وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ الآية.
•---------------------------------•
مقصود الترجمة: بيان أَنَّ الرياء من الشرك الأصغر، وأنه منافٍ لكمال التوحيد. وقول المصنف: (بَابُ مَا جَاءَ فِي الرِّيَاءِ الخ) هكذا أطلق الترجمة، ولم يصرح بحكم الرياء، كأنه أراد من القارئ أن يحكم بنفسه في الرياء من خلال النصوص الواردة فيه (١).
والرياء: إظهار العبادة بقصد رؤية الناس، أو التصنع للمخلوق؛ كالمسلم الذي يعمل لله، ويصلي لله، ولكنه يحسن صلاته وعمله ليمتدحه الناس.
ومناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: هو أَنَّ الرياء من الشرك الأصغر، وغرض الكتاب الحقيقي تبيين التوحيد وحقيقته، وبيان ما يناقضه من الشرك الأكبر والأصغر.
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ قل يا محمد للناس: إنما أنا بشر مثلكم، أي: في البشرية، ولكن الله مَنَّ عليَّ وفضلني بالرسالة، وليس لي من الربوبية ولا من الإلهية شيء، بل ذلك لله وحده لا شريك له.
﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أي: معبودكم الذي أدعوكم إلى عبادته إله واحد لا شريك له.
﴿فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ أي: من كان يخاف لقاء الله يوم القيامة (٢).
_________________
(١) حاشية كتاب التوحيد ص (٢٦٤)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢٨٥).
(٢) تيسير العزيز الحميد ص (٤٥٢، ٤٥٣).
[ ٣٧٢ ]
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - مَرْفُوعًا، قَالَ الله تَعَالَى: «أَنَا أَغْنَى الشركَاءِ عَنِ الشركِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشركَ مَعِيَ فِيهِ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشركَهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
•---------------------------------•
﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ وهو ما كان موافقًا لشرع الله، مقصودًا به وجهه.
﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ أن لا يرائي بعمله، بل لا بد أن يريد به وجه الله وحده لا شريك له.
وخلاصة دلالة الآية: أن العمل لا يقبل إلا إذا كان خاليًا من الشرك، ومن الشرك الرياء، فهو نوع من أنواع الشرك، والعبادة لا تصح إذا خالطها الرياء.
«وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - مَرْفُوعًا » الحديث عند مسلم، كما ذكر المصنف (١).
وقوله: «أَنَا أَغْنَى الشركَاءِ عَنِ الشركِ» لَمَّا كان المرائي قاصدًا بعمله الله تعالى وغيره، كان قد جعل لله تعالى شريكًا.
«مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشركَ مَعِيَ فِيهِ غَيْرِي» أي: من قصد بذلك العمل الذي يعمله لوجهي غيري من المخلوقين.
«تَرَكْتُهُ وَشركَهُ» وفي رواية لابن ماجه: «فَأَنَا مِنْهُ بَرِيءٌ، وَهُوَ لِلَّذِي أَشْرَكَ» (٢). والمعنى: تركته عن نظر الرحمة وتركت عمله المشترك عن درجة القبول.
وما حكم العبادة إذا خالطها الرياء؟
الجواب: أن مخالطة الرياء للعبادة تأتي على ثلاثة أوجه:
الأول: أن يكون الباعث على العبادة مراءاة الناس من الأصل، كمن قام يصلي من أجل مراءاة الناس ولم يقصد وجه الله؛ فهذا شرك والعبادة باطلة.
_________________
(١) صحيح مسلم (٤/ ٢٢٨٩) رقم (٢٩٨٥).
(٢) رواه ابن ماجه (٢/ ١٤٠٥) رقم (٤٢٠٢)، وغيره.
[ ٣٧٣ ]
الثاني: أن يكون مشاركًا للعبادة في أثنائها، بمعنى أن يكون الحامل له في أول أمره الإخلاص لله ثم يطرأ الرياء في أثناء العبادة.
فإن كانت العبادة لا ينبني آخرها على أولها؛ فأولها صحيح بكل حال، والباطل آخرها.
مثال ذلك: رجل عنده مائة ريال قد أعدها للصدقة، فتصدق بخمسين مخلصًا وراءى في الخمسين الباقية؛ فالأولى حكمها صحيح، والثانية باطلة.
أمَّا إذا كانت العبادة يبنى آخرها على أولها؛ فهي على حالين:
أ) أن يدافع الرياء ولا يسكن إليه، بل يعرض عنه ويكرهه؛ فإنه لا يؤثر فيه شيئًا.
مثال ذلك: رجل قام يصلي ركعتين مخلصًا لله، وفي الركعة الثانية أحس بالرياء فصار يدافعه؛ فإن ذلك لا يضره ولا يؤثر في صلاته شيئًا.
ب) أن يطمئن إلى هذا الرياء ولا يدافعه؛ فحينئذ تبطل جميع العبادة؛ لأن آخرها مبنى على أولها ومرتبط به.
مثال ذلك: رجل قام يصلي ركعتين مخلصًا لله، وفي الركعة الثانية طرأ عليه الرياء لإحساسه بشخص ينظر إليه، فاطمأن لذلك ونزع إليه؛ فتبطل صلاته كلها لارتباط بعضها ببعض.
الثالث: ما يطرأ بعد انتهاء العبادة؛ فإنه لا يؤثر فيها شيئًا، اللهم إلَّا أن يكون فيه عدوان؛ كالمنِّ والأذى بالصدقة، فإن هذا العدوان يكون إثمه مقابلًا لأجر الصدقة، وليس من الرياء أن يفرح الإنسان بعلم الناس بعبادته؛ لأن هذا إنما طرأ بعد الفراغ من العبادة، ولكن قد ينقص الأجر.
[ ٣٧٤ ]
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ - ﵁ - مَرْفُوعًا: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ المَسيحِ الدَّجَّالِ؟
•---------------------------------•
ومناسبة الحديث للباب وللتوحيد: أن الرياء نوع من الشرك يبطل العمل الذي خالطه على صاحبه، ولا يقبله الله تعالى.
«وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ - ﵁ - مَرْفُوعًا» الحديث رواه أحمد كما ذكر المصنف (١)، إسناده ضعيف.
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده (١٧/ ٣٣٥٤، ٣٥٥) رقم (١١٢٥٢)، وأحمد بن منيع في مسنده كما في (إتحاف الخيرة المهرة) (١/ ٢٥٩) رقم (٣٩٩)، والبزار في مسنده كما في (كشف الأستار) (٣/ ١٤٩) رقم (٢٤٤٧)، والطبري في تهذيب الآثار (مسند عمر) (٢/ ٧٩٤) رقم (١١١٧)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٥/ ٣٥) رقم (١٧٨١)، وابن عدي في الكامل (٤/ ١١١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٩/ ١٥٥) رقم (٦٤١٣) من طريق أبي أحمد الزبيري، وأبو سعيد الأشج في جزئه ص (٢٣١) رقم (١١٥)، وابن ماجه (٢/ ١٤٠٦) رقم (٤٢٠٤)، وحنبل بن إسحاق في الفتن ص (١٣٦) رقم (٣٠) من طريق أبي خالد الأحمر، وابن أبي حاتم في تفسيره كما في (تفسير ابن كثير) (٨/ ٤٢) من طريق سفيان بن حمزة، والحاكم في المستدرك (٤/ ٣٦٥) رقم (٧٩٣٦) من طريق أبي الهيثم سليمان بن عمرو، أربعتهم (أبو أحمد الزبيري، وأبو خالد الأحمر، وسفيان بن حمزة، وأبو الهيثم) عن كثير بن زيد، عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، عن جده، قال: كنا نتناوب رسول الله - ﷺ -، فنبيت عنده تكون له الحاجة، أو يطرقه أمر من الليل، فيبعثنا فيكثر المحتسبين، وأهل النوب، فكنا نتحدث فخرج علينا رسول الله - ﷺ - من الليل فقال: «مَا هَذِهِ النَّجْوَى؟ أَلَمْ أَنْهَكُمْ عَنِ النَّجْوَى»، قال: قلنا نتوب إلى الله يا نبي الله، إنما كنا في ذكر المسيح فرقا منه، فقال: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ مِنَ الْمَسِيحِ عِنْدِي؟» قال: قلنا: بلى، قال: «الشِّرْكُ الْخَفِيُّ: أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يَعْمَلُ لِمَكَانِ رَجُلٍ». ولفظه عند البزار مختصر، وليس فيه ذكر الشرك، وهو ضعيف؛ لأن مداره على كثير بن زيد الأسلمي، وهو ضعيف.
[ ٣٧٥ ]
الشرك الخفي
قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ الله، قَالَ: الشركُ الخَفِيُّ، يَقُومُ الرَّجُلُ فَيُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ». رَوَاهُ أَحْمَدُ.
•---------------------------------•
وللحديث شاهد عن محمود بن لبيد عند ابن خزيمة (١) بلفظ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَشِرْكَ السَّرَائِرِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَمَا شِرْكُ السَّرَائِرِ؟ قَالَ: «يَقُومُ الرَّجُلُ فَيُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ جَاهِدًا لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ النَّاسِ إِلَيْهِ، فَذَلِكَ شِرْكُ السَّرَائِرِ»، وإسناده قوي.
«أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي» أي: عند الرسول - ﷺ -؛ لأنه - ﷺ - من رحمته بالمؤمنين يخاف عليهم كل الفتن، وأعظم فتنة في الأرض هي فتنة المسيح الدجال، لكن خوف النبي - ﷺ - من فتنة هذا الشرك الخفي أشد من خوفه من فتنة المسيح الدجال، وإنما كان كذلك؛ لأن التخلص منه صعب جدًّا؛ ولذلك قال بعض السلف: «ما جاهدت نفسي على شيء مجاهدتها على الإخلاص» (٢).
«قَالَ: الشركُ الخَفِيُّ» سُمِّيَ الرياء شركًا خفيًّا؛ لأن صاحبه يظهر أن عمله لله، ويخفي في قلبه أنه لغيره، وإنما تَزَيَّنَ بإظهاره أنه لله، بخلاف الشرك الجلي (٣).
«يَقُومُ الرَّجُلُ فَيُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ» يعني: بتطويلها، وزيادة الخشوع فيها؛ ليعتقد فيه من يراه أنه من أهل الدين والصلاح (٤).
_________________
(١) صحيح ابن خزيمة ٢/ ٦٧.
(٢) ينظر: حلية الحلية ٧/ ٥ و٦٢، والقول المفيد ٢/ ١٣١.
(٣) تيسير العزيز الحميد ص (٤٥٩).
(٤) تحقيق التجريد في شرح كتاب التوحيد (٢/ ٣٧٦).
[ ٣٧٦ ]
وخلاصة ما دل عليه الحديث: أن النبي - ﷺ - قد خاف علينا من أشياء كثيرة، وأخوف ما يخاف علينا الشرك الخفي وهو الرياء؛ لذا يجب اجتنابه والحذر منه، والاجتهاد الدائم في التوقي والحذر منه.
[ ٣٧٧ ]