الفصل الأول: مذاهب الناس في التكفير
المبحث الأول: الخوارج ورأيهم
الخوارج يقال لهم: (الحَرورية) نسبة إلى قرية خرجوا منها يقال لها: حروراء، وكل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه [وكفر بالمعاصي] يسمى خارجيًّا (١)، سواء كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين، أو كان بعدهم على التابعين بإحسان، والأئمة في كل زمان (٢)، ولما اختلفت الخوارج صارت عشرين فرقة (٣)، وكبار الفرق منهم: المحكِّمة، والأزارقة، والنجدات، والبيهسية، والعجاردة، والثعالبة، والإباضية، والصفرية، والباقون فروعهم، ويجمعهم القول بالتبرؤ من عثمان وعلي ﵄، ويقدّمون ذلك على كل طاعة، ولا يصحّحون المناكحات إلا على ذلك، ويكفّرون أصحاب الكبائر (٤)، ويستحلّون دماءهم، وأموالهم، وقالوا: بخلود العصاة في النار، ويرون اتّباع الكتاب دون السنة التي تخالف ظاهر الكتاب وإن كانت متواترة، ويكفّرون من خالفهم، ويستحلّون منه - لارتداده عندهم - ما لا يستحلونه من الكافر الأصلي (٥)، ويرون الخروج على الإمام إذا خالف السنة حقًّا واجبًا (٦)، ويجمع الخوارج على اختلاف
_________________
(١) انظر: التفصيل في هذا المبحث الخامس من الفصل الأول من الباب الأول من هذه الرسالة.
(٢) الملل والنحل للشهرستاني، ١/ ١١٤، وذكر جميع الفرق بالتفصيل لمذهب كل فرقة.
(٣) الفرق بين الفرق لعبد القاهر بن طاهر البغدادي، ص٢٤،وذكر أسماء الفرق، ص٢٤،وص٧٣.
(٤) الملل والنحل لأبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، ١/ ١١٥.
(٥) فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٣/ ٣٣٥، وانظر الأجوبة المفيدة على أسئلة العقيدة للجطيلي، ص٥٨ - ٦٠.
(٦) الملل والنحل للشهرستاني، ١/ ١١٥.
[ ٩٧ ]
مذاهبهم تكفير علي، وعثمان، وأصحاب الجمل، والحكمين، ومن رضي بالتحكيم، أو صوّب الحكمين، أو أحدهما، والخروج على السلطان الجائر ولم يُرضَ ما حكاه الكعبي من إجماعهم على تكفير مرتكبي الذنوب، والصواب ما حكاه أبو الحسن عنهم وقد أخطأ الكعبي في دعواه إجماع الخوارج على تكفير مرتكبي الذنوب منهم، وذلك أن النجدات من الخوارج لا يكفّرون أصحاب الحدود من موافقيهم، وقالت النجدات: إن صاحب الكبيرة من موافقيهم كافرٌ بنعمة وليس فيه كفرُ دين (١).
قال عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي: إن المُحَكِّمة الأولى من الخوارج قالوا: بتكفير علي، وعثمان، وطلحة، والزبير، وعائشة، وأصحاب الجمل، وبتكفير معاوية، والحكمين، وأصحاب الذنوب من هذه الأمة وما زادوا على ذلك، حتى ظهرت الأزارقة منهم، فزعموا أن مخالفيهم مشركون، وكذلك أهل الكبائر من موافقيهم، واستحلّوا قتل النساء والأطفال من مخالفيهم، وزعموا أنهم مخلّدون في النار (٢).
وما تمسَّك به الخوارج والمعتزلة وأمثالهم، من التشبّث بنصوص الكفر والفسوق الأصغر، واستدلالهم به على الأكبر فذلك مما جنته أفهامهم الفاسدة، وأذهانهم البعيدة، وقلوبهم الغلف، فضربوا نصوص الوحي بعضها ببعض، واتّبعوا ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله.
فقالت الخوارج: المُصِرُّ على كبيرة من زنا، أو شرب خمر، أو ربًا، كافر
_________________
(١) الفَرق بين الفِرق، ص٧٣ - ٧٤.
(٢) أصول الدين لأبي منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي، ص٣٣٢.
[ ٩٨ ]
مرتدّ خارج من الدين بالكلية، لا يُصلّى عليه، ولا يُدفن في مقابر المسلمين، ولو أقرّ لله تعالى بالتوحيد، وللرسول - ﷺ - بالبلاغ، ولو صلى وصام، وزكّى، وحجّ، وجاهد، وهو مخلّد في النار أبدًا مع إبليس، وجنوده، ومع فرعون، وهامان، وقارون (١).
وفسرّوا الآيات القرآنية بما يؤيّد قولهم في تكفير من يرتكب الكبائر مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ (٣). قالوا: فلم يجعل الله منزلة ثالثة تقع وسطًا بين الكفر والإيمان، ومن كفر وحبط عمله فهو مشرك، والإيمان رأس الأعمال، وأول الفرائض ومن ترك ما أمره الله به فقد حبط عمله، وإيمانه، ومن حبط عمله فهو بلا إيمان، والذي لا إيمان له مشرك كافر (٤).
ومما تمسّك به الخوارج قوله - ﷺ -: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» (٥)، ويأتي الرّدّ عليهم إن شاء الله في فصل مناقشة الآراء (٦).
_________________
(١) معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد، ٢/ ٤٢٠.
(٢) سورة المائدة، الآية: ٥.
(٣) سورة التغابن، الآية: ٢.
(٤) الخوارج، الأصول التاريخية لمسألة تكفير المسلم، ص٣٠.
(٥) متفق عليه، البخاري، كتاب المظالم، باب النهبى بغير إذن صاحبه، برقم ٢٤٧٥، ومسلم، واللفظ له، كتاب الإيمان، با ب نقصان الإيمان بالمعاصي، برقم ٥٧.
(٦) انظر المبحث الأول من الفصل الثاني من الباب الثالث.
[ ٩٩ ]
المبحث الثاني: المعتزلة ورأيهم
وأما القدرية المعتزلة عن الحق، فقد افترقت عشرين فرقة كل فرقة منها تُكَفَّر سائرها، يجمعها كلها في بدعتها أمور: منها اتفاقهم على دعواهم في أن الفاسق من أمة الإسلام يكون في منزلة بين المنزلتين (١).
وسبب تسمية المعتزلة أنه دخل واحد على الحسن البصري (٢) فقال:
يا إمام الدين، لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفّرون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم كفر يُخرج به عن الملة - وهم وعيدية الخوارج - وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان، بل العمل على مذهبهم ليس ركنًا من الإيمان. ولا يضرّ مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة - وهم مرجئة الأمة - فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقادًا؟
فتفكّر الحسن في ذلك، وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول: إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلقًا، ولا كافر مطلقًا، بل هو في منزلة بين المنزلتين: لا مؤمن ولا كافر، ثم قام واعتزل إلى أسطوانة من أسطوانات المسجد يقرر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن،
_________________
(١) الفرق بين الفرق، ص٢٤، وساق أسماء الفرق فقال: الواصلية، والعمْرَوية، والهُذلية، والنَّظَّاميّة، والمردارية، والعُمَرية، والبشرية، والثُّماميّة، والجاحظية، والأسوارية، والإسكافية، والجعفرية، والخياطية، والشحامية، والهشامية، وأصحاب صالح قبة، والمريسيّة، والكعبية، والجُبَّائية، والبهشمية المنسوب إلى أبي هاشم بن الجُبَّائي. الفرق بين الفرق، ص١١٤، وص٢٤، وانظر الملل والنحل للشهرستاني، ١/ ٤٣ - ٨٥.
(٢) توفي الحسن البصري سنة ١١٠هـ.
[ ١٠٠ ]
فقال الحسن: اعتزلنا واصل، فسُمّي هو وأصحابه معتزلة (١).
والمعتزلة هم: نُفاة الصفات، قالوا: هو عالم بذاته، قادر بذاته، حي بذاته إلخ، ويتفق مذهبهم مع مذهب الخوارج في حكم العصاة في الآخرة، وهو القول بخلود العصاة في النار، أما في الدنيا فلا يستحلّون شيئًا من دماء وأموال الفسقة - كما تفعل الخوارج - لكنهم اتفقوا مع الخوارج في إخراجهم من الإيمان واختلفوا معهم في دخولهم في الكفر، فقالت المعتزلة: خرجوا من الإيمان، ولم يدخلوا في الكفر، فهم في منزلة بين المنزلتين. أما الخوارج فيُخرجون الفساق من الإيمان، ويُدخلونهم في الكفر بمجرد الكبيرة (٢)، أما المعتزلة فيقولون: العصاة ليسوا مؤمنين ولا كافرين، ولكن نُسمّيهم فاسقين، فجعلوا الفسق منزلة بين المنزلتين، ولكنهم لم يحكموا للفاسق بمنزلة في الآخرة بين المنزلتين، بل قضوا بتخليده في النار أبدًا كالخوارج، فوافقوا الخوارج مآلًا، وخالفوهم مقالًا، وكان الكلّ مخطئين ضلالًا (٣). فالمعتزلة قرّروا أن مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين في الدنيا، ومخلّد في النار يوم القيامة ما لم يتب (٤).
ومن أدلّة المعتزلة على أنّ مرتكب الكبيرة ليس مؤمنًا قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ
_________________
(١) الملل والنحل للشهرستاني، ١/ ٤٨.
(٢) الأجوبة المفيدة على أسئلة العقيدة للجطيلي، ص٥٩، وشرح العقيدة الطحاوية، ص٣٥٦.
(٣) معارج القبول بشرح سلم الوصول في التوحيد، ٢/ ٤٢١.
(٤) موقف المعتزلة من السنة النبوية ومواطن انحرافهم عنها، ص١٤٠، ط ٩٩، دار اللواء.
[ ١٠١ ]
بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١).
فلا يجوز - على ملحظ القاضي عبد الجبار - أن يكون الرسول - ﷺ - رؤوفًا رحيما ً بمن يقيم عليه الحدّ من أهل الكبائر، وبمن يلعنه، وكذلك يحتجّ المعتزلة بجملة من الأحاديث منها قوله - ﷺ -: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» (٢).
وقوله - ﷺ -: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له» (٣).
أمّا أدلّة المعتزلة فيما ذهبوا إليه من تأبيد العقاب في النار لأصحاب المعاصي فمنها قول الرسول - ﷺ -: «من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم، خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن شرب سمًّا فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم، خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن تردَّى من جبل فقتل نفسه فهو يتردّى في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا» (٤).
وقوله - ﷺ -: «يدخل أهل الجنة الجنة، ويدخل أهل النار النار، ثم يقوم
_________________
(١) سورة التوبة، الآية: ١٢٨.
(٢) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان نقصان الإيمان بالمعاصي، ونفيه عن المتلبس بالمعصية على إرادة نفي كماله، بقرقم ٥٧.
(٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند، ٣/ ١٣٥، وأبو يعلى في مسنده، برقم ٢٨٦٣، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم ٧١٧٩.
(٤) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب ما جاء في قاتل النفس، برقم ١٣٦٣، ومسلم في كتاب الإيمان، باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه وأن من قتل نفسه بشيء عذب به في النار، وأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، برقم ١٠٩، واللفظ له.
[ ١٠٢ ]
مؤذّن بينهم فيقول: يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت، كل خالد فيما هو فيه» (١)، ويأتي الرّدّ على المعتزلة فيما ذهبوا إليه إن شاء الله في فصل المناقشة لمذهبهم ومذهب غيرهم (٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب يدخل الجنة سبعون ألفًا بغير حساب، برقم ٦٥٤٤، ومسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، والنار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء، برقم ٢٨٥٠، واللفظ له.
(٢) انظر: المبحث الثاني من الفصل الثاني من الباب الثالث من هذه الرسالة.
[ ١٠٣ ]
المبحث الثالث: الشيعة ورأيهم
وهم خمس فرق: كيسانية، وزيدية، وإمامية، وغلاة، وإسماعيلية، وبعضهم يميل في الأصول إلى الاعتزال، وبعضهم إلى السنة، وبعضهم إلى التشبيه (١).
وهم الذين شايعوا عليًّا - ﵁ - على الخصوص وقالوا: إنّ عليًّا أفضل الناس بعد رسول الله - ﷺ - وأحقّهم بالإمامة وولده من بعده (٢).
وقالوا بإمامته وخلافته، نصًّا ووصاية، واعتقدوا أنّ الإمامة لا تخرج من أولاده، وإن خرجت فبظلم يكون من غيره، أو بتقية من عنده، وقالوا: وليست الإمامة قضية مصلحية، تناط باختيار العامّة، وينتصب الإمام بنصبهم، بل هي قضية أصولية، هو ركن الدين لا يجوز للرسول - ﵇ - إغفاله وإهماله، ولا تفويضه إلى العامة ويجمعهم القول بوجوب التعيين والتنصيص، وثبوت عصمة الأئمة وجوبًا عن الكبائر، والصغائر، والقول بالتولّي، والتبرّؤ قولًا، وفعلًا، وعقدًا، إلا في حالة
_________________
(١) الملل والنحل للشهرستاني، ١/ ١٤٦، وقال البغدادي في كتابه «الفرق بين الفرق» ص٢١: وأما الرافضة فإن السبئية منهم أظهروا بدعتهم في زمان علي - ﵁ - فقال بعضهم لعلي: أنت الإله فأحرق عليٌّ قومًا منهم ونفى ابن سبأ إلى ساباط المدائن، وهذه الفرقة ليست من فرق أمة الإسلام لتسميتهم عليًّا إلهًا. ثم افترقت الروافض بعد زمان علي - ﵁ - أربعة أصناف: زيدية، وإمامية، وكيسانية، وغلاة، وافترقت الزيدية فرقًا، والإمامية فرقًا، والغلاة فرقًا، وكل فرقة منها تكفر سائرها وجميع فرق الغلاة منهم خارجون عن فرق الإسلام فأما فرق الزيدية، وفرق الإمامية فمعدودون في فرق الأمة.
(٢) الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم، ٢/ ١١٣، والملل والنحل للشهرستاني، ١/ ١٤٦.
[ ١٠٤ ]
خلاصة القول في مذهب الشيعة
١ - الطعن في أبي بكر - ﵁ -:
٢ - الطعن في عمر:
التقية، ويخالفهم بعض الزيدية (١).
وكان مبدأ مذهب الشيعة على يد زعيمهم - الخبيث - عبد الله بن سبأ اليهودي المتظاهر بالإسلام، وهو منافق حاقد، حيث كان أول من أظهر الطعن في أبي بكر، وعمر، وعثمان صهر رسول الله - ﷺ -، ومن ذلك اليوم إلى يومنا هذا والشيعة بهذه العقيدة وتمسكوا بها، والتفّوا حولها، فالذي لا يبغض خلفاء رسول الله - ﷺ - الثلاثة ليس عندهم بشيعي، أي لا يحب عليًّا عندهم.
وخلاصة القول في مذهب الشيعة: هو الطعن في أصحاب النبي - ﷺ -، بل في كبار الصحابة - ﵃ -، وإليك أمثلة لذلك من كتبهم:
١ - الطّعن في أبي بكر - ﵁ -: روى الكشي عن زرارة بن أعين عن أبي جعفر أن محمد بن أبي بكر بايع عليًّا - ﵇ - على البراءة من أبيه (٢).
ومن الشيعة الذين رفضوا زيد بن علي بن الحسين لما سألوه عن أبي بكر وعمر فأثنى عليهما خيرًا، فرفضوه عند ذلك، فسمّوا رافضة، وهم يسبون الصحابة ويلعنونهم، وقد يغلو البعض في علي بن أبي طالب - ﵁ - (٣).
٢ - الطعن في عمر: ومن طعن الشيعة في عمر الفاروق - ﵁ - يكذب ابن بابويه القمي الشيعي على الفاروق ويقول: «قال عمر حين حضره الموت: أتوب إلى الله من ثلاث: اغتصابي هذا الأمر، أنا وأبو بكر من
_________________
(١) الملل والنحل للشهرستاني، ١/ ١٤٦.
(٢) الشيعة والسنة، ص٣٢.
(٣) الأجوبة المفيدة على أسئلة العقيدة، ص٥٩.
[ ١٠٥ ]
٣ - طعنهم في بقية أصحاب النبي - ﷺ - وأزواجه أمهات المؤمنين
دون الناس، واستخلافه عليهم، وتفضيل المسلمين بعضهم على بعض، ويذكر علي بن إبراهيم القمي الذي هو عندهم ثقة في الحديث، معتمد صحيح المذهب في تفسيره تحت قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ (١)، قال أبو جعفر: الأول (يعني أبا بكر) يقول: يا ليتني اتخذت مع الرسول عليًّا وليًّا، «يا ليتني لم أتخذ فلانًا خليلًا» يعني الثاني (عمر) (٢).
روى الكليني عن أبي عبد الله في قوله - ﷿ -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ (٣)، قال: نزلت في فلان وفلان .. آمنوا بالنبي - ﷺ - في أول الأمر، وكفروا حيث عرضت عليهم الولاية حين قال النبي - ﷺ -: «من كنت مولاه فعليٌّ مولاه»، ثم آمنوا بالبيعة لأمير المؤمنين - ﵇ -، ثم كفروا حيث قضى رسول الله - ﷺ - فلم يقرّوا بالبيعة، ثم ازدادوا كفرًا بأخذهم من بايعه بالبيعة لهم، فهؤلاء لم يبق فيهم من الإيمان شيء! وبيّن شارح الكافي أن المراد من فلان وفلان أبو بكر، وعمر، وعثمان، وكذبوا قاتلهم الله!
٣ - طعنهم في بقية أصحاب النبي - ﷺ - وأزواجه أمهات المؤمنين، فلم يكتفِ الشيعة بالطعن والتعريض في رحماء رسول الله - ﷺ -، بل تطرقوا إلى أعراض آل النبي ورفقته الكبار، وخاصة الذين هاجروا في سبيل الله
_________________
(١) سورة الفرقان، الآية: ٢٧.
(٢) الشيعة والسنة، ص٣٤ - ٣٥، وذكر تأويلات غير ما ذكر هنا، نسأل الله العافية.
(٣) سورة النساء، الآية: ١٣٧.
[ ١٠٦ ]
وجاهدوا في الله حقّ جهاده، ونشروا دينه الذي ارتضى لهم، ناقمين، وحاسدين جهودهم المشكورة، فهاهم يسبّون حتى عمّ النبي - ﷺ - العباس وابنه عبد الله بن العباس، حبر الأمة، وترجمان القرآن وطعنوا في سيف الله خالد بن الوليد، وطعنوا في عبد الله بن عمر، ومحمد بن مسلمة - ﵃ - (أجمعين) وطعنوا كذلك في طلحة والزبير، اللذين هما من العشرة المبشرين بالجنة، وقد قال النبي - ﷺ -: «أوجب طلحة» (١)، يعني الجنة. وقال النبي - ﷺ - في الزبير: «إن لكل نبي حواريًا وحواريِّ الزبير» (٢)، وطعنوا في أنس بن مالك والبراء بن عازب - ﵃ -. وطعنوا في أزواج النبي - ﷺ -، وخاصة أم المؤمنين عائشة ﵂، وهي المبرأة من فوق سبع سموات، وأخيرًا كفَّروا جميع الصحابة عامّة. هذه هي عقيدة القوم من أولهم إلى آخرهم كما رسمها اليهود لهم، حتى صار دينهم الذي يدينون به دين الشتائم والسّباب، ولكنهم لم يكتفوا بالسّباب والشتائم على عدد كبير من أصحاب رسول الله - ﷺ -، بل هوت بهم الهاوية حتى كفَّروا جميع أصحاب رسول الله - ﷺ - إلا النادر منهم، فهذا هو الكشي أحد صناديدهم يروي عن أبي جعفر أنه قال: كان الناس أهل ردّة بعد النبي - ﷺ - إلا ثلاثة، فقلت ومن الثلاثة؟ فقال: المقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري، وسلمان
_________________
(١) أخرجه الترمذي في كتاب المناقب، باب مناقب طلحة بن عبيد الله - ﵁ -، برقم ٣٧٣٨.وأحمد في المسند،١/ ١٦٥،وأبو يعلى في المسند،٢/ ٣٣،برقم ٦٧٠،والحاكم في المستدرك،٣/ ٢٥، ٣٧٤، وقال: «صحيح على شرط مسلم»، ووافقه الذهبي، وقال أبو عيسى: «هذا حديث حسن غريب»، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، برقم ٩٤٥.
(٢) متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب فضل الطليعة، برقم ٢٨٤٦، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل طلحة والزبير ﵄، برقم ٢٤١٥.
[ ١٠٧ ]
الفارسي. وذلك قول الله - ﷿ -: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ الله شَيْئًا وَسَيَجْزِي الله الشَّاكِرِينَ﴾ (١)، ويروى عن أبي جعفر أيضًا أنه قال: «المهاجرون والأنصار ذهبوا إلا وأشار بيده إلا ثلاثة» (٢).
فتعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا، ومما افتراه عليه الظالمون من تحريف لآياته، والاستدلال بها على تكفير أوليائه الذين قال فيهم سبحانه: ﴿رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ (٣).
وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٤).
وأصل قول الرافضة: إن النبي - ﷺ - نصّ على علي نصًّا قاطعًا للعذر، وإنه إمام معصوم ومن خالفه كفر، وإن المهاجرين والأنصار كتموا النصّ، وكفروا بالإمام المعصوم، واتبعوا أهواءهم وبدّلوا الدين، وغيّروا الشريعة، وظلموا واعتدوا، بل كفروا إلا نفرًا قليلًا، إما بضعة عشر أو أكثر، ثم يقولون: إن أبا بكر وعمر، ونحوهما ما زالا منافقين، وقد يقولون: بل آمنوا ثم كفروا، وأكثرهم يكفرون من خالف قولهم،
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٤٤.
(٢) الشيعة والسنة باختصار شديد مع بعض التصرف، من ص٢٩ - ٥٠.
(٣) سورة البينة، الآية: ٨.
(٤) سورة التوبة، الآية: ١٠٠.
[ ١٠٨ ]
ويسمّون أنفسهم المؤمنين، ومن خالفهم كفارًا، ويجعلون مدائن الإسلام التي لا تظهر فيها أقوالهم دار ردّة أسوأ حالًا من مدائن المشركين والنصارى؛ ولهذا يوالون اليهود والنصارى والمشركين على بعض جمهور المسلمين ومنهم ظهرت أمهات الزندقة والنفاق، كزندقة القرامطة الباطنية وأمثالهم، ولا ريب أنهم أبعد طوائف المبتدعة عن الكتاب والسنة؛ ولهذا كانوا هم المشهورين عند العامة بالمخالفة للسنة، فجمهور العامة لا تعرف ضدّ السني إلا الرافضي، فإذا قال أحدهم: أنا سني، فإنما معناهُ لست رافضيًا (١)، وسيأتي الرّدّ عليهم إن شاء الله في فصل المناقشة (٢).
_________________
(١) فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٣/ ٣٥٦.
(٢) انظر: المبحث الثالث من الفصل الثاني من الباب الثالث من هذه الرسالة.
[ ١٠٩ ]
المبحث الرابع: المرجئة ورأيهم
الإرجاء على معنيين: أحدهما بمعنى التأخير كما في قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاه﴾ (١) أي أمهله وأخّره.
والثاني إعطاء الرجاء: أما إطلاق اسم المرجئة على الجماعة بالمعنى الأوّل فصحيح؛ لأنهم كانوا يؤخّرون العمل عن النّيّة والعقد، أي يؤخرون العمل عن مُسمّى الإيمان، وأما المعنى الثاني فظاهر؛ فإنهم كانوا يقولون: لا تضرّ مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة (٢).
والمرجئة أربعة أصناف: مرجئة الخوارج، ومرجئة القدرية، ومرجئة الجبرية، والمرجئة الخالصة وهم فرق (٣).
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية: ١١١.
(٢) الملل والنحل للشهرستاني، ١/ ١٣٩.
(٣) الملل والنحل للشهرستاني، ١/ ١٣٩. وقال البغدادي في كتابه «الفرق بين الفرق»: وأما المرجئة فثلاثة أصناف: صنف منهم قالوا بالإرجاء في الإيمان وبالقدر على مذهب القدرية، فهم معدودون في القدرية وفي المرجئة، وصنف منهم قالوا بالإرجاء في الإيمان، وبالجبر في الأعمال على مذهب جهم بن صفوان، فهم من جملة الجهمية والمرجئة، وصنف منهم خالصة في الإرجاء من غير قدر وهم خمس فرق: يونسية، وغسانية، وثوبانية، وتومنية، ومريسية. وهذه الفرق الخمس تضلل كل فرقة منها أختها ويضللها سائر الفرق. انظر: الفرق بين الفرق، ص٢٠٢، وص٢٥. وزاد الشهرستاني: العُبيدية، والصالحية، فأصبحت فرق المرجئة الخالصة سبع فرق. انظر: الملل والنحل للشهرستاني، ١/ ١٣٩. أما الإرجاء الذي نسب إلى مرجئة الفقهاء كحماد بن سلمة وكأبي حنيفة وغيره من الأئمة من أهل الكوفة، وهو قولهم: إن الأعمال ليست من الإيمان، ولكنهم مع ذلك يوافقون أهل السنة على أن الله يعذب من يشاء من أهل الكبائر بالنار، ثم يخرجهم منها بالشفاعة وغيرها. وعلى أنه لا بد في الإيمان من نطق باللسان، وعلى أن الأعمال المفروضة واجبة يستحق مع تركها الذم والعقاب، فهذا النوع من الإرجاء ليس كفرًا. وإن كان قولًا باطلًا مبتدعًا لإخراجهم الأعمال عن الإيمان. انظر: فتاوى ابن تيمية،٧/ ٢٩٧،و٧/ ٥٠٧، وشرح العقيدة الواسطية للهراس، ص١٢٩، وانظر أيضًا: تعليق الشيخ عبد العزيز بن عبدالله بن باز على العقيدة الطحاوية، ص١٩ - ٢٠، فقد قال: إخراج العمل من الإيمان هو قول المرجئة، وليس الخلاف بينهم وبين أهل السنة فيه لفظيًّا بل هو لفظي ومعنوي، ويترتب عليه أحكام كثيرة يعلمها من تدبّر كلام أهل السنة وكلام المرجئة، والله المستعان.
[ ١١٠ ]
وهم قوم يقولون: لا يضرّ مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وقالوا: لا يدخل النار أحد دون الكفر بالكلية. ولا تفاضل عندهم بين إيمان الفاسق الموحد، وبين إيمان أبي بكر وعمر، ولا فرق عندهم بين المؤمنين والمنافقين إذ الكلّ ينطق بالشّهادتين نسأل الله العافية فهؤلاء في طرف والخوارج في طرف آخر (١).
فالمرجئة قالوا: لا نُكفّر من أهل القبلة أحدًا، فنفوا التكفير نفيًا عامًّا، مع العلم بأن في أهل القبلة المنافقين الذين فيهم من هو أكفر من اليهود والنصارى، بالكتاب، والسنة، والإجماع، وفيهم من قد يظهر بعض ذلك حيث يمكنهم، وهم يتظاهرون بالشهادتين، فلا خلاف بين المسلمين أن الرجل لو أظهر إنكار الواجبات الظاهرة المتواترة، والمحرمات الظاهرة المتواترة، ونحو ذلك فإنه يُستتاب، فإن تاب وإلا قتل كافرًا مرتدًّا (٢)، ومذهب المرجئة موافق لمذهب الجهمية بأن الدين واحد لا يزيد ولا ينقص، فإيمان أفسق الناس كإيمان أطوعهم لله، والإيمان في مذهب المرجئة هو مجرد التصديق (٣)، وسيأتي الرّدّ عليهم إن شاء الله في فصل المناقشة (٤).
_________________
(١) معارج القبول، ٢/ ٤٢١، والأجوبة المفيدة على أسئلة العقيدة، ص٥٨.
(٢) شرح العقيدة الطحاوية، ص٣٥٥.
(٣) الأجوبة المفيدة على أسئلة العقيدة، ص ٥٩.
(٤) انظر: المبحث الثالث من الفصل الثاني من الباب الثالث.
[ ١١١ ]
الفصل الثاني: مناقشة الآراء السابقة وتقرير الحق بالدليل
المبحث الأول: مناقشة الخوارج
١ - الرّدّ على الخوارج: وقد ردّ النّسفي بردود يستمدّها من نصّ الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى الله تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ (١)، فالتوبة النصوح لا تكون إلا من الكبيرة، كما يستمدّ حججًا أخرى من أحاديث الرسول - ﷺ -، أما تفسير الحديث: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» (٢)، فقال النووي ﵀: «القول الصحيح الذي قاله المحققون أن معناه: لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان، وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء ويراد نفي كماله، ومختاره كما يقال: لا علم إلا ما نفع، ولا مال إلا الإبل، ولا عيش إلا عيش الآخرة» (٣).
ومن أخطاء الخوارج عدم التفرقة بين الكبائر والصغائر من الأفعال بينما فرق الله تعالى بقوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ (٠ (٤). فالخوارج إذن، إن حاولوا حجة في تكفير الأمة لم يجدوا، وإن جعلوا الذنوب كلها كبائر، لم يجدوا إلى
_________________
(١) سورة التحريم، الآية: ٨.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب المظالم، باب النهبى بغير إذن صاحبه، برقم ٢٤٧٥،ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان نقصان الإيمان بالمعاصي ونفيه عن المتلبس بالمعصية على إرادة نفي كماله، برقم ٥٧.
(٣) شرح مسلم للنووي، ١/ ٤١.
(٤) سورة النساء، الآية: ٣١.
[ ١١٢ ]
الحجة سبيلًا من عقل ولا سمع (١).
ولا بد أن يُفرّق بين الكبائر والصغائر:
الكبائر: اختلف في حدّ الكبيرة على أقوال، أمثلها: أنها ما يترتب عليها حدّ في الدنيا، أو توعّد عليها بالنار، أو اللعنة، أو الغضب.
الصغائر: قيل: الصغيرة، ما ليس فيها حدّ في الدنيا، ولا وعيد في الآخرة، والمراد بالوعيد: الخاص بالنار، أو اللعنة أو الغضب (٢).
ويردّ على الخوارج ومن وافقهم الذين يسلبون عن أهل الكبائر الإيمان من الكتاب قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٣)، فلم يخرج ﵎ القاتل من الذين آمنوا، وجعله أخًا لولي القصاص، والمراد أخوّة الدين بلا ريب.
٢ - قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ الله﴾ (٤).
٣ - وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (٥). ونصوص الكتاب والسنة والإجماع تدلّ على أن الزاني، والسارق،
_________________
(١) الخوارج والأصول التاريخية لمسألة تكفير لمسلم، ص٣١.
(٢) شرح العقيدة الطحاوية، ص٤١٨.
(٣) سورة البقرة، الآية: ١٧٨.
(٤) سورة الحجرات، الآية: ٩.
(٥) سورة الحجرات، الآية: ١٠.
[ ١١٣ ]
والقاذف، لا يقتل، بل يُقام عليه الحدّ، فدلّ على أنه ليس بمرتدّ (١).
أما الردّ على الخوارج ومن وافقهم في قولهم بتخليد أهل الكبائر في النار فهو كما قال الطحاوي ﵀: «وأهل الكبائر في النار لا يخلدون، إذا ماتوا وهم موحّدون، وإن لم يكونوا تائبين، بعد أن لقوا الله عارفين، وهم في مشيئته وحكمته، إن شاء غفر لهم وعفا عنهم، بفضله كما ذكره - ﷿ - في كتابه: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٢)، وإن شاء عذبهم في النار بعدله، ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته، ثم يبعثهم إلى الجنة (٣). وقال النبي - ﷺ -: «من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، قالوا وإن سرق وإن زنى؟ قال: وإن سرق وإن زنى» (٤)، وقد تواترت بذلك الأحاديث .. قال النبي - ﷺ -: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» (٥).
وهذه الشفاعة تتكرر منه - ﷺ - أربع مرات.
المرة الأولى: يخرج من النار بشفاعته - بعد إذن ربه له كما صرَّح بذلك
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية، ص٣٦١.
(٢) سورة النساء، الآية: ٤٨، و١١٦.
(٣) شرح العقيدة الطحاوية، ص٤١٦.
(٤) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب في الجنائز، برقم ١٢٣٧، ومسلم في كتاب الإيمان، باب من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات مشركًا دخل النار، برقم ٩٤.
(٥) أخرجه أبو داود في كتاب السنة، باب في الشفاعة، برقم ٤٧٣٩، وأحمد، ٣/ ٢١٣، والحاكم، ٢/ ٣٨٢، وقال: «على شرط الشيخين»، وقال الذهبي: «على شرط مسلم»، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم ٣٧١٤.
[ ١١٤ ]
القرآن - من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان «.. فأَُخرجْ منها من كان في قلبه مثقال حبة من بُرّة أو شعيرة من إيمان».
والمرة الثانية: يخرج من كان في قلبه مثقال حبة من خردلٍ من إيمان.
والمرة الثالثة: يخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان.
والمرة الرابعة: يخرج منها من قال لا إله إلا الله. فيقول الله - ﷿ -: «وعزّتي وجلالي، وكبريائي، وعظمتي، لأُخرجَنَّ منها من قال: لا إله إلا الله» (١).
اعتراض على عقيدة أهل السنة والجماعة ومناقشة هذا الاعتراض
١ - قد يقال: إنّ الشارع قد سَمَّى بعض الذنوب كفرًا كما قال النبي - ﷺ -: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر» (٢).
٢ - وقوله - ﷺ -: «إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما» (٣).
٣ - وقوله - ﷺ -: «من أتى حائضًا أو امرأة في دبرها فقد كفر بما أُنزل على محمد» (٤)، ونظائر ذلك كثيرة، والجواب:
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، برقم ١٨٨/ ٣٢٦.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر، برقم ٤٨، ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان قول النبي - ﷺ -: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر، برقم ٦٤.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب من أكفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال، برقم ٦١٠٣، ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان حال إيمان من قال لأخيه المسلم: يا كافر، برقم ٦٠.
(٤) أخرجه الترمذي في كتاب الطهارة، باب ما جاء في كراهية إتيان الحائض، برقم ١٣٥، وابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها، باب النهي عن إتيان الحائض، برقم ٦٣٩، والدارمي في كتاب الوضوء والصلاة، باب من أتى امرأة في دبرها، برقم ١١٤١، وأحمد في المسند، ٢/ ٤٠٨، وهو صحيح كما قال الألباني في آداب الزفاف، ص٣١.
[ ١١٥ ]
إن أهل السنة متفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة، لا يُكفَّر كفرًا ينقل عن الملة بالكلّيّة كما قالت الخوارج، إذ لو كفر كفرًا ينقل عن الملة لكان مرتدًّا يُقتل على كل حال، ولا يقبل عفو ولي القصاص، ولا تُجرى الحدود في الزنا، والسرقة، وشرب الخمر، وهذا قول معلوم بطلانه، وفساده بالضرورة من دين الإسلام. ومتفقون على أنه لا يخرج من الإيمان والإسلام، ولا يدخل في الكفر، ولا يستحق الخلود مع الكافرين؛ فإنَّ قولهم باطل أيضًا، إذ قد جعل الله مرتكب الكبيرة من المؤمنين، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ (١)، فلم يخرج القاتل من الذين آمنوا، وجعله أخًا لولي القصاص، والمراد: أخوّة الدين لا ريب (٢).
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ١٧٨.
(٢) شرح العقيدة الطحاوية، ص٣٦٠ - ٣٦١.
[ ١١٦ ]
المبحث الثاني: مناقشة المعتزلة
قد تصدّى أهل الحديث للرّدّ على ضلالات المعتزلة، مستندين إلى
ما صحّ في السنة النبوية من الأحاديث، فعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، ثم يقول الله تعالى: أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فيخرجون منها قد اسودُّوا فَيُلقون في نهر الحيا أو الحياة - شك مالك - فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل، ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية» (١).
وإذا اعتبرت إقامة الحدّ كفارة لصاحبها، ومجزية عن إعلان التوبة، فإن غفران ذنب من لم يقم عليه حدّ ولم يتب يبقى رهن إرادة الله، وذلك مصداقًا لقوله - ﷺ - في عصابة من صحابته: «تعالوا بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا بهتانًا تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا، فهو له كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئًا، فستره الله فأمره إلى الله، إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه». قال الراوي: فبايعناه على ذلك. رواه البخاري عن عبادة بن الصامت - ﵁ - (٢).
والمعتزلة القدرية بتشدّدهم في تخليد مرتكب الذنب في النار ما لم يتب،
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال، برقم ٢٢، ومسلم في كتاب الإيمان، باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار، برقم ١٨٤.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب مناقب الأنصار، باب وفود الأنصار إلى النبي - ﷺ - بمكة وبيعة العقبة، برقم ٣٨٩٢، ومسلم في كتاب الحدود، باب الحدود كفارات لأهلها، برقم ١٧٠٩.
[ ١١٧ ]
ينطبق عليهم المثل السائر - ولله المثل الأعلى -: (السيدُ يُعطي، والعبد يمنع)؛ لأن الله تعالى يصرّح بالمغفرة للمصرّ على الكبائر إن شاء، وهم يدفعون في وجه هذا التصريح، ويُحيلون المغفرة بناء على قاعدة الأصلح والصلاح التي هي بالفساد أجدر وأحق (١).
أما الرّدّ على المعتزلة في قولهم بأن صاحب الكبائر يكون في المنزلة بين المنزلتين فهو على النحو الآتي:
١ - قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ (٢)، فلم يخرج القاتل من الذين آمنوا وجعله أخًا لوليّ القصاص، والمراد أُخوّة الدين بلا ريب.
٢ - قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ الله فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (٣).
٣ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانا﴾ (٤)، وهذا ردّ على المعتزلة فإن
_________________
(١) موقف المعتزلة من السنة النبوية ومواطن انحرافهم عنها، ص١٤٨.
(٢) سورة البقرة، الآية: ١٧٨.
(٣) سورة الحجرات، الآيتان: ٩ - ١٠.
(٤) سورة الأنفال، الآية: ٢.
[ ١١٨ ]
الفاسق يدخل في اسم الإيمان.
ونصوص الكتاب والسنة والإجماع تدلّ على أن الزاني، والقاذف، والسارق، لا يُقتل بل يُقام عليه الحدّ، فدلّ على أنه ليس بمرتدّ (١).
وقد تقدمت الأدلّة القطعية من الكتاب والسنة - في مناقشة مذهب الخوارج - على أن أصحاب الكبائر من أهل القبلة لا تُخرجهم هذه الكبائر من الإسلام إن لم يستحلّوها، فإن تابوا قبل الموت تاب الله عليهم، وإن ماتوا بإصرارهم على هذه الكبائر فأمرهم إلى الله إن شاء أدخلهم الجنة من أول وهلة، وإن شاء عذبهم، ثم يخرجهم برحمته، ثم بشفاعة الشافعين من أهل طاعته.
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية، ص٣٦١.
[ ١١٩ ]
المبحث الثالث: مناقشة الشيعة
لقد قال الشيعة في أصحاب رسول الله - ﷺ - ما لم ينزل الله به من سلطان، بل قد جاء في فضائل صحابة رسول الله - ﷺ - ما يدحر ويُخزي هؤلاء الذين قالوا على الله بغير علم، فهم في قولهم هذا خالفوا الكتاب والسنة، وإجماع الصحابة ومن بعدهم، فقد قال رسول الله - ﷺ -: «لا تسبُّوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مُدّ أحدهم ولا نصيفه» (١).
وصحابة رسول الله - ﷺ - قد مدحهم الله في كتابه الكريم، وأثنى عليهم في مواضع كثيرة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْه ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ الله وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٣).
وورد في فضائل الصحابة ما لا يُحصى من الآثار والأحاديث الصحيحة عن رسول الله - ﷺ -، ومن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه بسنده قال رسول الله - ﷺ -: «النجوم أمنة السماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أنا أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون» (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي - ﷺ -: لو كنت متخذًا خليلًا، برقم ٣٦٧٣، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب تحريم سب الصحابة - ﵃ -، برقم ٢٥٤١.
(٢) سورة البينة، الآية: ٨.
(٣) سورة الأنفال، الآية: ٧٤.
(٤) أخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب بيان أن بقاء النبي - ﷺ - أمان لأصحابه، وبقاء أصحابه أمان للأمة، برقم ٢٥٣١، قال محمد فؤاد عبد الباقي نقلًا عن النووي في معنى (النجوم أمنة السماء): إن النجوم ما دامت باقية فالسماء باقية فإذا انكدرت النجوم وتناثرت في القيامة وهنت السماء فانفطرت، وانشقت وذهبت.
[ ١٢٠ ]
٢ - وسئل النبي - ﷺ - من أحبّ الناس إليك؟ قال: «عائشة»، قلت: من الرجال؟ قال: «أبوها»، قلت: ثم من؟ قال: «ثم عمر بن الخطاب»، فعدّ رجالًا (١).
٣ - وقال ﵊: «إن عبد الله رجل صالح» (٢)، يعني عبد الله بن عمر ﵄.
فهؤلاء الصحابة وغيرهم من أصحاب رسول الله - ﷺ - الذين مدحهم الله في كتابه، ومدحهم ودعا لهم بالمغفرة رسول الله - ﷺ - الناطق بالوحي، واحدًا واحدًا، وجماعةً جماعةً، ويمدحهم ويُثني عليهم كل من سلك مسلكه، واتبع سبيله من المؤمنين غير المنافقين من أبناء اليهود، والمجوس، الذين أكلت قلوبهم البغضاء والشحناء، والحسد عليهم لأعمالهم الجبَّارة في سبيل الله، وفي سبيل نشر هذا الدين الميمون المبارك، وكان هذا هو السبب الحقيقي لحنق الكفرة على هؤلاء المجاهدين، العاملين بالكتاب والسنة، وخاصة على أبي بكر، وعمر، وعثمان - ﵃ -، الذين قادوا جيوش الظفر، وجهزوا عساكر النصر، وكان سبب احتراق
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي - ﷺ -:لو كنت متخذًا خليلًا، برقم ٣٦٦٢، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر الصديق - ﵁ -،برقم ٢٣٨٤.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عبد الله بن عمر ﵄، برقم ٣٧٤٠، ٣٧٤١، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عبد الله بن عمر ﵄، برقم ٢٤٧٨.
[ ١٢١ ]
اليهود على المسلمين خاصة أنهم هدموا أساسهم وقطعوا جذورهم، واستأصلوهم استئصالًا، تحت راية النبي - ﷺ -، حين كان أسلافهم من بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة، يقطنون المدينة، ومن بعد النبي الكريم ﵊ في زمن عمر الفاروق - ﵁ -؛ حيث نفَّذ فيهم وصية رسول الله - ﷺ -: «أخرجوا اليهود من جزيرة العرب» (١)، وطهَّر جزيرة العرب من نجاستهم ودسائسهم، ولم يترك أحدًا من اليهود في الجزيرة طبقًا لأمر رسول الله - ﷺ - (٢).
٤ - وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي قوم من بعد ذلك تسبق أيمانهم شهاداتهم، وشهاداتهم أيمانهم» (٣).
٥ - وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تسبّوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مُدّ أحدهم ولا نصيفه» (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب هل يستشفع إلى أهل الذمة ومعاملتهم، برقم ٣٠٥٣، ومسلم في كتاب الوصية، باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه، برقم ١٦٣٧، وقال: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب» قال ابن حجر إن قوله: أخرجوا اليهود رواية الجرجاني، وقال: رواية أخرجوا المشركين ..» أثبت.
(٢) السنة والشيعة، ص٥١ - ٥٥ ببعض التصرف.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الشهادات، باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد، برقم ٢٦٥٢، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، برقم ٢٥٣٣.
(٤) أخرجه البخاري في كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي - ﷺ -:لو كنت متخذًا خليلًا، برقم ٣٦٧٣، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب تحريم سب الصحابة - ﵃ -، برقم ٢٥٤١.
[ ١٢٢ ]
٦ - وقال النبي - ﷺ -: «لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر، ولكن أخي وصاحبي» (١).
٧ - وقد شهد الله لأصحاب نبيه - ﷺ - ومن تبعهم بإحسان بالإيمان، فَعُلِمَ قطعًا أنهم المراد بالآية الكريمة: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْه وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم﴾ (٢).
٨ - وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ الله عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (٣).
٩ - وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٤)، فقد تقرر أن من اتبع غير سبيلهم ولاَّه الله ما تولَّى وأصلاه جهنم (٥).
نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي - ﷺ -:لو كنت متخذًا خليلًا، برقم ٣٦٥٦.
(٢) سورة التوبة، الآية: ١٠٠.
(٣) سورة الفتح، الآية: ١٨.
(٤) سورة النساء، الآية: ١١٥.
(٥) فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٤/ ١، و٢.
[ ١٢٣ ]
المبحث الرابع: الرّدّ على المرجئة
الذين يقولون: لا يضرّ مع الإيمان معصية، ولا ينفع مع الكفر طاعة. يُقال لهم: إن في أهل القبلة المنافقين الذين فيهم من هو أكفر من اليهود والنصارى بالكتاب، والسنة، والإجماع، وفيهم من قد يظهر بعض ذلك حيث يمكنهم، وهم يتظاهرون بالشهادتين، فلا خلاف بين المسلمين أن الرجل لو أظهر إنكار الواجبات الظاهرة المتواترة، أو المحرّمات الظاهرة، المتواترة، ونحو ذلك فإنه يُستتاب، فإن تاب وإلا قُتل كافرًا مرتدًّا (١).
قال ابن حجر العسقلاني ﵀ (٢): «إن البخاري أورد الحديث الآتي، وأراد به الرّدّ على المرجئة لِمَا فيه من بيان ضرر المعاصي مع الإيمان، وعلى المعتزلة في قولهم: «إن المعاصي موجبة للخلود في النار»، فلا يلزم من إطلاق دخول النار التخليد فيها (٣)، والحديث هو: عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -، أن النبي - ﷺ - قال: «يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يقول الله ﵎: أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردلٍ من إيمان، فيُخرجون منها قد اسودّوا فيلقون في نهر الحيا أو الحياة - شكّ مالك - فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل، ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية» (٤).
وقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية، ص٣٥٥.
(٢) الفتح، ١/ ٧٢.
(٣) موقف المعتزلة من السنة النبوية ومواطن انحرافهم عنها، ص١٤٨.
(٤) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال، برقم ٢٢، ومسلم في كتاب الإيمان، باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار، برقم ١٨٤.
[ ١٢٤ ]
الدِّينِ﴾ (١)، فالتوبة من الشرك جعلها الله قولًا وعملًا بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة .. والناس يتفاضلون بالأعمال وقال تعالى:
﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ (٢) الآية، وقد بيّن النبي - ﷺ - أن الأعمال تدخل في مُسمّى الإيمان، فقال - ﷺ -: «الإيمان بضعٌ وسبعون، أو بضعٌ وستون شعبة، فأفضلها: قول لا إله إلا الله وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» (٣).
فمن قال: إن فرائض الله ليست من الإيمان فقد أعظم الفرية، ولو كان الأمر كما يقولون: كان من عصى الله وارتكب المعاصي والمحارم لم يكن عليه سبيل فكان إقراره يكفيه من العمل فما أسوأ هذا القول وأقبحه فإنا لله وإنا إليه راجعون (٤).
_________________
(١) سورة التوبة، الآية: ١١.
(٢) سورة التوبة، الآية: ٥.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب دعاؤكم إيمانكم، برقم ٩، ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها وفضيلة الجهاد وكونه من الإيمان، برقم ٣٥/ ٨٥، واللفظ لمسلم.
(٤) معارج القبول، ٢/ ٤١٢.
[ ١٢٥ ]