الفصل الأول
في التحذير من التعالم الكاذب، والولع بالغرائب
قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٤].
إن التعالم الكاذب هو عتبة الدخول على جريمة القول على الله بغير علم، المحرمة لذاتها تحريمًا أبديًّا في جميع الشرائع، وهذا مما عُلِم من الدين بالضرورة، وهو مما حَذَّرَناه رسولُ الله -ﷺ- أشد التحذير.
عن عبد الله وأبي موسى -﵄- قالا: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ لَأَيَّامًا، يَنْزِلُ فِيهَا الجَهْلُ، وَيُرْفَعُ فِيهَا العِلْمُ، وَيَكْثُرُ فِيهَا الهَرْجُ» وَالهَرْجُ: القَتْلُ (١) الحديث.
وعن أنس -﵁- قال رسول الله -ﷺ-: " مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: أَنْ يَقِلَّ العِلْمُ، وَيَظْهَرَ الجَهْلُ، " (٢).
_________________
(١) رواه البخاري: (١٣/ ١٣ - فتح).
(٢) رواه البخاري: (١/ ١٧٨ - فتح).
[ ٩ ]
وعن مالك قال: أَخْبَرَنِي رَجُلٌ " أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَوَجَدَهُ يَبْكِي، فَقَالَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ وَارْتَاعَ لِبُكَائِهِ فَقَالَ لَهُ: أَمُصِيبَةٌ دَخَلَتْ عَلَيْكَ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنِ اسْتُفْتِيَ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ وَظَهَرَ فِي الْإِسْلَامِ أَمْرٌ عَظِيمٌ، قَالَ رَبِيعَةُ: وَلَبَعْضُ مَنْ يُفْتِي هَا هُنَا أَحَقُّ بِالسَّجْنِ مِنَ السُّرَّاقِ " (١).
وقال القاسم بن محمد: "لَأن يعيش الرجل جاهلًا؛ خير من أن يقول على الله ما لايعلم".
وأفضح ما يكون للمرء: دعواه بما لا يقوم به، وقد عاب العلماء ذلك قديمًا وحديثًا:
قال الإمام ابن حزم -رحمه الله تعالى-: "لا آفة على العلوم وأهلها أضر من الدخلاء فيها، وهم من غير أهلها، فإنهم يجهلون، ويظنون أنهم يعلمون، ويُفسِدون، ويُقَدِّرون أنهم يصلحون".
وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-: "إذا تكلم المرء في غير فنه، أتى بهذه العجائب".
خلق الله للحروب رجالًا ورجالًا لقصعةٍ وثريدِ
قال بعض المصنفين: "والانفراد عن أهل العلم برأي في الشرع والقول بما لم يقل به أحد فيه، ينبئان عن خلل في العقل".
قال زُفَرُ بن الهذيل: "إني لا أناظر أحدًا حتى يسكت، بل أناظره حتى يُجَنَّ"، قالوا: كيف ذلك؟ قال: "يقول بما لم يقل به أحد".
_________________
(١) "جامع بيان العلم" رقم (٢٤١٠) ص (١٢٢٥).
[ ١٠ ]
وقال علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب: "ليس ما لا يُعْرف من العلم، إنما العلم ما عُرِف، وتواطأت عليه الألسن".
وقال إبراهيم بن أبي عبلة -رحمه الله تعالى-: "من حمل شاذَّ العلم حمل شرًّا كثيرًا".
وقال الشاطبي -رحمه الله تعالى-: "قلما تقع المخالفة لعمل المتقدمين إلا ممن أدخل نفسه في أهل الاجتهاد غَلَطًا أو مغالطة".
وقال الأمير شكيب أرسلان: "ومن أعظم أسباب تأخر المسلمين: العلم الناقص، والذي هو أشد خطرًا من الجهل البسيط؛ لأن الجاهل إذا قيض الله له مرشدًا عالمًا أطاعه، ولم يتفلسف عليه، فأما صاحب العلم الناقص فهو لا يدري، ولا يقتنع بأنه لا يدري، وكما قيل: (ابتلاؤكم بمجنون خير من ابتلائكم بنصف مجنون)، وأقول: ابتلاؤكم بجاهل خير من ابتلائكم بشبه عالم" (١).
_________________
(١) "لماذا تأخر المسلمون؟ " ص (٧٥).
[ ١١ ]
[ ١٢ ]
الفصل الثاني
مَن المُجتهد الذي يؤجر على اجتهاده وإن أخطأ؟
عن عمرو بن العاص -﵁- أن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- قال: «إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» (١).
ورد هذا الحديث في شأن القاضي، إلا أن المفتيَ ملحق به، بجامع أن كلًّا منهما مأمور بأن يَصْدُرَ عن حكم شرعي، ولذا يُعذر كلاهما في الخطأ.
والمفتي إن كان من أهل العلم، ممن اجتمعت فيه شرائط الفتيا، وبذل وُسْعَه للوصول إلى الحق، ثم أفتى بما غلب على ظنه. أنه الحق بمقتضى الأدلة؛ فأخطأ، فلا إثم عليه في الخطأ؛ لدخوله في القاعدة الذهبية التي دل عليها قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الاحزاب:٥]، ولدخوله في هذا الحديث الشريف المشار إليه.
وأجر اجتهاده باقٍ محفوظٌ لا يبطل بخطئه؛ لأن الشرع يأمره بأن يفتيَ لوجوب الإفتاء، وقد فعل ما أُمِرَ به، فاستحق بذلك الأجر "على العمل
_________________
(١) رواه من حديث عمرو بن العاص -﵁- البخاري (١٣/ ٢٦٨)، ومسلم (١٧١٦).
[ ١٣ ]
الذي قام به، ولكن لا يكون أجره بقدر أجر المصيب، إذ إن المصيب دلَّ على الحق، وهذا -أي: المخطئ- لم يدل عليه.
أما إذا أفتى مَن ليس بأهلٍ للفُتيا فأخطأ، أو كان أهلًا ولم يبذل جهده لإحقاق الحق فأخطأ؛ فإنه لا يكون معذورًا بذلك، بل يكون آثمًا؛ لأنه أضلَّ عن سبيل الله، وقد قال الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥] (١).
وقال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» (٢).
قال ابن المنذر -رحمه الله تعالى-: "وإنما يؤجر الحاكم إذا أخطأ إذا كان عالمًا بالاجتهاد فاجتهد، وأما إذا لم يكن عالمًا فلا".
واستدل بحديث: "الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ"، وفيه: "وقَاضٍ قَضَى بِغَيرِ حَق، فَهوَ في النَّارِ، وقَاضٍ قَضَى وهو لا يَعْلمُ؛ فَهو في النَّارِ".
وقال الخطابي -رحمه الله تعالى- في "معالم السنن": "إنما يؤجر المجتهد إذا كان جامعا لآلة الاجتهاد، فهو الذي نعذره بألخطأ، بخلاف المتكلِّفِ، فيُخاف عليه ". اهـ.
_________________
(١) انظر: "الفتيا ومناهج الإفتاء" ص (١٣٤ - ١٣٦).
(٢) رواه البخاري: (١/ ١٧٣، ١٧٤)، ومسلم (٢٦٧٣).
[ ١٤ ]
وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-: "لا يلزم من رد حكمه أو فتواه إذا اجتهد فأخطأ أن يأثم بذلك، بل إذا بذل وُسْعَه أُجِر، فإن أصاب ضُوعف أجرُه، لكن لو أقدم فحكم أو أفتى بغير، علم لحقه الإثمُ" (١).
وقال محيي السنة البغوي -رحمه الله تعالى-: (٢) وقوله في الحديث: "وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ" لم يُرد به أنه يؤجر على الخطأ، بل يؤجر في اجتهاده في طلب الحق؛ لأن اجتهاده عبادة، والإثم في الخطأ عنه موضوع إذا لم يألُ جهدَه، وهذا فيمن كان جامعًا لآلة الاجتهاد، فأما من لم يكن محلًّا للاجتهاد، فهو متكلِّفٌ لا يُعْذَرُ بالخطأ في الحكم، بل يُخاف عليه أعظم الوزر،
رُويَ عن بريدة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: " الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ، وَاثْنَانِ فِي النَّارِ، فَأَمَّا الَّذِي فِي الْجَنَّةِ فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِي الْحُكْمِ، فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ " (٣).
_________________
(١) "فتح الباري" (١٣/ ٣١٨، ٣١٩).
(٢) "شرح السنة" (١٠/ ١١٧، ١١٨).
(٣) أخرجه أبو داود (٣٥٧٣)، والترمذي (١٣٢٢)، وابن ماجه (٢٣١٥)، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي (٤/ ٩٠).
[ ١٥ ]
فارغ
[ ١٦ ]
الفصل الثالث
في معنى "أشراط الساعة"
الشَرَطُ -بفتحتين-: هو العلامة، جمعه: أشراط، وأشراط الشيء: أوائله، ومنه: شُرَط السلطان، وهم نُخْبَةُ أصحابه الذين يقدمهم على غيرهم من جنده، ومنه: الاشتراط الذي يشترطه الناس بعضهم على بعض، فالشرط علامة على المشروط (١).
الساعة لغةً
جزء من أجزاء الليل والنهار، جمعها: ساعات، وساع، والليل والنهار معًا أربع وعشرون ساعة.
وأشراط الساعة: علاماتها (٢)، قال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨].
قال الحافظ ابن حجر: "هي العلامات التي يعقبها قيام الساعة" (٣).
وقد أطلق بعض العلماء على "الأشراط" اسم "الآيات"؛ و"الآيات" هي الأمارات الدالة على الشيء، كالأمارات التي تُنصبُ في الصحراء؛ دالة على الطريق، أو توضع على الشاطئ؛ لتهديَ السفن، أو توضع في طريق المسافرين؛ لتدلهم على ما يقصدون من الأماكن.
_________________
(١) انظر: "لسان العرب" (٧/ ٣٢٩)، و"النهاية لابن الأثير (٢/ ٤٦٠).
(٢) "مختار الصحاح" ص (٣٢٤).
(٣) "فتح الباري" (١٣/ ٧٩).
[ ١٧ ]
قال الطيبي: "الآيات: أماراتٌ للساعة، إما على قربها، وإما على حصولها؛ فمن الأول: الدجال، ونزول عيسى، ويأجوج ومأجوج، والخسف، ومن الثاني: الدخان، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، والنار التي تحشر الناس" (١).
معنى "الساعة" اصطلاحًا
الوقت الذي تقوم فيه القيامة، وسُمّيَتْ بذلك لسرعة الحساب فيها، أو لأنها تفجأ الناس في ساعة، فيموت الخلق كلهم بصيحةٍ واحدة (٢). وقال الراغب في "المفردات": [الساعة: جزء من أجزاء الزمان، وُيعبَّر به عن القيامة، قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١]، وقال سبحانه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾ [الأعراف: ١٨٧]، وقال -﷿-: ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٨٥].
تشبيهًا بذلك لسرعة حسابه، كما قال -﷿-: ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦٢]، أو لِما نبَّه عليه بقوله ﵎: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٤٦]، وقوله سبحانه: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، وقوله -﷿-: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥]، فالأولى: هي القيامة، والثانية: الوقت القليل من الزمان.
وقيل: الساعات -التي هي القيامة- ثلاث:
_________________
(١) "المصدر نفسه" (١٣/ ٣٥٢).
(٢) انظر: "لسان العرب" (٨/ ١٦٩)، "النهاية" لابن الأثير (٢/ ٤٢٢).
[ ١٨ ]
الساعة الكبرى (١): هي بعث الناس للمحاسبة، وهي التي أشار إليها بقوله ﵇: "ولا تقوم الساعة حتِى يظهرَ الفُحش والتفاحُش" (٢) إلى غير ذلك، وذكر أمورًا لم تحدث في زمانه ولا بعده.
والساعة الوسطى: وهي موت أهل القرن الواحد، وذلك نحو ما رُويَ أنه رأى عبد الله بن أُنَيْس (٣)، فقال: "إن يَطُلْ عُمرُ هَذَا الغُلَامِ لم يمُتْ حتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ" (٤).
والساعة الصغري: وهي موت الإنسان، فساعةُ كلِّ إنسانٍ موتُه، وهي المشارُ إليها بقوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾ [الأنعام:٣١]، ومعلوم أن هذه الحسرة تنال الإنسانَ عند موته، لقوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ
_________________
(١) وإذا أطلقت الساعة في القرآن الكريم، فالمراد بها القيامة الكبرى: قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾ [الأحزاب: ٦٣]، أي: عن القيامة، وقال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١]، أي: اقتربت القيامة.
(٢) رواه الإمام أحمد (٢/ ١٦٢) رقم (٦٥١٤)، من رواية عبد الله بن عمرو -﵄-، بلفظ: "لا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش، والتفاحش، وقطيعة الرحم، وسوء المجاورة" الحديث، وقال الشيخ أحمد شاكر: "إسناده صحيح " (١٠/ ٢٠).
(٣) قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-: "إن ما ذكره عن عبد الله بن أُنَيس لم نقف عليه، ولا هو آخر من مات من الصحابة هَرِمًا" اهـ. من "فتح الباري" (١/ ٣٦٤).
(٤) وعن أم المؤمنين عائشة -﵂- قالت: كان الأعراب إذا قدموا على رسول الله -ﷺ- سألوه عن الساعة: متى الساعة؟ فنظر إلى أحدث إنسان منهم، فقال: "إن يعش هذا لم يدركه الهرم؛ قامت عليكم ساعتكم"، رواه البخاري (١١/ ٣٦١ - الفتح)، ومسلم (١٨/ ٩٠ - النووي). والمراد بساعتهم: موتهم، فهو ساعة المخاطبين، كما "في الفتح" (١١/ ٣٦٣)، وانظر: "تفسير المنار" (٩/ ٣٨٧).
[ ١٩ ]
الْمَوْتُ فَيَقُولَ﴾ الآية [المنافقون: ١٠]، وعلى هذا قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ﴾ [الأنعام: ٤٠].
وعن أم المؤمنين عائشة -﵂- قالت: كان رسول الله -ﷺ- وَإِذَا تَخَيَّلَتِ السَّمَاءُ، تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وَخَرَجَ وَدَخَلَ، وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، فَإِذَا مَطَرَتْ، سُرِّيَ عَنْهُ، فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: " لَعَلَّهُ، يَا عَائِشَةُ كَمَا قَالَ قَوْمُ عَادٍ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ (١) [الأحقاف: ٢٤] اهـ (٢)
وقال القرطبي -رحمه الله تعالى-: "قال علماؤنا: واعلم أن كل ميت مات فقد قامت قيامته (٣)، ولكنها قيامة صغرى وكبرى، فالصغرى: هي ما يقوم كل (٤) إنسان في خاصته من خروج روحه، وفراق أهله، وانقطاع سعيه، وحصوله على عمله إن كان خيرًا فخير، وإن كان شرًّا فشر، والقيامة الكبرى هي التي تعم الناس وتأخذهم أخذة واحدة" (٥).
وقد ذكر الله تعالى القيامتين الصغرى والكبرى في القرآن الكريم، فتجده يذكر القيامتين في السورة الواحدة؛ كما في سورة الواقعة؛ فإنه ذكر في أولها القيامة الكبرى، فقال تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧)﴾ [الواقعة: ١ - ٧].
_________________
(١) رواه مسلم: (١٤/ ٨٩٩).
(٢) "المفردات" ص (٤٣٤، ٤٣٥) بتصرف.
(٣) أي: من مات فقد دخل في حكم الآخرة.
(٤) كذا، ولعلها: بكل.
(٥) "التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة"، نقلًا عن "القيامة الصغرى"، للأشقر، ص (٢).
[ ٢٠ ]
ثم في آخرها ذكر القيامة الصغرى، وهي الموت، فقال: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥)﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٨٥].
وذكر القيامتين - أيضًا- في سورة القيامة، فقال: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١)﴾ [القيامة: ١]، وهذه القيامة الكبرى.
ثم ذكر الموت، فقال: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦)﴾ [القيامة: ٢٦]، وهو القيامة الصغرى.
[ ٢١ ]
فارغ
[ ٢٢ ]
أولا: تحقيق ركن من أركان الإيمان الستة، وهو الإيمان باليوم الآخر
الْفَصْل الرَّابعُ
ثَمَرَاتُ الإِيمَانِ بِأَشْرَاطِ السَّاعَةِ
إن قيامَ الساعةِ الذي يعني نِهَايَةَ نِظَامِ هذا العالم، هو من أعظم الأحداث بعد خلق العالم، بل إن تغيير النظام الكوني وإيجاد نظامٍ آخر حَدَثٌ يَعْدِلُ خلق العالم أول مرة؛ ولذلك تسبقه أحداثٌ كبرى خارقةٌ للعادة، تكون كالمقدمة له.
والإيمان بأشراط الساعة داخلٌ ضمن الإيمان باليوم الآخر؛ فهو من الإيمان بالغيب؛ ولهذا الإيمان ثمرات وفوائِدُ نحاول أن نُجْمِلَهَا فيما يلي: أولًا: تحقيق ركن من أركان الإيمان الستة، وهو الإيمان باليوم الآخر، باعتبار أن أشراط الساعة من مقدماته، كما أنه من الإيمان بالغيب الذي قال فيه -﷿-: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]،
وقال رسول الله -ﷺ-: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ» (١).
وفي الصحيح أن جبريل ﵇ سأل رسول الله -ﷺ- عن الإسلام والإيمان والإحسان وأمارات الساعة، وأن
_________________
(١) رواه البخاري (٣/ ٢١١)، ومسلم (٢١)، والترمذي (٢٦١٠)، والنسائي (٥/ ١٤)، وأبو داود (٢٦٤٠).
[ ٢٣ ]
ثانيا: إشباع الرغبة الفطريه (٢) في الإنسان
النبي -ﷺ- قال في آخره: «فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ» (١) والشاهد أنه عدَّ ما يتعلق بأمارات الساعة من الدين.
ثانيًا: إشباع الرغبة الفطريه (٢) في الإنسان التي تتطلع لاستكشاف ما غاب عنه (٣)، واستطلاع ما يحدث في المستقبل من وقائع وكائنات، وإذا
_________________
(١) رواه مسلم، رقم (٨) كتاب الإيمان.
(٢) وهذا ما يعبر عنه "علم النفس" بحب الاستطلاع Curiosity، ويقولون في تعريفه: "ميل يدفع الفرد إلى المعرفة، وخاصة معرفة الجديد من الأمور والأشياء، وإلى استطلاع كل غريب، ومعرفة المزيد عنه بالبحث والتقصي، واكتشاف المجهول، وفض غموضه". ويكمن حب الاستطلاع وراء ثراء المعرفة البشرية ونموها، وتقدم الاختراعات والصناعات، ويميل البعض إلى اعتبار حب الاستطلاع "غريزة" ودافعًا فطريًّا موروثًّا تستثيره المواقف والأشياء الغامضة أو المجهولة، انظر: "موسوعة علم النفس" د/ فرج طه، ص (٢٩٧ - ٢٩٨).
(٣) ونحن نرى الجهود الهائلة التي يبذلها العلماء المعاصرون؛ للكشف عن الغيب المجهول في الماضي البعيد، والغيب المجهول في الحادثات المقبلة، والغيب المجهول في الفضاء المحيط بنا؛ فيصنعون المناظر المكبرة، والمراصد الهائلة، ويطلقون سفن الفضاء، والأقمار الصناعية؛ كي يعلموا ما لا يعلمون؛ فلا شك أن الاطلاع على حقائق هذا الغيب من الجهة المعصومة التي لا تخطئ، ولا تكذب أبدًا، وهي الوحي الصادق، أولى وأحرى، قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٤]، إن الإنسان يتشوف دومًا إلى رؤية ما سمع عنه؛ فإن عجز، فربما أبدع خياله التصورات، حتى لو كان تخيله سخيفًا، لكنه يظن أن تخيلاته تسد جَوْعَة عقله، وتشبع فضوله؛ فعندما جهل الإنسان كيفية حدوث الزلازل زعم أن الأرض محمولة على قرن ثور عظيم؛ فإذا تعب من حملها، نقلها إلى قرنه الثاني؛ فتهتز وهو ينقلها، أما الذي يتنزه عن الخيالات،=
[ ٢٤ ]
ثالثا: أن الإخبار عن الغيوب المستقبلة -باعتبار ما فيها من خرق للعادة- من أهم دلائل النبوة
كان الإسلام سَدَّ طُرُقَ الدجالين الذين يدَّعون الاطلاع عليها؛ كالمنجمين، والعرَّافين، والكُهَّان، ونحوهم، إلا أنه -استجابة لأشواق الفطرة- أطلعنا -من خلال نافذة الوحي- على كثير من هذه الأحداث (١).
إن إخفاء وقت الساعة له أثر بليغ في إصلاح النفس البشرية، فالأمر العظيم الذي يستيقن المرء وقوعه، ولكنه لا يدري متى يفجؤه؛ يجعل المرء مترقبًا له، متشوفًا إليه؛ لأن المجهول عنصر أساسٌ في حياة البشر، وفي تكوينهم النفسي، فلا بد من مجهول في حياتهم يتطلعون إليه، ولو كان كل شيء مكشوفًا لهم -وهم بهذه الفطرة- لَوَقَفَ نشاطهم، وأسنت حياتهم.
ثَالِثًا: أن الإخبار عن الغيوب المستقبلة -باعتبار ما فيها من خرقٍ للعادة- من أهم دلائل النبوة؛ حيث إنها تتضمن تَحَدِّيا لعقول البشر أجمعين، فهذه أمور غيبية لا تُدْرَكُ بالعقل، ولا يمكن معرفة كُنْهِها على الحقيقية إلا من خلال الوحي الصادق من الله تعالى إلى رسوله -ﷺ-، وقد صدرت منه لا على أنها توقعات تعتمد على مقدمات تؤدي إلى نتائجها، وإنما هي حديث دقيق قاطع عن تفاصيل المستقبل المجهولِ، حديث لا يَخْرِمُهُ المستقبل، ولا في جزء
_________________
(١) = والظنون؛ فإنه لا يَبْتَدِعُ التخيلات؛ كي لا يهدر طاقته العقلية فيما لا طائل من ورائه، ولكنه يتحمل عبء الغموض، ويصبر حتى يجعل الله له مخرجًا، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ الآايات [البقرة: ٢٦٠].
(٢) انظر: "المقدمة" لابن خلدون، ص (٥٨٧، ٥٨٨).
[ ٢٥ ]
من أجزائه، وحينئذٍ فلا شَكَّ أنها النبوة، وأن صاحبها مُتَّصلٌ بالله تعالى عالم الغيب والشهادة؛ كما قال -﷿-: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾ الآيتان: [الجن: ٢٦ - ٢٧].
وقال -سبحانه وتعالي-: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢)﴾ [المؤمنون: ٩٢].
ومن ثمرات وقوع تلك الْمغُيَّبَاتِ -على كثرتها- مُطَابِقَةً لخبر الصادق المصدوق -ﷺ- أن يثبت إيمان المؤمن، ويطمئن قلبه، ويزداد يقينه، ويقول كما قص الله عن المؤمنين: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢)﴾ [الأحزاب: ٢٢].
ومن ثمرات ذلك أيضًا: إقامة الحجة على الكافرين، وإقناعهم بصدق نبوة ورسالة محمد -ﷺ- إلى العالمين.
رَابِعًا: تَعَلُّمُ الكيفية الصحيحة التي دَلَّنَا عليها رسول الله -ﷺ-؛ كي نتعامل بها مع بعض الأحداث المقبلة التي قد يلتبس علينا وجه الحق فيها.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]، وعن عبد الله بن عمرو -﵄- قال: "كنا مع رسول الله -ﷺ- في سَفَرٍ، فَنَزَلْنَا منزلَّا " الحديث، وفيه: "إذ نادى منادي رسول الله -ﷺ-: الصلاة جامعة، فاجتمعنا إلى رسول الله -ﷺ-، فقال: " إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ
[ ٢٦ ]
لَهُمْ، وَإِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ جُعِلَ عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِهَا، وَسَيُصِيبُ آخِرَهَا بَلَاءٌ، وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا، وَتَجِيءُ فِتْنَةٌ فَيُرَقِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ مُهْلِكَتِي، ثُمَّ تَنْكَشِفُ وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ، فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ هَذِهِ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ، وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ، فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ " الحديث (١).
لقد نصح رسولُ الله -ﷺ- أصحابَه الذين عاصروه نصائحَ انتفعوا بها كثيرًا:
- فقد بَشَّرَ عثمان -﵁- بالجنة، على بلوَى تصيبه.
- وأخبر عمَّارًا -﵁- أنه تقتله الفئة الباغية.
- وأمر أبا ذزّ -﵁- بأن يعتزلَ الفتنة، وأن لا يقاتل، ولو قُتِلَ.
- وكان حذيفَةُ -﵁- يسأله عن الشر؛ مخافَةَ أن يدرِكَهُ، ودلَّه -ﷺ- كيف يفعل في الفتن.
- ونهى المسلمين عن أخذ شيء من جبل الذهب الذي سوف ينحسر عنه الفرات.
- وبصَّر أمته بفتنة الدجال، وأفاض في وصفها، وبَيَّنَ لهم ما يعصمهم منها؛ ومِن ثَمَّ قال عبد الرحمن المحاربي: "يَنْبَغِي أَنْ يُدْفَعَ هَذَا الْحَدِيثُ (٢) إِلَى الْمُؤَدِّبِ، حَتَّى يُعَلِّمَهُ الصِّبْيَانَ فِي الْكُتَّابِ." (٣).
_________________
(١) رواه مسلم (١٨٤٤)، وأبو داود (٤٢٤٨)، والنسائي (٧/ ١٥٣).
(٢) يعني: حديث أبي أمامة -﵁- في شأن الدجال.
(٣) رواه ابن ماجه (٢/ ٥١٦).
[ ٢٧ ]
فائدة قوله -ﷺ-: " واتركوا الترك ما تركوكم» وكيف أن المسلمين لما أضاعوا نصيحة رسول الله اجتاح التتار بلاد الإسلام
وقال السفاريني -رحمه الله تعالى-: "مما ينبغي لكل عالم: أن يبث أحاديث الدجَّال بين الأولاد، والنساء، والرجال، ولا سيما في زماننا هذا الذي اشرأبت فيه الفتن، وكثرت فيه المحن، واندرست فيه معالم السنن" (١). اهـ.
وامتدت شفقته -ﷺ- لتشمل إخوانه الذين يأتون من بعده، ولم يروه؛ فبذل لهم النصحَ، ودلَّهم على ما فيه نجاتهم، وحسنُ عاقبتهم (٢).
فمن ذلك قوله -ﷺ-: " وَاتْرُكُوا التُّرْكَ مَا تَرَكُوكُمْ» (٣) الحديث.
فمن ثم أمسك المسلمون عن استفزاز واستثارة الترك، فَسَلِمُوا من غائلتهم، إلى أن خالفوا التوجيه النبوي، قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى-: "وقد قَتَلَ جنكيز خان من الخلائق ما لا يَعْلَمُ عددَهم إلا الذي خلقهم، ولكن كان البُداءة من خوارزم شاه، فإنه لما أرسل جنكيز خان تُجَّارًا من جهته معهم بضائعُ كثيرةٌ من بلاده، فانتهوا إلى إيرانَ، فقتلهم نائبها من جهة خوارزم شاه، وأخذ جميعَ ما كان معهم، فأرسل جنكيز خان إلى خوارزم شاه يستعلمه: هل وقع هذا الأمر عن رضًى
_________________
(١) "لوامع الأنهار البهية" (٢/ ١٠٦، ١٠٧).
(٢) انظر شيئًا من ذلك بهامش ص (٣٧).
(٣) شَطْر حديثٍ رواه أبو داود، رقم (٤٣٠٢)، في كتاب الملاحم، باب في النهي عن تهييج الترك والحبشة، وحسَّنه الألباني في صحيح أبي داود (٣٦١٥)، وانظر "السلسلة الصحيحة" (٧٧٢).
[ ٢٨ ]
منه، أو أنه لا يعلم به، فأنكره؟ وقال فيما أرسل إليه من المعهود من الملوك أن التجار لا يُقتلون؛ لأنهم عمارةُ الأقاليم، وهم الذين يحملون إلى الملوك ما فيه التحف والأشياء النفيسة، ثم إن هؤلاء التُّجَّار كانوا على دينك، فقتلهم نائبك، فإن كان أمرًا أمرتَ به، طلبنا بدمائهم، وإلا فأنت تُنْكِرُهُ، وتقتصُّ من نائبك.
فلما سمع خوارزم شاه ذلك من رسول جنكيز خان، لم يكن له جواب سوى أنه أمر بضرب عُنُقِهِ، فأساء التدبيرَ، وقد كان خَرَّفَ وكَبُرَتْ سِنُه، وقد ورد الحديث: "اتْرُكُوا الترْكَ مَا تَرَكوكمْ "، فلما بلغ ذلك جنكيز خان، تجهز لقتاله، وأَخْذِ بِلادِهِ، فكان بِقَدَرِ الله تعالى ما كان من الأمور التي لم يُسْمَعْ بأغرَبَ منها، ولا أبشعَ" (١).
فهنا نرى أن المسلمين لما خالفوا أمر النبي -ﷺ- بترك التُّرك؛ جاءت العاقبةُ عنيفةً مريرةً، حيث اجتاح التتار ديار الإسلام في كارثة لم يسبق لها مثيل في التاريخ (٢).
وفي أكثر من موضع ذكر الحافظ ابن كثير وقائع القتال بين المسلمين والتتار، وبيَّن أن المسلمين لم يكونوا يتعقبون التتار إذا فروا هاربين أمامهم، ولو كانت الرماحُ تنالهم؛ ومثال ذلك ما ذكره في حوادث سنة ثلاث وأربعين وستمائة: "وفي هذه السنة كانت وقعةٌ عظيمةٌ بين جيش الخليفة وبين التتار -لعنهم الله-؛ فكسرهم المسلمون كسرةً عظيمةً،
_________________
(١) "البداية والنهاية" (١٣/ ١١٩).
(٢) انظر تفصيل ذلك في "المصدر نفسه" (٨٦/ ١٣ - ٩١)، وصدق عمرو بن العاص الذي قال لابنه عبد الله -﵄-: "الخَرَقُ: معاداةُ إمامك، ومناوأة من يقدر على ضررك"، كما في "الإحياء" (٣/ ١٨٨).
[ ٢٩ ]
خامسا: فتح باب الأمل، والاستبشار بحسن العاقبة لأهل الإيمان
سادسا: قد تمر بالمسلمين وقائع في مقبل الأيام تحتاج إلى بيان الحكم الشرعي فيها
وفَرَّقُوا شملهم، وهُزِمُوا من بين أيديهم، فلم يلحقوهم؛ ولم يتبعوهم، خوفًا من غائلة مكرهم، وعملًا بقوله -ﷺ-: "اتْرُكوا الترْكَ مَا تَرَكوكم " (١).
خامسًا: فتح باب الأمل، والاستبشار بحسن العاقبة لأهل الإيمان، إذا ادْلَهَمَّتِ الخطوب، وضاقت الصدور، مما يعطي المسلمين طاقة يصارعون بها ما يسميه المتخاذلون "الأمر الواقع"؛ ليصبح عزهم ومجدهم هو الأمر الواقع؛ وذلك بناءً على البشارات النبوية بالتمكين للدين، وظهوره على الدين كله، ولو كره الكافرون.
سادسًا: قد تمرُّ بالمسلمين وقائع في مقبل الأيام تحتاج إلى بيان الحكم الشرعي فيها، ولو تُرِكَ المسلمون إلى اجتهادهم؛ فإنهم قد يختلفون، وربما يكون بيان الحكم الشرعي في تلك الأحداث واجبًا لا بد منه، وعدم البيان يكون نقصًا تُنَزَّهُ الشريعة عنه.
فمن ذلك: أن رسول الله -ﷺ- أخبر أن الدجَّال يمكث في الأرض أربعين يومًا؛ يوم من أيامه كسَنَة، ويوم كشهر، ويوم كأسبوع، وبقية أيامه كأيامنا، وقد سأل الصحابة -﵃- رسول الله -ﷺ- عن تلك الأيام الطويلة: أتكفي في الواحد منها صلاةُ يوم؟ فقال -ﷺ-: "لَا، اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ"، ولو وُكِّل العباد إلى اجتهادهم؛ لاقتصروا على الصلوات الخمس عند الأوقات المعروفة في غير هذه الأيام.
_________________
(١) "نفسه" (١٦٨/ ١٣).
[ ٣٠ ]
وأخبر الرسول -ﷺ- أن عيسى ﵇ بعد نزوله لا يقبل الجزية من اليهود والنصارى، ولا يقبل منهم إلا الإيمان، وهذا البيان من الرسول -ﷺ- ضروري؛ لأن عيسى يحكم بهذا الشرع، وهذا الشرع فيه قبولُ الجزية ممن بَذَلَها إلى حين نزول عيسى ابن مريم، وحين ذاك تُوضَعُ الجزية، ويُقتل كل من رفض الإيمان، ولو بَذَلَ الجزيةَ (١).
كما أن نص رسول الله -ﷺ- على صفاتٍ معينةٍ لأشخاصٍ معينين، كالمهدي مثلا، يمدنا بالمعيار اللازم للحكم على الدجَّالين المدعين المهديةَ؛ حتى لا نتورَّطَ في فِتَنِهِمْ.
لاَ يَعْلَمُ مَتَى السَّاعَةُ إِلَّا الله وَحْدَهُ
قال الله -﷿-: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤].
وقال سبحانه: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣)﴾ [الأحزاب: ٦٣].
وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾ [الأعراف: ١٨٧].
فقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾، وقوله -﷿-: ﴿إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤)﴾، (فيه إيذان بأن ما هو من شأن الرب لا يكون للعبد؛ فهو تعالى قد رباه ليكون منذرَا ومبشرًا، لا للإخبار عن الغيوب بأعيانها
_________________
(١) انظر: "القيامة الصغرى" للدكتور عمر الأشقر -حفظه الله- ص (١٣٢).
[ ٣١ ]
لا يتحقق "الإنذار" إلا بإبهام وقت الساعة
الحكمة التشريعيةة تقتضي إخفاء وقت الساعة وأجل كل إنسان
وأوقاتها، والإنذارُ إنما يُنَاطُ بالإعلام بالساعة وأهوالها، والنار وسلاسلها وأغلالها، ولا تتم الفائدة منه إلا بإبهام وقتها؛ ليخشى أهل كل زمن إتيانَها فيه، والإعلامُ بوقت إتيانها، وتحديدُ تاريخها ينافي هذه الفائدة، بل فيه مفاسدُ أخرى؛ فلو قال الرسول -ﷺ- للناس: إن الساعة تأتي بعد ألفي سنة من يومنا هذا مثلًا -وألفا سنة في تاريخ العالم، وآلاف السنين تُعَدّ أجلًا قريبًا- لرَأَينا المكذبين يستهزئون بهذا الخبر، ويلحون في تكذيبه، والمرتابين يزدادون ارتيابًا، حتى إذا ما قَرُبَ الأجل وقع المؤمنون في رعب عظيم يُنَغّصُ عليهم حياتهم، ويوقع الشلل في أعضائهم، والتشنجَ في أعصابهم؛ حتى لا يستطيعون عملًا، ولا يسيغون طعامًا ولا شرابًا، ومنهم من يخْرجُ من ماله وما يملكه، في حين يكون الكافرون آمنين، ويسخرون من المؤمنين.
فالحكمة البالغة -إذن- في إبهام أمر الساعة للعالم، وكذا الساعة الخاصة بأفراد الناس، أو بالأمم والأجيال، أو جعلها من الغيب الذي استأثر الله تعالى به) (١) اهـ.
وقوله تعالى: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ معناه: لا يكشف حجابَ الخفاء عنها، ولا يظهرها في وقتها المحدد عند الرب تعالى إلا هو، فلا وساطة بينه وبين عباده في إظهارها ولا في الإعلام بميقاتها وإنما وساطة الرسل ﵈ في الإنذار بها (٢)؛ فمِن ثَمَّ قال تعالى:
_________________
(١) "تفسير المنار" (٩/ ٣٨٩، ٣٩٠).
(٢) "نفسه" (٩/ ٣٩٠).
[ ٣٢ ]
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥)﴾ [النازعات: ٤٢ - ٤٥]. ونقل الشيخ محمد رشيد رضا -رحمه الله تعالى- عن الألوسي -رحمه الله تعالى- قوله: "وإنما أخفى سبحانه أمر الساعة لاقتضاء الحكمة التشريعية ذلك؛ فإنه أدعى إلى الطاعة، وأزجر عن المعصية، كما أن إخفاء الأجل الخاص للإنسان كذلك، ولو قيل بأن الحكمة التكوينية تقتضي ذلك -أيضًا- لم يبعد، وتدلُّ الآيات على أنه -ﷺ- لم يَعْلَمْ وقت قيامها، نَعَم علم -ﷺ- قربها على الإجمال، وأخبرﷺ- به" (١).
وقال صاحب المنار -رحمه الله تعالى- أيضًا:
"فيجب على المؤمنين أن يخافوا ذلك اليومَ، وأن يحملهم الخوف على مراقبة الله تعالى في أعمالهم؛ فيلتزموا فيها الحقَّ، ويتحروا الخيرَ، ويتقوا الشرور والمعاصي، ولا يجعلوا حظهم من أمر الساعة الجدالَ، والقيل والقالَ، وإننا نرى بعض المتأخرين قد شغلوا المسلمين عن ذلك ببحث افتجره بعض الغلاة، وهو أن النبي -ﷺ- لم يَبْقَ طولَ عمره لا يعلم متى تقوم الساعة؟ كما تدلُّ عليه آيات القرآن الكثيرة؛ بل أعلمه الله تعالى به، بل زعم أنه أطلعه على كل ما في علمه، فصار علمه كعلم ربِّه (٢)، أي صار نِدًّا وشريكًا لله تعالى في صفة
_________________
(١) "نفسه" (٩/ ٣٩٣) بتصرف.
(٢) راجع: "المهدي" للمؤلف ص (٢٨٢، ٢٨٣).
[ ٣٣ ]
العلم المحيط بالغيوب التي لا نهاية لها، ومن أصول التوحيد أنه تعالى لا شريكَ له في ذاته ولا في صفة من صفاته، والرسول -ﷺ- عبدُ الله، لا يعلم من الغيب إلا ما أوحاه الله تعالى إليه، لأداء وظيفة التبليغ.
ولكن الغلاةَ يرون من التقصير في مدح النبي -ﷺ- وتعظيمه أن تكون صفاته دون صفات ربه وإلهه، وخالق الخلق أجمعين، فكذَّبوا كلام الله تعالى، وشبَّهوا به بعض عبيده؛ إرضاءً لغلوهم، ومثل هذا الغلو لم يُعْرَفْ عن أحد من سلف هذه الأمة، ولو أراد الله تعالى أن يُعْلِمَ رسوله -ﷺ- بوقت قيام الساعة، بعد كل ما أنزله عليه في إخفائها، واستئثاره بعلمه، لما أكَّده كلَّ هذا التأكيد في هذه السورة وغيرها؛ كقوله -﷿-: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ (١) ". اهـ.
الْحِكْمَةُ في تَقْدِيمِ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَدِلاَلَةِ النَّاسِ عَلَيهَا
ثبت في حديث جبريلَ المشهورِ أنه قال لرسول الله -ﷺ-: "فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ"، فقال -ﷺ-: "مَا المسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ"، قال: "فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا" (٢)، وفي رواية قال: "مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِاَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَلَكِنْ سَأُحَدِّثُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا " الحديث (٣).
_________________
(١) "تفسير المنار" (٩/ ٣٩١، ٣٩٢).
(٢) روى هذا اللفظ مسلم في "صحيحه " (٨).
(٣) رواه البخاري (٥٠)، ومسلم (٨).
[ ٣٤ ]
قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-: "والحكمة في تقدم الأشراط إيقاظُ الغافلين، وحثُّهم على التوبةِ والاستعداد" (١).
ونقل القرطبي -رحمه الله تعالى- عن العلماء قولهم: "والحكمة في تقديم الأشراط ودلالة الناس عليها: تنبيهُ الناس عن رقدتهم، وحثُّهم على الاحتياط لأنفسهم بالتوبة والإنابة؛ كي لا يُباَغَتُوا بالْحَوْلِ بينهم وبين تدارك العوارض منهم، فينبغي للناس أن يكونوا بعد ظهور أشراط الساعة قد نظروا لأنفسهم، وانقطعوا عن الدنيا، واستعدوا للساعة الموعود بها، والله أعلم، وتلك الأشراط علامة لانتهاء الدنيا وانقضائها" (٢).
_________________
(١) "فتح الباري" (١١/ ٣٥٠).
(٢) "التذكرة" ص (٦٢٤).
[ ٣٥ ]
فارغ
[ ٣٦ ]
الْفَصْل الخَامِس
سُوءُ فَهْمِ الْعَوَامِّ لاَ يُسَوِّغُ إِنْكَارَ النصوص وتَأوِيلَهَا
ذلك أن بعض الناس يجعلون تصديقهم بأمر المهدي مُسَوِّغَا لإعراضهم عن الدعوة إلى الإسلام، وإنكارِ المنكرات، ومنهم من يُسْقِطُ التكاليفَ ويهدرها مُدَّعين أنهم ينتظرون خروجَ المهدي؛ ليغير وجه العالم، نقول لهؤلاء: إن الأمور الكونية القدرية التي أخبر بها الوحي واقعة لا محالة، وغاية ما كلَّفنا الله به إزاءها التصديقُ بها قبل وقوعها (١)، والالتزام بما نصحنا به رسول الله -ﷺ- بعد وقوعها، ولم يأمرنا قطُّ بتكلُّف إيجادها، وهناك الكثير من العقائد الثابتة قد يسيء العوام فهمها؛ فيترتب على ذلك الانحرافُ عن الصراط المستقيم، وما مَثَلُ الاعتقاد في ظهور المهدي، ونزول عيسى ﵇، إلا كَمَثَلِ الاعتقاد في القضاء والقدر؛ فقد يسيء الكثيرون فَهم هذه العقيدةِ، وبدلَا من أن تكون حافزَا على الجد والاجتهاد، والتسابق إلى الطاعات، اتخذوها مَطِيَّةَ إلى التواكل، وإهدار التكاليف، بل منهم من استحلَّ بها المحرماتِ، فهل يُعالَج هذا بإنكار الاعتقاد في القضاء والقدر؟ كما زعمت القدرية؟ كيف وهو من أصول الإيمان الستة؟!
_________________
(١) وذلك مثل أمره ﵌ مَن سمع بالدجال أن ينأى عنه، ومن أدركه أن يقرأ عليه فواتح سورة الكهف، وكذا أمره المؤمنين -من حضر منهم انحسار الفرات عن كنز من ذهب- ألا يأخذ منه شيئًا.
[ ٣٧ ]
بل الصواب أن نؤمن بالقدر ونثبته؛ فلا يصح بحال أن نحتجَّ بالقدر في مخالفة الشرع الحنيف، وإبطال تكاليفه كما هو شأن المشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الآية [الأنعام: ١٤٨]، والذين قال الله فيهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ الآية [يس: ٤٧] وقد رد الله ذلك عليهم وأبطله، ولم
يقبلْهُ منهم.
والحاصلُ أن العدل هو الوسط؛ فنصدِّقُ بما أخبر به الصادق المصدوق ﵌ على وجهه؛ فلا ننفي ما أثبته، ولا نثبت ما نفاه، ولا نفتري عليه الكذبَ بالأحاديث الموضوعة والأقوال المتهافتة، ولا نَعْرِض لسنته ﵌ بالشبهات المُغْرِضَةِ، ولا نحتج بأخباره على إبطال شرعه، ونقض أحكامه؛ فإن الله -﷿- لم يجعل لعمل المؤمن منذ كُلِّف أجلًا دون الموت: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ [الحجر: ٩٩].
يتضح مما تقدم أن الإيمان بأشراط الساعة يُحَفِّزُ على الاجتهاد في الأخذ بأسباب النجاة، واستفراغ الوُسْعِ في الاستعداد للقاء الله تعالى بالأعمال الصالحة، والسعي لتمكين دين الله في الأرض، وذلك بخلاف ما يحصل من بعض الناس الذين يتكئون على أشراط الساعة، ويتوقفون عن العمل والسعي؛ بحجة انتظار المهدي، ونزول عيسى مثلًا؛ تمامًا كما يحصل من الكسالى الذين يسيئون فهم قضية "القضاء والقدر"، ويتخذون منها وسيلة لتسويغ تواكلهم وتوانيهم وتقصيرهم.
[ ٣٨ ]
ومن الأدلة الواضحة على أن التصديق بأشراط الساعة ينبغي أن يكون حافزًا للعمل والاجتهاد:
ما رواه أبو هريرة -﵁- قال رسول الله -ﷺ-: " بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتًّا: طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، أَوِ الدُّخَانَ، أَوِ الدَّجَّالَ، أَوِ الدَّابَّةَ، أَوْ خَاصَّةَ أَحَدِكُمْ أَوْ أَمْرَ الْعَامَّةِ " (١)، وفي رواية: " بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتًّا: الدَّجَّالَ، وَالدُّخَانَ، وَدَابَّةَ الْأَرْضِ، وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَأَمْرَ الْعَامَّةِ، وَخُوَيْصَّةَ أَحَدِكُمْ ".
وقوله -ﷺ-: "بَادِرُوا بِالْأعْمَالِ سِتًّا" أي: سابقوا ستَّ آيات دالة على وجود القيامة، وسارعوا بالأعمال الصالحة قبل وقوعها وحلولها؛ فإن العمل بعد وقوعها وحلولها لا يُقبل، ولا يُعتبر.
وقوله -ﷺ-: "أَوْ خَاصَّةَ أَحَدِكُمْ "، وفي رواية: "خُويصَةَ" تصغير خاصة الإنسان؛ وهي ما يَخُصُّهُ دون غيره، وأراد به الموتَ الذي يخصّه، ويمنعه من العمل، إن لم يبادر به قبله (٢).
وصُغِّرت لاستصغارها في جنب سائر العظائم، من بعث وحساب، وغيرهما.
قال القاضي: "أمرهم أن يبادروا بالأعمال قبل نزول هذه الآيات؛ فإنها إذا نزلت أدهشت، وأشغلت عن الأعمال، أو سُدَّ عليهم باب التوبة، وقبول العمل" (٣).
_________________
(١) رواه مسلم (٢٩٤٧)، (٤/ ٢٢٦٧).
(٢) "جامع الأصول" (١٠/ ٤١٢).
(٣) "فيض القدير" (٣/ ١٩٤).
[ ٣٩ ]
وقال العلائي: "مقصود هذه الأخبار الحث على البُداءة بالأعمال قبل حلول الآجال، واغتنام الأوقات قبل هجوم الآفات" (١).
وعن البراء بن عازب -﵁- قال: "بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ الله -ﷺ-، إِذْ بَصُرَ بِجَمَاعَةٍ فَقَالَ: عَلَامَ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ هَؤُلَاءِ؟ قِيلَ: عَلَى قَبْرٍ يَحْفِرُونهُ، قَالَ: فَفَزعَ رَسُولُ الله -ﷺ-، فَبَدَرَ بَيْنَ يَدَيْ أَصْحَابِهِ مُسْرِعًا، حَتَى انْتَهَى إِلَى الْقَبْر، فَجَثَا عَلَيْه، قَالَ: فَاسْتَقْبَلْتُهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ؛ لِأَنْظُرَ مَا يَصْنَعُ، فَبَكَى حَتَى بَل الثَرَى مِنْ دُمُوعِهِ ثم أَقْبَلَ عَلَيْنَا، ثم قَالَ: أَيْ إخْوَانِي لِمِثْلِ الْيَوْمِ فَأَعِدُّوا" (٢).
وعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا» (٣).
وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَيْقَظَ لَيْلَةً، فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الفِتْنَةِ، مَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الخَزَائِنِ، مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الحُجُرَاتِ؟ يَا رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ» (٤).
_________________
(١) "نفسه" (٣/ ١٩٥).
(٢) أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" (١/ ٢٢٩)، وابن ماجه (٤١٩٥)، وأحمد (٤/ ٢٩٤)، وحسنه الألباني في "الصحيحة" رقم (١٧٥١).
(٣) رواه مسلم (١١٨)، في الإيمان.
(٤) رواه البخاري (١١٢٦)، (٣/ ١٠ - الفتح).
[ ٤٠ ]
فقوله -ﷺ-: "مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الحجُرَاتِ؟ " إلخ، يفهم منه إيقاظهن للصلاة والتهجد؛ لمدافعة الفتن، كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ الآية [البقرة: ٤٥].
وبلغ حرصُ رسول الله -ﷺ- على حث المسلمين على العمل المثمر ما أمكن العمل إلى حد قوله -ﷺ-: "إنْ قَامَتِ السَّاعَة وَفي يَدِ أَحَدِكُم فَسِيلَةٌ (١) فَإِن اسْتَطَاعَ أَنْ لا يَقُومَ (٢) حَتَّى يَغْرِسَهَا فَليَغْرِسْهَا" (٣)، فإذا كان هذا والحياةُ تَلْفِظُ أنفاسها الأخيرة، فكيف إذا كان بيننا وبين الساعة آمادٌ مجهولةٌ لا يعلمها إلا الله تعالى؟
فالمسلمُ يَغْتَنِمُ لحظته الحاضرةَ بقطع النظر عن ماضٍ تولَّى، ومستقبلٍ
هو غيبٌ، قال الشاعر:
إِنَّمَا هذِهِ الحَيَاةُ مَتَاعٌ فالجهُولُ المغرُورُ مَنْ يَصْطَفِيهَا
مَا مَضَى فَاتَ وَالؤُمَّلُ غَيبٌ وَلَكَ السَّاعَةُ الَّتِي أَنْتَ فِيهَا
وعن داود قال: قال لي عبد الله بن سلام: "إن سمعت بالدجَّال قد خرج وأنت على وَدِيَّةِ (٤) تغرسها، فلا تعجل أن تصلحه؛ فإن للناس بعد ذلك عيشًا" (٥).
_________________
(١) الفسيلة: النخلة الصغيرة.
(٢) أي: من محله الذي هو جالس فيه.
(٣) رواه الإمام أحمد (٣/ ١٨٣)، والطيالسي (٢٠٦٨)، والبخاري في "الأدب المفرد" (٤٧٩)، وصححه الألباني على شرط مسلم في "الصحيحة" رقم (٩).
(٤) الوَدِيَّة: الفسيلة الصغيرة.
(٥) قال الألباني: "سنده صحيح" اهـ، من "الصحيحة" (١/ ١٢).
[ ٤١ ]
وروى ابن جرير عن عُمارة بن خزيمة بن ثابت -﵁- قال: سمعت عمر بن الخطاب -﵁- يقول لأبي: "ما يمنعك أن تغرس أرضك؟ " فقال له أبي: "أنا شيخ كبير أموت غدًا"، فقال له عمر: "أَعزِمُ عَلَيْكَ لَتَغْرِسَنَّهَا"، فلقد رأيت عمرَ بن الخطاب﵁- يغرسها بيده مع أبي (١).
وعن الحارث قال: كان الرجل منا تُنْتَجُ (٢) فرسُه فينحرها، فيقول: أنا أعيش حتى أركب هذا؟! فجاءنا كتاب عمر -﵁-: "أن أصلحوا ما رزقكم الله، فإن في الأمر تنفسًا" (٣).
_________________
(١) عزاه الألباني إلى "الجامع الكبير" للسيوطي (٣/ ٣٣٧/ ٢).
(٢) أي: تَلِد.
(٣) "صحيح الأدب المفرد" (٣٧٠)، ص (١٨٠).
[ ٤٢ ]
تنبيه لا شك أنه كلما تقدم الزمن فإنا نصير أقرب إلى الأشراط التي لما تقع
تَنْبِيهٌ
لا شك أنه كلما تقدم الزمن فإنا نصير أقربَ إلى الأشراط التي لَمَّا تقع، وهذا يستوجب مزيدًا من الحذر والاستعداد، ولعل أخطرَ هذه الأشراط طلوعُ الشمس من مغربها، وهو المقصود بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٨٥]، وقال رسول الله -ﷺ-: " لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ مِنْ مَغْرِبِهَا آمَنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ فَيَوْمَئِذٍ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ (١).
وقال -ﷺ-: "لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَة مَا تقُبّلَتِ التَّوْبَةُ، وَلَا تَزَالُ التَّوْبَةُ مَقْبُولَةً حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن المغْرِبِ، فَإِذَا طَلَعَتْ طُبعَ عَلَى كللّ قَلْبٍ بِمَا فِيهِ، وَكُفِيَ النَّاسُ الْعَمَلَ" (٢).
قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى-: "إذا أنشأ الكافر إيمانًا يومئذٍ لا يُقْبَلُ منه، فأما من كان مؤمنًا قبل ذلك، فإن كان مصلحًا في عمله، فهو بخير عظيم، وإن كان مُخَلِّطًا فأحدث توبةً حينئذٍ، لم تُقبل منه توبة" (٣).
_________________
(١) رواه من حديث أبي هريرة -﵁- البخاري (١١/ ٣٥٢ - الفتح)، ومسلم (٢/ ١٩٤ - نووي).
(٢) رواه الإمام أحمد (٣/ ١٣٣، ١٣٤)، رقم (١٦٧١)، وقال الشيخ أحمد شاكر: "إسناده صحيح".
(٣) "تفسير القرآن العظيم" (٣/ ٣٧١).
[ ٤٣ ]
على المؤمن أن يميز بين ما يعنيه، وما لا يعنيه
فهذا غاية أجل التوبة في حق عمر الدنيا، أما غايته في حق كل إنسان فَبَيَّنهُ قول النبي -ﷺ-: «إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ» (١)، أي: ما لم تبلغ رُوْحُهُ حُلْقُومَهُ.
وعليه فإن الواجب على المؤمن أن يميز بين ما يَعْنيْه، وما لا يَعْنيْه، وقد قال رسول الله -ﷺ-: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» (٢).
ومن صور اشتغال المرء بما لا يعنيه أن يديمَ البحث: متى الساعة؟ مع أنه غيب استأثر الله بعلمه، وإنما اشتغالُهُ بما يعنيه في هذا الباب أن يجتهدَ في الإعداد للساعة والتهيؤ لها، وبخاصة الساعة الخاصة به (٣)؛ وهي لحظة موته؛ ولذلك لما سأل رجل النبي -ﷺ-: "يا نبي الله متى الساعة؟ " لم يلتفت إلى سؤاله، وأرشده إلى الاشتغال بما يعنيه، وهو قوله -ﷺ-: "مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ " (٤) الحديث.
_________________
(١) رواه الأمام أحمد (٩/ ١٧ - ١٨)، (٦١٦٠)، وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر.
(٢) أخرجه من حديث أبي هريرة -﵁- الترمذي (٢٣١٨)، وابن ماجه (٣٩٧٦)، وحسنه النووي -رحمه الله تعالى-.
(٣) وهي التي قال فيها -ﷺ-: "بادروا بالأعمال ستًا" ذكر منها: "وَخُوَيصَةَ أحَدِكُم" أي: ساعة موته الخاصة به، وعن أم المؤمنين عائشة -﵂-، قالت: "كان الأعراب إذا قدموا على رسول الله -ﷺ- سألوه عن الساعة: متى الساعة؟ فنظر إلى أحدث إنسان منهم، فقال: إن يعش هذا، لم يدركه الهرم، قامت عليكم ساعتكم"، رواه مسلم (٢٩٥٢)، يعني يموت ذلك القرن، أو أولئك المخاطبون، وانظر: "فتح الباري" (١٠/ ٥٥٦)، وراجع: بيان "الراغب" لمعاني الساعة، ص (١٨ - ٢٠).
(٤) رواه البخاري (٦١٦٧)، (١٠/ ٥٥٣)، ومسلم (٢٦٣٩)، (١٦٣).
[ ٤٤ ]
لقد قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ [الحجر: ٩٩]، فلم يجعل الله تعالى لعمل المؤمن أجلًا دون الموت، فما دام في المؤمن عرقٌ ينبض بالحياة فهو مكلف بالعمل الصالح، بغض النظر عما يتوقعه من أشراط الساعة، والله تعالى أعلم.
[ ٤٥ ]
فارغ
[ ٤٦ ]
تمهيد
أسباب ظاهرة الخوض في أشراط الساعة في السنوات الأخيرة
الْفَصْلُ السَّادِسُ
أَسْبَابُ ظَاهِرَةِ الْعَبَثِ بِأَشْرَاطِ السَّاعَةِ
لقد شاع في السنوات الأخيرة ظاهرة الإلحاح في محاولة المطابقة بين النصوص الواردة في أحداث آخر الزمان وبين الوقائع المعاصرة والمتوقعة، وقذفت المطابع بعشرات الكتب، وعشرات النشرات، والمقالات، والأشرطة، فيها خَوضٌ في "أشراط الساعة"، مرة بحق ومرات بالظن، والقول على الله بغير علم، واختلط الحق بالباطل، والتبست الأمور على الجمهور حتى صار المناخ مهيًا لتفريخ مهدي موهوم، أو مسيحٍ كذاب، أو منقذ دجَّال، وفيما يلي نحاول رصد بعض أسباب تلك الظاهرة:
السَّبَبُ الْأَوَّلُ:
شيوعُ الفتن، وظهورُ المنكرات، وَتَحَقُّقُ كثير من أشراط الساعة الصغرى.
السبب الثاني:
ذَهاب العلماء، وقعود المتأهلين عن التحمل والبلاغ، وبالتالي غياب أو ضعف المرجعية الشرعية التي يفزع الناس إليها -لا إلى غيرها- في النوازل بحثًا عمن يضبط لهم الأمور، إعمالا، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]، وقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
[ ٤٧ ]
المتطفلون من أنصاف وأرباع المتعلمين يشكلون مركز قوى تفتئت على المرجعية الشرعية وتحجم دورها
في الوقت الذي نبغت فيه طوائف "متطفلة" من "أنصاف، وأرباع" المتعلمين، فضلا عن المبتدعة، والغوغاء الجاهلين الذين فرضوا أنفسهم فرضا على الساحة الفكرية، وشكلوا "مراكز قوى" تبادر من تلقاء نفسها إلى أن تدلي بدلوها في كل نازلة عبر وسائل الإعلام، وتفتئت على المرجعية الشرعية؛ إن لم تسفه أقوالها، وتَفْرِ أعراضها، وتضغط عليها.
عن عبد الله بن عمرو -﵄- أن رسول الله -ﷺ- قال: ضَافَ ضَيْفٌ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وفي دَارِهِ كَلْبَةٌ مُجِحّ (١)، فَقَالَتِ الْكَلْبَةُ: "وَاللهِ لَا أَنْبَحُ ضَيْفَ أَهْلِي"، قَالَ: فَعَوَى جِرَاؤُهَا (٢) فِي بَطْنِهَا، قَالَ: قِيلَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: فَأَوْحَى اللهُ -﷿- إِلَى رَجُل مِنْهُمْ: "هَذَا مَثَلُ أُمَّة تكونُ مِنْ بَعْدِكُمْ يَقْهَرُ سُفَهَاؤُهَا أَحْلَامَهَا" (٣) (٤).
وقال -ﷺ- للأعرابي الذي سأله: متى الساعة؟: "إذَا ضُيِّعَتِ إلأمَانةُ؛ فانْتَظِر السَّاعَةَ"، قال: كيف إضاعتها؟ قال: "إذَا وُسِّدَ الأمْرُ إلى غَيرِ أَهْلِهِ؛ فانْتَظِر السَّاعَةَ" (٥).
_________________
(١) مُجِحٌّ: حامل قَرُبَ وقت ولادتها.
(٢) الجرو: الصغير من ولد الكلب والأسد والسباع، وجمعه: جِراء، وأَجْراء.
(٣) أحلامها: عقلاءها.
(٤) رواه الإمام أحمد (٢/ ١٧٠)، رقم (٦٥٨٨)، وقال الشيخ أحمد شاكر: "إسناده صحيح"، وقال في "مجمع الزوائد": (رواه أحمد والبزار والطبراني) اهـ. (٧/ ٢٨٠).
(٥) رواه البخاري (١/ ١٤٢ - فتح).
[ ٤٨ ]
السبب الثَّالثُ
الاضطهاد العالمي للإسلام وأهله، في مقابلة ضعف الأمة، وهذا واضح لكل ذي عينين، فقد دقَّ الغرب بقيادة أمريكا طبول الحرب ضد الإسلام حتى قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر بسنوات، وبدأ المفكرون والساسة -الغربيون- بمجرد انهيار وتفكك "الاتحاد السوفيتي" في البحث عن "عدو"، ورُشِّحَ الإسلام لذلك، وتعالت صيحاتُ مفكريهم؛ مثل "هنتنجتون" وغيره بحتمية الصراع بين الحضارات، وكتب منظروهم مثل: "نيكسون"، وغيره، مُحَذِّرِينَ من الخطر الإسلامي، وجزم بعضهم بأن "القرن القادم هو قرن الحروب الدينية"، وشاع في الغرب ما سمي ب "رُهاب الإسلام" Islamophobia، وكان لأحداث البلقان والمذابح الوحشية المتتالية للمسلمين هناك، وكذا انفجار الانتفاضة في فلسطين المباركة، وأحداث الجزائر، والشيشان، والخليج الإسلامي، وإندونيسيا، والسودان، ثم أفغانستان، والعراق، والصومال، وغيرها أثر عميق في نفوس المسلمين؛ إذ رأوا الانحياز الظالم للغرب ضدهم، وعاينوا نفاق الغرب المدعي حماية حقوق الإنسان، وكيف أن الغرب كان يأكل -تحت وطأة الشَّرَهِ الصليبي- "صنم العجوة" (١) الذي يعبده باسم الحرية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، كل هذا وغيره ولَّد شعورًا بالمرارة، والظلم، والقهر، ضاعفه الحملاتُ القمعية الشرسة داخل بعض بلاد المسلمين ضد الدعاة إلى الله، ورموز الإسلام،
_________________
(١) الإشارة إلى ما رُوي من أن بعض الناس في الجاهلية كان يصنع صنمًا من العجوة؛ ليعبده، فإذا جاع أكله.
[ ٤٩ ]
وأطلقت يد وسائل الإعلام العالمانية التي عاثت في الأرض فسادًا، وصدَّت الناس عن سبيل الله بدعوى محاربة ما أسموه "التطرف، والإرهاب، والأصولية " إلخ.
لقد تراكم الشعور بالظلم في النفوس المكبوتة، واقترن ذلك بتدهور حال الأمة، وتداعي الكفارِ عليها تداعِيَ الأكلة إلى القصعة، ففزع البعض إلى مواجهة هذه الأوضاع "بالفِرَار" إلى التطلع إلى ظهور المهدي، ونزول المسيح ﵇، وهذا -في الجملة- لا يُنكر، كما سنبين إن شاء الله تعالى (١).
لكن المنكر أن بعضهم حاد عن الضوابط العلمية، وقفز فوق السنن الكونية، وتقوَّل على الله بغير علم، حين حَّدد بعض الشخصيات المعاصرة على أنها المقصودة في بعض الأحاديث، أو زعم أن المهدي موجود الآن في مكان كذا، أو رسم صورة تفصيلية لأحداث المستقبل -وهو غيب لا يعلمه إلا الله- بمجرد الظن والتخمين.
ومن هنا نشأت ظاهرة "العبث بأشراط الساعة"، التي راجت في السنوات الأخيرة.
السَّبَبُ الرَّابع:
انفتاح المسلمين على "الإسرائيليات" القديمة والمعاصرة (٢)، وتأثر البعض ب"هَوَسِ"، أو "حُمَّى" الألفية الجديدة الرائجة في العالم الغربي،
_________________
(١) انظر: ص (٢٥٤).
(٢) انظر: فصل "ظاهرة التطبيع مع الإسرائيليات" ص (١٩٦).
[ ٥٠ ]
تنبيه ينبغي التفريق بين "تقبل" و"تصديق" هذه الإسرائيليات بنوعيها، وبين "رصد" أفكار الخصم من باب "اعرف عدوك"
والمسيطرة على صُنَّاع القرار هناك، وهذا ما نبينه في الباب التالي إن شاء الله.
تنبيه
ينبغي التفريق بين "تقبل" و"تصديق" هذه الإسرائيليات بنوعيها، وبين "رصد" أفكار الخصم من باب "اعرف عدوك"، ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥]، وليفهم أولو الرأي من المسلمين مقاصد الأعداء بهم، وكيف يفكرون؟ وماذا يخططون؟ على أن ينحصر الاشتغال بها في المختصين بذلك ما أمكن؛ حماية للعوام من الوقوع في حبائل تلك الإسرائيليات وتقبلها، والتسليم لها، والبناء عليها؛ كأنها وحي منزل.
[ ٥١ ]
فارغ
[ ٥٢ ]
الباب الثَّاني
مَجَالاتُ العَبَثِ باَشْرَاطِ الساعَةِ
[ ٥٣ ]
فارغ
[ ٥٤ ]