•---------------------------------•
مقصود الترجمة: تقرير حكم من جحد شيئًا من أسماء الله أو صفاته.
و«مَنْ» هنا يجوز فيها وجهان: الأول: أن تكون شرطية، ويكون معنى الباب: «باب مَنْ جحد شيئًا من الأسماء والصفات فقد كفر»؛ لأن عبارة «فقد كفر» هي جواب الشرط.
وأما الوجه الثاني: فيجوز أن تكون «مَنْ» بمعنى «الذي» أي: موصولة ويكون معنى الباب: باب بيان حكم الذي يجحد شيئًا من الأسماء والصفات.
ومناسبة الباب لكتاب التوحيد ظاهرة؛ ذلك لأن التوحيد لا يحصل إلا بالإيمان بالله، والإيمان بأسمائه وصفاته من الإيمان به، بل هو أحد أقسام التوحيد الثلاثة: (توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات)، وهنالك تلازمٌ بين توحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات؛ فتوحيد الألوهية متضمنٌ لتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الأسماء والصفات مستلزمٌ لتوحيد الألوهية. فلا يتصور أن يؤمن أحد بالألوهية وهو لا يؤمن بالأسماء والصفات، وكذلك من آمن بالأسماء والصفات لزمه الإيمان بتوحيد الألوهية، فلما كان ذلك كذلك ناسب أن يورد المصنف هذا الباب هنا (١).
_________________
(١) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٤٩٧)، وحاشية كتاب التوحيد ص (٢٩٢).
[ ٣٩٧ ]
وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾.
•---------------------------------•
وما حكم من جحد شيئًا من الأسماء والصفات؟
الجحد: الإنكار، والإنكار قسمان:
أولهما: إنكار تكذيب، وهذا كفر بلا شك، فلو أن أحدًا أنكر اسمًا من أسماء الله أو صفة من صفاته الثابتة في الكتاب والسنة، مثل أن يقول: ليس لله يد، أو أن الله لم يستو على عرشه، أو ليس له عين، فهو مكذب للكتاب والسنة.
وثانيهما: إنكار تأويل، وهو أن لا ينكرها ولكن يتأولها إلى معنى يخالف ظاهرها، وهذا نوعان:
الأول: أن يكون للتأويل مُسَوِّغ في اللغة العربية، فهذا لا يُوجب الكفر، ولا يلزم أن يكون مكذبًا.
الثاني: أن لا يكون له مسوغ في اللغة العربية؛ فهذا تكذيب للكتاب والسنة؛ لأنه إذا لم يكن له مسوغ صار في الحقيقة تكذيبًا (١).
وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ المراد بذلك كفار قريش أو طائفة منهم، وليس المقصود أنهم يجحدون وجود الله أو لا يؤمنون به، بل المعنى يجحدون هذا الاسم المعين عنادًا أو جهلًا.
قال البغوي: «والمعروف أن الآية مكية، وسبب نزولها: أن أبا جهل سمع النبي - ﷺ - وهو في الحجر يدعو: (يا الله يا رحمن)، فرجع إلى المشركين فقال:
_________________
(١) ينظر: القول المفيد (٢/ ١٨٣).
[ ٣٩٨ ]
وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ، قَالَ عَلِيٌّ - ﵁ -: «حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُرِيدُونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللهُ وَرَسُولُهُ».
•---------------------------------•
إن محمدًا يدعو إلهين، يدعو الله ويدعو إلها آخر يسمى الرحمن، ولا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، فنزلت هذه الآية، ونزل قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]» (١).
ولذلك رفضوا أن يكتبوه في صلح الحديبية، فقال أحدهم: «أَمَّا الرَّحْمَنُ، فَوَالله مَا أَدْرِي مَا هُوَ وَلَكِنِ اكْتُبْ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ» (٢).
ومناسبة الآية للترجمة ظاهرة، لأن الله تعالى سمى جحود اسم من أسمائه كفرًا، فدل على أن جحود شيء من أسماء الله وصفاته كفر، فمن جحد شيئًا من أسماء الله وصفاته، من الفلاسفة والجهمية والمعتزلة ونحوهم، فله نصيب من الكفر بقدر ما جحد من الاسم أو الصفة، فإن الجهمية والمعتزلة ونحوهم، وإن كانوا يقرون بجنس الأسماء والصفات، فعند التحقيق لا يقرون بشيء، لأن الأسماء عندهم أعلام محضة، لا تدل على صفات قائمة بالرب ﵎، وهذا نفس كفر الذين جحدوا اسم الرحمن (٣).
وأثر علي: «حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ » رواه البخاري في صحيحه (٤).
_________________
(١) معالم التنزيل ٤/ ٣١٨.
(٢) رواه البخاري في صحيحه (٣/ ١٩٥) رقم (٢٧٣١).
(٣) تيسير العزيز الحميد ص (٤٩٨).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه (١/ ٣٧) رقم (١٢٧).
[ ٣٩٩ ]
«حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ» أي: بما يفهمون (١).
«أَتُرِيدُونَ» بهمزة الاستفهام الإنكارية (٢).
والأثر دليل على منع تحديث الناس بما لا تدركه عقولهم.
و«مناسبة هذا الأثر لهذا الباب: أن من أسباب جحد الأسماء والصفات أن يحدث المرء الناس بما لا يعقلونه من الأسماء والصفات؛ لأن عامة الناس عندهم إيمان إجمالي بالأسماء والصفات يصح معه توحيدهم وإيمانهم وإسلامهم، فالدخول في تفاصيل ذلك غير مناسب إلا إذا كان المخاطب يعقل ذلك ويعيه، وليس أكثر الناس كذلك» (٣).
_________________
(١) وأخرجه البيهقي في المدخل إلى السنن ص (٣٦٢) رقم (٦١٠)، والخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي (٢/ ١٠٨) رقم (١٣١٨)، والسمعاني في أدب الإملاء والاستملاء ص (٥٩) من طريق عبيد الله بن موسى، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ١٠٠٣) رقم (١٩١١) من طريق أبي بكر بن عياش، والخطيب البغدادي في موضح أوهام الجمع والتفريق (٢/ ٤٨١) من طريق عبد الله بن داود، ثلاثتهم (عبيد الله، وابن عياش، وابن داود) عن معروف بن خَرَّبُوذَ، عن أبي الطفيل، عن عليٍّ - ﵁ - موقوفًا عليه.
(٢) تيسير العزيز الحميد ص (٤٩٩).
(٣) تحقيق التجريد (٢/ ٤٠٣).
(٤) التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٤٣٩، ٤٤٠).
[ ٤٠٠ ]
وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَرٍ، عَن ابْنِ طَاوُوسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -: أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا انْتَفَضَ لَمَّا سَمِعَ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي الصِّفَاتِ، اسْتِنْكَارًا لِذَلِكَ، فَقَالَ: مَا فَرَقُ هَؤُلَاءِ؟ يَجِدُونَ رِقَّةً عِنْدَ مُحْكَمِهِ، وَيَهْلِكُونَ عِنْدَ مُتَشَابِهِهِ. انْتَهَى.
•---------------------------------•
أثر ابن عباس رواه عبد الرزاق وغيره (١)، إسناده صحيح.
«رَأَى رَجُلًا» لم يسم هذا الرجل.
«انْتَفَضَ» أي: ارتعد لما سمع حديثًا عن النبي - ﷺ - فاستنكره، إما لأن عقله لا يحتمله، أو لكونه اعتقد عدم صحته فأنكره.
«فَقَالَ» أي: ابن عباس ﵁.
«مَا فَرَقُ هَؤُلَاءِ» يحتمل وجهين:
أحدهما: أن تكون «ما» استفهامية إنكارية. وفرق بفتح الفاء والراء وهو الخوف والفزع، أي: ما فزع هذا وأضرابه من أحاديث الصفات واستنكارهم لها؟ والمراد الإنكار عليهم.
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٣١)، وفي جامع معمر (١١/ ٤٢٣) رقم (٢٠٨٩٣)، وابن أبي شيبة في مصنفه (٧/ ٥٥٦) رقم (٣٧٩٠٢)، وابن جرير الطبري في تفسيره (٥/ ٢١٤)، وإسماعيل القاضي في أحكام القرآن كما في (إتحاف المهرة) (٧/ ٣٠١) من طريق سفيان بن عيينة، وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢١٢) رقم (٤٨٥) من طريق ابن ثور، ثلاثتهم (عبد الرزاق، وابن عيينة، وابن ثور) عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس - ﵁ - موقوفًا عليه. وفي مصنف ابن أبي شيبة زيادة (رِبْعِيٍّ) في الإسناد بين معمر وابن طاوس. والأثر إسناده صحيح، وصرح بتصحيحه ابن حجر في فتح الباري (١٢/ ٣٠٠).
[ ٤٠١ ]
وَلما سَمِعَتْ قُرَيْشٌ رَسُولَ الله - ﷺ - يَذْكُرُ الرَّحْمَنَ، أَنْكَرُوا ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ فِيهِمْ: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾.
•---------------------------------•
والثاني: أن يكون بفتح الفاء وتشديد الراء، ويجوز تخفيفها. و«ما» نافية أي: ما فرَّق هذا وأضرابه بين الحق والباطل، ولا عَرَفوا ذلك (١).
«وَلما سَمِعَتْ قُرَيْشٌ رَسُولَ الله» الحديث أخرجه ابن جرير في تفسيره، وهو ضعيف (٢)، ولفظه عن قتادة، قال: «﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ ذكر لنا أن نبيَّ الله - ﷺ - زَمَنَ الحديبية حين صالح قريشًا كتب: هذا ما صالح عليه محمدٌ رسول الله. فقال مشركو قريش: لئن كنت رسولَ الله - ﷺ - ثم قاتلناك لقد ظلمناك! ولكن اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله. فقال أصحاب رسول الله - ﷺ -: دعنا يا رسول الله نقاتلهم! فقال: لا ولكن اكتبوا كما يريدون إنِّي محمد بن عبد الله. فلما كتب الكاتب: (بسم الله الرحمن الرحيم)، قالت قريش: أما (الرحمن) فلا نعرفه؛ وكان أهل الجاهلية يكتبون: (باسمك اللهم)، فقال أصحابه: يا رسول الله، دعنا نقاتلهم! قال: لا ولكن اكتبوا كما يريدون».
ومناسبة الحديث للباب ولكتاب التوحيد أن الأثر يدل على كفر من أنكر شيئًا من أسماء الله وصفاته؛ لأن ذلك ينافي توحيد الأسماء والصفات (٣).
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد ص (٥٠١، ٥٠٢).
(٢) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٣/ ٥٣٠)، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في الدر المنثور (٤/ ٦٥٠) عن قتادة. وأخرجه ابن جرير أيضًا في تفسيره (١٣/ ٥٣٠) عن ابن جريج عن مجاهد، بلفظ مختصر.
(٣) الجديد في شرح كتاب التوحيد ص (٣٥٧).
[ ٤٠٢ ]