_________________
(١) (تعليق الشاملة): في المطبوع «ثانيا»
[ ٤٨١ ]
أولا: القرآن ولم سمي قرآنا، وكيف نقل إلينا
القرآن في الأصل مصدر قرأ يقرأ قراءة وقرآنا، ومعناه في اللغة الجمع والضم. قال تعالى: ﴿إن علينا جمعه وقرآنه﴾ (^١) وقرآنه أي قراءته ﴿فإذا قرأناه فاتبع قرآنه﴾ (^٢) أي جمعناه لك في صدرك، فاتبع ذلك الذي جمع تلاوة وبلاغا وعملا، وقد صار علما بالغلبة على الكتاب العزيز في عرف علماء الشرع، ويعرف بأنه كلام الله الذي أنزله على محمد ﷺ، ليتعبد الناس بتلاوته وبأحكامه، وليكون آية له على رسالته، تحدى به قومه. وطالبهم أن يأتوا بمثله، فإذا عجزوا دل ذلك على صدقه فيما ادعاه من الرسالة.
وسمي قرآنا لجمعه ما تحتاج إليه الأمة في سعادتها وصلاحها عاجلا وآجلا من عقائد وعبادات، وأخلاق ونظم المعاملات قال تعالى: ﴿ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء﴾ (^٣)، وقال ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء﴾ (^٤) ولما فيه من الجمع بين السور والآيات.
وعلى هذا لا تسمى الأحاديث النبوية قرآنا لأن الفاظها من الرسول وإن كان معناها وحيا. ولا تسمى الكتب الأولى كالتوراة قرآنا لنزولها على غيره من الأنبياء ولا يسمى الحديث القدسي قرآنا لأنه ليس مما يتعبد بتلاوته ولا هو آية تحدى بها الرسول أمته.
القراءة المتواترة ما وافقت العربية ورسم المصاحف العثمانية وتواتر نقلها.
_________________
(١) سورة القيامة، الآية ١٧.
(٢) سورة القيامة الآية ١٨.
(٣) سورة يوسف الآية ١١١.
(٤) سورة النحل، الآية: ٨٩.
[ ٤٨٣ ]
والقراءة الشاذة ما نقلت أحادا على أنها قرآن، وقيل فيها أنها ما وراء السبعة، وقيل ما وراء العشرة كقراءة ابن مسعود ﴿فصيام ثلاثة أيام متتابعات﴾، وقراءته ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهم﴾ وقد اختلف في القراءة الشاذة هل تسمى قرآنا أم لا؟ والجمهور على أنها ليست بقرآن لعدم تواترها. ثم اختلفوا في الإحتجاج بها فقيل أنها حجة تثبت بها الأحكام، فإنها إن كانت قرآنا فلا إشكال فيها يمنع من كونها وحيا، فإذا رويت من طريق صحيح كانت حجة كسائر الأحاديث الثابتة، وبذلك وجب التتابع في صيام كفارة اليمين، وقيل ليست بحجة وبيانه أن الرسول ﷺ كان واجبا عليه أن يعلم القرآن من أمته جماعة تقوم بهم الحجة القاطعة لبلوغهم عدد التواتر، وإذا كان كذلك لم يتصور منهم التواطؤ على عدم نقل ما سمعوه من القرآن وعلى هذا فمن انفرد بقراءة فإن نقلها على أنها قرآن فهو مخطيء، وإلا فهي إما مذهب فهمه من القرآن، أو خبر أحاد ومع التردد بينهما لا يصح الاحتجاج. وأجيب عن ذلك بتسليم تعليم الرسول ﵊ من أمته جماعة تقوم بهم الحجة ولا تتواطأ على ترك ما سمعت، لكن يكفي في عدم تواطئها على الترك نقل البعض وإن كان أحادا فيكون ذلك قرآنا وعلى تقدير أن ناقله لم يسمه قرآنا فهو كحديث نبوي أو قدسي فكان حجة تثبت بها الأحكام لأنه خبر عن المعصوم.
أنزل الله القرآن وجعله خاتم الكتب السماوية كما جعل نبيه محمدا ﷺ خاتم الأنبياء، وجعل إليه بيان القرآن وتفصيل آياته وأحكامه بقوله وعمله وسيرته قال تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما أنزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ (^١) ووعد سبحانه الأمة بحفظ كتابه وتكفل لها ببقاء دينه لتقوم بهالحجة دائما وتسقط المعاذير حيث لا نبي بعد محمد ﷺ، ولا تشريع بعد تشريعه حتى يرث الله
_________________
(١) سورة النحل، الآية: ٤٤.
[ ٤٨٤ ]
الأرض ومن عليها، قال تعالى: ﴿إن نحن نزلنا الذكر وإن له لحافظون﴾ (^١) فقيض سبحانه لهذا الكتاب المبين من يحفظه من الزيادة فيه أو النقص منه، ومن التقديم والتأخير في آياته، أو كلماته، وتحريف الفاظه، أو معانيه بسوء فهمها وبيانها بغير ما قصد منها، وأريد بها من التأويلات الباطلة، والآراء الزائفة قصدا أو غير قصد. فما من عصر من العصور إلا وفيه من أئمة الدين، وأهل البصيرة فيه من ينفي عن كتاب الله ويدفع عن سنة رسوله ﷺ ما كاد به أعداء الإسلام لهذا الدين الحنيف من تأويلات ادخلوا بها الريب والشكوك على من يستهويهم زخرف القول ومن شبهات موهوا بها على ضعفاء العقول، إنجازا من الله لوعيده في كتابه وتصديقا لقول نبيه ﷺ (لا تزال طائفة من أمتي قائمة على الحق ظاهرة ..) (^٢) الحديث وإبقاء للحجة على الخلق وحفظا لهذا النور وهذه الهداية رحمة بالعباد.
نقل القرآن تواترا ووصوله إلينا حفظا وكتابة
٢ - وصوله إلينا تواترا بطريق الحفظ
كلف الله سبحانه النبي ﷺ بأداء ما حمله من الآيات والوحي، فبلغ رسالة ربه امتثالا لقوله تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾ (^٣) وقد نصح للأمة وبين لها غاية البيان، فكان يعلم أصحابه ما نزل عليه من القرآن تلاوة له وحفظا ودراسة لمعانيه وكان يأخذهم بالعمل بما فيه، وبذلك جمع الله لهم بين حفظ أصل الدين وفهم نصوصه وسلامة العقيدة وحسن
_________________
(١) سورة الحديد، الآية: ٩
(٢) ورد عن جميع الصحابة ﵃، وهو حديث متواتر كما نص على ذلك غير واحد من أهل العلم منهم شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط (١/ ٦٩). والكتاني في نظم المتناثر (٩٣) والألباني في صلاة العيدين (ص ٣٩، ٤٠) والسلسلة الصحيحة رقم (٢٧٠).
(٣) سورة المائدة، الآية: ٦٧.
[ ٤٨٥ ]
السيرة كما قال أبو عبد الرحمن السلمي حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لا يتجاوزونها حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل. قال فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا (^١).
وكثر حفظة القرآن من الصحابة من المهاجرين والأنصار، الرجال منهم والنساء، فمن المهاجرين الخلفاء الراشدين، وحفصة وأم سلمة وغيرهم، من الأنصار معاذ ابن جبل وأبي كعب وأبو زيد قيس بن السكن الخزرجي، وزيد بن ثابت وغير هؤلاء كثير، كالذين قتلوا ببئر معونة وكانوا زهاء سبعين رجلا، وكالقراء الذين استحر بهم القتل في موقعة اليمامة وغيرها، وكان بعض هؤلاء قد أخذ القرآن من النبي ﷺ مباشرة غضا طريا وحفظه في حياته، وبعضهم أخذ بعضه عن النبي ﷺ وأخذ بقيته من إخوانه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين مع التفاوت بينهم في ذلك والأحاديث الصحيحة في حفظ من ذكر وغيرهم من الصحابة ﵃ مستفيضه كحديث (خذوا القرآن من أربعة: عبد الله بن مسعود وسالم ومعاذ وأبي بن كعب) (^٢)، ثم قاموا بواجب البلاغ وعنوا بتبليغ من أدركهم من التابعين كتاب الله قراءة وبيانا، وقد تقدم ذلك عن أبي عبد الرحمن السلمي. وقال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس ﵄ من فاتحته إلى خاتمته اوقفه عند كل آية، وأسأله عنها فحفظ التابعون ﵃ القرآن وفهموه ممن سبقهم وساعدهم على ذلك ما قام به أبو بكر ثم عثمان ﵁ من جمع المصحف على ما سيجيء بيانه. وهكذا استمر حفظ أهل كل عصر لكتاب الله واشتدت عناية المسلمين به حتى حفظه الصبيان في الكتاتيب، وفي الوقت الحاضر مع بعد العهد بين نزول القرآن لو أراد أحد أن يجمع القرآن
_________________
(١) رواه ابن جرير في (تفسيره) ١١/ ٢٤٥.
(٢) حديث صحيح رواه البخاري (٤٩٩٩) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ مرفوعا.
[ ٤٨٦ ]
من الصدور من دون اعتماد على المصاحف لوجد في كل دولة من الدول الإسلامية جماعة كثيرة تمليه من حفظها دون رجوع إلى المكتوب لديها والحاضر شاهد عيان بذلك لمن أنصف، ولو لم يكن سوى ذلك في نقل القرآن لكان كافيا في ثبوت التواتر، فكيف وقد نقل إلينا متواترا أيضا بطريق الكتابة وإليك بيانه:
٣ - وصوله إلينا متواترا بطريق الكتابة
كما عني النبي ﷺ بتبليغ القرآن بالمشافهة وضبطه بالتلاوة والدراسة، عني بتبليغه بالكتابة أيضا، فكان كلما نزل عليه الوحى بالقرآن دعا كاتبه وأملى عليه ما أنزل فكتبه في الصحاف والأكتاف ونحوها، مما كان يستعمل للكتابة في عهدهم. ثبت أنه لما نزل عليه قوله تعالى ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم﴾ (^١) قال النبي ﷺ للبراء: «ادع لي زيدا يجيء باللوح والدواة والكتف» (^٢) … إلخ. رواه أصحاب السنن، ولم تكن الكتابة وقفا على زيد بن ثابت، بل كان لرسول الله ﷺ كثير من الكتاب منهم في الجملة الخلفاء الراشدون، والزبير بن العوام، وخالد بن سعيد العاص وأخوه ابان، وحنظلة بن الربيع الأسدي، ومعيقيب ابن أبي فاطمة، وعبد الله بن الأرقم الزهري، وشرحبيل بن حسنة، وعبد الله بن رواحة، وعبد الله بن سعد بن أبي السرح، وكل هؤلاء من قريش أسلموا قبل الفتح وكتبوا له الوحي وكتب له بالمدينة أبي بن كعب، وزيد بن ثابت، إلا أن زيدا كان أكثر الصحابة كتابة لرسول الله ﷺ. وبذلك اشتهر ومن أجله اختاره أبو بكر وعمر لجمع القرآن ورضيه المسلمون، فقام بذلك خير قيام مع الإستعانة بإخوانه من الصحابة رضي الله عليهم كما هو واضح في بحث جمع القرآن.
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ٩٥.
(٢) أخرجه الترمذي في تفسير القرآن في باب. من سورة النساء (٣٠، ٢١) وقال حسن صحيح.
[ ٤٨٧ ]
جمع القرآن
٤ - جمعه في عهد أبو بكر
توفي رسول الله ﷺ والقرآن محفوظ في صدور أصحابه ومكتوب في اللخاف والأكتاف ونحوهما، ولم يكن جمعه على هيئة كتاب واحد حيث لم تدع الحاجة إلى ذلك لوجوده بين أظهرهم وتوجههم إليه في كل ما اختلفوا فيه، وتوفر هممهم على حفظه وغير ذلك مما يساعد على صيانته من التحريف والأمن عليه من الضياع.
فلما كان عهد أبي بكر واشتدت الفتنة، وكانت حروب الردة وقتل كثير من القراء في موقعة اليمامة، أشار عمر بن الخطاب على أبي بكر ﵄ أن يجمع القرآن، وبعد نقاش اقتنع أبو بكر بما أشار به عمر، فأرسل إلى زيد بن ثابت وعرض عليه جمع القرآن، وراجعه في ذلك حتى شرح الله صدره لما شرح له صدر أبي بكر ﵃، روى البخاري وغيره أن زيد بن ثابت قال: أرسل إلى أبو بكر مقتل أهل اليمامة (^١)، فإذا عمر بن الخطاب عنده، فقال أبو بكر: إن عمر بن الخطاب أتاني فقال إن القتل قد استحر (^٢) بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن. فقلت لعمر: كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ؟ قال عمر: هذا والله خير. فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك.
_________________
(١) مقتل أهل اليمامة: أي عقب قتل أهل اليمامة. والمراد بأهل اليمامة هنا من قتل بها من الصحابة في الواقعة مع مسيلمة الكذاب، وكان من شأنها أن مسيلمة ادعى النبوة وقوي أمره بعد موت النبي ﷺ بارتداد كثير من العرب، فجهز إليه أبو بكر الصديق خالد بن الوليد في جمع كثير من الصحابة فحاربوه أشد محاربة، إلى أن خذله الله وقتله، وقتل في غضون ذلك من الصحابة جماعة كثيرة قيل سبعمائة وقيل أكثر. قاله الحافظ ابن حجر في (فتح الباري).
(٢) استحرى أي اشتد وكثر (فتح الباري ٩/¬١٢).
[ ٤٨٨ ]
ورأيت في ذلك الذي رأي عمر. قال زيد: قال أبو بكر إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي الرسول الله ﷺ فتتبع القرآن فاجمعه. والله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان علي أثقل مما أمراني به من جمع القرآن. قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ. قال: هو والله خير. فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر ﵄، فتتبعت القرآن من العصب (^١) واللخاف (^٢) وصدور الرجال ووجدت آخر سورة التوبة مع خزيمة بن ثابت الأنصاري لم أجدها مع غيره ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ (^٣) حتى خاتمة براءة فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته ثم عند حفصة بنت عمر (^٤)، وبهذا يتبين فضل أبي بكر وعمر وزيد ومن أعانهم على جمع القرآن ﵃ فإنهم بذلك قد حفظوا لنا أصل الدين كما حفظوه بالجهاد في سبيل الله.
وفي قراءة الكثير من الصحابة له بعد جمعه على النحو الذي جمعه عليه زيد ومن أعانه تقرير للجمع، والإجماع على صحته ومن قرأ بقراءة أخرى فإنما اختار لنفسه حرفا من الحروف السبعة التي بها نزل القرآن من غير أن ينكر على مبدأ الجمع أو ما جمع.
٥ - جمع عثمان القرآن وكتابة المصاحف وإرسالها إلى الأمصار
ثبت أن القرآن أنزل على سبعة أحرف بدليل ما روى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «أقرأني جبريل القرآن على حرف، فراجعته، فلم أزل
_________________
(١) العصب: جريدة النخل فتح الباري (٩/¬١٤).
(٢) اللخاف: الحجارة الرقاق فتح الباري (٩/¬١٤).
(٣) سورة التوبة، الآية: ١٢٨.
(٤) أخرجه البخاري في فضائل القرآن باب جمع القرآن (٩٨٦).
[ ٤٨٩ ]
أستزيده ويزيدني حتى إلى سبعة أحرف (^١) رواه البخاري. وأذن لكل من أصحابه أن يقرأ بما أخذ عنه من تلك الأحرف، تيسيرا لهم، وتخفيفا عنهم، ولم يكن بينهم من الإختلاف، ما يدعو إلى المنع من ذلك لقلته، وإجتماع الصحابة، وقلة عددهم بالنسبة لمن بعدهم، ولوجود الرسول ﷺ بين أظهرهم ورجوعهم إليه فيما اختلفوا فيه، ولم تدع الحاجة في عهد أبي بكر وعمر أيضا لأكثر من جمع القرآن من غير ترتيب السور، ولا إلى إلزام الناس أن يقرأوا بحرف واحد من السبعة. ولما انتهت الخلافة إلى عثمان ﵁، وكثر المسلمون وانتشروا في البلاد، وكانت موقعه أرمينية وأذربيجان ظهر الحذيفة بن اليمان كثرة اختلافهم في القراءة، ففزع من ذلك، وأرسل إلى عثمان ﵁ يشير عليه أن يحفظ كتاب الله بما يراه قبل أن يختلف المسلمون فيه كما اختلف اليهود والنصاري في كتابهم، فقام ﵁ بذلك خير مقام على النحو المذكور فيما رواه البخاري من حديث «أن حذيفة ﵁ قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القرآن، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب، كاختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله ابن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق» (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في فضائل القرآن باب: أنزل القرآن على سبعة أحرف (٤٩٩١).
(٢) أخرجه البخاري في فضائل القرآن باب جمع القرآن (٤٩٨٧) والترمذي في تفسير القرآن باب في سورة التوبة (٣١٠٤).
[ ٤٩٠ ]
قال ابن شهاب: وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت أنه سمع زيد بن ثابت قال: فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف، قد كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها، فالتمسناها، فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ (^١) «فألحقناها في سورتها في المصحف» (^٢).
ولا ضير على عثمان ﵁ في أن يلزم الناس بقراءة القرآن على حرف واحد وترك سائر الأحرف السبعة التي أقرأهم إياها رسول الله ﷺ وأمرهم بقراءتها، وقد أوضح ابن جرير هذا بقوله: إن أمره إياهم لم يكن أمر إيجاب وفرض، وإنما كان أمر إباحة ورخصة، لأن القراءة بها لو كانت فرضا عليهم لوجب أن يكون العلم بكل حرف من تلك الأحرف السبعة عند من تقوم بنقله الحجة، ويقطع خبره العذر. ويزيل الشك من قراءة الأمة، وفي تركهم نقل ذلك كذلك أوضح الدليل على أنهم كانوا في القراءة بها مخيرين بعد أن يكون في نقلة القرآن من الأمة من تجب بنقله الحجة ببعض الأحرف السبعة، وإذا كان ذلك كذلك لم يكن القيام بتركهم نقل جميع القراءات السبع تاركين مايكون يجب عليهم نقله، بل كان الواجب عليهم من العقل ما فعلوا إذ كان الذي فعلوا من ذلك كان هو النظر للإسلام وأهله فكان القيام بفعل الواجب عليهم بهم أولى من فعل ما لو فعلوه كانوا إلى الجناية على الإسلام وأهله أقرب منهم إلى السلامة من ذلك، فأما ما كان من اختلاف القراءة في رفع حرف، وجره ونصبه، وتسكين حرف، وتحريكه ونقل حرف إلى آخر مع اتفاق الصورة فمن معنى قول النبي ﷺ «أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف»، بمعزل، لأنه معلوم أنه لا حرف من حروف القرآن مما اختلف القراءة في قراءته بهذا المعنى يوجب المراء به كفر المماري به في قول أحد من علماء الأمة، وقد أوجب ﵊ بالمراء الكفر من الوجه الذي تنازع فيه المتنازعون إليه وتظاهرت عنه بذلك الرواية.
_________________
(١) سورة الأحزاب، الآية: ٢٣.
(٢) أخرجه البخاري في فضائل القرآن باب جمع القرآن (٤٩٨٨).
[ ٤٩١ ]
٦ - فضل كلام الله وفضل تلاوته
﷽
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وبعد ..
فإن فضل كلام الله على كلام البشر كفضل الله على عباده. وإن أفضل ذكر يذكر به الإنسان ربه هو كتاب الله، يتلوه العبد خاشعا، ضارعا متدبرا لمعانيه، مرتلا لألفاظه، جالسا جلسة أدب لأنه إنما يناجي ربه، ويذكره بكلامه وهو أفضل الكلام، كما أنه ﷾ أفضل وأعظم من كل شيء ولا يشبهه شيء.
وقد بين الرسول ﷺ فضيلة القرآن وفضيلة من يقرأه، وقسم الناس في قراءته إلى قسمين:
القسم الأول: من جود القرآن وأحسن تلاوته ومرن في تلاوته، فهذا جعله النبي ﷺ في صفوف الملائكة البررة.
القسم الثاني: وهو صنف لم يلن لسانه بتلاوة القرآن، والقرآن عليه ثقيل، وهو يتمتع فيه، ويجاهد نفسه ليكون من المرتلين له، وهو شاق عليه ينطق به بصعوبة فهذا له أجران. أجر على التلاوة، وأجر على مجاهدته لنفسه، وفي هذا يقول النبي ﷺ: (الماهر بالقرآن مع السفرة والكرام البررة. والذي يقرأه ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران) (^١).
فبين النبي ﷺ أن لكل تال للقرآن أجرا، إذا كان من أحد هذين الصنفين وإن
_________________
(١) حديث صحيح رواه البخاري رقم (٤٩٣٧)، ومسلم (١٤٥٤). والترمذي (٢٩٠٤) وابن ماجة (٢٧٧٩)، وأحمد (٦/¬٤٨، ٩٤، ٩٨) كلهم من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂.
[ ٤٩٢ ]
كان أجر أحدهم يربو على الآخر، ولكل واحد منهم منزلة تناسبه. ولا يحرم أحد الثواب من عند الله ما ابتغى وجه الله بتلاوته. والإنسان في تلاوته للقرآن وتعلمه للعلوم من أي نوع، يشبه الولد الصغير، يبدأ رضيعا ولا يقوى على الطعام العادي. ثم يبدأ يحاكي الناس في الحديث، ويكون الحديث عليه صعب والكلام عليه شاق ولا يزال يحاكي الناس في حديثهم حتى يصير بإذن الله خطيبا أو محاضرا، أو عالما كبير يخف على لسانه الكلام، ويخف على فكره ما يريد أن يتكلم به أو يستنبطه بتفكيره من كتاب الله أو حديث رسول الله ﷺ أو غير ذلك مما يقرأه أو يسمعه أو يراه من السنن الكونية التي أودعها الله في هذا الكون.
فكذلكم الإنسان لا يحقر نفسه في تلاوته القرآن، فإنه مهما كان حاله في صعوبة التلاوة عليه إبتداء فهو بالمران، وبالمداومة، والاستمرار ومحاكاته لمن يحسنون التلاوة سيصير إن شاء الله مرتلا لكتاب الله خير ترتيل. والأمر يحتاج إلى وقت ومثابرة ومجاهدة للنفس.
وقد بين الرسول ﷺ أن القرآن قد يذهب عن فكر الإنسان وتغيب بعض آياته عن الذاكرة إذا الإنسان توانى في قراءته أو مراجعته لبعض الوقت. ولهذا أمر النبي ﷺ المسلمين أن يتعهدوا القرآن بالتلاوة خشية أن يتفلت من قلوبهم، وأن ينسوه فقال ﷺ: ﴿تعاهدوا القرآن فوالذي نفسي بيده، لهو أشد تفصيا من قلوب الرجال من الإبل من عقالها﴾ (^١).
فالإبل إذا كانت في عقولها، كل منها في عقال فإنها تحاول التخلص والتحرر من هذه العقول والقيود. كذلك القرآن إذا أهمل الإنسان تلاوته وفترت همته عن مراجعته ذهب عنه وغاب عن فكره، فلا يكاد يقرأ إلا وتجده يخطيء في
_________________
(١) حديث صحيح رواه البخاري (٥٠٣٣)، ومسلم (٧٩١) وأحمد (٤/ ٣٩٧) كلهم من حديث أبي موسى ﵁ مرفوعا.
[ ٤٩٣ ]
القراءة فحثنا النبي ﷺ على تعهده حتى نكون على ذكر من كتاب الله ﷾. والناس إذا كانوا يعشقون شعر أحد من الناس فانهم يضبطونه ويحفظونه وكذلك هم يضبطون النظريات الهندسية، والأصول الصحية، ويضبطون الكلمات الفقهية. والسنن الكونية، والظواهر الجوية وأسباب ذلك كله، يضبطون هذا وغيره ليتكسبوا به مالا أو منصبا أو غير ذلك من الأغراض فإذا كانت لهم هذه الهمة وبذل الجهد في تحصيل وتأصيل هذه العلوم وغيرها، فكتاب الله أولى بالاجتهاد وبذل الوقت، فإن ما يناله الإنسان من وراء إجادته لكتاب الله أرفع وأنفع وأعظم لمكانة المسلم ودرجته عند الله في الآخرة. وليعلم المسلم أن القرآن هر أعظم الزاد الذي يتزوده المسلم ليوم القيامة.
إن الإعتناء بكتاب الله تلاوة، وحفظا، وتدبرا لمعاني آياته ووقوفا على طريقة تلاوته تلاوة صحيحة، والنطق به على مقتضى القواعد والضوابط التي نقلها لنا القراء والمحفظون لكتاب الله من الإدغام والغنة والمد والإظهار وغيره الإعتناء بكتاب الله على هذا النحو هو من أعظم القربات وهذا كله مع الإخلاص الله ﷾ في العمل. فإذا أضاف المسلم إلى الإعتناء بتلاوة القرآن بإخلاص إذا أضاف إلى ذلك العمل بالقرآن والسير على منهجه والتخلق بأخلاقه كان ذلك أرفع الدرجته وأعظم لثوابه وأجره.
وليعلم أن من أمور التلاوة مالا يمكن فهمه أو العمل به إلا عن طريق التلقي، والمحاكاة للقراء المتقنين الضابطين لكتاب الله الذين نقلوه لنا خلفا عن سلف تلقوه حفظا وتلقوه ضبطا لأحكام تلاوته. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى.
[ ٤٩٤ ]
٧ - التكبير عقب قصار المفصل
قد اختلف العلماء في بعض المسائل المتعلقة بالتلاوة منها مسألة التكبير عقب قصار المفصل، من سورة الضحى إلى نهاية القرآن، إلى سورة الناس، فمنهم من رأى التكبير واقتصر على كلمة الله أكبر بعد قراءة كل سورة من (الضحى) إلى آخر القرآن، ومنهم من رأى أن يقول الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر، واقتصر على هذا. ومنهم من زاد ولله الحمد.
وهؤلاء الذين رأوا جواز التكبير استندوا إلى آثار وردت في جوازه عن القراء، قراء السلف. ومنهم من استند إلى الحديث المرفوع الذي ورد من طريق أحمد البزي بسنده إلى النبي ﷺ. لكن أحمد البزي (^١) وإن كان ثبتا في القراءة إلا أنه في الحديث ضعيف، فأبو حاتم قد ضعفه وقال لا أحدث عنه، وكذلك ضعفه أبو جعفر العقيلي وقال هو منكر الحديث. من أجل هذا لم يكبر جماعة من العلماء عند الإنتهاء من قراءة قصار المفصل، لكن جرى العمل عند جماهير القراء على التكبير. ولما بلغ هذا الإمام الشافعي ارتضاه، وصححه وهذا شجع كثيرا من القراء على أن يكبروا عقب هذه السور، وقد ذكر هذا المعنى ابن كثير في تفسيره وأقصد بابن كثير أبا الفداء المفسر المتوفى سنة ٧٧٤ هـ ولست أقصد ابن كثير القاريء. فإن ابن كثير المفسر هذا متأخر (^٢). أما ابن كثير القاريء
_________________
(١) هذا الحديث رواه الحاكم (٣/ ٣٠٤) وقال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي بقوله: البزي قد تكلم فيه. وقال ابن كثير المفسر هذه سنة تفرد بها أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله البزي من ولد القاسم بن أبي بزة، وكان إماما في القراءات، فأما الحديث فقد ضعفه … الخ وذكر الكلام المذكور أعلاه انظر التفسير (٤/ ٥٢١). وانظر الجرح والتعديل (٢/ ٧١).
(٢) ابن كثير أبو الفداء هو: إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضو بن كثير بن درع القرشي من بني حصيلة، ولد سنة إحدى وسبعمائة وقد وصفه الداودي بقوله كان أحفظ من أدركناه لمتون الأحاديث، وأعرفهم بتخريجها ورجالها، وصحيحها وسقيمها، وكان أقرانه وشيوخه =
[ ٤٩٥ ]
فهذا قديم (^١) متقدم ليس بينه وبين رسول الله ﷺ إلا شخصان فقط.
نرجع إلى ما كنا بصدد الكلام عليه وهو أن من أراد المزيد من الكلام على مسألة التكبير فليرجع إلى تفسير ابن كثير عند أول تفسير سورة الضحى. وليرجع أيضا إلى كتاب الإتقان في علوم القرآن. وكذلك كتاب الاستذكار لابن عبد البر. وغير ذلك من كتب المؤلفة في علوم القرآن.
٨ - الإجتماع والدعاء عند ختم القرآن
لم يعرف عن النبي ﷺ أنه كان إذا ختم القرآن نصب مجلسا وجمع فيه أهله أو بعضهم ودعا. إنما عرف هذا عن أنس بن مالك وبعض الصحابة الآخرين كابن عباس. فكان أنس ﵁ إذا ختم القرآن جمع أهله ودعا الله سبحانه بما هم في حاجة إليه.
وكذلك روي عن ابن عباس أنه كان إذا علم أن أحدا من عباد وقراء الصحابة أوشك على ختم القرآن أرسل إلى بعض الناس من أصحابه وقال لهم إن فلانا سوف ينتهي من ختم القرآن هذا اليوم أو هذه الليلة فلنأته، فيأتونه ويجتمعون عنده ويدعون الله ﷾ بما يتيسر من الدعاء بما فيه خير الدنيا والآخرة من غير أن يتكلفوا دعاء معينا لذلك. وإنما يدعو كل إنسان بما يحتاج فهذا يدعو بالذرية الصالحة، وهذا يدعو بالغنى، وهذا يدعو بالشفاء، وهذا يدعو على ظالم قد تسلط عليه أو تسبب له في ضرر وأذى لحق به أو بأحد من أهله وأحبابه وهكذا. ومن هذا المفهوم تجد أن الأدعية التي نقلت عن الصحابة أو عن العلماء.
_________________
(١) = يعترفون له بذلك وكان يستحضر شيئا كثيرا من الفقه والتاريخ، قليل النسيان وكان فقيها جيد الفهم. صحيح الذهن يحفظ التنبيه، ويشارك في العربية مشاركة جيدة، وينظم الشعر، وما أعرف أني اجتمعت به علي كثرة ترددي إليه إلا واستفدت منه. طبقات المفسرين (١٤/ ١١١).
(٢) عبد الله بن كثير القاريء الداري، المكي، أبو معبد القاريء، أحد الأئمة قرأ على مجاهد، صدوق، من السادسة. مات سنة عشرين ومائة.
[ ٤٩٦ ]
مختلفة وليست على صفة ولفظ واحد لأن الحاجات ليست واحدة.
وكان بعضهم يتوسل إلى الله بتلاوته لكلامه وكتابه الذي هو القرآن، وهذه التلاوة من العمل الصالح الذي يجوز التوسل به. وربما توسلوا أيضا بأسماء الله ﷾ وصفاته وهو توسل مشروع أيضا والإخلاص لله في كل عمل تلاوة أو دعاء أو غير ذلك هو الأصل الذي تقبل به الأعمال وتجاب به الدعوات. وأسأل الله لي ولكم التوفيق لما يحب ويرضى وصلي الله وسلم على عبده ورسوله محمد.
[ ٤٩٧ ]
٩ - حكم القراءة بالأحرف السبعة
وسئل الشيخ رحمه الله تعالى عن: حكم القراءة بالأحرف السبعة في الصلاة وفي غيرها؟
فأجاب بقول: أراد أبو بكر بن مجاهد أن يجمع المشهور من قراءات قراء العراقين والحرمين والشام، لأنهم الذين عنوا أكثر من غيرهم بنصوص الشريعة حفظا لها وفهما لفقهها وإعداد الوسائل التي يتوقف فهمها عليها، فجمع على رأس المائة الثالثة ببغداد قراءات سبعة من أئمة القراءة المشهورين بهذه الأمصار، ليوافق عدد الحروف التي في حديث «أنزل القرآن على سبعة أحرف» (^١)، وكان أول من جمع قراءة هؤلاء ولم يعتقد هو ولا غيره أن هذه القراءات هي الأحرف السبعة، ولا منع أحد آنذاك القراءة بغير قراءاتهم: بل قال بعض أئمة القراء: لولا أن ابن مجاهد سبقني إلى حمزة لجعلت مكانه يعقوب الحضرمي إمام جامع البصرة وإمام قرائها في زمانه في رأس المائتين، بل يجوز لمن ثبت عنده قراءة الأعمش شيخ حمزة الزيات، أو قراءة يعقوب بن إسحاق الحضرمي، ونحوهما كما ثبتت لديه قراءة حمزة أن يقرأ بها بلا نزاع من العلماء المعتبرين بل أكثر العلماء الذين أدركوا قراءة حمزة كأحمد بن حنبل وسفيان بن عيينة كانوا يختارون قراءة أبي جعفر بن القعقاع ونحوه من أهل البصرة على قراءة حمزة، وكان الأئمة من قراء العراق الذين ثبت لديهم قراءة العشرة، يجمعون ذلك في الكتب تأليفا، ويقرءون بأيها في الصلاة وفي غيرها، وهذا متفق عليه بين العلماء، وإنما ينكر على من قرأ بقراءة لم تثبت عنده، ولم يكن عالما بها، فإن القراءة سنة متبعة، فمن علم منها شيئا قرأ به، وليس لأحد أن ينكر عليه ذلك، ومن جهل منها شيئا حرم عليه القراءة به سواء كان من القراءات السبعة أو غيرها.
_________________
(١) حديث صحيح. رواه البخاري (٤٩٩١) من حديث ابن عباس ﵄ مرفوعا. ورواه البخاري أيضا (٤٩٩٢) من حديث ابن عمر بن الخطاب ﵁ مرفوعا.
[ ٤٩٨ ]
٢ - إن الأحرف السبعة لا تتناقض بل تتحد في أصل معناها أحيانا، وتختلف اختلاف تنوع أحيانا لا اختلاف تضاد، فتفيد كل آية حكما، وتكون كل قراءة بالنسبة للأخرى كالآية بالنسبة لآية أخرى، والجميع حق فيما أفاد من الأحكام لا يجوز لأحد أن ينكره أو يترك العمل به.
٣ - مصحف عثمان ﵁ هو أحد الأحرف السبعة، وهو موافق للعرضة الأخيرة، وقال طوائف من القراء والفقهاء، وعلماء الكلام إن مصحف عثمان مشتمل على الأحرف السبعة، إذ لا يجوز أن تهمل الأمة نقل شيء من هذه الأحرف، وحيث اتفقوا في خلافة عثمان على نقل هذا المصحف دون سواه دل ذلك على أنه مشتمل على الأحرف السبعة، وأيضا لو كانت خارجة عن رسم المصحف لنهي عن القراءة بها، لكن لم ينه عن القراءة بأي حرف منها، فكان داخلا في رسم المصحف، وأجيب عن ذلك بما ذكره ابن جرير في مقدمة تفسيره من أنه ليس من الواجب نقل كل حرف من الأحرف السبعة، بل يكفي حفظ القرآن في حرف منها، وقد اختير الحرف الموافق للعرضة الأخيرة، ولم تكن القراءة بالأحرف السبعة واجبة على كل واحد من الأمة، ولا على كل الأمة بحيث لا يفوتها في جملتها حرف منها، فإن القراءات نزلت رخصة لهم، وتسهيلا عليهم، فلما سهلت عليهم القراءة بحرف واحد اتفقوا على حرف منها دفعا لخطر الفرقة.
٤ - ترتيب السور لم يكن واجبا عليهم منصوصا، بل كان باجتهاد الصحابة، بخلاف ترتيب الآيات في السورة، فإنه توقيفي.
٥ - أمثلة للقراءات:
أ - ﴿والليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلى، والذكر والأنثى﴾.
ب - ﴿إن كانت إلا رقبة واحدة فصيام ثلاثة أيام متتابعات﴾.
وهما عن ابن مسعود ﵁
[ ٤٩٩ ]
٦ - الخلاف في القراءة بما خرج عن رسم المصحف العثماني:
روي عن كل من مالك وأحمد رويتان:
جواز القراءة بها في الصلاة وغيرها، لأن الصحابة والتابعين كانوا يقرءون بها في الصلاة.
والرواية الثانية: المنع لأنها ليست من الحروف السبعة، لأنها لم تثبت متواترة، وبتقدير ثبوتها متواترة فهي منسوخة بالعرضة الأخيرة، التي روجعت في مصحف عثمان ﵁، ونقل عن أبي البركات ابن تيمية المنع من القراءة بها في القراءة الواجبة والجواز في غير الواجبة، وبذلك تعرف الرد على من يدعي الإتفاق على المنع من القراءة بما خرج عن رسم المصحف.
قال القاضي أبو بكر ابن الباقلاني: يجب القطع بنفي قرآنية ما لم يثبت من القراءات أنه من الأحرف السبعة، وجمهور العلماء على أنه لا يجب القطع بالنفي، ولذلك جوزوا القراءة بها في الصلاة مطلقا أو في غير الواجب، ولم يكفر من أثبت البسملة قرآنا بين كل سورتين للفصل، وعلى أنها آية أو بعض آية من كل سورة.
[ ٥٠٠ ]
أبواب التفسير
١ - تفسير مختصر لسورة الفاتحة (^١)
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم.
﴿الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين * إياك نعبد وإياك نستعين * اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ (^٢)
هذه السورة تسمى سورة الفاتحة، وتسمى أم القرآن، وهي مجملة فصلت القرآن كله، تشتمل على تبيين الأسماء والصفات في الآيات الثلاث الأولى، وتشتمل على تبيين العبادة في قوله ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ وعلى الدعاء الذي في ختام السورة، وتشتمل على الولاء والبراء في قوله تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾
وهي على قصرها تشمل المطالب التي جاء القرآن بتفسيرها مما ذكرت من الأنواع الثلاثة.
ففي مطلع هذه السورة يعلمنا الله جل شأنه كيف نحمده. ونثني عليه الثناء كله فقال سبحانه: ﴿الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم﴾.
ثم علمنا كيف نمجده بقوله سبحانه ﴿مالك يوم الدين﴾.
ثم علمنا أن نخصه بالعبادة لا نصرف منها شيئا إلى غيره سبحانه فنعبده بما شرع، وكما شرع، ونخلص له في ذلك كما أمرنا سبحانه بقوله ﴿قل يا أيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون ما أعبد * ولا أنا عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون ما أعبد * لكم دينكم ولي دين﴾ (^٣).
_________________
(١) نقلا من شريط مسجل.
(٢) سورة الفاتحة الآيات: ١ - ٧.
(٣) سورة الكافرون.
[ ٥٠١ ]
وقال سبحانه معلما لنا أن نقول ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ بمعنى أن لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك.
ثم علمنا كيف ندعوه ونتضرع إليه، ونطلب منه ما فيه سعادتنا في الدنيا والآخرة، وما يصلنا به ويقوي الصلة بين المؤمنين به، وكيف نتبرأ ممن حاد عن طريقه فغضب عليه وأضله عن سواء السبيل، فأمرنا أن نقول ﴿اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ والمغضوب عليهم هم كل من علم، وكان على بينة من أمر دينه، وعلى بينة من الحق وبصيرة منه، ومع ذلك حاد عنه ولم يسلك الطريق الحق، فكل من كان على هذا النحو فهو ممن غضب الله عليهم.
ومن أول هؤلاء اليهود الذين عرفوا الحق وحادوا عنه، وقد سئل بعض اليهود عن الرسول ﵊ فيما بينه وبين قومه فقالوا: إنا نعلم أنه رسول أكثر مما نعرف عن نسبنا لآبائنا، فنسبه لأبيه قد يكون مدخولا، أما البينة الصريحة الصحيحة فهي مثبتة لرسالة نبينا محمد ﷺ فهو على بينة من رسالة النبي ﷺ، ومعرفته بذلك أقوى من معرفته بنسبه لأبيه، ومع ذلك حاد عن الطريق المستقيم.
هؤلاء الذين كانوا على بينة من الحق ومعرفة به ثم حادوا عنه يقال لهم المغضوب عليهم، ومن الأضلين في هذا اليهود عليهم لعائن الله.
أما الضالون فهم كل جماعة جهلت الحق وطريق الصواب، وكانت في أمر عملها على غير بصيرة من دينها، ويمثل هؤلاء النصارى، فهم الضالون كما ورد هذا في حديث عن النبي ﷺ: بين أن المغضوب عليهم هم اليهود وأن الضالين هم النصارى (^١).
_________________
(١) يشير الشيخ ﵀ إلى حديث عدي بن حاتم الذي أخرجه الإمام أحمد [٤/ ٧٨٣، ٣٧٩] والترمذي [٢٩٥٤] وغيرهما وهو حديث حسن أو صحيح من مجموع طرقه. انظر التسهيل=
[ ٥٠٢ ]
وهذا من التفسير الجزئي أي من باب التمثيل لمن غضب الله عليهم، والتمثيل لمن أضلهم الله عن سواء السبيل.
والآيات الأخيرة بينت الطائفة التي تجب موالاتها، والسير في طريقها ومواخاتها، وهم الذين سلكوا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين فهؤلاء رفقاء الخير وطريقهم طريق الحق والصواب، وهم الذين يجب على المسلم أن يواليهم، وأن ينشد طريقهم، وأن يسلك سبيلهم رجاء أن يرحمه الله جل شأنه في الدنيا والآخرة.
أما الفريق الثاني فهو الذي يجب البراءة منه، وهم الفريق المغضوب عليه، والفريق الضال لسواء السبيل.
هؤلاء هم الذين يجب على المسلم أن يتبرأ منهم، عقيدة وعملا، وأن يمتليء قلبه ببغضهم إلا بمقدار ما يدعوهم إلى الحق، ويبين لهم الصواب لأن البلاغ واجب، ولابد منه، إقامة للحجة، وإعذارا إليهم حتى لا يكون لهم على الله حجة بعد البلاغ والبيان.
هذه السورة جاء في فضلها حديث قدسي وأحاديث نبوية، أما الحديث القدسي الذي قسمها أقساما، وأشار إلى معناها إجمالا، وبين الكثير من فضلها، ومكانتها من الإسلام فقد قال فيه النبي ﷺ عن ربه: «قال الله تعالى قسمت الصلاة أى الفاتحة، بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل.
فإذا قال العبد: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ قال الله تعالى: حمدني عبدي.
وإذا قال: ﴿الرحمن الرحيم﴾ قال الله تعالى أثنى علي عبدي.
وإذا قال: ﴿مالك يوم الدين﴾ قال الله تعالى: مجدني عبدي.
_________________
(١) = لتأويل التنزيل في تفسير سورة الفاتحة للشيخ مصطفى العدوي - حفظه الله تعالى -[١٢٥، ١٢٦].
[ ٥٠٣ ]
وإذا قال: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ قال الله: هذه بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل» (^١).
يريد بالنصف الأول خطابه تعالى عباده بقوله: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ علمهم أن يقولوا: ﴿إياك نعبد﴾، فهذا حق الله من عباده.
ويريد من النصف الثاني الذي لعبده. ﴿وإياك نستعين﴾ أي لا نستعين إلا بك فهذا حق العبد على ربه أن يستجيب منه إذا دعاه، وأن يحقق رجاءه فيه في حدود مصلحته وما يعود عليه بالخير في الدنيا والآخرة.
وإذا قال العبد: ﴿اهدنا الصراط المستقيم (٦) صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ إلى آخر السورة. قال الله تعالى: هذه لعبدي ولعبدي ما سأل.
فسمى الله سبحانه هذه السورة الصلاة إيذانا بأنها ركن من أركان الصلاة.
ولذلك لا تصح صلاة المسلم إلا إذا قرأ الفاتحة (^٢) في الصلاة الجهرية، والسرية إماما، ومنفردا ومأموما هذا هو الرأي الصحيح عند فقهاء المسلمين وأئمتهم، ولا تجزى الصلاة ولا تصح من المصلي إذا لم يقرأ فيها فاتحة الكتاب، لأن الله جل شأنه سماها الصلاة، فجعلها نفس الصلاة إيذانا منه سبحانه، بأن لها شأنها في إقام الصلاة وإجزائها.
وهذه السورة فيها إثبات لأسماء الله وصفاته، وإلى ذلكم الإشارة في
_________________
(١) حديث صحيح: رواه مسلم (٣٩٥). وأبو داود (٨٢١). والترمذي (٢٩٥٣). وأحمد (٢/ ٢٤١، ٢٨٥، ٤٦٠). كلهم من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) أخرج البخاري (٧٥٦)، ومسلم (٣٩٤) من حديث عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». وأخرج مسلم (٣٩٥) من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثا غير تمام فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام فقال: اقرأ بها في نفسك … الحديث».
[ ٥٠٤ ]
الآيات الأولى.
فقد سمى الله نفسه باسمه الذي لا يسمى به غيره، وهو كلمة الله، ثم وصف لفظ الجلالة بأنه الرب للعالمين جميعا، الملائكة والإنس والجن وسائر المخلوقات، والجمادات من سماوات وأراضين، رب العالمين جميعا.
ثم وصف نفسه بأنه الرحمن الرحيم وسمى نفسه بذلك.
ثم وصف نفسه سبحانه بأنه مالك يوم الدين، ويوم الدين هو يوم القيامة، فكما ملك الدنيا وصرفها ودبرها على مقتضى حكمته، وعلى طبق علمه ﷾ ملك الآخرة، وهي دار الجزاء ليجزي فيها كل نفس بما عملت من خير أو شر.
فهذا فيه إشارة إجمالية إلى صفات الجلال والكمال التي وصف الله تعالى نفسه بها.
ثم ذكر حق عباده عليه، وحقه على عباده، ثم ختم السورة بالولاء والبراء، ليبين لنا من يجب علينا أن نواليه وأن نؤاخيه، ومن يجب علينا أن نعاديه، وأن نتنكب طريقه، فإنه طريق السوء والشر طريق الهلاك والتبار.
هذه السورة ورد في فضلها عن النبي ﷺ أنه دخل المسجد يوما ما فوجد أبا سعيد بن المعلى يصلي نافلة، فنادى فحار أبو سعيد بن المعلى، هل يجيبه أو يستمر في صلاته، وغلب جانب الاستمرار في صلاته طاعة الله، وإيثارا لجانبه، ولما انتهى من صلاته جاء إلى النبي ﷺ إستجابة لندائه، وإن كان بعد فترة، فقال له: «يا أبا سعيد ألم أنادك؟» فقال: بلى ولكني كنت أصلي، قال له: «إن الله تعالى قال في محكم كتابه»: ﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾ (^١) فبين له أنه كان يجب عليه أن يجيب النبي ﷺ، ولكن أبا سعيد أثر
_________________
(١) سورة الأنفال، الآية رقم ٢٤.
[ ٥٠٥ ]
جانب الاستمرار في صلاته اجتهادا منه، فله الأجر عند الله على عمله واجتهاده.
ثم قال له: «يا أبا سعيد لأعلمنك سورة من القرآن هي أفضل القرآن، وهي السبع المثاني، وهي القرآن العظيم» (^١). ثم سكت النبي ﷺ ولم يعلمه، لم يعجل بتعليمه السورة وأخذ في طريقه إلى باب المسجد فلما اقترب من باب المسجد قال له أبو سعيد: يارسول الله ألم تقل لأعلمنك سورة هذ كذا وهي كذا؟ فقال: بلى ثم قال له: هي سورة الفاتحة وقرأ قوله تعالى: ﴿ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم﴾ (^٢).
﴿ولقد آتيناك سبعا من المثاني﴾ الآيات السبع التي تكونت منها سورة الفاتحة، سميت مثاني لما فيها من الثناء على الله جل شأنه، ولأنها تتكرر قراءتها في كل ركعة من ركعات الصلاة، فلتكرارها في الصلاة في كل ركعة، ولاشتمالها على الثناء على الله سميت في نص القرآن السبع المثاني ﴿ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم﴾ وهذا من عطف العام على الخاص، ويدخل فيه سورة الفاتحة.
فهي سبع آيات من القرآن، وهي داخلة في قوله تعالى: ﴿والقرآن العظيم﴾. وهي أفضل القرآن.
فهذا بيان من النبي ﷺ لفضل الفاتحة، ولمكانتها عند الله جل شأنه، مع كونها كلام الله، وكلام الله خير الكلام، وفضل كلام الله على كلام البشر كفضل الله على عباده، وشتان ما بين الله وبين عباده فالفرق شاسع.
وكذلكم الفضل واسع ولا يقدر قدره إلا الله، كما لا يقدر قدر الله إلا الله فلا
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٤٧٤)، وفي عدة مواضع من صحيحه وأبو داود (٣٥١)، والنسائي (٢/ ١٣٩) وغيرها.
(٢) سورة الحجر، الآية رقم ٨٧.
[ ٥٠٦ ]
يقدر قدر كلامه إلا هو، ولا يقدر قدر الفاتحة خاصة إلا الذي تكلم بها وأنزلها على رسوله ﷺ.
فهذا من فضائل الفاتحة التي بينها الرسول ﷺ، كما بين فضلها الله سبحانه في الحديث القدسي الذي ذكرناه.
ومما جاء في فضل الفاتحة والانتفاع بها، الرقية بها حتى ولو كان من رقي بها كافرا، فقد ثبت في حديث البخاري (^١) أن سرية من سرايا النبي ﷺ أرسلها الرسول ﷺ في مهمة فنزلت في طريقها على قوم من الكفار عتاة فاستضافوهم، فأبى أولئك الكفار أن يضيفوا صحابة رسول الله ﷺ لما بينهم وبين أولئك الصحابة من العداوة والبغضاء، وما في قلب الإنسان يظهر في أعماله، وعلى جوارحه وفي فلتات لسانه.
_________________
(١) أخرج البخاري (٥٧٣٧) من حديث ابن عباس ﵄ أن نفرا من أصحاب النبي ﷺ مروا بماء فيهم لديغ - أو سليم - فعرض لهم رجل من أهل الماء فقال: هل فيكم من راق؟ إن في الماء رجلا لديغا أو سليما، فانطلق رجل منهم فقرأ بفاتحة الكتاب على شاء فبرأ، فجاء بالشاء إلى أصحابه فكرهوا ذلك وقالوا: أخذت على كتاب الله أجرا، حتى قدموا المدينة، فقالوا: يارسول الله، أخذ على كتاب الله أجرا، فقال رسول الله ﷺ: (إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله). وأخرج البخاري (٥٧٤٩) حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن أبي المتوكل (عن أبي سعيد أن رهطا من أصحاب رسول الله ﷺ انطلقوا في سفرة سافروها حتى نزلوا في حي من أحياء العرب، فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم. فلدغ سيد ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء، لا ينفعه شيء. فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين قد نزلوا بكم، لعله أن يكون عند بعضهم شيء. فأتوهم فقالوا: يا أيها الرهط، إن سيدنا لدغ، فسعينا له بكل شيء لا ينفعه شيء، فهل عند أحد منكم شيء؟ فقال بعضهم: نعم، والله إني لراق، ولكن لقد استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلا. فصالحوهم على قطيع من الغنم. فانطلق فجعل يتفل ويقرأ ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ حتى لكأنما نشط من عقال؛ فانطلق يمشي. قال: فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه. فقال بعضهم: اقسموا. فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله ﷺ فنذكر له الذي كان، فننظر ما يأمرنا. قدموا على رسول الله ﷺ فذكروا له، فقال: وما يدريك أنها رقية؟ أصبتم، اقسموا واضربوا لي معكم بسهم).
[ ٥٠٧ ]
فهؤلاء قابلوا استضافة الصحابة ﵃ بالتنكر لهم، فذهب عنهم صحابة رسول الله ﷺ.
وجزاء لهم على موقفهم السيء من الصحابة رضوان الله عليهم، وعقوبة لهم سلط الله على سيدهم حشرة لدغته، فطلبوا له العلاج بكل ما يستطيعون فلم يفلحوا، واضطروا إلي أن يذهبوا إلى صحابة رسول الله ﷺ في منزلهم الذي نزلوا فيه، ليستعينوا بهم على علاج لديغهم، وقالوا لهم القصة أنهم طلبوا له العلاج بكل شيء لا ينفعه شيء فهل عندكم من علاج؟ فقال أبو سعيد الخدري، وهو تقريبا أصغرهم سنا، لكنه يحفظ الكثير من القرآن قال: والله إن عندي له علاجا، ولكني لست بفاعل حتى تجعلوا لنا جعلا فإنا استضفناكم فلم تضيفونا، فجعلوا لهم جعلا على أن يأتي أبو سعيد إليه ليقوم بعلاجه، والشفاء بيد الله لا بيد أبي سعيد الخدري، وذهب معهم إلى اللديغ، وقرأ عليه سورة الفاتحة مرة واحدة فقام كأنما هو جمل نشط من عقال، كأنما هو جمل حل عقاله. والجمل معروف عند العرب، بأنه قوي فإذا حل عقاله، وكان أمامه أقوى رجل دفعه بصدره فوقع على ظهره، وليس به بأس كأنه لم يلدغ، فأعطوهم الجعل، وكان قطيعا من الغنم، وكان يكفي الصحابة أعدادا قليلة من الغنم لو أنهم كانوا قد أضافوهم أول الأمر لكن رزقهم الله هذا الرزق الواسع. ثم ارتابوا وقالوا فيما بينهم فقد يكون هذا كسبا غير حلال، والصحابة رضوان الله عليهم عرف فيهم التحرى للكسب الحلال، وعرف فيهم الصلاح، وتقوى الله ﷾، فقالوا لا نأكل حتى نسأل رسول الله ﷺ.
فلما رجعوا سألوا الرسول ﷺ فقال لأبي سعيد «ما يدريك أنها رقية؟» فقال شيء ألقاه الله في روعي، والروع القلب والروع بالفتح الخوف.
فإبراهيم لما جاءته الملائكة وأوجس خيفة منهم أخذه روع، وأخذته المخافة ثم ذهب عنه الروع لما عرف حقيقة الأمر.
[ ٥٠٨ ]
القصد أن الروع الخوف والروع هو القلب، فقال أبو سعيد هذ شيء ألقاه الله في روعي، وهذا مثل ما يلقى في قلب بعض الطيبين، بأن فلانا سوف يأتي من السفر هذا مجرد إحساس باطني لا يفيد اليقين، لكنه يدفع الإنسان إلى أن يتحدث عما جال في خاطره، وإن كان لا يسمى علما لكنه هواجس وخواطر تجول في صدره ولا يسمى علم الغيب.
فالرسول ﷺ قال لهم جوابا عن سؤالهم هل هذا من الكسب الحلال أو الكسب الحرام؟ قال: «إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله» يريد بهذا أن العلاج قد يكون بالكي، وقد يكون بسحب السم من اللديغ من المكان الذي لدغ فيه.
وكيف يسحب السم منه، يشرط جلده فيخرج الدم، أو يمتص طبيا، وقد يكون برقية، وقد يكون بدعوة له، وهناك أنواع كثيرة للعلاج، منها الرقية بقراءة القرآن التي ترتب عليها الشفاء، وصاحبها أحق بالأجر من الشخص الذي يعالج علاجا ماديا مثل الطبيب أو غيره.
فهذا بيان من النبي ﷺ المشروعية الرقية بالفاتحة. وهذا بيان لنتيجة الرقية التي بها شفاء هذا وإن كان كافرا.
وليس المراد بهذا الحديث أن يأخذ الإنسان أجرا على تلاوة القرآن مثل الصييت (^١) أو أن يأخذ أجرا على قراءة القرآن على الأموات، فإن هذا لم يفعله رسول الله ﷺ، وهو معلم البشر، وهو المبلغ عن ربه ﷾.
فقراءة القرآن على الأموات رجاء أن يرحمهم الله بدعة من البدع، وأخذ أجر على تلاوة القرآن أيضا لا يجوز.
والكفار الذين أعطوا الصحابة قطيعا من الغنم، لم يعطوهم إياه حبا للقرآن.
_________________
(١) الصييت هو الذي يقرأ القرآن بعد وفاة الميت سواء في المنزل أو في مكان يجتمع فيه الناس للعزاء وسماع هذا الصييت.
[ ٥٠٩ ]
أو حبا فيه، أو حبا للقاريء، وللمسلمين وللإسلام، بل القرآن أبغض إليهم من كل شيء، والصحابة أبغض إليهم من كل شيء، ورسولهم أبغض إليهم من كل شيء، ومع ذلك دفعوا الأجر، فالأجر ليس للتلاوة وإنما هو للعلاج. ولم يدفعوا الأجر إلا بعد الشفاء لأنهم جعلوه على الشفاء - لا على التلاوة.
فالاستدلال بهذه الجملة من الحديث على جواز تلاوة القرآن، على الأموات رحمة لهم، أو الاستدلال بها على مجرد تلاوة القرآن وأخذ أجر عليه لاستماع الناس إليه، لا يجوز ولا يصح وهو من تحريف الكلم عن مواضعه، وهذا من فوائد هذا الحديث إلى جانب الفائدة الجليلة التي بينها النبي ﷺ بين بها منزلة القرآن ومكانته من غيره من القربات ومكانة الفاتحة من سائر القرآن.
هذا بيان لجانب آخر من جوانب فضيلة سورة الفاتحة، وذكرت من قبل فضيلتها وأنها جعلت فرضا في كل من ركعات الصلاة بخلاف السورة التي بعدها فإنها من سنن الصلاة لو تركها المصلي تكون صلاته صحيحة، أما الفاتحة فلو تركها كانت صلاته باطلة.
والقرآن كله خير وفضله على كلام البشر كفضل الله على عباده، وأسأل الله جل شأنه أن يبصرنا بديننا، وأن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، وأن يجعله لأرواحنا دواء، وأن يجعله مصدر تشريعنا، وأن يستميل قلوبنا إليه حتى لا نحكم سواه وسوى سنة رسوله ﷺ، فإن من أخذ بهما أخذ بالحق، وكان على بينة وبصيرة من أمر دينه مع ربه ومع المخلوقات، وكان حبيبا الله في الدنيا والآخرة سعيدا في دنياه وفي آخرته.
[ ٥١٠ ]
٢ - من مقاصد سورة المائدة (^١)
هذه سورة من سور القرآن الكريم، وسوف نتناولها بما يتضح به وحدة السورة والمقصد الذي تدور آياتها حوله، وأحب أن أتكلم عن نماذج من مقاصد بعض السور لتكون فاتحة لمعرفة مقاصد السور وتكون معينة للإنسان على فهم المحور الذي تدور عليه أحكام السورة. واخترت لهذا: أولا سورة العقود، وثانيا سورة الأحزاب وإن اتسع الوقت فستكون سورة الصافات، أو أخرى أقصر منها إن شاء الله تعالى.
يذكر الله جل شأنه في مطلع سورة العقود هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد﴾ (^٢).
هذه الآية تشير إشارة واضحة إلى ما تدور حوله الآيات، وتدور حوله الأحكام التي تضمنتها هذه السورة، فالله يأمرنا في هذه الآية بالوفاء بالعقود، والعقود هي المواثيق والعهود كلها ترجع إلى معنى واحد هو الاتفاق الذي يكون بين العبد وربه، ميثاق يأخذه الله جل شأنه على عبده، وقد تكون إتفاقات تجري بين إنسان وآخر في بيع وشراء، في مواعيد، أو في جهاد وحروب، أو في أمر بالمعروف ونهي عن المنكر. فكلمة العقود كلمة جامعة عامة شاملة، تشمل كل الإتفاقات التي تكون فيما بين العباد على الخير، وتشمل ما أخذه الله جل شأنه على عباده من عهود التكاليف التي كلف بها خلقه، وما سيأتي في السورة يدور حول هذا، كل ما في السورة من التفاصيل دائر حول قوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾ وحول مذمة من نقض العقود وخانها وجزاء من وفى بها ووقف
_________________
(١) أصل هذه المادة العلمية محاضرة للشيخ عبد الرزاق، وقد تم تسجليها في حينها، وقمت بتفريغ أشرطتها مع تصرف يسير.
(٢) سورة المائدة، الآية: ١
[ ٥١١ ]
عندها ويتبين هذا بالتفاصيل الآتية أو بذكر شيء من التفاصيل الآتية في قوله تعالى في الآية الثانية من هذه السورة: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وإذا حللتم فاصطادوا ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب﴾ (^١)
فهذه الآية فيها عقد وميثاق على المسلمين بعد أن تمكنوا في الأرض وصارت لهم دولة، وبعد أن أكمل الله لهم دينهم وأتم عليهم نعمته، وصاروا بإمكانهم أن يثأروا لأنفسهم، وأن ينتقموا ممن سبب لهم أذى، يأخذ الله تعالى عليهم أن لا يقابلوا السيئة بالسيئة، وأن لا يعتدوا على القاصدين لبيت الله الحرام إلى غير هذا مما ذكره الله في هذه الآية، وخاصة ما تحدث العبد به نفسه من أن يثأر لنفسه ممن ارتكب جريمة في شأنه واعتدى عليه في سابق حياته، فيبين الله جل شأنه في هذا العهد الذي أخذه على عباده الموحدين أنه لا ينبغي لهم أن يحملهم ما سبق من الكفار من صدهم المسلمين في السنة السادسة من الهجرة عن بيت الله الحرام، ومن موقفهم السيئ سنة الفتح عند دخول مكة، يبين لهم أنه لا ينبغي أن يحملهم ما سبق من أولئكم الكافرين على أن يعتدوا على الكافرين وأن يثأروا لأنفسهم منهم، وليجعلوا نعمة الله بإقدارهم لهم على الانتقام من عدوهم، ونعمة الله جل شأنه على هذا الإقدار بالعفو عن أولئك الذين سبقت منهم السيئات وتقدم منهم الأذى والضرر للمسلمين في صدهم عن بيت الله الحرام، وهذا منتهى العدل الإسلامي وهو تناسي ما سبق من السيئات بعد أن تمكن المسلم من إقامة العدل، فلا يرعى حظ نفسه بل يقف موقفا يرضى به ربه ويتألف به قلوب من سبقت منهم إساءة له فيقول تعالى: ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم﴾
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ٢
[ ٥١٢ ]
لا تحملكم عداوة قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا ثم أمرهم بأن يتعاونوا عموما على البر والتقوى وحذرهم من أن يتعاونوا على الإثم والعدوان، وحذرهم شديد بأسه وأليم عقابه إن هم نقضوا عهده وخانوا ما أخذه عليهم من هذا التكليف وأمثاله فيشتد بهم بأسه، وحذرهم في ذلك بقوله سبحانه: ﴿واتقوا الله إن الله شديد العقاب﴾.
ثم بين لهم تفصيل أشياء مما حرم عليهم، واستثنى من هذا أشياء فقال: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير﴾ إلى قوله: ﴿والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام﴾ (^١).
فكان هذا تفسيرا لقوله تعالى: ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد﴾ (^٢).
فالآية الأولى إجمال وهذه الآية ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله﴾ (^٣)، وآية ﴿حرمت عليكم الميتة والدم﴾ (^٤). إلى آخرها فيهما تفصيل أو بعض التفصيل لما أجمل في الآية الأولى، فهذا من الأدب أو من المقاصد التي اشتملت عليها الآية الأولى من هذه السورة.
ثم ذكر ﷾ عهدا آخر أخذه على عباده الموحدين من أحكام الوضوء وأحكام الغسل وذكر تفصيل هذا في آية ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ (^٥).
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ٣.
(٢) سورة المائدة، الآية: ١.
(٣) سورة المائدة، الآية: ٢.
(٤) سورة المائدة، الآية: ٣.
(٥) سورة المائدة، الآية: ٦.
[ ٥١٣ ]
ثم قال: ﴿واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به﴾ (^١).
فأوجب عليهم أن يتذكروا مواثيق الله سبحانه التي أخذها عليهم إجمالا في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾.
وتفصيلا فيما ذكره من تفاصيل القرآن، في هذه السورة وغيرها وما بينته سنة رسول الله ﷺ.
ميثاق ثالث ذكره جل شأنه في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون﴾ (^٢).
فأوجب عليهم سبحانه أن يرعوا العدالة وأن يوفوا بالعهد والميثاق، وأن لا تكون الخصومة متسلطة على نفوسهم تسلطا يجور بهم عن الجادة ويحملهم على نقض ما أخذه الله عليهم من عهد وميثاق، ولا يجرمنكم شنآن قوم - أي عداوة قوم - على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى، وأنذرهم وحذرهم من نقض العهد والميثاق بقوله: ﴿واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون﴾.
ثم ذكر العدة الطيبة والجزاء الكريم، العدة الطيبة لمن وفى بالعهد والميثاق والوعيد الشديد لمن لم يف بذلك بل خان ونقض فقال: ﴿وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم * والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم﴾ (^٣).
هذه منزلة أخرى، أو مرحلة أخرى ثالثة في تفصيل قوله تعالى في مطلع السورة: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾.
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ٧.
(٢) سورة المائدة، الآية: ٨.
(٣) سورة المائدة، الآيات: ٩ - ١٠.
[ ٥١٤ ]
ميثاق رابع، فيه تفصيل لمطلع السورة يذكر الله عباده نعمته عليهم برد كيد خصومهم، ومكر أعدائهم في محاولة سفك دم رسول الله ﷺ وإيذاء المسلمين في شخص رسول الله ﷺ، فكف أيدي هؤلاء جميعا وأبطل كيدهم وأحبط سعيهم، وشردهم عن بلادهم فقال جل شأنه: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ (^١)
وذلك أن بني النضير دبروا لرسول الله ﷺ تدبيرا سيئا، وذلك حينما جاء إليهم يطلب منهم شيئا من المال يستعين به في بعض المصالح فوعدوه خيرا وهم يضمرون الفتك به وأجلسوه تحت جدار، وصعد بعضهم فوق البيت ليرمي عليه حجرا يقضي عليه، فأوحى الله إليه أن يقوم فقام وقد أرسل بعض أصحابه إلى المدينة فذهب إلى جهة المدينة وبلغ أصحابه وجمعوا جموعهم، وجاء إلى بني النضير محاربا لهم إستجابة لأمر الله جل شأنه، ثم رضوا بأن يخرجوا من ديارهم فأذن لهم في ذلك بأمر الله جل شأنه، وأذن لهم في أن يأخذوا من أموالهم ما حملت حمولاتهم وفي ذلك أنزل الله سورة الحشر ﴿هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر﴾. هم بنو النضير ﴿ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم ما نعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ (^٢)
هذه وما سواه من آيات سورة الحشر فيه تفصيل لما ذكر الله في هذه الآية التي أخذ فيها العهد والميثاق على المؤمنين أن لا يعتدوا بل عليهم أن يلزموا العدالة فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم﴾ (^٣)
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ١١.
(٢) سورة الحشر، الآية: ٢.
(٣) سورة المائدة، الآية: ١١.
[ ٥١٥ ]
يعني بسفك دم رسول الله ﷺ بهذا التدبير الذي دبره بنو النضير، واليهود كما هو مشهور عند العالم لا عند المسلمين فقط هم سوسة تنخر في عظام الأمم فهم في كل دولة من الأمم يسعون فسادا في الأرض ويدبرون التدبير السيئ ويمكرون المكر السيئ ويعيشون كالنباتات الطفيلية في سائر الدول، ومن تدبيرهم السيئ ما دبروه في هذا الحادث لرسول الله ﷺ رغبة منهم في القضاء عليه.
ثم بدأ الله جل شأنه بدءا جديدا، وذكر لنا لونا آخر من العهود والمواثيق ليست عهودا أخذها على المسلمين كالعهود التي مضى تفصيلها بل عهودا أخذت على أهل الكتاب من اليهود والنصارى وعلى أمثالهم فلم يكن منهم إلا التبرم لها والتنكر لها ونقضها شر نقض، فنزل بهم بأس الله وعذابه فهذا مما يتصل بمبدأ السورة أولا، يتصل بها من جهة أنه نقض للعهود والمواثيق نقضا أفسدوا به الأرض واستوجبوا به مقت الله وغضبه، يقول تعالى: ﴿ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا﴾ (^١). فالآية في العهود والمواثيق التي هي في الآية الأولى.
وقال جل شأنه: ﴿لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة﴾
هذا هو العهد ﴿لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم﴾.
أي عظمتموهم وأيدتموهم ﴿وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ (^٢).
هذه العدة الجميلة التي وعدها من وفى بهذا العهد الذي فصله في الجملة السابقة، ثم هدد وأنذر من نقض العهد والميثاق فقال: ﴿فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل﴾.
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ١٢.
(٢) سورة المائدة، الآية: ١٢.
[ ٥١٦ ]
وقد نقض هؤلاء العهد والميثاق فأصابهم الله شر إصابة وقال: ﴿فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية﴾ (^١).
وهذا شأن السيئات وهذه هي عدالة الله جل شأنه من كسب سيئة نكت في قلبه نكتة سوداء وبقدر تلك السيئة، فإذا ما تكاثرت منه السيئات طبع الله على قلبه وجعل عليه الران حتى يصير قلبه متبلدا أو كالحجر الصلب لا يتأثر بموعظة ولا يعتبر بعبرة ولا تنفذ إليه نصيحة، بل يكون منه الصدود والإعراض عما يوجه إليه من آيات القرآن ومن الحجج والبراهين والمواعظ والعبر، فلا أدلة تناجي بها العقول، ولا مواعظ وعبر تؤثر في عواطفه ووجدانه وذلكم لما طبع على قلبه وكان عليه من الران والحجاب الذي يحول بينه وبين الدلائل والبراهين فلا ينصاع لها بل يحول بين قلبه، وبين وجدانه وعاطفته، وبين المواعظ والعبر حيث قد مسخ الله فطرته فجعل قلبه قاسيا يقول الله تعالى: ﴿فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية﴾ (^٢).
ثم ذكر الله جل شأنه الصنف الثاني بقوله تعالى: ﴿ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم﴾. أيضا أخذ على الطائفة الأخرى، طائفة النصارى عهدا وميثاقا ﴿ونسوا حظا مما ذكروا به﴾ (^٣) نقضوا أيضا العهد والميثاق، القصد أن الله ذكر في هذه الآيات أنه أخذ عهودا ومواثيق على اليهود والنصارى بتكاليف كلفهم بها فوقفوا منها موقف الخائن، وقفوا منها موقف الغادر المستهتر الذي لا يبالي لعهد الله وميثاقه بالا ولا يلفت له نظرا وليس لله وقار في قلوبهم، فأصابهم الله باللعنة وقساوة القلوب، وأصابهم بنسيانهم الكثير من حظوظهم، ثم ذكر الله جل شأنه أنه بين لهم ما أخفوا من التكاليف وما حرفوا من نصوص كتبهم التي أنزلها الله عليهم، أنزلها الله على موسى، وعيسى، وعلى داود. بين أنه أرسل إليهم
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ١٣.
(٢) سورة المائدة، الآية: ١٣.
(٣) سورة المائدة، الآية: ١٤.
[ ٥١٧ ]
رسولا فجاءهم هذا الرسول وبين ما كانوا يخفون من كتاب الله، فإنهم كانوا يجزأونه أجزاء فيخفون بعضه ويبدون بعضه، تبعا للهوى، فما رأوه في مصلحتهم ومتفقا مع هواهم أعلنوه ونشروه بين الأميين والرعية العوام وما كان مخالفا لأغراضهم وأهوائهم أخفوه، يقول تعالى في هذه الآية: ﴿يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام﴾ (^١) إلى آخر الآيات.
فذكر جل شأنه أن هذا الذي جاءهم على يد رسول الله محمد ﷺ من العهود والمواثيق تكشف أحوالهم فيجب عليهم حينئذ أن يعتبروا وأن يخشوا الفضيحة من كشف الوحي الذي ينزل على رسول الله ﷺ لما دبروه ولما خانوا فيه، كما عليهم أن يرتدعوا وأن يعملوا بالحق وأن يتبعوا رضوان الله جل شأنه ويسيروا على الصراط المستقيم لكنهم أبوا إلا اللجاج والعناد وإلا نقض العهد والميثاق فنقضوا عهد الله في وحدانيته وفي كماله وانتقصوه بنسبة الولد له كما قال الله عنهم: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم﴾ (^٢).
ورد عليهم ذلك بقوله: ﴿قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا﴾ (^٢).
عيسى لا يملك شيئا من الوجود، لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، ومريم أمه لا تملك لنفسها ضرا ولا نفعا، عيسى يحتاج إلى الطعام والشراب وإلى أن يقضي من شأنه ويتخلص من فضلات طعامه، ومريم أيضا صديقة إنسانة تأكل وتشرب وتحتاج إلى أن تتخلص من فضلات الطعام الذي تناولته فيقول الله تعالى: ﴿قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا﴾ (^٢).
من يملك لعيسى ولأمه التخلص من مقت الله وغضبه إذا أراد أن يهلكهما
_________________
(١) سورة المائدة، الآيات: ١٥ - ١٦.
(٢) سورة المائدة، الآية: ١٧.
[ ٥١٨ ]
وأن يقضي عليهما في هذه الحياة فكيف يصلحان لأن يكونا آلهة مع الله أو من دون الله؟!.
ويبين أن ملك السموات والأرض إليه سبحانه فإنه يخلق ما يشاء، فمن يخلق ما يشاء كيف يحتاج إلى ولد يولد منه وله من في السموات والأرض، وكيف يكون له منها الولد ﴿لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار﴾ (^١).
وقال سبحانه: ﴿لو أردنا أن نتخذ لهوا﴾.
أي ولدا وزوجة ﴿لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه﴾ (^٢).
القصد أن نسبة النصارى الولد إلى الله في قولهم عيسى ابن الله، أو ولد الله، والزوجة الله في قولهم إنه اتخذ مريم له هذا من نقض العهد والميثاق في أصل من أصول الدين وهو أصل التوحيد وإثبات الكمال الله وحده وتنزيه الله سبحانه عن الصاحبة والولد، ﴿وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا﴾ (^٣).
فهذا نوع من أنواع نقض العهود والمواثيق وقد رد الله عليهم إجماليا وتفاصيل القرآن فيها تفاصيل الردود لمثل هذا.
فالله ﷾ ذكر نقضا أيضا للعهود عن اليهود والنصارى فقال سبحانه: ﴿وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه﴾ (^٤).
فنسبوا إليه أنفسهم على أنهم أبناء الله ويقول اليهود: نحن أبناء الله، ويقول النصارى: نحن أبناء الله. هذا أكثر من دعواهم بنوة عيسى الله، جعلوا كل
_________________
(١) سورة الزمر، الآية: ٤.
(٢) سورة الأنبياء، الآيات: ١٧ - ١٨.
(٣) سورة الجن، الآية: ٣.
(٤) سورة المائدة، الآية: ١٨.
[ ٥١٩ ]
النصارى على كثرتهم، وكل اليهود على كثرتهم أبناء، وزادوا أن قالوا وأحباء الله. فهذا من نقضهم للعهود والمواثيق، فالله تعالى منزه عن الولد كما تقدم في الآية ذكرا أو أنثى فهو سبحانه منزه عن الولد على الإطلاق، ثم ميزان محبة الله لعباده الاستقامة على الجادة والطريق السوي واليهود والنصارى قد انحرفوا عن الجادة وغيروا وبدلوا فيما أنزل عليهم من الكتب السماوية فكيف يدعون زورا وبهتانا أنهم أحباء الله ﷾ ﴿نحن أبناء الله وأحباؤه﴾.
قال تعالى في الرد عليهم: ﴿قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق﴾.
إلى آخر ما ذكر من الآيات، هذا أيضا من نقض العهود والمواثيق التي تضمن أصلها ما أمر الله به من الوفاء في الآية الأولى من مطلع السورة، بعد هذا ذكر الله جل شأنه شيئا من جنس ما مضى يقول: ﴿يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل﴾ (^١).
رسول جاء لإسقاط المعاذير ولإقامة الحجة حتى لا يقولوا ما جاءنا بشير ولا نذير حتى نتعرف منه الحق فنحن معذورون، يقول جاءكم الرسول على فترة من الرسل فهذا تكذيب للعهود والمواثيق التي أمر الله بالوفاء بها في مطلع السورة في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾.
ثم ذكر جل شأنه أن بني إسرائيل مهما أنعم الله عليهم من النجاة من فرعون وملائه، وما أنعم الله عليهم من إرسال موسى إليهم وإنجائهم من الضلالة، ومع ما أنعم الله عليهم من إهلاك خصومهم نعمة أخرى، فإن الإنسان إذا نجى من خصمه، وخصمه لا يزال حيا فتوسوس له نفسه بأنه سيأتي عليه يوم من الأيام يفتح له الطريق إلى التسلط عليه وإلى التمكن منه فيسومه سوء العذاب في مستقبل حياته كما سامه من قبل سوء العذاب، فبين الله جل شأنه أنه أنعم على
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ١٩.
[ ٥٢٠ ]
اليهود، أنعم على بني إسرائيل الذين هم قوم موسى لأنه جعلهم أئمة وأنه مكنهم في الأرض وأنه جعلهم ملوكا بعد أن أنجاهم من عدوهم وخصمهم، بين ﷾ أنهم لما أمرهم موسى أن يدخلوا بيت المقدس، وهذا أمر من الله وعهد وميثاق أخذه على قوم موسى فأمر موسى قومه أن يدخلوا بيت المقدس وأن يجعلوه وطنا لهم، وأن يقيموا دولة فتية لهم في بيت المقدس، وجاءهم رجلان قد عرفا أخبار سكان بيت المقدس من الجبارين جاءا إلى موسى وقالا لقوم موسى لو أنكم تجمعتم وتعاونتم وتآزرتم ثم هجمتم هجمة رجل واحد على أولئكم الجبارين لفتح الله عليكم بيت المقدس، ولكنكم من رقاب هؤلاء ﴿قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون﴾ (^١).
فأبوا أيضا بالرغم من هذه البشارة المباركة فموسى قال، وهارون قال، وبعض الجماعة من بني إسرائيل قالوا: فانتهى أمر بني إسرائيل إلى أن يقولوا لموسى ﴿فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون﴾ (^٢).
وماذا يصنع موسى ﴿قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين﴾ (^٣).
هذا شأن بني إسرائيل مع موسى أرادوا أن يتحكموا فيه ويقولون: نريد أكلا طيبا فجاءهم بالمن والسلوى فقالوا: هذا لا يصلح لنا، نريد عدسا وبصلا وثوما، قال هذا أزين لكم. أتتبدلون الطيب بالخبيث؟؟ قالوا: ما نريد إلا هذا، قال: اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم، ثم يضرب الحجر فتخرج منه العيون على عدد الأسباط، إثنا عشر سبطا، كل سبط له عين حتى لا تتزاحم أكثر من جماعة
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ٢٣.
(٢) سورة المائدة، الآية: ٢٤.
(٣) سورة المائدة، الآية: ٢٥.
[ ٥٢١ ]
على عين واحدة وهي تشرب فيتنازعوا ويختلفوا ثم بعد ذلك يتنكرون لموسى، لذلك ابتلى الله هؤلاء على نقضهم العهد والميثاق بأن شردهم أربعين سنة يتيهون في الأرض قال تعالى: ﴿فإنها محرمة عليهم أربعين سنة﴾ (^١)
وليست محرمة عليهم أربعين سنة فقط، بل إلى جانب ذلك عدم الإستقرار يتيهون في الأرض. القصد أن هذه القصة من عند قوله تعالى: ﴿يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير﴾ (^٢). إلى قوله تعالى ﴿وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين * يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة﴾ (^٣)
يذكرهم بفضل الله عليهم حتى إذا ذكروا هذا انبعثت نفوسهم بالوفاء لأوامره، ولكن قلوبهم صلدة لم تتأثر ولم تتذكر فضل الله عليها فلذلك تنكروا لموسى ﵇، هذه القصة إلى آية (التيه) التي ذكر الله فيها عقوبته لهم بالتيه والتشريد ﴿فإنها محرمة عليهم أربعين سنة﴾، فيها عهد أخذه الله على بني إسرائيل، على اليهود، وكيف أنهم لما عصوا ونقضوا عهد الله عليهم، عوقبوا على ذلك فهي توضيح وتفسير، ومثال على وجوب الوفاء بالعقود الذي أكد الله عليه في مطلع السورة وطالب المؤمنين به. وكيف أن الله عاقب من لم يراع عهده ولم يف بميثاقه.
عهد آخر ذكره الله في قصة ابني آدم (^٤) وهو أن الله خلق آدم وبنيه من بعده وفطرهم على الخير، ولم يداخلهم شر. ولم يعرفوا الشر والفساد ولا سبق فيهم قتل نفس قبل هذا. وقتل النفس من أعظم الجرائم وأشنعها. وآدم نبي والأولاد.
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ٢٦.
(٢) سورة المائدة، الآية: ١٩.
(٣) سورة المائدة، الآيات: ٢٠ - ٢١.
(٤) انظر سورة المائدة، الآية: ٣٧ وما بعدها.
[ ٥٢٢ ]
أولاده - تربوا في بيت نبوة مع صفاء ونقاء الفطرة، يعرفون شريعة الله ويسيرون عليها وكانت إذ ذاك غضة طرية لم يشبها طمس ولا ضياع ولا تحريف، ويعلمون جميعا ما في الشريعة من عصمة دم المسلم، وحرمة سفك الدم وحرمة إزهاق النفوس والأرواح، ومع ذلك خان أحد ابنى آدم العهد فقتل أخاه. فهذا أيضا من نقض العهد والميثاق والتجرؤ على سفك الدم الحرام وهو أعظم الذنوب بعد الشرك بالله وهذا راجع إلى الآية الأولى في السورة: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾.
ثم بعد ذلك يأتي الحديث عن المحاربين الله ورسوله ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾ (^١)، القاطعين للطرق الذين لا يسلم الناس من شرهم ولا من أذاهم، فلا يأمنون على أنفسهم ولا على أموالهم، ولا على أعراضهم، ولا يتركون صالحا لصلاحه ولا بارا لبره، إنما يؤذون الجميع. فهذا الصنف من شر الناس نقضا للعهد والميثاق لأنهم يعتدون على كل ما فيه عهد من الله بالمحافظة عليه وصيانته. فالأموال مصونة إلا بحقها، والنفوس من أعظم الأمور صونا وحرزا، والأعراض من أعظم الأمور صونا وحرزا، فهؤلاء يعتدون على هذه الأمور المصونة، ويروعون الآمنين ويعطلون مصالح العباد التي فيها صلاح عيشهم في الدنيا والآخرة. فهم يعطلون الضرب في الأرض والسعي على الرزق، ويعطلون التزوار في الله، والرحلة في طلب العلم، والسفر للحج والعمرة، ويعطلون التنقل لصلة الأرحام. وهذه المحاربة وهذا الإفساد في الأرض هي نوع من نقض العهود التي أخذها على عباده وأمرهم بالوفاء بها والمحافظة عليها في قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ ثم بين سبحانه عقوبة هذا النوع من ناقضي العهود وناكثي الوعود فحد لهم الحد الرادع الذي يناسب فعلتهم.
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ٣٣.
[ ٥٢٣ ]
ثم حذر المؤمنين أن يسلكوا هذا السبيل المسخط للرب فقال ولا تكونوا يا معشر المؤمنين كنقضة العهود من بني إسرائيل ولا تنكروا لرسولكم ولا لشريعة ربكم. ولا تتوانوا عن الجهاد في سبيله كما توانئ اليهود عن جهاد أعدائهم أعداء الله ولم يدخلوا الأرض المقدسة التي فيها المسجد المعظم عندهم ولم ينصروا موسى ﵇ ﴿ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون﴾ (^١).
اتقوا الله باتباع أوامره واجتناب نواهيه. والوسيلة هي العمل الصالح الذي يرضى الله ويقرب العبد من ربه ويصله به، والبعد عن المنكرات والمعاصي التي يحصل بها للعبد ضد ذلك من البعد، والطرد، والجفاء بين العبد وبين ربه سبحانه. فعلى المسلمين أن يبتغوا إلى ربهم الوسيلة المشروعة التي هي العمل الصالح وترك الشر والسوء وهجر السيئات.
ثم ذكر ربنا ﷿ نوع آخر من المفسدين في الأرض الناقضين للعهود والمواثيق وهم السراق اللصوص، وبين ﷾ حدهم وعقوبتهم في الدنيا والآخرة إلا من تاب منهم وأصلح فإن الله يغفر له ذنبه ويتوب عليه في قوله تعالى ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم﴾ (^٢) هذا له صله بما سبق من الحديث عن اليهود الذين كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه، فمن كان منهم الغني ذو الجاه والقوة والمنعة من عشيرة وأهل وقبيلة، تركوه وأهملوا إقامة الحد عليه مراعاة لمكانه وغناه وقوته، وإذا سرق فيهم الضعيف الذي لا يهاب عاقبوه وأقاموا عليه الحد. وهذا يعني أن إقامة الحد على السراق كان موجودا ومشرعا في التوراة، وفي دين اليهود قبل أن يبدلوا ويحروفوا، وقد لعن الرسول ﷺ
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ٣٥.
(٢) سورة المائدة، الآية: ٣٨.
[ ٥٢٤ ]
اليهود وحذر قومه المؤمنين من أن يسلكوا سبيلهم، ودربهم وأن يجاروهم في منهجهم وذلك عندما سرقت إمرأة مخزومية شريفة في قومها وجيهة في أهلها، فأرادوا أن يشفع لها أحد عند رسول الله ﷺ فلا يقيم عليها الحد، ولا يقطع يدها وإن عاقبها بأي عقوبة أخرى مالية، فلم يجدوا من له الجرأة على هذه الشفاعة عند رسول الله ﷺ غير أسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ وابن حبه ﵁ وعن أبيه. فلما كلم أسامة رسول الله ﷺ كلاما فيه شفاعة لهذه المرأة التي استوجبت الحد غضب رسول الله ﷺ ورد شفاعته وقال: «أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة؟ أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة؟» يكرر ذلك منكرا على أسامة هذه الشفاعة الغير مشروعة والتي لا تجوز ثم قال: رسول الله ﷺ: «إنما أهلك من كان قبلكم أنهم إذا سرق فيهم الشريف (القوي) تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. ثم قال ﷺ والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها أو كما قال ﷺ» (^١). فذكر الله ﷿ هذا الحد (حد السرقة) عند الكلام على اليهود ونقضهم للعهود والمواثيق لأن نقضهم للعهد في هذا الأمر وهذه القضية موجود أيضا فهو يتفق مع أول هذه السورة التي ذكر الله فيها ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾.
ويذكر الله ﷿ في هذه السورة واقعة أخرى عن اليهود فيها نقضهم للعهد والميثاق، وأنهم وقعت فيهم واقعة زنا فأرادوا أن يحتالوا حيلة ليخرجوا من إقامة الحد على هذين الذانيين. وكان الحد عندهم في الشريعة المنزلة المحكمة هو حد الرجم للمحصنين وحد الجلد للبكرين أما الشريعة المحرفة التي كتبها لهم أحبار السوء فهي غير ذلك، فيها نوع من الإيذاء الخفيف الذي لا يتفق مع بشاعة الفعل وشناعته. ففي شرعهم الذي كتبوه بأيديهم، وقالوا هو من عند الله وما هو من عند الله فيه؛ التحميم وهو طلاء وجه كل من الزاني والزانية بطلاء أسود
_________________
(١) حديث صحيح رواه البخاري (٣٤٧٥) وفي غير موضع ومسلم (١٦٨٨). وأبو داود (٤٣٧٣) والترمذي (١٤٣٠).
[ ٥٢٥ ]
ويركبوهما على دابتين وجه كل منهما إلى مؤخرة الدابة، ويطوفون بهما أرجاء المكان قرية، أو مدينة، أو غيرها من المكان الذي يسكنون فيه، مع الجلد مائة جلدة ولا يقيمون حد الله في جريمة الزنا. فلما وقعت هذه الواقعة فيهم وزنا رجل بامرأة منهم أرادوا أن يتهربوا من إقامة الحد الإلهي الذي شرعه لهم وهو رجمهما إذ كانا محصنين. فاتفقوا على أن يأتوا رسول الله ﷺ ويعرضوا عليه القضية فإن هو حكم بحكم مخفف لا يصل إلى الرجم أخذوا به وعذرهم عند الله أنهمو عملوا بحكم نبي مرسل هم على يقين من نبوته - وإن لم يتبعوه وإن لم يؤمنوا به حسدا وكبرا. وإن هو حكم فيهم بحكم الرجم تركوا حكمه ورجعوا إلى حكمهم المبتدع المخترع، يقولون بعضهم لبعض: ﴿إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا﴾ (^١).
هم أصحاب هوى إن جاءهم ما يتفق مع هواهم أخذوا به وطبقوه، وإن كان الأمر على غير أهوائهم أعرضوا وصدوا، فاتخذوا بذلك أهوائهم آلهه من دون الله فما اتفق وهواهم أخذوا وعملوا به، وما خالفهم تركوه. اليهود كانوا يقولون ما حكاه الله عنهم ﴿ليس علينا في الأميين سبيل﴾ (^٢) ويأكلون منهم الأموال فيأكلونها بالباطل، ويستحلون الرشوة، ويستحلون بالباطل أموال العوام؛ وهم كل من دون اليهود ويزعمون أنه لا مؤاخذة عليهم في ذلك. وفي هذا نقض للعهد الذي أخذ عليهم بألا يأكلوا أموال الناس بالباطل، وألا يأكلوا السحت، ولا يأكلوا الربا فنقضوا عهد الله في ذلك كما قال الله عنهم ﴿سماعون للكذب أكالون للسحت﴾ (^٣).
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ٤١.
(٢) سورة آل عمران، الآية: ٧٥.
(٣) سورة المائدة، الآية: ٤٢.
[ ٥٢٦ ]
المهم أنهم ذهبوا إلى رسول الله ﷺ في تلك القضية - الزنا - فلما حكم فيها رسول الله ﷺ بما أراه الله وبما كان في شريعتهم المحكمة المنزلة لا المحرفة المبدلة وجاء الحكم على غير ما تهواه نفوسهم لم يقبلوا الحكم. مع أنهم الذين اختاروه حكما ومع أن الحكم متفق وشرعهم المنزل ومصدقا لما عندهم، ومع ذلك كله لم يقبلوا حكمه ولم يأخذوا بقضائه فأنكر الله عليهم ذلك في قوله ﴿وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين﴾ (^١) فهذا ما أخذ على اليهود من العهود والمواثيق ثم هم نقضوه. فلاهم عملوا بما في التوارة الذي هو كتابهم وشرعهم، ولا بما حكم الرسول وقضى، وهو مصدق لما معهم ولما في أيدهم وهو أيضا في التوراة. المقصود أن هذا كله ذكر لبعض أخبار بني إسرائيل التي فيها نقضهم للعهود والمواثيق وهذا يتفق ووصية الله للمؤمنين وأمره لهم بأن يوفوا بالعهود ولا يسلكوا سبيل من نقض وخان ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾.
بعد أن ذكر الله خيانة اليهود والنصارى لما أخذ عليهم من عهود ومواثيق، انتقلت السورة إلى ذكر تحذير من الله ﷿ لعباده المؤمنين الموحدين، يحذرهم ربهم من المواربة والمخادعة، ومن الموالاة لأعداء الله من اليهود والنصارى الذين لا يراعون عهود الله ومواثيقه، فكيف يركن المؤمنون إليهم وحذرهم بأنه لا ينبغي لهم وقد آمنوا بالله وسوله وصدقوا بما جاءهم من الحق والأخبار عن اليهود والنصارى حذرهم بأنه لا ينبغي لهم أن يسلكوا مسلكهم ولا يدخلوا مدخلهم وتتابعت آيات الله جل شأنه في هذا فقال جل شأنه: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض﴾ (^٢) فليوال بعضكم بعضا، وليحذر كل منكم أن يوالي يهوديا ولا نصرانيا، فما ذكره ﷿ من
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ٤٣.
(٢) سورة المائدة، الآية: ٥١.
[ ٥٢٧ ]
فضائح اليهود كاف في أن يدخل الوحشة والحذر منهم في قلوب المؤمنين. وفيه تنفير لقلوب المسلمين منهم حتى لا يركنوا إليهم ولا يخالطوهم مخالطة مودة وموالاة، فتنقل منهم هذه الصفات الذميمة التي استوجبوا عليها اللعنة والغضب والمقت من الله، حتى لا تنتقل هذه الصفات الذميمة إلى المؤمنين بطول العشرة والإلفة. بل الواجب أن يحد المسلمون معاملتهم لليهود والنصارى إلى أضيق حد، وإن وجد تعامل فعلى قدر الحاجة والضرورة لا محبة ولا إعجابا، فإن فيهم من المذام والنقص مع الله ومع عباد الله ما لا يدع مجالا لمحبة ولا موالاة ولا إعجاب. بل البراءة من اليهود ومن كل أعداء الله واجب على المؤمنين.
قال تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض﴾ فمن عمل بهذا الأمر ولم يوال يهوديا ولا نصرانيا فقد وفى بهذا العهد وذاك العقد الذي أمر الله بالوفاء به في قوله ﴿ياأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ ومن ولاهم فقد نقض العهد، وكان في معناه وسلوكه هذا يهوديا ونصرانيا صفته صفتهم ومعناه معناهم، وإن كان مسلما بالاسم والانتماء، وإن ادعى أنه موحد ثم خاطبهم بقوله: ﴿ياأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون فى سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم﴾ (^١).
فبين ﷾ أن موالاة اليهود والنصارى قد تنتهي بالإنسان إلى الخروج من الإسلام والإيمان بالله. فيبدأ بموالاة خفيفة ثم تزداد وتتدرج إلى أن تنتهي به من حيث يشعر أولا يشعر إلى الردة والخروج من حظيرة الإسلام نعوذ بالله من ذلك. فإذا ارتد إنسان بعد أن كان مؤمنا مسلما موحدا فالله غني عنه ولن يضر إلا نفسه، ولن يضر الله شيئا، وسيأتي الله بأقوام وجماعات أخرى فيهديهم إلى هذا الدين ويملأ قلوبهم بالإيمان يقومون على أمر هذا الدين فيحبون
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ٥٤.
[ ٥٢٨ ]
المؤمنين إخوانهم ويوالونهم، وينصرونهم ويعادون الكفار على اختلاف مناهجهم ومللهم من يهود ونصارى وأهل شرك وأهل إلحاد، يعادون الكفار جميعا ويجافونهم ويقومون بالجهاد في سبيل الله بكل ما يملكون من نفس ومال وغير ذلك من الوسائل التي تناسب الحال، ولا يخافون من أحد من أعداء الله خوفا يجعلهم يوالونه. فالمؤمنون الذين يوفون بعهد الله وميثاقه من جنس أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، من جنس خالد ابن الوليد وأبي عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص وغيرهم من الصحابة المخلصين والتابعين لهم بإخلاص وإحسان على مر العصور والدهور والسنين إلى يوم الدين، ﵃ أجمعين.
وبين الله للمؤمنين أن وليهم ليس هو اليهود والنصارى الذين لا أمان لهم ولا عهد ولا ميثاق، إنما وليهم وناصرهم ومؤيدهم هو الله وأمرهم أن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة.
وقد وعدهم الله وعدا طيبا إن هم وفوا بهذا العهد وهذا الميثاق إن تخلصوا من ولاية اليهود والنصارى وكل الكفار والمشركين. وإن هم قصروا ولايتهم على الله ورسوله وعلى إخوانهم المؤمنين من أهل ملتهم، من أهل الإيمان والتقى، إن هم وفوا بهذا العهد والميثاق وعدهم أن يكتب لهم الفلاح والفوز في الدارين والغلبة على أعدائهم والنصر عليهم والظفر بهم وبما يمتلكون قال الله تعالى: ﴿ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون﴾ (^١).
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ٥٦.
[ ٥٢٩ ]
٣ - تفسير سورة الأنبياء إجمالا
﷽
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وبعد:
فكل سورة من سور القرآن الكريم لها وحدة تدور عليها آياتها. ونتناول هذا إجمالا في سورة الأنبياء.
لقد كان الكفار يعتقدون أن النبوة لا تكون في بشر، إنما إذا أراد الله أن يرسل أحدا أرسله من الملائكة. أما البشرية والرسالة والنبوة فبينهما تناف. وهذه السورة جاءت لبيان أن البشرية لا تتنافى مع الرسالة. ودلل الله ﷾ على هذه المسلمة في هذه السورة بذكر كثير من الأنبياء، فذكر كل نبي من هؤلاء الذين ذكرهم وذكر فيه صفة أو أكثر من الصفات التي تعلن بشريته وتدل عليها كل الدلالة. وبدأ الكلام في هذا بقوله تعالى: ﴿وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون﴾ (^١) فبين أنه بشر وأنه سيموت كما مات من قبله من البشر. وأن بشريته بإنتهاء أجله، هو أمر مشترك بينه وبين غيره من جميع إخوانه الأنبياء والمرسلين.
ثم بدأ بذكر الأنبياء نبيا بعد نبي. ذكر موسى وهارون (^٢)، والعرب وقريش يسمعون في أسفارهم عن موسى وهارون لأنهم كانوا يسافرون في متاجرهم إلى الشام ويعرفون من بني اسرائيل أشياء عن موسى وهارون، ففي الشام كان يعيش كثير من اليهود كما كان يعيش كثير منهم حول المدينة. وكان يعيش كثير منهم في اليمن والعرب كانوا يسافرون أيضا إلى اليمن للتجارة.
_________________
(١) سورة الأنبياء (٣٤)
(٢) اقرأ الآية (٤٨) من السورة
[ ٥٣٠ ]
فبدأ ﷾ بذكر موسى وهارون وأنهم كانوا من الأنبياء، وقد اشتهر أمرهم في بني إسرائيل، وكذلك في العرب لكثرة إختلاطهم باليهود والنصارى في أسفارهم، وتجاراتهم، ومساكنتهم لهم كما هو الحال للعرب الذين يسكنون المدينة ومن حولها. وقد كان موسى وهارون من البشر، فليس هناك غرابة ولا بعد في أن يكون محمد ﷺ نبيا ورسولا وهو من البشر.
ثم ذكر ﷾ ابراهيم الخليل ﵇ وذكر قصته وأنه أوذي وألقي به في النار، ولكن الله تعالى نجاه من النار، ثم خرج من داره مهاجرا إلى الله، وهذا شأن البشر لا الملك. إنسان يؤذى ويؤخذ ويقهر ويغلب على أمره، ويلقى به في النار لا يكون مالكا، لأنه لو كان ملكا لصعد إلى السماء، ولا يتمكن منه. فكان ابراهيم بشرا بشهادة الأحداث التي جرت عليه، وكان رسولا نبيا لا يختلف في ذلك. فمحمد ﷺ أيضا بشر لا تمنعه البشرية من أن يكون رسولا نبيا.
ثم ذكر سبحانه بعد هذا لوطا (^١) الذي أوذي، وهجم عليه قومه في بيته لما سمعوا أن عنده ضيوفا فيهم الجمال والبهاء، وكان قومه يأتون الذكران ويهجرون النساء، ابتلوا بهذه المعصية وهذه الفاحشة كما سماها الله تعالى في كتابه.
وكانت الملائكة قد أتوا لوطا في صورة شبان حسان ولم يعلم لوط أنهم ملائكة. وسكتوا عن لوط ولم يخبروه بحقيقتهم وأمهله الله أيضا فلم يخبره بشيء ولا أوحى إليه شيئا لتتبين بشريته وعجزه، وأنه لا يعلم شيئا ولا يقدر على شيء، حتى خشى عليهم من قومه وأعلن عن ضعفه في مواجهة قومه وعن ضعفه في حماية ضيوفه فقال معبرا عن هذا بقوله الذي حكاه الله تعالى ﴿لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد﴾ يقول لقومه الذين جاءوا يراودونه على ضيفه الذين
_________________
(١) إقرأ الآية (٧١) إلى الآية (٧٧)
[ ٥٣١ ]
ظنوهم بشرا وكذلك ظنهم لوط ﵇ يقول لقومه ﴿قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد﴾ (^١) لأهلكتكم وعاقبتكم فعند هذا قالت الملائكة ﴿إنا رسل ربك لن يصلوا﴾ (^٢) فكانت مفاجأة للوط ﵇ عندما عرف حقيقة أمرهم وأنهم ملائكة. فأمرته الملائكة أن يسرى بأهله من الليل أي يخرج من البلد ولم يؤمن معه إلا عدد قليل من أهله. وخرج وأهله وإمرأته استجابة لأمر الله ولوحيه الذي جاءته به الملائكة وشاء الله سبحانه للمرأة - امرأة لوط - أن تتخلف وتتأخر قليلا عن زوجها في السير وأن تلتفت إلى خلفها، إلى قومها فأصابها ما أصاب قومها من العذاب والهلاك. جاء جبريل واقتلع الأرض من تحتهم ورفعها إلى أعلى ثم قلبها بمن فيها. وجعل عالى الأرض سافلها وهذا يتناسب مع ما اقترفه قوم لوط من قلب الفطرة والخلقة، وهجر النساء الحلال اللائي جعلن مقضى الشهوات وحرث للأولاد واستبدالهن بالرجال.
ثم ذكر الله قصة نوح ﵇ (^٣) وأنه دعا قومه إلى الله وإلى توحيده سبحانه وجرب معهم وسائل شتى في الدعوة إلا أن بيئة قومه كانت من البيئات الردية، فلم تجد معهم الدعوة إلى الإسلام والتوحيد، دعا قومه جماعة بعد جماعة، وطائفة بعد طائفة، وجيلا بعد جيل وهكذا طيلة فترة تسعمائة وخمسين سنة، تسعة قرون مضت وهو يدعوهم إلى لا إله إلا الله. أمره الله أن يصنع سفينة ففعل وكلما مر عليه ملأ وجماعة من قومه سخروا به وسخروا منه وهو أيضا يسخر منهم ويوقن أن العاقبة له من الله جل شأنه وأن الدمار عليهم. ولما جاء وقت الإهلاك أمره الله أن يركب السفينة ويحمل فيها من آمن معه.
_________________
(١) سورة هود (٨٠)
(٢) سورة هود جزء من الآية (٨١)
(٣) إقرأ الآية (٦٦، ٦٧) من السورة (الأنبياء) واقرأ تمام القصة في سورة هود، ونوح ﵉.
[ ٥٣٢ ]
فإنتاج وثمرة تسعمائة وخمسين سنة في الدعوة حملهم جميعا في السفينة ومعهم حيواناتهم التي يحتاجون إليها، حمل هؤلاء جميعا في سفينة واحدة ثم أغرق الله باقي قومه جميعا. فالإيذاء والتسلط الذي وقع من الكفار على نوح ﵇ وأمر الله له بصناعة السفينة، وإغراق الله لقومه وإنجاء الله تعالى له ولمن معه من المؤمنين في السفينة، كان هذا كله عنوانا لبشرية نوح ﵇. وقد كان نبيا رسولا فلا يبعد أن يكون محمد من البشر وأن يكون نبيا رسولا.
ثم ذكر داود وسليمان ﵉ (^١) وما جرى على داود من الخطأ وهو شأن بني آدم، لأن كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون (^٢)، اجتهد داود ﵇ في الحكم في قضية من القضايا، وهي قضية الغنم التي نفشت ورعت، وأكلت حرث قوم غير أصحابها. واجتهد في هذه القضية وأخطأ وعرضت نفس القضية على سليمان وحكم فيها بالصواب، وكان حكمه مخالفا لحكم أبيه. وتم لداود أجر على إجتهاده ولو كان مخطئا. وحصل لسليمان أجران لأنه اجتهد وأصاب الحق وحكم في القضية بالصواب.
ثم ذكر الله ما علمه لداود من الصناعات فقد كان يصنع الآلات المختلفة وخصوصا الأسلحة الحربية وغير ذلك، وهذا كله من صفات البشرية سواء ما كان يتعاطاه داود من الصناعات أو ما قد وقع فيه داود من الخطأ في الإجتهاد في الحكم. وقد كان كل من سليمان وداود نبيا رسولا وقد كانا من البشر بكل ما في البشر من الصفات فما المانع أن يكون محمد ﵊ بشرا ونبيا رسولا!
_________________
(١) اقرأ من الآية (٧٨) إلى الآية (٨٢) من سورة الأنبياء.
(٢) حدث حسن رواه الترمذي (٢٥٠١). وابن ماجه (٤٢٥١). أحمد (٣/ ١٩٨). والحاكم (٤/ ٢٤٤) وصححه وتعقبه الذهبي بقوله على بن مسعده لين.
[ ٥٣٣ ]
ثم انتقلت السورة إلى ذكر أيوب عليه (^١) السلام، وذكر الله ﷿ أنه ابتلاه في صحته وماله وأهله ومرض المرض الشديد. ثم شفاه الله وأعطاه الذرية وأعطاه المال. وهذه أعراض البشرية، وقد كان نبيا رسولا فلا مانع إذن أن يكون محمد ﷺ من البشر ثم يكون نبيا رسولا.
وذكر الله ﷾ ذا النون (^٢) وقد كان رسولا من عند الله. وذو النون هو يونس بن متى ﵇. وإنما سمي ذا النون والنون هو الحوت كان قد إبتلعه فنسب إليه. فذو النون يعني ذا الحوت. وكان يونس في بطن الحوت محفوظا بإذن الله تعالى. فلم يهضمه الحوت كما يهضم الطعام، وهذا كان بإذن الله تعالى، وكما أن يونس ﵇ لم ينس ذكر الله تعالى في هذا المكان الموحش فقد حفظه الله تعالى من شدائد ومحن وكروب في الظلمات، ومن أسباب الموت والهلاك التي توفرت وتداعت عليه. لكن الله ﷾ عطل أسباب الهلاك كلها عن أن تعمل عملها في يونس، وظل يونس حيا بإذن الله تعالى ومحفوظا ومصانا من كل الأذى حتى نجاه الله جل شأنه.
فما حصل ليونس ﵇ يدل على أنه بشر وأعراض البشرية ظاهرة فيه وواضحة، وكان رسولا نبيا ودعا قومه إلى الإيمان والتوحيد، وإلى طاعة الله وعبوديته فصدوا وأعرضوا ولم يستجيبوا حتى حزن يونس ﵇ على ذلك، وضاق صدره وخرج من بين أظهرهم ظنا منه ﵇ أنه مخير بين الإقامة بينهم والرحيل عنهم على حسب ما يراه من المصلحة في ذلك فخرج من بين أظهرهم في الوقت الذي أوشك الإيمان أن يدخل إلى قلوبهم. وظن أن الله لن يضيق عليه في هذا الخروج. فخرج وركب سفينة لتنقله بعيدا عن قومه فثقلت بهم السفينة وحاصرتهم أمواج البحر حتى كادوا يغرقون جميعا، فأرادوا تخفيف حمولة السفينة. وليس أحد من ركاب السفينة أولى في النجاة من الآخر.
_________________
(١) و(^٢) اقرأ الآية (٨٣ - ٨٨).
[ ٥٣٤ ]
فاقترعوا واستهموا فيمن يلقون من الركاب فيكون ضحية وفداء للآخرين، فقرع يونس ﵇ فرموه في البحر فوقع في ضيق أشد من الضيق الذي كان فيه بين ظهراني قومه، إذ أصبح في ظلمات البحر والحوت والليل وغير ذلك من ظلمات. وفي الظلمات سبح يونس ربه ﷿ ودعاه، واعترف على نفسه بالظلم والتقصير فقال ﴿لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾ (^١) فحفظه الله تعالى ونجاه من هذه الظلمات كما سبق الإشارة إليه فسياق هذه القصة وما فيها يدل بما لا يدع مجالا للشك على بشرية يونس ﵇ وأنه كان رسولا نبيا فمحمد ﷺ وهو من البشر كان نبيا ورسولا. وكما لم تمنع البشرية يونس من النبوة والرسالة لا تمنع بشرية محمد من أن يكون نبيا ورسولا عليهم جميعا الصلاة والسلام.
ثم جاء بعد هذا ذكر زكريا ﵇ (^٢) وهو أحد أنبياء بني إسرائيل وكانت زوجته عقيما لا تلد وقد بلغ من الكبر عتيا أي بلغ سنا لا يستطيع معه أن يأتي النساء لكبر سنه وضعف قوته لكنه لما رأى مريم ﵍ وعبادتها لربها ﵎ وأن أثر هذه العبادة والتقوى ظهر في الدنيا قبل الآخرة، وأنه كان يأتيها رزقها بكرة وعشيا وفي كل حين. ووجد منها أشياء هي خوارق للعادات التي يعرفها في البشر، لما رأى الصلاح في مريم اشتاقت نفسه للولد الذي يرى فيه الصلاح والتقوى. فرغب إلى ربه تعالي وطلب منه أن يعطيه الولد فاستجاب الله تعالى لدعائه ولبي رغبته ووعده بالولد. ولكن زكريا يريد أن يطمئن ويزداد إيمانا بموعود الله له لأنه بشر هو وزوجته بالولد في حالة لا تسمح لهما بالإنجاب في عرف البشر، وما جرت به عادتهم، فلذلك يريد أن يزداد إطمئنانا وإيمانا إذ هو لا ينكر على ربه أن يخلق ما يشاء، لأنه ﷾ القادر على كل شيء ولا يعجزه شيء ولذلك قال ﴿قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر﴾ (^٣).
_________________
(١) سورة الأنبياء آية: (٨٧).
(٢) اقرأ الآية (٨٩ - ٩٠) من السورة.
(٣) سورة آل عمران (٤٠)
[ ٥٣٥ ]
ثم ﴿قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا﴾ (^١) وفي الآية الأخرى ﴿إلا رمزا﴾ (^٢) فكان إذا أراد أن يتكلم مع الناس في الكلام العادي لا يستطيع ذلك طيلة هذه المدة، ولا يستطيع أن ينطق وإنما يفهمهم ما يريد بالإشارة والرمز ولم يكن هذا لعيب في آلة نطقه، ولا لمرض طرأ عليه وإنما هذا آية من الآيات، ولذلك فهو إذا أراد أن يسبح وأراد الذكر انطلق لسانه أما إذا أراد الحديث مع الناس انعقد لسانه فكان هذا أيضا آية من آيات البشرية. وقد ذكر الله تعالى شيئا من الأسباب العادية التي يرتب عليها الولد يقول سبحانه ﴿وأصلحنا له زوجه﴾، ما جعلها تلد وهي على حالها ووضعها، ولكن أصلحها الله للحمل والوضع وأزال ما كان بها من عقم ومن أسباب تمنع حملها. فقد جعل الله ﷾ في زوجة زكريا استعداد للحمل ولذلك قال تعالى ﴿وأصلحنا له زوجه﴾ فالله ﷾ اوجد الأسباب العادية فيها بعد أن كانت مفقودة.
وذكر الله عنهم هذا في القرآن فقال تعالى ﴿وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه﴾ (^٣) فلم تصبح علي حالها الأول الذي كانت عليه قبل أن تحمل بل هيئت تهيئة تصلح معها للحمل، فكان زكريا أعجز من أن يهب لنفسه ولدا بل طلب من الله أن يعطيه الولد وأن يمنحه إياه فهذا عنوان البشرية، ومع ذلك كان رسولا وكان من البشر ومحمدرسول الله وهو من البشر ولا غرابة ولا بعد في هذا.
أما مريم ﵍ فلم تكن نبية ولكن وهب الله لها عيسى ﵇. وحملت بدون زوج. والله الذي أصلح زوجة زكريا فصارت تستطيع الحمل بعد أن لم تكن تستطيعه، هو الذي جعل مريم تحمل بدون زوج بإذنه تعالى وذكر الله.
_________________
(١) سورة مريم (١٠).
(٢) سورة آل عمران (٤١).
(٣) سورة الأنبياء (٩٠).
[ ٥٣٦ ]
سبحانه هذا في القرآن فقال ﴿فنفخنا فيها من روحنا﴾ (^١).
فالقصد أن كل هؤلاء جميعا من البشر وقد وصفهم الله تعالى بذلك وأظهر فيهم أعراض البشرية. قد كانوا رسلا وأنبياء أو صديقين مصطفين فلا يستبعد أن يكون محمد ﷺ نبيا رسولا وهو من البشر.
لقد وصف الكفار الرسول ﵊ بصفات كثيرة مفتراة عليه وليست من صفته، ولا من خلقه رموه بالسحر والكذب والكهانة. ووصفوه بالبشرية كما ورد في أول السورة في قوله تعالى ﴿ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث … إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون﴾ (^٢) ﴿هل هذا إلا بشر مثلكم﴾ فكيف يكون رسولا فذكر الله أنبياء قبل رسول الله ﷺ ولا شك في نبوتهم، وقد ذكر الله ﷿ لهم من الأعراض ما لا يدع مجالا للشك في بشريتهم.
والعرب كانوا يعرفون أن هؤلاء المذكورين في السورة أنبياء ورسل فقد كان العرب أهل أسفار وتجارة، وقد ذكر الله ﷿ أنهم كانت لهم رحلتان جنوبا في الشتاء وشمالا في الصيف. ومن خلال هاتين الرحلتين وغيرهما عرف العرب هؤلاء الأنبياء والرسل وعرفوا قصصهم بالمخالطة مع الأقوام الآخرين في البلاد التي كانوا يسافرون ويتجرون إليها. فذكر لهم أمثالا تاريخية في بشر صاروا رسلا. والواقع شاهد برسالتهم. فيرد عليهم إنكار رسالة محمد من أجل بشريته في قولهم ﴿هل هذا إلا بشر مثلكم﴾ (^٣) فكيف يكون نبيا رسولا ﴿أفتأتون السحر وأنتم تبصرون﴾ (^٤) ﴿قال ربي يعلم القول في السماء والأرض وهو السميع العليم﴾ (^٥) أسروا النجوى فبين الله لرسوله ﷺ أنه يعلم السر وأخفى وهو السميع
_________________
(١) سورة الأنبياء (٩١).
(٢) سورة الأنبياء (٢، ٣).
(٣) ، (^٤) سورة الأنبياء (٣).
(٤) سورة الأنبياء (٤).
[ ٥٣٧ ]
كامل السمع عليم كامل العلم ﴿بل قالوا أضغاث أحلام﴾ (١) أخلاط في الكلام، مخبول يتكلم كلام المخابيل ﴿بل افتراه﴾ (٢) كذاب، ﴿بل هو شاعر﴾ (٣) الشاعر مثل الكهان الذين يلفقون الكلام ويكذبون فيه ويبالغون، ويقولون أعذب الشعر أكذبه ﴿فليأتنا بآية كما أرسل الأولون﴾ (٤). الله ﷿ ذكر البشرية بعد ذلك فقال ﴿وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون﴾ (^٥). ثم ذكر قصص الأنبياء ثم ختم السورة بمثل ما بدأ به فقال ﴿قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون﴾ (^٦).
يعني أنا بشر ولكن يوحى إلي ﴿فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء وإن أدري أقريب … أم بعيد ما توعدون﴾ (^٧) وما يوعدون هو ما يطالبون به من الآيات والمعجزات وربما كان ما يوعدون يعني يوم القيامة ﴿إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون﴾ (^٨) وهو نظير قوله تعالى في أول السورة ﴿قال ربي يعلم القول في السماء والأرض وهو السميع العليم﴾ (^٩) وبعده يقول سبحانه ﴿وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين﴾ (^١٠) لعله فتنة لكم ومتاع إلى أجل مسمى ثم الله يقضي بإنهاء الدنيا وافنائها كما يشاء وكما يريد. ﴿قال رب احكم بالحق﴾ (^١١) افصل بيننا ﴿وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون﴾ (^١٢) والذي وصفوه به في صدر السورة أن ما جاء به من الوحى
_________________
(١) (١ - ٤) سورة الأنبياء (٥).
(٢) سورة الأنبياء (٣٤).
(٣) سورة الأنبياء (١٠٨).
(٤) سورة الأنبياء (١٠٩).
(٥) سورة الأنبياء (١١٠)
(٦) سورة الأنبياء (٤).
(٧) سورة الأنبياء (١١١).
(٨) سورة الأنبياء (١١٢).
(٩) سورة الأنبياء (١١٢).
[ ٥٣٨ ]
أضغاث أحلام وأنه قد افتراه، وأنه شاعر، وأنه ساحر وأنه مجنون وغير ذلك مما الصقوه به من الأوصاف التي ذكروها ورموه بها في أول السورة وهو منها براء. وبهذا يعرف أن للسورة وحدة تدور الآيات حولها وهي هنا إثبات أن البشرية غير منافية للرسالة وذلك بذكر كثير من الأنبياء الذين شهد الواقع وشهدت الأمم بأنهم رسل. وقد ثبتت نبوتهم تاريخيا حتى عند العرب. قد كان العرب يتمسحون باليهود، لأنهم أهل كتاب وبعضهم كان يرسل أولاده إلى اليهود ليعيشوا بينهم وينالون منهم البركة.
وهكذا نجد أن أول السورة وأخرها يرتبط بعضه مع بعض في وحدة مشتركة. وهذه السورة مكية. وكغيرها من السور المكية في القرآن فإنها ترتكز على الأصول الثلاثة، إثبات التوحيد والدعوة إليه، واثبات وقوع اليوم الآخر وإقامة الأدلة عليه، إثبات الرسالة وبيان عدم منافاتها للبشرية.
وأسأل الله جل شأنه لي ولكم التوفيق والسداد. وأن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، وطهارة لنفوسنا إنه ﷾ مجيب الدعاء. وصلى الله وسلم وبارك على عبده محمد.
س ١: سئل الشيخ: ما معنى نفشت فيه غنم القوم؟
فقال الشيخ ﵀: إنتشرت فيه غنم القوم وأكلت. فحكم أن الغنم تدفع إلى أصحاب الحرث فينتفعون منها بكل نفع فيكون لهم أولادها وألبانها وغير ذلك من منافعها ويقومون برعايتها في حين يقوم أهل الغنم بإصلاح الحرث والقيام برعايته وربايته حتى يرجع إلى الحال التي كانت عليها قبل أن تنفش فيه الغنم. فيرجع كل شيء إلى أصحابه فيأخذ أهل الحرث حرثهم ويأخذ أهل الغنم غنمهم.
[ ٥٣٩ ]
﷽
﴿إذا السماء انفطرت﴾ ﴿وإذا الكواكب انتثرت﴾ ﴿وإذا البحار فجرت﴾ ﴿وإذا القبور بعثرت﴾ ﴿علمت نفس ما قدمت وأخرت﴾ ﴿يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم﴾ ﴿الذي خلقك فسواك فعدلك﴾ ﴿في أي صورة ما شاء ركبك﴾ ﴿كلا بل تكذبون بالدين﴾ ﴿وإن عليكم لحافظين﴾ ﴿كراما كاتبين﴾ ﴿يعلمون ما تفعلون﴾ ﴿إن الأبرار لفي نعيم﴾ ﴿وإن الفجار لفي جحيم﴾ ﴿يصلونها يوم الدين﴾ ﴿وما هم عنها بغائبين﴾ ﴿وما أدراك ما يوم الدين﴾ ﴿ثم ما أدراك ما يوم الدين﴾ ﴿يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله﴾.
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد.
فإن الله تعالى شأنه قد ذكرنا بالآخرة وما فيها من أهوال، من أول بدئها عند تخريب الدنيا إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار. وكرر هذا في كثير من سور القرآن الكريم ليعتبر الناس ويتذكروا، ويتقوا ربهم فيطيعوه ويخشوه.
ومن السور التي ذكر الله جل شأنه فيها أخبار يوم القيامة سورة الإنفطار، وسورة التكوير وغيرها من السور كثير من سور القرآن تتناول هذا الموضوع.
وسورة الإنفطار قد بين الله فيها أنواعا من أهوال يوم القيامة:
أولا: حالة التخريب التي تلحق هذه الحياة الدنيا عند نهايتها، وبدء يوم القيامة الذي يحاسب فيه العباد ويجازيهم فيه على أعمالهم.
ثانيا: نفى أن يكون هناك من قبل الرب ما يغتر به المخلوق اغترارا يعذر به.
ثالثا: بيان أن كثير من الناس كذب بيوم الدين مع وجود الأدلة والبراهين
[ ٥٤٠ ]
الواضحة التي تمنع ذلك التكذيب.
رابعا: تقسيم الناس إلى أهل نعيم وأهل جحيم، إلى أبرار وإلى فجار.
أما الأمر الأول: فذكر الله ﷿ فيه قوله تعالى: ﴿إذا السماء انفطرت﴾ (^١) ومعنى انفطرت يفسرها قوله تعالى في السورة الأخرى ﴿إذا السماء انشقت﴾ (^٢) فانفطرت معناها انشقت. انفطر: انشق. وفطر البئر: حفرها وشقها يطلب خروج الماء منها.
﴿وإذا الكواكب انتثرت﴾ (^٣) يعني تساقطت عند فقد التوازن. الله ﷾ هو الذي يفقدها توازنها وتماسكها، ويخل نظامها. فتختل بعد انتظام، وتظلم بعد أن كانت نيرة.
﴿وإذا البحار فجرت﴾ (^٤) الأرض وما فيها من مياه لها نظام تسير عليه نظمها الله جل شأنه، فجعل بعضها يبسا، وبعضها ماء. والماء بعضه حلو وبعضه مر. وجعل بين البحرين حاجزا لمصلحة العباد، ورحمة بهم كما قال سبحانه ﴿بينهما برزخ لا يبغيان﴾ (^٥) بين الملح والعذب برزخ من اليابس فلا يبغي الملح على العذب، ولا العذب على الملح. فيظل كل منهما في مكانه محتفظا بخواصه لمصلحة العباد ومنفعتهم.
أما عند قيام الساعة يفجر الله اليبس حتى يختلط الملح بالعذب، فلا يصلح لبقاء العالم، وينتهي اليبس الذي كان يعيش عليه الناس. تنشق الأرض وتتفجر منها المياه. ويصير الكل مالحا.
_________________
(١) سورة الانفطار، الآية: ١.
(٢) سورة الإنشقاق، الآية: ١.
(٣) سورة الإنفطار، الآية: ٢.
(٤) سورة الإنفطار، الآية: ٣.
(٥) سورة الرحمن، الآية: ٢٠.
[ ٥٤١ ]
﴿وإذا القبور بعثرت﴾ (^١) بعث ما فيها من الأموات وأخرج ما فيها من الكنوز ويصبح ما في باطنها ظاهرا على سطحها. ويبعث العباد أحياء بعد أن ماتوا، والله قاد على كل شيء. عند ذلك تعلم كل نفس ما قدمت من أعمال وما أخرت من خير وشر. من خير فعلت تثاب عليه، ومن شر تركت تثاب عليه. ومن خير تركت وشر فعل فتعاقب عليه. أو ما قدمت من أعمال وصدقات. وما أخرت من تركات وأموال.
وفي هذا اليوم تتطاير الصحف، كل أحد يأخذ صحيفة أعماله إما بيمينه أو بشماله. فيفرح أهل الخير ويهنأ بعضهم بعضا. أما الأشقياء فيتمنوا ألا يكونوا قد خلقوا، وكانوا يتمنون ألا يكونوا قد بعثوا. وألا يكون هناك حساب، ولا عذاب، ولا نعيم. هذا هو الأمر الأول. وهي أحداث تقع عند قيام الساعة، وعلم كل نفس بما كسبت من خير أو شر، وما قدمت وأخرت من خير أو شر عندما تتناول صحيفتها باليمن أو بالشمال.
الأمر الثاني: هو أنه ليس هناك من الله جل شأنه لا من صفاته ولا من أفعاله ما يغتر به المرء حتى يكفر بنعمة الله، وحتى يخرج من دينه ويتعدى حدوده. بل هناك ما يوجب على العبد أن يقوم أخلاقه وأن يستقيم على الشريعة التي بعث الله بها رسله صلى الله عليهم وسلم يقول الله تعالى: ﴿يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك﴾ (^٢) يعني أي شيء غرك بربك الكريم، والكريم شأنه أنه حكيم في عطائه وفي منعه، لا يعطي إلا من يستحق العطاء أو كانت الحكمة والمصلحة في اعطائه. ولا يمنع إلا ما كانت الحكمة في منعه. هذا هو الكريم.
_________________
(١) سورة الإنفطار، الآية: ٤.
(٢) سورة الإنفطار، الآية: ٦، ٧.
[ ٥٤٢ ]
أما السفيه: الذي لا حكمة عنده فقد يحسن إلى المسيء فيعيطيه، وقد يسيء إلى المحسن فيمنعه، فعمل السفيه وتصرفه لا يستند إلى علم بالمصلحة ولا يستند حكمة في العطاء والمنع. ولكن الله ﷿ كريم وحكيم وعليم ومن حكمته أنه يضع كرمه في أهل طاعته، وأن يضع عقوبته في أهل معصيته، فكرمه ﷾ ليس سببا ولا ينبغي أن يكون سببا في غواية الناس وضلالهم بل يجب على العباد أن يشكروه وأن يعبدوه وحده لا شريك له. وأن يتجنبوا معصيته شكرا له ﷾ على جوده وكرمه الذي أكرمهم به، فقد خلقهم في أحسن صورة وفي أحسن تقويم وكرمهم كما قال تعالى: ﴿ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا﴾ (^١).
فمقتضى أن كرمهم أن يستقيم العباد على شريعة الله التي بعث بها رسله. فإن مصلحتهم في ذلك، وفي ذلك سعادتهم وهدايتهم وكان مقتضى كرمه أن يستقيموا على شرعه سبحانه، وأن يسلكوا سبيل طاعته. قال تعالى: ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ (^٢) خلقهم فعدلهم فصاروا في أكمل هيئة وأحسن تقويم قال تعالى: ﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾ (^٣) تناسق وتكامل بين الأعضاء والأجهزة، وفكر وعقل يميز بين الطيب والخبيث، بين الخير والشر، ثم شريعة تكمل إدراكه وتميزه بين ما ينفعه وبين ما يضره، هذا كله إحسان منه ﷾ إلى خلقه، وإلى عباده، وكان مقتضى هذا الإحسان الشكر والإمتنان، لا الجحود والنكران.
﴿يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك * في أي صورة ما شاء ركبك﴾ (^٤).
_________________
(١) سورة الإسراء، الآية: ٧٠.
(٢) سورة الرحمن، الآية: ٦٠.
(٣) سورة التين، الآية: ٤.
(٤) سورة الإنفطار، الآية: ٦ - ٨.
[ ٥٤٣ ]
ثم ذكر الله جل شأنه الأمر الثالث وهو أن كثير من العباد كذب باليوم الآخر وكفر به، بدلوا نعمة الله كفرا، مع أن الله جل شأنه قد ذكرهم في كتابه وعلي السنة رسله بأنه جعل عليهم ملائكة كرام كاتبين يكتبون ما يفعلون، يكتبون عندهم في صحف ويسجلون فيها الحسنات والسيئات زيادة على علم الله المحيط بما كان وما لم يكن وما سيكون، ومحيط بأعمالهم وأحوالهم. فعلمه محيط وهو مطلع وشاهد على ما ظهر منهم وما خفي وكان هذا كافيا، ومع هذا رتب ملائكة يكتبون ويسجلون أفعال العباد وما عملوا من خير وشر كما قال الله تعالى: ﴿كلا﴾ وهي كلمة زجر تزجرهم عن الإغترار بكرم الله ﷾، وأن إقرارهم بكرم الله ﷾ يوجب عليهم عكس ذلك. فكأنه يقول انزجروا عن اغتراركم بربكم.
ثم انتقل ﷾ إلى الإخبار عن تكذيب بعض الناس بيوم القيامة مع وجود ما يمنع من هذا التكذيب فيقول سبحانه ﴿وإن عليكم لحافظين (١٠) كراما كاتبين (١١) يعلمون ما تفعلون﴾ (^١) هم يكتبون عن بينة وعن بصيرة. كما قال تعالى: في آية أخرى في سورة ق والقرآن المجيد ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ (^٢) ما يلفظ أي إنسان من قول يتكلم به إلا لديه وعنده ملك رقيب يراقب أعماله، أعمال الخير، وملك أخر يراقب أعمال الشر وعتيد يعني دائم. وفي هذا ما يدعو العبد إلى الإبتعاد عن المعاصي والشر، ويدعوه إلى الإقبال على ما يرضي الله ربه ﵎.
والأمر الرابع وهو إنقسام الناس إلى فريقين أبرار وفجار، أهل نعيم وأهل جحيم وهذا في قوله تعالى ﴿إن الأبرار لفي نعيم (١٣) وإن الفجار لفي جحيم﴾ (^٣)
_________________
(١) سورة الإنفطار، الآية: ١٠ - ١٢.
(٢) سورة ق، الآية: ١٨
(٣) سورة الإنفطار، الآية: ١٣، ١٤.
[ ٥٤٤ ]
الأبرار هنا كلمة جامعة تشمل كل من آمن حتى من ارتكب بعض المعاصي من المؤمنين. فهم ناجون وفائزون حتى وإن كان منهم من يعذبون على معاصيهم، إلا أنهم لا يخلدون في نار جهنم، بل يغفر الله لهم ويرحمهم ويشفع فيهم الشافعين.
المقصود أن الأبرار كلمة جامعة لأهل الإيمان الذين قسمهم الله في السور الأخرى إلى قسمين. فتشمل كلمة الأبرار أصحاب اليمين والسابقين المذكورين في سورة الواقعة.
﴿وإن الفجار لفي جحيم﴾ هذا قسم الكفار الذين يدخلون النار في أول الأمر، ويصلون سعيرا، وييأسون من الخروج من جهنم، لا يموتون فيها ولا يحيون، ولا يخرجون منها ولا هم يستعتبون، بل يخلدون فيها أبد الآبدين.
﴿وإن الفجار لفي جحيم (١٤) يصلونها يوم الدين﴾ (^١) يوم القيامة ذلك اليوم الذي لا تصريف لأحد في شيء، أما في الدنيا فالناس يتصرفون في بعض الأمور بما شاء الله وأذن لهم. أما يوم القيامة فلا تصرف لأحد في شيء ولا ملكية لأحد في أمر بل التصريف الله وحده لا شريك له.
ومعنى يصلونها يعني يقاسون عذابها وسعيرها وشدائدها وأهوالها وما فيها من بلاء وعذاب.
﴿يوم الدين﴾ يوم يدين الله كل نفس بما كسبت، ومعنى يدين يعني يحاسب ويجازي.
قوله تعالى: ﴿وما هم عنها بغائبين﴾ (^٢) يعني لا يخرجون منها ولا يقبل منهم فدية ولا عذر. فالفجار لا يغيبون عنها. ثم هول وفخم أمر يوم القيامة فقال
_________________
(١) سورة الإنفطار، الآية: ١٤، ١٥.
(٢) سورة الإنفطار، الآية: ١٦.
[ ٥٤٥ ]
﴿وما أدراك ما يوم الدين * ثم ما أدراك ما يوم الدين﴾ (^١) يقول الله أنت لا تستطيع أن تتصور وتتخيل ما في يوم الدين من الأهول العظام والشدائد والفزع، يوم يعطى كل ذي حق حقه. أنت لا تستطيع أن تحيط بكل ما فيه من دقائق وتفاصيل. والذي يعلم حقيقته وتفاصيله، وما فيه إنما هو الله وحده لا شريك له، ثم بين الله جل شأنه أن الإحاطة به وتصريف الأمور يومئذ أمر مختص به.
يقول ﴿يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله﴾ (^٢) الله وحده لا شريك له. الله يذكرنا بأهوال يوم القيامة من بدء تخريب العالم إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار. وأنه وحده هو المتصرف في هذا اليوم لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، بل الكل خائف ومشفق حتى أعظم الخلق جميعا هو رسول الله ﷺ عندما يريد أن يشفع عند الله لصرف الناس من الموقف وهوله إلى مستقرهم ومثواهم، وعندما يريد أن يشفع هذه الشفاعة يذهب فيسجد تحت العرش معلنا العبودية لله وحده لا شريك له، ليبين للناس أنه لا يشفع بحوله وقوته ﷺ، إنما يشفع بذله وخضوعه وعبوديته الله ﷾، ثم تكون الشفاعة بعد إذنه ومشيئته ﷾. وفي هذا تكريم للنبي ﷺ، حيث يقبل شفاعته ويجيبه إلى طلبه فيرحم العباد ويبدأ الحساب.
فهذا خير خلق الله ﷺ عندما يأتيه أهل الموقف ليشفع بعد أن يكونوا قد ذهبوا قبله إلى آدم وإلى أولي العزم من الرسل. عندما يأتي أهل الموقف رسول الله ﷺ ليشفع فيهم ويقول أنا لها، أنا لها، مع هذا يسجد تحت العرش إعلانا وإظهارا للعبودية، ثم يثني على ربه ويمجده، ويحمده بمحامد تفتح عليه وقتئذ. ولا يرفع رأسه حتى يقول الله ارفع رأسك، واشفع تشفع، وسل تعط وعند ذلك يبدأ في الشفاعة (^٣).
_________________
(١) سورة الإنفطار، الآية: ١٧، ١٨.
(٢) سورة الإنفطار، الآية: ١٩.
(٣) حديث صحيح رواه البخاري (٦٥٦٥)، ومسلم (١٩٣) من حديث أنس بن مالك ﵁.
[ ٥٤٦ ]
موقف العباد أمام ربهم يوم القيامة موقف العبودية والذل والخضوع له سبحانه. فلا يملك الشفاعة عند الله أحد من العباد إلا بعد مشيئته، فهو سبحانه لا شريك له، هو الذي يملك الشفاعة ﴿قل لله الشفاعة جميعا﴾ (^١). ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ (^٢) هذا هو الحال الذي يكون عليه العباد يوم القيامة فالله ﷾ يذكرنا بيوم القيامة في كثير من الآيات والسور في القرآن الكريم.
من وقت لآخر يذكرنا به بأمور نعيشها ونمارسها في أمور حياتنا ومعيشتنا. فالنار التي نشعلها لكي ننتفع بها في الدنيا هذه النار تذكرنا بيوم القيامة ﴿أفرأيتم النار التي تورون ﴿٧١﴾ أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون ﴿٧٢﴾ نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين ﴿٧٣﴾ فسبح باسم ربك العظيم﴾ (^٣).
فلو أن الناس كلما شاهدوا النار أو أشعلوها تذكروا نار الآخرة، وتذكروا أن نار الآخرة أضعاف أضعاف نار الدنيا وأن نار الدنيا هي فقط رمز لنار الآخرة ونار الآخرة فوقها بمراحل ومدد لو تذكر الناس هذا لحيت قلوبهم ولكان ذلك من خير الوعظ والتذكير لهم.
كذلك الله ﷾ يأتينا بألوان من الحر والبرد، فالحر يذكرنا بحر جهنم والبرد يذكرنا بالزمهرير الذي يكون في جهنم أيضا. ففي جهنم يعذب بعض الناس بالزمهرير والبرد، وما بردنا في الدنيا الذي نستعد له في الشتاء بشيء في مقابل حرارة جهنم وبرد الزمهرير يوم القيامة. هذه أيضا من المذكرات التي يرسلها لنا أو وضعها لنا في الكون الذي نعيش فيه. فيجب علينا أن نتدبر آيات القرآن وأن نتعظ بالآيات الكونية التي تذكرنا بيوم القيامة.
_________________
(١) سورة الزمر، الآية: ٤٤.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٥٥.
(٣) سورة الواقعة، الآية: ٧١ - ٧٤.
[ ٥٤٧ ]
ومن ذلكم المرض الذي يشرف به الإنسان على الموت، ثم يتراجع عن معاصيه، ويعطي الله العهود والمواثيق بأن يطيع الله ولا يعصيه، لكنه بعد أن يعافيه الله، ويشعر بالقوة يرجع إلى ما كان عليه من المعاصي والتفريط في الطاعات.
المذكرات كثيرة منها الكوني، ومنها الشرعي القولي، ومنها الخطب والمواعظ وغيرها، ومع ذلك نجد كثيرا من العباد يرتكس في المعاصي ويفرط في الطاعات وفي أوامر الله ﷾.
فيجب علينا معشر الإخوة أن نتدبر الآيات الكونية والآيات الشرعية عسى أن نستقيم على الطاعة وعسى أن نجد فيها لذة تدفعنا إلى المزيد منها وصلى الله وسلم على سيدنا محمد. والحمد لله رب العالمين.
[ ٥٤٨ ]
٥ - آيات من سورة الأعلى
﷽
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. وبعد.
فأنصح نفسي وإخواني بقول الله جل شأنه ﴿قد أفلح من تزكى … وذكر اسم ربه فصلى بل تؤثرون الحياة الدنيا … والآخرة خير وأبقى إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى﴾ (^١).
وفي هذه الآيات ذكر الله ﷿ ثلاث موضوعات:
الأول: النصح للإنسان وارشاده إلى ما ينفعه في دنياه وفي أخراه.
الثاني: التذكير بطبيعة الإنسان وتحليل هذه الطبيعة الإنسانية.
الثالث: أن هذا الموضوع الأول وهذا الموضوع الثاني هما من الأمور المتقدمة في الكتب التي أنزلها الله على خليله إبراهيم ﵇، وعلى عبده وكليمه موسى على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام. وأنزل تقرير هذا أيضا في القرآن الكريم الذي أنزل على عبده ورسوله محمد ﷺ.
أما الأمر الأول: فالله جل شأنه أخبره أن الفلاح والفوز ملازم تمام الملازمة، ومتقرر في حكم الله تعالى لمن تزكى وتطهر من الشرك والمعاصي، ونمى أعماله الصالحة بتقوى الله جل شأنه، فعلا لما أمر الله به سبحانه ولما أمر به رسوله ﷺ، وبعدا عما نهى الله ﷾ عنه وبعدا عما نهى عنه رسوله ﷺ. وذكرا لأسماء الله جل شأنه وما له من العظمة والوقار. فذكر أسمائه جل علاه يورث في القلب إيمانا وجلالا وهيبة تنبع من المعاني التي يفهمها العبد من ذكر هذه
_________________
(١) سورة الأعلى (١٤ - ١٩).
[ ٥٤٩ ]
الأسماء المقدسة وإستحضارها في نفسه. فذكر العبد لبعض أسمائه مثل اسمه الرحمن، والرحيم، واسمه العليم والحكيم، والغفور والودود وغيرها من هذه الأسماء تملأ قلب ابن آدم بالخير والطاعة والإقبال على الله.
ومن ذكر اسم الله الجبار، وذكر اسم الله المنتقم وتيقن أنه سبحانه شديد البطش، وشديد العقاب، وأدار في خاطره آثار هذه الأسماء في الخلق، وفي الناس سابقهم وحاضرهم، واستحضر ما في هذه الأسماء من معنى الجبروتية والعقوبة لكل من خالف أمره، فإن قلب العبد يمتلأ هيبة وخوفا، وخشية من ربه ﷾ فيدفعه، هذا الذكر لأسمائه التي فيها معاني الرحمة واللطف والإحسان والمغفرة والعطف للإنسان يدفعه إلى محبة الله والإقبال على طاعته وحده ﷾.
وذكر الإنسان لأسماء الله التي فيها معنى الجبروتية والإنتقام والبطش، ذكر الإنسان لهذه الأسماء ولهذه المعاني يملأ قلب العبد خوفا وذلا الله ﷿.
فالمحبة والخوف الذان يتولدان من معرفة أسماء الله هما ضروريان لاستقامة العبد وطاعته لربه وبعده عن معصيته.
يقول الله تعالى: ﴿قد أفلح من تزكى (١٤) وذكر اسم ربه فصلى﴾ قد أفلح وفاز من تزكى وتطهر من الشرك ورواجس الشرك. وزكى نفسه أيضا بإلزامها بالطاعات والقربات. وزكى نفسه أيضا ونماها بذكره لأسماء الله فلما فعل هذا وهذا صلى الله الفرائض وصلى الله النوافل. فقوله تعالى: ﴿فصلى﴾ تشمل كل أنواع الصلوات من فرائض ونوافل ورتب ذلك على ذكر الإنسان لربه لأن الذكر إذا تشبعت به النفس، وخالطت بشاشته القلب أثمر هذه الثمرة المباركة. وهي الإقبال على الطاعات التي من أهمها الصلوات فرضا ونفلا.
أما الأمر الثاني فهو تحديد طبيعة الأنس، وبيان السنة الكونية في إقبال الناس
[ ٥٥٠ ]
على الدنيا أكثر من إقبالهم على الآخرة وأكثر من إقبالهم على العمل للآخرة. يقول الله تعالى في هذا ﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا * والآخرة خير وأبقى﴾ بل تقدمون الأعمال التي تكسبكم مالا ونفعا دنيويا عاجلا وجاها ووجاهة ومناصب في الدنيا تقدمون هذا وتؤثرونه وتولونه جل اهتمامكم وتبذلون فيه معظم سعيكم وجهدكم، وتهملون العمل لما ينفعكم في الآخرة من الأعمال الصالحات وترك المنكرات هذه هي طبيعة الناس. والواقع يصدق هذا، وكلام الله حق وصدق ولا يحتاج إلى برهان ليدل على صدقه فواقع الناس هو على وفق ما قال الله ﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا * والآخرة خير وأبقى﴾.
فإذا نظرنا في واقع الناس وجدنا أكثرهم كافرا. ويقول الله جل شأنه ﴿وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين﴾ (^١) ثم إذا نظرت في واقع المؤمنين وجدت أن الإنحراف قد دخل على الكثير منهم وخاصة في عهدنا، ولا ندري ماذا سيكون بعد عهدنا. ربما يكون انحرافهم أشد وأخبث. المقصود أن فيمن يؤمن بالله واليوم الآخر انحراف عن طاعة الله، وتقصير في أداء الواجبات من الصلوات والزكاة وغيرها من أنواع القربات وفيهم جرأة على معاصى الله، والتشبه بأعداء الله وبمن غضب الله عليه ولعنه، في ملبسهم ومطعمهم ومشربهم وغير ذلك من أمورهم، وتفكيرهم وأخلاقهم وأعمالهم، وفى المسلمين كذلك من يعرض عن هدي النبي ﷺ وشرعه في كثير من التصرفات والسلوكيات والأخلاقيات اليومية.
فالأسماء إسلامية، والسلوكية بعيدة عن الإسلام وهذا مصداق لقول الله جل شأنه ﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا﴾ ثم حث الله جل شأنه على العمل للآخرة فقال ﴿والآخرة خير وأبقى﴾ فالواجب على المسلمين أن يجهدوا أنفسهم في العمل للآخرة. إذ خيرات الدنيا ومتعها قليلة إلى جانب ما في الآخرة من النعيم المقيم.
_________________
(١) سورة يوسف، الآية: ١٠٣.
[ ٥٥١ ]
ثم إن متع الدنيا زائلة فانية ومتع الآخرة ونعيمها مقيم، ومتع الدنيا وملذاتها تشوبها التكدير والتنغيص ولا يصفو فيها عيش لأحد مهما كان من أمره وأمر ما يملك من وسائل الملك ونعيم العيش، لابد وأن يعتريه التكدير أما نعيم الآخرة فسيكون خاليا من الكدر، خالصا من المنغصات.
ثم إن متع الدنيا وملذاتها مع كونها زائلة وفانية ومصحوبة بالكدر والتنغيص في كل أحوالها كسبا وإستعمالا واستمتاعا، فإنه يعقبها الحساب والتقصي على كل صغيرة وكبيرة منها. ولابد من جزاء ثوابا أو عقابا على هذه المتع والملذات كما قال ﷾ ﴿ثم لتسألن يومئذ عن النعيم﴾ (^١) وقال ﷺ «لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه؟ وعن شبابه فيما أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟ وماذا عمل في علمه» (^٢).
وهذا تحليل لطبيعة الإنسان وبيان لما يجب أن يكون عليه الإنسان في دنياه، وما يجلب له السعادة والخير في دنياه وأخراه، فيسعد في الحياة الدنيا بإتباعه لشريعة الله، ويسعد السعادة الأبدية في أخراه. فيقول تعالى ﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا … والآخرة خير وأبقى﴾. والآخرة خير وأبقى فينبغي أن يكون حال المسلم عكس ما هو عليه حال الناس فيجب أن يصرف همته للعمل من أجل سعادته في الآخرة، وإن عمل شيئا لأمر دنياه يحسن فيه النية وأنه إنما يفعل ذلك للإستعانة به على طاعة الله وتنفيذ الأوامر. والتقرب إلى الله ﷿ بما كسب وحصل من أمور الدنيا، فينوي بكسبه عفة نفسه وأولاده عن الإحتياج والسؤال والمذلة لغير الله تعالى.
فإن العبد إذا أحسن النية وقصد قصدا طيبا في عمل المباح فإنه يتحول بالنية
_________________
(١) سورة التكاثر (٨).
(٢) حدث حسن لغيره رواه الترمذي (٢٤١٨) بإسناد ضعيف عن ابن مسعود وله شاهد باسناد حسن رواه الترمذي (٥٤١٩) من حديث أبي برزة الأسلمي.
[ ٥٥٢ ]
إلى قربة وطاعة وعمل صالح والنبي ﷺ يقول «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امريء ما نوى» (^١).
وأما القضية الأخيرة فهي بيان إلى أن هذا الحكم الذي ذكره الله جل شأنه في هذه الآيات ليس حكما خاصا بهذه الأمة وإنما هو حكم متقرر أنزله الله في الكتب الماضية. وقرره الله أيضا في كتابه الذى أنزله على رسوله محمد ﷺ فهذه سنته التي لا تتبدل ولا تتغير في تشريعه وفي حكمه. وقضاءه الشرعي ﴿إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى﴾ أي أن ما ذكر من الأخبار والأحكام التي تليت في هذه الآيات في الصحف الأولي. ما هي؟ هي تلك الصحف التي أنزلها الله على رسوليه ابراهيم الخليل ﵇ وصحف موسى بن عمران عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام وهي التوراة. فهي عظات وعبر قد تقررت في القديم والحديث من الشرائع - وصلى الله وسلم على سيدنا محمد والحمد لله رب العالمين.
_________________
(١) حديث صحيح رواه البخاري (١) وفي غير موضع، ومسلم (١٩٠٧).
[ ٥٥٣ ]
٦ - تفسير مختصر لسورة الكوثر
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﷽
﴿إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر﴾ (^١).
هذه السورة أنزلها الله جل شأنه على رسول الله ﵊، حينما رماه قومه المشركون بأنه أبتر، وذلك أن الله جل شأنه ابتلاه في أولاده الذكور فماتوا جميعا؛ فقالوا: إنه أبتر لإنقطاع نسله، وكانوا يعتبرون الذكور هم النسل، وهم الأساس، وهم العصبة، الذين يحيون ذكراه بعد وفاته، والذين قالوا هذا عدة من كبار المشركين ووجهائهم كأبي لهب، والعاص بن وائل، وكعب ابن الأشرف وغير هؤلاء، القصد أنهم جملة اتفقت كلمتهم على أن ذكرى رسول الله ﷺ ستموت بموته لأنه لم يعش له ابن بل ماتوا جميعا، فالله ﷾ كذبهم في هذا، وبشره بأنه قد أعطاه فضلا منه وإحسانا وأعطاه الخير الكثير الذي منه الكوثر، الذي أخبر به رسوله ﷺ، وورد على لسان رسوله ﵊ ذكره في الأحاديث الصحيحة. ومنها النبوة، ومن ذلك ذكره ﵊ في الأذان والإقامة، وذكره بالرسالة كذكر الله ﷾ بالوحدانية، وأعطاه غير ذلك من الخيرات التي لا تحصى ولا تعد، منها ما عجله له في الدنيا من نصر وتأييد وكثرة أتباع، وانتشار دينه وبقائه حتى يرث الله الأرض ومن عليها. فكذبهم بما أعطاه من البشريات العديدة العاجلة والآجلة، وأمره أن يشكر هذه النعمة بإخلاص العبادة له فلا يصلى إلا له، ولا ينسك النسك إلا له وحده لا شريك له، ولا يذبح إلا له ﷾ مخلصا له القربات، وبين له أيضا أنه إلى جانب هذه البشريات وإلى جانب ما
_________________
(١) سورة الكوثر، الآيات: ١ - ٣.
[ ٥٥٤ ]
أمره به من الشكر وإخلاص القربات له، بين له أن أعداءه وخصومه هم البتر الذين تنقطع ذكراهم ويخسرون الدنيا والآخرة.
فأما البشرى بالخير الكثير في قوله ﷾: ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾، فالكوثر هو الخير الكثير، ومنه الحوض المورود الذي يعطاه النبي ﷺ يوم القيامة، وأما الشكر على نعمة هذه البشريات التي بشره الله بها فقد تضمنتها الآية الوسطى من هذه الآيات الثلاث في قوله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾، أما النعمة الكبرى التي أنعم عليه فهي العقوبة التي عاقب بها خصومه من أبي جهل، وأبي لهب، والعاص بن وائل، وكعب بن الأشرف، وما إلى أولئك من عقبة بن أبي معيط وأمثالهم من الذين جرت على ألسنتهم هذه الكلمة الردية الخبيثة من أنه سينقطع ذكره بوفاته، فذكر الله جل شأنه أن شانئه ومبغضه هو الأبتر المنقطع ذكره في الدنيا الخاسر في الدنيا، والآخرة فقال: ﴿إن شانئك هو الأبتر﴾، فالآيات؛ آية بالبشرى بالخير، وآية فيما أوجبه الله عليه من الشكر بالإخلاص في القربات له ﷾ وهى قوله: ﴿فصل لربك وانحر﴾، والآية الثالثة هي: ما أصيب به خصومه من الذكر بعد وفاتهم وخسرانهم الدنيا والآخرة: ﴿إن شانئك هو الأبتر﴾، وهذا أمر عام وسنة الله في خلقه أن القائم بالحق ينصره الله تعالى، ويبقي ذكراه وإن لم يكن له أولاد. والذكرى المعتبرة ما كان سببها الصلاح في الدنيا وتؤدي بصاحبها إلى السعادة في الآخرة. الصلاح في الدنيا ظاهرا وباطنا، عقيدة وعملا. وتكون نتيجتها السعادة العاجلة والأجلة.
[ ٥٥٥ ]
٧ - فتاوى التفسير
س ١: سئل الشيخ: عن تفسير قوله تعالى: ﴿ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها﴾ (^١)؟
فقال الشيخ ﵀: أي توفيقها، ولو حرف امتناع لا متناع، أى امتنع إيتاء الله كل نفس هداية التوفيق لا متناع مشيئته ذلك، فالمراد بالهداية التي لم يشأ الله أن يؤتيها لكل النفوس هي هداية التوفيق والإسعاد وليست هداية التبيين والإرشاد.
س ٢: سئل الشيخ: عن قوله تعالى ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ (^٢)؟
فقال الشيخ ﵀: هو يخلف العباد ولا يخلفه أحد، وقوله ﴿خلائف الأرض﴾ بعضكم يخلف بعضا.
س ٣: سئل الشيخ: عن قوله تعالى ﴿بدلناهم جلودا غيرها …﴾ (^٣)؟
فقال الشيخ ﵀: جلد الإنسان الذي يطيع الله تعالى يموت ويتجدد جلد غيره بخلايا أخرى في أثناء حياة الإنسان فكذلك العصاة يبدلهم الله تعالى جلودا من هذا النوع ولو لم يعصوا الله تعالى فيها ثم إن الخوض في ذلك تدخل في شأن الله تعالى لا يجوز، وسوء أدب من العبد أن يتدخل في شأن الله الخاص به.
س ٤: سئل الشيخ: عن قوله تعالى ﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت﴾ (^٤)؟
فقال الشيخ ﵀: خلق الإبل غريب ومأخوذ منها طريقة بناء المساجد على صورة القبة بلا أعمدة كجامع السلطان حسن بمصر والمقصود بالنظر وهو
_________________
(١) سورة السجدة، الآية: ١٣.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٣٠.
(٣) سورة النساء، الآية: ٥٦.
(٤) سورة الغاشية، الآية: ١٧.
[ ٥٥٦ ]
وسيلة إلى الفكر كبقية أبواب الحس، كالحواس الخمسة.
س ٥: سئل الشيخ: عن الفرق بين الكفر والفسوق والعصيان في قوله تعالى: ﴿وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان﴾ (^١)؟
فقال الشيخ ﵀: الإنسان مفطور على الخير بحيث أنه إذا لم تؤثر فيه البيئة اختار الخير الحديث: (كل مولود يولد على الفطرة) (^٢) وحديث: (إني خلقت عبادي حنفاء كلهم) (^٣) وهو شامل لفطرته على الخير في الجسم والخلق والعقيدة ولا يعارض قوله تعالى ﴿إن النفس لأمارة بالسوء﴾ (^٤)؛ وقوله تعالى: ﴿إنه كان ظلوما جهولا﴾ (^٥) لأن هذا طارئ بدليل قوله: ﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين﴾ (^٦).
س ٦: سئل الشيخ: عن معنى حديث: (أبى الله أن يجعل لقاتل مؤمن توبة)؟
فقال الشيخ ﵀: دل القرآن على أن للقاتل توبة في سورة الفرقان قال تعالى: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾ (^٧) إلى قوله: ﴿إلا من تاب …﴾ (^٨) الآيات.
ولكن حق المقتول لا يسقط إلا بعفوه أو أخذه بحقه يوم القيامة من حسنات القاتل. أما حق الله فتنفع فيه التوبة وحق أولياء الدم تنفع فيه الدية.
_________________
(١) سورة الحجرات، الآية: ٧.
(٢) أخرجه البخاري (٣/ ٢٩٠) رقم (١٣٨٥)، ومسلم (٢٦٥٨).
(٣) أخرجه مسلم (٢٨٦٥)، وأحمد (٤/ ١٦٢).
(٤) سورة يوسف، الآية: ٥٣.
(٥) سورة الحزاب، الآية: ٧٢.
(٦) سورة التين، الآيات: ٤ - ٥.
(٧) سورة الفرقان، الآية: ٦٨.
(٨) سورة الفرقان، الآية: ٧٠.
[ ٥٥٧ ]
س ٧: سئل الشيخ: عن معنى الآية: ﴿أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء﴾ (^١)؟
فقال الشيخ ﵀: هو الطفل غير المميز الذي لا يعرف الحسن من القبيح، ولا يعرف ما تعاب به المرأة وما يستحسن منها ويكون الطفل كذلك غالبا قبل سن السابعة.
س ٨: سئل الشيخ: عن الاستئذان المذكور في سورة النور؟
فقال الشيخ ﵀: الاستئذان المذكور في سورة النور للمحارم وللأجنبي من باب أولى؛ لأنه أفحش.
_________________
(١) سورة النور، الآية: ٣١.
[ ٥٥٨ ]