر: الملل والنحل للشهرستاني "١/ ١٦٦".
[ ٦٢ ]
بعدهم إذا تنازعوا في الأمر أمر الله تعالى في قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]، وكانوا يتناظرون في المسألة مناظرة مشاورة ومناصحة، وربما اختلف قولهم في المسألة العلمية والعملية، مع بقاء الألفة والعصمة وأخوة الدين"١.
وهذا الأمر مشاهد ملموس في الخلاف الذي ينشأ بين أهل السنة أنفسهم، وبين أهل السنة وأهل البدع، فأما ما يكون بينهم وبين بعضهم فكثير جدًّا، فقد وقع الخلاف بين الصحابة أنفسهم حول بعض مسائل العقيدة، ولكن لم تكن هذه المسائل من الأمهات والكليات في هذا الباب.
وقد سبق من الأمثلة على ذلك:
- اختلافهم في رؤية النبي ﷺ لربه ليلة المعراج، هل وقعت أم لا٢؟
- ومن ذلك أيضا: اختلافهم في أنه هل يكون للبدن في القبر عذاب أو نعيم دون الروح أم لا٣؟
- ومن ذلك: اختلافهم فيما يوزن يوم القيامة: هل هو العمل، أم صحائف العمل، أم العامل نفسه أي صاحب الأعمال؟ ٤.
- ومن ذلك: اختلافهم في الفروع والأأحكام الفقيهة العملية وهو كثير مشهور.
وأما مواقفهم مع غيرهم ممن خالف في الأصول دون الفروع، فيجسده موقف
_________________
(١) ١ المرجع السابق "٢٤/ ١٣٢". ٢ مجموع الفتاوى لابن تيمية "٣٨٦". ٣ المرجع السابق "٤/ ٢٨٢، ٢٨٣". ٤ انظر: شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز "٢/ ٦٠٨-٦١٣".
[ ٦٣ ]
ابن عباس مع الخوارج ورحمته بهم ونقاشه معهم، الذي كان سببا في رجوع ألفين منهم إلى ساحة السنة، وإلى طريق الجماعة.
وكذا إمام أهل السنة الإمام أحمد في موقفه من مخالفيه، وعبد العزيز الكناني، ولقد حذا حذوهم شيخ الإسلام ابن تيمية، ﵏ جميعًا.
وهم مع هذا كانوا أحرص الناس على جمع الكلمة، ووحدة الصف وإصلاح ذات البين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "تعلمون أن من القواعد العظيمة التي هي من جماع الدين: تأليف القلوب، واجتماع الكلمة، وصلاح ذات البين، فإن الله تعالى يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١] "١.
ثم إنه من لوازم الاجتماع والدعوة إليه النهي عن الفرقة وأسبابها، قال الإمام القرطبي: "وقال ابن عباس ﵁ لسماك الحنفي: يا حنفي، الجماعة الجماعة، فإنما هلكت الأمم السابقة لتفرقها، أما سمعت الله ﷿ يقول: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] "٢.
وقد مر قول ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوه﴾ [آل عمران: ١٠٦]: "تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة"٣.
وقال ابن وهب: "سمعت مالكا يقول: ما آية في كتاب الله أشد على أهل الاختلاف من أهل الأهواء من هذه الآية: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ
_________________
(١) ١ المرجع السابق "٢٨/ ٥٠". ٢ تفسير القرطبي "٤/ ١٦٤". ٣ تفسير ابن كثير "١/ ٣٩٠".
[ ٦٤ ]
اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٦] . قال مالك: فأي كلام أبين من هذا؟ فرأيته يتأولها لأهل الأهواء، ورواه ابن القاسم وزاد: قال مالك: إنما هذه الآية لأهل القبلة"١.
_________________
(١) ١ الاعتصام للشاطبي "٢/ ٢٩٠".
[ ٦٥ ]
سادسًا: أهل السنة أعلم الناس بسنة رسول الله ﷺ وأتبعهم:
أهل السنة هم أعلم الناس بأحوال صاحبها ﷺ وأقواله وأفعاله، وأعظمهم حبة وموالاة لها ولأهلها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن أحق الناس بأن تكون هي الفرقة الناجية: أهل الحديث والسنة، الذين ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسول الله ﷺ، وهم أعلم الناس بأقواله وأحواله، وأعظمهم تمييزا بين صحيحها وسقيمها، وأئمتهم فقهاء فيها، وأهل معرفة بمعانيها واتباع لها، تصديقا وعملا، وحبا وموالاة لمن والاها، ومعاداة لمن عاداها، الذين يردون المقالات المجملة إلى ما جاء به من الكتاب والحكمة"١.
وقال الإمام أبو نصر السجزي: "ولا خلاف بين العقلاء في أن سنة رسول الله ﷺ لا تعلم بالعقل، وإنما تعلم بالنقل"٢.
"فكل مدع للسنة يجب أن يطالب بالنقل الصحيح بما يقوله، فإن أتى بذلك علم صدقه وقبل قوله، وإن لم يتمكن من نقل ما يقوله عن السلف علم أنه محدث زائغ"٣.
ولا عجب في ذلك، فأهل السنة هم أصحاب الحديث، رواية ودراية، علما وعملا، ولذلك فإننا نجد -كما سبق- أن بعض أئمة السلف فسر الطائفة المنصورة
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى "٣/ ٣٤٧". ٢ الرد على من أنكر الحرف والصوت لأبي نصر السجزي ص٩٩. ٣ المرجع السابق ص١١١.
[ ٦٥ ]
والفرقة الناجية، أهل السنة والجماعة بأنهم أصحاب الحديث.
ويقول الإمام أحمد في بيان منهج الاتباع: "وليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول والأهواء، إنما هي الاتباع، وترك الهوى"١.
وقال شيخ الإسلام في هذا المعنى: "ثم من طريقة أهل السنة والجماعة اتباع آثار رسول الله ﷺ باطنا وظاهرا، واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، واتباع وصية رسول الله ﷺ حيث قال: "عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" ٢، ويعلمون أن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، ويؤثرون كلام اللخ على غيره من كلام أصناف الناس، ويقدمون هدي محمد ﷺ على هدي كل أحد، وبهذا سموا أهل الكتاب والسنة، وسموا أهل الجماعة؛ لأن الجماعة هي الاجتماع وضدها الفرقة"٣.
فمعيار الانتساب كما يقرره العلماء هو اتباع المنهج أصولا وفروعا، وكلما تحقق العبد بهذه الأصول والفروع علما وعملًا، ودعوة وتطبيقا، كان أولى بهذا الاسم وتلك النسبة الشريفة.
قال شيخ الإسلام: "قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠] فجعل التابعين لهم بإحسان مشاركين لهم فيما ذكر من الرضوان والجنة فمن اتبع السابقين الأولين كان منهم، وهم خير
_________________
(١) ١ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي "١/ ١٥٦". ٢ سبق تخريجه. ٣ مجموع الفتاوى "٣/ ١٥٧".
[ ٦٦ ]
الناس بعد الأنبياء، فإن أمة محمد ﷺ خير أمة أخرجت للناس، وأولئك خير أمة محمد ﷺ.. ولهذا كان معرفة أقوالهم في العلم والدين وأعمالهم، خيرًا وأنفع من معرفة أقوال المتأخرين وأعمالهم في جميع علوم الدين وأعماله فإنهم أفضل ممن بعدهم كما دل عليه الكتاب والسنة، فالاقتداء بهم خير من الاقتداء بمن بعدهم، ومعرفة إجماعهم ونزاعهم في العلم والدين، خير وأنفع من معرفة ما يذكر من إجماع غيرهم ونزاعهم، وذلك أن إجماعهم لا يكون إلا معصومًا، وإذا تنازعوا فلا يخرج الحق عنهم، فيمكن طلب الحق في بعض أقاويلهم، ولا يحكم بخطأ قول من أقاويلهم حتى يعرف دلالة الكتاب والسنة على خلافه "١.
وقال في وصف أهل السنة والجماعة: "وهم يزنون بهذه الأصول الثلاثة -أي: الكتاب والسنة وإجماع السلف- جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال باطنة أو ظاهرة، مما له تعلق بالدين"٢.
وهذا كلام جامع مانع في شأن المنهاج، حيث تتجلى فيه وبوضوح مصادر التلقي المعصومة عند أهل السنة، كما تبرز شمولية هذا المنهج لما عليه الناس في شأن الاعتقاد وشأن العبادات، وشأن العلم والعمل جميعا، لا فرق في ذلك بين عمل القلب وعمل الجوارح ما دام ذلك كله له تعلق بالدين.
وكما أنهم ﵃ أتبع الناس لرسول الله ﷺ، فإن من سنتهم الاقتداء بالصحابة المرضيين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
وقد تقدم قوله ﷺ: "عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي" ٣.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى "١٣/ ٢٣-٢٧". ٢ العقيدة الواسطية لابن تيمية ص٤٧. ٣ سبق تخريجه.
[ ٦٧ ]
وهذا معلم أصيل من معالم أصحاب الصراط السوي، ألا وهو اقتداء الآخر بالأول، واللاحق بالسابق، من أهل النجاة والسلامة والإحسان.
ولذا عبر بعض العلماء عن معنى الجماعة في الأحاديث، فقال: "هم الصحابة ومن تبعهم بإحسان"، كما قرر ذلك الشاطبي في أول كتابه الاعتصام، حيث قال: "الجماعة ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه والتابعون لهم بإحسان"١.
ومعنى القدوة في الصحابة أكده ابن مسعود ﵁ حين قال: "من كان منكم مستنا فيستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محد ﷺ، كانوا أفضل هذه الأمة، أبرها قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم، فإنهم كانوا على الهدي المستقيم"٢.
وعلى هذا درج الصالحون من أسلافنا المباركين، يوصون بهذه الوصية الجامعة لخير الدنيا والآخرة.
فهذا ابن المبارك ﵀ يسأل عن الجماعة: من هم؟ فيقول: "أبو بكر وعمر" إشارة منه بأنهم القدوة لغيرهم من الأمة علما وعملا، وأنهم أفضل الأمة بعد نبيها ﷺ باتفاق، فيقال له: "قد مات أبو بكر وعمر"، فيقول: "فلان وفلان"، فيقال له: "قد مات فلان وفلان"، فقال ابن المبارك: "أبو حمزة السكري جماعة"، فوصف رجلا دينا عالما تتمثل فيه القدوة لأهل زمانه، وهذا المسلك في البيان عن الجماعة من ابن المبارك من قبيل إفراد فرد من العام بالذكر،
_________________
(١) ١ الاعتصام للشاطبي "١/ ٢٨". ٢ جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر "٢/ ٩٧"، وانظر: ذم التأويل لابن قدامة "ص/ ٣٢"، وتحريم النظر في كتب الكلام له أيضًا ص٤٤.
[ ٦٨ ]
وهذا لا يخصص العام بهذا الفرد كما تقرر ذلك قواعد الأصول، فليس معناه أنه لا يوجد أحد يدخل في معنى الجماعة زمن ابن المبارك إلا أبو حمزة السكري، وإنما أراد ﵀ التنبيه بالمثال ليتضح المقال، ويسهل الفهم على السائل.
فأراد ابن المبارك أن يفسر الجماعة بمن اجتمعت فيه صفات الاتباع للكتاب والسنة، وهذا تعريف بالمثال.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن التعريف بالمثال قد يسهل أكثر من التعريف بالحد المطابق"١.
وعلى هذا المنهج في بيان القدوة في أهل السنة، اقتفى أبو يعقوب -إسحاق بن راهويه- أثر ابن المبارك حين سئل عن السواد الأعظم: من هم؟ قال: "محمد بن أسلم وأصحابه ومن تبعهم"٢.
فذكر رجلا من أصحاب الحديث وعلماء السنة، قال عنه ابن القيم ﵀: "الإمام المتفق على إمامته، مع رتبته، أتبع الناس للسنة في زمانه، حتى قال ﵀: ما بلغني سنة عن رسول الله إلا عملت بها"٣.
"فمن كان من العلماء مستمسكا بالأثر، وسالكا طريق الأولين من الصحابة والتابعين، اعتبره بعض العلماء هو الجماعة، وأوجبوا على الأمة متابعته، وأنه الجماعة التي يجب لزومها؛ لأن العلماء يمثلون المنهج، وهم القدوة للأمة"٤.
ومن تأمل مقولات السلف السابقة، علم أن العبرة والاعتداد في حصول القدوة،
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى "١٣/ ٣٣٨". ٢ الاعتصام للشاطبي "٢/ ٢٦٧". ٣ إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان لابن القيم "١/ ٧٠". ٤ وجوب لزوم الجماعة وترك التفرق د. جمال بادي ص١٠٤.
[ ٦٩ ]
هو الاستمساك بالحق المدلول عليه بالكتاب والسنة، ومنهج الصحابة وسلف الأمة، وأن الكثرة والقلة لا تأثير لها.
فإن الله تعالى قال: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُور﴾ [سبأ: ١٣] .
وقال سبحانه عن إبراهيم ﵇: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠]، فسماه الحق تعالى أمة، مع أنه كان على الحق وحده.
وقال أبو شامة رحمه الله تعالى: "وحيث جاء الأمر بلزوم الجماعة فالمراد به: لزوم الحق واتباعه، وإن كان المتمسك بالحق قليلا والمخالف كثيرا؛ لأن الحق الذي كانت عليه الجماعة الأولى من النبي ﷺ وأصحابه ﵃، ولا ينظر إلى كثرة أهل الباطل بعدهم"١.
واستدل أبو شامة لما قاله بما أورده عن ابن مسعود قال: "إن جمهور الناس فارقوا الجماعة، وإن الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك"٢.
وقال نعيم بن حماد: "إذا فسدت الجماعة، فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد، وإن كنت وحدك، فإنك أنت الجماعة حينئذ"٣.
ويؤكد ابن القيم هذا المعنى فيقول: "وقد شذ الناس كلهم زمن أحمد بن حنبل، إلا نفرا يسيرا، فكانوا هم الجماعة، وكانت القضاة حينئذ والمفتون والخليفة وأتباعه كلهم هم الشاذون، وكان الإمام أحمد وحده هو الجماعة"٤.
قال ابن القيم: "واعلم أن الإجماع والحجة والسواد الأعظم هو العالم صاحب
_________________
(١) ١ الباعث على إنكار البدع والحوادث لأبي شامة ص٢٢. ٢ المصدر السابق ص٢٢، وإعلام الموقعين لابن القيم "٣/ ٣٩٧"، وصححه الألباني في المشكاة "١/ ٦١". ٣ الباعث لأبي شامة ص٢٢، وإعلام الموقعين لابن القيم "٣/ ٣٩٧". ٤ إعلام الموقعين لابن القيم "٣/ ٣٩٧".
[ ٧٠ ]
الحق وإن كان وحده، وإن خالفه أهل الأرض.. الشاذ وما خالف الحق وإن كان الناس كلهم عليه، إلا واحدا منهم فهم الشاذون".
وأخيرا فإن أعظم دلالة على واقعية هذا المنهج وقابليته للتطبيق، وإن أيسر وسيلة للحمل على الاتباع والسلوك هو ظهور القدوة التي تمثل هذا المنهج، واستشعار الأجيال على ما بينها من تباعد زماني ومكاني صلة متينة ووشيجة من وشائج القربى بين السالف واللاحق، وتأسيا واقتداء بعمل وعمل وخلق من سبق بالفضل علمه، وبالكمال عمله، وبالتمام خلقه. أولئكم هم السلف الصالح رضوان الله عليهم جميعا.
[ ٧١ ]
سابعًا: أهل السنة يجمعون بين واجب الاجتماع على الأئمة وأهل الحل والعقد من الأمة
سابعًا: أهل السنة يجمعون بين واجب الاتباع، وواجب الاجتماع على الأئمة وأهل الحل والعقد من الأمة:
لا يخفى أن التمسك بالسنة والمحافظة على الجماعة كلاهما مقصود للشارع، ولهذا كانت الفرقة الناجية من بين زحام الفرق الهالكة هم أهل السنة والجماعة، أهل السنة بتمسكهم بالحق واستقامتهم عليه ودعوة الناس إليه، وأهل الجماعة بلزومهم لجماعة المسلمين، والتزام الطاعة لأولي الأمر في غير معصية.
ولهذا أيضا أمرت الشريعة بالإنكار على أئمة الجور، وعدم تصديقهم على كذبهم، أو إعانتهم على ظلمهم، محافظة على السنة، وأمرت بعدم الخروج عليهم، والتزام الطاعة في غير معصية، محافظة على الجماعة.
لذا كان منهج أهل السنة والجماعة هو الموازنة بين هذين الأمرين: المحافظة على السنة، والمحافظة على الجماعة، فلا يؤدي التزامهم بالطاعة لأهل الحل والعقد إلى الجور على السنة أو إقرار ما يخالفها، أو كتمان الحق والتدليس على الأمة، بل بيان الحق، وبذل النصيحة، والإنكار على المخالف بما لا يؤدي إلى مفسدة أعظم.
[ ٧١ ]
ولا يعني التزامهم بالسنة وإنكارهم على المخالف الخروج عن الطاعة أو مفارقة الجماعة، بل الأمر بالمعروف والنهي مع لزوم الجماعة، والانقياد لها بالطاعة هو منهج أهل الحق، أهل السنة والجماعة.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "إن الطريقة الوسطى التي هي دين الإسلام المحض، جهاد من يستحق الجها -كهؤلاء القوم المسئول عنهم١- مع كل أمير وطائفة هي أولى بالإسلام منهم، إ ذا لم يكن جهادهم إلا كذلك، واجتناب إانة الطائفة التي يغزو معها على شيء من معاصي الله، بل يطيعهم في طاعة الله، ولا يطيعهم في معصية الله، إذ لا طاعة في لمخلوق في معصية الخالق.
وهذه طريقة خيار الأمة قديما وحديثا، وهي واجبة على كل مكلف، وهي متوسطة بين طريقة الحرورية وأمثالهم ممن يسلك مسلك الورع الفاسد الناشئ عن قلة العلم، وبين طريقة المرجئة، وأمثالهم ممن يسلك مسلك طاعة الأمراء مطلقا وإن لم يكونوا أبرارًا"٢.
وقد ضرب إمام أهل السنة -الإمام أحمد ﵀- أروع الأمثلة في تطبيق هذا المنهج العظيم، وذلك في فتنة القول بخلق القرآن.
فلم يؤد التزامه بالطاعة لأولي الأمر إلى الجور على السنة أو إقرار ما يخالفها، أو كتمان الحق والتدليس على الأمة، بل أعلن الحق، وأظهر السنة، ونصح لله ولرسوله ﷺ، ولأئمة المسلمين وعامتهم، وبذل نفسه رخيصة في سبيل ذلك.
ومن ناحية أخرى، لم يدفعه التزامه بالسنة والمحافظة عليها، والإنكار على المخالف إلى الخروج عن الجماعة أو الطاعة، بل رفض كل المحاولات التي قام بها
_________________
(١) ١ يعني: التتار. ٢ المرجع السابق "٢٨/ ٥٠٨".
[ ٧٢ ]
أصحابها ليحملوه على الخروج على السلطان، بل وأكثر من هذا أنه كان يدعو للإمام -الذي يذيقه ألوان العذاب- لينصره الله على أعدائه من الكفار.
[ ٧٣ ]
ثامنا: أهل السنة يوالون بالحق ويعادون بالحق ويحكمون بالحق:
أهل السنة والجماعة ولاؤهم للحق وحده، ومن هذا المنطلق فإنهم ينظرون إلى كل فرد أو طائفة أو تجمع على هذا الأساس وحده، وليس على أساس من التعصب الجاهلي للقبيلة، أو المدينة أو المذهب، أو الطريقة، أو التجمع، أو الزعامة.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "وليس لأحد أن يعلق الحمد والذم، والحب والبغض، والموالاة والمعاداة، والصلاة واللعن، بغير الأسماء التي علق الله بها ذلك، مثل: أسماء القبائل، والمدائن، والمذاهب، والطرائق المضافة إلى الأئمة والمشايخ، ونحو ذلك مما يراد به التعريف فمن كان مؤمنا وجبت موالاته من أي صنف كان، ومن كان كافرا وجبت معاداته من أي صنف كان ومن كان فيه إيمان وفيه فجور، أعطي من الموالاة بحسب إيمانه، ومن البغض بحسب فجوره"١.
وأهل السنة والجماعة لا يمتحنون الناس بأمور ما أنزل الله بها من سلطان، ولا يتعصبون لأسماء أو شعارات، أو تجمعات، أو زعامات، بل يوالون ويعادون على أساس الدين والتقوى، ولا يتعصبون إلا لجماعة المسلمين بمعناها الشرعي، وهي الجماعة التي ترفع راية القرآن والسنة، وهدي السلف الصالح ﵃.
قال شيخ الإسلام ﵀: "فالواجب الاقتصار في ذلك، والإعراض عن ذكر يزيد بن معاوية وامتحان المسلمين، فإن هذا من البدع المخالفة لأهل السنة والجماعة، وكذلك التفريق بين الأمة وامتحانها بما لم يأمر الله به ولا رسوله، مثل: أن يقال للرجل:
_________________
(١) ١ المصدر السابق "٢٨/ ٢٢٧-٢٢٩".
[ ٧٣ ]
أنت شكيلي أو قرفندي؟ فإن هذه أسماء باطلة ما أنزل الله بها من سلطان"١.
وقال ﵀: "فكيف يجوز مع هذا لأمة محمد ﷺ أن تفترق وتختلف، حتى يوالي الرجل طائفة ويعادي أخرى بالظن والهوى بلا برهان من الله تعالى، وقد برأ الله نبيه ﷺ ممن كان هكذا، فهذا فعل أهل البدع كالخوارج الذين فارقوا جماعة المسلمين واستحلوا دماء من خالفهم، وأما أهل السنة والجماعة فهم معتصمون بحبل الله، وأقل ما في ذلك أن يفضل الرجل من يوافقه على هواه، وإن كان غيره أتقى لله منه!
وكيف يجوز التفريق بين الأمة بأسماء مبتدعة لا أصل لها في كتاب الله، ولا سنة رسوله ﷺ؟ "٢.
_________________
(١) ١ المصدر السابق "٣/ ٤١٤". ٢ المصدر السابق "٣/ ٤١٩-٤٢١".
[ ٧٤ ]
تاسعًا: أهل السنة أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
أهل السنة والجماعة هم أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ هو من أعظم
أصول الدين، ولكنهم يقومون به على ما توجبه الشريعة، فيلتزمون في نفس
الوقت أصلًا آخر، وقاعدة أخرى عظيمة، هي الحفاظ على الجماعة، وتأليف
القلوب واجتماع الكلمة، ونبذ التفرق والاختلاف.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة، ويرون إقامة الحج والجهاد، والجمع والأعياد مع الأمراء -أبرارًا كانوا أو فجارًا-، ويحافظون على الجماعات، ويدينون بالنصيحة للأمة"١.
وقال ﵀: "من الأمر بالمعروف: الأمر بالائتلاف والاجتماع، والنهي عن الاختلاف والفرقة"٢.
_________________
(١) ١ المصدر السابق "٣/ ١٥٨". ٢ المصدر السابق "٣/ ٤٢١".
[ ٧٤ ]
فأهل السنة قد حملوا على عاتقهم مهمة مقاومة المنكر، وجهاد الدعاة إليه من المنافقين ومن آزرهم من الفاسقين، والعمل على إضعاف شأن أهل الريب والفساد، تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] .
فهم -من بين سائر الناس- قد نذروا أنفسهم لمحاربة المنكرات وأهلها، وإنكارها، وبيان حرمتها وخطرها، وأمر الناس بضدها من الخير والبر والمعروف.
وإذا كان الله ﷿ قد علق خيرية هذه الأمة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان به ﷾، كما في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، كما أنه سبحانه قد امتدح المؤمنين بقيامهم بهذا الواجب العظيم، كما ورد ذلك في قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١]، إذا كان ذلك كذلك، فلا شك أن أهل السنة والجماعة هم أصحاب القدح المعلى، والنصيب الأوفر في هذا الباب، إذ هم خير هذه الأمة وأفضلها.
ومن اطلع على سيرة أئمة أهل السنة وتاريخهم ظهر له هذا الأمر واضحا جليا، وعلم أن أهل السنة لا يتركون هذا الواجب حتى لو أصابهم الأذى في سبيل ذلك.
ومن ذلك ما روي أن محمد بن المنكدر، وأصحاب له كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ونالهم في ذلك الأذى من السلطان١.
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يخرج بتلاميذه، فيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويدورون على الخمارات والحانات، فيكسرون أواني الخمور،
_________________
(١) ١ انظر: الجامع للقيرواني ص١٥٥.
[ ٧٥ ]
ويشققون الظروف، ويعزرون أهل الفواحش١. وقد قاموا بتأديب أهل الجبل المعروفين بالنصيرية، وألزموهم بأحكام الإسلام الظاهرة.
كما كان له ﵀ ولأتباعه دور عظيم في دفع التتار عن الشام، وهزيمتهم في وقعة "شقحب" وغيرها٢، وله موقفه العظيم المعروف مع السلطان حين تأخر عن المجيء إلى دمشق مع اقتراب التتر منها٣.
ولا يزال أعلام وأئمة أهل السنة على هذا الدرب سائرين، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، فهو جهاد الدعوة الدائم، ودورها الذي لا قيام للدين بدونه، ولا اعتصام بحبل الله إلا على هداه.
_________________
(١) ١ انظر: البداية والنهاية لابن كثير "١٤/ ١١". ٢ المصدر السابق "١٤/ ٨-١٠، ١٣-١٥، ٢١-٢٤". ٣ انظر: المصدر السابق، والذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب "٢/ ٣٩٥-٣٩٦".
[ ٧٦ ]
عاشرًا: أهل السنة لا يتخلون عن واجب، ولا تزال طائفة منهم قائمة به إلى قيام الساعة:
الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام، ومن أعظم أصول الدين، وهو شريعة ماضية إلى يوم القيامة، ولا تزال الطائفة المنصورة قائمة به، تقالت في سبيل نصرة اهذا الدين، لا تتخلى عن هذا الأمر، حتى يقاتل آخرها المسيح الدجال.
وقد وردت هذه المعاني كلها عن رسول الله ﷺ.
فمما ورد في استمرار الجهاد وبقائه إلى يوم القيامة، ما رواه ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: "الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة" ١، ورواه عروة بن أبي الجعد البارقي عن النبي ﷺ قال: "الخيل معقود في نواصيها إلى يوم القيامة: الأجر، والمغنم" ٢.
_________________
(١) ١ روه البخاري "٢٨٤٩"، ومسلم "١٨٧١" من حديث عبد الله بن عمر ﵄. ٢ رواه البخاري "٢٨٥٢"، ومسلم "١٨٧٣" من حديث عروة البارقي ﵁.
[ ٧٦ ]
قال الإمام أحمد ﵀: "وفقه هذا الحديث أن الجهاد مع كل إمام إلى يوم القيامة"١.
ومما ورد في حمل أهل السنة لراية الجهاد إلى يوم القيامة ما رواه جابر بن سمرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لن يبرح هذا الدين قائما، يقاتل عليه عصابة من المسلمين، حتى تقوم الساعة" ٢.
وعن جابر بن عبد الله ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تزال طائفة من أمتي، يقاتلون على الحق، ظاهرين إلى يوم القيامة" ٣.
وعن عمران بن حصين ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين على من ناوأهم، حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال" ٤.
فهذه الروايات -وغيرها- تبين أن الطائفة المنصورة أهل السنة والجماعة لا تقف عند حد جهاد الكلمة، ببيان الحق، والدعوة إليه بالحسنى، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل من خصائصها أيضا القيام بواجب الجهاد في سبيل الله، وقتال أعداء الله من الكفار والمنافقين وغيرهم، وهم في جهاد مستمر مع أعداء الدين لا ينقطع بحال من الأحوال إلى يوم القيامة، حتى يقاتلوا المسيح الدجال.
وإذا كان هذا حالها، فإنها تنتقل من معركة إلى معركة، ومن ميدان إلى ميدان، تدال على أعدائها فتشكر، ويدالون عليها فتصبر، ولا يخطر ببالها اعتزال الميدان أو ترك الجهاد.
_________________
(١) ١ سنن الترمذي "٤/ ٢٠٢". ٢ رواه مسلم "١٩٢٢". ٣ سبق تخريجه. ٤ رواه أحمد "١٩٤١٩"، وأبو داود "٢٤٨٤"، ورواه الحاكم "٢٣٩٢" من حديث عمران بن حصين ﵁، وصححه الحاكم، والشيخ الألباني في صحيح الجامع "٧٢٩٤".
[ ٧٧ ]
وهذا لا يعارض ما وجد ويوجد في بعض الأمكنة والأزمنة من ترك الجهاد، مما أخبر به النبي ﷺ، وحذر منه، فوقع في الأمة كما أخبر.
فعن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم" ١.
فإننا كما نجد مصداق قول النبي ﷺ في واقع الأمة في الأزمنة المتأخرة، من الإخلاد إلى الأرض، وترك الجهاد، والرضى بالزرع، والتبايع بالربا، وتسلط الأعداء، ونزع المهابة، وإصابتها بالوهن، نجد أيضا مصداق ما أخبر به ﷺ من دوام الجهاد واستمراره، وبقاء طائفة من أمته يقاتلون على الحق ظاهرين.
فلا تكاد راية الجهاد تسقط من يد إلا وتتلقفها أيادي أخرى، مصداقا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِم﴾ [المائدة: ٥٤] .
ومقتضى هذا الوعد ألا يزال في الأمة مؤمنون مجاهدون، باذلون، صابرون في سبيل الله لا يخافون لومة لائم، وهؤلا هم الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة.
_________________
(١) ١ رواه أبو داود "٣٤٦٢"، وأبو يعلى في مسنده برقم "٥٦٥٩"، والبيهقي في السنن الكبرى "١٠٤٨٤، وقد صححه ابن القيم في تعليقه عل مختصر سنن أبي داود، والشيخ الألباني في صحيح الجامع "٤٢٣".
[ ٧٨ ]
حادي عشر: أهل السنة أكرم الناس أخلاقا، موصوفون بالاستقامة في الهدي والسمت والسلوك الظاهر:
قال الله ﷿ مادحا نبيه ﷺ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، وقال ﷺ:
"إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" ١، وقد ندبنا الله ﷿ إلى الاقتداء برسوله ﷺ، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] .
إن أهل السنة والجماعة هم حملة ميراث النبوة في جانبيها العلمي والعملي، ولا شك أن أبرز الجوانب العملية في الهدي النبوي هو الجانب الأخلاقي، ولذلك فإن أخلاق النبوة -من الرحمة، ومحبة الخير للناس، واحتمال أذاهم، والصبر على دعوتهم، هي المنبع الذي يستقي منه أهل السنة خصائصهم السلوكية والأخلاقية، والتي لا تقل أهمية في منظور الحق عن ميراث العلم والهدى الذي اختص به الله هذه الفرقة الناجية بفضله ورحمته.
قال شيخ الإسلام: "الرسول ﷺ بعثه الله تعالى هدى ورحمة للعالمين، فإنه كما أرسله بالعلم والهدى والبراهين العقلية والسمعية، فإنه أرسله بالإحسان إلى الناس، والرحمة لهم بلا عوض، وبالصبر على أذاهم واحتماله، فبعثه بالعلم والكرم والحلم، عليم هاد، كريم محسن، حليم صفوح فهو يعلم، ويهدي، ويصلح القلوب، ويدلها على صلاحها في الدنيا والآخرة بلا عوض. وهذا نعت الرسل كلهم وهذه سبيل من اتبعه وكذلك نعت أمته بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، قال أبو هريرة: كنتم خير الناس للناس: تأتون بهم في السلاسل حتى تدخلوهم الجنة، فيجاهدون ويبذلون أنفسهم وأموالهم، لمنفعة الخلق وصلاحهم، وهم يكرهون ذلك
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد "٨٧٢٩"، والبخاري في الأدب المفرد "٢٧٣"، والتاريخ الكبير "٨٣٥"، والحاكم في المستدرك "١٣"، والبيهقي في السنن الكبرى "١٠/ ١٩١، ١٩٢"، من حديث أبي هريرة ﵁، وصححه الحاكم، وابن بد البر في التمهيد "٢٤/ ٣٣٣، ٣٣٤"، والألباني في صحيح الجامع "٢٣٤٩". قال فضل الله الجيلاني: "لا يكون دين من الأديان خاليا من مكارم الأخلاق، لكن لم تكن الأخلاق الكريمة مجموعة كلها في دين من الأديان السابقة حتى جمع الله في دين الإسلام كل ما كان من أخلاق حسنة في أي دين، فهذا معنى: $"أتمم مكارم الأخلاق".. أي: أبلغ نهايتها" باختصار من فضل الله الصمد شرح الأدب المفرد "١/ ٢٧١".
[ ٧٩ ]
لجهلهم، كما قال أحمد في خطبته: الحمد الله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وأقبح أثر الناس عليهم، إلى آخر كلامه وهو ﷾ يحب معالي الأخلاق ويكره سفاسفها، وهو يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات. وقد قيل أيضا: وقد يحب الشجاعة ولو على تقل الحيات، ويحب السماحة ولو بكف من تمرات"١.
وقال أيضا: "يأمرون بالصبر عند البلاء والشكر عند الرخاء، والرضا بمر القضاء، ويدعون إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ويعتقدون معنى قوله ﷺ: "أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا" ٢، ويندبون إلى أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، ويأمرون ببر الوالدين، وصلة الأرحام، وحسن الجوار، والإحسان إلى اليتامى، والمساكين وابن السبيل، والرفق بالمملوك، وينهون عن الفخر والخيلاء والبغي، والاستطالة عى الخلق بحق أو بغير حق، ويأمرون بمعالي الأخلاق وينهون عن سفاسفها، وكل ما يقولونه، أو يفعلونه من هذا أو غيره، فإنما هم فيه متبعون للكتاب والسنة"٣.
وقد تميز أهل السنة بهذه الخصلة الجميلة -كرم الخلق وحسن الهدي والسمت، وحرصوا عليها أشد الحرص.
قال ابن سيرين: "كانوا يتعلمون الهدي كما يتعلمون العلم"٤.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى "١٦/ ٣١٣-٣١٧". ٢ أخرجه أحمد "٧٣٥٤"، والدارمي "٢٧٩٢"، والترمذي "١١٦٢"، من حديث أبي هريرة ﵁. وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، وصححه الألباني في صحيح الجامع "١٢٣٠". ٣ مجموع الفتاوى "٣/ ١٥٨". ٤ الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي "١/ ٧٩".
[ ٨٠ ]
وقال حبيب بن الشهيد لابنه: "يا بني ائت الفقهاء والعلماء، وتعلم منهم، وخذ من أدبهم وأخلاقهم، وهديهم، فإن ذاك أحب إلي لك من كثير من الحديث"١.
فاقتدى السلف الصالح ﵃ برسول الله ﷺ، وتخلقوا بأخلاقه، وامتثلوا ما أمرهم به، وانتهوا عما نهاهم عنه، وكانوا كما قال الله ﷿: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] .
قال الإمام مالك ﵀: "بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة الذين فتحوا الشام قالوا: والله لهؤلاء خير من الحواريين فيما بلغنا"٢.
وقال الحسن البصري: "إن كان الرجل ليخرج في أدب نفسه السنتين ثم السنتين"٣.
وقيل للشافعي: كيف شهوتك للأدب؟ فقال: أسمع بالحرف منه مما لم أسمعه، فتود أعضائي أن لها أسماعا فتنعم به، قيل: وكيف طلبك له؟ قال: طلب المرأة المضلة ولدها وليس لها غيره٤.
وذكر الذهبي أن مجلس الإمام أحمد -﵀- خمسة آلاف، خمسمائة يكتبون، والباقون يستمدون من سمته وخلقه وأدبه٥.
_________________
(١) ١ المصدر السابق "١/ ٨٠". ٢ تفسير ابن كثير "٤/ ٢٠٥". ٣ تذكرة السامع والمتكلم ص٢. ٤ سير أعلام النبلاء "١١/ ٣١٦". ٥ سير أعلام النبلاء "١١/ ٣١٦".
[ ٨١ ]
الفصل السادس: الانتساب لأهل السنة والجماعة:
إن تحقيق انتساب الفرد والطائفة إلى أهل السنة والجماعة هو أعظم المهمات، فهو طريق النجاة والعصمة في الدنيا من الفرقة والبدعة وذهاب الريح، وهو طريق النجاة في الآخرة من العذاب والتباب، قال جل وعلا: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] .
والتحقيق أنه طريق الإسلام المستقيم، وهو منهجه القويم، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] .
وقد فسر الصراط المستقيم بالسنة والجماعة١.
فالانتساب إلى أهل السنة والجماعة، والسلف الصالح، يعني الانتساب إلى الإسلام الصافي عن شوائب البدع، ومخالفات الفرق.
وإن كل من رضي الله بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ نبيا ورسولا، مقبلا على الألتزام بالإسلام جملة، وعلى تحكيم شريعته استسلاما وانقيادا، وبرئ من تبني مذهب بدعي، أو الانتساب إلى فرقة ضالة، أو اعتماد أصل كلي من أصول البدع، فهو من أهل السنة والجماعة إجمالًا، وهذا يشمل عوام المسلمين الذين لم ينضووا تحت راية بدعية، ولم يكثروا سواد فرقة غير مرضية.
فهذا القدر يحقق انتسابا إجماليا تصح به النسبة إلى أهل السنة والجماعة.
_________________
(١) ١ الإتقان في علوم القرآن السيوطي "٢/ ٤٦٩"، وله تفسيرات أخرى ذكرها أهل التفسير كالطبري والقرطبي وغيرهما.
[ ٨٣ ]
وتتجلى أهمية هذا الانتساب وتظهر ثمراته في أمور منها:
أن ضبط أصول أهل السنة والتمسك بها عصمة من الاضطراب والتخبط العلمي والعملي، وفي ذلك ما لا يخفى من حفظ الدين من أنواع التحريف كافة، ومواجهة التيارات البدعية المنحرفة، سواء القديمة منها أو المعاصرة.
والانتماء الصادق إلى هذه الطائفة المباركة هو في حقيقته سبب وسبيل قاصد لوحدة العاملين في حقل الدعوة إلى الله ﷿ في كل زمان ومكان؛ لأن الاجتماع على هذا الانتماء أنجح وأنفع من الاجتماع على راية حزبية، أو دعوة إقليمية؛ لأنه اجتماع على منهج الحق والاتباع، وليس على حساب الحق والاتباع.
ثم إن شرف تجديد الدين الذي أخبر به خاتم الأنبياء والمرسلين لا يتأتى على وجهه الأكمل، وصورته المثلى إلا من الفرقة لاناجية، والطائفة المنصورة أهل السنة والجماعة، إذ فيهم الأئمة المتقون، ومنهم المجددون السلفيون المصلحون.
وبناء على ما تقدم فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: بم يتحقق صدق الانتساب وتمامه، إذا تحققه أصله وأساسه؟
هل يتحقق ذلك بإثارة قضية، أو قضايا ناقشها السلف وعالجوها في كتبهم ومقالاتهم في زمانهم وفقط!
أم يتأكد بإظهار محبتهم، والترضي عنهم، وتعطير المجالس بذكرهم وحسب!
أو لعل هذا الانتساب يكون بتبني كتبهم والتوافر على قراءتها وتدريسها، دون غيرها!
أم أن الانتماء لهم يتحقق بمجرد التسمي باسم "أهل السنة والجماعة"، أو"أهل الحديث"، أو"السلف الصالح"، أو"الفرقة الناجية"!.
[ ٨٤ ]
إلى غير ذلك من الإجابات المنقوصة لهذا السؤال المهم.
والحق أن كمال الانتساب يكون بتبني جملة أصول ومعالم مجتمعة، وبقدر ما يقع من الضعف في الأخذ بها جميعا، بقدر ما يحصل من الوهن في هذه النسبة الشريفة، ويمكن إجمال هذه المعالم في النقاط التالية:
أولا: تحقيق المنهجية الصحيحة:
وتعني العودة بأصول الفهم والتلقي، والاستنباط إلى الكتاب والسنة، وقواعد الفهم المعتبر لدى خير القرون، كما تعني تكوين أسلوب للنظر في كليات الأمور ومهماتها، وإنشاء منهجية للتعامل مع الأحداث، والحكم على المواقف والأشياء والأشخاص، وضبط المناحي العلمية والعملية كافة بطريقة منهجية، تنبثق من مشكاة الصحابة والتابعين، وسلف الأمة الصالحين، وأهل الحديث المتبعين.
وهذا يشمل العناية بمنهجية أصل أصول أهل السنة وهو العقيدة، ويشمل أيضا العناية بأصول العبادة ومنهج التنسك، والأمر والنهي، والسلوك والأخلاق ورياضة النفوس، مع التحقق بمحبتهم وموالاتهم -﵃- والتحلي بجميل شمائلهم.
ولا يصح قصر حقيقة الانتساب إلى أهل السنة والسلف على الاشتغال بمسائل ومشاكل سادت فترة ثم غابت، فإن المنهجية التي واجهت فتنة القول بخلق القرآن فأثمرت مواقف مشرقة حفظت وجه الحق ناصعا مبينا، يجب أن تحيا لتواجه اليوم فتنة تحكيم الشرائع الوضعية، والولاء للقومية والوحدة الوطنية.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] .
[ ٨٥ ]
كما أكدت السنة هذا المعنى في قوله ﷺ: "كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به" ١.
وعلى هذا فلا تتم النسبة الكاملة لأهل السنة بمجرد الوقوف عند قضايا واجهها السلف لملابسات زمانية أو مكانية، وإن لم تقم حاجة إلى إثارتها، أو مواجهتها في عالم اليوم.
وعليه فإن المنهجية الصحيحة لا تقبل أن تستهدف الدعوة في بعض المواقع تحرير العقائد من شرك الأموات والأوثان، ثم نضرب الذكر صفحًا عن شرك الأحياء والأوضاع، والنظم المعاصرة.
وإنما هي حرب على مظاهر الشرك كافة، وحياطة لجناب التوحيد عامة، وإعطاء كل ذي حق حقه، ومستحقه في زمانه ومكانه.
ومن تحقيق المنهجية الصحيحة: تعظيم أقدار السلف، واعتمادهم مرجعية عامة، بالأخذ عن علمائهم، والتتلمذ على كتبهم، والفيئة إلى أحكامهم وفتاواهم، مع مراعاة سياق وسباق كل في ظروفه وملابساته.
ومن الانحراف عن المنهجية: احتكار الأسماء الشرعية الشريفة، أو المناهج الربانية المعصومة، وخلطها بالاجتهادات البشرية، وإلباسها لبوس الحزبية، وتشويهها بتحكمات مذهبية.
ومن الانحراف عن المنهجية: التعلق بالأشخاص دون المنهج، واختزال الأمة في شخص أو مجموعة أشخاص، إذ المنهج يبقى والأشخاص تفنى.
_________________
(١) ١ رواه مسلم "٢٤٠٨" من حديث زيد بن أرقم ﵁.
[ ٨٦ ]
و"من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله، فإن الله حي لا يموت"١.
وعليه فلا يصح اعتبار رجل عيارًا على المنهج وممثلا له دون النبي ﷺ، ولو كان الصديق ﵁، ذلك أن المنهج معصوم والبشر ليسوا بمعصومين، كل بني آدم خطاء.
ومن الانحراف عن المنهجية: اعتبار المسائل الاجتهادية -التي تختلف الفتوى بشأنها زمانا ومكانا وأشخاصا- من المنهج، ومن ذلك: تعميم اجتهادات آحاد السلف في المسائل العملية والفقهية، وإهدار الاجتهادات الأخرى، حيث إن المنهج بقواعده وضوابطه محل اتفاق، وليس محل اختلاف.
ثانيا: ضبط وإحكام القواعد والأصول علما وعملًا:
سواء في ذلك قواعد العلم، والتوحيد، والاتباع، والعبادة، والتزكية، والدعوة، والأمر والنهي، والجهاد، والتعامل مع الواقع، والاعتصام بالسنة، والحرص على الجماعة، ونحو ذلك
وهذا لا يتأتى إلا بالإقبال على علومهم فهما واستيعابا، وجمعا وعرضا، وتطبيقا ودعوة.
ففي جانب العلم:
تجدر العناية بالقواعد الضرورية لطلب العلم والانتفاع به، كصحيح النية، والإخلاص تحقيقا للخشية، وتحصيلا لفضل الاتباع والاقتداء بالنبي ﷺ، وإقامة للدين، وحفظا للشريعة، وطلبا للتمكين.
كما يتأكد تقديم العناية بالتوحيد والإيمان، والتثنية بالفقه والأحكام، مع الحرص
_________________
(١) ١ صحيح البخاري "٣٦٧٠".
[ ٨٧ ]
على الجوانب المثمرة من العلوم، والبعد عن الترف الفكري والجدل العقيم.
واعتماد التلقي عن الأكابر في كل علم باللقيا والمشافهة، والعناية بكتب أهل السنة سواء في الاعتقاد أو الأصول والأحكام، مع التنبه إلى خطورة الآفات والمزالق في طريق طلب العلم، كالتصدر قبل التأهل، والتوقر قبل أوانه، والعزلة عن واقع الأمة، والولع بالغرائب، والتعصب للرأي والمذهب، وازدراء المخالف.
وفي جانب التوحيد:
الحرص على سلامة العقيدة بالاعتماد على الكتاب والسنة، وتلقيها بفهم الصحابة وسلف الأمة، والتسليم لله تعالى ولرسوله صلى عليه وسلم من غير تعرض لنصوص الوحيين بمعارضة ومناقضة، وترك التخليط في مصادر التلقي وتصفيتها من كل منهج كلامي مردود، أو شوب فلسفي مذموم.
ومن ذلك: سد باب الابتداع والإحداث في الدين، ورد جميع ما خالف سنة سيد الأنبياء والمرسلين. مع الاحتياط التام في جانب التبديع والتكفير للمخالف من أهل القبلة وجهلة العوام من أهل الملة، لشبهة بدت أو سوء تأويل، والتفريق بين القول وقائله، والفعل وفاعله.
ومن ذلك: تحقيق شمولية علم العقيدة لأبوابها كافة بالجمع بين توحيدي الربوبية والألوهية في العناية والعرض والتعليم، وكذا الجمع في التناول بين قضايا الإيمان وحقائقه، ومبطلاته ونواقضه، والعناية بتوحيد الأسماء والصفات بجانبيه العلمي النظري، والعملي التربوي.
ومن ذلك: مواجهة الانحرافات المعاصرة بتحقيق عقيدة البراء من كل مخالف كل بحسبه، وتأصيل عقيدة الولاء لله ورسوله، وللمؤمنين كل بحسبه.
[ ٨٨ ]
ومن ذلك: ربط العقيدة بآثارها العملية من استقامة الأخلاق، وانضباط السلوك، والتحرك بالدعوة إليها، فترى في أهداف صاحبها، وتسمع في أقواله، وتقرأ في كتاباته.
ومن ذلك: الصدور عنها في تقويم الأشخاص والأحداث والمواقف، واتخاذها دون غيرها من الأسماء والشعارات معقدا للتفرقة وفيصلا بين الخلق، والتقيد بها في منهج الدعوة كله، ورفض الوسائل التي تنافيها، والأساليب التي تناقضها.
ومن أهم ما يذكر فلا ينسى: اتقاد جذوة التضحية في سبيلها، واستعذاب المشاق في نصرتها، وبذل النفس والنفيس في رفعتها، وتكثير سواد أهلها١.
وفي جانب الاتباع:
يطلب تحقيقه وتقعيده علميا وعمليا، بالحذر من اتباع الهوى والتقدم بين يدي الله ورسوله بقول أو رأي، واتباع الدليل من القرآن والسنة، والإجماع والقياس وما استند إلى هذه المصادر.
ومن ذلك: فتح باب الاجتهاد في كل ما لم لم يرد فيه نص قاطع، أو إجماع صريح، والتقليد جائز للعاجز عن الاجتهاد في الجملة، كما لا يجب تقليد إمام بعينه.
وزلة العالم لا يتابع عليها ولا يهدر بسببها، والأصل في الفتوى أن تناط بأهل الاجتهاد فإن عدموا اعتبر الأمثل فالأمثل، والقول الوسط في التمذهب جوازه بلا تعصب.
ومن ذلك: التفريق بين مسائل الخلاف الاجتهادية التي لا ينكر على المخالف فيها ولا يضيق عليه، ومسائل الاختلاف التي لا يسوغ فيها خلاف، مع التأكيد على إحياء، وممارسة أدب الخلاف.
_________________
(١) ١ انظر: كتابنا معالم في أصول الدعوة ص٩-٢١.
[ ٨٩ ]
ومن أعظم أصول أهل السنة: التزام الطاعة للأئمة ما أقاموا كتاب الله في الأمة، وكما أن الاتباع واجب شرعي، فإن الاجتماع مطلب شرعي وضرورة عملية.
ويتحقق الاتباع العلمي والعملي بالاجتماع على أهل العلم الموافقين للسنة المتبعين لها قولا وعملا، وبالاجتماع على الإمام الحق ولزوم بيعته، والانضواء تحت رايته.
وفي جانب التزكية والتربية:
يتعين التأكيد على أنها مهمة الأنبياء والمرسلين، وهي من سبيل إقامة الدين، وبدونها لا يتأتى تغيير وإصلاح، وليست لها غاية تنتهي عندها، كما لا يستغني عنها المنتهي فضلا عن المبتدي، أنواعها كثيرة متعددة، فتربية علمية وأخرى وجدانية وثالثة جهادية.. ووسائلها لا تنحصر.
ومنهج التربية والتزكية يقوم على الوسطية: فكما أن أهل السنة وسط بين فرق الأمة في مسائل الاعتقاد فهم أيضا وسط في باب التربية، والسلوك بين طرفي الإفراط والتفريط، فهم وسط في باب الإخلاص بين المرائين والملامية١، وهم وسط بين المشتغلين بالعبادات القلبية دون العملية كالصوفية، والمشتغلين بإقامة رسوم العبادات الظاهرة فحسب، فكانوا أهل العبادة الظاهرة والباطنة.
وهم وسط بين من يريد من الله ولا يريد الله، وبين من يريد الله ولا يريد من الله، فهم يريدون رضا الله وجنته، وأما غيرهم فمنهم من يريد رضا الله ولا يريد جنته، كحال كثير من الصوفية، ومنهم من يريد نعيم الجنة المخلوق، ولا يريد رضا الله، كحال كثير من المتكلمة.
_________________
(١) ١ المراءون يعملون الصالحات بقصد رؤية الناس لهم وطلب مدحهم، وأما الملامية، فيفعلون ما يلامون عليه ويقولون: نحن متبعون في الباطن.
[ ٩٠ ]
وهم وسط بين أصحاب الفجور والفواحش والاستهتار، وأصحاب الرهبانية والتشديد على النفس وتعذيب البدن.
ومنهج التربية والتزكية يقوم على السلفية: وموافقة نصوص الشارع في السلوك لفظا ومعنى، فليسوا كالذين وافقوا النصوص في اللفظ دون المعنى كالباطنية، وليسوا كالذين تكلموا في المعنى بألفاظ مبتدعة ككثير من الصوفية.
ومنهج التربية والتزكية يقوم على الواقعية والعملية: لا على السلبية أو المثالية.
فهو منهج التسديد والمقاربة، والقصد في الأمر كله، ومراعاة أحوال المكلفين، وتحقيق الملاءمة والمواءمة بين طبيعة هذا الدين وطبيعة المكلفين، فتكليف المندوبات والنوافل بحسب الوسع والطاقة، وأحب العمل أدومه وإن قل، والمؤمن يقول قليلا ويعمل كثيرًا.
ومن الواقعية إدراك أن تفاوت القدرات إنما هو بسبب تنوع المواهب، واختلاف الاستعدادات، ذلك أن الله قسم الأعمال والأخلاق كما قسم الأموال والأرزاق، وعلى كل أن يرضى بما فتح له فيه، وأفضل الأعمال بعد الفرائض يختلف باختلاف الناس فيما يقدرون عليه، ومن الناس من فتح له في كل باب، وضرب له في كل خير بسهم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء١.
وفي جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
يتعين التأكيد على أنه جهاد الدعوة الدائم، الذي لا قيام للدين بدونه، ولا اعتصام بحبل الله إلا هداه، وبإقامته على وجه الصواب استحقت هذه الأمة الخيرية، والنكول عنه والتهور فيه طرفان مذمومان، والقائمون به على وجهه يعلمون
_________________
(١) ١ انظر: كتابنا معالم في أصول الدعوة ص ٥١-٦٢.
[ ٩١ ]
الحق ويرحمون الخلق وهم خير الناس للناس.
والوجوب فيه مرتبط بحصول القدرة وغلبة المصلحة، ويسقط بخوف الضرر المحقق، كما يسقط بالعجز، وينبغي الانكفاف عنه في حق الآحاد إذا أدى إلى ما هو أشد منه مفسدة وفتنة.
وتقدير المصالح والمفاسد في هذا الباب موكول إلى العالم الذي يوثق به علمًا وفطانة، وورعًا وديانة.
- والتدرج في الإنكار والنظر في المآلات، وتقديم الأهم على المهم، وزوال المنكر بالكلية، أو تخفيفه مطلوب شرعا.
وأما زوال المنكر مع زوال مثله من المعروف، أو حصول مثله من المنكر فموضوع اجتهاد ونظر، وأما زوال المنكر وحصول ما هو أكبر منه، أو فوات ما هو أكبر من المعروف فممنوع شرعا.
- ومع أن هذا الواجب من فرائض الوقت المضاعة ومن حرم الإسلام المهدرة، فإن حاجة الأمة اليوم إلى التألف والمداراة، وتصحيح المفاهيم، واستفاضة العلم والبلاغ، وبناء قاعدة الإيمان في القلوب، أمس من حاجتها إلى قصر الاحتساب على طائفة من المنكرات الجزئية في حين تنسى معالم الدين الكلية، وتلتبس معاقده وأصوله الكبرى، ومن حيث الوجوب، فليشمل الإنكار كل منكر، وأما من حيث الاشتغال بالتغيير فكل منكر بحسبه، وكل منكر بقدره.
- ولا يخفى أن هذا الواجب يشمل التغيير بمراتبه الثلاث، باليد واللسان والقلب، والثالثة لا تسقط أبدًا، والثانية لكل أحد في مواضع الإجماع والمسائل الجليات، ويختص أهل العلم بما وراء ذلك من مواطن الخلاف ودقائق المنكرات، ولا
[ ٩٢ ]
تسقط هذه الرتبة خول لوم أو أذى خفيف.
وأما التغيير باليد فمشروط بحصول القدرة، وألا يؤدي إلى تحريك الفتنة، وأن يتقصر فيه على القدر المحتاج إليه من غير زيادة، وألا يترتب عليه من الضرر ما لا يحتمل في الدين، أو النفس، أو الغير١.
- وفي جانب إدراك الواقع وفهمه:
تكمن أهميته في أنه يعين على تحقيق البصيرة في النوازل فيسدد الفتاوى، ويحكم أمرها، وبه يتوصل إلى استبانة سبيل المجرمين، وتعرية مناهج المنحرفين، وتكميل التوازن في البنيان التربوي.
- وفي مقابل ما ذكر من أهميته، فإن الاستغراق فيه، والمغالاة في تناوله يفضي إلى الافتتان بالبهرج والزيف، وضعف وإغفال التأصيل الشرعي باعتبار أن الواقع هو الأصل تار، وبإغفال المنهج الصحيح في تلقي الأخبار والحكم على الرجال تارة أخرى، وبفقدان الاعتدال والتوازن بين فقه النص والواقع تارة ثالثة.
وكذا من سلبياته: الانعزال عن الأمة بحجة تخلف العامة عن الوعي المطلوب، فإذا عاد الوعي بعزلة ومفاصلة بين العالم وأمته، وبين الدعاة والعلماء، فقد أتى هذا الوعي بنقيض مقصوده، وكر الفرع على أصله بالإبطال، وهذا لا يجوز بحال.
وفي جانب الجهاد:
الجهاد من أعظم أصول الدين، وهو بيعة ماضية في أعناق المؤمنين، ومعنى الجهاد يشمل استفراغ كل وسع، وبذل كل جهد في نصرة الدين بالحجة والبيان، والدعوة والإرشاد، وأفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر.
_________________
(١) ١ انظر: كتابنا معالم في أصول الدعوة، ص ٧١-٧٧.
[ ٩٣ ]
والجهاد ماض إلى يوم القيامة، وإنكار وجوبه إنكار لمعلوم من الدين بالضرورة، وادعاء نسخه بجهاد الكلمة بدعة في الدين وضلالة، ونقص في العقل وسفاهة.
وهدف الجهاد العام هداية الناس وإخراجهم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ويدخل تبعا رد اعتداء المعتدين، وإزالة الفتنة عن المدعوين، وحماية وتقوية دولة المسلمين، وإرهاب أعداء الدين وترك الجهاد هو الهلكة والخسران المبين.
ولا بد في الجهاد من استيفاء الشرعية، وعدم الإضرار بالأم، بحصر الصراع مع أعدائها لا غير، مع وضوح الراية وسلامتها من ولاءات جاهلية، وشعارات عمية، وقبل ذلك وبعده أن تتحقق المصلحة من القتال بإعزاز الدين، والدفع عن المستضعفين وكف بأس الكافرين.
وينبغي التأكيد على الحذر من استعجال مواجهة من غير تهيؤ يرجح معه الظفر، ويتوقع معه قبول الأمة، وسلامة التوقيت زمانا ومكانا، واستفراغ الوسع في اتخاذ أسباب النصر المادية والمعنوية، وذلك لئلا ترجع هذه المواجهات بنقيض ما شرع الجهاد لتحقيقه من إعزاز الدين، وتقوية شوكة المسلمين.
وباستيفاء جميع ما تقدم على وجه السداد والمقاربة تتم النسبة الشريفة، وتكمل الفضيلة المنيفة، وترتقي ذرى الكمال والدرجات العلا في الجنة، ومن صفى صفي له.
قيل لسهل بن عبد الله: "متى يعلم الرجل أنه على السنة والجماعة؟ "، قال: "إذا عرف من نفسه عشر خصال:
١- لا يترك الجماعة.
٢- ولا يسب أصحاب النبي ﷺ.
٣- ولا يخرج على هذه الأمة بسيف.
[ ٩٤ ]
٤- ولا يكذب بالقدر.
٥- ولا يشك في الإيمان.
٦- ولا يماري في الدين.
٧- ولا يترك الصلاة على من يموت من أهل القبلة بالذنب.
٨- ولا يترك المسح على الخفين.
٩- ولا يترك الجماعة خلف كل وال جار أو عدل١.
ولم يذكر العاشرة، إلا أن يكون اعتبر الأخيرة قسمين: "وال جار"، أو"وال عدل"، فتتم المسائل العشرة.
وهذه المسائل كلها تجمع بين الأمور العلمية والعملية، وإنما ذكر مخالفة أهل البدع لأهل السنة والجماعة، وليس المراد أن من فعلها بمفردها دون بقية أمور الإيمان يكون من أهل السنة والجماعة.
_________________
(١) ١ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي "١/ ١٨٣".
[ ٩٥ ]