•---------------------------------•
مقصود الترجمة: ذكر دليل آخر من أدلة التوحيد وبطلان الشرك، ألا وهو امتلاك الله ﷾ للشفاعة وحده دون من سواه. وإذا كان ذلك كذلك فإنه سبحانه هو المستحق للعبادة لا غيره.
وعلاقة هذا الباب بكتاب التوحيد: أنه يحتوي على الحجج والبراهين التي ترد شبهة من أعظم الشبه التي يتذرع بها أهل الإشراك: ألا وهي الشفاعة؛ حينما يقولون: نحنُ نؤمن بربوبية الله، ولكن نحنُ ضعاف، وهؤلاء الأولياء يشفعون لنا عند الله؛ لجاههم وعظمتهم، وهذه حجة المشركين الأوائل.
وقول المؤلف: «بَابُ الشَّفَاعَةِ»: «أي بيان الشفاعة المثبَتة والمنفية، والحق والباطل فيها» (١).
والشفع لغةً: ضد الوتر، قال تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣].
والشفاعة اصطلاحًا: التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة.
مثال جلب المنفعة: شفاعة النبي - ﷺ - لأهل الجنة ليدخلوها.
ومثال دفع المضرة: شفاعة النبي - ﷺ - لمن استحق النار أن لا يدخلها.
أقسام الناس في الشفاعة:
انقسم الناس في الشفاعة إلى ثلاث طوائف: طرفان ووسط:
الطائفة الأولى: منكرو الشفاعة: كاليهود والنصارى والخوارج المكفرين بالذنوب. وقالوا: إن من دخل النار لا يخرج منها، فخالفوا بذلك الأحاديث الصحيحة المتواترة.
_________________
(١) شرح كتاب التوحيد ص (٩٢).
[ ١٨١ ]
شروط صحة الشفاعة
الطائفة الثانية: الغالون في الشفاعة: وهم الذين أثبتوها وغلوا في إثباتها، حتى جوزوا طلبها من الأولياء والصالحين.
الطائفة الثالثة: أهل الوسطية: وهم الذين أثبتوها بالشرع لله تعالى وحده وبإذنه، ولأهلها الذين يستحقونها برضا الله عنهم، وهم أهل السنة والجماعة (١).
والشفاعة الوارة في القرآن والسنة من حيث الإثبات والنفي نوعان:
النوع الأول: الشفاعة المنفية:
وهي الشفاعة التي نفاها الله - ﷿ - عن أهل الكفر والإشراك؛ قال تعالى: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدَّثر: ٤٨]، وقال سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة: ٤٨]، وقال ﷻ: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
النوع الثاني: الشفاعة المثبتة:
وهي الشفاعة التي أثبتها القرآن، وهي خالصة لأهل التوحيد (٢).
وتدل النصوص على أنها لا تتم إلا بشرطين:
الشرط الأول: إذن الله للشافع أن يشفع:
قال الله - ﷿ -: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِي﴾ [البقرة: ٢٥٥].
_________________
(١) ينظر: حاشية كتاب التوحيد ص (١٣٣)، وإعانة المستفيد (١/ ٢٤٠).
(٢) ينظر: حاشية كتاب التوحيد ص (١٣٣)، وقرة عيون الموحدين ص (٩٧).
[ ١٨٢ ]
الشرط الثاني: رضاه عن المشفوع له:
قال الله سبحانه: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، فالإذن بالشفاعة له بعد الرضا كما في هذه الآية، وهو سبحانه لا يرضى إلا التوحيد (١).
والشفاعة المثبتة تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: الشفاعة الخاصة بالرسول - ﷺ -:
وهي أنواع:
النوع الأول: الشفاعة العظمى:
وهي الشفاعة الخاصة بنبينا محمد - ﷺ - من بين سائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين، وهي المقام المحمود:
وأدلة هذه الشفاعة كثيرة في القرآن الكريم والأحاديث المتواترة، فمن القرآن قول الله - ﷿ -: ﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. قال النبي - ﷺ - حينما سُئِلَ عن هذه الآية: «هُوَ الْمَقَامُ الَّذِي أَشْفَعُ لِأُمَّتِي فِيهِ» (٢).
ومن الأحاديث حديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - وهو حديثٌ مشهورٌ طويلٌ، وفيه ذهاب الناس للأنبياء من آدم إلى عيسى ﵈، فيعتذرون بأعذارٍ إلى أن ينتهوا إلى محمد - ﷺ -: « فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ الله وَخَاتِمُ الأَنْبِيَاءِ، وَقَدْ غَفَرَ الله لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، اشْفَعْ لَنَا =
_________________
(١) ينظر: قرة عيون الموحدين ص (٩٧)، وحاشية كتاب التوحيد ص (١٣٣).
(٢) أخرجه الترمذي في سننه (٥/ ٣٠٣) رقم (٣١٣٧)، وأحمد في مسنده (١٥/ ٤٢٨) رقم (٩٦٨٤). قال الترمذي: (حديثٌ حسن).
[ ١٨٣ ]
= إِلَى رَبِّكَ أَلا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ، فَأَنْطَلِقُ فَآتِي تَحْتَ العَرْشِ، فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي - ﷿ -، ثُمَّ يَفْتَحُ الله عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ يُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ سَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَقُولُ: أُمَّتِي يَا رَبِّ، أُمَّتِي يَا رَبِّ، أُمَّتِي يَا رَبِّ، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنَ البَابِ الأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ، وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الأَبْوَابِ» (١).
النوع الثاني: شفاعته - ﷺ - لأهل الجنة في أن يدخلوا الجنة:
شفاعته في أهل الجنة أن يدخلوها لأنهم إذا عبروا الصراط ووصلوا إليها وجدوها مغلقة، فيطلبون من يشفع لهم، فيشفع النبي - ﷺ - إلى الله في فتح أبواب الجنة لأهلها، كما في حديث أنس بن مالك قال: قال النبي - ﷺ -: «أَنَا أَوَّلُ شَفِيعٍ فِي الْجَنَّةِ، لَمْ يُصَدَّقْ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مَا صُدِّقْتُ، وَإِنَّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيًّا مَا يُصَدِّقُهُ مِنْ أُمَّتِهِ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ» (٢).
النوع الثالث: شفاعته في تخفيف العذاب عن عمه أبي طالب:
ودليل ذلك ما جاء عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -، أنه سمع النبي - ﷺ -، وذكر عنده عمه، فقال: «لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنَ النَّارِ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ، يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ» (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٦/ ٨٤) رقم (٤٧١٢)، ومسلم (١/ ١٨٥) رقم (١٩٤).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه (١/ ١٨٨) رقم (١٩٦).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (٥/ ٥٢) رقم (٣٨٨٥)، ومسلم (١/ ١٩٥) رقم (٢١٠).
[ ١٨٤ ]
فإن قيل: هذا النوع من الشفاعة يتعارض مع قوله تعالى: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدَّثر: ٤٨]، قيل الجواب من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: أن المراد بالآية هنا: لا تنفعهم شفاعة الشافعين في الخروج من النار؛ كعصاة الموحدين الذين يخرجون منها ويدخلون الجنة (١).
الوجه الثاني: أن هذه حالة خاصة بنبينا محمد - ﷺ - في حق أبي طالب خاصة، وهي مستثناة من قوله تعالى: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدَّثر: ٤٨]، ونحوها من الآيات؛ وذلك لما كان لأبي طالب من نصرة للنبي - ﷺ - ودفاع عنه، وهو مع ذلك لم يخرج من النار.
الوجه الثالث: أن هذه الشفاعة هي شفاعة تخفيف فقط، فالنبي - ﷺ - لم يشفع له في دخول الجنة ولا الخروج من النار، وإنما شفع له في تخفيف العذاب (٢).
النوع الرابع: الشفاعة في أقوام أن يدخلوا الجنة بغير حساب:
جاء هذا في حديث أبي هريرة، أن النبي - ﷺ - قال: «يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي الْجَنَّةَ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهِ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: اللهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ قَامَ آخَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهِ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قَالَ: سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ» (٣).
_________________
(١) ينظر: التذكرة ص (٦٠٨).
(٢) ينظر: القول المفيد (١/ ٣٣٣).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه (١/ ١٩٧) رقم (٢١٦).
[ ١٨٥ ]
القسم الثاني: الشفاعة العامة وهي أنواع
القسم الثاني: الشفاعة العامة له - ﷺ - ولجميع المؤمنين وهي أنواع:
النوع الأول: الشفاعة فيمن استحق النار من أهل التوحيد أن لا يدخلها:
عن عبد الله بن عباس قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا، لَا يُشْرِكُونَ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا شَفَّعَهُمُ اللهُ فِيهِ» (١).
النوع الثاني: الشفاعة فيمن دخل النار من أهل التوحيد أن يخرج منها:
«وقد تواترت بها الأحاديث وأجمع عليها الصحابة، واتفق عليها أهل الملة ما عدا طائفتين، وهما: المعتزلة والخوارج؛ فإنهم ينكرون الشفاعة في أهل المعاصي مطلقًا؛ لأنهم يرون أن فاعل الكبيرة مخلد في النار، ومن استحق الخلود فلا تنفع فيه الشفاعة، فهم ينكرون أن النبي - ﷺ - وغيره يشفع في أهل الكبائر أن لا يدخلوا النار، أو إذا دخلوها أن يخرجوا منها، لكن قولهم هذا باطل بالنص والإجماع» (٢).
وقد جاء ذلك صريحًا في حديث أنس بن مالك عن النبي - ﷺ - قال: «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي» (٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (٢/ ٦٥٥) رقم (٩٤٨).
(٢) القول المفيد (١/ ٣٣٤)
(٣) أخرجه أبو داود (٤/ ٢٣٦) رقم (٤٧٣٩)، والترمذي (٤/ ٦٢٥) رقم (٢٤٣٥)، وأحمد (٢٠/ ٤٣٩) رقم (١٣٢٢٢). قال الترمذي: (حديث حسن).
[ ١٨٦ ]
وَقَوْلِ الله - ﷿ -: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.
•---------------------------------•
النوع الثالث: شفاعته - ﷺ - في رفعة درجات أهل الجنة:
ودليلها في حق النبي - ﷺ - دعاؤه لأبي سلمة حينما قال: «اللهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ (١)» (٢).
وفي حق أمته قوله - ﷿ -: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١].
وَقَوْلِ الله - ﷿ -: ﴿وَأَنذِرْ﴾: «الإنذار: هو الإعلام المتضمن للتخويف، أما مجرد الخبر؛ فليس بإنذار، والخطاب للنبي - ﷺ -» (٣).
والضمير في ﴿بِهِ﴾: يعود للقرآن الكريم (٤).
﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾: هم المؤمنون، «يخافون مما يقع لهم من سوء العذاب في ذلك الحشر» (٥).
﴿لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾: الآية فيها دليل على نفي اتخاذ الشفعاء من المؤمنين، وعلى نفيها بغير إذن الله، وليس في الآية دليل على نفي الشفاعة لأهل الكبائر بإذن الله كما ادعته المعتزلة، وقد سبقت الأدلة في ذلك.
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (٢/ ٦٣٤) رقم (٩٢٠) من حديث أم سلمة.
(٢) ينظر: التذكرة ص (٦٠٧)، والبداية والنهاية (٢٠/ ١٨٦ - ١٩٤)، والقول المفيد (١/ ٣٣١).
(٣) القول المفيد (١/ ٣٣٠).
(٤) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٢٣٠).
(٥) القول المفيد (١/ ٣٣٠، ٣٣١).
[ ١٨٧ ]
وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾.
•---------------------------------•
والمقصود من سياق الآية هنا ما دلت عليه من نفي الشفاعة التي لم تتوفر شروطها، وهي شفاعة المخلوق على سبيل الاستقلال، فيكون طلبها من المخلوق شركًا أكبر، ومن ذلك طلبها من الأوثان التي زعموا أنهم يعبدونها للشفاعة، وفي ذلك ردٌّ على المشركين الذين يدعون الأنبياء والصالحين يطلبون منهم الشفاعة (١).
وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ اللام في قوله: ﴿لِّلَّهِ﴾ لام الملك، ولفظ الجلالة خبر مقدم، والشفاعة مبتدأ مؤخر، والقاعدة أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر والاختصاص، أي أن الذي يملك الشفاعة هو الله جل وعلا، ومن ثم: فهي تُطلب منه وحده، لا تُطلب من غيره، لأن الذين تُطلب منهم الشفاعة لا يملكون منها شيئًا؛ ولأن ذلك عبادة وتأله وتقرب لا يصلح ولا يكون إلا لله تعالى (٢).
وقد دلت هذه الآية على ما دلت عليه الآية السابقة: وهو أن الشفاعة لله سبحانه وحده، إذ إنها لا تقع إلا لأهل التوحيد خاصة، وبشرط إذنه - ﷿ - ورضاه (٣).
وَقَوْلِهِ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ «في هذه الآية رد على المشركين الذين اتخذوا الشفعاء من دون الله من الملائكة والأنبياء والأصنام المصورة على صور الصالحين وغيرهم، وظنوا أنهم يشفعون عنده بغير إذنه فأنكر
_________________
(١) ينظر: الجديد في شرح كتاب التوحيد ص (١٥٥)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (١٤٢).
(٢) ينظر: حاشية كتاب التوحيد ص (١٣٤)، والتمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٢٢١).
(٣) ينظر: قرة عيون الموحدين ص (٩٨).
[ ١٨٨ ]
وَقَوْلِهِ: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾.
•---------------------------------•
ذلك عليهم، وبين عظيم ملكوته وكبريائه وأن أحدًا لا يتمالك أن يتكلم يوم القيامة إلا إذا أذن له في الكلام كقوله: ﴿لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [النبأ: ٣٨]» (١).
﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ هذه الآية دلت على ما دلت عليه الآيات السابقات من أن الشفاعة لا يقبلها الله - ﷿ - إلا لمن يأذن له، ولا يقبلها إلا فيمن رضي عنه.
و«هذا توبيخ من الله تعالى ذكره لعبدة الأوثان والملأ من قريش وغيرهم الذين كانوا يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزُّمَر: ٣] فقال الله جلَّ ذكره لهم: ما تنفع شفاعة ملائكتي الذين هم عندي لمن شفعوا له، إلا من بعد إذني لهم بالشفاعة له ورضاي، فكيف بشفاعة من دونهم، فأعلمهم أن شفاعة ما يعبدون من دونه غير نافعتهم» (٢).
قال ابن كثير - ﵀ -: «فإذا كان هذا في حق الملائكة المقربين، فكيف ترجون أيها الجاهلون شفاعة هذه الأصنام والأنداد عند الله، وهو تعالى لم يشرع عبادتها ولا أذن فيها، بل قد نهى عنها على ألسنة جميع رسله وأنزل بالنهي عن ذلك جميع كتبه؟» (٣).
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد ص (٢٣٢).
(٢) تفسير الطبري (٢٢/ ٥٧).
(٣) تفسير ابن كثير (٧/ ٤٢٥).
[ ١٨٩ ]
وَقَوْلِهِ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾.
•---------------------------------•
﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ﴾: هذا أمر تعجيز والمراد منه التوبيخ، والمعنى: «ادعوا أيها القوم الذين زعمتم أنهم لله شريك من دونه، فسلوهم أن يفعلوا بكم بعض أفعالنا بالذين وصفنا أمرهم من إنعام أو إبآس، فإن لم يقدروا على ذلك فاعلموا أنكم مبطلون؛ لأن الشركة في الربوبية لا تصلح ولا تجوز» (١).
﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ﴾: أي لا يملكون شيئًا منفردين بملكه من دون الله: لا استقلالًا، ولا على سبيل الشركة؛ لا من خيرٍ ولا شرٍّ، ولا ضرٍّ ولا نفعٍ (٢).
﴿وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ﴾: أي ليس لله تعالى معين يعينه - على خلق شيء ولا حفظه - من هذه الآلهة التي يعبدونها ويدعونها من دونه سبحانه؛ لأنها لم يكن لها حظ من الملك لا مشاعًا ولا مقسومًا (٣).
﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾: «أي لعظمته وجلاله وكبريائه لا يجترئ أحد أن يشفع عنده تعالى في شيء إلا بعد إذنه له في الشفاعة» (٤).
_________________
(١) تفسير الطبري (١٩/ ٢٧٢).
(٢) ينظر: تفسير الطبري (١٩/ ٢٧٢)، وتفسير ابن كثير (٦/ ٤٥٤).
(٣) ينظر: تفسير الطبري (١٩/ ٢٧٢).
(٤) تفسير ابن كثير (٦/ ٤٥٤).
[ ١٩٠ ]
قَالَ أَبُو العَبَّاسِ: نَفَى اللهُ عَمَّا سِوَاهُ كُلَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ المُشركُونَ، فَنَفَى أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ مِلْكٌ أَوْ قِسْطٌ مِنْهُ، أَوْ يَكُونَ عَوْنًا له، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الشَّفَاعَةُ، فَبَيَّنَ أَنَّهَا لا تَنْفَعُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّبُّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾، فَهَذِهِ الشَّفَاعَةُ الَّتِي يَظُنُّهَا المُشركُونَ هِيَ مُنْتَفِيَةٌ يَوْمَ القِيَامَةِ، كَمَا نَفَاهَا القُرْآنُ. وَأَخْبَرَ النَّبيُّ - ﷺ - «أَنَّهُ يَأْتِي فَيَسْجُدُ لِرَبِّهِ وَيَحْمَدُهُ، لا يَبْدَأُ بِالشَّفَاعَةِ أَْوَّلًا، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ».
•---------------------------------•
و«هذه الآية هي التي قال فيها بعض العلماء: إنها تقطع عروق شجرة الشرك من القلب لمن عقلها» (١).
«فإذا كانت الشفاعات لا تنفع عند الله أحدًا إلا لمن أذن الله في الشفاعة له، والله لا يأذن لأحد من أوليائه في الشفاعة لأحد من الكفرة به، وأنتم أهل كفر به أيها المشركون، فكيف تعبدون من تعبدونه من دون الله زعمًا منكم أنكم تعبدونه ليقربكم إلى الله زلفى وليشفع لكم عند ربكم» (٢).
«قَالَ أَبُو العَبَّاسِ»: هو شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية.
«وقد ساق المصنف - ﵀ - كلام شيخ الإسلام هنا، فقام مقام الشرح والتفسير لِمَا في هذا الباب من الآيات، وهو كافٍ وافٍ بتحقيقٍ مع الإيجاز» (٣).
«وَأَخْبَرَ النَّبيُّ - ﷺ - «أَنَّهُ يَأْتِي فَيَسْجُدُ لِرَبِّهِ وَيَحْمَدُهُ، لا يَبْدَأُ بِالشَّفَاعَةِ أَْوَّلًا»: هذا هو حديث الشفاعة الطويل في الصحيحين (٤).
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد ص (٢٣٦).
(٢) تفسير الطبري (١٩/ ٢٧٤).
(٣) فتح المجيد ص (٢١٠).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه (٩/ ١٤٦) رقم (٧٥١٠) من طريق سليمان بن حرب،
[ ١٩١ ]
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ - ﵁ -: مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ؟ قَالَ: «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ» فَتِلْكَ الشَّفَاعَةُ لأِهْلِ الإِخْلَاصِ بِإِذْنِ الله، وَلَا تَكُونُ لِمَنْ أَشركَ بالله، وَحَقِيقَتُهُ: أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي يَتَفَضَّلُ عَلَى أَهْلِ الإِخْلَاصِ فَيَغْفِرُ لَهُمْ بِوَاسِطَةِ دُعَاءِ مَنْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يَشْفَعَ، لِيُكْرِمَهُ وَيَنَالَ المَقَامَ المَحْمُودَ. فَالشَّفَاعَةُ الَّتِي نَفَاهَا القُرْآنُ مَا كَانَ فِيهَا شركٌ، وَلِهَذَا أَثْبَتَ الشَّفَاعَةَ بِإِذْنِهِ فِي مَوَاضِعَ، وقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنَّهَا لَا تَكُونُ إِلَّا لأَهْلِ التَّوْحِيدِ وَالإِخْلَاصِ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
•---------------------------------•
«وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ - ﵁ -: مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ؟»: هذا الحديث الذي ذكره شيخ الإسلام في صحيح البخاري (١).
«فَتِلْكَ الشَّفَاعَةُ لأِهْلِ الإِخْلَاصِ بِإِذْنِ الله، وَلَا تَكُونُ لِمَنْ أَشركَ بالله » الخ: هذا بيان وتبيين لشروط الشفاعة المعتبرة شرعًا، وقد تكلمنا عنها في بداية الباب؛ بما أغنى عن إعادتها هنا.
قال ابن القيم - ﵀ - في معنى حديث أبي هريرة: «تأمَّل هذا الحديث كيف جعل أعظم الأسباب التي تنال بها شفاعته تجريد التوحيد، عكس ما عند المشركين أن الشفاعة تنال باتخاذهم أولياءهم شفعاء وعبادتهم وموالاتهم من دون الله، فقلب النبي - ﷺ - ما في زعمهم الكاذب، وأخبر أن سبب الشفاعة تجريد التوحيد، فحينئذ يأذن الله للشافع أن يشفع» (٢).
_________________
(١) ومسلم في صحيحه (١/ ١٨٢) رقم (١٩٣) من طريق أبي الربيع الْعَتَكِي، وسعيد بن منصور، ثلاثتهم (سليمان بن حرب، وأبو الربيع الْعَتَكِي، وسعيد بن منصور) عن حماد بن زيد، عن معبد بن هلال العنزي، عن أنس بن مالك ﵁.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (١/ ٣١) رقم (٩٩) عن عبد العزيز بن عبد الله، عن سليمان، عن عمرو بن أبي عمرو، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة - ﵁ -.
(٣) مدارج السالكين ١/ ٣٤١.
[ ١٩٢ ]