الباب الأول: أصولٌ وضوابطٌ وموانعٌ في التكفير
تمهيد:
قبل أن أشرع في هذا الموضوع الخطير أبدأ ببيان أمور ينبغي أن تُعْلَم وتُفهم؛ لأن فهمها يزيل إشكالاتٍ كثيرةً، ويوضّح الحق لمن لا يفهمه، وما أحسن ما قاله القائل:
وكم من عائبٍ قولًا صحيحًا وآفته من الفهم السقيم
ويكون ذلك في الفصول الآتية:
الفصل الأول: تحريم الخروج على أئمة المسلمين ووجوب طاعتهم في المعروف
المبحث الأول: وجوب السمع والطاعة بالمعروف
إن طاعة ولاة أمر المسلمين واجبة في المعروف؛ لأدلة كثيرة منها:
١ - قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (١).
وولاة الأمر هم: العلماء، والولاة، والأمراء (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «فطاعة الله ورسوله واجبة على كل أحد، وطاعة ولاة الأمور واجبة؛ لأمر الله بطاعتهم، فمن أطاع الله
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ٥٩.
(٢) انظر: تفسير الإمام ابن جرير الطبري،٨/ ٤٩٧،وتفسير القرطبي،٥/ ٢٦١،وتفسير ابن كثير، ١/ ٥١٩،وفتاوى ابن تيمية،١١/ ٥٥١،و٢٨/ ٧٠،والضوء المنير على التفسير،٢/ ٢٣٤ - ٢٥١.
[ ٢ / ٧٧٥ ]
ورسوله بطاعة ولاة الأمر لله فأجره على الله، ومن كان لا يطيعهم إلا لما يأخذه من الولاية والمال فإن أعطوه أطاعهم وإن منعوه عصاهم: فما له في الآخرة من خلاق» (١).
ولا شك أن الولاية مهمة عظيمة وأمانة كبيرة؛ ولهذا قال النبي - ﷺ -: «يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فإنك إن أُعطيتها عن مسألة وُكِلتَ إليها، وإن أوتيتها من غير مسألة أُعِنْتَ عليها» (٢)؛ ولهذه الأهمية العظيمة قال النبي - ﷺ -: «إنَّا والله لا نولّي على هذا العمل أَحَدًا سأله، ولا أحدًا حرص عليه» (٣)، وقال - ﷺ - لأبي ذر حينما قال: يا رسول الله ألا تستعملني؟ فضرب بيده على منكب أبي ذر ثم قال: «يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدّى الذي عليه فيها» (٤)، وهذا يؤكّد وجوب طاعة ولاة أمر المسلمين وإعانتهم على هذا الأمر العظيم طاعة لله تعالى؛ لأن عليهم حملًا عظيمًا وأمانة عظيمة.
٢ - عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى
_________________
(١) فتاوى ابن تيمية، ٣٥/ ١٦ - ١٧، وانظر خلاصة ما قاله ﵀ في طاعة ولاة الأمر والإحالة على ذلك في الفتاوى، ٣٧/ ١٧٠.
(٢) البخاري، كتاب: الإيمان والنذور، باب ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾، برقم ٦٦٢٢، ومسلم في كتاب الإمارة، باب النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها، برقم ١٦٥٢.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الأحكام، باب ما يكره من الحرص على الإمارة، برقم ٧١٤٩، ومسلم، في كتاب الإمارة، باب النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها، برقم ١٧٣٣.
(٤) أخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب كراهة الإمارة بغير ضرورة، برقم ١٨٢٥.
[ ٢ / ٧٧٦ ]
أميري فقد عصاني» (١).
٣ - وعنه - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «عليك السّمعُ والطّاعةُ في عُسْرِك، ويُسرِك، ومَنشطك ومَكرهك (٢)، وأثرةٍ (٣) عليكَ» (٤).
٤ - وعن أبي ذر - ﵁ - قال: «إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان عبدًا مجدع الأطراف» (٥).
٥ - وعن أم الحصين ﵂ قالت سمعت النبي - ﷺ - يخطب في حجة الوداع وهو يقول: «ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا» (٦).
_________________
(١) البخاري، كتاب الأحكام: باب قول الله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾،برقم ٧١٣٧، ومسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية، برقم ١٨٣٥.
(٢) «في عُسرك ويسرك»، قال العلماء: تجب طاعة ولاة الأمور فيما يشق وتكرهه النفوس وغيره مما ليس بمعصية، فإن كانت المعصية فلا سمع ولا طاعة كما صرح به - ﷺ - في الأحاديث الباقية، فتحمل هذه الأحاديث المطلقة لوجوب طاعة ولاة الأمور على موافقة تلك الأحاديث المصرحة بأنه لا سمع ولا طاعة في المعصية: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» شرح الإمام النووي، ١٢/ ٤٦٥ - ٤٦٦.
(٣) «وأثرة عليك» والمعنى الاستئثار والاختصاص بأمور الدنيا عليكم، أي: اسمعوا وأطيعوا وإن اختص الأمراء بالدنيا ولم يوصلوكم حقكم مما عندهم. شرح النووي، ١٢/ ٤٦٥ - ٤٦٦، وقال النووي رحمه الله تعالى: «وهذه الأحاديث في الحث على السمع والطاعة في جميع الأحوال، وسببها اجتماع كلمة المسلمين؛ فإن الخلاف سبب لفساد أحوالهم في دينهم ودنياهم»، شرح النووي، ١٢/ ٤٦٥ - ٤٦٦.
(٤) أخرجه مسلم، كتاب الإمارة: باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية الله وتحريمها في المعصية، برقم ١٨٣٦.
(٥) مسلم، كتاب الإمارة: باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، برقم ١٨٣٧.
(٦) أخرجه مسلم، كتاب الإمارة: باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، برقم ١٨٣٨.
[ ٢ / ٧٧٧ ]
٦ - وعن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحبَّ وكره، إلا أن يُؤمر بمعصية، فإن أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» (١)،.
٧ - وقال النبي - ﷺ -: «لا طاعة في معصية الله إنما الطاعة في المعروف» (٢).
٨ - وعن عبادة بن الصامت - ﵁ - قال: دعانا رسول الله - ﷺ - فبايعناه فكان فيما أخذ علينا: أن بايعنا على السمع والطاعة: في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله (٣).
قال: «إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان» (٤).
٩ - وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إنها ستكون بعدي أثرةٌ وأمورٌ تنكرونها»،قالوا: يا رسول الله كيف تأمر من أدرك منّا ذلك؟ قال: «تُؤدّون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم» (٥).
١٠ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ في حديثه الطويل
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الأحكام: باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية، برقم ٧١٤٤، ومسلم، كتاب الإمارة: باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، برقم ١٨٣٩.
(٢) أخرجه البخاري، كتاب أخبار الآحاد، باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق، برقم ٧٢٥٧، ومسلم، كتاب الإمارة: باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، برقم ١٨٤٠.
(٣) وفي رواية لمسلم «.. وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم». مسلم، برقم ١٧٠٩.
(٤) أخرجه البخاري، كتاب: الفتن، باب «سترون بعدي أمورًا تنكرونها»، برقم ٧٠٥٦، ومسلم، كتاب الإمارة: باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، برقم ١٧٠٩/ ٤٢.
(٥) أخرجه البخاري، كتاب: المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، برقم ٣٦٠٣، ومسلم، كتاب الإمارة: باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول، برقم ١٨٤٣.
[ ٢ / ٧٧٨ ]
يرفعه: « فمن أحبَّ أن يُزحزَح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منَّيتُهُ وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأتِ إلى الناس الذي يحبّ أن يُؤتى إليه، ومن بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر» (١).
١١ - وعن حذيفة - ﵁ - يرفعه: «يكون بعدي أئمة لا يهتدون بِهُدَاي ولا يستنّون بسنّتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس» قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركتُ ذلك؟ قال: «تسمعُ وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك، فاسمع وأطع» (٢).
١٢ - وعن العرباض بن سارية - ﵁ - قال: وعظنا رسول الله - ﷺ - موعظةً وَجِلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودِّع فأوصِنا، قال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن تأمّر عليكم عبدٌ؛ فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضّو عليها بالنواجذ، وإياكم ومُحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة» (٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب الإمارة: باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول، برقم ١٨٤٤.
(٢) أخرجه مسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كل حال، برقم ١٨٤٧/ ٥٢.
(٣) أخرجه أبو داود، كتاب السنة، باب في لزوم السنة، برقم ٤٦٠٧، والترمذي في كتاب العلم، باب في الأخذ بالسنة واجتناب البدع، برقم ٢٦٧٦، وابن ماجه في المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين، برقم ٤٢، وقال أبو عيسى: «هذا حديث حسن صحيح»، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم ٢٥٤٩.
[ ٢ / ٧٧٩ ]
قال ابن رجب رحمه الله تعالى: «أما السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين، ففيها سعادة الدنيا، وبها تنتظم مصالح العباد في معايشهم، وبها يستعينون على إظهار دينهم، وطاعة ربهم» (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «وقد استفاض وتقرر في غير هذا الموضع ما قد أمر به - ﷺ -، من طاعة الأمراء في غير معصية الله، ومناصحتهم، والصبر عليهم في حكمهم، وقسمهم، والغزو معهم، والصلاة خلفهم، ونحو ذلك من متابعتهم في الحسنات التي لا يقوم بها إلاَّ هُم؛ فإنه من باب التعاون على البر والتقوى، وما نهى عنه من تصديقهم بكذبهم، وإعانتهم على ظلمهم، وطاعتهم في معصية الله ونحو ذلك، مما هو من باب التعاون على الإثم والعدوان» (٢).
المبحث الثاني: تحريم الخروج على الإمام المسلم
قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: « ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يدًا من طاعة، ونرى طاعتهم من طاعة الله - ﷿ - فريضة، ما لم يأمروا بمعصيةٍ وندعو لهم بالصلاح والمعافاة » (٣).
_________________
(١) جامع العلوم والحكم، ٢/ ١١٧.
(٢) فتاوى شيخ الإسلام، ٣٥/ ٢٠ - ٢١.
(٣) العقيدة الطحاوية بتعليق سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى، ص٢٢، وانظر: أصول أهل السنة لإمام أهل السنة أحمد بن حنبل، شرح وتحقيق الوليد بن محمد بن نبيه، ص٦٤، نشر مكتبة ابن تيمية. وشرح السنة للإمام الحسن بن علي البربهاري بتحقيق خالد بن قاسم الردادي، الفقرات: ٢٩، ٣١، ٣٣، ٣٤، ٣٥، ٣٦، ١٣٨، ١٥٩.
[ ٢ / ٧٨٠ ]
١٣ - وعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات مِيتةً جاهليةً (١)، ومن قاتل تحت راية عُمِّيَّةٍ (٢) يغضب لعصبةٍ، أو يدعو إلى عصبة، أو ينصر عصبة (٣)، فقُتل فَقِتْلَةٌ جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برَّها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها (٤)، ولا يفي لذي عهدٍ عهده، فليس مني ولست منه» (٥).
١٤ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر؛ فإنه من فارق الجماعة شبرًا (٦) فمات فَمِيتَةٌ جاهلية» (٧).
١٥ - وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من خلع يدًا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له (٨)، ومن مات
_________________
(١) أي على صفة موت الجاهلية من حيث هم فوضى لا إمام لهم. شرح النووي، ١٢/ ٤٨١، وليس المراد أنه يموت كافرًا، بل يموت عاصيًا. فتح الباري، ١٣/ ٧.
(٢) عُمِّيَّةٍ: هي الأمر الأعمى لا يستبين وجهه، كذا قاله أحمد والجمهور. انظر: شرح النووي، ١٢/ ٤٨١.
(٣) والمعنى: يقاتل عصبية لقومه وهواه. انظر: شرح النووي، ١٢/ ٤٨٢.
(٤) والمعنى: لا يكترث بما يفعله فيها، ولا يخاف وباله وعقوبته. شرح النووي، ١٢/ ٤٨٣.
(٥) أخرجه مسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن ،برقم ١٨٤٨.
(٦) قوله: «شبرًا» كناية عن معصية السلطان ومحاربته، والمراد بالمفارقة السعي في حل عقد البيعة التي حصلت لذلك الأمير ولو بأدنى شيء، فكنى عنها بمقدار الشبر؛ لأن الأخذ في ذلك يؤول إلى سفك الدماء بغير حق. انظر: فتح الباري، ١٣/ ٧.
(٧) أخرجه البخاري في كتاب الفتن، باب قول النبي - ﷺ -: «سترون بعدي أمورًا تنكرونها»، برقم ٧٠٥٤، ومسلم في كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن، برقم ١٨٥١.
(٨) أي لا حجة له في فعله، ولا عذر له ينفعه. شرح النووي، ١٢/ ٤٨٣.
[ ٢ / ٧٨١ ]
وليس في عنقه بيعة مات ميتةً جاهلية» (١).
١٦ - وعن عرفجة - ﵁ - قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من أتاكم وأمركم جميعٌ (٢) على رجل واحد يريد أن يشقَّ عصاكم (٣)، أو يُفرّق جماعتكم فاقتلوه» (٤).
١٧ - وسأل سلمةُ بنُ يزيد الجُعفي رسولَ الله - ﷺ - فقال: يا نبي الله أرأيتَ إن قامت علينا أمراءُ يسألونا حقهم، ويمنعونا حقنا، فما تأمرنا؟ فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم سأله في الثانية أو في الثالثة فجذبه الأشعث بن قيس فقال رسول الله - ﷺ -: «اسمعوا وأطيعوا؛ فإنما عليهم ما حُمِّلُوا، وعليكم ما حملتم» (٥).
١٨ـ وعن أم سلمة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - قال: «إنه سيستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع»،قالوا: يا رسول الله ألا نقاتلهم؟ قال: «لا ما صلّوا» (٦).
١٩ - وعن عوف بن مالك - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: «خيار أئمتكم
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن ..،برقم ١٨٥١.
(٢) أي مجتمع.
(٣) يشق عصاكم: يفرق جماعتكم كما تفرق العصا المشقوقة، وهو عبارة عن «اختلاف الكلمة وتنافر النفوس»، شرح النووي، ١٢/ ٤٨٤.
(٤) مسلم، كتاب: الإمارة، باب حكم من فرّق أمر المسلمين وهو مجتمع، برقم ١٨٥٢.
(٥) أخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب في طاعة الأمراء وإن منعوا الحقوق، برقم ١٨٤٦.
(٦) أخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب وجوب الإنكار على الأمراء فيما يخالف الشرع، وترك قتالهم ما صلوا، برقم ١٨٥٤.
[ ٢ / ٧٨٢ ]
الذين تحبّونهم ويحبّونكم، ويُصلُّون عليكم وتُصَلُّون عليهم (١)، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم» قيل:
يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال: «لا. ما أقاموا فيكم الصلاة، وإذا رأيتم من وُلاتكم شيئًا تكرهونه فاكرهوا عمله، ولا تنزعوا يدًا من طاعة» (٢).
٢٠ - وعن نافع قال: لما خلع أهل المدينة يزيدَ بن معاوية جمع ابن عمر حَشَمه (٣) وولده، فقال: إني سمعت النبي - ﷺ - يقول: «يُنْصَبُ لكل غادرٍ لواءٌ يوم القيامة»، وإنَّا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإنِّي لا أعلم غدرًا (٤) أعظم من أن يبايع رجُلٌ على بيع الله ورسوله ثم يُنْصَبُ له القتال، وإني لا أعلم أحدًا منكم خلعه، ولا بايع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بيني وبينه (٥).
قال ابن حجر ﵀: «وفي هذا الحديث وجوب طاعة الإمام الذي انعقدت له البيعة، والمنع من الخروج عليه ولو جار في حكمه، وأنه لا
_________________
(١) يصلّون عليكم: أي يدعون لكم وتدعون لهم. شرح النووي، ١٢/ ٤٨٧.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب خيار الأئمة وشرارهم، برقم ١٨٥٥.
(٣) «حشمه»:الحشمة العصبة، والمراد هنا خدمه ومن يغضب له، وفي رواية: أهله وولده. الفتح،١٣/ ٧١.
(٤) وفي رواية: «وإن من أعظم الغدر بعد الإشراك بالله أن يبايع رجل رجلًا الحديث»، انظر: فتح الباري، ١٣/ ٧١.
(٥) أخرجه البخاري في كتاب الفتن، باب إذا قال عند قوم شيئًا ثم خرج فقال بخلافه، برقم ٧١١١، وأخرج الفقرة الأولى منه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب تحريم الغدر، برقم ١٧٣٥/ ١٠.
[ ٢ / ٧٨٣ ]
ينخلع بالفسق» (١).
المبحث الثالث: النَّصيحة بالحكمة
٢١ - قد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: «نضّر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها وحفظها، وبلّغها، فَرُبَّ حامل فقهٍ إلى من هو أفْقَهُ منه، ثلاثٌ لا يغلُّ عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة أئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم؛ فإنّ دعوتهم تحيط من ورائهم» (٢).
فقد دعا النبي - ﷺ - بالبهجة ونضارة الوجه والحُسن الذي يُكسى به الوجه من آثار الإيمان وابتهاج الباطن به، وفرح القلب وسروره به، وَالْتِذَاذِهِ لمن سمع كلامه، ووعاه، وحفظه، وبلّغه غيره، فمن قام بهذه المراتب الأربع دخل تحت هذه الدعوة النبوية المتضمّنة لجمال الباطن والظاهر (٣).
قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في شرحه لهذا الحديث: «وقوله: - ﷺ -: «ثلاث لا يغِلُّ عليهن قلب مسلم » أي لا يحمل الغِلَّ، ولا يبقى فيه مع هذه الثلاثة؛ فإنها تنفي الغل والغش وفساد القلب، وسخائمه، فالمخلص لله إخلاصهُ يمنعُ غِلَّ قلبه، ويخرجه ويزيله جُملةً؛ لأنه قد انصرفت دواعي قلبه وإرادته إلى مرضاة ربه، فلم يبقَ فيه موضع للغش.
_________________
(١) فتح الباري، ١٣/ ٧١ - ٧٢.
(٢) أخرجه الترمذي في كتاب العلم، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع، برقم ٢٦٥٨، وابن ماجه في المقدمة، باب من بلّغ علمًا، برقم ٢٣٠، وفي كتاب المناسك، باب الخطبة يوم النحر، برقم ٣٠٥٦، وأحمد، ١/ ٤٣٧، وصححه الألباني صحيح الجامع، برقم ٦٧٦٦.
(٣) انظر: مفتاح دار السعادة لابن القيم، ١/ ٢٧٤، و٢٧٦ بتحقيق علي بن حسن بن عبد الحميد.
[ ٢ / ٧٨٤ ]
وقوله - ﷺ -: «ومناصحة أئمة المسلمين » هذا أيضًا منافٍ للغل والغش؛ فإن النصيحة لا تجامع الغلَّ، إذ هي ضدُّهُ، فمن نصح الأئمة والأمة فقد برئ من الغل.
وقوله - ﷺ -: «ولزوم جماعتهم » هذا أيضًا مما يُطَهِّر القلب من الغلِّ والغشِّ، فإن صاحبه - للزومه جماعة المسلمين - يُحبُّ لهم ما يحبُّ لنفسه، ويكره لهم ما يكرَهُ لها، ويسوؤهُ ما يسوؤهم، ويسرّه ما يسرّهم، وهذا بخلاف من انحاز عنهم، واشتغل بالطعن عليهم والعيب والذّمِّ، كفعل الرافضة والخوارج والمعتزلة وغيرهم؛ فإن قلوبهم مُمتلئةٌ غِلًاّ وغِشًَّا؛ ولهذا تجد الرافضة أبعد الناس من الإخلاص، وأغشَّهم للأئمة والأُمَّة، وأشدَّهم بُعدًا عن جماعة المسلمين.
وقوله - ﷺ -: «فإنّ دعوتهم تحيط من ورائهم » هذا من أحسن الكلام وأوجزه، وأفخمه معنىً، شبَّه دعوة المسلمين بالسور والسِّياج المحيط بهم، المانع من دخول عدوِّهم عليهم، فتلك الدعوة التي هي دعوةُ الإسلام - وهم داخلوها - لَمّا كانت سورًا وسياجًا عليهم أخبر أن من لزم جماعة المسلمين أحاطت به تلك الدعوة التي هي دعوة الإسلام كما أحاطت بهم، فالدعوةُ تجمع شمل الأمة، وتلمُّ شَعَثَها، وتحيط بها، فمن دخل جماعتها أحاطت به وشَمِلَتْهُ» (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «وما أمر الله به ورسوله من طاعة ولاة الأمور، ومناصحتهم واجب على الإنسان وإن لم
_________________
(١) مفتاح دار السعادة لابن القيم، ١/ ٢٧٥ - ٢٧٨ بتصرف يسير.
[ ٢ / ٧٨٥ ]
يعاهدهم عليه، وإن لم يحلف لهم الأيمان المؤكّدة، كما تجب عليه الصلوات الخمس، والزكاة، والصيام، وحج البيت، وغير ذلك مما أمر الله به ورسوله من الطاعة، فإذا حلف على ذلك كان ذلك توكيدًا وتثبيتًا لِمَا أمر الله به ورسوله من طاعة ولاة الأمور، ومناصحتهم، فالحالف على هذه الأمور لا يحل له أن يفعل خلاف المحلوف عليه فإن ما أوجبه الله من طاعة ولاة الأمور ومناصحتهم واجب وإن لم يحلف عليه، فكيف إذا حلف عليه، وما نهى الله ورسوله - ﷺ - عن معصيتهم وغشهم محرم، وإن لم يحلف على ذلك» (١).
والنصيحة لولاة الأمر تكون سرًّا بين الناصح وبينهم: برفقٍ ولينٍ، وحكمةٍ وموعظةٍ حسنة، وأسلوبٍ مناسب.
٢٢ - فعن عياض بن غنم أنه قال لهشام بن حكيم ﵄: ألم تسمع بقول رسول الله - ﷺ -: «من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يُبده علانية ولكن يأخذ بيده فيخلو به، فإن قبل منه فذاك، وإلا كان قد أدّى الذي عليه» (٢).
٢٣ - وعن تميم الداري - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «الدِّينُ النصيحة» قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمَّة المسلمين،
_________________
(١) فتاوى ابن تيمية، ٣٥/ ٩ - ١٠.
(٢) أخرجه عمرو بن أبي عاصم في كتابه: كتاب السنة، ٢/ ٥٢١، وأخرجه أحمد، ٣/ ٤٠٣ - ٤٠٤، والحاكم، ٣/ ٢٩٠، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: «رواه أحمد ورجاله ثقات»، ٥/ ٢٢٩. وصححه الألباني في ظلال الجنة في تخريج السنة، ٢/ ٥٢١.
[ ٢ / ٧٨٦ ]
وعامَّتهم» (١).
قال ابن رجب رحمه الله تعالى: «أما النصيحة لأئمة المسلمين: فحبُّ صلاحهم ورُشدهم وعدلهم، وحب اجتماع الأمة عليهم، وكراهة افتراق الأمة عليهم، والتدين بطاعتهم في طاعة الله - ﷿ -، والبغض لمن رأى الخروج عليهم، وحبّ إعزازهم في طاعة الله - ﷿ -» (٢). وقال في موضع آخر: «والنصيحة لأئمة المسلمين: معاونتهم على الحق، وطاعتهم فيه، وتذكيرهم به، وتنبيههم في رفقٍ ولطفٍ، ومجانبة الوثوب عليهم، والدعاء لهم بالتوفيق وحث الأغيار على ذلك» (٣).
وقال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى: «وأما النصيحة لأئمة المسلمين: وهم ولاتهم من السلطان الأعظم إلى الأمير إلى القاضي، فهؤلاء لمّا كانت مهماتهم وواجباتهم أعظمَ من غيرهم، وجب لهم من النصيحة بحسب مراتبهم ومقاماتهم، وذلك باعتقاد إمامتهم، والاعتراف بولايتهم، ووجوب طاعتهم بالمعروف، وعدم الخروج عليهم، وحث الرعية على طاعتهم، ولزوم أمرهم الذي
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أن الدين النصيحة، برقم ٥٥، والحديث أخرجه البخاري معلقًا في كتاب الإيمان، باب قول النبي - ﷺ -: «الدين النصيحة»، ص ٣٥، ط بيت الأفكار الدولية.
(٢) جامع العلوم والحكم، ١/ ٢٢٢.
(٣) جامع العلوم والحكم، ١/ ٢٢٣، وانظر: كلمات تكتب بماء الذهب في طاعة ولاة أمور المسلمين: فتاوى ابن تيمية، ٢٨/ ٣٩٠ - ٣٩١، ومنهاج السنة النبوية، ٣/ ٣٩٠، ومفتاح دار السعادة لابن القيم، ١/ ٦٢، والجامع الفريد من كتب ورسائل أئمة الدعوة الإسلامية، ص٢٨١، والعقيدة الطحاوية، ص٣٦٨.
[ ٢ / ٧٨٧ ]
لا يخالف أمر الله ورسوله - ﷺ -، وبذل ما يستطيع الإنسان من نصيحتهم، وتوضيح ما خفي عليهم مما يحتاجون إليه في رعايتهم، كل أحد بحسب حاله، والدعاء لهم بالصلاح والتوفيق؛ فإن صلاحهم صلاح لرعيتهم، واجتناب سبِّهم، والقدح فيهم، وإشاعة مثالبهم؛ فإن في ذلك شرًّا، وضررًا، وفسادًا كبيرًا.
فمن نصيحتهم الحذر والتحذير من ذلك، وعلى من رأى منهم ما لا يحل أن ينبههم سرًّا لا علنًا، بلطفٍ وعبارة تليق بالمقام، ويحصل بها المقصود؛ فإن هذا هو المطلوب في حق كل أحد، وبالأخص ولاة الأمور؛ فإن تنبيههم على هذا الوجه فيه خير كثير، وذلك علامة الصدق والإخلاص، واحذر أيها الناصح لهم - على هذا الوجه المحمود - أن تفسد نصيحتك بالتمدح عند الناس فتقول لهم: إني نصحتهم، وقلت وقلت؛ فإن هذا عنوان الرياء، وعلامة ضعف الإخلاص، وفيه أضرار أُخر معروفة» (١).
٢٤ - وعن زياد بن كُسيب العدوي قال: كنت مع أبي بكرة تحت منبر ابن عامر وهو يخطب، وعليه ثياب رقاق، فقال: أبو بلال: انظروا إلى أميرنا يلبس ثياب الفُسّاق، فقال أبو بكرة: اسكت، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله» (٢)، ولفظ الإمام أحمد بدون ذكر القصة: «من أكرم سلطان الله ﵎ في الدنيا
_________________
(١) الرياض الناضرة والحدائق النيرة الزاهرة، ص٣٨ - ٤٩.
(٢) أخرجه الترمذي، كتاب الفتن، باب ٤٧، برقم ٢٢٢٤، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٢٢٩٧، وانظر: صحيح الترمذي، ٢/ ٢٤٥.
[ ٢ / ٧٨٨ ]
أكرمه الله يوم القيامة، ومن أهان سلطان الله ﵎ في الدنيا أهانه الله يوم القيامة» (١)؛ ولهذا قال سهل بن عبد الله التستري ﵀: «لا يزال الناس بخير ما عظَّموا السلطان والعلماء، فإن عظموا هذين أصلح الله دنياهم وأخراهم، وإن استخفّوا بهذين أفسد دنياهم وأخراهم» (٢).
٢٥ - وقيل لأسامة بن زيد ﵄: لو أتيت فلانًا (٣) فكلَّمته، قال: «إنكم لترون أني لا أُكلِّمُه إلا أُسْمِعُكم، إني أُكلِّمه في السِّر [وفي رواية لمسلم: والله لقد كلَّمته فيما بيني وبينه] دون أن أفتح بابًا لا أكون أول من فتحه » (٤).
فقد استخدم أسامة - ﵁ - أسلوب الحكمة مع الأمير العظيم عثمان - ﵁ - وأرضاه؛ لِأَنَّ النصيحة لولي أمر المسلمين لا بد فيها من مراعاة مركزه، وحاله؛ لأن إنزال الناس منازلهم من صميم الحِكمة؛ ولهذا قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: «وفي الحديث تعظيم الأمراء، والأدب معهم، وتبليغهم ما يقول الناس فيهم (٥)؛ ليكفُّوا ويأخذوا حذرهم بلطفٍ،
_________________
(١) أحمد، ٥/ ٤٨ - ٤٩، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ٥/ ٢١٥: رواه أحمد والطبراني باختصار، وزاد في أوله: «الإمام ظل الله في الأرض »، ورجال أحمد ثقات». وحسنه الألباني كما تقدم، وفي صحيح الجامع، برقم ٥٩٨٧.
(٢) تفسير القرطبي، ٥/ ٢٦٢.
(٣) هو عثمان بن عفان - ﵁ -، كما في رواية الإمام مسلم، برقم ٢٩٨٩.
(٤) أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة النار وأنها مخلوقة، برقم ٣٢٦٧،ومسلم في كتاب الزهد والرقائق، باب عقوبة من يأمر بالمعروف ولا يفعله وينهى عن المنكر ويفعله، برقم، ٢٩٨٩.
(٥) وليس المراد تبليغهم ما يقول الناس فيهم على وجه النميمة والإفساد.
[ ٢ / ٧٨٩ ]
وحسن تأدية، بحيث يبلغ المقصود من غير أذيَّة للغير» (١).
وإنكار المنكر مشروط بأن لا يحصل منكر أنكر؛ لأن إنكار المنكر له أربع درجات كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى:
الأولى: أن يزول، ويخلفه ضده.
الثانية: أن يقل، وإن لم يزل بجملته.
الثالثة: أن يخلفه ما هو مثله.
الرابعة: أن يخلفه شر منه.
فالدرجتان الأولَيَان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرّمة (٢).
وقال النووي رحمه الله تعالى على قول أسامة: «دون أن أفتتح أمرًا لا أحب أن أكون أول من فتحه»: «يعني المجاهرة بالإنكار على الأمراء في الملأ كما جرى لقتلة عثمان - ﵁ -، وفيه الأدب مع الأمراء، واللطف بهم، ووعظهم سرًّا، وتبليغهم ما يقول الناس فيهم، ليكفّوا عنه » (٣).
ولا شك أن الإنكار على ولي أمر المسلمين جهارًا أمام الرعية، وبحضرتهم يسبّب شرًّا كثيرًا في الغالب، وربما حصل بذلك فرقة، أو خروج على إمام المسلمين، وولي الأمر لا بد له أن يأمر الناس بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ثم لا يأمن أن يقع منه تقصير؛ لأنه بشر، ولكن
_________________
(١) فتح الباري، ١٣/ ٥٣، وانظر: شرح النووي، ١٨/ ٣٢٨.
(٢) إعلام الموقعين عن رب العالمين، ٣/ ١٦، وانظر هناك فوائد عظيمة.
(٣) شرح النووي، ١٨/ ٣٢٩.
[ ٢ / ٧٩٠ ]
يعالج سرًّا، وبالحكمة والمداراة المحمودة، ويُتلطف به، ويُنصح برفق ولين، وذلك أجدر بالقبول (١).
قال سماحة العلامة الإمام المحقق الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀: «ليس من منهج السلف التشهير بعيوب الولاة وذكر ذلك على المنابر؛ لأن ذلك يفضي إلى الانقلاب، وعدم السمع والطاعة في المعروف، ويفضي إلى الخروج الذي يضرّ ولا ينفع، ولكن الطريقة المتبعة عند السلف النصيحة فيما بينهم وبين السلطان، والكتابة إليه، أو الاتصال بالعلماء الذين يتصلون به حتى يوجه إلى الخير، وإنكار المنكر يكون من دون ذكر الفاعل، فينكر الزنى، وينكر الخمر، وينكر الربا، من دون ذكر من فعله، ويكفي إنكار المعاصي والتحذير منها من غير ذكر أن فلانًا يفعلها: لا حاكم ولا غير حاكم ..» (٢).
المبحث الرابع: الدعاء لولاة الأمر من المسلمين
ومن حقوق السلطان على رعيته الدعاء له؛ ولهذا كان السلف الصالح: كالفضيل بن عياض، والإمام أحمد بن حنبل، وغيرهما يقولون: «لو كان لنا دعوة مستجابة لدعونا بها للسلطان» (٣)، وما ذلك إلا لأن
_________________
(١) انظر: فتح الباري، ١٣/ ٥٢، وعمدة القاري، ١٥/ ١٦٦.
(٢) انظر: فتوى لسماحة الشيخ مطبوعة في آخر رسالة «حقوق الراعي والرعية»، ص٢٧ - ٢٨، وانظر: فوائد الآداب مع السلطان لنصيحته: الآداب الشرعية للإمام محمد بن مفلح المقدسي، ١/ ١٩٦ - ٢٠٨، بتحقيق شعيب الأرنؤوط، وتنبيه الغافلين لابن النحاس، ص٥٩ - ٦٨، بتحقيق عماد الدين عباس.
(٣) انظر: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٨/ ٣٩١، وطبقات الحنابلة، ٢/ ٣٦.
[ ٢ / ٧٩١ ]
السلطان إذا صلح صلحت الرعية، وإذا فسد فسدت، ولهذا يُذكر عن عثمان بن عفان - ﵁ - أنه قال: «إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن»، ولهذا قال الإمام الحسن بن علي البربهاري ﵀: «إذا رأيت الرجل يدعو على السلطان فاعلم أنه صاحب هوى، وإذا سمعت الرجل يدعو للسلطان بالصلاح فاعلم أنه صاحب سنة إن شاء الله تعالى» (١).
وقال الفضيل بن عياض: «لو كان لي دعوة مستجابة ما جعلتها إلا للسلطان، قيل له: يا أبا علي فَسِّر لنا هذا؟ قال: إذا جعلتها في نفسي لم تعْدُني، وإذا جعلتها في السلطان صلح، فصلح بصلاحه العباد والبلاد، فأُمرنا أن ندعو لهم بالصلاح، ولم نؤمر أن ندعو عليهم، وإن جاروا وظلموا؛ لأن جورهم وظلمهم على أنفسهم، وصلاحهم لأنفسهم وللمسلمين» (٢).
وهكذا أيضًا تكون النصيحة والدعاء للعلماء إذا حصل منهم قصور أو نسيان؛ لأنهم بشر وغير معصومين، وهم من أعظم ولاة أمر المسلمين، فلا يجوز سبهم، ولا التشهير بهم، ولا تتبع عثراتهم ونشرها بين الناس؛ لأن في ذلك فسادًا كبيرًا؛ ولهذا قال ابن عساكر رحمه الله تعالى: «اعلم يا أخي - وفقني الله وإياك لمرضاته، وجعلني وإياك ممن يتقيه حق تقاته - أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أسرار منتقصهم معلومة، وأن من أطال لسانه في العلماء بالثلب بلاه الله قبل موته بموت القلب، ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ
_________________
(١) كتاب شرح السنة للإمام الحسن بن علي البربهاري رحمه الله تعالى، ص٥١.
(٢) كتاب شرح السنة للإمام الحسن بن علي بن خلف البربهاري المتوفى ٣٢٩هـ بتحقيق خالد بن قاسم الردادي، ص١١٦،مكتبة الغرباء. وانظر: طبقات الحنابلة،٢/ ٣٦،وحلية الأولياء،٨/ ٩١.
[ ٢ / ٧٩٢ ]
يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١)، والله المستعان، وعليه التكلان (٢).
المبحث الخامس: الخارجون على الأئمة وصفاتهم
الخارجون على الإمام المسلم أربعة أصناف:
١ - قوم امتنعوا عن طاعة الإمام، وخرجوا عن قبضته، فهؤلاء قطاع طريق، ساعون في الأرض بالفساد.
٢ - قوم لهم تأويل إلا أنهم نفر يسير لا منعة لهم: كالواحد والاثنين والعشرة ونحوهم، فهؤلاء قطاع طريق في قول أكثر الحنابلة، وهو مذهب الشافعي، وقيل: لا فرق بين القليل والكثير، وحكمهم حكم البغاة إذا خرجوا عن قبضة الإمام.
٣ - قوم من أهل الإسلام يخرجون عن قبضة الإمام ويريدون خلعه؛ لتأويل سائغ، وفيهم منعة يحتاجون إلى جمع الجيش، فهؤلاء البغاة.
٤ - الخوارج الذين يكفّرون بالذنب، ويكفّرون عثمان، وعليًّا، وطلحة، والزبير، وكثيرًا من الصحابة - ﵃ - (٣).
والخوارج يكفّرون أصحاب الكبائر، ويستحلُّون دماءَهم، وأموالهم، ويخلدونهم في النار، ويرون اتّباع الكتاب دون السنة التي تخالف ظاهر الكتاب - وإن كانت متواترة - ويكفّرون من خالفهم، ويستحلّون منه
_________________
(١) سورة النور، الآية: ٦٣.
(٢) انظر: رسالة لحوم العلماء مسمومة، ص١٤.
(٣) انظر هذا التفصيل في المغني لابن قدامة ﵀، ١٢/ ٢٣٧ - ٢٤٢.
[ ٢ / ٧٩٣ ]
- لارتداده عندهم - ما لا يستحلّونه من الكافر الأصلي (١)، ويرون الخروج على الإمام إذا خالف السنة حقًّا واجبًا (٢)، وقد بيّن النبي - ﷺ - صفاتهم (٣)، وأوضحها للناس، ومن ذلك أن رجلًا منهم قال للنبي - ﷺ - وهو يقسم غنيمةً بالجعرانه -: يا محمد اعدل. قال: «ويلك ومن يعدلُ إذا لم أكن أعدل، لقد خبتَ وخسرتَ إن لم أكن أعدل»، فقال عمر بن الخطاب - ﵁ -: دعني يا رسول الله، فأقتل هذا المنافق؛ فقال - ﷺ -: «معاذ الله أن يتحدَّث الناس أني أقتل أصحابي. إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن
لا يجاوز حناجرهم، يمرقون منه كما يمرق السهم من الرميَّة» (٤).
وكان النبي - ﷺ - يقسم ذهبًا، فجاء إليه رجل فقال: «اتقِّ الله يا محمد»! فقال رسول الله - ﷺ -: «فمن يطع الله إن عصيته! أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني»، ثم قال: «إن من ضئضئِ هذا (٥) قومًا يقرؤون القرآن
لا يجاوزُ حناجرهم (٦) يقتلون أهل الإسلام، ويَدَعُون أهل الأوثان،
_________________
(١) فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٣/ ٣٣٥.
(٢) الملل والنحل، للشهرستاني، ١/ ١١٥.
(٣) انظر التفصيل في رأي الخوارج وفرقهم، المبحث الأول، من الفصل الأول، من الباب الثالث، من هذه الرسالة، والرد عليهم ومناقشتهم.
(٤) أخرجه البخاري، كتاب: فرض الخمس، باب ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين، برقم ٣١٣٨، ومسلم، كتاب: الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم، برقم ١٠٦٣.
(٥) «من ضئضئ هذا» أي من أصله، وضئضئ الشيء أصله. شرح النووي، ٧/ ١٦٨.
(٦) «لا يجاوز حناجرهم»: لا تفقهه قلوبهم ولا ينتفعون بما يتلونه، ولا لهم حظ سوى تلاوة الفم والحنجرة والحلق إذ بهما تقطيع الحروف، وقيل معناه: لا يصعد لهم عمل ولا تلاوة ولا يقبل. شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ١٦٥.
[ ٢ / ٧٩٤ ]
يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرميَّة (١)، لئن أدركتهم لأقتلنَّهم قتل عاد» (٢).
وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «يخرج فيكم قومٌ تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وعملكم مع عملهم، ويقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدِّين كما يمرق السهم من الرميَّة» (٣).
وقال علي بن أبي طالب - ﵁ -: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «سيخرج في آخر الزمان قومٌ أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام (٤)، يقولون من خير قول البريَّة (٥)، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدِّين كما يمرق السهم من الرميَّة، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم عند الله يوم القيامة» (٦).
_________________
(١) «يمرقون من الإسلام»، وفي رواية «الدين»: والمعنى يخرجون من الدين كما يخرج السهم إذا نفذ الصيد من جهة أخرى ولم يتعلق به شيء منه، والرميّة: هي الصيد المرمي. انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ١٦٦.
(٢) أخرجه البخاري، كتاب: الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودا﴾ برقم ٣٣٤٤، ومسلم، كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم، برقم ١٠٦٤.
(٣) أخرجه البخاري، كتاب: فضائل القرآن، باب من رايا بقراءة القرآن أو تآكل به، أو فخر به، برقم ٥٠٥٨، ومسلم، كتاب: الزكاة، باب الخوارج وصفاتهم، برقم ١٠٦٤.
(٤) معناه: صغار الأسنان صغار العقول. شرح الإمام النووي، ٧/ ١٧٥.
(٥) معناه في ظاهر الأمر، كقولهم: لا حكم إلا لله ونظائره من دعائهم إلى كتاب الله تعالى والله أعلم. شرح النووي، ٧/ ١٧٥.
(٦) أخرجه البخاري، كتاب: فضائل القرآن، باب من راءى بقراءة القرآن، برقم ٥٠٥٧، ومسلم، كتاب: الزكاة، باب التحريض على قتل الخوارج، ٢/ ٧٤٦، برقم ١٠٦٦.
[ ٢ / ٧٩٥ ]
١ - إن السنة والأحاديث النبوية هي المبينة للأحكام القرآنية
٢ - الإيمان أصل له شعب متعددة
الفصل الثاني: أُصولٌ في التكفير
هناك أصولٌ لا بد من إتقانها، ومنها الأصول التالية:
١ - إن السنة والأحاديث النبوية هي المبيِّنة للأحكام القرآنية، وما يراد من النصوص الواردة في كتاب الله تعالى في باب معرفة حدود ما أنزل الله، لمعرفة: المؤمن والكافر، والمشرك والموحد، والفاجر والبر، والتقي والظالم، وما يُراد بالموالاة والتولي، ونحو ذلك من الحدود وغيرها من أمور الشريعة. فمن أهمل هذا وأضاعه فقد سدّ على نفسه باب العلم والإيمان، ومعرفة معاني التنزيل والقرآن (١).
٢ - إن الإيمان أَصْلٌ له شُعَب متعددة كل شعبةٍ منها تسمى إيمانًا، فأعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، فمنها ما يزول بزواله الإيمان إجماعًا، كشعبة الشهادتين، ومنها ما لا يزول بزواله إجماعًا كترك إماطة الأذى عن الطريق، وبين هاتين الشعبتين شعب متفاوتة، منها ما يلحق بشعبة الشهادة، ويكون إليها أقرب، ومنها ما يلحق بشعبة إماطة الأذى عن الطريق، ويكون إليها أقرب، والتسوية بين هذه الشعب في اجتماعها مخالفٌ للنصوص وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها.
وكذلك الكفر أيضًا ذو أصلٍ وشُعَب، فكما أن شُعَب الإيمان إيمانٌ، فشُعَب الكفر كفر، والمعاصي كلها من شُعَب الكفر، كما أن الطاعات
_________________
(١) انظر: أصول وضوابط في التكفير للعلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، بتحقيق الشيخ عبد السلام بن برجس، ص٣١.
[ ٢ / ٧٩٦ ]
٣ - إن الإيمان مركب من قول وعمل
كلها من شُعَب الإيمان، ولا يسوّى بينهما في الأسماء والأحكام.
وفرق بين من أشرك بالله أو استهان بالمصحف وبين من يسرق ويزني، أو يشرب الخمر، فمن سوّى بين شُعَب الكفر في ذلك فهو مخالف للكتاب والسنة، خارج عن سبيل سلف الأمة، داخل في عموم أهل البدع والأهواء.
٣ - إن الإيمان مُركَّب من قولٍ وعمل: قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، هذه أربعة أمور جامعة لأمور الإسلام:
الأول: قول القلب: وهو تصديقه وإيقانه واعتقاده.
الثاني: قول اللسان: وهو النطق بالشهادتين، والإقرار بلوازمهما.
الثالث: عمل القلب: وهو النية والإخلاص والمحبة والانقياد، والإقبال على الله - ﷿ -، والتوكل عليه، ولوازم ذلك وتوابعه.
الرابع: عمل اللسان والجوارح: فعمل اللسان ما لا يُؤَدَّى إلا به: كتلاوة القرآن، وسائر الأذكار والدعاء والاستغفار وغير ذلك، وعمل الجوارح ما لا يُؤَدَّى إلا بها مثل: القيام، والركوع، والسجود، والمشي في مرضاة الله، كنقل الخطى إلى المساجد، وإلى الحج والجهاد في سبيل الله تعالى وغير ذلك (١).
فإذا زال تصديق القلب ورضاه ومحبته لله زال الإيمان.
_________________
(١) انظر: أصول وضوابط في التكفير، ص٣٤، ومعارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد، للشيخ حافظ الحكمي ﵀، ٢/ ٥٨٨ - ٥٩١.
[ ٢ / ٧٩٧ ]
٤ - الكفر نوعان
٥ - لا يلزم من قيام شعبة من شعب الإيمان بالعبد أن يسمى مؤمنا
وإذا زال شيء من أعمال الجوارح فهذا فيه تفصيل عند أهل السنة وأدلة هذا مبسوطة في أماكنها (١).
٤ - إن الكفر نوعان: كفر أكبر كالشرك بالله تعالى، أو جحد ما أخبر به، أو سبّ الله، أو سبّ رسوله - ﷺ -، وهذا مضادّ للإيمان من كل وجه. وكفر أصغر لا يُخرج من الملة، كالمعاصي التي دون الكفر الأكبر (٢).
وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى وبيان أن كلًا من: الكفر، والنفاق، والشرك، والظلم، والفسوق، والبدعة، ينقسم إلى قسمين: أكبر وأصغر (٣).
٥ - إنه لا يلزم من قيام شعبة من شُعَب الإيمان بالعبد أن يُسمّى مؤمنًا، ولا يلزم من قيام شعبة من شُعَب الكفر أن يُسمّى كافرًا، وإن كان ما قام به كفر، كما أنه لا يلزم من قيام جزءٍ من أجزاء العلم، أو من أجزاء الطب، أو من أجزاء الفقه، أن يُسمّى: عالمًا، أو طبيبًا، أو فقيهًا. وأما الشعبة نفسها فيطلق عليها اسم الكفر كما في حديث أبي هريرة - ﵁ -: «اثنتان في أمتي هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت» (٤)، ولكنه كفر دون كفر، فلا يستحق اسم الكفر على الإطلاق، فمن عرف هذا عرف فقه السلف، وعمق علومهم، وقلَّةَ تكلُّفهم؛ ولهذا قال ابن مسعود - ﵁ -: «من كان متأسِّيًا فليتأسَّ بأصحاب رسول الله - ﷺ -، فإنهم أبرُّ
_________________
(١) انظر: أصول وضوابط في التكفير، ص٣٥.
(٢) انظر: أصول وضوابط في التكفير، ص٣٦ - ٤٥.
(٣) انظر: أصول وضوابط التكفير، ص٢٠.
(٤) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب إطلاق اسم الكفر على الطعن في النسب والنياحة، برقم ٦٧.
[ ٢ / ٧٩٨ ]
١ - الحكم بالظاهر
٢ - الاحتياط في تكفير المعين
هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلُّها تكلّفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، فاعرفوا لهم حقهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم» (١).
الفصل الثالث: ضوابط التكفير
إن التكفير له ضوابط لا بد من معرفتها، ومنها الضوابط الآتية:
١ - الحكم بالظاهر، فإن أهل السنة لا تكون أحكامهم مبنية على الظنون والأوهام؛ ولهذا قال رسول الله - ﷺ - لأسامة - ﵁ - عندما قتل رجلًا بعد أن قال لا إله إلا الله: «أقال لا إله إلا الله وقتلته؟» قال: قلت يا رسول الله: إنما قالها خوفًا من السلاح. قال: «أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟» فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني أسلمت يومئذٍ (٢)، وهذا فيه دليل على القاعدة المعروفة في الفقه والأصول أن الأحكام يعمل فيها بالظاهر، والله يتولى السرائر (٣).
٢ - الاحتياط في تكفير المعين؛ فإن مذهب أهل السنة وسط بين من يقول: لا نُكفِّر من أهل القبلة أحدًا، وبين من يكفر المسلم بكل ذنبٍ دون النظر إلى توفر شروط التكفير، وانتفاء موانعه، فأهل السنة يقولون: من استحلَّ ما هو معلوم من الدِّين بالضرورة كفر، ومن قال: القرآن مخلوق، أو إن الله لا يُرى في الآخرة كفر، لكن الشخص الذي قال مقالة الكفر، أو فعل فعل الكفر، لا يحكم بكفره حتى تتوفر شروط الكفر،
_________________
(١) انظر: أصول في التكفير لعبد اللطيف آل الشيخ، ص٤٦.
(٢) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله، برقم ٩٦.
(٣) شرح النووي، ٢/ ٤٦٦.
[ ٢ / ٧٩٩ ]
٣ - ما تقوم به الحجة
٤ - عدم التكفير بكل ذنب
وتنتفي موانعه (١).
فإذا توفرت الشروط وانتفت الموانع حكم بردته، فيُستتاب فإن تاب وإلاّ قُتل (٢).
٣ - ما تقوم به الحجة: اتفق السلف على عدم تكفير المعين إلا بعد قيام الحجة، فلا بد من معرفة ما تقوم به الحجة، وما الفرق بين بلوغ الحجة وفهمها؟ وما الأدلة على ذلك؟ وهذا يحتاج إلى تفصيل وعناية دقيقة من طالب العلم لا يتّسع المقام لذكرها هنا (٣).
٤ - عدم التكفير بكل ذنب؛ ولهذا قال الطحاوي ﵀: «ولا نُكفِّر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله»، والمراد لا يكفّر بكل ذنب، فأهل السنة لا يُكفِّرون المسلم الموحِّد المؤمن بالله واليوم الآخر بذنب يرتكبه: كالزنا، وشرب الخمر، وعقوق الوالدين، وأمثال ذلك، ما لم يستحل ذلك، فإن استحله كفر؛ لكونه بذلك مُكذِّبًا لله ولرسوله - ﷺ -، خارجًا عن دينه، أما إذا لم يستحلَّ ذلك فإنه لا يكفر بل يكون ضعيف الإيمان، وله حكم ما تعاطاه من المعاصي في التفسيق، وإقامة الحدود، وغير ذلك حسبما جاء في الشرع المُطهَّر (٤).
_________________
(١) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية، ٣٥/ ١٦٥، ونواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف للدكتور محمد بن عبد الله الوهيبي، ١/ ٢٠٩، ونواقض الإيمان القولية والعملية للدكتور عبد العزيز آل عبد اللطيف، ص٥٢.
(٢) انظر: التفصيل في نواقض الإيمان الاعتقادية للوهيبي، ١/ ٢٠٩ - ٢١٧.
(٣) راجع التفصيل بالأدلة في المرجع السابق، ١/ ٢١٨، وانظر: نواقض الإيمان القولية والعملية لعبد العزيز آل عبد اللطيف، ص٥٥ - ٧٠.
(٤) العقيدة الطحاوية بتعليق سماحة الإمام العلامة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀، ص١٦، وانظر: نواقض الإيمان الاعتقادية للوهيبي، ١/ ٢٢١.
[ ٢ / ٨٠٠ ]
١ - الجهل
٢ - الخطأ
الفصل الرابع: موانع التكفير
إن التكفير له موانع لا بد من فهمها، ومنها الموانع الآتية:
١ - الجهل، ولكن العذر بالجهل له حالات؛ لأنه يختلف باختلاف الأزمنة، والأمكنة، والأشخاص يختلفون: فمنهم من قامت عليه الحجَّة، ومنهم من لم تقم عليه، باعتباره - مثلًا -: حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، وكذلك الجهل يختلف إن كان جهلًا بما هو معلوم من الدين بالضرورة أو ما دون ذلك. ولا يعني أن الجهل عذر مقبول لكل من ادّعاه؛ فإن من العلم ما لا يسع المسلم البالغ غير المغلوب على عقله جهله مثل: الصلوات الخمس، وأن لله على الناس صوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا، وزكاةً في أموالهم، وأن الله حرّم عليهم الزنا والقتل، والسرقة والخمر، وما كان في هذا المعنى، والمقصود أن العذر بالجهل يحتاج إلى تفصيل وعناية وفهم دقيق ليس هذا مقامها (١).
٢ - الخطأ، قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (٢)، وقال النبي - ﷺ -: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ
_________________
(١) انظر: التفصيل في نواقض الإيمان القولية والعملية للدكتور عبد العزيز آل عبد اللطيف، ص٥٩ - ٧٠ ونواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف للدكتور محمد الوهيبي،١/ ٢٢٥ - ٣٠٢، وهناك رسالة قيمة بعنوان: «الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه» لعبد الرزاق معاش، وهي رسالة ماجستير بإشراف العلامة محمد بن ناصر البراك، بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
(٢) سورة الأحزاب، الآية: ٥.
[ ٢ / ٨٠١ ]
٣ - الإكراه
٤ - التأويل
والنسيان وما استكرهوا عليه» (١).
لكن ينبغي أن يُعلم أن لذلك ضوابط وشروطًا يعرفها أهل العلم لا يتسع المقام لذكرها هنا (٢).
٣ - الإكراه، للحديث السابق؛ ولقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِالله مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَّنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ الله وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٣).
والإكراه له أنواع وشروط وضوابط يعرفها العلماء ليس هذا موضع ذكرها (٤).
٤ - التأويل، المقصود به هنا: التلبس والوقوع في الكفر من غير قصد لذلك، وسببه القصور في فهم الأدلة الشرعية دون تعمّدٍ للمخالفة، بل يعتقد أنه على حق. قال ابن تيمية ﵀: «والتكفير من الوعيد؛ فإنه وإن كان القول تكذيبًا لَمَا قاله الرسول - ﷺ -، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص، أو
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في كتاب الطلاق، باب طلاق المكره والناسي، برقم ٢٠٤٣، ورقم ٢٠٤٥، بلفظ: «إن الله وضع ..»، والحاكم، ٢/ ١٩٨، والطبراني في معجمه الكبير، ١١/ ١٣٤، برقم ١١٢٧٤، وقال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين»، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم ١٧٣١، ١٨٣٦.
(٢) انظر: نواقض الإيمان الاعتقادية لمحمد الوهيبي، ١/ ٣٠٢ - ٣١٣.
(٣) سورة النحل، الآية: ١٠٦.
(٤) انظر: التفصيل في نواقض الإيمان الاعتقادية للشيخ محمد الوهيبي، ٢/ ٥ - ٢٠.
[ ٢ / ٨٠٢ ]
٥ - التقليد
سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها، وإن كان مخطئًا» (١)، ولكن التأويل الذي يعذر صاحبه له حدود وشروط وضوابط يعرفها العلماء لا يتسع المقام لذكرها (٢).
٥ - التقليد، قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: «والذي عليه جماهير الأمة: أن الاجتهاد جائز في الجملة، والتقليد جائز في الجملة، لا يوجبون الاجتهاد على كل أحد، ويُحرِّمون التقليد، ولا يوجبون التقليد على كل أحد، ويُحرِّمون الاجتهاد، وأن الاجتهاد جائز للقادر على الاجتهاد، والتقليد جائز للعاجز عن الاجتهاد، فأما القادر على الاجتهاد فهل يجوز له التقليد؟ هذا فيه خلاف، والصحيح أنه يجوز حيث عجز عن الاجتهاد، إما لتكافؤ الأدلة، وإما لضيق الوقت عن الاجتهاد، وإما لعدم ظهور الدليل له؛ فإنه حيث عجز سقط عنه وجوب ما عجز عنه، وانتقل إلى بدله وهو التقليد، كما لو عجز عن الطهارة بالماء، وكذلك العامي إذا أمكنه الاجتهاد في بعض المسائل جاز له الاجتهاد؛ فإن الاجتهاد منصب يقبل التجزي والانقسام، فالعبرة بالقدرة والعجز » (٣).
ويظهر من كلام الإمام ابن تيمية ﵀: أنه يُعذر من وقع في الكفر تقليدًا إن كان جاهلًا لا بصيرة له ولا فقه، فهو معذور حتى تقوم عليه
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية، ٣/ ٢٣١، وانظر: ٢/ ٢٦٣ - ٢٦٨، و٣/ ٢٨٢، ١٢/ ٥٢٣.
(٢) انظر: التفصيل في نواقض الإيمان القولية والعملية لعبد العزيز آل عبد اللطيف، ص٧٥ - ٨٤، ونواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد الوهيبي، ٢/ ٢٠ - ٣٨.
(٣) فتاوى ابن تيمية، ٢٠/ ٢٠٣ - ٢٠٤، وانظر: أضواء البيان للشنقيطي،٧/ ٤٨٧ - ٤٨٩، ونواقض الإيمان الاعتقادية، ٢/ ٤١ - ٤٣.
[ ٢ / ٨٠٣ ]
الحجة (١).
وقال الإمام ابن القيم ﵀: «وأمَّا أهل البدع الموافقون لأهل الإسلام، ولكنهم مخالفون في بعض الأصول فهؤلاء أقسام: «أحدها: الجاهل المقلّد الذي لا بصيرة له، فهذا لا يُكفَّر، ولا يُفَسَّق، ولا تُردُّ شهادته إذا لم يكن قادرًا على تعلم الهدى، وحُكْمُهُ حكم المستضعفين من الرجال والنساء والوِلْدَان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوًّا غفورًا» (٢).
والتقليد في الحقيقة: هو اتباع قول من ليس قوله حجة، والخلاصة أن العذر بالتقليد له ضوابط وشروط لا بد من إتقانها، ولا يتسع المقام لذكرها هنا. والله المستعان (٣).
الفصل الخامس: خطورة التكفير
والذي ينبغي أن نُؤَصِّلَهُ هنا: أن الحكم بالكفر على إنسان ما: حكم خطير؛ لِمَا يترتّب عليه من آثار، هي غاية في الخطر، منها الأخطار الآتية:
١ - أنَّه لا يحل لزوجته البقاءُ معه، ويجب أن يُفَرَّقَ بينها وبينه؛ لأن المسلمة لا يصح أن تكون زوجة لكافر بالإجماع المتيقَّن.
٢ - أنَّ أولاده لا يجوز أن يبقوا تحت سلطانه؛ لأنَّه لا يُؤتَمَن عليهم،
_________________
(١) انظر فتاوى ابن تيمية، ٢/ ١٠٦، ١٠٧، ٢/ ١٣١ - ١٣٣، ٣٧٨، و٢٠/ ٣٢ - ٣٣، و٢٣/ ٣٤٩، و١٩/ ٢٦١.
(٢) الطرق الحكمية في السياسة الشرعية لابن القيم ﵀، ص١٧٤.
(٣) انظر: التفصيل: نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف، ٢/ ٣٩ - ٥١.
[ ٢ / ٨٠٤ ]
ويُخشى أن يُؤثِّر عليهم بكفره، وبخاصة أن عُودَهم طريّ، وهم أمانة في عنق المجتمع الإسلامي كله.
٣ - أنَّه فقد حق الولاية والنُّصرة من المجتمع الإسلامي بعد أن مرق منه وخرج عليه بالكفر الصريح، والرِّدَّة البَوَاح. ولهذا يجب أن يُقاطع، ويُفرَض عليه حصار أدبي من المجتمع، حتى يفيق لنفسه، ويثوب إلى رشده.
٤ - أنَّه يجب أن يُحاكم أمام القضاء الإسلامي، ليُنفَّذَ فيه حكم المرتدِّ، بعد أن يُستتاب وتُزال من ذهنه الشبهات وتُقام عليه الحجة.
٥ - أنَّه إذا مات لا تُجرى عليه أحكام المسلمين، فلا يُغسَّل، ولا يُصلَّى عليه، ولا يُدفن في مقابر المسلمين، ولا يُورث، كما أنه لا يرث إذا مات مورِّث له.
٦ - أنَّه إذا مات على حاله من الكفر يستوجب لعنة الله وطرده من رحمته، والخلود الأبدي في نار جهنم.
وهذه الأحكام الخطيرة توجب على من يتصدَّى للحكم بتكفير خلق الله أن يتريَّث مرات ومرات قبل أن يقول ما يقول (١).
٧ - أنَّه لا يُدعَى له بالرَّحمة، ولا يُستغفر له؛ لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ
_________________
(١) ظاهرة الغلو في التكفير، ص ٢٣، د. يوسف القرضاوي، دار الجهاد، ودار الاعتصام، وقرأتها على معالي الشيخ الدكتور صالح بن فوزان، في ٢٠/ ٦/ ١٤١٧هـ.
[ ٢ / ٨٠٥ ]
مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (١). قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀: «الكفر حق الله ورسوله، فلا كافر إلا من كفَّره الله ورسوله» (٢).
الفصل السادس: تعاريف ومفاهيم
١ـ الكفر ٢ـ الشرك
٣ـ الإلحاد ٤ـ النفاق
٥ـ الزندقة ٦ـ البدعة
١ - الكَفر: بالفتح: الستر والتغطية، يقال: كَفَر الزارع البذر في الأرض: إذا غطَّاه بالتُّراب. وبالضم: ضِدُّ الإيمان، وكفر نعمة الله وبها كُفُورًا وكفرانًا: جحدها، وسترها، وكافره حقه: جحده، والمكفَّرُ كَمُعَظَّم: المجحُودُ النِّعمةِ مع إحسانِهِ، وكافرٌ جاحدٌ لأنْعُمِ الله تعالى (٣).
فالكفر: هو الستر وجحود الحق وإنكاره، والكافر: ضدّ المسلم، والمرتدُّ: هو الذي كفر بعد إسلامه؛ بقولٍ، أو فعلٍ، أو اعتقادٍ، أو شكٍّ، وحدّ الكفر الجامع لجميع أجناسه وأنواعه وأفراده: هو جحد ما جاء به الرسول - ﷺ -، أو جحد بعضه، كما أن الإيمان: اعتقاد ما جاء به الرسول - ﷺ - والتزامه، والعمل به جملة وتفصيلًا (٤).
_________________
(١) سورة التوبة، الآية: ١١٣.
(٢) إرشاد أولي البصائر والألباب لنيل الفقه بأقرب الطرق وأيسر الأسباب، ص١٩٨.
(٣) القاموس المحيط، فصل الكاف، باب الراء، والمعجم الوسيط، ص٧٩١.
(٤) إرشاد أولي البصائر والألباب لنيل الفقه بأقرب الطرق وأيسر الأسباب، للسعدي ﵀، ص١٩١.
[ ٢ / ٨٠٦ ]
٢ - الشرك
والكفر هو: أول ما ذُكِرَ من المعاصي في القرآن الكريم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١)، وهو أكبر الكبائر على الإطلاق، فلا كبيرة فوق الكفر (٢) والكفر كفران:
أ- كُفرٌ يُخرِج من الملَّة، وهو (الكفر الأكبر).
ب- كفر لا يُخرج من الملة، وهو (الكفر الأصغر)، أو كفر (٣) دون كفر (٤).
٢ - الشرك: الشرك والشركة، بكسرهما وضمّ الثاني، بمعنى وقد اشتركا، وتشاركا، وشارك أحدهما الآخر، وأشرك بالله، فهو مشرك، ومشركيٌّ، والاسم: الشرك فيهما، ورغبنا في شِرْككم: مشاركتكم في النسب (٥)، وأشرك بالله: جعل له شريكًا في ملكه أو عبادته، فالشرك: هو أن تجعل لله ندًا وهو خلقك، وهو أكبر الكبائر، وهو الماحق للأعمال، والمبطل لها، والحارم المانع من ثوابها، فكل من عدل بالله غيره بالحب، أو العبادة، أو التعظيم، أو تبع خطواته، ومبادئه المخالفة لملة إبراهيم، فهو مشرك (٦).
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٦.
(٢) الكلمات النافعة في المكفرات الواقعة، ص٥.
(٣) مجموعة التوحيد لشيخي الإسلام، أحمد بن تيمية، ومحمد بن عبد الوهاب، ص٦.
(٤) سيأتي بيان ذلك إن شاء الله، عند الكلام على أنواع الكفر. انظر: الفصل الثاني، المبحث الأول من هذا الكتاب.
(٥) القاموس المحيط، فصل الشين، باب الكاف، والمعجم الوسيط، ص٤٨٠.
(٦) الأجوبة المفيدة لمهمات العقيدة، ص٤١.
[ ٢ / ٨٠٧ ]
٣ - الإلحاد
فظهر مما تقدم: أن الشرك في اللغة: النصيب: أي جعل لغير الله نصيبًا في عبادته سبحانه.
والشرك في الاصطلاح الشرعي: هو أن تجعل لله ندًَّا وهو خلقك، أو هو: مساواة غير الله فيما هو من خصائص الله تعالى: من الأسماء أو الصفات أو الربوبية أو الألوهية.
والشرك شركان: شرك أكبر يُخرِج من الملة، وهو: صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله تعالى.
شرك أصغر لا يُخرِج من الملّة (١): وهو كل وسيلة قوليّة، أو إراديَّة توصل إلى الشرك الأكبر ما لم تبلغ حدّ الشرك الأكبر.
أو هو كل ما ورد في النصوص تسميته بالشرك، ولم يصل إلى حدّ الشرك الأكبر.
٣ - الإلحاد: إلحاد ولحود، ولحد القبر كمنع، وألحده، عمل له لحدًا، والميت دفنه وإليه مال كالتحد. وألحد مال، وعدل، ومارى، وجادل (٢)، يلاحظ أن المعاجم الحديثة استعملت كلمة إلحاد، وفسرتها بأنها الكفر. وفَهمُ المفسرين لمادة «لحد» في القرآن الكريم، يمكن تلخيصه في أنه الميل عن دين الله إلى درجة الكفر، وفسّروا الإلحاد في سورة الحج، بأنه أي معصية في الحرم، ولكن المعصية في الحرم إذا قيست بغيرها في مكان آخر
_________________
(١) انظر: التفصيل لأنواع الشرك في المطلب الثاني من المبحث الثاني في الفصل الثاني.
(٢) القاموس المحيط، فصل اللام، باب الدال، والمعجم الوسيط، ص٨١٧.
[ ٢ / ٨٠٨ ]
٤ - النفاق
كانت شديدة جدًا (١).
قال فضيلة الشيخ عبد الرحمن الدوسري (﵀): «الإلحاد هو الميل عن الحق، والانحراف عنه بشتى الاعتقادات، والتأويلات؛ ولذا سُمّيَ لحد القبر لحدًا، لميله عن وسطه إلى أحد جوانبه. فالمنحرف عن صراط الله، والمعاكس لحكمه بالتأويل الفاسد، وإبداء التشكيك، يُسمَّى مُلْحِدًا وأول الناس إلحادًا المشركون الذين اشتقوا لآلهتهم من أسماء الله. كاللات، والعزى، من الإل الذي هو الإله ثم كل من ألحد في أسمائه وصفاته وصرفها عن ظاهرها .. فهو ملحد» (٢).
٤ - النفاق: لغة: النفق سرب في الأرض، مشتق إلى موضع آخر، وفي التهذيب له مخلص إلى مكان آخر، والنفقة والنافقاء، جحر الضب واليربوع، وقيل النفقة والنافقاء موضع يرققه اليربوع من جحره، فإذا أُتي من قبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فخرج ونفق اليربوع، ونَفَق (بالفتح) وانتفق، ونفق خرج منه. ونفق اليربوع تنفيقًا، ونافق أي دخل في نافقائه، ومنه اشتقاق المنافق في الدين، والنِّفاق بالكسر، فعل النافق، والنفاق الدخول في الإسلام من وجه، والخروج عنه من وجه آخر (٣)، وفي الحديث عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لتتبعُنَّ سنن الذين من قبلكم، شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا في جحر ضب لاتبعتموهم» قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال:
_________________
(١) جهود المفكرين المسلمين المحدثين في مقاومة التيار الإلحادي، ص٢١.
(٢) الأجوبة المفيدة لمهمات العقيدة لعبد الرحمن الدوسري، ص٤٠.
(٣) النفاق آثاره ومفاهيمه، تأليف الشيخ عبد الرحمن الدوسري، ص١٠٥ - ١٠٦.
[ ٢ / ٨٠٩ ]
٥ - الزندقة
«فمن؟» (١).
النفاق: شرعًا: كما قال ابن كثير: النفاق، هو إظهار الخير، وإسرار الشر، وهو أنواع: اعتقادي، وهو الذي يخلد صاحبه في النار، وعملي وهو من أكبر الذنوب. قال ابن جريج: المنافق يخالف قوله فعله، وسره علانيته، ومدخله مخرجه، ومشهده مغيبه (٢).
والنفاق نوعان: أكبر يُخرج من الملّة، وأصغر لا يُخرج من الملّة (٣).
٥ - الزندقة: الزنديق بالكسر من الثنوية، أو القائل بالنور والظلمة، أو من لا يؤمن بالآخرة، وبالربوبية، أو من يبطن الكفر ويظهر الإيمان (٤).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «الزنديق في عُرف الفقهاء، هو المنافق الذي كان على عهد النبي - ﷺ -، وهو أن يظهر الإسلام ويبطن غيره، سواء أبطن دينًا من الأديان كدين اليهود والنصارى أو غيرهم. أو كان معطِّلًا جاحدًا للصانع، والمعاد، والأعمال الصالحة. ومن الناس من يقول: الزنديق هو الجاحد المعطل، وهذا يسمى في اصطلاح كثير من أهل الكلام والعامة، ونقلة مقالات الناس، ولكن الزنديق الذي تكلم الفقهاء في حكمه هو الأول، لأن مقصودهم هو التمييز بين الكافر، وغير الكافر، والمرتدّ وغير المرتدّ، ومن أظهر ذلك أو أسرَّه، وهذا الحكم
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب العلم، باب اتباع سنن اليهود والنصارى، برقم ٢٦٦٩.
(٢) تفسير ابن كثير، ١/ ٤٨ عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِالله وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة البقرة، الآية:٨]، وانظر: تفسير ابن جرير الطبري، ١/ ٢٦٨ - ٢٧٢.
(٣) وسيأتي إن شاء الله تعالى التفصيل لأنواع النفاق.
(٤) القاموس المحيط، فصل الزاي، باب القاف، ص١١٥١.
[ ٢ / ٨١٠ ]
٦ - البدعة
يشترك فيه جميع أنواع الكفار، والمرتدين، وإن تفاوتت درجاتهم في الكفر والرِّدَّة، فإن الله أخبر بزيادة الكفر، كما أخبر بزيادة الإيمان بقوله تعالى:
﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ (١).
وتارك الصلاة وغيرها من الأركان، أو مرتكبو الكبائر. كما أخبر بزيادة عذاب بعض الكفار على بعض في الآخرة بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ الله زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ (٢). فهذا أصل ينبغي معرفته؛ فإنه مهم في هذا الباب؛ فإن كثيرًا ممن تكلم في (مسائل الإيمان والكفر) لتكفير أهل الأهواء «لم يلحظوا هذا الباب، ولم يميزوا بين الحكم الظاهر والباطن، مع أن الفرق بين هذا وهذا ثابت بالنصوص المتواترة والإجماع المعلوم، بل هو معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، ومن تدبَّر هذا علم أن كثيرًا من أهل الأهواء والبدع قد يكون مؤمنًا مخطئًا، جاهلًا ضالًا عن بعض ما جاء به الرسول - ﷺ -. وقد يكون منافقًا زنديقًا يُظهِر خلافَ ما يُبطِن» (٣).
٦ - البِدعَةُ: لغة: الحدث في الدين بعد الإكمال، أو ما استُحدث بعد النبي - ﷺ - من الأهواء والأعمال (٤)، ويُقال: «ابتدعتُ الشيء، قولًا أو فعلًا
_________________
(١) سورة التوبة، الآية: ٣٧.
(٢) سورة النحل، الآية: ٨٨.
(٣) فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٧/ ٤٧١.
(٤) القاموس المحيط، باب العين، فصل الدال، ص٩٠٦، ولسان العرب، ٨/ ٦، وفتاوى ابن تيمية، ٣٥/ ٤١٤.
[ ٢ / ٨١١ ]
إذا ابتدأته عن غير مثال سابق» (١).
وأصل مادة «بدع» للاختراع على غير مثال سابق، ومنه قوله تعالى:
﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (٢)، أي: مخترعهما من غير مثال سابق متقدم (٣).
والبدعة في الاصطلاح الشرعي لها عدة تعريفات عند العلماء يكمل بعضها بعضًا، ومنها:
(أ) قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «البدعة في الدين: هي ما لم يشرعه الله ورسوله - ﷺ -: وهو ما لم يأمر به أمر إيجاب ولا استحباب» (٤).
«والبدع نوعان: نوع في الأقوال والاعتقادات، ونوع في الأفعال والعبادات، وهذا الثاني يتضمن الأول، كما أن الأول يدعو إلى الثاني» (٥). «وكان الذي بنى عليه أحمد وغيره مذاهبهم: أن الأعمال عبادات وعادات»، فالأصل في العبادات أنه لا يشرع منها إلا ما شرعه الله، والأصل في العادات أنه لا يحظر منها إلا ما حظر الله (٦).
وقال أيضًا: «والبدعة ما خالف الكتاب والسنة، أو إجماع سلف الأمة من الاعتقادات والعبادات: كأقوال الخوارج، والروافض، والقدرية، والجهمية، وكالذين يتعبَّدون بالرّقص والغناء في المساجد، والذين
_________________
(١) معجم المقاييس في اللغة لابن فارس، ص١١٩.
(٢) سورة البقرة، الآية: ١١٧، سورة الأنعام، الآية: ١٠١.
(٣) الاعتصام للشاطبي، ١/ ٤٩.
(٤) فتاوى ابن تيمية، ٤/ ١٠٧ - ١٠٨.
(٥) فتاوى ابن تيمية، ٢٢/ ٣٠٦.
(٦) فتاوى ابن تيمية، ٤/ ١٩٦.
[ ٢ / ٨١٢ ]
يتعبّدون بحلق اللحى، وأكل الحشيشة، وأنواع ذلك من البدع التي يتعبّد بها طوائف من المخالفين للكتاب والسنة، والله أعلم» (١).
(ب) وقال الشاطبي رحمه الله تعالى: «البدعة: طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعيّة، يُقصدُ بالسلوك عليها المبالغة في التعبّد لله سبحانه».
وهذا على رأي من لا يُدخل العادات في معنى البدعة، وإنما يخصُّها بالعبادات، وأما على رأي من أدخل الأعمال الاعتياديَّة في معنى البدعة، فيقول: «البدعة: طريقة في الدين مخترعةٌ، تُضاهي الشرعيّة، يُقصد بالسلوك عليها ما يُقصد بالطريقة الشرعية» (٢).
ثم قرّر رحمه الله تعالى على تعريفه الثاني أن العادات من حيث هي معتادة لا بدعة فيها، ومن حيث يتعبّد بها، أو تُوضع وضع التعبُّد تدخلها البدعة، فحصل بذلك أنه جمع بين التعريفين، ومثّل للأمور المعتادة التي لا بد فيها من التعبُّد: بالبيع، والشراء، والنكاح، والطلاق، والإجارات، والجنايات ؛ لأنها مقيدة بأمور وشروط وضوابط شرعية لا خيرة للمكلف فيها (٣).
(ج) وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: (٤) «والمراد بالبدعة ما أُحدث مما لا أصل له في الشريعة يدلُّ عليه، فأما ما كان له أصل من
_________________
(١) فتاوى ابن تيمية، ١٨/ ٣٤٦، وانظر: المرجع نفسه، ٣٥/ ٤١٤.
(٢) الاعتصام لأبي إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي، ١/ ٥٠ - ٥٦.
(٣) الاعتصام لأبي إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي، ٢/ ٥٦٨، ٥٦٩، ٥٧٠، ٥٩٤.
(٤) جامع العلوم والحكم، ٢/ ١٢٧ - ١٢٨ بتصرف يسير جدًا.
[ ٢ / ٨١٣ ]
الشرع يدلّ عليه فليس ببدعة شرعًا، وإن كان بدعةً لغةً، فكلّ من أحدث شيئًا ونسبه إلى الدين، ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة، والدين بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات، أو الأعمال، أو الأقوال الظاهرة والباطنة، أما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع، فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية، فمن ذلك قول عمر - ﵁ - لمّا جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد، وخرج ورآهم يصلون كذلك قال: «نعمت البدعة هذه» (١)، ومراده - ﵁ - أن هذا الفعل لم يكن على هذا الوجه قبل هذا الوقت، ولكن له أصول من الشريعة يرجع إليها، فمنها أن النبي - ﷺ - كان يحثّ على قيام رمضان، ويُرغِّب فيه، وكان الناس في زمنه يقومون في المسجد جماعاتٍ متفرقة ووحدانًا، وهو - ﷺ - صلَّى بأصحابه في رمضان غير ليلة، ثم امتنع من ذلك مُعلِّلًا، بأنه خشي أن يُكتب عليهم فيعجزوا عن القيام به، وهذا قد أُمِنَ بعده - ﷺ - (٢) ومنها: أنه - ﷺ - أمر باتّباع سنة خلفائه الراشدين، وهذا قد صار من سنة خلفائه الراشدين (٣).
والبدعة بدعتان: بدعة مُكفِّرة تُخرج عن الإسلام، وبدعة مُفسّقة لا تخرج عن الإسلام (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب صلاة التراويح، باب فضل من قام رمضان، برقم ٢٠١٠.
(٢) انظر: صحيح البخاري، كتاب صلاة التراويح، باب فضل من قام رمضان، برقم ٢٠١٢، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح، برقم ٧٦١.
(٣) جامع العلوم والحكم، ٢/ ١٢٩.
(٤) انظر: الاعتصام للشاطبي، ٢/ ٥١٦.
[ ٢ / ٨١٤ ]
الباب الثاني: مذهب أهل السنة والجماعة في قضية التكفير
الفصل الأول: مذهب أهل السنة ومعتمدهم
المبحث الأول: مذهب أهل السنة والجماعة
أخبر النبي - ﷺ - بافتراق أمته بعده إلى ثلاث وسبعين فرقة، وأخبر أن فرقة واحدة منها ناجية، وباقي الفِرَق في النار، فَسُئل عن الفرقة الناجية، وعن صفتها فأخبر أنهم من كان على مثل ما هو عليه وأصحابه، ولسنا نجد اليوم من فرق الأمة من هم على موافقة النبي - ﷺ - وأصحابه - ﵃ - غير أهل السنة والجماعة (١)، قال رسول الله - ﷺ -: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة وسبعون في النار، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، فإحدى وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، والذي نفسي بيده لتفترِقنّ أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة، واثنتان وسبعون في النار» (٢).
وأهل السنة والجماعة هم أهل الحق، ومن عداهم فأهل بدعة، وأهل السنة والجماعة هم الصحابة - ﵁ -، وكل من سلك نهجهم من خيار التابعين رحمة الله عليهم، ثم أصحاب الحديث، ومن اتبعهم من الفقهاء، جيلًا فجيلًا إلى يومنا هذا، ومن اقتدى بهم من العوام في شرق الأرض
_________________
(١) الفرق بين الفرق لعبد القاهر بن طاهر البغدادي ببعض التصرف، ص٣١٨.
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب السنة، باب شرح السنة، برقم ٤٥٩٦، ٤٥٩٧، والترمذي في كتاب الإيمان، باب افتراق هذه الأمة، برقم ٢٦٤٠، ٢٦٤١، وابن ماجه في كتاب الفتن، باب افتراق الأمم، برقم ٣٩٩٢،وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم ١٠٨٣.
[ ٢ / ٨١٥ ]
وغربها رحمة الله عليهم (١).
وأهل السنة والجماعة في باب أسماء الله، وآياته، وصفاته، وسط بين (أهل التعطيل) الذين يلحدون في أسماء الله وآياته، ويُعطِّلون حقائق ما نعت الله به نفسه، حتى شَبَّهوه بالمعدوم والأموات، وبين (أهل التمثيل) الذين يضربون له الأمثال، ويشبهونه بالمخلوقات، فيؤمنُ أهل السنة والجماعة، بما وصف الله به نفسه، وما وصفه به رسوله - ﷺ -، من غير تحريف، و[لا] تعطيل، ومن غير تكييف و[لا] تمثيل، وهم في باب خلقه وأمره، وسط بين المكذبين بقدرة الله، الذين لا يؤمنون بقدرته الكاملة، ومشيئته الشاملة، وخلقه لكل شيء، وبين المفسدين لدين الله، الذين يجعلون العبد ليس له مشيئة ولا قدرة، ولا عمل. فيعطلون الأمر، والنهي، والثواب، والعقاب، فيصيرون بمنزلة المشركين الذين قالوا:
﴿لَوْ شَاءَ الله مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ (٢).
فيؤمن أهل السنة بأن الله على كل شيء قدير، فيقدر أن يهدي العباد، ويقلب قلوبهم، وأن ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فلا يكون في ملكه ما لا يريد، ولا يعجز عن إنفاذ مراده، وأنه خالق كل شيء من الأعيان والصفات، والحركات.
ويؤمنون أن العبد له قدرة ومشيئة، وعمل، وأنه مختار، ولا يسمونه مجبورًا، إذ المجبور من أُكره على خلاف اختياره، والله سبحانه جعل
_________________
(١) الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم، ٢/ ١١٣.
(٢) سورة الأنعام، الآية: ١٤٨.
[ ٢ / ٨١٦ ]
العبد مختارًا لما يفعله، فهو مختار مريد، والله - ﷾ - خالقه وخالق اختياره، وهذا ليس له نظير؛ فإن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله. وهم في «باب الأسماء، والأحكام، والوعد، والوعيد» وسط بين الوعيدية، الذين يجعلون أهل الكبائر من المسلمين مخلدين في النار، ويخرجونهم من الإيمان بالكلية، ويكذبون بشفاعة النبي - ﷺ -، وبين المرجئة الذين يقولون: إيمان الفساق مثل إيمان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والأعمال الصالحة ليست من الدين، ويكذبون بالوعيد، والعقاب بالكلية.
[و] يؤمن أهل السنة والجماعة بأن فُسَّاق المسلمين معهم بعض الإيمان وأصله، وليس معهم جميع الإيمان الواجب الذي يستوجبون به الجنة، وأنهم لا يخلدون في النار بل يخرج منها من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان، أو مثقال خردلة من إيمان، وأن النبي - ﷺ - ادَّخَرَ شفاعته لأهل الكبائر من أمته.
وهم أيضًا في أصحاب رسول الله - ﷺ - و- ﵃ - وسط بين الغالية، الذين يغالون في علي - ﵁ -، فَيُفضِّلونه على أبي بكر وعمر ﵄، ويعتقدون أنه الإمام المعصوم دونهما، وأن الصحابة ظلموا، وفَسَّقوا، وكفَّروا الأمة بعدهم كذلك، وربما جعلوه نبيًا أو إلهًا، وبين الجافية الذين يعتقدون كفره، وكفر عثمان ﵄، ويستحلّون دماءهما ودماء من تولاهما، ويستحبّون سبَّ علي وعثمان ونحوهما، ويقدحون في خلافة علي - ﵁ - وإمامته. وكذلك في سائر (أبواب السنة) هم وسط لأنهم متمسكون
[ ٢ / ٨١٧ ]
بكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، وما اتفق عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان» (١).
أما مذهب أهل السنة والجماعة في التكفير، فهم وسط بين مذهبي: الإرجاء، والوعيدية.
فأهل السنة والجماعة يقولون: إن العبد إذا تاب من الذنب غُفِر له، وإن لم يتب فهو تحت المشيئة، إن شاء الله غفر له، وإن شاء عَذَّبه؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ (٢) الآية.
فهذا مذهب بين مذهبين: بين من يقول: لا يضر مع الإيمان ذنب، وبين من يقول بالوعيد بأن صاحب الكبيرة من الخالدين في النار.
ويقول أهل السنة والجماعة: العباد مأمورون بالطاعة، ومنهيُّون عن المعصية، يستحقّون العقاب على فعل المعصية، ويستحقّون الثواب على فعل الطاعة، فالمعصية إذا لم يتوبوا منها فهم معذَّبون عليها، أو يتوب الله عليهم.
والإيمان عند أهل السنة والجماعة، يزيد وينقص، زيادته بالطاعة، ونقصه بالمعصية (٣)، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ
_________________
(١) فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٣/ ٣٧٣ - ٣٧٥.
(٢) سورة الزمر، الآيتان: ٥٣ - ٥٤.
(٣) الأجوبة المفيدة على أسئلة العقيدة، ص٥٨.
[ ٢ / ٨١٨ ]
يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (١) ومرتكب الكبيرة ناقص الإيمان، مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته.
وكما أن أهل السنة وسط في صحابة رسول الله - ﷺ -: يقولون: أصحاب رسول الله - ﷺ - كلهم عدول، ولا يُبرئونهم من الذنوب التي هي دون الكفر؛ لكن لهم من الحسنات ما يُغطّيها، ويُنزلونهم منازلهم التي أنزلهم الله إيَّاها ورسوله - ﷺ -، فلا يَغلون في علي، ولا يكفِّرون أبا بكر وعمر، ويحبّونهم، ولا يضلّلون عليًّا ومعاوية، بل إن أفضل الأمة، أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي (٢).
قال الطحاوي ﵀: «ولا نُكفِّر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحلّه (٣)، ولا نقول: لا يضرّ مع الإيمان ذنب لمن عمله، ونرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم ويدخلهم الجنة برحمته، ولا نأمن عليهم، ولا نشهد لهم بالجنة، ونستغفر لمسيئهم، ونخاف عليهم، ولا نقنطهم، والأمن والإياس ينقلان عن ملة الإسلام، وسبيل الحق بينهما لأهل القبلة» (٤).
وقال الطحاوي أيضًا: «نُسمّي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين ما داموا
_________________
(١) سورة التوبة، الآية: ١٢٤.
(٢) الأجوبة المفيدة على أسئلة العقيدة، ص٦٠.
(٣) يشير الشيخ ﵀ إلى الرد على الخوارج القائلين بالتكفير بكل ذنب، وإلا فقد امتنع كثير من الأئمة عن إطلاق القول: بأنا لا نكفر أحدًا بذنب، بل يقال: لا نكفرهم بكل ذنب كما تفعله الخوارج.
(٤) شرح العقيدة الطحاوية، ص٣٥٥.
[ ٢ / ٨١٩ ]
بما جاء به النبي - ﷺ - معترفين، وله بكل ما قاله وأخبر مصدقين»، قال رسول الله - ﷺ -: «من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فهو المسلم، له ما لنا، وعليه ما علينا» (١).
ويشير الشيخ ﵀ بهذا الكلام إلى أن الإسلام والإيمان واحد، وأن المسلم لا يخرج من الإسلام بارتكاب الذنب ما لم يستحلّه، والمراد بقوله أهل قبلتنا: من يدَّعي الإسلام ويستقبل الكعبة، وإن كان من أهل الأهواء أو من أهل المعاصي، ما لم يُكذِّب بشيء مما جاء به الرسول - ﷺ - (٢)، وأهل السنة متفقون أن مرتكب الكبيرة لا يَكْفُر كفرًا ينقل عن الملة بالكلية كما قالت الخوارج، إذ لو كَفَر كفرًا ينقل عن الملّة، لكان مرتدًّا يُقْتَلُ على كل حال، ولا يُقبل عفو ولي القصاص، ولا تُجْرى الحدود في الزنا، والسرقة وشرب الخمر.
وهذا القول معلوم بطلانه وفساده بالضرورة من دين الإسلام، ومُتَفقون على أنَّه لا يُخرج من الإيمان والإسلام، ولا يدخل في الكفر، ولا يستحقّ الخلود مع الكافرين كما قالت المعتزلة (٣).
أما من ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب: كالزنا، أو شرب الخمر، أو أكل الربا، أو قتل النفس التي حرّم الله بغير حقّ، مستحلًاّ لذلك فإنه يكفر بإجماع المسلمين، فمن ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب كالزنا أو
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب فضل استقبال القبلة، برقم ٣٩١، ٣٩٣.
(٢) شرح العقيدة الطحاوية ص٣٥٠، الطبعة الرابعة، بتحقيق جماعة من العلماء.
(٣) شرح العقيدة الطحاوية، ص٣٦٠ - ٣٦١.
[ ٢ / ٨٢٠ ]
غيره مستحلًاّ لذلك فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل مرتدًّا عن دين الإسلام.
وقد يكون مع الإنسان من الإيمان وفروعه ما يستحقّ به المدح والثواب، ومعه من شعب الكفر والنفاق ما يستحق عليه الذمّ والعقاب، ومراد الفقهاء في الكلام على المرتدّ: هو الذي لا يبقى معه من الإيمان
ما يحقن دمه.
والكفّار نوعان: أحدهما الكفار الذين لم يدخلوا في دين الإسلام، ولا انتسبوا للإيمان بمحمد - ﷺ - من أُمّيين، ومشركين، وأهل كتاب من يهود ونصارى، ومجوس، وعبدة أوثان، ودهريِّين، وفلاسفة وغيرهم من أصناف الكفار، فهؤلاء الجنس، دلّ الكتاب والسنة، وإجماع المسلمين، على كفرهم، وشقائهم، وخلودهم في النار، وتحريم الجنة عليهم، ولا فرق بين عالمهم وجاهلهم، وأُمِّيهم، وكتابيِّهم وعوامِّهم وخواصِّهم، وهذا أمر معلوم بالضرورة من دين الإسلام، فهذا القسم ليس الكلام فيه، إنما الكلام في القسم الثاني الذين ينتسبون لدين الإسلام، ويزعمون أنهم مؤمنون بمحمد - ﷺ -، ثم يصدر منهم ما يناقض هذا الأصل، ويزعمون بقاءهم على دين الإسلام، وأنهم من أهله، فهؤلاء لتكفيرهم أسباب متعددة ترجع كلها إلى تكذيب الله ورسوله، وعدم التزام دينه ولوازم ذلك، ومن هذه الأسباب الأسباب الآتية:
السبب الأول: الشرك بالله تعالى والشرك بالرسول - ﷺ -:
١ـ فالشرك بالله تعالى إما شرك في الربوبية، بأن يعتقد أن أحدًا شريكًا
[ ٢ / ٨٢١ ]
له، في الملك، أو التدبير، أو الخلق لبعض المخلوقات وغير ذلك.
وإما شرك في ألوهيته، وعبادته بأن يصرف نوعًا من أنواع العبادات لغير الله تعالى، بأن يدعو غير الله، أو يسجد لغير الله، أو يذبح لغير الله، أو ينذر لغير الله، أو يعتقد أن أحدًا يستحق الألوهية والعبادة مع الله تعالى، أو يجعل بينه وبين الله وسائط، يتقرّب إليهم ليقرّبوه إلى الله تعالى، كما هو شرك المشركين الذين أخبر الله عنهم في كتابه، وأمثلة هذا لا تحصى لكن هذا أصله الذي يرجع إليه.
٢ - أما الشرك بالرسول - ﷺ - فمنه، أنه لا يتم الإيمان بالرسول حتى يُعتَقَد أنه رسول الله إلى الإنس والجن، والعرب وغيرهم في أصول الدين وفروعه، وفي جميع أبواب الدين، وأنه خاتم النبيين لا نبي بعده، فمن اعتقد أنه رسول إلى الإنس دون الجن، أو إلى العرب دون غيرهم أو ادَّعَى لنفسه أنه رسول، أو صدّق من ادَّعَى ذلك، فكل هذه الأمور وشبهها شرك بالرسول، وكفر بالله، وتكذيب لله ولرسوله، وخروج عن الدين (١).
السبب الثاني من أسباب الكفر: عدم الإيمان بالكتاب والسنة، وذلك أنه لا يؤمن عبد حتى يعتقد أن القرآن كلام الله تعالى، صدق كله، وحق كله، وواجب التزامه، فمن جحد القرآن أو شيئًا منه ولو آية أو امتهنه، أو استهزأ به، أو ادَّعَى أنه مُفترَى، أو مُختلق، أو ادَّعى فيه ما ادَّعاه زنادقة
_________________
(١) إرشاد أولى البصائر والألباب لنيل الفقه بأقرب الطرق وأيسر الأسباب لعبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀ ببعض التصرف، ص١٩١ - ١٩٣.
[ ٢ / ٨٢٢ ]
الملاحدة من أهل الوحدة، والفلسفة من أنه تشريع للجمهور والعوام، وأنه تخيل للأمور ورموز إليها، ولم يُصرّح بالحقيقة، فكل هذا كفر بالقرآن، وخروج عن الدِّين كذلك.
وكذلك من زعم أن له خروجًا عما جاء به الرسول - ﷺ - من الشرع العظيم، والصراط المستقيم، وكذلك من أنكر أحدًا من الأنبياء الذين نصَّ الله عليهم، أو نصَّ رسوله - ﷺ - عليهم، أو شيئًا من كتب الله المذكورة في الكتاب والسنة، فهو مُكذِّب للقرآن والسّنّة، بل طريقة المؤمنين الإيمان بجميع الكتب المنزَّلة على أنبيائه ورسله إلى الخلق، لا يفرِّقون بين أحد من رسله ولا كتبه، ومن أنكر البعث، والجزاء، والجنة، والنار، فهو مُكذِّب للكتاب والسنة، ومن جحد وجوب الصلاة، أو وجوب الزكاة، أو الصيام، أو الحج، فهو مُكذِّب لله ولرسولِهِ وإجماع المسلمين، وهو خارج من الدِّين بإجماع المسلمين، ومن أنكر حكمًا من أحكام الكتاب والسنة ظاهرًا مجمعًا عليه إجماعًا قطعيًا، كمن ينكر حل الخبز، والبقر، والغنم ونحوها، مما هو ظاهر، أو ينكر تحريم الزنا، أو القذف، أو شرب الخمر، فضلًا عن الأمور الكفرية، والخصال الشركية، فهو كافر مُكذِّب لكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - مُتَّبع غير سبيل المؤمنين، وكذلك من جحد خبرًا أخبر الله به صريحًا، أو أخبر به الرسول - ﷺ - وهو حديث صحيح صريح، فهو كافر بالله ورسوله، كذلك من شكَّ في شيء من ذلك، بعد علمه به، ومثله لا يجهله، فهو كافر لأنه تارك لما وجب عليه من الإيمان،
[ ٢ / ٨٢٣ ]
مُكذِّب لكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - (١).
تقييد لا بد منه
وهو أن المتأوِّلين من أهل القبلة الذين ضلّوا وأخطؤوا في فهم ما جاء به الكتاب والسنة، مع إيمانهم بالرسول - ﷺ - واعتقادهم صدقه في كل ما قال: وأنَّ ما قاله كله حقّ، والتزموا ذلك، لكنهم أخطؤوا في بعض المسائل الخبرية أو العملية، فهؤلاء قد دلّ الكتاب والسنة على عدم خروجهم من الدين، وعدم الحكم لهم بأحكام الكافرين وذلك لأجل تأويلهم وجهلهم.
والقول الفصل في أمثال هؤلاء المبتدعة المخالفين لما ثبتت به النصوص الصريحة والصحيحة أنهم في هذا الباب أنواع:
من كان منهم عارفًا بأن بدعته مخالفة للكتاب والسنة، فتبعها ونبذ الكتاب والسنة وراء ظهره، وشاقّ الله ورسوله من بعد ما تبين له الحقّ، فهذا لا شك في تكفيره.
ومن كان منهم راضيًا ببدعته، معرضًا عن طلب الأدلّة الشرعية، وطلب ما يجب عليه من العلم الفارق بين الحقّ والباطل ناصرًا لها، رادًّا ما جاء به الكتاب والسنة مع جهله، وضلاله، واعتقاده أنه على الحق فهذا ظالم، فاسق، بحسب تركه ما أوجب الله عليه، وتَجَرُّئِهِ على ما حرم الله تعالى، ومنهم من هو دون ذلك، ومنهم من هو حريص على اتباع الحق واجتهد في ذلك، ولم يتيسّر له من يبيّن له ذلك، فأقام على ما هو
_________________
(١) إرشاد أولي البصائر والألباب لنيل الفقه بأقرب الطرق وأيسر الأسباب، ص١٩٤.
[ ٢ / ٨٢٤ ]
عليه ظانًَّا أنه صوابٌ من القول، غير متجرئٍ على أهل الحق بقوله ولا فعله، فهذا ربما كان مغفورًا له خطؤه، والله أعلم.
والمقصود أنه لا بد من هذا الملحظ في هذا المقام؛ لأنه وجد بعض التفاصيل التي كَفَّر أهل العلم فيها من اتّصف بها، وثَمَّ آخرُ من جنسها لم يكفِّروه بها، والفرق بين الأمرين: أن التي جزموا بكفره بها لعدم التأويل المسوّغ، وعدم الشبهة المقيمة لبعض العذر، والتي فصّلوا فيها القول لكثرة التأويلات الواقعة فيها.
ومما يدخل في هذا الأصل الكفر بالملائكة، والجن؛ فإن الإيمان بالملائكة أحد أصول الإيمان الستة، وهو في سور كثيرة من القرآن الكريم، والسنة مملوءة منه، فمن لم يؤمن بذلك لم يؤمن بالكتاب ولا بالسنة.
وكذلك الجنّ ذكرهم الله في القرآن في عدّة مواضع، وذكر من تكليفهم وصفاتهم ما ذكره، فالكفر بهم كفر بالكتاب والسنة.
وكذلك الاستهزاء بالقرآن، أو بالسنة، أو بالدين فإنه كفر وزيادة، فالكفر عدم الإيمان سواء أعرض أو عارض، وهذا معارض.
وكذلك من لم يُكَفِّر من دان بغير دين الإسلام من أي دين كان، أو شكّ في كفرهم لمناقضة ذلك نصوص الكتاب والسنة.
وكذلك من قذف عائشة ﵂ بما برّأها الله منه، أو أنكر صحبة أبي بكر للنبي - ﷺ -؛ لتصريحه بتكذيب الكتاب.
[ ٢ / ٨٢٥ ]
والحاصل أن من كذَّب الله، أو كذَّب رسوله في شيء مما أخبر (الله ورسوله) به فهو كافر، أو لم يلتزم ما أمر الله به ورسوله؛ لأن هذا كله مناقض للإيمان بالقرآن والسنة، وكل ما ذكره الفقهاء من تفاصيل المكفِّرات الصحيحة فإنه يعود إلى هذا السبب، فالكفر حق الله ورسوله، فلا كافر إلا من كفَّره الله ورسوله، فهو جحد ما جاء به الرسول، أو جحد بعضه، والله تعالى أعلم (١).
وخلاصة مذهب أهل السنة في قضية التكفير: أنهم يقولون: إنّ الفاسق من أهل القبلة لا يُنفى عنه مطلق الإيمان بفسوقه، ولا يوصف بالإيمان التام، فيقولون: هو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، فلا يُعطى الاسم المطلق، ولا يُسلب مطلق الاسم، والمراد بالفسق هنا هو الأصغر، وهو عمل الذنوب الكبائر التي سمَّاها الله ورسوله فسقًا، وكفرًا، وظلمًا، مع إجراء أحكام المؤمنين على عاملها؛ فإن الله تعالى سمى الكاذب فاسقًا قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (٢)، ومع ذلك لم يُخرج ذلك الرجل من الدين بالكلية، ولم يُنفَ عنه الإيمان المطلق، وقال - ﷺ -: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» (٣)، وقد استبَّ كثير من الصحابة على عهده
_________________
(١) إرشاد أولي البصائر والألباب لنيل الفقه بأقرب الطرق وأيسر الأسباب، ص١٩٤ - ١٩٨ بتصرف.
(٢) سورة الحجرات، الآية: ٦.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر، برقم ٤٨، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان قول النبي - ﷺ -: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر»، برقم ٦٤.
[ ٢ / ٨٢٦ ]
- ﷺ - فوعظهم وأصلحهم، ولم يكفِّرهم، بل بقوا أنصاره ووزراءه في الدين، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ
الله﴾ (١)، فسمَّى الله تعالى كلًا من الطائفتين مؤمنة وأمر بالإصلاح بينهما ولو بقتال الباغية، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢)، ولم ينف عنهم الأُخوَّة أُخوَّة الإيمان لا فيما بين المقاتلين، ولا فيما بينهما وبين بقيَّة المؤمنين، بل أثبت لهم أُخوّة الإيمان مطلقًا.
وكذلك في آية القصاص أثبت الإيمان للقاتل والمقتول من المؤمنين، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَان﴾ (٣)، وكذلك الذين قال لهم النبي - ﷺ -: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» (٤)، سماهم أيضًا مسلمين بعد أن رجعوا كذلك، فقال في صفة الخوارج: «تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق» (٥).
_________________
(١) سورة الحجرات، الآية: ٩.
(٢) سورة الحجرات، الآية: ١٠.
(٣) سورة البقرة، الآية: ١٧٨.
(٤) أخرجه البخاري، كتاب العلم، باب الإنصات للعلماء، برقم ١٢١، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان معنى قول النبي - ﷺ -: «لا ترجعوا بعدي كفارًا»، برقم ٦٥.
(٥) أخرجه مسلم، كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم، برقم ١٠٦٥/ ١٥٠.
[ ٢ / ٨٢٧ ]
ومعلوم أن أصحاب علي بن أبي طالب وأهل الشام هما الفرقتان اللتان مرقت الخوارج من بينهما، قد اقتتلا اقتتالًا عظيمًا، فسمّى الجميع مسلمين. وقال النبي - ﷺ - في سبطه الحسن: «إن ابني هذا سيد، وسَيُصلِح الله تعالى به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» (١)، فأصلح الله تعالى به بين الفرقتين بعد موت أبيه ﵄، في عام الجماعة. ولله الحمد والمنة.
ولا منافاة بين تسمية العمل فسقًا، أو عامله فاسقًا، وبين تسميته مسلمًا، وجريان أحكام المسلمين عليه؛ لأنه ليس كل فسق يكون كفرًا، ولا كل ما يُسمَّى كفرًا وظلمًا، يكون مخرجًا من الملّة حتى ينظر إلى لوزامه وملزوماته، وذلك؛ لأن كلًا من الكفر، والشرك، والبدعة، والظلم، والفسوق، والنفاق، جاءت في النصوص على قسمين:
أ- أكبر يُخرج من الملّة لمنافاته أصل الدين بالكليَّة.
ب- وأصغر ينقص الإيمان وينافي كماله، ولا يخرج صاحبه منه.
فكفر دون كفر، وشرك دون شرك، وظلم دون ظلم، وفسوق دون فسوق، ونفاق دون نفاق، والفاسق بالمعاصي التي لا توجب الكفر لا يخلد في النار، بل أمره مردود إلى الله تعالى إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة من أول وهلةٍ برحمته وفضله، وإن شاء عاقبه بقدر الذنب الذي مات مُصِرًّا عليه، ولا يُخلّده في النار بل يخرجه برحمته ثم بشفاعة الشافعين إن كان مات على الإيمان (٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الصلح، باب قول النبي - ﷺ - للحسن بن علي - ﵁ -، برقم ٢٧٠٤.
(٢) معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم أصول التوحيد، ٢/ ٤٢٣.
[ ٢ / ٨٢٨ ]
وقد أجمع أهل السنة والجماعة على أن المعاصي صغرت أم كبرت إذا كانت دون الشرك لا تؤدّي بذاتها إلى الحكم على المسلم بالكفر، إنما يكون الكفر بسبب استحلال المعصية المُجمع على أنها معصية بتحليل ما حرّم الله، أو تحريم ما أحلَّ الله تعالى، وهذه مسألة لا يختلف فيها اثنان من العلماء، فالله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الله لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١).
أما الإصرار على المعصية، فإن الكافر يدخل في الإسلام بالنطق بالشهادتين، وبعد هذا الإعلان تُجرَى عليه أحكام المسلمين حتى لو كان يُظهر الإيمان ويُبطن الكفر إلا إذا قال، أو فعل ما يقتضي الرِّدَّة؛ لأنّ الله تعالى أمرنا في هذه الدنيا أن نأخذ بظاهر أحوال الناس، وأن نترك البواطن لحكم الله تعالى في الآخرة، ولقد أنكر الله على من ردَّ الظاهر، فقال تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ (٢) الآية.
كما جعل الله القول سببًا في المغفرة، فقال تعالى: ﴿فَأَثَابَهُمُ الله بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣)، ولكن إذا صدر عن هذا المسلم أقوال، أو أفعال تُعَدُّ من الكفر حسب تحديد الإسلام لِمَا يدخل في (باب الكفر)، وجب أن نحدِّد موقفنا من هذا الشخص، ويختلف الأمر بين الحاكم والمحكوم.
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ١١٦، وكذلك آية: ٤٨ من السورة نفسها.
(٢) سورة النساء، الآية: ٩٤.
(٣) سورة المائدة، الآية: ٨٥.
[ ٢ / ٨٢٩ ]
أ- موقف الحاكم من المارقين والعصاة:
الحاكم المسلم مُكلَّف شرعًا بإقامة الحجة على هؤلاء، وذلك بمجادلتهم بالتي هي أحسن، ثم يُنفِّذ فيهم الحكم الشرعي (حكم الله ورسوله).
١ - فإن ادَّعوا أنهم مؤمنون، ولكن الإيمان لا يُلزمهم بالصلاة، أو الحج، أو الزكاة، أو الصوم؛ لأن هذه ليست من فرائض الإسلام وأركانه، أو صلُّوا ثم استحلوا الزنا، أو الربا، أو الخمر، أو الانضمام إلى حزب يدعو إلى الكفر، والشرك، ونبذ حكم الله، وكانوا على بيِّنة من كل ذلك، وجب أن يقيم الحاكم عليهم الحدَّ الشرعي، وذلك بعد استتابتهم شرعًا؛ لأنهم ارتدُّوا إلى الكفر بعد إيمانهم.
٢ - وإن أقرُّوا بفرضيّة هذه العبادات وزعموا أنهم لا يطيقون الالتزام بها كلّها، ووعدوا بالطاعة، فقد عصموا أنفسهم من حكم الردّة والكفر، وعلى الحاكم أن يضع الوسائل العملية الكفيلة بزوال هذه الظاهرة.
٣ - ولكن إن ظلّوا على حالهم يقرُّون بالفرائض وجميع أمور الدين، ولا يعملون بذلك أو يعملون بخلافها، وجب على الحاكم أن يقاتلهم.
ففي صحيح البخاري ومسلم أنه لما انتقل الرسول الأمين - ﷺ - إلى ربِّه امتنع أقوام عن أداء الزكاة، فقاتلهم أبو بكر، وضمَّهم إلى المرتدِّين من حيث ضرورة مقاتلتهم حتى يتوبوا، وقد استنكر عمر ذلك القتال وقال: كيف نقاتلهم وقد قال النبي - ﷺ -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني
[ ٢ / ٨٣٠ ]
دماءهم وأموالهم إلا بحقِّها»،فقال أبو بكر: ألم يقل إلا بحقّها؟ والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدّونه إلى رسول الله - ﷺ - لقاتلتهم عليه، قال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعلمت أنه الحقّ (١).
ب- أما موقف الشعب (المحكومين) من المضلَّلين والجاهلين، فليس أمام المسلم من أفراد الشعب إلا الدعوة، بالحكمة، والموعظة الحسنة، ومجادلة هؤلاء العصاة، والمضلّلين بإقامة الحجة عليهم، حتى يفصح هؤلاء عن واقعهم، ويقرّروا الصلاحية للإسلام الذي أعلنوا تبعيتهم له، أو يتّضح إصرارهم على الضلال، وادِّعاء عدم صلاحية الإسلام؛ ليسهل الحكم عليهم بالردة عنه؛ لأن المسلم والحال هذه لا يملك أن يطلق الحكم بالكفر على هؤلاء جملة، بل يكون الحكم لكل فرد حسب ما أفصح عنه عمله، واستبان به أمره من خلال أحواله، وأقواله، وأعماله؛ لأن الإسلام لم يأمر بالبحث عمّا في نفوس الناس، وليس لأحد سلطة حرمان أحد من جنة الله، أو الحكم عليه بالكفر كوسيلة لسحله، أو جرده، أو طرده، وحرمانه فعن أبي سعيد - ﵁ - قال: بعث علي - ﵁ - وهو باليمن بذُهيبة إلى النبي - ﷺ - فقسمها بين أربعة، فقال رجل: اتق الله، فقال النبي - ﷺ -: «ويلك ألست أحقَّ أهل الأرض أن يتقي الله»؟، ثم ولَّى الرجل فقال خالد - ﵁ -: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ فقال: «لا. لعله
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾، برقم ٢٥، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويقيموا الصلاة ..، برقم ٢٠.
[ ٢ / ٨٣١ ]
أن يكون يصلي»، فقال خالد: وكم من مصلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال النبي - ﷺ -: «إني لم أُومر أن أُنقّب عن قلوب الناس، ولا أشق بطونهم» (١).
وهذا الذي اعترض على حكم النبي - ﷺ - في القسمة لم يقبل رسول الله - ﷺ - أن يقيم عليه حدّ الرّدّة، وهو القتل لاحتمال أن يكون ممن يُصلِّي، وبالتالي تشهد له الصلاة بالإيمان. ولما قال خالد - ﵁ -: كم من مصلّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه، ردّنا النبي - ﷺ - إلى القاعدة الذهبيَّة، وهي الأخذ بالظَّاهر؛ لأنّ الله تعالى لم يأمر بشقّ بطون الناس حتى يعلم حقيقة ما في قلوبهم ونواياهم، بل أمره بالأخذ بالظاهر، وترك ما عداه لحساب الآخرة؛ لأن الله هو الذي يعلم السرائر وما في القلوب (٢)، وهذا ما لم يظهر منه ما يناقض الإسلام.
المبحث الثاني: معتمد أهل السنة والجماعة فيما ذهبوا إليه
استند أهل السنة والجماعة فيما ذهبوا إليه من عدم تكفير أحد من أهل القبلة بأي ذنب ما لم يستحلّ ذلك الذنب إلى: الكتاب، والسنة، والإجماع:
أولًا: من الكتاب:
وقد جاء فيه آيات كثيرة منها:
١ - قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم، برقم ١٠٦٤/ ١٤٤.
(٢) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ١٦٩، والحكم وقضية تكفير المسلم، ص١٨٦.
[ ٢ / ٨٣٢ ]
إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ (١).
٢ - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ الله يَجِدِ الله غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٢).
٣ - قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٣).
٤ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٤).
٥ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ (٥)، فلم يُخرج ﵎، القاتل من الذين آمنوا، وجعله أخًا لولي القصاص.
٦ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ الله فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ
_________________
(١) سورة الزمر، الآيتان: ٥٣ - ٥٤.
(٢) سورة النساء، الآية: ١١٠.
(٣) سورة الرعد، الآية: ٦.
(٤) سورة النساء، الآية: ١١٦، وآية: ٤٨.
(٥) سورة البقرة، الآية: ١٧٨.
[ ٢ / ٨٣٣ ]
تُرْحَمُونَ﴾ (١)، فسمَّى الله كلًا من الطائفتين المقتتلتين: مؤمنة، وأمر بالإصلاح بينهما ولو بقتال الباغية، ولم ينف عنهم أُخوّة الإيمان لا فيما بين المقاتلين ولا فيما بينهما وبين بقيَّة المؤمنين، بل أثبت لهم أُخوّة الإيمان مطلقًا (٢).
ثانيًا: من السّنّة المطهَّرة:
جاء في ذلك أحاديث كثيرة، منها الأحاديث الآتية:
١ - قول رسول الله - ﷺ -: «من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار» (٣).
٢ - حديث جبريل لرسول الله - ﷺ -: «بشِّر أمّتك أنه من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، قلت: يا جبريل، وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم، قلت: وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم، قلت: وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم. وإن شرب الخمر» (٤)،فهو فسق، وظلم، ومع هذا حكم الله تعالى له بالإيمان (٥).
٣ - قول رسول الله - ﷺ -: «تعالوا بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا،
_________________
(١) سورة الحجرات، الآيتان: ٩ - ١٠.
(٢) معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم أصول التوحيد، ٢/ ٤١٨.
(٣) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات مشركًا دخل النار، برقم ٩٣.
(٤) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب في الجنائز، برقم ١٢٣٧، ومسلم، كتاب الإيمان، باب من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، برقم ٩٤، وفي كتاب الزكاة، باب الترغيب في الصدقة، برقم ٩٤/ ٣٣، واللفظ لمسلم.
(٥) الحكم وقضية تكفير المسلم، ص٩١.
[ ٢ / ٨٣٤ ]
ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا بهتانًا تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفَّى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله، فأمره إلى الله: إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه»، قال الراوي: فبايعناه على ذلك. رواه البخاري عن عبادة بن الصامت ﵄ (١).
٤ - قول رسول الله - ﷺ -: «يدخل أهل الجنَّة الجنَّة، وأهل النَّار النَّار، ثم يقول الله تعالى: أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فيخرجون منها قد اسودّوا فيُلقون في نهر الحيا أو الحياة - شكّ مالك - فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل، ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية» (٢).
٥ - قول النبي - ﷺ -: «تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحقّ» (٣)، ومعلوم أن أصحاب علي بن أبي طالب وأهل الشام هما الفرقتان اللتان مرقت الخوارج من بينهما قد اقتتلتا اقتتالًا عظيمًا، فسُمّيَ الجميع مسلمين.
٦ - قوله - ﷺ -: في سبطه الحسن - ﵁ -: «إن ابني هذا سيّد، وسيُصلح الله
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب ١١، برقم ١٨، ومسلم، كتاب الحدود، باب الحدود كفارات لأهلها، برقم ١٧٠٩.
(٢) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال، برقم ٢٢، ومسلم، كتاب الإيمان، باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار، برقم ١٨٤.
(٣) أخرجه مسلم، كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم، برقم ١٠٦٥/ ١٥٠.
[ ٢ / ٨٣٥ ]
النوع الأول: كفر التكذيب
تعالى به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» (١)، فأصلح الله تعالى به بين الفرقتين بعد موت أبيه ﵄ في عام الجماعة، ولله الحمد والمنة (٢).
ثالثًا: الإجماع:
أجمع أهل السنة والجماعة على أن المعاصي صغرت أم كبرت إذا كانت دون الشرك لا تؤدِّي بذاتها إلى الحكم على المسلم بالكفر، إنما يكون الكفر بسبب استحلال المعصية بتحليل ما حرّم الله، أو تحريم ما أحلّ الله تعالى، وهذه مسألة لا يختلف فيها اثنان من العلماء، فالله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الله لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٣)، والله المستعان (٤).
الفصل الثاني: أنواع الكفر وأخطر المكفرات
المبحث الأول: أنواع الكفر
المطلب الأول: كفر أكبر يخرج من الملة
وهو خمسة أنواع (٥):
النوع الأول: كفر التكذيب، والدليل قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى الله كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكَافِرِينَ﴾ (٦).
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الصلح، باب قول النبي - ﷺ - للحسن بن علي - ﵁ -، برقم ٢٧٠٤.
(٢) معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد، ٢/ ٤٢٣.
(٣) سورة النساء، الآية: ١١٦، وآية: ٤٨.
(٤) انظر: الحكم وقضية تكفير المسلم، ص١٨٦.
(٥) انظر: تعريف الكفر لغة واصطلاحًا في الفصل السادس من الباب الأول.
(٦) سورة العنكبوت، الآية: ٦٨.
[ ٢ / ٨٣٦ ]
النوع الثاني: كفر الإباء والاستكبار
النوع الرابع: كفر الإعراض
النوع الخامس: كفر النفاق
النوع الثاني: كفر الإباء والاستكبار مع التصديق، والدليل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ (١).
النوع الثالث: كفر الشكّ، وهو كفر الظنّ، والدليل قوله تعالى:
﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا * قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا * لَكِنَّا هُوَ الله رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ (٢).
النوع الرابع: كفر الإعراض، والدليل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ (٣).
النوع الخامس: كفر النفاق، والدليل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ (٤).
المطلب الثاني: كفر أصغر لا يُخرج من الملة
وهو كفر النعمة: والدليل قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ الله مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ الله فَأَذَاقَهَا
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٣٤.
(٢) سورة الكهف، الآيات: ٣٥ - ٣٨.
(٣) سورة الأحقاف، الآية: ٣.
(٤) سورة المنافقون الآية: ٣.
[ ٢ / ٨٣٧ ]
القسم الأول: يوجب الردة
القسم الثاني: لا يبطل الإسلام
الله لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (١)، والله المستعان (٢).
ومما يدلّ من السنة على الكفر الذي لا يُخرج من الملة، قوله - ﷺ -: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» (٣)، وقوله - ﷺ -: «إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما» (٤).
وقوله - ﷺ -: «من أتى حائضًا أو امرأة في دبرها .. فقد كفر بما أنزل على محمد» (٥)، ونظائر ذلك كثيرة.
المبحث الثاني: نواقض ونواقص الإسلام
المطلب الأول: أقسام المخالفات
المخالفات لأمر الله تعالى قسمان:
القسم الأول: يوجب الرِّدّة، ويبطل الإسلام بالكُليّة، ويكون صاحبه كافرًا كفرًا أكبر، وهو من أتى بناقض من نواقض الإسلام.
القسم الثاني: لا يبطل الإسلام، ولكن ينقصه ويضعفه، ويكون صاحبه على خطر عظيم من غضب الله تعالى وعقابه إذا لم يتب، وهو جنس المعاصي التي يعرف صاحبها أنها معاصٍ، كالزنا، ولكن لا
_________________
(١) سورة النحل، الآية: ١١٢.
(٢) مجموعة التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب والشيخ ابن تيمية رحمهما الله، ص٦.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط علمه وهو لا يشعر، برقم ٤٨، ومسلم في كتاب الإيمان، باب قول النبي - ﷺ -: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر»، برقم ٦٤.
(٤) أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب من كَفَّر أخاه بغير تأويل فهو كما قال، برقم ٦١٠٣، ٦١٠٤، ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان حال إيمان من قال لأخيه المسلم: يا كافر، برقم ٦٠.
(٥) مسند الإمام أحمد، ٢/ ٤٠٨، وصححه الألباني في آداب الزفاف، ص٣١.
[ ٢ / ٨٣٨ ]