إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد؛ فمن المعلوم من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان، وأن لليوم الآخر علامات صغرى وكبرى بين يديه، ومن العلامات الكبرى: خروج المسيح الدجال، ونزول عيسى ابن مريم ﵊؛ فقد روى الإمام مسلم فى «صحيحه» (٢٩٠١) عن حذيفة بن أسيد الغفارى قال: اطلع النبى - ﷺ - علينا ونحن نتذاكر؛ فقال: «ما تذاكرون». قالوا: نذكر الساعة. قال: «إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات». فذكر: «الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم - ﷺ -، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم».
ولعظم أمر الدجال وشر فتنته قال رسول لله - ﷺ -: «ما من نبى إلا وقد حذر أمته الدجال، وإنى أحذركموه: إنه أعور، وإن الله ليس بأعور، إنه يمشى فى الأرض، وإن السماء والأرض لله، ألا إن المسيح عينه اليمنى كأنها عنبة طافية». أخرجه ابن خزيمة (ص٣٢) عن أم سلمة - ﵂ - زوج النبى - ﷺ -.
وأمر النبى - ﷺ - بالاستعاذة من شر فتنته فى الصلاة؛ فقال: «إذا فزع
[ ٣ ]
أحدكم من التشهد الآخر؛ فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر المسيح الدجال». أخرجه مسلم (٥٨٨) عن أبى هريرة - ﵁ -.
ولأهمية الأمر، وبيان أنه من عقيدة أهل السنة والجماعة؛ فقد صنف شيخنا المحدث العلامة محمد ناصر الدين الألبانى - ﵀ - كتابه هذا: «قصة المسيح الدجال، ونزول عيسى - ﷺ -، وقتله إياه؛ على سياق رواية أبى أمامة - ﵁ -؛ مضافًا إليه ما صح عن غيره من الصحابة - ﵃ -». وهو مصنف قيم من نفائس ما خلفه شيخنا من كنوز السنة.
ومما شجع شيخنا الألبانى على تأليف هذا الكتاب-كما ذكر فى مقدمته- أمران:
الأول: شك كثير ممن ينتمون إلى العلم فى عقيدة نزول عيسى - ﷺ -، وقتله للدجال فى آخر الزمان.
الآخر: أن الناس كافة - إلا من شاء الله - لم يعودوا يتحدثون عن خروج الدجال، ونزول عيسى ﵊.
ولقد رأى ورثة الشيخ ﵀بالتعاون مع المكتبة الإسلامية ب (عمان) - نشر هذا الكتاب؛ لينتفع به المسلمون فى أرجاء الأرض، وليؤجر الشيخ عليه بعد مماته؛ مستعينين ببعض طلبة العلم، فجزى الله الله الجميع خيرًا.
عمان - الشام
٢ ربيع الآخر ١٤٢١ هـ
الناشر
[ ٤ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
القسم الأول
سبب تأليف الكتاب
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إلا اله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) [آل عمران: ١٠٢]، ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً واتقوا الله الذى تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾ [النساء: ١]، (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا. يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما) [الأحزاب: ٧٠ و٧١].
أما بعد؛ فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدى هدى محمد - ﷺ -، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة فى النار.
وبعد؛ فإنه لم يكن ليخطر فى بالى أن أتوجه يوما إلى تخصيص وقت ما
[ ٥ ]
لتأليف هذه الرسالة، ولكن الله ﵎ إذا أراد أمرا هيأ أسبابه، وذلك أننى فى أوائل جمادى الأولى سنة (١٣٩٣ هـ) وصل بى التحقيق لكتاب «الفتح الكبير فى ضم الزيادة إلى الجامع الصغير» - وفصله إلى كتابين: «صحيح الجامع الصغير ..»، و«ضعيف الجامع الصغير ..» - إلى حديث أبى أمامة البهلى - ﵁ - فى تحذير النبى - ﷺ - أمته من الدجال، ووصفه - ﷺ - إياه بما لم يصفه نبى قبله، وقتل عيسى - ﷺ - له فى (اللد) من فلسطين، وغير ذلك من الحقائق المتعلقة بمسيح الهدى ومسيح الضلالة، وبحكم التحقيق - الذى جريت عليه فى الكتابين المذكورين - اقتضى الأمر دراسة إيناد الحديث المشار إليه والنظر فيه، فوجدته ضعيفا لا يمكن الإعتماد عليه وحده؛ خصوصا فى مثل هذه الأمور الاعتقادية اليقينية، ولكننى تبينت - لأول نظرة ألقيتها على متنه - أن كثيرا منه صحيح ثابت فى «الصحيحين» وغيرهما من كتب السنة.
ولما كان من البدهى أنه لا يمكن بمجرد مثل هذه النظرة العاجلة أن أحكم بالصحة على الحديث بتمامه، وأن يورد بالتالى فى الكتاب الأول من الكتابين السابقين: «صحيح الجامع ..»؛ بل لا بد من إمعان النظر فى سائر فقراته؛ بل وألفاظه، وتتبعها فى بطون كتب السنة ومختلف الأحايث الواردة فيها؛ مما له علاقة قريبة أو بعيدة بعيسى - ﷺ - والدجال الأكبر لعنه الله تعالى، وما يتعلق بهما، ودراسة أسانيدها بتحقيق مطول على نحو ما جرينا عليه فى كتابينا: «سلسلة الأحاديث الصحيحة»، و«سلسلة الأحاديث الضعيفة»؛
[ ٦ ]
حتى نستطيع فى النهاية من القطع بصحته كله أو جله، وبعد ذلك يورد فى «الصحيح» كلا أو جلا على ما انتهى إليه التحقيق.
فتوجهت الهمة لدراسة الحديث المذكور فقرة فقرة؛ بل ولفظة لفظة، وذكر الأحاديث المقوية لكل فقرة منها ما وجدت إلى ذلك سبيلا، وتخريجها كلها مع الكلام على أسانيدها تصحيحا وتضعيفا - وتتبع المتابعات والشواهد لها؛ مما يساعدنا على تخليص ما أمكن من فقراته من الضعف الملازم لها من قبل ذات الإسناد، والذى روى به من حديث أبى أمامة - ﵁ - المشار إليه.
فتبين لى بعد هذه الدراسة الدقيقة أن الحديث بجميع فقراته - إلا قليلا منها - هو من الصحيح لغيره؛ بل إن كثيرا منها من قبيل المتواتر المقطوع ثبوته عن رسول الله - ﷺ -؛ ومن ذلك ما يتعلق بخروج الدجال الأعور، ونزل عيسى ﵇ من السماء، وقتله إياه.
ولقد كان طبيعيا جدا أن أجد فى تلك الأحاديث التى خرجتها من الفوائد المتعلقة بعيسى ﵇ والدجال الأعور -
مما لم يرد فى حديث أبى أمامة مطلقا - الشئ الكثير؛ لا سيما وقد بلغ عدد الأحاديث قريبا من ثلاثين حديثا؛ عن أكثر من عشرين صحابيا، للحديث عن بعضهم أكثر من طريق واحد، وبخاصة حديث أبى هريرة؛ فقد استخرجت له وحده عشر طرق، وفى كل طريق منها أحايانا ما ليس فى الطريق الأخرى من الفوائد والزيادات.
[ ٧ ]
ولذلك؛ فإنى بعد أن انتهيت من دراسة الحديث وفقراته، وتخريج شواهدها من الأحاديث المشارة إليها، وأودعته فى كتابى «سلسلة الأحاديث الصحيحة» برقم (٢٤٥٧)؛ فقد بدت لى فكرة جميلة؛ ألا وهى تتبع تلك الفوائد المشار إليها، وضمها إلى مواطنها المناسبة لها فى حديث أبى أمامة - ﵁ -، وسياقها معه سياقا واحدا؛ على النحو الذى كنت جريت عليه فى كتابى «حجة النبى - ﷺ - كما رواها جابر - ﵁ -»؛ مع اختلاف جوهرى بين الحديثين؛ تتبعتها ووضعت كل زيادة صحيحة فى المكان المناسب لسياق حديثه - ﵁ - من رواية مسلم عن أبى جعفر الباقر عنه.
وأما حديث أبى أمامة ﵁؛ فقد ضممت إليه ما صح عن غيره من الصحابة ﵃، وقد تجاوز عددهم العشرين صحابيا؛ كما سبقت الإشارة إليه.
ولم تزل تراودنى تلك الفكرة، وأجيلها فى ذهنى المرة بعد المرة، حتى تمكنت من نفسى، وحملتنى حملا على إخراجها إلى حيز الوجود؛ لما تبين لى أهميتها، وضرورة عرضها على الناس فى هذا السياق البديع الذى يسهل تناوله على الناس جميعا -على اختلاف ثقافاتهم ومراتبهم- ويقرب لهم شتات ما تفرق فى الأحاديث من الفوائد التى لا يمكن لأكثر الخاصة استخراجها منها؛ فضلا عن عامتهم.
[ ٨ ]
الأول
ومما شجعنى على ذلك الأمور الآتية:
الأول: شك كثير ممن ينتمون إلى العلم - بل وإلى الدعوة إلى الإسلام؛ فضلا عن غيرهم ممن لا ثقافة إسلامية عندهم من الشباب المثقف وغيرهم من العوام - فى عقيدة نزول عيسى - ﷺ -، وقتله للدجال فى آخر الزمان، حتى لقد قام فى نفسى أن كثيرا من الطلاب المتخرجين من جامعة الأزهر هم من هؤلاء الشاكين - إن لم يكونوا من المنكرين لها - وقد عرفت ذلك من مناقشتى لبعضهم شفهيا، ومن اطلاعى على فتاوى بعضهم فى ذلك، وتعليقات آخرين منهم على بعض الكتب.
ومن أشهر هؤلاء العلماء الشيخ (محمد عبده)؛ فإنه يقول فى حديث نزول عيسى ﵇ تارة: بأنه حديث آحاد! وهذا حسب علمه بالحديث، وهو من أبعد العلماء المعاصرين عنه فى نقدى، وتارة يتأوله نزوله وحكمه فى الأرض بغلبة روحه وسر رسالته على الناس، وهو ما غلب فى تعليمه من الأمر بالرحمة والمحبة والسلم حكاه السيد رشيد رضا فى «تفسيره» (٣/ ٢١٧)؛ ومع أنه رده عليه بقوله عقبه:
«ولكن ظواهر الأحاديث الواردة فى ذلك تأباه»؛ فإنه رد هذا الاستدراك بقوله عقبه أيضا:
«ولأهل هذا التأويل أن يقولوا: إن هذه الأحاديث قد نقلت بالمعنى كأكثر الأحاديث، والناقل للمعنى ينقل ما فهمه. وسئل (يعنى: محمد عبده) عن
[ ٩ ]
المسيح الدجال وقتل عيسى له؟ فقال: إن الدجال رمز للخرافات والدجل والقبائح التى تزول بتقرير الشريعة على وجهها »!
ومن الغريب أن هذا التأويل سبقه إليه مدعى النبوة (ميرزا غلام أحمد القاديانى الهندى)، وكرره فى كتبه ورسائله، وما أشبه التأويل بتأويله لآيات كثيرة من القرآن؛ يحرفها ويستدل بها على نبوته؛ كتأويله لقوله تعالى فى عيسى: ﴿ومبشرا برسول يأتى من بعدى أسمه أحمد﴾ [الصف:٦]؛ فزعم أنه هو المقصود بقوله: ﴿أحمد﴾! وله من مثل هذا الشئ الكثير، وفى غاية السخف؛ كما قال السيد رشيد نفسه فى صدد الرد عليه فى موضع آخر من «تفسيره» (٦/ ٥٨)، فقال فيه:
«وقد جرى على طريقة أدعياء المهدوية من شيعة إيران - كالبهاء والباب - فى استنباط الدلائل الوهمية على دعوته من القرآن؛ حتى إنه استخرج ذلك من سورة الفاتحة! وله فى تفسيرها كتاب غاية فى السخف يدعى أنه معجزة له!! فجعلها مبشرة بظهوره، وبأنه هو مسيح هذه الأمة!».
قال السيد رشيد عقبه:
«وإنما فتح على هذه الأمة هذا الباب الغريب من أبواب تأويل القرآن، وتحريف ألفاظه عن المعانى التى وضعت لها معان غريبة لا تشبهها ولا تناسبها؛ أولئك الونادقة من المجوس وأعوانهم الذين وضعوا تعاليم فرق الباطنية؛ فزاجت حتى عند كثير من الصوفية».
[ ١٠ ]
الرد على (محمد فهيم أبو عبية) في تعليقه على «نهاية البداية والنهاية»
قلت: فم الفرق بين تأويل هؤلاء الباطنية للقرآن؛ وتأويل القاديانية و(محمد عبده) ومن تَبِعَهُ لأحاديث النزول والدجال بذلك التأويل الباطل بداهة؟! وكيف سكت عليه السيد رشيد ﵀؛ بل تأول لهم تأويلًا جديدًا بأن الأحاديث نُقِلَت بالمعنى؟! وليت شعري! هل ذلك يستلزم رد ما صلح روايته عن الصحابة من المعاني فضلًا عما تواتر عنهم؟!
مثلًا: إذا تواتر عن الصحابة أن النبي - ﷺ - نهى عن شيء كلحوم الحمر الإنسية؛ فهذا رواية بالمعنى قطعًا، فهل يستلزم ذلك رد هذا المعنى الذين رووه من النهي بطريقٍ ما من طرق التأويل؛ بحيث يُعطل هذا النّهي ويصير كأنه لم يرد مطلقأً؟! اللهم! إن هذا لهو الضلال المبين، نسأل الله تعالى أن يحمينا منه.
وإليك مثالًا آخر من أمثلة التأويل الذي بُلِيَ به بعض الكتاب المعاصرين من الأزهريين: قال الشيخ (محمد فهيم أبو عبية) في تعليقه على «نهاية البداية والنهاية» (١/ ٧١):
«هل بقي عيسى ﵇ حتى الآن حيًّا؟ وسينزل إلى الأرض ليجدد الدعوة إلى دين الله بنفسه؟ أم المراد بنزول عيسى هو انتصار دين الحق وانتشاره من جديد على أيدٍ مُخلِصةٍ تعمل على تخليص المجتمع الإنساني من الشرور والآثام؟ رأيان (!) ذهب إلى كل منهما فريق من العلماء (!).
وهذا هو ما يقال بالنسبة إلى المسيح الدجال: هل هو من لحم ودم ينشر الفساد ويهدد العباد، ويملك وسائل الترغيب والترهيب والإفساد؛ حتى يقيض
[ ١١ ]
له عيسى ﵇ فيقتله؟ أم إنه رمز لانتشار الشر، وشيوع الفتنة، وضعف نوازع الفضيلة، تهب عليه ريح الخير المرموز إليها بعيسى ﵇، فتذهبه وتقضي عليه، وتأخذ بيد الناس إلى محجة الخير ومنهج العدل والتدين»! (١).
قلت: ولا يكفي هذا الأزهري (الفهيم) بهذا التعطيل لنصوص السنة وتأويلها - على طريق الرمز الذي هو مذهب الباطنية الملحدة؛ كما سبق حكايته عن السيد رشيد رضا نفسه - بل إنه يوهم القراء بأن هذا التعطيل هو رأي لبعض العلماء يقابل الرأي الأول! والحقيقة أنه لم يقل به أحد ممن له ذكر بالعلم في أهل الحديث والسنة، وإنما قال به بعض الخوارج والمعتزلة من الفرق الضالة؛ قال القاضي عياض:
«في هذه الأحاديث حجة لأهل السنة في صحة وجود الدجال، وأنه شخص مُعَيَّنٌ يبتلي الله به العباد ويُقَدِّرُه على الأشياء؛ كحياء الميت الذي يقتله (فقرة ١٧ و١٨ - أبو أمامة، ١٨ - السياق)، وظهور الخصب، والأنهار والجنة والنار، واتباع كنوز الأرض له، وأمره السماء فتمطر، والأرض فتنبت (الفقرات ١٩ - ٢١ أبو أمامة، ١٩ - ٢١ - السياق)، وكل ذلك بمشيئة الله، ثم يعجزه، فلا يقدر على قتل الرجل ولا غيره، ثم يبطل أمره، ويقتله عيسى ابن مريم، وقد خالف في ذلك بعض الخوارج والمعتزلة والجهمية؛ فأنكروا وجوده، وردوا الأحاديث الصحيحة»
_________________
(١) وذكر نحو هذا (ص ١٤٨)
[ ١٢ ]
قلت: وهذا هو بعينه ما فعله هذا الأزهري (الفهيم) وبعض شيوخه -تبعًا لسلفهم من الخوارج والمعتزلة؛ وأخيرًا القاديانية كما سبق - تارة بطريق التشكيك في صحة الأحاديث بزعم أنها آحاد -كما فعل الشيخ (محمود شلتوت) في بعض مقالاته؛ تبعا للشيخ (محمد عبده) كما سبق - وتارة بطريق التأويل والتعطيل كما فعل هذا (الفهيم)! وهو وإن كان اقتصر فى كلامه السابق على حكاية الرأيين - بزعمه- دون أن يحدد موقفه بوضوح منها؛ فإنه إنما فعل ذلك تمويها وتدليسا على القراء، وإعدادا لنفوسهم لتقبل ما سيرجحه هو فيما بعد! فاسمع إليه وهو يقول فى تعليقه على الفقرة الآتية (١٢ - أبو أمامة، ١٤ - السياق): «يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب»:
«اختلف العلماء فى الكتابة هنا: هل هى حقيقة؛ أم أنها كناية عن الأمارات الدالة على صاحبها؟ وأن القرأة معناها تلهم النفس المؤمنة بإشراقها ما يبصر الحقيقة دون امتراء ولعل هذا هو الأقرب وهو الأسلم» (١)!
هكذا قال هذا (الفهيم) متجاهلًا نص الإمام النووي وغيره على خلاف ترجيحه؛ قال الحافظ في «الفتح» (١٣/ ٨٥):
«قال النووي: الصحيح الذي عليه المحققون أن الكتابة المذكورة حقيقة، جعلها الله علامة قاطعة بكذب الدجال، فيظهر الله المؤمن عليها، ويخفيها عن من أراد شقاوته». قال الحافظ:
_________________
(١) وذكر نحوه (ص١٤٨)
[ ١٣ ]
«وحكى عياض خلافًا، وأن بعضهم قال: هي مجاز عن سمة الحدوث عليه، وهو مذهب ضعيف».
ثم لم يكتفي ذاك (الفهيم) بترجيحه لذلك التأويل الباطل؛ بل إنه يجزم به بعد عدة صفحات؛ فيقول (ص ١١٨):
«اختلاف ما روي من الأحاديث في مكان ظهور الدجال يشير إلى أن المقصود بالدجال الرمز إلى الشر واستعلائه )!
وهذا هو الذي جزم به في تصديره للكتاب؛ فقال: (ص ٩)
«ثم سرنا مع القائلين بأن ظهور المهدي ونزول عيسى ﵇ هما رمزان لانتصار الخير على الشر، وأن الدجال رمز لاستشراء الفتنة واستيلاء الضلال فترة من الزمان »!
قلت: وهذا (الفهيم) هو رئيس بعثة الأزهر الشريف بـ (لبنان)؛ كما طبع ذلك تحت اسمه على طُرَّة الكتاب.
ولقد أساء جدًا في تعليقه على الكتاب المذكور إلى مؤلفه من جهة؛ وإلى الحديث النبوي من جهة أخرى؛ مما يدل على جهله البالغ به! فإنه قطع بتضعيف أحاديث صحيحة؛ لعدم اتساع قلبه لها! ولم يسبقه إلى ذلك أحد من أهل العلم -كحديث الجساسة؛ انظر (ص ٦و٦٩و١٠١)، وقد رواه مسلم، وحديث المهدي (ص٣٧) - غير مبال بتصحيح المؤلف ابن كثير لبعضها (ص٤٢ و٤٣)؛ بل جزم بوضع حديث آخر رواه مسلم في «صحيحه» (ص٥٨ - ٥٩)!
[ ١٤ ]
أما إساءته إلى الكتاب والمؤلف؛ فهى أنه وضع فى صلب الكتاب عناوين من عنده دون أن ينبه على ذلك، وبعضها على خلاف طريقة المؤلف؛ باعتباره من أئمة الحديث الذين يئمنون بالنصوص المتعلقة بأشراط الساعة دون تأويل لها؛ كما يفعل المبتدعة من المعتزلة وغيرهم، وهذا (الفهيم) قد أبان في تعليقاته المشار إليها؛ أنه سلك سبيلهم حذو القذة بالقذة، فها هو مثلًا قد وضع من عند نفسه عنوانًا في صلب الكتاب (ص١١٦):
«حديث يجب صرفه عن ظاهره»!
وضعه فوق حديث مسلم في قتل الدجال للمؤمن وإحياؤه إياه؛ (انظر فقرة ١٧و١٨ - أبو أمامة).
وعنوان آخر وضعه على الأحاديث الواردة في ابن الصياد بعضها في البخاري! فقال (ص١٠٤):
«مرويات مرفوضة؛ لأنها لا تصدق عقلًا، وليس بمعقول صدورها عن الرسول ﵇»
كأن الرسول عند هذا (الفهيم) ينبغي أن لا يتكلم بأمور غيبية لا مجال للعقل إلا أن يسلم بها، وعلى ذلك فالإيمان بالغيب الذي هو التصديق لا وجود لع في نفسه!!
ووضع عنوانًا على حديث تعذيب المصورين (٢/ ٥٠):
«عذاب المصورين المجسمين يوم القيامة»
[ ١٥ ]
وبالجملة؛ فهذه العناوين التى وضعها من عند نفسه فى ثنايا الكتاب؛ مع أنها تنافى الأمانة العلمية؛ فهى - فى الوقت نفسه - تدل على مبلغ علم هذا (الفهيم)، والخسارة التى لحقت بالناشرين للكتاب مادة ومعنى؛ حيث إن تعاليقه المذكورة قد غيرت معالم الكتاب، وجعلته بهذه العناوين والتعاليق كتابا آخر ليس هوو كتاب الحافظ بن كثير!
وليت أن تسلط هذا (الفهيم) على الكتاب وقف عند هذا الحد؛ فقد تعداه إلى أن حذف منه كثيرا من نصوصه وأحاديثه التى لم ترق لعقله الكبير! وذلك ما صرح به فى تصديره للكتاب؛ فقال (ص٥):
«بل إننا إضطررنا إلى أن نسقط بعص المروريات التى ضمنها المؤلف كتابه؛ لما حوت من معنى لا يتفق والعقل ولا يستق والدين»!
وإن القارئ لتعاليقه ليجد التنبيه - فى كثير من صفحات الكتاب- على أنه أسقط منها ما شاء دون أن يذكر نص المحذوف منه؛ ليكون القراء على علم به؛ كما تقتضيه الأمانة - هذا لو جاز الحذف! - من ذلك قوله (٢/ ٢٨٥):
«أسقطنا هنا مقاطع يستحى منها الحياء »!
وأعجب ما رأيته منه أنه حذف أربع صفحات كاملات بياضا فى المجدل الثانى! وهى الصفحات (٨٩ و٩٩ و١٠١ و١٠٢)!
وإنى -والله- لقد رأيت أنواعا مختلفه من مُدَّعى العلم فى هذا الزمان؛ فما رأيت مثل هذا (الفهيم) جرأة وجهلا وغرورًا! ولولا أنه كذلك؛ فقل لى
[ ١٦ ]
بعض الأمثلة التى عثرت عليها من المجلد الأول من الكتاب
١ -
بربك كيف استجاز لنفسه هذا التصرف المشين المخل بالأمانة العلمية في كتاب الحافظ ابن كثير؛ زيادة منه في عناوينه، وحذفًا من صفحاته، وتضعيفًا لأحاديثه الصحيحة؛ أو إبطالًا لمعانيها باسم التأويل والعقل؟!
ولست أدرى -ولله- كيف اغتر به الناشر للكتاب؟! فقال فى مقدمته:
«وأما التدقيق والتحقيق؛ فقد وفقنا -بحمد الله- إلى أن يقوم بهما فضيلة اليخ محمد من الجهد المشكور ما خلّص الكتاب من من الأخطاء اللغوية والتحريفات الكثيرة فى أسماء الأعلام الواردة فيه، وتصحيح كثير من النصوص التى تضمّنها»!
عجيب -والله- أن يوصف هذا (الفهيم) بهذه الصفات، وفى الكتاب مئات الشواهد التى تدل على أنه على النقيض من ذلك تماما! فإنه أفسد كثيرا من نصوصه، ووقع فيما لا يعد من الأخطاء اللغوية والتحريفات الكثيرة فى الصفحة الواحدة! الأمر الذى يدل على أن البلاد السعودية تحسن الظن كثيرا بأمثال هذا الأزهرى؛ مما يذكرنى بالمثل السائر: إن البغاث بأرضنا يسنتسر! وإليك بعض الأمثلة التى عثرت عليها من المجلد الأول من الكتاب:
١ - ص (١١٤): «وينزع جُمَّة) كذا بالجيم وبالخفض! (ِ كل ذى جمة». والصواب: حمة-بالحاء المهملة وتخفيف الميم-: السم!
وتكرر هذا الخطأ منه فى الصفحة (١٦٩)، وعلق عليه بما لم يؤكد أنه خطأ علمى؛ فقال:
[ ١٧ ]
٢ -
٣ -
٤ -
٥ -
«الجمة: الشعر المجمع فى مقدمة الرأس، ولعل المراد بإذهاب (جمة كل ذات جمة) هو: تخليص المجتمع من تصفيات الشعر المختلفة التى تربط بالفتيات العيون الرَّغبة والنفوس الشهوانية وبدهى أن كلمة (ذات جمة) فى الحديث الشريف واقعة صفة لموصوف محذوف » إلى آخر هرائِهِ!
٢ - بعد ثلاثة أسطر من الصفحة المذكورة (١١٤):
«وتكون الأرض كعاثور الفضة». وعلق عليه المسكين بقوله:
«العاثور: المهلكة من الأرض ».
وإنما هو «كفاثور» بفاء ومثلة، وهو: الخوان. وقيل: هو طست أو جام من ذهب أو فضة.
٣ - وفى الصفحة التى تليها (١١٥):
«وقد جرد أبو داود إسناده»!
والصواب: «جوَّد».
٤ - وفى ص (١١٧):
«محمد بن عبد الله بن قَهران»!
وإنما هو (قهزاد).
٥ - فى الصفحة ذاتها: «فَيٌشَجُّ. فيقول: خذوه وشجوه»!! وعلق عليه:
«الشج: الجرح فى الوجه والرأس»!
[ ١٨ ]
٦ -
٧ -
٨ -
٩ -
١٠ -
والصواب: «فَيُشَبَّحُ وشَبِّحوه» بشين معجمة ثم باء مزحدة ثم حاء مهملة؛ أي: مدُّوه على بطنه؛ كما قال النووي.
٦ - ص (١٣٣): «مع المرَدَة»!
وإنما هو «القِردة».
٧ - ص (١٤٢): «موسى بن عبيدة اليزيدي»
والصواب: «الرَّبذي».
٨ - ص (١٤٤): «لينزلن الدجال بحوران»!
والصواب: «خوز»؛ كما في «المسند» (٢/ ٣١٩ و٣٣٧)
٩ - ص (١٤٦): «من سمع من الدجال فلسنا منه»!
وتكرر هذا الخطأ في الصفحة المذكورة مرتين، وأعاده مرة أخرى (ص ١٥٤)؛ مما يوكد أنه خطأ منه، وليس من الطابع، ولذلك لم يستدركه في فهرس الخطأ والصواب.
وصحة الحديث: «من سمع بالدجال فلينأ عنه»؛ أي فليبتعد عنه.
ويبدوا أن (الفهيم) لم يستطع قراءة «فلينأ» على الصواب؛ فحرفها إلى (فلسنا)، وبالتالي حرَّف «بالدجال» إلى «من الدجال»، و«عنه» إلى «منه»
١٠ - الصفحة ذاتها «وأبو الدهماء، واسمه فرقة بن بهير الدوي»!
والصواب: «قِرْفة - بكسر القاف وسكون الراء بعدها فاء - ابن بُهَيس - بموحدة ومهملة مُصَغَّرًا - العدوي»!
[ ١٩ ]
١١ -
١٢ -
١٣ -
١٤ -
١٥ -
١١ - ص (١٥٤) «هشام عن دستوائي»!
والصواب: «هشام الدَّستوائي».
١٢ - ص (١٨٠): «أبي إسحاق»!
والصواب «ابن إسحاق»
١٣ - ص (٢٠٢): «لا تنفع الهجرة ما دام العدو يقاتل».
والصواب: «لا تنقطع الهجرة ».
فتأمل! كيف قلب معنى الحديث وأفسده ببالغ جهله وغروره؟!
١٤ - ص (٢١٤): «.. ابن قوتب»
وهذا لا وجود له في الرواة وإنما هو: «ابن قويد»؛ كما في «المسند» (٢/ ٤٤٢) وغيره.
١٥ - ومن أعجب التحريف الذي رأيته له أن جاء بحديث لا وجود له -ولا في الموضوعات - من حيث موضوع تحرّف عليه ففي (٢/ ٥٨):
«في الحديث: آدموا طعامكم بذكره وبالصلاة، ولا تقموه فتقسوا قلوبكم» وعلق عليه بقوله:
«قم الخوان: أكل ما عليه من الطعام فلم يدع منه شيئًا، وأدم خبزه: خلطه بما يجعله مستساغًا. والرسول ﵇ ينصح تابعيه بأن يكون ذكر الله ﷿ إدام طعامهم ..» إلى آخر كلامه البليغ!
[ ٢٠ ]
والحديث إنما هو بلفظ:
«أذيبوا طعامكم بذكر الله والصلاة، ولا تناموا عليه فتقسوا قلوبكم».
فتحرف عليه قوله «أذيبوا» إلى «آدموا»! وقوله «ولا تناموا عليه» إلى (ولا تقموه» ثم بنى عليه ما بنى من المعنى الرقيق!!
هكذا رواه جمع من أهل الحديث، وكذلك أورده السيوطي في «الجامع الصغير»، فلو رجع إليه -كما يفعل المبتدئون من الطلاب فضلًا عن «رئيس البعثه» -لعرف أصل الحديث ولم يقع في مثل هذا التحريف الشنيع!
على أن الحديث بهذا اللفظ المروي موضوع؛ كما حققته في «الأحاديث الموضوعة» (١١٥)، فتأمل مبلغ تحقيق هذا (الفهيم)! فهو بديل* أن ينتبه للصواب في لفظ الحديث، وينبه على وضعه، جاء منه بحديث لا أصل له، ثم علق عليه!!!
وجملة القول: إن تحقيق الرجل لهذا الكتاب - وتعليقه عليه مثل تلك التعليقات - لأكبر دليل على أنه ليس أهلًا لتحقيق رسالة صغيرة لعالم فاضل من السلف! فكيف يكون أهلًا لتحقيق سِفْرٍ ضخم لكتاب الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى؟! وأن يصحح الأحاديث الضعيفة، وضعف الصحيحة جزافًا دون التزام لقواعد أهل النقد والمعرة بالجرح والتعديل، وأن يتأولها خلافًا لأهل العلم؟! وهو من الجهل إلى درجة لا تخطر على بال أحد! وماذا يقول العاقل في رجل لا يفهم معنى قوله - ﷺ - في الذين يدخلون الجنة بغير حساب:
[ ٢١ ]
«لا يسترقون» فيقول في تعليقه عليه (٢/ ٦٦):
«أى: لا يتجسسون بآذانهم على الناس ويسمى هذا العمل استراق السمع»؟!
فلم يعلم (الفهم) المسكين أن هذا الفعل من الرقية، وأن السين فيه سين الطلب، وليس من السرقة التي السين فيها ألية!
ونعود لما كنا عليه من أصل الموضوع؛ فنقول:
لقد كانت هذه التأويلات التي جرى عليها هؤلاء العلماء المتأخرون من أقوى الأسباب التي شجعتني على عرض حديث أبي أمامة ﵁ مع زيادات غيره عليه من الصحابة في سياق واحد، حتى يتبين لكل ذي عينين بطلان تلك التأويلات ومخالفتها لصراحة الأحاديث الصحيحة، وأن تأويل المتأولين لها ليس المقصود منه إلا التخلص من هذه الأحاديث، ومن الإيمان بها بطريقة ملتوية توهم العامة أن أصحابها يؤمنون بها، وحقيقة الأمر انهم يكفرون بحقائقها، وإنما يؤمنون بألفاظها!
تالله؛ إن إيمانًا بالنصوص كلها على طريق الرمز والتأويل لهو إيمان لا يساوي فلسًا، ولا يغني عند الله شيئًا.
وليت شعري! ما الفرق بين هؤلاء العلماء المنتمين إلى السُّنة، والمعطلين لهذه النصوص المتواترة بخروج الدجال، ونزول عيسى ﵇، وقتله إياه؛ وبين الباطنية والفرق الضالة التي تؤمن بنصوص الكتاب والسنة؛
[ ٢٢ ]
الشيخ (محمود شلتوت)
مع تأويلهم إياها تأويلًا يؤدي في النهاية إلى الكفر بحقائقها؛ كالذين ينكرون النصوص المتواترة في الكتاب والسنة برؤية المؤمنين لربهم في الآخرة؛ بتأويل أن المقصود منها رؤية نعيم ربهم! وكالقاديانية الذين يؤمنون -زعموا- بقوله تعالى: (وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) [الأحزاب: ٤٠]، ثم يقولون ببقاء النبوة ومجئ أنبياء كثيرين بعده - ﷺ -؛ منهم (ميرزا غلام أحمد القادياني)! وإذا سألتهم عن هذه الآيه أجابوك بأنهم يؤمنون بها -طبعًا! - ولن معناها ليس كما فهمها المسلمون عن هذه الآية؛ أجابوك بأنهم يؤمنون بها -طبعًا- ولكن معناها ليس كما فهمها المسلمون من قبل! بل المعنى: ولكن خاتم النبيين؛ أي: زينتهم؛ كالخاتم زينة الأصبع! فهل يجدي إيمانهم بها عند الله شيئًا بعد أن فسروها بغير تفسيرها الحق؟!
كذلك أقول: إن إيمان هؤلاء العلماء بالأحاديث المتواترة بنزول عيسى ﵇ وقتله للدجال؛ لا يجديهم شيئًا مع تفسيرهم إياها بذلك التفسير الرمزي؛ لأنه خلاف ما يقطع به كل عالم متجرد عن الهوى إذا ما اطلع على النصوص الواردة فيهما.
وكأنه لذلك يلجأ بعضهم إلى الخلاص منها بطريقة أخرى - غير طريقة تفسيرها بالرمز - ألا وهي طريقة التشكيك في ثبوتها يقينًا بزعم أنها أحاديث آحاد! ومن هؤلاء الشيخ (محمود شلتوت)؛ فقد كنت قرأت له قديمًا جوابًا حول حياة عيسى ﵇ في السماء ونزوله في آخر الزمان -نشرته مجلة «الرسالة» يومئذٍ -رأيت فيها العجب العجاب من الجهل بحقيقة الأحاديث الواردة في نزوله ﵇، ومن ذلك زعمه أن طرقها كله تدور على وهب
[ ٢٣ ]
ابن منبِّه وكب الأحبار، فاستنكرت ذلك في نفسي؛ لأن ذهني كان خاليًا من مثل هذه الدعوى، ولكني قلت في نفسي: لعل ذلك بالنسبة لبعض الطرق، ولكن الشيخ يبالغ! وللتثبت من ذلك؛ اندفعت إلى تتبع أحاديث نزوله ﵇ من مصادرها الأصلية في كتب السنة - التي تروي الأحاديث بأسانيدها؛ كالأمهات الستة وغيرها - حتى اجتمع عندي في ذلك أحاديث كثيرة جدًا؛ من طرق متواترة عن أكثر من أربعين صحابيًا، فعجبت أشد العجب حين لم أر لوهبٍ وكعب ذكرًا في شيء من تلك الطرق أصلًا، حتى ما كان منها ضعيف الإسناد! فتيقنت حينئذٍ أن الشيخ -عفا الله عنه - كتب من ذاكرته؛ دون أن يراجع في ذلك كتابًا واحدًا من كتب السنة المشار إليها! فكتبت يومئذٍ رسالة مفصلة في الرد على فتواه، وهممت بإرسالها إلى مجلة «الرسالة»،ولكن أحد أصحابنا من الأدباء الأفاضل الذين يترددون إلى مصر نصحني بأن لا أرسلها، لأنهم سوف لا ينشرونها؛ لطولها أولًا؛ ولأن الشيخ شلتوت فوق مستوى النقد هناك؛ لا سيما من شخص غير مصري وغير مشهور عندهم!
قال: فأن كان ولا بد فاختصر الرسالة ما استطعت، ثم أرسلها إليهم لعلهم ينشرونها في المجلة، وما أظنهم فاعلين. وكذلك كان، فإني اختصرتها في صفحة ونصف، ثم أرسلتها، فلم تنشر!!
وللرد على أصحاب هذه الطريقة مفصّلًا مجال آخر غير هذا، ويكفي في ذلك اتفاق أهل العلم بالحديث وحفاظه على تواتر حديث الدجال ونزول
[ ٢٤ ]
تسمية الصحابة الذين رووا أحاديث الدجال -الذين خرجت أحاديثهم في هذه الدراسة
عيسى ﵇ من السماء؛ كالحافظ ابن كثير (١) وابن حجر وغيرهما؛ بل إن الإمام الشوكاني ألف رسالة سماها: «التوضيح في تواتر ما جاء في المنتظر والمهدي والمسيح»
وقد تيقَّنت - أنا شخصيًا -بتواتر أحاديث الدجال وعيسى حينما كتبت الرسالة المشار إليها آنفًا، وقد بلغت الطرق التي تجمعت عندي -يومئذٍ- أكثر من أربعين طريقًا عن نحو أربعين صحابيًّا، بعضها على شرط الصحة، وسائرها أكثر شواهدها معتبرة، ومن المؤسف أنني لا أدري أين بقيت الآن بسبب النقلة من دار إلى أخرى؟!
ثم تجدد يقيني بذلك في دراستي لحديث أبي أمامة المشار إليها في هذه المقدمة.
وإليك تسمية الصحابة الذين رووا أحاديث الدجال -الذين خرَّجت أحاديثهم في هذه الدراسة؛ علمًا بأنها لم تستقصِ كل ما ورد في ذلك لعدم مناسبته للدراسة المذكورة-:
١ - هشام بن عامر.
٢ - عبد الله بن مغفل.
٣ - حذيفة بن اليمان
٤ - جابر بن عبد الله
_________________
(١) «النهاية» لابن كثير (١/ ١٤٨)
[ ٢٥ ]
٥ - عبد الله بن عمر.
٦ - أنس بن مالك.
٧ - أبو هريرة.
٨ - النواس بن سمعان.
٩ - نفير بن مالك.
١٠ - عائشة
١١ - أم سلمة
١٢ - بعض أصحاب النبي - ﷺ -
١٣ - عبادة بن الصامت.
١٤ - عبد الله بن عباس.
١٥ - أبو بكر الثقفي.
١٦ - رجل من أصحاب النبي - ﷺ -
١٧ - سفينة مولى رسول الله - ﷺ -.
١٨ - أبو سعيد الخدري.
١٩ - فاطمة بنت قيس.
٢٠ - أم شريك
[ ٢٦ ]
٢١ - عبد الله بن مسعود.
٢٢ - عبد الله بن عمرو.
وهناك صحب آخرون روى عنهم أحاديث في الدجال بأسانيد لا بأس بها في الشواهد؛ وهم:
٢٣ - أبو أمامة.
٢٤ - سعد بن أبي وقاص
٢٥ - عبد الله بن مغنم.
٢٦ - أسماء بنت يزيد الأنصارية.
٢٧ - محجن بن الأدرع.
٢٨ - عثمان بن أبي العاص.
٢٩ - سمرة بن جندب.
٣٠ - مجمَّع بن جارية.
٣١ - أسماء بنت عميس.
ثم إليك أسماء الصحابة الذين رووا حديث نزول عيسى ﵇:
١ - عبد الله بن مغفل.
٢ - أبو هريرة.
٣ - النواس بن سمعان.
[ ٢٧ ]
٤ - نفير بن مالك.
٥ - عائشة.
٦ - جابر بن عبد الله.
٧ - أبو هريرة.
٨ - حذيفة بن أسيد.
٩ - عبد الله بن عمرو
وهذه أسماء الصحابة الآخرين الذين روي عنهم أحاديث نزول عيسى ﵇ بأسانيد لا بأس بها في الشواهد:
١٠ - أبو أمامة الباهلى.
١١ - بعض أصحاب محمد - ﷺ -.
١٢ - سمرة.
١٣ - حذيفة بن اليمان.
١٤ - مجمّع بن جارية الأنصاري.
إن هذا العرض السريع لطرق حديث الدجال، وحديث عيسى ﵊، ورواتها من الصحابة الكرام الصادقين؛ ليتبين لكل ذي عينين أن الحديث متواتر بذلك، وأن كل من يشك في ذلك فهو من المرتابين في الدين كله، أو هو - على الأقل - معرَّض لذلك أشد التعريض؛ لأن ما كان
[ ٢٨ ]
منه متواترًا -كالقرآن وبعض الأحاديث - فهي معرَّضة عنده لجحدها بطريق التأويل؛ بل التعطيل، وما كان منها لم يبلغ مبلغ التواتر؛ فهي معرَّضة لديه لإنكارها بطريق الشك في ثبوت نسبتها إلى النبي - ﷺ -.
ومن هنا يظهر أن كل المؤمنين بالدين الإسلامي؛ فهم على خطر في إيمانهم إذا لم يعتمدوا على مذهب أهل الحديث في تلقيهم للدين؛ فإنهم أعلم الناس بما هو منه ثبوتًا، وما ليس منه روايةً، وأعرف الناس بمعانيها ومقاصدها؛ لأنهم تلقوا كل ذلك عن رسول الله - ﷺ - بالطرق العلمية الصحيحة التي لا سبيل إلى معرفة الدين إلا بها، وبدونها يصير الدِّين هوىً متَّبعًا، وهذا هو الداء العضال الذي أصاب العالم الإسلامي اليوم، ولم ينج منه إلا الطائفة المنصورة التي بشر بها رسول الله - ﷺ - في أحاديث كثيرة متواترة؛ منها قوله - ﷺ -:
«لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم؛ حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال» (١).
أقول: ولعل الذي ذكرنا من طريق المرتابين هو السبب في تشديد عمر على المكذبين بالدجال -وغيره مما ثبت في السنة الصحيحة -فقد روى يوسف بن مهران عن ابن عباس قال: سمعت عمر بن الخطاب - ﵁ - على المنبر وهو يقول:
_________________
(١) خرَّجته في «الصحيحة» برقم (١٩٥٩)
[ ٢٩ ]
الأمر الثاني
«سيكون فيكم قوم من هذه الأمة يكذبون بالرجم، ويكذبون بالدجال، ويكذبون بطلوع الشمس من مغربها، ويكذبون بعذاب القبر، ويكذبون بالشفاعة، ويكذبون بقوم يخرجون من النار بعدما امتحشوا، فلئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد وثمود».
أخرجه الداني في «الفتن» (ق٢٣/ ٢)، وأحمد (١/ ٢٣) مختصرًا، وإسناده حسن.
الأمر الثاني -مما شجعني على تأليف هذه الرسالة -:أن الناس كافة -عامة وخاصة؛ إلا من شاء الله - لم يعودوا يتحدثون عن خروج الدجال ونزول عيسى ﵊؛ مصداقًا لما في «زوائد مسند أحمد» (٤/ ٧٢) عن راشد بن سعد قال:
لما فتحت اصطخر نادى منادٍ: ألا إن الدجال قد خرج.
قال: فلقيهم الصعب بن جثامة، قال: فقال: لولا ما تقولون لأخبرتكم أني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:
«لا يخرج الدجال حتى يذهل الناس عن ذكره، وحتى تترك الأئمة ذكره على المنابر» (١).
_________________
(١) قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ٣٣٥): «رواه عبد الله بن أحمد من رواية بقية عن صفوان بن عمرو، وهي صحيحة كما قال ابن معين، وبقَّةُ رجالهِ ثقات». وعزاه في مكان آخر (٧/ ٣٥١) لأحمد نفسه فوهم!
[ ٣٠ ]
ولقد صدق هذا الخبر على أئمة المساجد، فتركوا ذكر الدجال على المنابر وهم خاصة الناس؛ فماذا يكون حال عامتهم؟! وإذا كان الله ﵎ قد جعل بحكمته لكل شيء سببًا؛ فلست أشك أن سبب هذا الإهمال لذكره - مع اهتمام الرسول - ﷺ - أشد الاهتمام في التحذير من فتنته؛ كما ستراه فيما يأتي في أول قصته -إنما هو تشكيك بعض الخاصة في الأحاديث الواردة فيه؛ تارة في ثبوتها وعدم ورودها بطريق التواتر -زعموا- وتارة في دلالتها كما تقدم بيانه، فكان من الواجب أن يقوم أهل العلم بواجبهم؛ فيبينوا للأمة ما حدثهم به رسول الله - ﷺ - من فتنة الدجال وقتل عيسى ﵊ إياه؛ بنفس الطريق التي تتلقى الأمة به عن النبي - ﷺ - كل ما يتعلق بدينها- من عقائد وعبادات ومعاملات وأخلاق وغيرها، ألا وهو الحديث النبوي - وبذلك يقضى على السبب المشار إليه، ويعود الناس فيذكرون الدجال وفتنته، فيتخذون الأسباب لاتقائها، فلا يغترون بأضاليله وتحاريفه التي لا يصدق بإمكان وقوعها من مِثله إلا المؤمن - الذي لا يرتاب أدنى ارتياب فيما جاء من أنواع الفتن، (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) [القصص: ٦٨].
فإذا علم المؤمن بذلك وآمن به؛ اتخذ الأسباب التي تعصمه من فتنته؛ وهي:
[ ٣١ ]
الأسباب التي تعصم من فتنة الدجال
أولا
أولًا: الاستعاذة بالله تعلى من شر فتنته، والإكثار منها؛ لا سيما في التشهد الأخير في الصلاة فقد قال رسول الله - ﷺ -:
«إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر؛ فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم! إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال» (١)
وثبت في «الصحيحين» وغيرهما عن جمع من الصحابة -منهم عائشة - ﵂ -:أن النبي - ﷺ - كان يستعيذ من فتنته.
بل إنه أمر بالاستعاذة من أمرًا عامًا؛ كما في حديث زيد بن ثابت قال: بينما النبي - ﷺ - في حائط لبني النجار على بغلة له -ونحن معه- إذ حادت به فكادت تلقيه، وإذا أَقْبُرُ ستة أو خمسة أو أربعة، فقال «من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟»
فقال رجل: أنا.
قال: «فمتى مات هؤلاء؟»
قال: ماتوا في الإشراك (وفي رواية: في الجاهلية).
فقال: «إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا؛ لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه»،ثم أقبل علينا بوجهه فقال:
_________________
(١) انظر «صفة الصلاة» (ص١٩٩ - الطبعة السابعة).
[ ٣٢ ]
ثانيا
ثالثا
«تعوذوا بالله من عذاب النار». قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار. فقال: «تعوّذوا بالله من عذاب القبر».قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر». قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر. قال: (تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن».قالوا: نعوذ بالله من الفتن ماظهر منه وما بطن. قال
«تعوذوا بالله من فتنة الدجال».قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال. (١).
ثانيًا: أن يحفظ عشر آيات من أول سورة (الكهف) فقد قال - ﷺ -:
«من حفظ عشر آيات من أول سورة (الكهف)؛ عصم من [فتنة] الدجال».
رواه مسلم وغيره عن أبي الدرداء (٢).
ثالثا: أن يبتعد عنه، ولا يتعرض له؛ إلا إن كان يعلم من نفسه أن لن يضره لثقته بربه، ومعرفته بعلاماته التي وصفه النبي - صلى لله عليه وسلم - بها؛ لقوله ﵊: «من سمع بالدجال فلينأ عنه، فوالله؛ إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه: مما يبعث به من الشبهات».
أخرجه أحمد وغيره، عن عمران بن حصين (٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٨/ ١٦١)،وأحمد (٥/ ١٩٠)
(٢) رواه مسلم وغيره، وفي رواية له «آخر الكهف» وهي شاذة؛ كما حققته في «الصحية» رقم (٢٦٥١).ويشهد للرواية الأولى حديث النواس الآتي في الفقرة (٥) -تخريج فقرات القصة، وحديث أبي أمامة في الفقرة (١٤)
(٣) وهو مخرج في «المشكاة» (٥٤٨٨)، ورواه حنبل أيضًا في «الفتن» (ق٤٦/ ٢).
[ ٣٣ ]
رابعا
رابعًا: أن يسكن مكة والمدينة، فإنهما حرمان آمنان منه؛ لقوله ﷺ:
«يجئ الدجال فيطأ الأرض إلا مكة والمدينة، فيأتى المدينة؛ فيجد بكل نقب من نقابها صفوفًا من الملائكة».
أخرجه الشيخان وغيرهما عن أنس بن مالك ﵁ (١).
ومثلهما المسجد الأقصى والطور؛ كما يأتى فى الفقرة (٢٤ - السياق).
واعلم أن هذه البلاد المقدسة إنما جعلها الله عصمة من الدجال لمن سكنها وهو مؤمن ملتزم بما يجب عليه من الحقوق والواجبات تجاه ربها، وإلا فمجرد استيطانها - وهو بعيد فى حياته عن التأدب بآداب المؤمن فيها - فَمِمَّا لا يجعله فى عصمة منه، فسيأتى فى الفقرة (٢٥ - أبو أمامة، ٣٠ - السياق) أن الدجال -عليه لعائن الله- حين يأتى المدينة النبوية وتمنعه الملائكة من دخولها؛ ترجف بأهلها ثلاث رجفات، فلا يبقى فيها منافق ولا منافقة إلا خرج إليه.
فهؤلاء المنافقون والمنافقات -وقد يكون نفاقهم عمليًّا- لم يَعْصِمْهُمْ من الدجال سكنهم فى المدينة النبوية؛ بل خرجوا إليه، وصاروا من أتباعه كاليهود! وعلى العكس من ذلك؛ فمن كان فيها منالمؤمنين الصادقين فى إيمانهم؛ فهم مع كونهم فى عصمة من فتنته؛ فقد يخرج إليه بعضهم متحديًا
_________________
(١) وهو مخرّج فى «الصحيحة» (٢٤٥٧).
[ ٣٤ ]
وينادى فى وجهه: هذا هو الدجَّال الذى كان رسول الله ﷺ يحدثنا حديثه كما سيأتى فى الفقرة (٣١ - السياق).
فالعبرة إذن بالإيمان والعمل الصالح، فذلك هو السبب الأكبر فى النجاة، وأما السكن فى دار الهجرة وغيرها؛ فهو سبب ثانوى، فمن لم يأخد بالسبب الأكبر؛ لم يفده تمسكه بالسبب الأصغر، وقد أشار إلى هذا النبى - ﷺ - بقوله للذى سأله عن الهجرة:
«ويحك! إن شان الهجرة لشديد! فهل لك من إبل؟». قال: «فهل تؤتى صدقتها؟» قال: نعم. قال: «فاعمل من وراء البحار، فإن الله لن يترك من عملك شيئًا» (١).
وما أحسن ما روى الإمام مالك فى «الموطأ» (٢/ ٢٣٥) عن يحيى بن سعيد:
«أن أبا الدرداء كتب إلى سلمان الفارسى: أن هلمَّ إلى الأرض المقدسة. (يعنى: الشام). فكتب لإليه سلمان:
إن الأرض لا تقدس أحدًا، وإنما يقدسُ الإنسانَ عملُهُ».
وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥].
_________________
(١) أخرجه البخارى (٧/ ٢٠٧ - فتح)، ومسلم (٦/ ٢٨)،وأبو داود (١/ ٣٨٨)، والنسائي (٢/ ١٨٢)، وأحمد (٣/ ٦٤).
[ ٣٥ ]
من أجل ذلك؛ لا يجوز للمسلمين اليوم أن يتركوا العمل للإسلام وإقامة دولته على وجه الأرض؛ انتظارًا لخروج المهدى ونزول عيسى عليهما الصلاة والسلام؛ يأْسًا منهخم؛ أو توهمًا أن ذلك غير ممكن قبلهما ّ فإن هذا توهم باطل، ويأس عاطل، فإن الله تعالى أو رسوله - ﷺ - لم يخبرنا أن لا عودة للإسلام ولا سلطان له على وجه الارض إلا فى زماكنهما، فمن الجائز أن يتحقق ذلك قبلهما إا أخذ المسلمون بالإسباب الموجبة لذلك؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧]، وقوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠].
ولقد كان هذا التوهم من أقوى الأسباب التى حملت بعض الأساتذة المرشدين والكُتّاب المعاصرين على إنكار أحاديث المهدى وعيسى ﵉على كثرتها وتواترها-لما رأوا أنها عند المتوهمين مدعاة للتواكل عليها وترك العمل لعز الإسلام من أجلها! فأخطؤوا فى ذلك أشد الخطأ من وجهين:
الأول: أنَّهم أقروهم على هذا التوهم؛ على اعتبار أن مصدره تلك الأحاديث المشار إليها؛ وإلا لم يبادروا إلى إنكارها!
والآخر: أنهم لم يعرفوا كيف ينبغى عليهم أن يعالجوا التوهم المذكور؟ وذلك بإثبات الأحاديث، وإبطال المفاهيم الخاطئة من حولها، وما مثلهم فى ذلك إلا كمثل من أنكر عقيدة الإيمان بالقدر خيره وشره؛ لأن بعض المؤمنين به فهموا منه أن لازمه الجبر، وأن المكلَّف لا كسب له ولا اختيار، ولما كان هذا الفهم باطلًا بداهة ساعروا إلى إنكاره، ولكنهم أنكروا مَعَهُ القدر أيضا؛
[ ٣٦ ]
لتوهمهم -أيضًا مع المتوهمين- أنه يعنى الجبر، فوافقهم فى خطئهم فى التوهم المذكور، ثم زادوا عليه خطأ آخر -فرارًا من الأول- وهو إنكارهم القدر نفسه! فلولا أنهم شاركوهم فى فهمهم منه الجبر لما أنكروه!
وهذا هو عين ما صنعه البعض المشار إليه من الأساتذة والكُتّاب؛ فإنهم لما رأوا تواكل المسلمين -إلا قليلًا منهم- على أحاديث المهدى وعيسى؛ بادروا إلى إنكارها لتخليصهم بزعمهم من التواكل المذكور! فلم يصنعوا شيئًا؛ لأنهم لم يستطيعوا تخليصهم بذلك من جهة؛ ولا هم كانوا على هدى فى إنكارهم للأحاديث الصحيحة من جهة أخرى.
والحقيقة أن هؤلاء المنكرين -الذين يفهمون من هذه الأحاديث ما لا تدك عليه من التواكل المزعوم، ولذلك يبادرون إلى إنكارها تخلّصًا منه- قد جمعوا بين المصيبتين: الضلال فى الفهم، والكفر بالنص! ولكنهم عرفوا أن الفهم المذكور ضلالة فى نفسه، فأنكروه بأنكار النص الذى فهموا ذلك منه! وعكس ذلك العامة؛ فآمنوا بالنص مع الفهم المذكور، فمع كل من الفريقين هدى وضلالة، والحق الأخذ بهدى كل منهما، ونبذ الضلال الذى عندهما؛ وذلك بالإيمان بالنص دون ذلك الفهم الخاطئ.
وما مثل هؤلاء وهؤلاء إلا كمثل المعتزلة من جهة؛ والمشبَّهة من جهة أخرى، فإن الأولين تأولوا آيات وأحاديث الصفات بتآويل باطلة أودت بهم إلى إنكار الصفات الإلهية، وما حملهم على ذلك إلا فرارهم من التشبيه الذى وقع فيه المشبَّهة أن المعتزلة أنفسهم شاركوا المشبَّهة فى فهم التشبيه
[ ٣٧ ]
من آيات الالصفات، ولكنهم افترقوا عنهم بإنكار التشبيه بطريق التأويل الذى هو باطل أيضًا؛ كالتشبيه لما لزم منه من إنكار الصفات الإلهية، وأما المشبِّهة فلم يقعوا فى هذا الباطل، ولكنهم ثبتوا على التشبيه، والحق الجمع بين صواب هؤلاء وهؤلاء، ورد باطل هؤلاء وهؤلاء: وذلك بالإثبات والتنزيه، كما قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
وكذلك أقول من أحاديث نزول عيسى ﵇ وغيرها؛ فإن الواجب فيها إنما هو الإيمان بها، وردّ ما توهمه المتوهمون منها؛ من ترك العمل والاستعداد الذى يجب القيام به فى كل زمان ومكان، وبذلك نكون قد جمعنا بين صواب هؤلاء وهؤلاء، وردننا باطل هؤلاء وهؤلاء. والله المستعان.
[ ٣٨ ]