الأشياء ترفع البلاء بعد نزوله، أو تدفعه قبل نزوله، فقد أشرك شركًا أكبر، وهو شرك في الربوبية؛ حيث اعتقد شريكًا مع الله في الخلق والتدبير، وشرك في العبودية حيث تألَّه لذلك، وعلّق به قلبه طمعًا ورجاءً لنفعه، وإن اعتقد أن الله - ﷿ - الدافع للبلاء، والرافع له وحده، ولكن اعتقدها سببًا يستدفع بها البلاء، فقد جعل ما ليس سببًا شرعيًا ولا قدريًا سببًا، وهذا محرّم وكذب على الشرع وعلى القدر:
أما الشرع؛ فإنه نهى عن ذلك أشد النهي، وما نهى عنه فليس من الأسباب النافعة.
وأما القدر: فليس هذا من الأسباب المعهودة ولا غير المعهودة التي يحصل بها المقصود، ولا من الأدوية المباحة النافعة، وهو من جملة وسائل الشرك؛ فإنه لابد أن يتعلق قلب متعلقها بها، وذلك نوع شرك ووسيلة إليه.
القسم الثاني من الشرك الأصغر: شرك خفي وهو الشرك في الإردات، والنيات، والمقاصد، وهو نوعان:
النوع الأول: الرياء، والسمعة، والرياء: إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها، فيحمدوه عليها، والفرق بين الرياء والسمعة: أن الرياء لِمَا يُرى من العمل: كالصلاة، والصدقة، والحج، والجهاد، والسمعة لِمَا يُسمع: كقراءة القرآن، والوعظ، والذكر، ويدخل في ذلك تحدّث الإنسان عن أعماله، وإخباره بها.
النوع الثاني: إرادة الإنسان بعمله الدنيا: وهو إرادته بالعمل الذي يُبتغى به وجه الله عَرَضًا من مطامع الدنيا، وهو شرك في النيات
[ ١ / ٥٦٦ ]
٢ - الشرك الأكبر يخلد صاحبه في النار
٣ - الشرك الأكبر يحبط جميع الأعمال
٥ - الشرك الأكبر يوجب العداوة بين صاحبه وبين المؤمنين
والمقاصد، وينافي كمال التوحيد، ويحبط العمل الذي قارنه (١).
نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة.
ثانيًا: الفروق بين الشرك الأكبر والأصغر:
١ - الشرك الأكبر يخرج من الإسلام، والأصغر لا يُخرج من الإسلام.
٢ - الشرك الأكبر يُخلّد صاحبه في النار، والأصغر لا يُخلّد صاحبه في النار إن دخلها.
٣ - الشرك الأكبر يُحبط جميع الأعمال، والشرك الأصغر لا يحبط جميع الأعمال وإنما يُحبط الرياء والعمل للدنيا العمل الذي خالطه.
٤ - الشرك الأكبر يُبيح الدم والمال، والأصغر ليس كذلك (٢).
٥ - الشرك الأكبر يوجب العداوة بين صاحبه وبين المؤمنين، فلا يجوز للمؤمنين موالاته، ولو كان أقرب قريب، وأما الشرك الأصغر فإنه لا يمنع الموالاة مطلقًا، بل صاحبه يُحبّ ويُوالَى بقدر ما معه من التوحيد، ويُبغض ويُعادى بقدر ما فيه من الشرك الأصغر (٣).
المطلب السابع: أضرار الشرك وآثاره
الشرك له آثار خطيرة، ومفاسد جسيمة، وأضرار مهلكة، منها على سبيل الاختصار والإجمال، ما يأتي:
_________________
(١) انظر: القول السديد في مقاصد التوحيد، للسعدي، ص٤٣، والجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لابن القيم، ص٢٤٠، وكتاب التوحيد للعلامة الدكتور صالح بن فوزان الفوزان، ص١١ - ١٢، والإرشاد إلى صحيح الاعتقاد له، ص١٣٤ - ١٤٣.
(٢) انظر: كتاب التوحيد، للعلامة الدكتور صالح الفوزان، ص١٢.
(٣) انظر: المرجع السابق، ص١٥.
[ ١ / ٥٦٧ ]
رابعا: يحصل لصاحب الشرك الضلال في الدنيا والآخرة
خامسا: الشرك الأكبر لا يغفره الله إذا مات صاحبه قبل التوبة
سادسا: الشرك الأكبر يحبط جميع الأعمال
سابعا: الشرك الأكبر يوجب الله لصاحبه النار ويحرم عليه الجنة
أولًا: شرّ الدنيا والآخرة من أضرار الشرك وآثاره.
ثانيًا: الشرك هو السبب الأعظم لحصول الكربات في الدنيا والآخرة.
ثالثًا: الشرك يسبب الخوف، وينزع الأمن في الدنيا والآخرة.
رابعًا: يحصل لصاحب الشرك الضلال في الدنيا والآخرة، قال الله - ﷿ -: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِالله فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا﴾ (١).
خامسًا: الشرك الأكبر لا يغفره الله إذا مات صاحبه قبل التوبة، قال الله - ﷿ -: ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِالله فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ (٢).
سادسًا: الشرك الأكبر يحبط جميع الأعمال، قال الله - ﷿ -: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٤).
سابعًا: الشرك الأكبر يوجب الله لصاحبه النار ويحرم عليه الجنة، فعن جابر بن عبد الله - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار» (٥).
وقد قال الله - ﷿ -: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِالله فَقَدْ حَرَّمَ الله عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ١١٦.
(٢) سورة النساء، الآية: ٤٨.
(٣) سورة الأنعام، الآية: ٨٨.
(٤) سورة الزمر، الآية: ٦٥.
(٥) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات مشركًا دخل النار، ١/ ٩٤، برقم ٩٣.
[ ١ / ٥٦٨ ]
ثامنا: الشرك الأكبر يخلد صاحبه في النار
تاسعا: الشرك أعظم الظلم والافتراء
عاشرا: الله تعالى بريء من المشركين ورسوله - ﷺ -
الحادي عشر: الشرك هو السبب الأعظم في نيل غضب الله وعقابه
الثاني عشر: الشرك يطفئ نور الفطرة
النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ (١).
ثامنًا: الشرك الأكبر يخلد صاحبه في النار، قال الله - ﷿ -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ (٢).
تاسعًا: الشرك أعظم الظلم والافتراء، قال الله - ﷾ - يحكي قول لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِالله إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (٣)، وقال سبحانه:
﴿وَمَن يُشْرِكْ بِالله فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ (٤).
عاشرًا: الله تعالى بريء من المشركين ورسولُهُ - ﷺ -، قال - ﷿ -: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ الله بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ (٥).
الحادي عشر: الشرك هو السبب الأعظم في نيل غضب الله وعقابه، والبعد عن رحمته نعوذ بالله من كل ما يغضبه.
الثاني عشر: الشرك يطفئ نور الفطرة؛ لأن الله - ﷿ - فطر الناس على توحيده وطاعته، قال سبحانه: ﴿فِطْرَةَ الله الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٦). قال النبي
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ٧٢.
(٢) سورة البينة، الآية: ٦.
(٣) سورة لقمان، الآية: ١٣.
(٤) سورة النساء، الآية: ٤٨.
(٥) سورة التوبة، الآية: ٣.
(٦) سورة الروم، الآية: ٣٠.
[ ١ / ٥٦٩ ]
الثالث عشر: يقضي على الأخلاق الفاضلة
الرابع عشر: يقضي على عزة النفس
الخامس عشر: الشرك الأكبر يبيح الدم والمال
- ﷺ -: «ما من مولود إلا يولد على الفطر، فأبواه يهوِّدانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه» (١)، وفي الحديث القدسي: أن النبي - ﷺ - قال فيما يرويه عن ربه تعالى: «إني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحَرَّمتْ عليهم ما أحللتُ لهم، وأمرَتْهم أن يشركوا بي ما لم أُنزل به سلطانًا» (٢).
الثالث عشر: يقضي على الأخلاق الفاضلة؛ لأن أخلاق النفس الفاضلة من الفطرة، وإذا كان الشرك يقضي على الفطرة فمن باب أولى أن يقضي على ما انبنى على فطرة الله من الأخلاق الطيّبة الحسنة.
الرابع عشر: يقضي على عزّة النفس؛ لأن المشرك يذلّ لجميع طواغيت الأرض كلّها؛ لأنه يعتقد أنه لا معتصم له إلا هم، فيذلّ ويخضع لمن لا يسمع ولا يرى، ولا يعقل، فيعبد غير الله، ويذلّ له، وهذا غاية الإهانة والتعاسة، نسأل الله العافية.
الخامس عشر: الشرك الأكبر يبيح الدم والمال؛ لقوله - ﷺ -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم
_________________
(١) متفق عليه من حديث أبي هريرة - ﵁ -: البخاري، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه، ٢/ ١١٩، برقم ١٣٥٨، ومسلم، كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة، ٤/ ٢٠٤٧، برقم ٢٦٥٨.
(٢) مسلم، كتاب الجنة، باب الصفات التي يعرف بها أهل الجنة وأهل النار، ١/ ٢١٩٧، برقم ٢٨٦٥.
[ ١ / ٥٧٠ ]
السادس عشر: الشرك الأكبر يوجب العداوة بين صاحبه وبين المؤمنين
الثامن عشر: الشرك الخفي وهو شرك الرياء والعمل لأجل الدنيا
وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله» (١).
السادس عشر: الشرك الأكبر يوجب العداوة بين صاحبه وبين المؤمنين، فلا يجوز لهم موالاته ولو كان أقرب قريب.
السابع عشر: الشرك الأصغر يُنقص الإيمان، وهو من وسائل الشرك الأكبر.
الثامن عشر: الشرك الخفي، وهو شرك الرياء، والعمل لأجل الدنيا، يُحبط العمل الذي قارنه، وهو أخوف من المسيح الدجال؛ لعظم خفائه، وخطره على أمة محمد - ﷺ -.
قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ* الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ* الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ* وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (٢).
فاحذر يا عبد الله الشرك كلَّه: كبيره، وصغيره، نعوذ بالله منه، ونسأل الله السلامة والعفو والعافية في الدنيا والآخرة.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
_________________
(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الإيمان، باب ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾، ١/ ١٤، برقم ٢٥، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، ١/ ٥٣، برقم ٢٠.
(٢) سورة الماعون، الآيات: ٤ - ٧.
[ ١ / ٥٧١ ]
عقيدة المسلم
في ضوء الكتاب والسُّنَّة
المفهوم، والفضائل، والمعنى، والمقتضى، والأركان، والشروط، والنواقص، والنواقض
تأليف الفقير إلى الله تعالى
د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني
الجزء الثاني
[ ٢ / ٥٧١ ]