الإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان، وعقيدة من عقائد الإسلام الأساسية، فإن قضية البعث في الدار الآخرة هي التي تقوم عليها بناء العقيدة بعد قضية وحدانية الله تعالى.
والإيمان بما في اليوم الآخر وعلاماته من الإيمان بالغيب الذي لا يدركه العقل، ولا سبيل لمعرفته، إلا بالنص عن طريق الوحي.
وقل أن تمر على صفحة من القرآن إلا وتجد فيها حديثًا عن اليوم الآخر، وما فيه من ثواب وعقاب.
والحياة الحقيقية في الإسلام ليست هي الحياة الدنيا القصيرة المحدودة فقط، وليست هي عمر الإنسان القصير المحدود فقط.
إن الحياة في الحقيقة في الإسلام تمتد طولًا في الزمان إلى أبد الآباد، وتمتدُّ في المكان إلى دار أخرى في جنة عرضها السموات والأرض، أو نار تتسع لكثير من الأجيال التي عمرت وجه الأرض أحقابًا من السنين.
قال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [الحديد: ٢١]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠)﴾ [ق: ٣٠].
وللإيمان باليوم الآخر أهمية بالغة في حياة الإنسان وآثار عميقة، ونستطيع أن نفهم على ضوء هذه الحقيقة أن القرآن ربط في كثير من المواضع بين الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر، قال تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٤]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [الطلاق: ٢]، فالإيمان باليوم الآخر يرتبط بالإيمان بالله مباشرة.
إن الإيمان بالله واليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب هو الموجه الحقيقي لسلوك الإنسان سبيل الخير، وليس هناك أي قانون من قوانين البشر يستطيع أن يجعل سلوك الإنسان سويًا مستقيمًا كما يصنعه الإيمان باليوم الآخر.
ولهذا، فإن هناك فرقًا كبيرًا وبونًا شاسعًا بين سلوك من يؤمن بالله واليوم الآخر، ويعلم أن الدنيا مزرعة الآخرة، وأن الأعمال الصالحة زاد الآخرة، كما قال الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧].
[ ٦٣ ]
فالمصدّق بيوم الدين؛ يعمل وهو ناظر لميزان السماء لا لميزان الأرض، ولحساب الآخرة لا لحساب الدنيا، له سلوك فريد في الحياة، نرى فيه الاستقامة، وسعة التصور، وقوة الإيمان، والثبات في الشدائد، والصبر على المصائب، ابتغاء للأجر والثواب، فهو يعلم أن ما عند الله خير وأبقى.
روى الإمام مسلم عن صهيب -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «عجبًا لأمر المؤمن! إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء، شکر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء، صبر، فكان خيرًا له ..» (^١).
هذا الشعور هو من آثار الإيمان بالله واليوم الآخر، والإحساس بثقل التّبعة، وعظم الأمانة، التي تحمّلها الإنسان وأشفقت منها السموات والأرض والجبال، إذ يعلم أن كل كبيرة وصغيرة مسؤول عنها، ومحاسب بها، ومجازي عليها، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران:٣٠]، وقال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [الكهف:٤٩]
وأما الذي لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر وما فيه من حساب وجزاء، فهو يحاول جاهدًا أن يحقق مآربه في الحياة الدنيا، لاهثًا وراء متعها، متكالبًا على جمعها، مناعًا للخير أن يصل الناس عن طريقه، قد جعل الدنيا أكبر همه، ومبلغ علمه، فهو يقيس الأمور بمنفعته الخاصة، لا يهمه غيره، ولا يلتفت إلى بني جنسه، إلا في حدود ما يحقق النفع له في هذه الحياة القصيرة المحدودة، يتحرك وحدوده هي الأرض وحدود هذا العمر، ومن ثم يتغير حسابه، وتختلف نتائج موازينه، وينتهي إلى نتائج خاطئة، لأنه مستبعد للبعث ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (٦)﴾ [سورة القيامة:٥ - ٦].
وتجد هذا الصنف من الناس من أشد الناس حرصًا على الحياة، لأنهم لا يؤمنون بالبعث بعد الموت، كما قال تعالى في وصف المشركين من اليهود وغيرهم: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [البقرة:٩٦].
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب الزهد، باب في أحاديث متفرقة (١٨/ ١٢٥ - مع شرح النووي).
[ ٦٤ ]
فالمشرك لا يرجو بعثًا بعد الموت، فهو يحب طول الحياة، واليهودي قد عرف ماله في الآخرة من الخزي، بما صنع بما عنده من العلم (^١)، فهذا الجنس وما شاكله هم شر الناس، فتجده ينتشر بينهم: الجشع، والطمع، وقهر الشعوب، واستعبادهم، وسلب ثرواتهم، حرصًا منهم على التمتع بلذات الحياة الدنيا، ولهذا يظهر بينهم الانحلال الخلقي، والسلوك البهيمي.
وهم إذا رأوا الحياة الدنيا تربو متاعبها وآلامها على ما يأملون من لذات عاجلة، لم يكن لديهم أي مانع من الإقدام على الموت، فهم لا يقدرون مسؤولية في حياة أخرى، فليس لديهم ما يمنع من إقدامهم على التخلّص من هذه الحياة.
من أجل هذا اهتم الإسلام وجاء التأكيد في القرآن على قضية الإيمان باليوم الآخر، وإثبات البعث والحساب والجزاء، فأنكر على الجاهلين استبعادهم له، وأمر نبيه أن يقسم على أنه حق: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾ [التغابن:٧]، وذكر من أحوال يوم القيامة وما أعده لعباده المتقين من ثواب، وما أعده للعاصين من عقاب، ولفت نظر الجاحدين له إلى دلائل حقيّته، استئصالًا للشك من النفوس، وحتى يضع الناس نصب أعينهم هذا اليوم وما فيه من أهوال تقشعر لها الأبدان، ليستقيم سلوكهم في هذه الحياة، بأتباع الدين الحق الذي جاءهم به رسولهم -ﷺ-) (^٢).
إن الإيمان الصحيح بالله وبكل ما جاء عن الله. والإيمان برسول الله وبكل ما جاء عن رسول الله له ثمرات. ثمرات يانعه، ثمرات طيبة لذيذة.
ثمرات هي بهجة النفوس وغذاء الأروح، وطمأنينة القلب. فمنها قول لا إله إلا الله محمد رسول الله عن علم ويقين وصدق وإخلاص ومحبة وقبول وانقياد.
ومن ثمرات الإيمان والتصديق فعل جميع الواجبات وترك جميع المحرمات. والحكم بقوانين الشريعة الإسلامية، وإبعاد القوانين الوضعية.
ومن الثمرات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والوفاء بالعهود والمواثيق، وأداء الأمانات، والتحلي بالصبر والصدق، والبر والإحسان، وصلة الأرحام، وبر الوالدين، ومحبة المؤمنين وبغض الكافرين، والتقوى واليقين وخشية رب العالمين، وإيفاء المكاييل والموازين، والنصح لله ولرسوله ولعباده ولأئمة المسلمين، والشفقة والعطف والرحمة بالفقراء والأيتام والمساكين، والزهد والورع، وصدق المعاملة مع الله، وبذل الندى وكف الأذى، كل ذلك من ثمرات الإيمان والتصديق.
_________________
(١) انظر: تفسير ابن كثير (١/ ١٨٤).
(٢) انظر: أشراط الساعة، ص ٢٧ - ٣٣.
[ ٦٥ ]
فما الذي جعل المسلمين يتحملون الأذى ويصبرون على البلاء؟ إنه الإيمان بالله تعالى وباليوم الآخر، الإيمان الذي نبعه من صميم القلوب.
ومن ثمرات الإيمان أن الله تعالى يتولى المؤمنين، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)﴾ [آل عمران:٦٨]، ومن تولاه الله فهو سعيد في الدنيا والآخرة.
ومن ثمرات الإيمان ما أخبر الله به عن عباده المؤمنين قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)﴾ [سورة الذاريات:١٥ - ١٩].
ومن ثمرات الإيمان الرغبة في فعل الطاعة والحرص عليها رجاء لثواب ذلك اليوم.
ومن ثمرات الإيمان الرهبة من فعل المعصية والرضى بها والبعد عن المحرمات وجميع المنكرات خوفًا من عقاب ذلك اليوم.
ومن ثمرات الإيمان تسلية المؤمن عما يفوته من الدنيا بما يرجوه من نعيم الآخرة وثوابها (^١).
ومن ثمرات الإيمان أن ملائكة الرحمن يدعون ويستغفرون للمؤمنين، قال تعالى: ﴿يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ [غافر:٧] (^٢)، وغيرها من الثمرات.
_________________
(١) انظر: شرح أصول الإيمان، محمد بن عثيمين، ص ٤٦، ط. الأولى، دار الوطن، الرياض، ١٤١٠ هـ.
(٢) انظر: عقيدة المسلمين والرد على الملحدين، صالح البليهي (١/ ٥٠ - ٥٥)، ط. الأولى، المطابع الأهلية، الرياض، ١٤٠١ هـ.
[ ٦٦ ]