وفيه مقدمة وثمانية فصول وخاتمة، مؤذنة بانقراض الأيام والليالي ولمحاسنهما حاسمة.
أما المقدمة، ففي ذكر تصرم الأيم المهدية وذهابها، وتضرم نار الفتن والتهابها.
والفصل الأول: في فاتحة الفتن، وهي خراب يشرب، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وتركها مذللة لعافية الطير والسباع والهوام.
والفصل الثاني: فيما جاء من الآثار الدالة على خروج الدجال، وما يكون في ضمن ذلك من قحط وفتن وأوجال.
والفصل الثالث: فيما يستدل به على أن الدجال هو ابن صياد، وذكر ما ظهر عليه من آثار البغي والعناد.
والفصل الرابع: فيمن ذهب إلى أن الدجال غير ابن صياد، وإن كان من وصفه غير عاري، مستدلًا على ذلك بما صح من حديث تميم الداري.
والفصل الخامس: في خروج يأجوج ومأجوج، وكيفية فتحهم
[ ٣١١ ]
للسد، في أصناف، خرجت عن الحضر وأنواع أربت على العد.
والفصل السادس: في خروج الدابة من الأرض، مؤذنة بقرب يوم العرض.
والفصل السابع: في طلوع الشمس من مغربها، وحسم طريق التوبة وسد مذهبها.
والفصل الثامن: في أحاديث متفرقة، وحوادث مفرقة، وأثار مقلقة، ومآثر موبقة.
وخاتمة الفتن والكتاب؛ هدم الحبشة للكعبة وهلكة الأعراب
[ ٣١٢ ]
المقدمة في ذكر تصرم الأيام المهدية وذهابها وتضرك نار الفتن والتهابها
قد علم ما يمن الله تعالى به على الأنام، في الأيام المكرمة المهدية من عموم البركة والخير، وفهم ما يدرأ به عن الأمة في الدولة المقدسة الإمامية من الضرر والضير، وكل ذلك تنبيه على شرف من بنهضته بالقيام بها أقعد كل قائم، وتنويه بذكر من بيقظته ويُمْنِ حركته سكن واطمأن كل نائم، وإشارة إلى أن الله تعالى يتم به الدين كما بدأه بجده، ويشفي بشفار صوارمه صدور قوم مؤمنين ويبيد أعداهم بحده.
ومن كان أبو هذا الوصي وجده النبي، فلا غزو أن يملك من السيادة أعلى راياتها، ومن كان الله تعالى له وليًا وبه حفيًا فلا عجب أن يدرك من السعادة أقصى غاياتها، ومعلوم أن كل نعيم في دار الزوال زائل، وكل حال في فناء الفناء حائل، فلا راد لما لله تعالى في مراد، ولا صاد لحكمه جل ذكره في العباد والبلاد.
فله سبحانه سر لا يشارك في علم مكنونه، وأمر نافذ لا يغالب في حكم مضمونه، فله الحمد على السراء والضراء، والشدة والرخاء.
بينما الملة الحنفية المعظمة ممدودة الرواق، شامخة الأطواد، مشتدة السواعد، والدولة والإمامية المكرمة مشدودة النطاق، راسخة الأوتاد، مشيدة القواعد، والأمور منتظمة الأمور آمنة المهالك، والثغور مبتسمة الثغور ساكنة المسالك، والإيمان قد كثر رجاله واتسع لهم المجال، والكفر
[ ٣١٣ ]
قد دنت آجاله وأحاط بأهله الأوجال، إذ ظهر من قبل المشرق عدو الله اللعين الدجال، بجحافل متلاطمة الأمواج كالجبال، فتكدر بظهوره المناهل والمشارب، وينجم بنجومه الكواهل والغوارب، وتمسك السماء قطرها، والأرض نباتها، وتعدم كل نفس صبرها وثباتها، ويشتد الجهد والغلاء، ويمتد الضر والبلاء، فتقوي الديار، وتخرب المرابع، وتقفر الآثار، وتمحل المراتع، ويهلك الخف والحافر، ويودي الصائح والظافر، حتى لا يسمع صياح راغية، ولا يطمع في رواح ثاغية، ويعيش المؤمنون في ذلك الزمان بالتسبيح والتكبير والتهليل، ويجري ذلك عليهم مجرى الطعام إلا القليل، وتخرج أهل طيبة منها وهي أطيب ما تكون بالنسبة إلى غيرها وأينع، ويفارقونها فرقًا من الدجال وليس له فيها مطمع، وترجف بمن فيها رجفات فتنفي الخبث عن تلك البقاع، وتبقى مذللة لعافية الطير والسباع، وهذه فاتحة كل حادثة لنار الفتن مؤرثة، وسابقة كل كارثة للأسى والوهن مورثة.
ثم يسير ومعه نهر من ماء وجبل من ثريد، ويوهم أنه رب معبود وهو من أخس العبيد، فيحتوي على معظم البلاد والنوادي، ويكون أكثر من يؤمن به أهل البوادي، وذلك لما يخيل لهم من قدرته، ويطمعون فيه من حسن عشرته.
فإذا وصل المدينة، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، صد عنها وصوف وجهه إلى الشام، فيرجع بإياس مولد للحسرات، وهم مصعد للزفرات، ويتوجه إلى الشام بأنواع من الكفرة متتابعة الأفواج، وأتباع من الفجرة متدافعة الأمواج.
ويسير إلى الأرض المقدسة بخيله ورجله ويجل بمحل هلاكه تقله رجله، وهي يومئذ مقر الإمام المهدي ومحل مسيرته، ومجتمع أنصاره وأعوانه وأسرته،
[ ٣١٤ ]
وهي حينئذ كالأم وغيرها من البقاع كالأطفال، وكالليت وغيرها من القلاع كالأشبال، فيخرج إليه الإمام بجيش مستمسكين بعروة التوحيد، وأناس متنزهين عن عار التقليد، يدرعون الصدق والتقى، ويتبعون الحق والهدى، ما منهم إلا فارس لا يفل سيفه ولا يخشى عثاره، وشجاع لا يثني عطفه ولا يدرك غباره، فيخوضون في غمرات الحرب، ويضرمون نار الطعن والضرب، ويلتف الساق بالساق، وتلعب السيوف بالأعناق، وتخضب الدماء الخناجر، وتبلغ القلوب الخناجر، فيمن الله تعالى على عبده، ويؤيده بنصر من عنده، ويقتل من أصحاب اللعين ثلاثين ألفًا أو يزيدون، وينعكس عليهم كل ما كانوا به يكيدون، فلا ترى إلا أشلاء طريحة، وموتي بلا لحود، وأعضاء جريحة، وأسرى بلا قيود، ويحيق به مكره ويحص جناحه، ويضيق ذرعه وتركد رياحه، ويفل حده وتخمد ناره، ويعفر خده وتنهتك أستاره، ويقل عدده، وينهدم عرشه، وينقطع مدده، وينهزم جيشه
وينزل روح الله ﵇، فإذا رآه ذاب كما يذوب الرصاص، ويولي الشيطان حينئذ وله حصاص، فيقتله نبي الله عيسى ﵇ من غير ممانعة ولا مدافعة، وذلك بعد ما يصلي خلف الإمام المهدي ويبايعه ويتابعه، وينقسم ما بقي من جموعه بين مولي الدبر ومقطوع الدابر، ويستوعب الذل والصغار الأصاغر منهم والأكابر، وينطق الله تعالى كل ما يتوارون به بالتنبيه على قتلهم، إلا الغرقدة فإنها من شجرهم.
فهذا طرف من قصة الدجال اللعين، ومدة أيامه في الأرض أربعين، وما من نبي إلا حذر أمته منها، ولا وصي إلا خبر شيعته عنها،
[ ٣١٥ ]
وليس بين يدي الساعة أمر أكبر ممن فتنتها، ولا شر أكثر من محنتها، وإن كانت مدتها قصيرة، فوطأتها أليمة ثقيلة، وإن كانت عدتها يسيرة، فخطتها وخيمة وبيلة.
وهي أدل دليل على انقضاء الأيام المهدية، سقى الله عهدها، ثم لا خير في عيش الحياة بعدها، وليس بينها وبين النفخة الأولى مدة طويلة ولا نعمة طائلة، بل تترى فيما بين ذلك أمور معضلات وأهوال هائلة، وتضرب الفتن بكل خطة فسطاطها، وتؤجج نارها، وتنصب المحن بكل بقعة سراطها وتزهج غبارها.
ويخرج يأجوج ومأجوج في عدد لا يحصيه غير الذي خلقهم، مختلفة أحوالهم وأشكالهم، وينتشرون في السهل والوعر، وينشفون المياه، ويرعون الشجر، ولا تمنعهم الجبال السامية، ولا تدفعهم البحار الطامية، يعدون الفراسخ وإن امتدت خطوة، والأيام وإن طالت هفوة، ويخصرون نبي الله عيسى ومن معه من المسلمين، ويرمون بنشابهم إلى السماء مقاتلين، فيهلكم في ليلة واحدة ذو القوة المتين، ويستوقد المسلمون من جعابهم وقسيهم سبع سنين، ويرسل الله تعالى عليهم طيرًا فتحمل رممهم إلى حيث شاء، ويطهر الأرض من جيفهم مطر السماء، ثم تنزل السماء بركتها، وتخرج الأرض ثمرتها، فتعم البركة والخير الأداني من الناس والأقاصي، ويندفع الضر والضير عن الأطراف منهم والنواصي.
ثم يبعث الله ريحًا طيبة، فتقبض كل روح طيبة زكية، ويبقى شرار الناس يتهارجون تهارج الخمر الإنسية.
وتخرج الدابة فتسم كل باد وحاضر، وتميز بين كل مؤمن وكافر، وينقطع سبل الحاج وتخرب يشرب ويغلق باب التوبة، وتطلع الشمس من المغرب ويرتفع القرآن الكريم من المصاحف والصدور، ويمتد البلاء
[ ٣١٦ ]
وتشتد الأمور، وتعبد الأصنام والأوثان، وتقل الرجال ويكثر النسوان، ولا يشتغل أحد بسنة ولا فرض، ولا تمطر السماء ولا تنبت الأرض، وينقطع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويشتد البأس ولا يبقى على الأرض من لله فيه حاجة، وتكلم السباع الناس، ويندرس الإسلام وتنتقض عراه، ولا يبقى من يعرف صيامًا ولا نسكًا ولا صلاة، وتحل محن أفواجها كالقلل تشيب الوليد، وتظل فتن أمواجها كالظلل تذيب الحديد، حتى لا ترى إلا نكبة بعد نكبة، وتهدم الحبشة الكعبة، وتلك خاتمة الأمور، وقاصمة الظهور، ولا مطمع بعدها في الحياة لراغب، ولا عاصم من أمر الله تعالى لهارب.
فيا لها من رزايا عمت مشارق الدنيا ومغاربها، وجبت كواهل العلياء وغواربها، وغادرت القلوب مرصوصة ملتهبة، والدموع مفضوضة منسكبة.
وسيأتي بيان ذلك في هذه الفصول على ما تقدم مفصلًا، وشرح ما يجري من الفتن على ما نقل أولًا فأولًا، وإلى الله تعالى الرغبة من العصمة من الفتن والخطل، وعموم التوفيق في القول والعمل.
[ ٣١٧ ]
الفصل الأول في فتحة الفتن وهي خراب يثرب على ساكنها أفضل الصلاة والسلام وتركها مذللة لعافية الطير والسباع والهوام.
عن معاذ بن جبل، ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " عمران بيت المقدس خراب يشرب، وخراب يشرب خروج الملحمة، وخروج الملحمة فتح القسطنطينية، وفتح القسطنطينية خروج الدجال ".
ثم ضرب يده على فخذه الذي حذاه أو منكبه، ثم قال: " إن هذا لحق، كما أنك هاهنا، أو كما أنك قاعد " يعني معاذًا.
أخرجه الحافظ أبو عبد الله الحاكم، في مستدركة.
وأخرجه الإمام أبو داود السجستاني، في سننه، من حديث معاذ هكذا مسندًا، وانتهى حديثه عند قوله: " وفتح القسطنطينية خروج الدجال ".
وأخرجه الحاكم أبو عبد الله النيسابوري، في مستدركه.
من وجه آخر موقوفًا على معاذ، وقال
[ ٣١٩ ]
بعد ذكر خروج الدجال: ثم ضرب معاذ على منكب عمر بن الخطاب، فقال: والله إن ذلك لحق كما أنك جالس
ثم قال الحاكم: هذا الحديث وإن كان موقوفًا فإن إسناده صحيح على شرط الرجال، وهو اللائق بالمسند الذي تقدمه.
وعن عوف بن مالك الأشجعي، أن رسول الله ﷺ خرج عليهم، وأقناء معلقة، وقنو منها حشف، ومعه عصًا، فطعن بالعصا في القنو، قال: " لو شاء رب هذه الصدقة، فتصدق بأطيب منها، إن صاحب هذه الصدقة يأكل الحشف يوم القيامة ".
ثم أقبل علينا، فقال: " أما والله يا أهل المدينة لتدعنها مذللة أربعين عامًا للعوافي ".
قلنا: الله ورسوله أعلم.
ثم قال رسول الله ﷺ: " أتدرون ما العوافي ".
قالوا: لا.
قال: " الطير والسباع ".
أخرجه الإمام الحافظ أبو عبد الله الحاكم، في مستدركه.
وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " لتتركن المدينة على خير ما كانت للعوافي، تأكلها الطير والسباع ".
[ ٣٢٠ ]
أخرجه الحافظ أبو عبد الله الحاكم، في مستدركه.
وقال: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم، ولم يخرجه، وقد صح عن حذيفة بن اليمان، صاحب رسول الله ﷺ أنه كان يقول: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه.
وقد يخفي على الأعلم بجنس من العلم الباحث عنه علة بعض ذلك الجنس، وقد خفي عن حذيفة ﵁ السبب الذي يخرج أهل المدينة من المدينة، وعلمة غيره.
وقد اتفق البخاري ومسلم، ﵄، على حديث شعبة عن عدي بن ثابت، عن عبد الله بن يزيد، عن حذيفة، أنه قال: أخبرني رسول الله ﷺ، بما هو كائن إلى يوم القيامة فما منه شيء إلا وقد سألته عنه، إلا أني لم أسأله ما يخرج أهل المدينة من المدينة.
وقد روى الحاكم أبو عبد الله الحافظ، في مستدركه على
[ ٣٢١ ]
الصحيح عن محجن بن الأدرع، قال: بعثني رسول الله ﷺ، لحاجة، ثم عارضني في بعض طرق المدينة، ثم صعد على أحد وصعدت معه، فأقبل بوجهه نحو المدينة، فقال لها قولًا، ثم قال: ويل أمك أو " ويح أمها قرية يدعها أهلها أينع ما تكون، تأكلها عافية الطير والسباع، تأكل ثمرها، ولا يدخلها الدجال إن شاء الله تعالى، كلما أراد دخولها يلقاه بكل نقب من نقابها ملك مصلت يمنعه عنها ".
أخرجه الحاكم أو عبد الله، في مستدركه، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
[ ٣٢٢ ]
الفصل الثاني في ما جاء من الآثار الدالة على خروج الدجال وما يكون في ضمن ذلك من قحط وفتن وأوجال
عن أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب، قال: إنما سمي الدجال دجالًا لتمويهه. تقول: دخلت السيف، إذا موهته، ودجلت البعير: إذا طليته بالقطران.
عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " ما من نبي إلا أنذر أمته الدجال الأعور الكذاب، ألا إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور، مكتوب بين عينيه كافر ".
أخرجه الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بالبخاري، في
[ ٣٢٣ ]
صحيحه هكذا.
وأخرجه الإمام مسلم، في صحيحه، وزاد بعد قوله كافر: لم تهجاها ك ف ر. " يقرأه كل مسلم ".
وعن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " لأنا أعلم بما مع الدجال منه، معه نهران يجريان؛ أحدهما، رأي العين ماء أبيض، والآخر، رأى الغين، نار تأجج، فإما أدركن أحد فليأت النهر الذي يراه نارًا، وليغمض، ثم ليطاطئ رأسه فيشرب منه، فإنه ماء بارد، وإن الدجال ممسوح العين، عليها ظفرة غليظة، مكتوب بين عينيه كافر، يقرأه كل مؤمن كانت وغير كاتب ".
أخرجه الإمام أبو الحسين مسلم، في صحيحه.
وعن أبي هريرة، ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة أمر أكبر من الدجال ".
أخرجه الإمام مسلم، في صحيحه.
وعن النواس بن سمعان ﵁ قال: ذكر رسول الله ﷺ
[ ٣٢٤ ]
الدجال ذات غداة، فخفض فيه ورفع، حتى ظنناه في طائفة النخل، فلما رحنا إليه عرف ذلك فينا، فقال: ما شأنكم؟ قلنا: يا رسول الله ذكرت الدجال غداة، فخفضت ورفعت، حتى ظنناه في طائفة النخل
فقال: غير الدجال أخوفني عليكم، إن يخرج، وأنا فيكم، فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج، ولست فيكم، فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم إنه شاب قطط، عينيه طافية، كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن، فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنه خارج من حلةٍ بين الشام والعراق، فعاث يمينًا وعاث شمالًا، يا عباد الله فاثبتوا ".
قلنا: يا رسول الله، وما لبثه في الأرض؟ قال: " أربعون يومًا، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم ".
قلنا: يا رسول فذلك الذي كسنةِ أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا، أقدروا له قدره ".
قلنا: يا رسول الله، وما إسراعه في الأرض؟
[ ٣٢٥ ]
قال: " كالغيث استدبرته الريح، فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به، ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتثبت، فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذرًا، وأسمنه ضروعًا، وأمده خواصر، ثم يأتي القوم فيدعوهم، فيردون عليه قوله، فيصبحون مملحين، ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة، فيقول لها: أخرجي كنوزك. فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، ثم يدعو رجلًا ممتلئًا شبابًا فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين، رمية الغرض، ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه ويضحك. فبينما هو كذلك إذ بعث الله تعالى المسيح ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء، شرقي دمشق، بين مهرودتين، واضعًا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ فلا يجل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي بصره، فيطلبه حتى يدركه بباب لذ، فيقتله، ثم يأتي عيسى قوم قد عصمهم الله ﷿، فيمسح عن وجوههم، ويحدثهم
[ ٣٢٦ ]
بدرجاتهم في الجنة، وذكر باقي الحديث.
أخرجه الإمام مسلم، في صحيحه.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " يخرج الدجال، فيتوجه قبله رجل من المؤمنين، فتلقاه المسالح، مسالح الدجال، فيقولن له: أين تعمد؟ فيقول: أعمد إلى هذا الرجل الذي خرج.
قال: فيولون له: أوما تؤمن بربنا؟ فيقول: ما بربنا خلفاء.
فيقولن: اقتلوه.
فيقول بعضهم لبعض. أليس قد نهاكم ربكم أن تقتلوا أحدًا دونه؟ قال: فينطلقون به إلى الدجال، فإذا رآه المؤمن قال: يأيها الناس، هذا الدجال الذي ذكر رسول الله ﷺ.
قال: فيأمر الدجال به فيشج.
فيقول: خذوه وشجوه. فيوجع ظهره وبطنه ضربًا.
قال: فيقول: أوما تؤمن بي؟ قال فيؤمر به، فينشر بالمنشار من مفرقه حتى يفرق بين رجليه.
قال: ثم يمشي الدجال بين القطعتين، ثم يقول له: قم فيستوي قائمًا.
ثم يقول له: أتؤمن بي.
فيقول: ما ازددت فيك إلا بصيرة.
قال: ثم يقول: يأيها الناس، إنه لا يفعل هذا بعدي بأحد.
قال: فيأخذه الدجال ليذبحه، فيجعل ما بين رقبته إلى ترقوته نحاس، فلا يستطيع إليه سبيلًا.
قال: فيأخذ بيديه ورجليه، فيقذف به، فيحسب الناس أنما قذفه إلى النار، وإنما ألقي في الجنة ".
[ ٣٢٧ ]
فقال رسول الله ﷺ: " هذا أعظم الناس شهادة عند رب العالمين ".
أخرجه الإمام مسلم، في صحيحه.
وعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: ما سأل النبي ﷺ أحد عن الدجال أكثر مما سألته، فقال: " وما سؤالك "؟.
وفي رواية: " وما ينصبك منه، لا يضرك ".
قال: قلت، يا رسول الله، إنهم يقولون إن معه جبال من خبز ولحم، ونهر من ماء.
قال: هو أهون على الله من ذلك.
أخرجه الإمام مسلم، في صحيحه.
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " يأتي المسيح من قبل المشرق، وهمته المدينة، حتى ينزل دبر أحد، ثم تصرف الملائكة وجهه قبل الشام، وهنالك يهلك ".
أخرجه الإمام مسلم، في صحيحه.
وعن أسماء بنت يزيد بن السكن، قالت: كان النبي ﷺ في بيتي، فذكر الدجال، فقال: " إن بين يديه ثلاث سنين، سنة تمسك السماء فيها ثلث قطرها، والأرض ثلث نباتها، والثانية تمسك ثلثي قطرها،
[ ٣٢٨ ]
والأرض ثلثي نباتها، والثالثة تمسك السماء قطرها كله، والأرض نباتها كله، فلا يبقى ذات ظلف، ولا ذات خف من البهائم إلا هلكت، وإن من أشر فتنه أنه يأتي الأعرابي، فيقول: أرأيت إن أحييت لك إبلك، ألست تعلم أني ربك؟ فيقول: بلى.
فيتمثل له نحو إبله كأحسن ما تكون ضروعًا، وأعظمه، وأسمنه
قال: ويأتي الرجل قد مات أخوه، ومات أبوه، فيقول: أرأيت إن أحييت لك أخاك وأباك، ألست تعلم أني ربك؟ فيقول: بلى.
فيتمثل له الشيطان نحو أبيه وأخيه ".
قالت: ثم خرج رسول الله ﷺ لحاجة ثم رجع، والقوم في اهتمام وغم، مما حدثهم.
قالت: فأخذ بناحيتي الباب، فقال: " مهيم "؟ فقالت أسماء: يا رسول الله، لقد حشيت أفئدتنا بذكر الدجال.
قال: " إن يخرج وأنا حي فأنا حجيجه، وإلا فإن ربي خليفتي على كل مؤمن ".
فقلت: يا رسول الله، إنا لنعجن عجينًا فما نخبزه حتى نجوع، فكيف بالمؤمنين يومئذ.
قال: " يجزئهم ما يجزئ أهل السماء من التسبيح
[ ٣٢٩ ]
والتقديس ".
أخرجه الإمام مسلم، في صحيحه.
وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ: " يخرج الدجال في أمتي، فيمكث أربعين " لا أدري أربعين يومًا، أو أربعين شهرًا، أو
[ ٣٣٠ ]
أربعين عامًا فيبعث الله عيسى ابن مريم كأنه عروة بن مسعود، فيطلبه فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين، ليس بين اثنين عداوة "، وذكر باقي الحديث.
أخرجه الإمام مسلم في صحيحه.
وعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفًا عليهم الطيالسة ".
أخرجه الإمام مسلم في صحيحه.
وعن أبي بكر الصديق ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " إن الدجال يخرج من أرض بالمشرق، يقال لها خراسان، يتبعه أقوام كأن وجوههم المجان المطرقة ".
[ ٣٣١ ]
أخرجه الإمام أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه، في سننه.
وعن حذيفة ﵁ عن رسول الله ﷺ في قصة فتح القسطنطينية وغيرها: " ثم تقفلون منها - يعني مدينة القاطع - إلى بيت المقدس، فيبلغكم أن الدجال قد خرج في يهود أصبهان، إحدى عينيه ممزوجة بالدم، والأخرى كأنها لم تخلق، يتناول الطير من الهواء، له ثلاث صيحات، يسمعهن أهل المشرق وأهل المغرب، يركب حمارًا أبتر، بين أذنيه أربعون ذراعًا، يستظل تحت أذنيه سبعون ألفًا من اليهود عليهم التيجان، فإذا كان يوم الجمعة من صلاة الغداة، وقد أقيمت الصلاة، فالتفت المهدي، فإذا هو بعيسى ابن مريم، قد نزل من السماء في ثوبين، كأنما يقطر من رأسه الماء " - فقال أبو هريرة: إن خرجته هذه ليست كخرجته الأولى، تلقى عليه مهابة كمهابة الموت - " فيقول له الإمام: تقدم فصل بالناس، فيقول له عيسى: إنما أقيمت الصلاة لك، فيصلي عيسى خلفه ".
[ ٣٣٢ ]
قال حذيفة: وقال رسول الله ﷺ: " قد أفلحت أمة أنا أولها، وعيسى آخرها ".
أخرجه الإمام أبو عمرو عثمان بن سعيد المقري، في سننه.
وعن إسماعيل بن رافع أبي رافع، عن أبي زرعة الشيباني يحيى بن أبي عمرو، عن أبي أمامة الباهلي، قال: خطبنا رسول الله ﷺ فكان أكثر حديثًا حدثناه عن الدجال، وحذرنا فكان من قوله أن قال: " إنه لم تكن فتنة في الأرض، منذ ذرأ الله تعالى ذرية آدم ﵇، أعظم من فتنة الدجال، وإن الله تعالى لم يبعث نبيًا إلا حذر أمته الدجال، وأنا آخر الأنبياء، وأنتم آخر الأمم، وهو خارج فيكم لا محالة، فإن يخرج وأنا بين ظهرانيكم فأنا حجيجه، وإن يخرج بعدي فكل حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم، وإنه يخرج من خلة بين الشام والعراق، فيعيث يمينًا، ويعيث شمالًا، يا عباد الله أيها الناس فاثبتوا، فإني سأصفه لكم صفة لم يصفها إياه نبي قبلي، إنه يبدأ فيقول: أنا نبي، لا نبي بعدي، ثم يثني فيقول: أنا
[ ٣٣٣ ]
ربكم. ولا ترون ربكم حتى تموتوا، وإنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، وإنه مكتوب بين عينيه كافر، يقرأه كل مؤمن؛ كاتب، وغير كاتب، وإن من فتنته أن معه جنة ونارًا، فناره جنة، وجنته نار، فمن ابتلي بناره فليستغث بالله، وليقرأ فواتح الكهف، فتكون عليه بردًا وسلامًا، كما كانت النار على إبراهيم، وإن من فتنته يقول لأعرابي: أرأيت إن أبعث لك أباك وأمك أتشهد أني ربك؟ فيقول: نعم.
فيتمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه فيقولان: يا بني اتبعه، فإنه ربك.
وإن من فتنته أن يسلط على نفس واحدة فيقتلها، وينشرها بالمنشار حتى تلقى شقتين، لم يقول: انظروا إلى عبدي هذا فإني أبعثه الآن، ثم يزعم أنه له ربًا غيري.
فيبعثه الله تعالى، فيقول له الخبيث: من ربك؟
فيقول: ربي الله، وأنت عدو الله، أنت الدجال، والله ما كنت بعد أشد بصيرة بك مني اليوم ".
قال أبو الحسن الطنافسي: فحدثنا المحاربي، قال: حدثنا عبيد الله بن الوليد الوصافي، عن عطية، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ: " ذلك الرجل أرفع أمتي درجة في الجنة ".
قال: قال أبو سعيد: والله ما كنا نرى ذلك الرجل إلا عمر بن الخطاب، حتى مضى لسبيله.
[ ٣٣٤ ]
قال المحاربي: ثم رجعنا إلى حديث أبي رافع، قال: " وإن من فنته أن يأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت.
وإن من فتنته أن يمر بالحي فيكذبونه، فلا تبقى لهم سائمة إلا هلكت.
وإن من فتنته أن يمر بالحي فيصدقونه، فيأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت، حتى تروح، مواشيهم من يومهم ذلك أسمن ما كانت وأعظمه، وأمده خواصر وأدره ضروعًا.
وإنه لا يبقى شيء من الأرض إلا وطئه وظهر عليه إلا مكة والمدينة، فإنه لا يأتيهما من نقب من نقابهما إلا لقيته الملائكة بالسيوف صلته، حتى ينزل عند الظريب الأحمر، عند منقطع السبخة، فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فتنفي الخبث منها كما ينفي الكير خبث الحديد، ويدعي ذلك اليوم يوم الخلاص ".
فقالت أم شريك بنت أبي العكر: يا رسول الله فأين العرب يومئذ؟ قال: " هم يومئذ قليل، وجلهم ببيته المقدس، وإمامهم رجل صالح فبينما إمامهم قد تقدم يصلي الصبح، إذ نزل عيسى ابن مريم للصبح، فيرجع ذلك الإمام ينكص، يمشي القهقرى، ليتقدم عيسى ابن مريم ليصلي بالناس، فيضع عيسى يده بين
[ ٣٣٥ ]
كتفيه، ثم يقول: تقدم فصل؛ فإنه لك أقيمت، فيصلي بهم إمامهم.
فإذا انصرف قال عيسى: افتحوا الباب. فيفتح ووراءه الدجال، معه سبعون ألف يهودي، كلهم ذو سيف محلىً وساج، فإذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء، وانطلق هاربًا.
فيقول عيسى إن لي فيك ضربةً لن تسبقني بها، فيدركه عند باب لُدِّ الشرقي فيقتله. ويهزم الله اليهود، فلا يبقى شيء مما خلق الله يتوارى به يهودي إلا أنطق الله ذلك الشيء، ولا حجر، ولا شجر، ولا حائط - إلا الغرقدة، فإنها من شجرهم لا تنطق - إلا قال: يا عبد الله المسلم، هذا يهودي، فتعال اقتله ".
قال رسول الله ﷺ: " وإن أيامه أربعون سنة، السنة كنصف السنة، والسنة كالشهر، الشهر كالجمعة، وآخر أيامه كالشررة، يصبح أحدكم على باب المدينة فلا يبلغ بابها الآخر حتى يمسي ".
فقيل له: يا رسول الله، كيف يصلي في تلك الأيام القصار؟ قال: " تقدرون فيها الصلاة، كما تقدرونها في هذا الأيام الطوال، ثم صلوا ".
قال: قال رسول الله ﷺ: " فيكون عيسى ابن مريم في أمتي حكمًا عدلًا، وإمامًا مقسطًا، يدق الصليب، ويذبح الخنزير، ويضع الجزية، ويترك الصدقة فلا يسعى على شاة ولا بعير، وترفع
[ ٣٣٦ ]
الشحناء والتباغض، وتنزع حمة كل ذات حمة، حتى يدخل الوليد يده في فم الحية فلا تضره، وتنفر الوليد الأسد فلا يضرها، ويكون الذئب في الغنم كأنه كلبها، وتملأ الأرض من السلم كما يملأ الإناء من الماء، وتكون الكلمة واحدة، فلا يعبد إلا الله ﷿، وتضع أوزارها، وتسلب قريش ملكها، وتكون الأرض كفاثور الفضة، تنبت نبتها بعهد آدم، حتى يجتمع النفر على القطف من العنب فيشبعهم، ويكون الثور بكذا وكذا من المال، ويكون الفرس بدريهمات ".
قيل: يا رسول الله، وما يرخص الفرس؟ قال: " لا تركب لحرب أبدًا ".
قيل: يا رسول الله، وما يغلي الثور؟ قال: " تحرث الأرض كلها ".
" وإن قبل خروج الدجال ثلاث سنوات شداد، يصيب الناس فيها جوع شديد، يأمر الله تعالى السماء السنة الأول أن تحبس ثلث مطرها، ويأمر الأرض فتحبس ثلث نباتها، ثم يأمر الله تعالى السماء في الثانية فتحبس ثلثي مطرها، ويأمر الأرض فتحبس مطرها كله فلا تقطر قطرة، ويأمر الأرض أن تحبس نباتها كله فلا تنبت خضراء، فلا تبقى ذات ظلف إلا هلكت إلا ما شاء الله تعالى ".
فقيل: وما يعيش الناس في ذلك الزمان؟ قال: " التهليل والتكبير والتسبيح والتحميد، ويجري ذلك عليهم مجرى الطعام ".
أخرجه الحافظ أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني، في
[ ٣٣٧ ]
سننه.
وقال: في آخره: سمعت أبا الحسن الطنافسي يقول: سمعت عبد الرحمن المحاربي يقول: ينبغي أن يدفع هذا الحديث إلى المؤدب حتى يعلمه الصبيان في الكتاب
وعن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ، سئل عن طعام المؤمنين في زمن الدجال، قال: " طعام الملائكة ".
قالوا: وما طعام الملائكة؟ قال: " طعامهم منطقهم بالتسبيح والتقديس، فمن كان منطقه يومئذ التسبيح والتقديس، أذهب الله عنه الجوع، فلا يحس جوعًا ".
أخرجه الحافظ أبو عبد الله الحاكم، في مستدركه، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، على شرط مسلم، ولم يخرجه.
وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇، في قصة الدجال، قال: ألا وإن أكثر أتباعه أولاد الزنا، لابسو التيجان، وهم اليهود،
[ ٣٣٨ ]
عليهم لعنة الله، يأكل ويشرب، له حمار أحمر، طوله ستون خطوة مد بصره، أغور اليمين، وإن ربكم ﷿ ليس بأعور، صمد لا يطعم، فيشمل البلاد البلاء، ويقيم الدجال أربعين يومًا، أو يوم كسنة، والثاني كأقل، فلا تزال تصغر وتقصر حتى تكون آخر أيامه كليلة يوم من أيامكم هذه، يطأ الأرض كلها إلا مكة والمدينة وبيت المقدس.
ويدخل المهدي ﵇ بيت المقدس ويصلي بالناس إمامًا، فإذا كان يوم الجمعة، وقد أقيمت الصلاة نزل عيسى ابن مريم ﵇ بثوبين مشرقين حمر، كأنما يقطر من رأسه الدهن، رجل الشعر، صبيح الوجه، أشبه خلق الله ﷿ بأبيكم إبراهيم خليل الرحمن ﵇ فيلتفت المهدي، فينظر عيسى ﵇، فيقول لعيسى: يا ابن البتول، صل بالناس. فيقول: لك أقيمت الصلاة، فيتقدم المهدي ﵇، فيصلي بالناس، ويصلي عيسى ﵇ خلفه، ويبايعه.
ويخرج عيسى ﵇ فيلتقي الدجال، فيطعنه، فيذوب كما يذوب الرصاص، ولا تقبل الأرض منهم أحدًا، لا يزال الحجر والشجر يقول: يا مؤمن، تحتي كافر اقتله.
ثم إن عيسى ﵇ يتزوج امرأة من غسان، ويولد له منها مولد، ويخرج حاجًا، فيقبض الله تعالى روحه في طريقه قبل وصوله إلى مكة.
[ ٣٣٩ ]
وذكر الإمام أبو الحسن محمد بن عبيد الله الكسائي، في قصص الأنبياء، قال: قال كعب الأخبار: يخرج المهدي إلى بلاد الروم. فذكر قصة فتح الروم والقسطنطينية، وقال: ثم يأتيه الخبر بخروج الأعور الدجال، وهو رجل عريض، عينه اليمنى مطموسة، وأما اليسرى فكأنها كوكب، مكتوب بين عينيه كافر بالله وبرسوله، يخرج يدعي أنه الرب، ولا يسمعه أحد إلا تبعه إلا من عصمه الله تعالى، ويكون له جنة ونار، فيقول: هذه جنة لمن سجد لي، ومن أبي أدخلته النار.
قال: قال وهب بن منبه: عند خروج الأعور الدجال، تهب ريح قوم عاد، وسماع صيحة كصيحة قوم صالح، ويكون مسخ كمسخ أصحاب الرسِّ، وذلك عند ترك الناس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويسفكون الدماء، ويستحلون الربات، ويعظم البلاء، وتشرب الخمر، ويكتفي الرجال بالرجال والنساء بالنساء، فعند ذلك يخرج الدجال من ناحية المشرق، من قرية يقال لها درادس، يخرج على حمار مطموس العين، مكسور الطرف، يخرج منه الحيات، محدودب الظهر، وقد صور كل السلاح في يديه، حتى الرمح والقوس، يخوض البحار إلى كعبه، وتكون أجناده أولاد الزنا، وتجيء إليه السحرة، وإذا أتى ببلد يقول: أنا ربكم.
قال: يطوف الأرض جميعًا، حتى يدخل أرض بابل، يلقاه الخضر
[ ٣٤٠ ]
فقال: أنا ربكم.
فقال الخضر: كذبت يا دجال، إن رب العالمين رب السموات والأرض.
فيقتله الدجال، ويقول: قل لرب العالمين يحييك.
فيحيي الله تعالى الخضر ﵇ فيقوم، ويقولك ها أنا يا دجال.
فيقول لأصحاب الدجال: يا ويلكم، لا تعبدوا هذا الكافر الملعون.
فيقتله ثلاث مرات، فيحييه الله تعالى.
ثم يخرج الدجال نحو مكة، فينظر إلى الملائكة محدقين بالبيت الحرام.
ثم يسير إلى المدينة، فيجدها
[ ٣٤١ ]
كذلك، يطوف البلاد إلا أربع مدن، مكة والمدينة، وبيت المقدس، وطرسوس.
وأما المؤمنون فإنهم يصومون ويصلون، غير أنهم تركوا المساجد ولزموا بيوتهم. والشمس تطلع عليهم مرة بيضاء ومرة حمراء، ومرة سوداء، والأرض تزلزل، والمسلمون يصبرون، حتى يسمعوا بمسير المهدي إلى الدجال فيفرحون بذلك
ويقال: إن المهدي يسير إلى قتال الدجال، وعلى رأسه عمامة رسول الله ﷺ عمامة بيضاء، فيلتقون ويقتلون قتالًا شديدًا، فيقتل من أصحاب الدجال ثلاثين ألفًا، وينهزم الدجال ومن معه نحو بيت المقدس، فيأمر الله تعالى الأرض بإمساك خيولهم، ثم يرسل الله تعالى عليهم ريحًا حمراء، فيهلك منهم أربعون ألفًا.
ثم يسير المهدي في طلبه، فيجد من عسكره نحوًا من خمسين ألفًا فيريهم الآيات والمعجزات، ويدعوهم إلى الإيمان، فلا يؤمنون، فيمسخهم الله تعالى قردة وخنازير.
ثم يأمر الله ﷿ جبريل أن يهبط بعيسى، ﵉ إلى الأرض وهو في السماء الثانية، فيأتيه، فيقول: يا روح الله وكلمته، ربك يأمرك بالنزول إلى الأرض. فينزل ومعه سبعون ألفًا من الملائكة، وهو بعمامة خضراء، متقلد بسيف على فرس، بيده خربة، فإذا نزل الأرض نادى
[ ٣٤٢ ]
منادٍ: يا معشر المسلمين، جاء الحق وزهق الباطل. فأول من يسمع بذلك المهدي فيصير إليه ويذكر الدجال، فيسير إليه فإذا نظر الدجال إليه يرتعد كأنه العصفور في يوم ريح عاصف، فيتقدم إليه عيسى، فإذا رآه الدجال يذوب، كما يذوب الرصاص، فيقول عيسى: ألست زعمت أنك إلهٌ تعبد، فلم لا تدفع عن نفسك القتل؟ ثم يطعنه بحربة، فيموت.
ثم يضع المهدي سيفه وأصحابه في أصحاب الدجال، فيقتلونهم فيملأ الأرض عدلًا، كما ملئت جورًا، حتى ترعى الوحوش والسباع، وتلعب بهم الصبين، وتأمن النساء في أنفسهن، حتى لو أن امرأة في العراء لم تخف على نفسها، ويظهر الله تعالى كنوز الأرض للمؤمنين، ويستغني كل فقير، بقدرة الله تعالى.
قال وهب بن منبه، وكعب الأخبار، ﵄: فعند ذلك يتزوج بامرأة من الرب، فيمكث ما شاء الله، ثم يخرج يأجوج ومأجوج.
[ ٣٤٣ ]
الفصل الثالث في ما يستدل به على أن الدجال هو ابن صياد وذكر ما ظهر عليه من آثار البغي والعناد
عن عبد الله بن عمر ﵄ أن عمر بن الخطاب انطلق مع رسول الله ﷺ في رهط من أصحابه قبل ابن صياد، حتى وجده يلعب مع الصبيان، عند أطم بني مغالة، وقد قارب ابن صياد الحلم، فلم يشعر حتى ضرب رسول الله ﷺ ظهره بيده، ثم قال رسول الله ﷺ لابن صياد: " أتشهد أني رسول الله "؟ فنظر إليه ابن صياد، فقال: أشهد أنك رسول الأميين.
ثم قال ابن صياد لرسول الله ﷺ: أتشهد أني رسول الله؟ فرفضه رسول الله ﷺ ثم قال: " آمنت بالله وبرسله ".
ثم قال له رسول الله ﷺ: " ماذا ترى "؟ قال ابن صياد: يأتيني صادق وكاذب.
[ ٣٤٥ ]
فقال رسول الله ﷺ: " خلط عليك الأمر ".
ثم قال له رسول الله ﷺ: " إني قد خبأت لك خبيثًا ".
فقال ابن صياد: هو الدخ.
فقال رسول الله ﷺ: " اخسأ، فلن تعدو قدرك ".
فقال عمر بن الخطاب: ذرني يا رسول الله أضرب عنقه.
فقال له رسول الله ﷺ: " إن يكنه فلن تسلط عليه، وإن لم يكنه فلا خير لك في قتله ".
أخرجه البخاري ومسلم، في صحيحهما.
[ ٣٤٦ ]
وعن سالم بن عبد الله بن عمر، ﵃، قال: سمعت عبد الله بن عمر، يقول: انطلق بعد ذلك رسول الله ﷺ وأبي بن كعب، إلى النخل التي فيها ابن صياد، حتى إذا دخل رسول الله ﷺ إلى النخل، طفق يتقي بجذوع النخل، وهو يختل أن يسمع من ابن صياد شيئًا، قبل أن يراه ابن صياد فرآه رسول الله ﷺ، وهو مضطجع على فراش في قطيفة، له فيها زمزمة، فرأت أم ابن صياد رسول الله ﷺ، وهو يتقي بجذوع النخل، فقالت لابن صياد: يا صاف - هو اسم ابن صياد - هذا محمد.
فثار ابن صياد، فقال رسول الله ﷺ: " لو تركته بين ".
قال أبي: يعني في قوله: " لو تركته بين " قال: لو تركته أمه بين أمره.
أخرجه الإمام مسلم، في صحيحه.
وعن أبي سعيد الخدري، ﵁ قال: لقيه رسول الله ﷺ وأبو بكر، وعمر، في بعض طرق المدينة، فقال له رسول الله ﷺ: " أتشهد أني رسول الله "؟.
فقال هو: أتشهد أني رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ: " آمنت بالله وملائكته وكتبه، ما ترى ".؟
[ ٣٤٧ ]
قال: أرى صادقين وكاذبًا، أو كاذبين وصادقًا.
فقال رسول الله ﷺ: " دعوه ".
أخرجه الإمام مسلم، في صحيحه وعن نافع، قال: لقي ابن عمر ابن صياد، في بعض طرق المدينة، فقال له قولًا أغضبه، فانتفخ حتى ملأ السكة، فدخل ابن عمر على حفصة، وقد بلغها، فقالت له: رحمك الله، ما أردت من ابن صياد؟ أما علمت أن رسول الله ﷺ قال: " إنما يخرج الدجال من غضبة يغضبها ".
أخرجه الإمام مسلم، في صحيحه.
وعن أبي بكرة، قال: قال رسول الله ﷺ: " يمكث أبو الدجال ثلاثين عامًا، لا يولد له ولدٌ، ثم يولد له غلام أعور أضر شيء وأقله منفعة، تنام عينه ولا ينام قلبه ".
ثم نعت لنا رسول الله ﷺ أبويه، فقال: أبوه طوال ضرب اللحم، كأن أنفه منقار، وأمه امرأة فرضاخية، طويلة اليدين ".
فقال أبو بكرة: سمعنا بمولود في اليهود في المدينة، فذهبت أنا والزبير بن العوام، حتى دخلنا على أبويه، فإذا نعت رسول الله ﷺ فيهما، فقلنا: هل لكما ولد؟ فقالا: مكثنا ثلاثين عامًا لا يولد
[ ٣٤٨ ]
لنا ولد، ثم ولد غلام أعور، أضر شيء وأقله منفعة، تنام عينه، ولا ينام قلبه.
قال: فخرجنا من عندهما، فإذا هو منجدل في الشمس في قطيفة، وله همهمة، فتكشف عن رأسه فقال: ما قلتما؟ فقلنا: وهل سمعت ما قلنا؟ قال: نعم، تنام عيناي، ولا ينام قلبي.
أخرجه الإمام أبو عيسى الترمذي، في جامعه وقال: هذا حديث حسن.
وعن أبي سعيد الخدري، ﵁ قال: خرجنا حجاجًا أو عمارًا، ومعنا ابن صائد.
قال: فنزلت منزلًا، فتفرق الناس، وبقيت أنا وهو، فاستوحشت منه وحشة شديدة، مما يقال عليه.
قال: وجاء بمتاعه فوضعه مع متاعي، فقلت: إن الحر شديد، فلو وضعته تحت تلك الشجرة.
قال: ففعل، فرفعت لنا غنم، فانطلق فجاء بعس، فقال: اشرب أبا سعيد.
فقلت: إن الحر شديد، واللبن حار، ما بي إلا أني أكره أن أشرب على يده، أو قال: آخذه عن يده.
فقال: أبا سعيد لقد هممت أن آخذ حبلًا. فأعلقه بشجرة، ثم
[ ٣٤٩ ]
أختنق مما يقول لي الناس؛ يا أبا سعيد، من خفي عليه حديث رسول الله ﷺ ما خفي عليكم معشر الأنصار، أليس قد قال رسول الله ﷺ: " هو كافر " وأنا مسلم، أوليس قد قال رسول الله ﷺ: " لا يدخل المدينة ولا مكة " وقد أقبلت من المدينة، وأنا أريد مكة؟ قال أبو سعيد: حتى كدت أن أعذره.
ثم قال: أما والله إني لأعرفه، وأعرف مولده، وأين هو الآن.
قال: قلت تبًا لك سائر اليوم.
أخرجه الإمام مسلم، في صحيحه.
وفي بعض روايات هذا الحديث، في مسلم في آخره، قال: فلبسني.
وفي بعضها فيه، قال: وقيل له: أيسرك أنك ذلك الرجل؟ قال: فقال، لو عرض علي ما كرهت.
[ ٣٥٠ ]
وعن عبد الله بن عمر ﵄، قال: لقيته مرتين، يعني ابن صياد، قال: فلقيته، فقلت لبعضهم: هل تحدثون أنه هو؟ قال: لا والله.
قال: قلت كذبتني والله، لقد أخبرني، بعضكم أنه لن يموت حتى يكون أكثرهم مالًا وولدًا.
فقال: فكذلك هو زعموا اليوم.
قال: فتحدثنا، ثم فارقته.
قال: فلقيته لقية أخرى، وقد نفرت عينه.
قال: فقلت، متى فعلت عينك ما أرى.؟ قال: لا أدري.
قلت: لا تدري وهي في رأسك؟ قال: إن شاء الله خلقها في عصاك هذه.
قال: فنخر كأشد نخير حمار سمعت.
قال: فزعم بعض أصحابي أني ضربته بعصًا كانت معي حتى تكسرت، وأنا والله فما شعرت.
قال: وجاء حتى دخل على أم المؤمنين، فحدثها، فقالت: ما تريد إليه؟ ألم تعلم أنه قد قال: " إن أول ما يبعثه على الناس غضب يغضبه ".
أخرجه مسلم، في صحيحه.
وعن محمد بن المنكدر ﵁ قال: رأيت جابر عبد الله يحلف بالله أن ابن صياد الدجال.
قال: فقلت: تخلف بالله؟ قال: إني سمعت عمر يحلف على ذلك عند رسول الله ﷺ فلم ينكره
[ ٣٥١ ]
النبي ﷺ.
أخرجه البخاري ومسلم، في صحيحهما.
وعن نافع، قال: كان ابن عمر، يقول: واللهِ ما أشك أن المسيح الدجال ابن صياد.
أخرجه أبو داود، في سننه.
وعن شبل بن عروة عن أبيه، قال: قال، لما فتحنا أصبهان كان بين عسكرنا وبين اليهود فرسخ، فدخلت أقضي حوائج لي فأمسيت، وخشيت أن أقتطع دون العسكر، فقلت لصديق لي من اليهود: أبيت عندك الليلة؟
قال: نعم.
فبت على سطح له، فسمعت اليهود في تلك الليلة يضربون بالدفوف ويزفنون، فقلت لصديقي: كأنكم تريدون أن تنتزعوا
[ ٣٥٢ ]
يدًا من طاعة.
قال: لا، ولكن ملكنا الذي يستفتح به على الرعب يدخل غدًا.
قال: فصليت الصبح، وقعدت على السطح حتى طلعت الشمس، وأقبل رهج من قبل عسكرنا، فإذا أنا برجل في قبة ريحان، وإذا اليهود حوله، يضربون بالدفوف ويزفنون، فإذا هو ابن صياد.
قال: فدخل، فلم ير إلى هذه الغاية.
أخرجه الإمام أبو الحسين أحمد بن جعفر المنادي، في كتاب الملاحم.
وعن جابر بن عبد الله قال: فقد ابن صياد يوم الحرة.
[ ٣٥٣ ]
أخرجه أيضًا ابن المنادي.
وعن النزال بن سبرة، قال: خطبنا علي بن أبي طالب، ﵇، على المنبر، ثم قال: أيها الناس، سلوني قبل أن تفقدوني، قالها ثلاث مرات، فقام إليه الأصبغ بن نباتة فقال: من الدجال، يا أمير المؤمنين؟ قال: يا أصبغ، الدجال الصافي ابن الصياد، الشقي من صدقه، والسعيد من كذبه.
أخرجه الإمام أبو عمرو الداني في سننه.
ورواه الإمام أبو الحسين أحمد بن المنادي في كتاب الملاحم.
[ ٣٥٤ ]
الفصل الرابع في من ذهب إلى أن الدجال غير ابن صياد وإن كان من وصفه غير عاري مستدلًا على ذلك بما صح من حديث تميم الداري.
عن عامر بن شراحيل الشعبي، شعب همدان، أنه سأل فاطمة بنت قيس أخت الضحاك بن قيس، وكانت من المهاجرات الأول، فقال: حدثيني حديثًا سمعتيه من رسول الله ﷺ، لا تسنديه إلى أحد غيره.
فقالت: لئن شئت لأفعلن.
فقال لها: أجل، حدثيني.
فقالت: نكحت ابن المغيرة، وهو من خيار شباب قريش يومئذ، فأصيب في ألو الجهاد مع رسول الله ﷺ فلما تأيمت خطبني عبد الرحمن بن عوف، في نفر من أصحاب محمد ﷺ وخطبني رسول الله ﷺ على مولاه أسامة بن زيد. وكنت قد حدثت أن رسول الله ﷺ، قال: " من أحبني فليحب أسامة " فلما كلمني رسول الله ﷺ قلت: أمري بيدك، فأنكحني من شئت.
فقال: " انتقلي إلى أم شريك ".
وأم شريك امرأة غنية من الأنصار، عظيمة النفقة في سبيل الله، ينزل عليها الضيفان.
قلت: سأفعل.
قال: " لا تفعلي، إن أم شريك امرأة كثيرة الضيفان، فإني أكره أن يسقط عنك خمارك، وينكشف الثوب عن ساقيك، فيرى القوم منك بعض ما تكرهين، ولكن
[ ٣٥٥ ]
انتقلي إلى ابن عمك عبد الله بن عمر وابن أم مكتوم ".
وهو رجل من بني فهر قريش، وهو من البطن الذي هي منه.
فانتقلت إليه، فلما انقضت عدتي، سمعت نداء المنادي، منادي رسول الله ﷺ: الصلاة جامعة، فخرجت إلى المسجد فصليت مع رسول الله ﷺ فكنت في النساء التي تلي ظهور القوم، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته جلس على المنبر، وهو يضحك، فقال: " ليلزم كل إنسان مصلاه "، ثم قال: " أتدرون لما جمعتكم "؟ قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: إني والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة، ولكن جمعتكم لأن تميمة الداري كان رجلًا نصرانيًا، فجاء فبايع، وأسلم، فحدثني حديثًا وافق الذي كنت أحدثكم عن المسيح الدجال، حدثني أنه ركب في سفينة بحرية، مع ثلاثين رجلًا من لخم وجذام، فلعب بهم الموج شهرًا، ثم أرفأوا إلى جزيرة في البحر، حتى مغرب الشمس، فجلسوا في أقرب السفينة، فدخلوا الجزيرة، فلقيتهم دابة أهلب كثير الشعر، لا يذرون ما قبله من دبره.
فقالوا: ويلك ما أنت؟ قالت: أنا الجساسة.
قالوا: وما الجساسة؟ قالت: أيها القوم، انطلقوا إلى هذا الرجل في
[ ٣٥٦ ]
الدير، فإنه إلى خبركم بالأشواق.
قال: لما سمت لنا رجلًا، فرقنا منها أن تكون شيطانة.
قال: فانطلقنا سراعًا، حتى دخلنا الدير، فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقًا، وأشده وثاقًا، مجموعة يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد.
قلنا: ويلك، ما أنت؟ قال: قد قدرتم على خبري، فأخبروني ما أنتم؟
قالوا: نحن أناس من العرب، ركبنا في سفينة بحرية، فصادفنا البحر حين اغتلم، فلعب بنا الموج شهرًا، ثم أرفأنا إلى جزيرتك هذه فجلسنا في أقربها، فدخلنا الجزيرة، فلقيتنا دابة أهلب كثير الشعر، لا ندري ما قبله من دبره من كثرة الشعر، فقلنا: ويلك ما أنت. قالت: أنا الجساسة. قلنا: وما الجساسة؟ قالت: اغمدوا إلى هذا الرجل في الدير، فإنه إلى خبركم بالأشواق، فأقبلنا إليك سراعًا، وفزعنا منها، ولم نأمن أن تكون شيطانه.
فقال: أخبروني عن نخل بيسان.
قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: أسألكم عن نخلها، هل يثمر؟ قلنا له: نعم.
قال: إنها توشك أن لا تثمر.
قال: أخبروني عن بحيرة الطبرية.
قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل فيها ماءٌ؟ قالوا: هي كثيرة الماء.
قال: أما إن ماءها يوشك أن يذهب.
قال: أخبروني عن عين زغر.
قالوا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل في العين ماء؟ وهل يزرع أهلها بماء العين؟ قلنا له: نعم، كثيرة الماء وأهلها يزرعون من مائها.
قال:
[ ٣٥٧ ]
أخبروني عن نبي الأميين، ما فعل؟ قالوا: قد خرج من مكة، ونزل يثرب.
قال: أقاتله العرب؟ قلنا. نعم.
قال: كيف صنع بهم؟.
فأخبرناه أنه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه.
قال لهم: قد كان ذلك؟ قلنا: نعم.
قال: أما إن ذلك خير لهم أن يطيعوه، وإني مخبركم عني، أنا المسيح، وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج، فأخرج فأسير في الأرض، فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة، غير مكة وطيبة، هما محلامتان على كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة أو واحدًا منهما، استقبلني ملك بيده السيف صلتًا يصدني عنها، وإن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها ".
قالت: قال رسول الله ﷺ وطعن بمخصرته في المنبر: " هذه طيبة، هذه طيبة " يعني المدينة " ألا هل كنت حدثتكم ذلك؟ ".
فقال الناس: نعم.
قال: " فإنه أعجبني حديث تميم أنه وافق الذي كنت أحدثكم عنه، وعن المدينة ومكة، ألا إنه في بحر الشام، أو بحر اليمن، لا بل من قبل المشرق، ما هو من قبل المشرق ما هو ". وأومأ بيده إلى المشرق.
قالت: فحفظت هذا من رسول الله ﷺ.
أخرجه الإمام مسلم، في صحيحه.
[ ٣٥٨ ]
قال الشيخ الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، ﵀ بعد ذكر لأحاديث ابن صياد: ومن ذهب إلى أن الدجال غيره، يعني ابن صياد، احتج بحديث تميم الداري، وإسناده أصح، مع جواز موافقة صفته صفة الدجال، والدجال غيره، كما جاء في الخبر، أنه أشبه الناس بعبد العزى بن قطن، وليس به، وأمر ابن صياد على ما حكي عنه، كانت فتنة ابتلى الله بها عباده، كما كان أمر العجل في زمن موسى ﵇ فتنة ابتلاهم الله بها، إلا أن الله ﷿ عصم منها أمة محمد، ﵊، ووقاهم شرها، وليس في حديث جابر أكثر من سكوت النبي ﷺ على قول عمر بن الخطاب ﵁ ويحتمل أنه، ﵇، كان كالمتوقف في بابه، حتى جاء التثبيت من الله ﷿، أنه غيره، فقال في حديث تميم الداري ما قال، والله أعلم.؟
[ ٣٥٩ ]
الفصل الخامس في خروج يأجوج ومأجوج وكيفية فتحهم للسد في أصناف خرجت عن الحصر وأنواع أربت على العد
قال الله تعالى: " حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوجُ وهم من كل حدب ينسلون ".
وعن النواس بن سمعان، ﵁ قال: ذكر رسول الله ﷺ الدجال ذات غداة، فذكر قصته ونزول عيسى ابن مريم ﵇ وقتله الدجال.
ثم قال: " فبينما هو كذلك، إذ أوحى الله تعالى إلى عيسى ﵇ إني قد أخرجت عبادًا لي، لا يدان لأحد بقتالهم، فحرز عبادي إلى الطور.
ويبعث الله تعالى يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون
[ ٣٦١ ]
فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية، فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء ".
وفي رواية أخرى: " ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخمر، وهو جبل بيت
[ ٣٦٢ ]
المقدس، فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض فهلم فلنقتل من في السماء، فيرمون بنشابهم إلى السماء فيرد الله عليهم نشابهم مخضبة دمًا
ويحصر نبي الله عيسى ﷺ وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خير من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى ﷺ وأصحابه، فيرسل الله عليهم النعف في رقابهم، فيصبحون فرسى. كموت نفس واحدة.
ثم يهبط نبي الله عيسى ﵇ وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه رممهم ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى ﵇ وأصحابه إلى الله، فيرسل الله ﷿ طيرًا كأعناق البخت، فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله تعالى، ويستوقد المسلمون من قسيهم وجعابهم سبع سنين.
ثم يرسل الله تعال مطرًا، لا يكن منه بيت مدر، ولا وبر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلقة.
ثم يقال للأرض: أثبتي ثمرتك، ونردي بركتك، فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة، ويستظلون بقحفها، ويبارك في الرسل حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة
[ ٣٦٣ ]
من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس.
فبينما هم كذلك،، إذ بعث الله ريحًا طيبة، فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن، وكل مسلم، ويبقى شرار الناس، يتهارجون فيها تهارج الخمر، فعلهيم تقوم الساعة ".
أخرجه الإمام مسلم في صحيحه.
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في السد، قال: " يحفرونه كل يوم، حتى إذا كادوا يخرقونه، قال الذي عليه: ارجعوا، فستخرقونه غدًا ".
قال: " فيعيده الله ﷿ كأشد ما كان، حتى إذا بلغوا مدتهم، وأراد الله تعالى قال الذي عليهم: ارجعوا فستخرقونه غدًا إن شاء الله: واستثنى.
قال: فيرجعون وهو كهيئته حين تركوه، فيخرقونه، ويخرجون على الناس، فيستقون المياه، ويفر الناس منهم، فيرمون سهامهم في السماء، فترجع مخضبة بالدماء، فيقولون: قهرنا أهل الأرض، وغلبنا من في السماء، قسوة وعلوًا.
قال: فيبعث الله عليهم نعفًا في أقفائهم فيهلكهم ".
قال: " فوالذي نفس محمد بيده، إن دواب الأرض لتسمن وتبطر، وتشكر شكرًا، من لحومهم ".
[ ٣٦٤ ]
أخرجه الإمام الحافظ أبو عبد الله الحاكم، في مستدركه، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، على شرط البخاري ومسلم، ولم يخرجاه.
وأخرجه الحافظ أبو بكر البيهقي، في البعث والنشور، هكذا.
وأخرجه الحافظ أبو عبد الله ابن ماجة القزويني، في سننه بمعناه.
وأخرجه الإمام أبو عمرو الداني، في سننه، وانتهى حديثه عند قوله فيها: فيهلكهم.
وقوله: تشكر بالشين المعجمة، أي تمتلئ.
وعن حذيفة، ﵁ عن رسول الله ﷺ في قصة الدجال، فذكرها، وذكر قتل عيسى ﵇ له، ثم قال: " فعند ذلك خروج يأجوج ومأجوج ".
قال: فيوحي الله ﷿ إلى عيسى: أحرز عبادي بالطور، طور سينين ".
قال حذيفة، فقلت: يا رسول الله، وما يأجوج ومأجوج.
قال: " يأجوج أمة، ومأجوج أمة، كل أمة أربعمائة ألف أمة لا يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى ألف عين تطرف بين يديه من صلبه ".
قال: قلت: يا رسول الله، صف لنا يأجوج ومأجوج.
[ ٣٦٥ ]
قال: " هم ثلاثة أصناف، صنف منهم أمثال الأرز الطوال، وصنف منهم آخر عرضه وطوله سواء، عشون ومائة ذراع في مائة وعشرين ذرعًا، وهم الذين لا يقوم لهم الحديد، وصنف يفترش إحدى أذنيه، ويلتحف بالأخرى ".
قال حذيفة: قال رسول الله ﷺ: " يكون جمع منهم بالشام، وساقتهم بخراسان، فيشربون أنهار المشرق حتى تيبس، فيحلون بيت المقدس، وعيسى والمسلمون بالطور، فيبعث عيسى طليعة، فيشرفون على بيت المقدس، فيرجعون إليه، فيخبرونه أنه ليس ترى الأرض من كثرتهم ".
قال: " ثم إن عيسى يرفع يديه إلى السماء، فيرفع المؤمنون معه، فيدعو الله ﷿، ويؤمن المؤمنون، فيبعث الله تعالى عليهم دودًا، يقال له: النعف، فيدخل في مناخرهم، حتى يدخل في الدماغ، فيصبحون أمواتًا ".
قال: " فيبعث الله ﷿ عليهم مطرًا وابلًا أربعين صباحًا، فيغرقهم في البحر، ويرجع عيسى إلى بيت المقدس، والمؤمنون معه "
وعن عبد الله بن مسعود، ﵁ لما كان ليلة أسري برسول الله ﷺ لقي إبراهيم وموسى وعيسى ﵈، فتذاكروا الساعة متى هي؟ فبدأوا بإبراهيم، فسألوه عنها، فلم يكن عنده منها علم، فسألوا موسى، فلم يكن عنده منها علم، فردوا الحديث إلى عيسى، فقال: عهد الله إلي فيما دون وجبتها. فأما وجبتها فلا يعلمها إلا الله ﷿. فذكر خروج الدجال، فأهبط فأقتله، ثم يرجع الناس إلى بلادهم، فيستقبلهم
[ ٣٦٦ ]
يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، لا يمرون بماء إلا شربوه، ولا بشيء إلا أفسدوه، فيجأرون إلي، فأدعو الله فيميتهم، فتجوى الأرض من ريحهم، فيجأرون إلي، فأعو الله فيرسل السماء بالماء، فيحملهم فيقذف بأجسامهم في البحر، ثم تنسف الجبال، وتمد الأرض مد الأديم.
فعهد الله ﷿ إلي، أنه إذا كان ذلك، أن الساعة من الناس كالحامل المتم، لا يدري أهلها متى تفجاهم بولادتها، ليلًا أو نهارًا.
قال العوام: فوجدت تصديق ذلك في كتاب الله ﷿، ثم قرأ: " حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، واقترب الوعد الحق ".
أخرجه الحافظ أبو عبد الله الحاكم، في مستدركه، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
وعن عبد الله بن عمرو، قال: يأجوج ومأجوج يمر أولهم بنهر مثل دجلة، ويمر آخرهم، فيقول: قد كان في هذا النهر مرة ماء، فلا يموت رجل
[ ٣٦٧ ]
إلا ترك ألفًا من ذريته فصاعدًا، ومن ثلاث أمم؛ تاديس، وتاويل، وناسك، أو قال: منسك، شك، شعبة.
أخرجه الحافظ أبو عبد الله الحاكم، في مستدركه، وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ومسلم، ولم يخرجاه.
وعن عبد الله بن عمرو، قال: إن الله تعالى جزأ الخلق عشرة أجزاء، فجعل تسعة أجزاء الملائكة، وجزءًا سائر الخلق، وجزأ الملائكة عشرة أجزاء، فجعل تسعة أجزاء يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وجزءا لرسالته، وجزأ الخلق عشرة أجزاء، فجعل تسعة أجزاء يأجوج ومأجوج، وجزءا سائر الخلق، والسماء ذات الحبك، قال: السماء السابعة، والحرم بحيالة العرش.
[ ٣٦٨ ]
أخرجه الإمام الحافظ أبو عبد الله الحاكم في مستدركه، وقال: هذا صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وعن وهب بن جابر، قال: دخلت بيت المقدس، فإذا فيه عبد الله بن عمرو، في حلقة يحدثهم.
قال: سمعته يقول: إن يأجوج ومأجوج لا يموت الرجل منهم حتى يولد له من صلبه ألف فصاعدًا، وإن من ورائهم ثلاث أمم، ما يعلم عدتها إلا الله ﷿، منسك، وتاويل، وتاديس.
أخرجه الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي.
وعن الأوزاعي، قال: قال ابن عباس: الأرض ستة أجزاء، فخمسة أجزاء منها يأجوج ومأجوج، وجزء فيه سائر الخلق.
أخرجه الإمام أبو عمرو عثمان بن سعيد المقري، في سننه.
وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ﵇، في قصة الدجال، ونزول عيسى ابن مريم ﵇ قال: ويأجوج ومأجوج في وقت عيسى ابن مريم، ﵇.
قالوا: يا أمير المؤمنين، صف لنا يأجوج ومأجوج.
قال: هم أمم،
[ ٣٦٩ ]
كل أمة منهم أربعمائة ألف ألف نفس، لا يموت الرجل منهم حتى يرى من ظهره ألف عين تطرف، صنف منهم كشجر الأرز الطوال مائة ذراع بلا غلظ، والصنف الثاني طوله مائة ذراع، وعرضه خمسون ذراعًا، والصنف الثالث منهم، وهم أكثر عددًا، قصار يلتحف أحدهم بإحدى أذنيه، ويفترش الأخرى مقدمتهم بالشام، وآخرهم وساقتهم بخراسان، لا يشرفون على ماء إلا نشف يلحسونه وإن بحيرة طبرية يشربونها، حتى لا يكون فيها وزن درهم ماء.
وذكر باقي الحديث
[ ٣٧٠ ]
وذكر الإمام أبو الحسن محمد بن عبيد الكسائي، في قصص الأنبياء ﵈، قال: وهب منبه، وكعب الأخبار ﵄: فعند ذلك، أي عند قتل عيسى ابن مريم، ﵇ للدجال، يتزوج بامرأة من العرب، فيمكث ما شاء الله تعالى، ثم يخرج يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فتمتلئ الأرض منهم، حتى لا يكون للطير موضع تفقر فيه، ولا ينزلون بلدًا إلا أبادوا أهله، ثم يسيرون إلى بيت المقدس لقتال عيسى ابن مريم ﵉، وإذا هم قد أتوا إلى البيت المقدس، ورموا المدينة بالسهام، حتى تسد السهام عين الشمس، ويقتلون خلقًا كثيرًا، فيدعو عيسى عليهم، فيرسل الله تعالى عليهم عفاريت الجن، فيقتلونهم عن آخرهم، فيفرح المسلمون، حتى يتم لعيسى في أرض الدنيا أربعون سنة، وأمر الله تعالى ملك الموت أن ينزل إليه، فيوقفه على موضع قبره، ثم يقبضه ويدفنه، ﷺ.
الفصل السادس في خروج الدابة من الأرض مؤذنة بقرب يوم العرض
قال الله تعالى: " وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ".
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " أول الآيات طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيتهما ما كانت قبل صاحبتها، فالأخرى على آثرها، قريبًا منها ".
أخرجه البخاري ومسلم، في صحيحهما.
وعن أبي سريحة الأنصاري، عن النبي ﷺ، قل: " يكون
[ ٣٧١ ]
للدابة ثلاث خرجات من الدهر، تخرج أول خرجة بأقصى اليمن، فيفشو ذكرها بالبادية، ولا يدخل ذكرها القرية - يعني مكة - ثم بينما الناس يومًا في أعظم المساجد حزمة، وأحبها إلى الله وأكرمها على الله تعالى - يعني المسجد الحرام - لم يرعهم إلا وهي في ناحية المسجد تدنو وتربو بين الركن الأسود وبين باب بني مخزوم، عن يمين الخارج في وسط من ذلك، فيرفض الناس عنها شتى ومعًا، ويثبت لها عصابة من المسلمين، عرفوا أنهم لن يعجزوا الله، فخرجت عليهم تنفض عن رأسها التراب، فبدت بهم، فجلت عن وجوههم، حتى تركتها كأنها الكواكب الدرية، ثم ولت في الأرض لا يدركها طالب، ولا يعجزها هارب، حتى أن الرجل ليتعوذ منها بالصلاة، فتأتيه من خلفه، فتقول: أي فلان، الآن تصلي؟ فيلتفت إليها، فتسمه في وجهه.
ثم تذهب، فيتحاور الناس في ديارهم، ويصطحبون في أسفارهم، ويشتركون في الأموال، يعرف المؤمن الكافر، حتى إن الكافر يقول: يا مؤمن اقضني حقي. ويقول المؤمن يا كافر اقضني حقي ".
أخرجه الحافظ أبو عبد الله الحاكم، في مستدركه، وقال: هذا
[ ٣٧٢ ]
حديث صحيح الإسناد، وهو أبين حديث ذكر في دابة الأرض، ولم يخرجاه.
وأخرجه الإمام أبو بكر البيهقي بمعناه.
وعن نس بن مالك، ﵁ قال في دابة الأرض: إن فهيا من كل أمة سيماء، وإن سيماءها من هذه الأمة أنها تتكلم بلسان عربي مبين.
أخرجه الإمام أبو عمرو المقري، في سننه.
وعن أبي الطفيل، أنه سئل من أين تخرج الدابة؟ قال: من الصفا، أو من المروة.
أخرجه الحافظ أبو بكر البيهقي، في البعث والنشور.
[ ٣٧٣ ]
وعن ابن عباس ﵄ أنه كان يقول: هي دابة ذات زغب وريش، لها أربع قوائم، تخرج من مكة.
أخرجه الإمام أبو عمرو الداني في سننه.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " بئس الشعب جياد " مرتين أو ثلاثًا.
قالوا: ولم ذاك يا رسول الله؟ قال: " تخرج منه الدابة فتصرخ ثلاث صرخات فيسمعها من بين الخافقين ".
أخرجه الحافظ أبو بكر البيهقي، في البعث والنشور.
وعن حذيفة ﵁ عن رسول الله ﷺ في خروج الدابة، قال: فقلت يا رسول الله، وما الدابة؟ قال: " ذات وبر وريش عظمها ستون ميلًا، ليس يدركها طلب، ولا يفوتها هارب، تسم الناس مؤمنًا وكافرًا، فأما المؤمن فتترك في وجهه كالكوكب الدري، وتكتب بين عينيه: مؤمن. وأما الكافر فتنكت بين عينه نكتة سوداء، وتكتب بين عينيه: كافر ".
[ ٣٧٤ ]
أخرجه الإمام أبو عمرو الداني، في سننه.
وعن أبي هريرة، ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " تخرج دابة الأرض من جياد، فيبلغ صدرها الركن ولم يخرج ذنبها بعد ".
قال: " وهي دابة ذات وبر وقوائم "
أخرجه أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " تخرج الدابة ومعها عصى موسى، وخاتم سليمان، فتجلو وجه المؤمن، وتخطم أنف الكافر بالخاتم، حتى إن أهل الخوان يجتمعون، فيقولون لهذا: يا مؤمن: يا كافر ".
أخرجه الإمام أبو عبد الله الحاكم، في مستدركه.
وأخرجه
[ ٣٧٥ ]
الحافظ أبو بكر البيهقي بمعناه.
وعن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: ذهب بي رسول الله ﷺ إلى موضع بالبادية، قريب من مكة، فإذا أرض يابسة، حولها رمل، فقال رسول الله ﷺ: " تخرج الدابة من هذا الموضع "، فإذا فتر في شبر.
قال ابن بريدة: فحججت عبد ذلك بسنين، فأرانا عصًا له، فإذا هي بعصاي هذه، كذا وكذا. خ الحافظ أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة القزويني، في سننه.
وعن أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب ﵇ في ذكر الدابة قال: ألا وينشر الصفا، وتخرج منه الدابة أول رأسها، ذات وبر وريش، فيها من كل الألوان، معها عصا موسى ﵇، وخاتم سليمان ﵇، تسم المؤمن مؤمنًا، وتسم الكافر كافرًا، تنكت وجه المؤمن بالعصا فتتركه أبيض، وتنكت وجه الكافر بالخاتم، فتتركه أسود، فلا يبقى أحد في سوق ولا برية، إلا وسمت وجهه.
وذكر باقي الحديث.
[ ٣٧٦ ]
الفصل السابع في طلوع الشمس من مغربها وحسم طريق التوبة وسد مذهبها
قال الله تعالى: " هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة، أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك، يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا، قل انتظروا إنا منتظرون ".
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا جمعيًا، وذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيرًا ".
[ ٣٧٩ ]
أخرجه البخاري ومسلم، في صحيحهما.
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي، قال: " من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه ".
أخرجه الإمام مسلم في صحيحه.
وعن أبي ذر ﵁ قال: دخلت المسجد، فإذا النبي ﷺ جالس، فلما غابت الشمس، قال: " يا أبا ذر، هل تدري أين تذهب "؟.
قلت: الله ورسوله أعلم.
قال: " فإنها تذهب فتستأذن في السجود، فيؤذن لها ".
قال: فكأنها قد قيل لها: اطلعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها ".
قال: ثم قرأ في قراءة عبد الله بن مسعود: وذلك مستقر لها.
أخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما.
وعن عمرو بن جرير قال: جلس إلى مروان ثلاثة نفر بالمدينة، فسمعوه يحدث عن الآيات أن أولها خروج الدجال.
فقام القوم من عند مروان، فجلسوا إلى عبد الله بن عمرو، فحدثوه بما قال مروان، فقال عبد الله: لم يقل مروان شيئًا سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن أول
[ ٣٨٠ ]
الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها، والدابة، أيها كانت فالأخرى على أثرها قريبًا ".
ثم نشأ يحدث، قال: وذلك أن الشمس إذا غربت أتت تحت العرش فسجدت، واستأذنت في الرجوع، فيؤذن لها، حتى إذا أراد الله أن تطلع من مغربها أتت تحت العرش فسجدت، واستأذنت في الرجوع، فلم يرد عليها، وعلمت أن لو أذن لها لم تدرك المشرق، فقالت: يا رب، ما أبعد المشرق، من لي بالناس حتى إذا كان الليل فاستأذنت فقال لها: اطلعي من مكانك.
قال: وكان عبد الله يقرأ الكتب، فقرأ: " وذلك يوم لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا ".
أخرجه الحافظ أبو عبد الله الحاكم في مستدركه، وقال: هذا حديث صحيح، على شرط البخاري ومسلم، ولم يخرجاه.
وفي قبالته في الحاشية، بخط البيهقي: أخرجه مسلم.
[ ٣٨١ ]
وعن أبي هريرة، ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيرًا، طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض ".
أخرجه الإمام مسلم في صحيحه
وعن وهب بن جابر، قال: دخلت بيت المقدس، فإذا فيه عبد الله بن عمرو في حلقة يحدثهم، فسمعته يقول: إن يأجوج ومأجوج ما يموت الرجل منهم حتى يولد له من صلبه ألف فصاعدًا، وأن من ورائهم ثلاث أمم، ما يعلم عدتهم إلا الله ﷿، منسك، وتاويل، وتاديس، وإن الشمس إذا خرت ساجدة، فتسلم وتستأذن، فلا يؤذن لها، ثم تستأذن فلا يؤذن لها، حتى إذا كان قدر ليلتين أو ثلاث، قيل لها: اطلعي من حيث غربت. فتطلع من المغرب، فيؤمن أهل الأرض كلهم، وهي فيما بلغنا أول الآيات، لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل. فيذهب الناس فيتصدقون بالذهب والفضة، فلا يؤخذ منهم ويقال: لو كان بالأمس!.
أخرجه الحاف أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي.
[ ٣٨٢ ]
وعن أبي ذر ﵁ قال: كنت مع رسول الله ﷺ في المسجد، عند غروب الشمس، فقال: " يا أبا ذر، أتدري أين تغرب "؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم.
قال: " فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش عند ربها، فتستأذن فلا يؤذن لها، حتى تستشفع وتطلب، فإذا طال عليها، قيل لها: اطلعي من مكانك، فذلك قوله: " والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم ".
أخرجه الحافظ أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني، في سننه.
وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ: " أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى ".
قال عبد الله بن عمرو: فأيتهما ما خرجت قبل الأخرى، فالأخرى منها قريب. قال عبد الله: ولا أظنها إلا طلوع الشمس من مغربها.
أخرجه الحافظ أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة القزويني، في سننه.
[ ٣٨٣ ]
وعن حذيفة ﵁ عن رسول الله ﷺ في ذكر أشراط الساعة، قال: " وطلوع الشمس من مغربها، يكون طول الليلة ثلاث ليال، لا يعرفها إلا الموحدون أهل القرآن، يقوم أحدهم فيقرأ حزبه، فيقول: قد عجلت الليلة. فيرجع فيرقد رقدة، ثم يهب من نومه فيسير بعضهم إلى بعض، فيقول: هل أنكرتم ما أنكرنا؟ فيقول بعضهم لبعض: غدًا تطلع الشمس من مغربها. فإذا طلعت من مغربها، فعند ذلك لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا ".
أخرجه الإمام أبو عمرو الداني، في سننه.
وعن صفوان بن عسال، ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " إن من قبل مغرب الشمس باب مفتوح، عرضه سبعون سنة، فلا يزال ذلك الباب مفتوحًا للتوبة، حتى تطلع الشمس من نحوه، فإذا طلعت من نحوه لم ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا ".
أخرجه الإمام أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني في سننه.
[ ٣٨٤ ]
وعن عبد الله بن عمرو، قال: إن الشمس تطلع من حيث يطلع الفجر، فإذا أرادت أن تطلع تقاعست حتى تضرب بالعمد، وتقول: يا رب، إذا طلعت عبدت من دونك. فتطلع على ولد آدم فتجري حتى تأتي المغرب فتسلم، فيرد عليها، وتسجد فينظر إليها، ثم تستأذن فيؤذن لها، فتجري إلى المشرق، والقمر كذلك، حتى يأتي عليها يوم تغرب فيه، فتسلم فلا يرد عليها، وتسجد فلا ينظر إليها، وتستأذن فلا يؤذن لها، فتجلس حتى يجيء القمر، فيسلم فلا يرد عليه، ويسجد فلا ينظر إليه، ثم يستأذن فلا يؤذن له، ثم يقال لهما: ارجعا من حيث جئتما. فيطلعان من المغرب كالبعيرين المقترنين، فذلك قوله ﷿: " يوم يأتي بعض آيات ربك ".
أخرجه الإمام أبو عمرو الداني في سننه.
وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇ في ذكر أشراط الساعة، قال: ألا وتكون الناس بعد طلوع الشمس من مغربها كيومهم هذا، يطلبون النسل والولد، يلقى الرجل الرجل فيقول: متى ولدت، فيقول: من طلوع الشمس من المغرب. وترفع التوبة، فلا تنفع نفسًا إيمانها، لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيرًا، هو التوبة
[ ٣٨٥ ]
الفصل الثامن في أحاديث متفرقة وحوادث مفرقة وآثار مقلقة ومآثر موبقة
عن حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁ قال: طلع النبي ﷺ ونحن نتذاكر، فقال: " ما تذاكرون "؟ قالوا: نذكر الساعة.
قال: " إنها لن تقوم الساعة حتى يرى قبلها عشر آيات، فذكر
[ ٣٨٧ ]
الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف، خسف بالمغرب، وخسف بالمشرق، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك كله نار تخرج من اليمن، تطرد الناس إلى محشرهم ".
أخرجه الإمام مسلم، في صحيحه.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ: " تبعث نار على أهل المشرق، فتحشرهم إلى المغرب، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، تكون لها ما سقط منهم وتخلف، تسوقهم سوق الجمل الكسير ".
[ ٣٨٨ ]
أخرجه الحافظ أبو عبد الله الحاكم، في مستدركه، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: " ستخرج نار من حضرموت قبل يوم القيامة، تحشر الناس ".
قلنا: يا رسول الله، فما تأمرنا؟ قال: " عليكم بالشام ".
أخرجه الإمام أحمد بن حنبل، في مسنده.
ورواه الحافظ أبو
[ ٣٨٩ ]
عيسى الترمذي، في جامعه.
وعن حذيفة بن اليمان، ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " يلتفت المهدي، وقد نزل عيسى ابن مريم ".
فذكر الحديث، وفي آخره الآيات في زمانه، أول الآيات الدجال، ثم نزول عيسى ثم نار تخرج من بحر عدن، تسوق الناس إلى المحشر.
أخرجه الحافظ أبو نعيم الأصفهاني، في مناقب المهدي.
وعن عبد الله بن عمرو، ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " يخرج الدجال في أمتي، فيمكث أربعين ".
لا أدري أربعين يومًا أو أربعين شهرًا أو أربعين عامًا " فيبعث الله عيسى ابن مريم كأنه عروة بن مسعود، فيطلبه فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين، لي بين اثنين عداوة.
ثم يرسل الله ريحًا باردة، من قبل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته حتى لو أن أحدكم دخل
[ ٣٩٠ ]
في كبد جبل لدخلت عليه حتى تقبضه ".
قال: سمعتها من رسول الله ﷺ.
قال: " فيبقى شرار الناس، في خفة الطير، وأحلام السباع، لا يعرفون معروفًا، ولا ينكرون منكرًا، فيتمثل لهم الشيطان، فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دار رزقهم. حسن عيشهم.
ثم ينفخ في الصور، فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتًا، ورفع ليتًا ".
قال: فأول من يسمعه رجل من يسمعه رجل يلوط حوض إبله ".
قال: " فيصعق، ويصعق الناس، ثم يرسل الله تعالى " أو قال: " ينزل فيه أخرى، فإذا هم قيام ينظرون ".
ثم يقال: يا أيها الناس، هلم إلى ربكم " وقفوهم إنهم مسؤولون ".
ثم يقال: أخرجوا بعث النار، فيقال: من كم؟ فيقال: من كل تسعمائة وتسعة وتسعين.
قال: فذلك يوم " يجعل الولدان شيبًا " وذلك " يوم يكشف عن ساق ".
أخرجه الإمام مسلم، في صحيحه.
وعن جابر بن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ قال: " لا تقوم
[ ٣٩١ ]
الساعة إلا على شرار الناس ".
أخرجه الإمام مسلم، في صحيحه.
وعن خارجة بن الصلت الرجمي، قال: دخلت مع عبد الله يومًا المسجد، فإذا القوم ركوع، فمر رجل فسلم لعيه، فقال: صدق الله ورسوله صدق الله ورسوله!!.
فسألته عن ذلك، فقال: " إنه لا تقوم الساعة حتى تتخذ المساجد طرقًا، وحتى يسلم الرجل على الرجل بالمعرفة، وحتى تتجر المرأة وزوجها، وحتى تغلو الخيل والنساء، ثم ترخص فلا تغلو إلى يوم القيامة ".
أخرجه الحافظ أبو عبد الله الحاكم، في مستدركه، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
وعن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله ".
أخرجه الحافظ أبو عبد الله الحاكم، في مستدركه، وقال: هذا
[ ٣٩٢ ]
حديث صحيح على شرط البخاري ومسلم، ولم يخرجاه.
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " والذي نفسي بيده، لا تقوم الساعة على رجل يقول: لا إله إلا الله، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ".
أخرجه الحافظ أبو عبد الله الحاكم في مستدركه، وقال: حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجه
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " لا تقوم
[ ٣٩٣ ]
الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله، وحتى إن المرأة لتمر بالنعل فترفعها وتقول: قد كانت هذه لرجل، وحتى يكون في خمسين امرأة القيم الواحد، وحتى تمطر السماء ولا تنبت الأرض ".
أخرجه الحافظ أبو عبد الله الحاكم، في مستدركه، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجه.
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " لا تقوم الساعة حتى لا يبقى على وجه الأرض أحد لله فيه حاجة، وحتى تؤخذ المرأة نهارًا وجهارًا في وسط الطريق، لا ينكر ذلك أحد، ولا يغيره، فيكون أمثلهم يومئذ الذي يقول: لو نحيتها عن الطريق قليلًا، فذاك فيهم مثل أبي بكر وعمر فيكم ".
أخرجه الحافظ أبو عبد الله الحاكم، في مستدركه، وقال: هذا
[ ٣٩٤ ]
حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
وعن أبي إدريس الخولاني، عن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: هذه فتن قد أظلت كجباه البقر، يهلك فيها أكثر الناس، إلا منم كان يعرفها قبل ذلك.
أخرجه الحافظ أبو عبد الله نعيم بن حماد، في كتاب الفتن.
وعن عبد الله بن أبي جعفر قال: لما قص الله على موسى ﵇ شأن هذه الأمة، تمنى أن يكون رجلًا منه، فقال الله ﷿: يا موسى إنه يصيب آخرهم بلاء وشدة من الفتن.
فقال موسى: يا
[ ٣٩٥ ]
رب ومن يصبر على هذا؟ قال الله ﷿: إني أعطيهم من الصبر والإيمان ما يهون عليهم البلاء.
أخرجه أيضًا نعيم بن حماد، في كتاب الفتن.
وعن عبد الله بن عمرو، قال: يأتي على الناس زمان يتمنى الرجل ذو الشرف والمال والولد الموت، مما يرى من البلاء من ولاتهم.
أخرجه أيضًا نعيم بن حماد، في كتاب الفتن.
وعن عبد الله بن عمرو، قال: ليأتين على الناس زمان يتمنى فيه المؤمن لو أنه في فلك مشحون هو وأهله، يموج في البحر، من شدة ما في الأرض من البلاء.
أخرجه أيضًا نعيم بن حماد، في كتاب الفتن.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: تلا رسول الله ﷺ: " إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجًا " فقال رسول الله ﷺ: " ليخرجن منه أفواجًا، كما دخلوا فيه أفواجًا ".
[ ٣٩٦ ]
أخرجه الحافظ أبو عبد الله الحاكم في مستدركه، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنس، وحتى تكلم الرجل عذبة سوطه وشراك فعله، وتخبره فخذه بما أحدث أهله بعده ".
أخرجه الحافظ أبو عبد الله الحاكم في مستدركه.
والإمام أبو داود، في سننه.
وأبو عيسى الترمذي في جامعه.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب، يقتتل الناس عليه، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون، ويقول كل منهم: لعلي أكون أنا الذي أنجو ".
أخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما.
[ ٣٩٧ ]
وعن عبد الله بن الحارث بن نوفل، قال: كنت واقفًا مع أبي بن كعب، فقال: لا يزال الناس مختلفة أعناقهم في طلب الدنيا!.
قلت: أجل.
قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يوشك الفرات أن يَحْسِرَ عن جبل من ذهب، فإذا سمع به الناس، ساروا إليه فيقول من عنده: لئن تركنا الناس يأخذون منه ليذهبن به كله ".
قال: " فيقتتلون عليه، فيقتل منهم من كل مائة تسعة وتسعون ".
أخرجه الإمام مسلم في صحيحه.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " يوشك الفرات أن يَحْسِرَ عن كنز من ذهب، فمن حضره فلا يأخذه منه شيئًا ".
أخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " والذي نفسي بيده، لا تذهب الدنيا حتى يمر الرجل على القبر، فيتمرغ عليه، ويقول: يا ليتني كنت مكان صاحب هذا القبر، وليس به الدين، إلا البلاء ".
أخرجه الإمام مسلم، في صحيحه
[ ٣٩٨ ]
وعن حذيفة ﵁ قال: " أول ما تفقدون من دينكم الخشوع، وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة، ولتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، وليصلين النساء وهن حيض، ولتسلكن طريق من كان قبلكم خذو القذة بالقذة، وحذو النعل بالنعل، لا يخطئون طريقهم، ولا يخطئنكم، حتى يبقى فريقان من فرق كثيرة، تقول إحداهما: ما بال الصلوات الخمس، لقد ضل من كان قبلنا، إنما قال الله ﵎: " أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل ". لا تصلوا إلا ثلاثًا، وتقول الأخرى: إنا مؤمنون بالله كإيمان الملائكة، ما فينا كافر ولا منافق حقًا على الله أن يحشرهما مع الدجال ".
أخرجه الحافظ أبو عبد الله الحاكم في مستدركه.
وعن حذيفة بن اليمان، ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتى لا يدري ما صيام، ولا صدقة، ولا نسك، ويسرى على كتاب الله في ليلة، فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس؛ الشيخ الكبير، والعجوز الكبيرة، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله، فنحن
[ ٣٩٩ ]
نقولها ".
قال صلة بن زفر لحذيفة: فما تغني عنهم لا إله إلا الله، وهم لا يدرون ما صيام ولا صدقة، ولا نسك.؟ فأعرض عنه حذيفة ثم أقبل عليه في الثالثة، فقال: يا صلة، تنجيهم من النار، تنجيهم من النار.
أخرجه الحافظ أبو عبد الله الحاكم، في مستدركه، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، على شرط مسلم ولم يخرجاه.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لما كان ليلة أسري برسول الله ﷺ، لقي إبراهيم وموسى وعيسى ﵈، فتذاكروا الساعة متى هي؟ فبدأوا بإبراهيم فسألوه عنها، فلم يكن عنده منها علم، فسألوا موسى، فلم يكن عنده منها علم، فردوا الحديث إلى عيسى، فقال: عهد الله إلي فيما دون وجبتها، فأما وجبتها فلا يعلمها إلا ﷿، فذكر خروج الدجال وقتله، وخروج يأجوج ومأجوج، وهلاكهم، ثم تنسف الجبال، وتمد الأرض مد الأديم، فعهد الله إلى أنه إذا كان ذلك، أن الساعة من الناس كالحامل المتم، لا يدري أهلها متى تفجؤهم بولادتها، ليلًا أو نهارًا.
قال العوام: فوجدت تصديق ذلك في كتاب الله ﷿، ثم قرأ: " حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون
[ ٤٠٠ ]
واقترب الوعد الحق ".
أخرجه الحاكم، في مستدركه، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه وعن الضحاك قال: بينما الناس في أسواقهم، إذ انشقت السماء، فهبط من فيها، فأحاطوا بأهل الأرض، فيفر الناس والوحوش والجن في أقطار الأرض، فليس من وجه يذهبون فيه إلا وجدوا الملائكة قد أحاطوا بهم.
أخرجه الإمام أبو عمرو الداني، في سننه.
وعن عقبة بن عامر الجهني، ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " تطلع عليكم قبل الساعة سحابة سوداء من قبل المغرب، مثل الترس، فما تزال ترتفع في السماء حتى تملأ السماء، ثم ينادي مناد: يا أيها الناس. فيقبل الناس بعضهم على بعض: هل سمعتم؟ فمنهم من يقول: نعم. ومنهم من يشك.
ثم ينادي الثانية، يا أيها الناس، فيقول الناس: هل سمعتم؟ فيقولون: نعم.
ثم ينادي: أيها الناس " أتى أمر الله فلا تستعجلوه ".
قال رسول الله ﷺ: " والذي نفسي بيده، إن الرجلين لينشران الثوب فما يطويانه، أو يتبايعانه أبدًا، وإن الرجل ليمدر حوضه فما يسقي فيه شيئًا، وإن الرجل ليحلب ناقته فما يشربه أبدًا، ويشغل الناس ".
[ ٤٠١ ]
أخرجه الحافظ أبو عبد الله الحاكم، في مستدركه، وقال: هذا حديث صحيحه على شرط مسلم، ولم يخرجاه.
وعن حذيفة ﵁، عن رسول الله ﷺ في ذكر أشراط الساعة، قال: " فعند ذلك يظهر الدخان " يني عند هلاك يأجوج ومأجوج، ورجوع عيسى إلى بيت المقدس.
قال حذيفة: قلت: يا رسول الله: وما آية الدخان؟ قال: " تسمع له ثلاث صيحات، ودخان يملأ ما بين المشرق والمغرب، فأما المؤمن فتصيبه مثل السكران، يدخل في منخره وأذنه وفيه ودبره، وخسف بالمشرق وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وخروج الدابة "
وذر قصتها وقصة طلوع الشمس من مغربها، وقال: " ثم يبعث الله ﷿ من قبل مكة ريحًا ساكنة تقبض روح ابن مريم وأرواح المؤمنين معه، وتبقي سائر الخلق، لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا، فيمكثون ما شاء الله، فتقوم عليهم الساعة، وهم شرار الخلق.
أخرجه الإمام أبو عمرو الداني، في سننه.
وعن كعب الأخبار، ﵁ في حديث يأجوج ومأجوج، فذكر قصة خروجهم وهلاكهم.
ثم قال: يرسل الله تعالى مطرًا فتطهر الأرض، وتخرج زهرتها وبركتهتا، وتراجع الناس حتى إن الرمانة،
[ ٤٠٢ ]
لتشبع السكن.
قيل: وما السكن؟ قال: هل البيت.
وتكون سلوة من عيش فبينما الناس كذلك، إذ جاءهم خبر أن ذا السويقتين صاحب الجيش قد غزا البيت، فيبعث المسلمون جيشًا فلا يصل إليهم، ولا يرجعون إلى أصحابهم، حتى يبعث الله ريحًا يمانية، من تحت العرش فتقبض روح كل مؤمن أخرجه الإمام أبو عمرو الداني في سننه.
وعن كعب الأخبار ﵁ قال: يمكث الناس بعد يأجوج ومأجوج، في الرخاء والخصب والدعة، عشر سنين، حتى إن الرجلين ليحملان الرمانة الواحدة، ويحملان بينها العنقود الواحد من العنب، فيمكثون على ذلك عشر سنين.
ثم يبعث الله تعالى ريحًا طيبة، فلا تذر مؤمنًا إلا قبضت روحه، ثم تبقي الناس بعد ذلك يتهارجون تهارج الحمر في المروج، فيأتيهم أمر الله والساعة وهم على ذلك.
أخرجه الإمام أبو عمر الداني، في سننه.
[ ٤٠٣ ]
وعن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: " بين النفختين أربعون، الأولى يميت الله بها كل حي، والأخرى يحيي الله بها كل ميت ".
أخرجه الإمام أبو عمرو عثمان بن سعيد المقري، في سننه.
[ ٤٠٤ ]
خاتمة الفتن والكتاب هدم الحبشة للكعبة وهلكة الأعراب
[ ٤٠٥ ]
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " يخرج كنز الكعبة ذو السويقتين من الحبشة ".
أخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة ".
أخرجه الإمام مسلم، في صحيحه.
[ ٤٠٧ ]
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " ذو السويقتين، من الحبشة يخرب بيت الله ".
أخرجه الإمام مسلم، في صحيحه.
وعن سعيد بن سمعان، قال: سمعت أبا هريرة يحدث أبا قتادة، أن النبي ﷺ قال: " يبايع رجل بين الركن والمقام، ولن يستحل هذا البيت إلا أهله، فإذا استحلوه فلا تسأل عن هلكة العرب، ثم تجيء الحبشة فتخربه خرابًا لا يعمر بعده أبدًا، وهم الذين يستخرجون كنزه ".
أخرجه الحاكم أبو عبد الله الحافظ، في مستدركه، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط البخاري ومسلم ولم يخرجاه.
وعن كعب الأحبار ﵁ في قصة يأجوج ومأجوج، وهلاكهما، وما تخرج الأرض من زهرتها وبركتها، بعد ذلك قال: وتكون سلوة من عيش.
قال: فبينما الناس كذلك إذ جاءهم خبر، أن ذا السويقتين صاحب الجيش قد غزا البيت، فيبعث المسلمون جيشًا، فلا يصل إليهم، ولا يرجعون إلى أصحابهم، حتى يبعث الله ريحًا يمانية، من تحت العرش، فتقبض روح كل مؤمن.
أخرجه الإمام أبو عمرو الداني، في سننه.
[ ٤٠٨ ]
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: " لا تقوم الساعة حتى لا يحج البيت ".
أخرجه الحافظ أبو عبد الله الحاكم في مستدركه، وقال: هذا حديث صحيح، على شرط البخاري، ومسلم، ولم يخرجاه.
وقد صح وثبت أن البيت يحج ويعتمر، بعد خروج يأجوج ومأجوج، بما صح عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: " ليحجن البيت وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج ".
أخرجه الحافظ أبو عبد الله الحاكم في مستدركه، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
ثم قال الحاكم ﵀: وإذا جمعنا بين الحديثين - يعني هذا والذي تقدمه - قلنا: لا تقوم الساعة حتى لا يحج البيت أي بعد خروج يأجوج ومأجوج، فإنه يمكن أن يحج ويعتمر بعد ذلك، ثم ينقطع الحج بمرة، والله أعلم
قال الشيخ الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي ﵀ بعد ذكر أشراط الساعة: ذكر عن الحليمي في ترتيب خروج هذه الآيات
[ ٤٠٩ ]
شيء لا يوافق ما رويناه من الآثار، زعم أن أول هذه الآيات شيء لا يوافق ما رويناه من الآثار، زعم أن أول هذه الآيات ظهور الدجال، ثم نزول عيسى ثم خروج يأجوج ومأجوج، ثم خروج الدابة، ثم طلوع الشمس من مغربها.
واستدل عليه بأن الكفار يسلمون في زمان عيسى ﵇ حتى تكون الدعوة واحدة، ولو كانت الشمس طلعت من مغربها قبل خروج الدجال ونزول عيسى ﵇ لم ينفع الكفار إيمانهم أيام عيسى ابن مريم، ولو لم ينفعهم لما صار الدين واحدًا، بإسلام من يسلم منهم.
وهذا كلام صحيح، لو لم يخالفه الحديث الصحيح، " أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها، أو خروج الدابة على الناس ضحىً، فأيتهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها، قريبًا منها ".
وروي عن النبي ﷺ ما يدل على أن آخرها خروج يأجوج ومأجوج، وثبت أن النبي ﷺ قال: " ثلاث إذا خرجن لم ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل، طلوع الشمس من مغربها، والدجال، والدابة " فلم يخص بذلك طلوع الشمس من مغربها.
وقد يحتمل إن كان في علم الله ﷿، أن يكون طلوع الشمس من مغربها، قبل خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم ﵇ أن يكون المراد بقوله: " لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا " أنفس القرن الذين شاهدوا تلك الآية
[ ٤١٠ ]
العظيمة، فإذا مضى ذلك القرن، وتطاول الزمان، وعاد الناس إلى ما كانوا عليه من الأديان، عاد تكليف الإيمان بالغيب، وكذلك من آمن في وقت عيسى، ممن شاهد الدجال، لا ينفعه، ومن آمن ممن لم يشاهد نفعه، وعدم انتفاع من شاهده بإيمانه لا يمنع من أن تكون الدعوة في زمانه واحدة، فإنه إذا ترك ملته لم يدع إليها.
وإن كان في علم الله تعالى أن يكون طلوع الشمس من مغربها بعد نزول عيسى، فقد يحتمل أن يكون المراد بقوله: " أول الآيات خروجًا " الحديث، آيات سوى خروج الدجال، فتكون تلك الآيات قبل طلوع الشمس من مغربها، إذ ليس في نص الخبر أن ذلك يكون قبل خروج الدجال، وإنما النص فيه عن عبد الله ابن عمرو، وما روي عن النبي ﷺ يحتمل ما ذكرناه، والله أعلم
[ ٤١١ ]
غير أن رواية أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ: " ثلاث إذا خرجن " يمنع من تخصيص طلوع الشمس بذلك فالحمل على ما ذكرنا أولى.
فأما ظهور الآيات على الدجال وغيره ممن يدعي الربوبية باطلًا، وعدم ظهروها على ما يدعي النبوة كاذبًا، فإن مدعي الربوبية باطلًا غير منفك في نفسه من دلائل الحدث، وأمارات الخلق، فلا يؤدي ظهور الآيات عليه إلى التباس حاله.
وأما مدعي النبوة، فإنه يدعي أمرًا ممكنًا، إلا أنه مفتر ليس له شاهد في نفسه على أنه محق أو مبطل فيه، فلو أمد بالمعجزة، وهو كاذب، كما يمد الصادق، لما أمكن الفرق بينهما، فلم يجز ظهور الآيات إلا على من يدعيها وهو صادق، والله أعلم.
ولأن من أبصر الدجال، وهو ناقص بالعور، علم أنه لو كان ربًا لأزال النقص عن نفسه، وما يظهر عليه من الآيات امتحان من الله ﷾ للمكلفين من عباده، لينظر كيف يعملون في الاستدلال بما معه من سمات الحدث، ودلالات النقص، على كذبه في دعواه، وبالله التوفيق، وهو
[ ٤١٢ ]
حسبنا ونعم الوكيل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: قد من الله تعالى بالعون على تلبية الداعي بالسمع والطاعة وجمع ما التمس جمعه على حسب الاستطاعة، وإيداع هذا المجموع من الآثار في المعنى المقصود ما فيه كفاية ومقنع، وجمع أصول لجمعه وبذل جهد ليس في المزيد عليه مطمع، على أني في ذل مغترف من حياض لست في اغترافي منها بخبير، ومغترف في كل فن بالعجز والتقصير، متصديًا لإزهار عواري، متصف بوصف أنا منه عاري، غير أني كسهم إن أصاب حمد مسدده، وسيف إن قطع شكر مجرده، فما وجد في ذلك من خطإ فليصلحه بفضله من علم وجه الصواب فيه ورام، وما كان فيه من صواب فرب رمية من غير رام.
وهذا آخره، نحمد من ليس له آخر
ووقع ذلك في سلخ ربيع الآخر، الذي من سنة ثمان وخمسين وستمائة، أحسن الله تعالى تقضيها، وكف أكف من سلطهم على انتهاك حرمة من تكفل بها وبأهليها، ومنحنا ما لا ينقص من ملكه شيئًا، وهو العفو عن موجبات هذه الضرا، وسلك بنا سبل رضاه، فإنا لا نملك لأنفسنا نفعًا ولا ضرًا، على يدي المعتني بجمعه وكتبه، المعني بأعباء وزره وذنبه، الراجي ممن لا تضره الذنوب ولا تنفعه المغفرة، العفو والعافية في الدنيا والآخرة.
يوسف بن يحيى بن علي المقدسي الشافعي السلمي
بمدينة دمشق، حرسها الله تعالى وسائر بلاد الإسلام وأهله، وأعز منار الدين الحنيف وقصم من
[ ٤١٣ ]
أهانه وأذله.
والحمد لله رب العالمين أولًا وآخرًا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا طيبًا مباركًا
[ ٤١٤ ]