* التوسل المشروع:
١ - التوسل إلى الله تعالى باسم من أسمائه الحسنى، أو صفة من صفاته العليا: كأن يقول المسلم في دعائه: «اللهم إني أسألك بأنك أنت الرحمن الرحيم اللطيف الخبير أن تعافيني»، أو يقول: «أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن ترحمني وتغفر لي»، ومثله قول القائل: «اللهم إني أسألك بحبك لمحمد»، فإن الحب من صفاته تعالى.
٢ - التوسل إلى الله بعمل صالح قام به الداعي: كأن يقول المسلم: «اللهم بإيماني بك ومحبتي لك واتباعي لرسولك - ﵌ - اغفر لي. ..»، أو يقول: «اللهم إني أسألك بحبي لمحمد - ﵌ - وإيماني به أن تفرج عني»، ومنه أن يذكر الداعي عملًا صالحًا ذا بال، فيه خوفه من الله سبحانه وتقواه إياه، ثم يتوسل به إلى ربه في دعائه.
٣ - التوسل إلى الله بدعاء الرجل الصالح الحي الحاضر: كأن يقع المسلم في ضيق شديد، أو تحل به مصيبة كبيرة، ويعلم من نفسه التفريط في جنب الله ﵎، فيحب أن يأخذ بسبب قوي إلى الله تعالى، فيذهب إلى رجل يعتقد فيه الصلاح والتقوى، أو الفضل والعلم بالكتاب والسنة، فيطلب منه أن يدعو له ربه ليفرج عنه كربه ويزيل عنه همه.
* التوسل غير المشروع له ثلاث مراتب:
١ - أن يدعو غير الله ويستغيث به، أو يطلب منه المدد، وهو ميت أو غائب، سواء كان من الأنبياء، أم الصالحين، أم الملائكة، أم الجن، أم غيرهم كأن يقول: «يا سيدى فلان أغثنى أو اقض حاجتى، أو اشف مريضي» ونحو هذا، فهذا شرك أكبر مخرج من الملة، وإن سماه صاحبه توسلًا، فهو توسل شركى من جنس توسل المشركين بعبادة غير الله، القائلين ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفى﴾ (الزمر: ٣).
٢ - أن يقول للميت والغائب: ادْعُ الله لي أو اشفع لي في كذا، فهذا لا خلاف بين السلف أنه غير جائز، وأنه من البدع التي لم يقل بها أحد من علماء الأمة وهو من ذرائع
[ ٦٩ ]
الشرك، فهو من الشرك الأصغر، والفرق بينه وبين الذي قبله أن الأول دعاء غير الله، والثاني مخاطبة الميت بما لم يَرِدْ في الكتاب والسنة، ولكنه لم يَدْعُه، ولم يسأله قضاء الحاجات وتفريج الكربات؛ فلم يصرف له العبادة.
٣ - أن يقول في دعائه لله - ﷿ -: «أسألك يا رب بفلان»، يقصد بذاته أو بحقه أو بجاهه، ونحو ذلك، وليس هذا مشهورًا عن الصحابة - ﵃ - بل عدلوا عنه إلى التوسل بدعاء العباس - ﵁ -، وتَرْكهم لهذا النوع - مع وجدود المقتضي له وانتفاء الموانع منه، واستحضارهم له - يدل على أنهم تركوه تعبدًا لله ففِعْله بدعة، ولا يصح عن أحد من الصحابة خلافه. وهذا النوع الأخير فيه خلاف بين أهل العلم لكن الصحيح النهي عنه.
* اعتاد كثير من المسلمين منذ قرون طويلة أن يقولوا في دعائهم مثلًا: «اللهم بحق نبيك أو بجاهه أو بقدره عندك عافني واعف عني» و«اللهم إني أسألك بحق البيت الحرام أن تغفر لي» و«اللهم بجاه الأولياء والصالحين، ومثل فلان وفلان»
ويسمون هذا توسلًا، ويدَّعُون أنه سائغ ومشروع، وأنه قد ورد فيه بعض الآيات والأحاديث التي تقره وتشرعه، بل تأمر به وتحض عليه، وبعضهم غلا في إباحة هذا حتى أجاز التوسل إلى الله تعالى ببعض مخلوقاته التي لم تبلغ من المكانة ما يؤهلها لرفعة الشأن، كقبور الأولياء، والحديد المبني على أضرحتهم، والتراب والحجارة والشجر القريبة منها، زاعمين أن ما جاور العظيم فهو عظيم، وأن إكرام الله لساكن القبر يتعدى إلى القبر نفسه حتى يصح أن يكون وسيلة إلى الله.
وفي قضية التوسل التي نحن بصددها الحق مع الذين حظروا التوسل بمخلوق، ولم نر لمجيزيه دليلًا صحيحًا يعتد به، ونحن نطالبهم بأن يأتونا بنص صحيح صريح من الكتاب أو السنة فيه التوسل بمخلوق، وهيهات أن يجدوا شيئًا يؤيد ما يذهبون إليه، أو يسند ما يدعونه، اللهم إلا شبهًا واحتمالات.
ومن الغريب حقًا أنك ترى هؤلاء يُعرِضون عن أنواع التوسل المشروعة السابقة، فلا يكادون يستعلمون شيئًا منها في دعائهم أو تعليمهم الناس مع ثبوتها في الكتاب والسنة وإجماع الأمة عليها، وتراهم بدلًا من ذلك يعمدون إلى أدعية اخترعوها،
[ ٧٠ ]
دفع توهم:
وتوسلات ابتدعوها لم يشرعها الله - ﷿ -، ولم يستعملها رسوله المصطفى - ﵌ -، ولم ينقل عن سلف هذه الأمة من أصحاب القرون الثلاثة الفاضلة، وأقل ما يقال فيها: إنها مختلف فيها، فما أجدرهم بقوله ﵎: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ (البقرة:٦١).
دفع توهم: حينما ننفي التوسل بجاه النبي - ﵌ -، وجاه غيره من الأنبياء والصالحين فليس ذلك لأننا ننكر أن يكون لهم جاه، أو قدر أو مكانة عند الله، كما أنه ليس ذلك لأننا نبغضهم، وننكر قدرهم ومنزلتهم عند الله، ولا تشعر أفئدتنا بمحبتهم.
بل إن كل مخلص منصف ليعلم علم اليقين بأن أتباع سنة النبي - ﵌ - والحمد لله من أشد الناس حبًا لرسول الله - ﵌ -، ومن أعرفهم بقدره وحقه وفضله - ﵌ -، وبأنه أفضل النبيين، وسيد المرسلين، وخاتمهم وخيرهم، وصاحب اللواء المحمود، والحوض المورود، والشفاعة العظمى، والوسيلة والفضيلة، والمعجزات الباهرات، وبأن الله تعالى نسخ بدينه كل دين، وأنزل عليه سبعًا من المثاني والقرآن العظيم، وجعل أمته خير أمة أخرجت للناس. إلى آخر ما هنالك من فضائله - ﵌ - ومناقبه التي تبين قدره العظيم، وجاهه المنيف ﵌ تسليمًا كثيرًا.
إننا من أول الناس اعترافًا بذلك كله، ولعل منزلته - ﵌ - عندنا محفوظة أكثر بكثير مما هي محفوظة لدى الآخرين، الذين يدّعون محبته، ويتظاهرون بمعرفة قدره، لأن العبرة في ذلك كله إنما هي في الاتباع له - ﵌ -، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، كما قال ﷾: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (آل عمران:٣١)، وطاعة الله - ﷿ -، واتباع نبيه - ﵌ - هما أصدق الأدلة على المودة والمحبة الخالصة بخلاف الغلو في التعظيم، والإفراط في الوصف اللذين نهى الله تعالى عنهما، فقال سبحانه: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقِّ﴾ (النساء: ١٧١) كما نهى النبي - ﵌ - عنهما فقال: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ». (رواه البخاري).
[ ٧١ ]
الرد على الشبهات
الشبهة الأولى: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (المائدة:٣٥).
الجواب: قال إمام المفسرين الحافظ ابن جرير - ﵀ - في تفسيرها: «يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله فيما أخبرهم، ووعد من الثواب، وأوعد من العقاب. ﴿اتَّقُواْ اللهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ﴾ يقول: أجيبوا الله فيما أمركم، ونهاكم بالطاعة له في ذلك. ﴿وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ﴾:يقول: «واطلبوا القربة إليه بالعمل بما يرضيه».
ونقل الحافظ ابن كثير عن ابن عباس - ﵁ - أن: معنى الوسيلة فيها القربة، ونقل مثل ذلك عن مجاهد وأبي وائل والحسن وعبد الله بن كثير والسدي وابن زيد وغير واحد، ونقل عن قتادة قوله فيها: «أي تقربوا إليه بطاعته، والعمل بما يرضيه» ثم قال ابن كثير: «وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه والوسيلة هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود» ..
الشبهة الثانية: قوله سبحانه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ (الإسراء:٥٧).
الجواب: بَيَّنَ الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود - ﵁ - مناسبة نزولها التي توضح معناها فقال: «نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرًا من الجن، فأسلم الجنيّون، والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون». (رواه مسلم والبخاري بنحوه)، وفي رواية له: «فأسلم الجن، وتمسك هؤلاء بدينهم».
قال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: «أي استمر الإنس الذين كانوا يعبدون الجن على عبادة الجن، والجن لا يرضون بذلك، لكونهم أسلموا، وهم الذين صاروا يبتغون إلى ربهم الوسيلة، وهذا هو المعتمد في تفسير الآية». (فتح الباري) (١٠/ ١٢ - ١٣).
وهي صريحة في أن المراد بالوسيلة ما يتقرب به إلى الله تعالى، ولذلك قال: ﴿يَبْتَغُونَ﴾ أي يطلبون ما يتقربون به إلى الله تعالى من الأعمال الصالحة، وهي كذلك تشير إلى هذه الظاهرة الغريبة المخالفة لكل تفكير سليم: ظاهرة أن يتوجه بعض الناس بعبادتهم
[ ٧٢ ]
ودعائهم إلى بعض عباد الله، يخافونهم ويرجونهم، مع أن هؤلاء العباد المعبودين قد أعلنوا إسلامهم، وأقروا لله بعبوديتهم، وأخذوا يتسابقون في التقرب إليه سبحانه، بالأعمال الصالحة التي يحبها ويرضاها، ويطمعون في رحمته، ويخافون من عقابه، فهو سبحانه يُسَفّه في هذه الآية أحلام أولئك الجاهلين الذين عبدوا الجن، واستمروا على عبادتهم مع أنهم مخلوقون عابدون له سبحانه، وضعفاء مثلهم، لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا، وينكر الله عليهم عدم توجيههم بالعبادة إليه وحده، ﵎، وهو الذي يملك وحده الضر والنفع، وبيده وحده مقادير كل شيء وهو المهيمن على كل شيء.
ومن الغريب أن بعض مدعي العلم اعتادوا الاستدلال بالآيتين السابقتين على ما يلهج به كثير منهم من التوسل بذوات الأنبياء أو حقهم أو حرمتهم أو جاههم، وهو استدلال خاطئ لا يصح حمل الآيتين عليه؛ لأنه لم يثبت شرعًا أن هذا التوسل مشروع مرغوب فيه، ولذلك لم يذكروا هذا الاستدلال عن أحد من السلف الصالح، ولا استحبوا التوسل المذكور، بل الذي فهموه منهما أن الله ﵎ يأمرنا بالتقرب إليه بكل رغبة، والتقدم إليه بك قربة، والتوصل إلى رضاه بكل سبيل.
ولكن الله سبحانه قد علمنا في نصوص أخرى كثيرة أن علينا إذا أردنا التقرب إليه أن نتقدم إليه بالإعمال الصالحة التي يحبها ويرضاها، وهو لم يَكِل تلك الأعمال إلينا، ولم يترك تحديدها إلى عقولنا وأذواقنا، لأنها حينذاك ستختلف وتتباين، وستضطرب وتتخاصم، بل أمرنا سبحانه أن نرجع إليه في ذلك، ونتبع إرشاده وتعليمه فيه، لأنه لا يعلم ما يرضي الله؟ إلا الله وحده، فلهذا كان من الواجب علينا حتى نعرف الوسائل المقربة إلى الله أن نرجع في كل مسألة إلى ما شرعه الله سبحانه، وبينه رسول الله - ﵌ -، ويعني ذلك أن نرجع إلى كتاب الله وسنة رسوله - ﵌ - وهذا هو الذي وصانا به رسولنا محمد صلوات الله عليه وسلامه حيث قال: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة رسوله». (رواه مالك، والحاكم وحسّن إسناده الألباني).
الشبهة الثالثة: قوله ﵎: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ (النساء:٦٤).
* قال الصوفية: يطلب الله - ﷿ - من المؤمنين الذهاب إلى النبي - ﵌ - واستغفار الله - ﷿ - عند ذاته الشريفة، وأن ذلك أرجى في قبول استغفارهم.
واستدلوا بالحكاية المشهورة التي ذكرت في تفسير ابن كثير عن العتبي قال: كنت جالسا عند قبر النبي - ﵌ - فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله سمعت الله يقول ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ (النساء:٦٤). وقد جئتك مستغفرًا لذنبي، مستشفعًا بك إلى ربي ثم أنشأ يقول:
يا خيرَ من دُفِنتْ بالقاعِ أعظُمُه فطاب مِن طِيبِهنّ القاعُ والأكَمُ
نفسي الفداءُ لقبرٍ أنت ساكنُه فيه العفافُ وفيه الجودُ والكرَمُ
ثم انصرف الأعرابي فغلبتني عيني فرأيت النبي - ﵌ - في النوم فقال: «يا عتبي الحق الأعرابي فبشره أن الله قد غفر له»
والجواب من وجوه:
أولا: هذه القصة ضعيفة لم يثبتها أحد ممن أوردها، بل صنيع بعضهم يدل على ضعفها:١ - فالنووي قال في (المجموع شرح المهذب) (٨/ ٢٧٤) وفي آخر منسكه المعروف بـ (الإيضاح): «ومن أحسن ما يقول: ما حكاه أصحابنا عن العتبي مستحسنين له، قال: كنت جالسا عند قبر النبي - ﵌ -
٢ - قال ابن كثير في (تفسيره): «ذكر جماعة منهم الشيخ أبو منصور الصباغ في كتابه الشامل الحكاية المشهورة عن العتبي.
٣ - حكاها ابن قدامة في (المغني) بصيغة التمريض وهي تفيد التضعيف. (٣/ ٥٥٧) فقال: "ويُرْوَى عن العتبي ".
[ ٧٣ ]
تخريج القصة: قال الألباني - ﵀ - في (الصحيحة٢٩٢٨):أورد البيهقي في (الشُعَب) بإسناده عن أبي يزيد الرقاشي عن محمد بن روح بن يزيد البصري: حدثني أيوب الهلالي قال: «حج أعرابي فلما جاء إلى باب مسجد رسول الله - ﵌ - أناخ راحلته فعقلها ثم دخل المسجد حتى أتى القبر ووقف بحذاء وجه رسول الله - ﵌ - فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! جئتك مُثْقَلًا بالذنوب والخطايا أستشفع بك على ربك؛ لأنه قال في محكم كتابه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ (النساء:٦٤) ثم أقبل في عرض الناس وهو يقول:
يا خيرَ من دُفِنتْ بالقاعِ أعظُمُه فطاب مِن طِيبِهنّ القاعُ والأكَمُ
نفسي الفداءُ لقبرٍ أنت ساكنُه فيه العفافُ وفيه الجودُ والكرَمُ
قلت (الألباني): وهذا إسناد ضعيف مظلم لم أعرف أيوب الهلالي ولا من دونه. وأبو يزيد الرقاشي أورده الذهبي في (المقتنى في سرد الكنى) (٢/ ١٥٥) ولم يُسَمِّه وأشار إلى أنه لا يُعرَف بقوله: «حكى شيئًا».وأرى أنه يشير إلى هذه الحكاية.
وهي منكرة ظاهرة النكارة وحسبك أنها تعود إلى أعرابي مجهول الهوية!. وهي في (ابن كثير) غير معزوة لأحد من المعروفين من أهل الحديث بل علَّقها على (العتبي) وهو غير معروف إلا في هذه الحكاية ويمكن أن يكون هو أيوب الهلالي في إسناد البيهقي. وهي حكاية مستنكرة بل باطلة لمخالفتها الكتاب والسنة ولذلك يلهج بها المبتدعة لأنها تجيز الاستغاثة بالنبي - ﵌ - وطلب الشفاعة منه بعد وفاته وهذا من أبطل الباطل كما هو معلوم.
قال الحافظ ابن عبد الهادي في (الصارم المنكي في الرد على السبكي) (ص ٢١٢): «وهذه الحكاية التي ذكرها - يعني السبكي - بعضهم يرويها عن العتبي بلا إسناد، وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب الهلالي، وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب بلا إسناد، عن أبي الحسن الزعفراني عن الأعرابي.
وقد ذكرها البيهقي في كتاب (شعب الإيمان) بإسناد مظلم عن محمد بن روح بن يزيد البصري حدثني أبوحرب الهلالي
وفي الجملة؛ ليست الحكاية المذكورة عن الأعرابي مما تقوم به الحجة، وإسنادها مظلم، ولفظها مختلف أيضًا، ولو كانت ثابتة لم يكن فيها حجة على مطلوب المعترض، ولا يصلح الاحتجاج بمثل هذه الحكاية، ولا الاعتماد على مثلها عند أهل العلم».
فهذه القصة مروية عن العتبي وعن محمد بن حرب الهلالي وعن أبي الحسن الزعفراني وعن علي بن أبي طالب بإسناد موضوع، كما حقق ذلك الحافظ ابن عبد الهادي، وكلهم يرويها عن أعرابي أنه أتى إلى القبر فقرأ الآية فرأى العتبي في المنام أن النبي - ﵌ - أتاه وقال له: «الحق بذاك الأعرابي وأخبره أن الله قد غفر له بشفاعتي» وهذا منام لا يحتج به، والأعرابي مجهول لا حجة في فعله لو صح الإسناد إليه، فكيف وإسناد القصة لا تقوم به الحجة.
ثانيًا: على فرض صحة القصة - وهي غير صحيحة - فإن دليل الصوفية في القصة قول العتبي: «فغلبتني عيني فرأيت النبي - ﵌ - في النوم فقال: «يا عتبي الحق الأعرابي فبشِّره أن الله قد غفر له».
ومتى كانت الأحلام والرؤى مصدرًا من مصادر التشريع؟!!! ولو جاء رجل لأحد هؤلاء الصوفية وقال له: رأيتُ الرسول - ﵌ - في الرؤيا يأمرك أن تعطيني بيتك بلا مقابل، فهل سيعطيه بيته بلا مقابل؟ بالطبع لن يفعل؛ لأنها مجرد رؤيا، فكيف يقبلون الدين من الرؤى وهو عند كل مسلم أعز عليه من بيته وماله ووالده وولده والناس أجمعين؟
ثالثًا: هذه الآية لم تنزل لهذا الغرض مطلقًا إنما الآية نزلت في المنافقين الذين كانوا يصدون الناس عن متابعة الرسول - ﵌ - ويتحاكمون إلى الطاغوت فهؤلاء إذا جاءوا النبي واستغفروا الله من نفاقهم في مجلسه، وسألوه أن يعقب على استغفارهم لأنفسهم بأن يستغفر الرسول لهم عندها يجدون الله توابًا رحيمًا ولكن لم يجيئوا ولم يستغفروا، ولم يستغفر لهم الرسول فما علاقة هذا بواقع الأعرابي الذي جاء رسول الله بعد وفاته وطلب منه وهو ميت أن يستغفر لهم. .؟!!
[ ٧٥ ]
لا علاقة بين الموضوعين؛ بل ولا قياس بين الواقعين لاختلافهما. وليس هناك لفظ عام لا من جهة الآتي ولا الذي يؤتى إليه حتى يقال أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
ولو صح حمل الآية على العموم لصح ذلك في قوله تعالى: ﴿َيا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيم﴾ (الممتحنة:١٢).فلو صح الاستدلال بالآية المذكورة على المجيء إلى قبر النبي - ﵌ - لكان هنا من باب أولى ولا أحد يقول بهذا.
رابعًا: يدعي الصوفية أن العبرة في هذه الآية بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
ولكن هاهنا سؤال: ألم يكن الصحابة من هذا العموم؟!!
إذا كان الجواب: نعم. فمَن مِن الصحابة عمل بمقتضى هذا المفهوم الذي تزعمونه؟ لقد تركوا التوسل به - ﵌ - - كما عند البخاري - ولم يأتوا قبره ولم يثبت عن واحد منهم أنه جاء إلى قبره - ﵌ - وطلب الاستغفار هناك بعد موته. وهذا يؤكد أن هذا العموم قد انقطع بموته ولو كانت العبرة بالعموم لفعلوه بعد موته - ﵌ -.
وإذا كانت الآية عامة لزم منه أن خير القرون قد عطلوا هذا الواجب وتجاهلوه حتى جاء المتأخرون وعملوا به، أو أن السلف جهلوه وضلوا عنه وفقهه الخلف!!!
خامسًا: هذا القول فيه مصادمة لقول النبي - ﵌ -: «لا تجعلوا قبري عيدًا» (رواه أبو داود وصححه الألباني)؛ لأنه حينئذ سيكون عيدًا للمذنبين كلما أذنبوا.
سادسًا: مادام أنها ليست من سنة الرسول - ﵌ - ولا فعل خلفائه الراشدين، وصحابه المكرمين، ولا من فعل التابعين والقرون المفضلة وإنما هي مجرد حكاية عن مجهول، نقلت بسند ضعيف فكيف يحتج بها في عقيدة التوحيد الذي هو أصل الأصول، وكيف يحتج بها وهي تعارض الأحاديث الصحيحة التي نهى فيها - ﵌ - عن الغلو في القبور والغلو في الصالحين عموما وعن الغلو في قبره والغلو فيه - ﵌ - خصوصًا.
* وأما من نقلها من العلماء أو استحسنها فليس ذلك بحجة تعارَض بها النصوص الصحيحة وتخالَف من أجلها عقيدة السلف فقد يخفى على بعض العلماء ما هو واضح لغيرهم وقد يخطئون في نقلهم ورأيهم وتكون الحجة مع من خالفهم. وما دمنا قد علمنا طريق الصواب فلا شأن لنا بما قاله فلان أو حكاه فلان فليس ديننا مبنيًا على الحكايات والمنامات. وإنما هو مبني على البراهين الصحيحة.
سابعًا: كيف يتجاسر أحد أن يعارض نصوص كتاب الله، وسنة رسوله - ﵌ - بقول حكاه حاكٍ مستحسنا له، والله سبحانه يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور:٦٣)
فطاعة رسول الله - ﵌ - مقدمة على طاعة كل أحد، وإن كان خير هذه الأمة أبا بكر وعمر، كما قال ابن عباس: أراهم سيهلكون، أقول: قال النبي - ﵌ -، وتقولون: نهى أبو بكر وعمر. (رواه الإمام أحمد وصححه الشيخ أحمد شاكر).
فكيف لو رأى ابن عباس هؤلاء الناس الذين يعارضون السنة الثابتة، والحجة الواضحة بقول أعرابي في قصة العتبي الضعيفة المنكرة.
ثامنًا: ما يضير هذا المستغفر إذا توجه إلى الله وتاب من ذنوبه، وطلب من الله المغفرة ؟ أو اختار أحد الصالحين الأحياء وكلفه أن يدعو له فلا مانع من ذلك كما طلب عمر من العباس - ﵄ - أن يستسقي للمسلمين بعد وفاة رسول الله - ﵌ -، ولم يطلب عمر - ﵁ - من رسول الله بعد وفاته أن يستسقي للمسلمين.
ولو كان هذا جائزًا لفعله عمر - ﵁ - ولكن لم يفعل ذلك لأنه يعلم أن رسول الله التحق بالرفيق الأعلى ولم يعد يستطيع الدعاء وما أشبه ذلك.
تاسعًا: يقول الله تعالى: (﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ و(إذ) هذه ظرف لما مضى، وليست ظرفًا للمستقبل، لم يقل الله - ﷿ -: «ولو أنهم إذا ظلموا» بل قال: ﴿إِذ ظَّلَمُواْ﴾ فالآية
[ ٧٧ ]
تتحدث عن أمرٍ وقع في حياة الرسول - ﵌ - والآية نزلت في قوم تحاكموا، أو أرادوا التحاكم إلى غير الله ورسوله؛ كما يدلُّ على ذلك سياقها السابق واللاحق.
عاشرًا: الآية ليس فيها التوسل بذات الرسول - ﵌ - بل فيها (كما قال الحافظ ابن كثير): يرشد تعالى العصاة والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى الرسول - ﵌ - فيستغفروا الله عنده ويسألوه أن يستغفر لهم فإنهم إذا فعلوا ذلك تاب الله عليهم ورحمهم وغفر لهم»
فالآية دليل على التوسل بدعاء النبي - ﵌ -،وهو حي، فهي حجة عليهم.
واستغفار النبي - ﵌ - للمذنبين ممكن حال حياته - ﵌ - أما بعد وفاته فغير ممكن؛ لأن حياته - ﵌ - في قبره حياة برزخية لا نعلم كيفيتها وهي تختلف عن حياتنا هذه. ولو كان المراد من هذه الآية الذهاب إلى النبي - ﵌ - وطلب الاستغفار منه بعد مماته لقال تعالى (ولو أنهم إذا ظلموا أنفسهم) بصيغة الاستقبال، ولكنه - قال: ﴿إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ﴾ بصيغة الماضي.
حادي عشر: لم يفهم الصحابة - ﵃ - من الآية ما فهمه الصوفية؛ فلم يثبت بسند صحيح - فيما نعلم - أن أحدًا من الصحابة ذهب إلى قبر الرسول - ﵌ - بعد وفاته، وطلب منه أن يستغفر له، أو طلب منه أن يدعوَ الله له أن يرزقه مثلًا، مع العلم أن الصحابة كانوا من أحرص الناس على الخير، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه.
* والعجب من هؤلاء الصوفية أنهم لا يحتجون بالأحاديث الصحيحة في باب الاعتقاد، فكيف يتعلقون فيما يوافق أهواءهم بروايات المجهولين، الذين لا يعرفهم علماء الجرح والتعديل، الذين دونوا أسماء الثقات والضعفاء والمجهولين، وفاتَهم هؤلاء المجهولون الذين يتعلق برواياتهم أصحاب الأهواء.
ثم العجب - ثانيًا - أنهم يتعلقون بالمنامات، ويحتجون بها في الاعتقادات.
ثم العجب - ثالثًا - أنهم يتعلقون بما ينسب إلى الأعراب الأجلاف، ويعرضون عما ثبت عن أئمة الأسلاف من مثل ما روى عبد الرزاق عن معمر عن عبيد الله بن عمر،
[ ٧٩ ]
الشبهة الرابعة: حديث استسقاء عمر بالعباس - ﵄ -:
أنه لا يعلم عن أحد من الصحابة أنه كان يزور قبر النبي - ﵌ -، وهي رواية ثابتة صحيحة لا غبار عليها.
وهل هذا الأعرابي أفقه من أصحاب رسول الله - ﵌ -، وأعلم بالقرآن منهم، وأحرص على تطبيقه منهم؟ كيف لم يأت أصحاب محمد - ﵌ - إلى قبره، مستغفرين من ذنوبهم، مستشهدين بهذه الآية؟
الشبهة الرابعة: حديث استسقاء عمر بالعباس - ﵄ -: يحتجون على جواز التوسل بجاه الأشخاص وحرمتهم وحقهم بحديث أنس - ﵁ -: «أن عمر بن الخطاب - ﵁ - كان إذا قَحَطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا، فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. قال: فيسقون». (رواه البخاري)
فيفهمون من هذا الحديث أنّ توسل عمر - ﵁ - إنما كان بجاه العباس - ﵁ -، ومكانته عند الله سبحانه، وأن توسله كأنه مجرد ذِكْر منه للعباس في دعائه، وطلب منه لله أن يسقيهم من أجله، وقد أقره الصحابة على ذلك، فأفاد - بزعمهم - ما يدعون.
وأما سبب عدول عمر - ﵁ - عن التوسل بالرسول - ﵌ - بزعمهم - وتوسله بدلًا منه بالعباس - ﵁ -، فقالوا: إنما كان لبيان جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل ليس غير.
وفهمهم هذا خاطىء، وتفسيرهم هذا مردود من وجوه كثيرة أهمها:
١ - إن القواعد المهمة في الشريعة الإسلامية أن النصوص الشرعية يفسر بعضها بعضًا، ولا يفهم شيء منها في موضوع ما بمعزل عن بقية النصوص الواردة فيه. وبناء على ذلك فحديث توسل عمر السابق إنما يُفهم على ضوء ما ثبت من الروايات والأحاديث الواردة في التوسل بعد جمعها وتحقيقها، ونحن والمخالفون متفقون على أن في كلام عمر: (كنا نتوسل إليك بنبينا .. وإنا نتوسل إليك بعم نبينا) شيئًا محذوفًا، لا بد له من تقدير، وهذا التقدير إما أن يكون: (كنا نتوسل بـ (جاه) نبينا، وإنا نتوسل إليك بـ (جاه) عم نبينا) على رأيهم هم، أو يكون: (كنا نتوسل إليك بـ (دعاء) نبينا، وإنا
[ ٨٠ ]
نتوسل إليك بـ (دعاء) عم نبينا) على رأينا نحن. ولا بد من الأخذ بواحد من هذين التقديرين ليُفهَم الكلام بوضوح وجلاء.
ولنعرف أي التقديرين صواب لا بد من اللجوء إلى السنة، لتبين لنا طريقة توسل الصحابة الكرام بالنبي - ﵌ -.
هل كانوا إذا أجدبوا وقحَطوا قَبَع كل منهم في داره، أو مكان آخر، أو اجتمعوا دون أن يكون معهم رسول الله - ﵌ -، ثم دعَوا ربهم قائلين: «اللهم بنبيك محمد، وحرمته عندك، ومكانته لديك اسقنا الغيث» مثلًا أم كانوا يأتون النبي - ﵌ - ذاته فعلًا، ويطلبون منه أن يدعو الله تعالى لهم، فيحقق - ﵌ - طلْبتهم، ويدعو ربه سبحانه، ويتضرع إليه حتى يسقوا؟
أما الأمر الأول فلا وجود له إطلاقًا في السنة النبوية الشريفة، وفي عمل الصحابة - ﵃ -، ولا يستطيع أحد من الصوفية أن يأتي بدليل يثبت أن طريقة توسلهم كانت بأن يذكروا في أدعيتهم اسم النبي - ﵌ -، ويطلبوا من الله بحقه وقدره عنده ما يريدون. بل الذي نجده بكثرة، وتطفح به كتب السنة أن طريقة توسل الأصحاب الكرام بالنبي - ﵌ - إنما كانت إذا رغبوا في قضاء حاجة، أو كشف نازلة أن يذهبوا إليه - ﵌ -، ويطلبوا منه مباشرة أن يدعو لهم ربه، أي أنهم كانوا يتوسلون إلى الله تعالى بدعاء الرسول الكريم - ﵌ - ليس غير.
ومن أمثلة ذلك مارواه البخاري من مجيء الأعرابي إلى المسجد يوم الجمعة حيث كان رسول الله - ﵌ - يخطب، وعرضه له ضنك حالهم، وجدب أرضهم، وهلاك ماشيتهم، وطلبه منه أن يدعو الله سبحانه لينقذهم مما هم فيه، فاستجاب له - ﵌ -، وهو الذي وصفه ربه بقوله: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (التوبة:١٢٨)، فدعا - ﵌ - لهم ربه، واستجاب سبحانه دعاء نبيه، ورحم عباده ونشر رحمته، وأحيا بلدهم الميت.
ومن ذلك أيضًا ما رواه البخاري من مجيء الأعرابي السابق نفسه أو غيره إلى النبي - ﵌ - وهو يخطب الجمعة الثانية، وشكواه له انقطاع الطرقات وتهدم البنيان، وهلاك المواشي، وطلبه منه أن يدعو لهم ربه، ليمسك عنهم الأمطار، وفعل - ﵌ - فاستجاب له ربه جل شأنه أيضًا.
٢ - وهذا الذي بيناه من معنى الوسيلة هو المعهود في حياة الناس واستعمالهم، فإنه إذا كانت لإنسان حاجة ما عند مدير أو رئيس أو موظف مثلًا، فإنه يبحث عمن يعرفه ثم يذهب إليه ويكلمه، ويعرض له حاجته فيفعل، وينقل هذا الوسيط رغبته إلى الشخص المسؤول، فيقضيها له غالبًا. فهذا هو التوسل المعروف عند العرب منذ القديم، وما يزال، فإذا قال أحدهم: إني توسلت إلى فلان، فإنما يعني أنه ذهب إلى الثاني وكلمه في حاجته، ليحدث بها الأول، ويطلب منه قضاءها، ولا يفهم أحد من ذلك أنه ذهب إلى الأول وقال له: بحق فلان (الوسيط) عندك، ومنزلته لديك اقض لي حاجتي.
وهكذا فالتوسل إلى الله - ﷿ - بالرجل الصالح ليس معناه التوسل بذاته وبجاهه وبحقه، بل هو التوسل بدعائه وتضرعه واستغاثته به ـ، وهذا هو بالتالي معنى قول عمر - ﵁ -: «اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا» أي: كنا إذ قل المطر مثلًا نذهب إلى النبي - ﵌ -، ونطلب منه أن يدعو لنا الله جل شأنه.
٣ - ويؤكد هذا ويوضحه تمام قول عمر - ﵁ -: «وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا»، أي إننا بعد وفاة نبينا - ﵌ - جئنا بالعباس عم النبي - ﵌ -، وطلبنا منه أن يدعو لنا ربنا سبحانه ليغيثنا.
* لماذا عدل عمر عن التوسل بالنبي - ﵌ - إلى التوسل بالعباس - ﵁ -، مع العلم أن العباس مهما كان شأنه ومقامه فإنه لا يُذكَر أمام شأن النبي - ﵌ - ومقامه؟ لأن التوسل بالنبي - ﵌ - غير ممكن بعد وفاته، فأنى لهم أن يذهبوا إليه - ﵌ - ويشرحوا له حالهم، ويطلبوا منه أن يدعو لهم، ويؤَمِّنوا على دعائه، وهو قد انتقل إلى الرفيق الأعلى، وأضحى في حال يختلف عن حال الدنيا وظروفها مما لا يعلمه إلا الله ـ، فأنى لهم أن
[ ٨١ ]
يحظوا بدعائه - ﵌ - وشفاعته فيهم، وبينهم وبينه كما قال الله عز شأنه: ﴿وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (المؤمنون:١٠٠).
ولذلك لجأ عمر - ﵁ -، وهو العربي الأصيل الذي صحب النبي - ﵌ - ولازمه في أكثر أحواله، وعرفه حق المعرفة، وفهم دينه حق الفهم، ووافقه القرآن في مواضع عدة، لجأ إلى توسل ممكن فاختار العباس - ﵁ -، لقرابته من النبي - ﵌ - من ناحية، ولصلاحه ودينه وتقواه من ناحية آخرى، وطلب منه أن يدعو لهم بالغيث والسقيا. وما كان لعمر ولا لغير عمر أن يدع التوسل بالنبي - ﵌ -، ويلجأ إلى التوسل بالعباس أو غيره لو كان التوسل بالنبي - ﵌ - ممكنًا، وما كان من المعقول أن يقر الصحابة - ﵃ - عمر على ذلك أبدًا؛ لأن الانصراف عن التوسل بالنبي - ﵌ - إلى التوسل بغيره ما هو إلا كالانصراف عن الاقتداء بالنبي - ﵌ - في الصلاة إلى الاقتداء بغيره، سواء بسواء، ذلك أن الصحابة - ﵃ - كانوا يعرفون قدر نبيهم - ﵌ - ومكانته وفضله معرفة لا يدانيهم فيها أحد.
* إن تعليل الصوفية لعدول عمر - ﵁ - عن التوسل بالنبي - ﵌ - إلى التوسل بالعباس - ﵁ - بأنه لبيان جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل هو تعليل مضحك وعجيب.
أ- إذ كيف يمكن أن يخطر في بال عمر - ﵁ -، أو في بال غيره من الصحابة الكرام ن تلك الحذلقة الفقهية المتأخرة، وهو يرى الناس في حالة شديدة من الضنك والكرب، والشقاء والبؤس، يكادون يموتون جوعًا وعطشًا لشح الماء وهلاك الماشية، وخلو الأرض من الزرع والخضرة حتى سمي ذاك العام بعام الرمادة، كيف يَرِد في خاطره تلك الفلسفة الفقهية في هذا الظرف العصيب، فيدَع الأخذ بالوسيلة الكبرى في دعائه، وهي التوسل بالنبي الأعظم - ﵌ - - لو كان ذلك جائزًا - ويأخذ بالوسيلة الصغرى، التي لا تقارن بالأولى، وهي التوسل بالعباس، لماذا؟ لا لشيء إلا ليبين للناس أنه يجوز لهم التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل!!
إن المشاهد والمعلوم أن الإنسان إذ حلّت به شدة يلجأ إلى أقوى وسيلة عنده في دفعها، ويدَع الوسائل الأخرى لأوقات الرخاء، وهذا كان يفهمه الجاهليون المشركون أنفسهم، إذ كانوا يَدعون أصنامهم في أوقات اليسر، ويتركونها ويدْعون الله تعالى وحده
[ ٨٣ ]
في أوقات العسر، كما قال ـ: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ (العنكبوت:٢٦٥).
فنعلم من هذا أن الإنسان بفطرته يستنجد بالقوة العظمى، والوسيلة الكبرى حين الشدائد، وقد يلجأ إلى الوسائل الصغرى حين الأمن واليسر، وقد يخطر في باله حينذاك أن يبين ذلك الحكم الفقهي الذي افترضوه، وهو جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل.
ب- هبْ أن عمر - ﵁ - خطر في باله أن يبين ذلك الحكم الفقهي المزعوم، ترى فهل خطر ذلك في بال معاوية والضحاك بن قيس حين توسلا بدعاء التابعي الجليل: يزيد بن الأسود الجُرَشي أيضًا؟
٤ - إننا نلاحظ في حديث استسقاء عمر بالعباس - ﵄ - أمرًا جديرًا بالانتباه، وهو قوله: «إن عمر بن الخطاب كان إذا قَحطوا، استسقى بالعباس بن عبدالمطلب، ففي هذا إشارة إلى تكرار استسقاء عمر بدعاء العباس - ﵄ -، ففيه حجة بالغة على الذين يتأولون فعل عمر ذلك أنه إنما ترك التوسل به - ﵌ - إلى التوسل بعمه - ﵁ -، لبيان جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل، فإننا نقول: لو كان الأمر كذلك لفعل عمر ذلك مرة واحدة، ولما استمر عليه كلما استسقى.
٥ - لقد فسرت بعض روايات الحديث الصحيحة كلام عمر المذكور وقصده، إذ نقلت دعاء العباس استجابةً لطلب عمر - ﵄ -، فمن ذلك ما نقله الحافظ العسقلاني - ﵀ - في (الفتح) (٣/ ١٥٠) حيث قال: «قد بين الزبير بن بكار في (الأنساب) صفة ما دعا به العباس في هذه الواقعة، والوقت الذي وقع فيه ذلك، فأخرج بإسناد له أن العباس لما استسقى به عمر قال: «اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة، وقد توجّه القوم بي إليك لمكاني من نبيك، وهذا أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا الغيث»، قال: فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض، وعاش الناس».
[ ٨٤ ]
وفي هذا الحديث:
أولا: التوسل بدعاء العباس - ﵁ - لا بذاته كما بينه الزبير بن بكار وغيره، وفي هذا رد واضح على الذين يزعمون أن توسل عمر كان بذات العباس لا بدعائه، إذ لو كان الأمر كذلك لما كان ثمة حاجة ليقوم العباس، فيدعو بعد عمر دعاءً جديدًا.
ثانيًا: أن عمر صرح بأنهم كانوا يتوسلون بنبينا - ﵌ - في حياته، وأنه في هذه الحادثة توسل بعمه العباس، ومما لا شك فيه أن التوسليْن من نوع واحد: توسلهم بالرسول - ﵌ - وتوسلهم بالعباس، وإذ تبين للقارىء أن توسلهم به - ﵌ - إنما كان توسلًا بدعائه - ﵌ - فتكون النتيجة أن توسلهم بالعباس إنما هو توسل بدعائه أيضًا، بضرورة أن التوسليْن من نوع واحد.
أما أن توسلهم به - ﵌ - إنما كان توسلًا بدعائه، فالدليل على ذلك صريح رواية الإسماعيلي في مستخرجه على الصحيح لهذا الحديث بلفظ: (كانوا إذ قحطوا على عهد النبي - ﵌ - استسقوا به، فيستسقي لهم، فيسقون، فلما كان في إمارة عمر ) فذكر الحديث، (انظر الفتح) (٢/ ٣٩٩»، فقوله: (فيستسقي لهم) صريح في أنه - ﵌ - كان يطلب لهم السقيا من الله تعالى ففي (النهاية) لابن الأثير: (الاستسقاء، استفعال من طلب السقيا أي إنزال الغيث على البلاد والعباد، يقال: سقى الله عباده الغيث وأسقاهم، والاسم السقيا بالضم، واستقيت فلانًا إذا طلبت منه أن يسقيك).
إذا تبين هذا، فقوله في هذه الرواية (استسقوا به) أي بدعائه، وكذلك قوله في الرواية الأولى: (كنا نتوسل إليك بنبينا)، أي بدعائه، لا يمكن أن يفهم من مجموع رواية الحديث إلا هذا.
ثالثًا: لو كان توسل عمر إنما هو بذات العباس أو جاهه عند الله تعالى، لما ترك التوسل به - ﵌ - بهذا المعنى، لأن هذا ممكن لو كان مشروعًا، فعدول عمر عن هذه إلى التوسل بدعاء العباس - ﵁ - أكبر دليل على أن عمر والصحابة الذين كانوا معه كانوا لا يرون التوسل بذاته - ﵌ -، وعلى هذا جرى عمل السلف من بعدهم، كما في توسل معاوية بن
[ ٨٥ ]
أبي سفيان والضحاك ابن قيس بيزيد بن الأسود الجرشي، وفيهما بيان دعائه بصراحة وجلاء.
فهل يجوز أن يُجمِع هؤلاء كلهم على ترك التوسل بذاته - ﵌ - لو كان جائزًا، سيّما والمخالفون يزعمون أنه أفضل من التوسل بدعاء العباس وغيره؟! اللهم إن ذلك غير جائز ولا معقول، بل إن هذا الإجماع منهم من أكبر الأدلة على أن التوسل المذكور غير مشروع عندهم، فإنهم أسمى من أن يستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير.
الشبهة الخامسة: حديث الضرير:
أخرج الإمام أحمد وغيره بسند صحيح عن عثمان بن حنيف أن رجلًا ضرير البصر أتى النبي - ﵌ -، فقال: ادع الله أن يعافيني. قال: «إن شئتَ دعوتُ لك، وإن شئتَ أخّرتُ ذاك، فهو خير»، (وفي رواية: «وإن شئتَ صبرتَ فهو خير لك»)، فقال: ادْعهُ. فأمره أن يتوضأ، فيحسن وضوءه، فيصلي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهتُ بك إلى ربي في حاجتي هذه، فتقضى لي، اللهم فشفّعْه فيَّ، وشفّعني فيه. قال: ففعل الرجل فبرأ».
يرى الصوفية: أن هذا الحديث يدل على جواز التوسل في الدعاء بجاه النبي - ﵌ - أو غيره من الصالحين، إذ فيه أن النبي - ﵌ - علم الأعمى أن يتوسل به في دعائه، وقد فعل الأعمى ذلك فعاد بصيرًا.
وهذا الحديث لا حجة لهم فيه على التوسل المختلَف فيه، وهو التوسل بالذات، بل هو دليل آخر على النوع الثالث من أنواع التوسل المشروع؛ لأن توسل الأعمى إنما كان بدعائه. والأدلة على ما نقول من الحديث نفسه كثيرة، وأهمها:
أولًا: أن الأعمى إنما جاء إلى النبي - ﵌ - ليدعو له، وذلك قوله: (ادعُ الله أن يعافيني) فهو توسل إلى الله تعالى بدعائه - ﵌ -، لأنه يعلم أن دعاءه - ﵌ - أرجى للقبول عند الله بخلاف دعاء غيره، ولو كان قصد الأعمى التوسل بذات النبي - ﵌ - أو جاهه أو حقه لما كان ثمة حاجة به إلى أن يأتي النبي - ﵌ -، ويطلب منه الدعاء له، بل كان يقعد في بيته، ويدعو ربه بأن يقول مثلًا: «اللهم إني أسألك بجاه نبيك ومنزلته عندك أن يشفيني،
[ ٨٦ ]
وتجعلني بصيرًا». ولكنه لم يفعل، لماذا؟ لأنه عربي يفهم معنى التوسل في لغة العرب حق الفهم، ويعرف أنه ليس كلمة يقولها صاحب الحاجة، يذكر فيها اسم المتَوسَّل به، بل لابد أن يشتمل على المجيء إلى من يعتقد فيه الصلاح والعلم بالكتاب والسنة، وطلب الدعاء منه له.
ثانيًا: أن النبي - ﵌ - وعده بالدعاء مع نصحه له ببيان ما هو الأفضل له، وهو قوله - ﵌ -: «إن شئتَ دعوتُ، وإن شئتَ صبرتَ فهو خير لك». وهذا الأمر الثاني هو ما أشار إليه - ﵌ - في الحديث الذي رواه عن ربه - أنه قال: «إذا ابتليتُ عبدي بحبيبتيه - أي عينيهـ فصبر، عوضته منهما الجنة». (رواه البخاري)
ثالثًا: إصرار الأعمى على الدعاء وهو قوله: (فادْعُ) فهذا يقتضي أن الرسول - ﵌ - دعا له؛ لأنه - ﵌ - خير من وفَّى بما وعد، وقد وعده بالدعاء له إن شاء كما سبق، فقد شاء الدعاء وأصر عليه، فإذن لا بد أنه - ﵌ - دعا له، فثبت المراد.
وقد وجَّهَ النبي - ﵌ - الأعمى بدافع من رحمته، وبحرص منه أن يستجيب الله تعالى دعاءه فيه، وجهه إلى النوع الثاني من التوسل المشروع، وهو التوسل بالعمل الصالح، ليجمع له الخير من أطرافه، فأمره أن يتوضأ ويصلي ركعتين ثم يدعو لنفسه وهذه الأعمال طاعة لله - يقدمها بين يدي دعاء النبي - ﵌ - له، وهي تدخل في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ﴾.
وهكذا فلم يكتف الرسول - ﵌ - بدعائه للأعمى الذي وعده به، بل شغله بأعمال فيها طاعة لله - وقُربة إليه، ليكون الأمر مكتملًا من جميع نواحيه، وأقرب إلى القبول والرضا من الله ـ، وعلى هذا، فالحادثة كلها تدور حول الدعاء - كما هو ظاهر - وليس فيها ذكر شيء مما يزعمون.
رابعًا: أن في الدعاء الذي علمه رسول الله - ﵌ - إياه أن يقول: «اللهم فشَفّعْهُ فِيّ» وهذا يستحيل حمله على التوسل بذاته - ﵌ -، أو جاهه، أو حقه، إذ أن المعنى: اللهم اقبل شفاعته - ﵌ - فِيّ، أي اقبل دعائه في أن ترد عليَّ بصري، والشفاعة لغةً الدعاء، وهو المراد
[ ٨٧ ]
بالشفاعة الثابتة له - ﵌ - ولغيره من الأنبياء والصالحين يوم القيامة، وهذا يبين أن الشفاعة أخص من الدعاء، إذ لا تكون إلا إذا كان هناك اثنان يطلبان أمرًا، فيكون أحدهما شفيعًا للآخر، بخلاف الطالب الواحد الذي لم يشفع غيره، قال في (لسان العرب): (الشفاعة كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره، والشافع الطالب لغيره، يتشفع به إلى المطلوب، يقال تشفعت بفلان إلى فلان، فشفعني فيه).فثبت بهذا الوجه أيضًا أن توسل الأعمى إنما كان بدعائه - ﵌ - لا بذاته.
خامسًا: إن مما علم النبي - ﵌ - الأعمى أن يقوله: «وشفعني فيه» أي اقبل شفاعتي (أي دعائي) في أن تقبل شفاعته - ﵌ - (أي دعاءه) في أن ترد عليَّ بصري. هذا الذي لا يمكن أن يفهم من هذه الجملة سواه.
ولهذا ترى المخالفين يتجاهلونها ولا يتعرضون لها من قريب أو من بعيد؛ لأنها تنسف بنيانهم من القواعد، وتجتثه من الجذور، وإذا سمعوها رأيتهم ينظرون إليك نظر المغشي عليه. ذلك أن شفاعة الرسول - ﵌ - في الأعمى مفهومة، ولكن شفاعة الأعمى في الرسول - ﵌ - كيف تكون؟ لا جواب لذلك عندهم البتة.
ومما يدل على شعورهم بأن هذه الجملة تبطل تأويلاتهم أنك لا ترى واحدًا منهم يستعملها، فيقول في دعائه مثلًا: اللهم شفع فيَّ نبيك، وشفعني فيه.
سادسًا: إن هذا الحديث ذكره العلماء في معجزات النبي - ﵌ - ودعائه المستجاب، وما أظهره الله ببركة دعائه من الخوارق والإبراء من العاهات، فإنه بدعائه - ﵌ - لهذا الأعمى أعاد الله عليه بصره، ولذلك رواه المصنفون في (دلائل النبوة) كالبيهقي وغيره، فهذا يدل على أن السر في شفاء الأعمى إنما هو دعاء النبي - ﵌ -.
كما أنه لو كان السر في شفاء الأعمى أنه توسل بجاه النبي - ﵌ - وقدره وحقه، كما يفهم عامة المتأخرين، لكان من المفروض أن يحصل هذا الشفاء لغيره من العميان الذين يتوسلون بجاهه - ﵌ -، بل ويضمون إليه أحيانًا جاه جميع الأنبياء المرسلين، وكل الأولياء والشهداء والصالحين، وجاه كل من له جاه عند الله من الملائكة، والإنس
[ ٨٨ ]
والجن أجمعين! ولم نعلم ولا نظن أحدًا قد علم حصول مثل هذا خلال القرون الطويلة بعد وفاته - ﵌ - إلى اليوم.
* قول الأعمى في دعائه: «اللهم إني أسألك، وأتوسل إليك بنبيك محمد - ﵌ -» إنما المراد به: أتوسل إليك بدعاء نبيك، أي على حذف المضاف، وهذا أمر معروف في اللغة، كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ (يوسف:٨٢) أي أهل القرية وأصحاب العير. ونحن والمخالفون متفقون على ذلك، أي على تقدير مضاف محذوف، وهو مثل ما رأينا في دعاء عمر وتوسله بالعباس، فإما أن يكون التقدير: إني أتوجه إليك بـ (جاه) نبيك، ويا محمد إني توجهت بـ (ذات) ك أو (مكانت) ك إلى ربي كما يزعمون، وإما أن يكون التقدير: إني أتوجه إليك بـ (دعاء) نبيك، ويا محمد إني توجهت بـ (دعاء) ك إلى ربي كما هو قولنا. ولا بد لترجيح أحد التقديرين من دليل يدل عليه.
فأما تقديرهم (بجاهه) فليس لهم عليه دليل لا من هذه الحديث ولا من غيره، إذ ليس في سياق الكلام ولا سياقه تصريح أو إشارة لذكر الجاه أو ما يدل عليه إطلاقًا، كما أنه ليس عندهم شيء من القرآن أو من السنة أو من فعل الصحابة يدل على التوسل بالجاه، فيبقى تقديرهم من غير مرجح، فسقط من الاعتبار، والحمد لله.
ولو حمل حديث الضرير على التوسل بالذات لكان معطلًا لقوله فيما بعد: «اللهم فشفّعه فِيَّ، وشفّعني فيه» وهذا لا يجوز كما لا يخفى، فوجب التوفيق بين هذه الجملة والتي قبلها. وليس ذلك إلا على ما حملناه من أن التوسل كان بالدعاء، فثبت المراد، وبطل الاستدلال به على التوسل بالذات، والحمد لله.
تنبيه: وقع في بعض الطرق الأخرى لحديث الضرير السابق زيادتان لا بد من بيان شذوذهما وضعفهما، حتى يكون القارىء على بينة من أمرهما، فلا يغتر بقول من احتج بهما على خلاف الحق والصواب.
الزيادة الأولى: زيادة حماد بن سلمة قال: حدثنا أبو جعفر الخطمي .. فساق إسناده مثل رواية شعبة، وكذلك المتن إلا أنه اختصره بعض الشيء، وزاد في آخره بعد
[ ٨٩ ]
قوله: وشفع نبيي في رد بصري: «وإن كانت حاجة فافعل مثل ذلك» رواه أبو بكر بن أبي خيثمة في تاريخه، فقال: حدثنا مسلم بن إبراهيم: حدثنا حماد بن سلمه به.
وقد أعلَّ هذه الزيادة شيخ الإسلام ابن تيمية في (القاعدة الجليلة) (ص١٠٢) بتفرد حماد بن سلمة بها، ومخالفته لرواية شعبة.
الزيادة الثانية: قصة الرجل مع عثمان بن عفان، وتوسله به - ﵌ - حتى قضى له حاجته، وأخرجها الطبراني في (المعجم الصغير) وفي (الكبير) من طريق عبد الله بن وهب عن شبيب بن سعيد المكي عن روح بن القاسم عن أبي جعفر الخطمي المدني عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف أن رجلًا كان يختلف إلى عثمان بن عفان - ﵁ - في حاجة له، فكان عثمان لا يلتفت إليه، ولا ينظر في حاجته فلقي عثمان بن حنيف، فشكا ذلك إليه، فقال له عثمان: ائت الميضأة، فتوضأ، ثم ائت المسجد، فصل فيه ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد - ﵌ - نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك - ﷿ -، فيقضي لي حاجتي، وتذكر حاجتك، ورح إليَّ حتى أروح معك، فانطلقَ الرجل فصنع ما قال، ثم أتى باب عثمان - ﵁ - فجاء البواب حتى أخذ بيده، فأدخله عليه، فأجلسه معه على الطنفسة، وقال: حاجتك؟ فذكر حاجته، فقضاها له، ثم قال له: ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة، وقال: «ما كانت لك من حاجة فَأْتِنا، ثم إن الرجل خرج من عنده، فلقي عثمان بن حنيف، فقال له: جزاك الله خيرًا، ما كان ينظر في حاجتي، ولا يلتفت إلي حتى كلمتَه فيَّ، فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلمته، ولكن شهدت رسول الله - ﵌ - وأتاه ضرير، فشكا إليه ذهاب بصره، فقال له النبي - ﵌ -:فتصبر، فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد، وقد شق علي، فقال النبي - ﵌ -: «ائت الميضأة، فتوضأ ثم صلي ركعتين، ثم ادعُ بهذه الدعوات» قال عثمان بن حنيف: فوالله ما تفرقنا، وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضر قط.
[ ٩٠ ]
* قال الطبراني: (لم يروه عن روح بن القاسم إلا شبيب بن سعيد أبو سعيد المكي وهو ثقة، وهو الذي يحدث عنه أحمد بن شبيب عن أبيه عن يونس بن يزيد الأيلي، وقد روى هذا الحديث شعبة عن أبي جعفر الخطمي - واسمه عمير بن يزيد - وهو ثقة تفرد به عثمان بن عمر بن فارس عن شعبة، والحديث صحيح).
قال الشيخ الألباني: لا شك في صحة الحديث، وإنما البحث الآن في هذه القصة التي تفرد بها شبيب بن سعيد كما قال الطبراني، وخلاصة القول: إن هذه القصة ضعيفة منكرة، لأمور ثلاثة:
ضعف حفظ المتفرد بها، والاختلاف عليه فيها، ومخالفته للثقات الذين لم يذكروها في الحديث، وأمر واحد من هذه الأمور كاف لإسقاط هذه القصة، فكيف بها مجتمعة؟
* الطبراني إنما صحح الحديث فقط دون القصة، بدليل قوله: (قد روى الحديث شعبة والحديث صحيح) فهذا نص على أنه أراد حديث شعبة، وشعبة لم يرو هذه القصة، فلم يصححها إذن الطبراني، فلا حجة لهم في كلامه.
* وفي القصة جملة إذا تأمل فيها العاقل العارف بفضائل الصحابة - ﵃ - وجدها من الأدلة الأخرى على نكارتها وضعفها، وهي أن الخليفة الراشد عثمان - ﵁ - كان لا ينظر في حاجة ذلك الرجل، ولا يلتفت إليه! فكيف يتفق هذا مع ما صح عن النبي - ﵌ - أن الملائكة تستحي من عثمان، ومع ما عرف به - ﵁ - من رفقه بالناس، وبره بهم، ولينه معهم؟ هذا كله يجعلنا نستبعد وقوع ذلك منه، لأنه ظلم يتنافى مع شمائله - ﵁ - وأرضاه.
الشبهة السادسة: الأحاديث الضعيفة في التوسل:
الحديث الأول: عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: «من خرج من بيته إلى الصلاة، فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وأسألك بحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا أقبل الله عليه بوجهه».رواه أحمد (٣/ ٢١) واللفظ له، وابن ماجه، وانظر تخريجه مفصلًا في (سلسلة الأحاديث الضعيفة) (رقم ٢٤). وإسناده ضعيف لأنه من رواية عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري، وعطية ضعيف كما قال النووي
[ ٩١ ]
في (الأذكار) وابن تيمية في (القاعدة الجليلة) والذهبي في (الميزان) بل قال في (الضعفاء) (٨٨/ ١): «مجمع على ضعفه».
الحديث الثاني: حديث بلال - ﵁ - وهو ما روي عنه أنه قال: «كان رسول الله - ﵌ - إذا خرج إلى الصلاة قال: بسم الله، آمنت بالله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله. اللهم بحق السائلين عليك، وبحق مخرجي هذا، فإني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا ..» الحديث أخرجه ابن السني في (عمل اليوم والليلة، رقم٨٢) من طريق الوازع بن نافع العقيلي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله عنه.
وهذا سند ضعيف جدًا، وآفته الوازع هذا، فإنه لم يكن عنده وازع يمنعه من الكذب، كما بينه الألباني في (السلسلة الضعيفة)، وقال النووي في (الأذكار): «حديث ضعيف أحد رواته الوازع بن نافع العقيلي وهو متفق على ضعفه، وأنه منكر الحديث» وقال الحافظ ابن حجر بعد تخريجه: «هذا حديث واه جدًا».
* ومع كون هذين الحديثين ضعيفين فهما لا يدلان على التوسل بالمخلوقين أبدًا، وإنما يعودان إلى أحد أنواع التوسل المشروع الذي تقدم الكلام عنه، وهو التوسل إلى الله تعالى بصفة من صفاته - ﷿ -؛ لأن فيهما التوسل بحق السائلين على الله وبحق ممشى المصلين. فما هو حق السائلين على الله تعالى؟ لا شك أنه إجابة دعائهم، وإجابة الله دعاء عباده صفة من صفاته - ﷿ -، وكذلك حق ممشى المسلم إلى المسجد هو أن يغفر الله له، ويدخله الجنة ومغفرة الله تعالى ورحمته، وإدخاله بعض خلقه ممن يطيعه الجنة. كل ذلك صفات له ﵎.
الحديث الثالث: عن أبي أمامة قال: «كان رسول الله - ﵌ - إذا أصبح، وإذا أمسى دعا بهذا الدعاء: اللهم أنت أحق من ذكر، وأحق من عبد .. أسألك بنور وجهك الذي أشرقت له السماوات والأرض، وبكل حق هو لك، وبحق السائلين عليك ».
قال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (١٠/ ١١٧): «رواه الطبراني، وفيه فضال بن جبير، وهو ضعيف مجمع على ضعفه».
قال الألباني: «بل هو ضعيف جدًا»، اتهمه ابن حبان فقال: «شيخ يزعم أنه سمع أبا أمامة، يروي عنه ما ليس منه حديثه». وقال أيضًا: «لا يجوز الاحتجاج به بحال، يروي أحاديث لا أصل لها».وقال ابن عدي في (الكامل) (٢٥/ ١٣): «أحاديثه كلها غير محفوظة».
الحديث الرابع: عن أنس بن مالك قال: لما ماتت فاطمة بنت أسد بن هاشم أم علي - ﵃ - دعا أسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب وغلامًا أسود يحفرون فلما فرغ دخل رسول الله - ﵌ -، فاضطجع فيه فقال: «الله الذي يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، اغفر لأمي فاطمة بين أسد، ولقنها حجتها، ووسع مدخلها بحق نبيك، والأنبياء الذين من قبلي، فإنك أرحم الراحمين ».
قال الهيثمي في (مجمع الزوائد): (رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه روح بن صلاح، وثقة ابن حبان والحاكم وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح).
قال الألباني: ومن طريق الطبراني رواه أبو نعيم في (حلية الأولياء) وإسناده عندهما ضعيف، لأن روح بن صلاح الذي في إسناده قد تفرد به، كما قال أبو نعيم نفسه، وروح ضعّفه ابن عدي، وقال ابن يونس: رويت عنه مناكير، وقال الدارقطني: «ضعيف في الحديث»، وقال ابن ماكولا: «ضعَّفوه»، وقال ابن عدي بعد أن أخرج له حديثين: «له أحاديث كثيرة، في بعضها نكرة» فقد اتفقوا على تضعيفه فكان حديثه منكرًا لتفرده به. وقد ذهب بعضهم إلى تقوية هذا الحديث لتوثيق ابن حبان والحاكم لروح هذا، ولكن ذلك لا ينفعهم، لما عرفا به من التساهل في التوثيق، فقولهما عند التعارض لا يقام له وزن حتى لو كان الجرح مبهمًا، فكيف مع بيانه كما هي الحال هنا.
الحديث الخامس: عن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد قال: «كان رسول الله - ﵌ - يستفتح بصعاليك المهاجرين».
فيرى المخالفون أن هذا الحديث يفيد أن النبي - ﵌ - كان يطلب من الله تعالى أن ينصره، ويفتح عليه بالضعفاء المساكين من المهاجرين، وهذا - بزعمهم - هو التوسل المختلف فيه نفسه.
قال الألباني: «والجواب من وجهين:
الأول: ضعف الحديث، فقد أخرجه الطبراني في (المعجم الكبير):حدثنا محمد بن إسحاق بن راهويه حدثنا أبي حدثنا عيسى بن يونس حدثني أبي عن أبيه عن أميه به.
وحدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي بن عبيد الله بن عمر القواريري حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان عن أبي إسحاق عن أمية بن خالد به. ثم رواه من طريق قيس بن الربيع عن أبي إسحاق عن المهلب بن أبي صفرة عن أمية بن خالد مرفوعًا بلفظ: «. .. يستفتح ويستنصر بصعاليك المسلمين».
قال الألباني: «مداره على أمية هذا، ولم تثبت صحبته، فالحديث مرسل ضعيف، وقال ابن عبد البر في (الاستيعاب) (١/ ٣٨): «لا تصح عندي صحبته، والحديث مرسل» وقال الحافظ ابن حجر في (الإصابة) (١/ ١٣٣): «ليست له صحبة ولا رواية».
قال الألباني: وفيه علة أخرى، وهي اختلاط أبي اسحاق وعنعنته، فإنه كان مدلسًا، إلا أن سفيان سمع منه قبل الاختلاط، فبقيت العلة الأخرى وهي العنعنة. فثبت بذلك ضعف الحديث وأنه لا تقوم به حجة. وهذا هو الجواب الأول.
الثاني: أن الحديث لو صح فلا يدل إلا على مثل ما دل عليه حديث عمر، وحديث الأعمى من التوسل بدعاء الصالحين. قال المناوي في (فيض القدير): «كان يستفتح» أي يفتتح القتال، من قوله تعالى: ﴿إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الْفَتْحُ﴾ (الأنفال: ١٩) ذكره الزمخشري. «ويستنصر» أي يطلب النصرة «بصعاليك المسلمين» أي بدعاء فقرائهم الذين لا مال لهم.
قال الألباني: وقد جاء هذا التفسير من حديثه، أخرجه النسائي بلفظ: «إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها، بدعوتهم، وصلاتهم وإخلاصهم» وسنده صحيح، وأصله في (صحيح البخاري)، فقد بين الحديث أن الاستنصار إنما يكون بدعاء الصالحين، لا بذواتهم وجاههم.
ومما يؤكد ذلك أن الحديث ورد في رواية قيس بن الربيع المتقدمة بلفظ: «كان يستفتح ويستنصر » فقد علمنا بهذا أن الاستنصار بالصالحين يكون بدعائهم وصلاتهم
[ ٩٢ ]
وإخلاصهم، وهكذا الاستفتاح، وبهذا يكون هذا الحديث - إن صح - دليلًا على التوسل المشروع، وحجة على التوسل المبتدع، والحمد لله.
الحديث السادس: عن عمر بن الخطاب - ﵁ - مرفوعًا: «لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي، فقال: يا آدم ! وكيف عرفت محمدًا ولم أخلقه؟ قال: يا رب لما خلقتني بيدك، ونفخت في من روحك رفعت رأسي، فرأيت على قوائم العرش مكتوبًا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضِف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال: غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتُك».
أخرجه الحاكم في (المستدرك) (٢/ ٦١٥) من طريق أبي الحارث عبد الله بن مسلم الفهري: حدثنا إسماعيل بن مسلمة: أنبأ عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده عن عمر. وقال: (صحيح الإسناد وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذا الكتاب).
فتعقبه الذهبي فقال: «قلت: بل موضوع، وعبد الرحمن واهٍ، وعبد الله بن أسلم الفهري لا أدري مَن ذا»
قال الشيخ الألباني: ومن تناقض الحاكم في (المستدرك) نفسه أنه أورد فيه حديثًا آخر لعبد الرحمن هذا ولم يصححه، بل قال: «والشيخان لم يحتجا بعبد الرحمن بن زيد!».
قال الشيخ الألباني: «والفهري هذا أورده الذهبي في (الميزان) وساق له هذا الحديث وقال: «خبر باطل»، وكذا قال الحافظ ابن حجر في (اللسان) (٣/ ٣٦٠) وزاد عليه قوله في الفهري هذا: «لا أستبعد أن يكون هو الذي قبله فإنه من طبقته» قلت (أي الشيخ الألباني): «والذي قبله هو عبد الله بن مسلم بن رُشيد، قال الحافظ: ذكره ابن حبان، متهم بوضع الحديث، يضع على ليث ومالك وابن لهيعة، لا يحل كتب حديثه».
قال الشيخ الألباني «والحديث رواه الطبراني في (المعجم الصغير):ثنا محمد بن داود بن أسلم الصدفي المصري: ثنا أحمد ابن سعيد المدني الفهري: ثنا عبد الله بن إسماعيل المدني عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم به. وهذا سند مظلم فإن كل من دون عبد الرحمن لا يعرفون.
وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف باتفاقهم يغلط كثيرًا، ضعفه أحمد بن حنبل وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي والدارقطني، وغيرهم. وقال ابن حبان: «كان يقلب الأخبار وهو لا يعلم حتى كثر ذلك من روايته من رفع المراسيل، وإسناد الموقوف، فاستحق الترك».
وأما تصحيح الحاكم لمثل هذا الحديث وأمثاله فهذا مما أنكره عليه أئمة العلم بالحديث، وقالوا: إن الحاكم يصحح أحاديث موضوعة مكذوبة عند أهل المعرفة بالحديث. ولهذا كان أهل العلم بالحديث لا يعتمدون على مجرد تصحيح الحاكم.
تنبيه هام: قال الشيخ الألباني: وقد أورد الحاكم نفسه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في كتابه (الضعفاء) كما سماه العلامة ابن عبد الهادي، وقال في آخره: «فهؤلاء الذين قدمت ذكرهم قد ظهر عندي جرحهم، لأن الجرح لا يثبت إلا ببينة، فهم الذين أبين جرحهم لمن طالبني به، فإن الجرح لا أستحله تقليدًا، والذي أختاره لطالب هذا الشأن أن لا يكتب حديث واحد من هؤلاء الذين سميتهم، فالراوي لحديثهم داخل في قوله - ﵌ -: «من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبَيْن» (رواه مسلم)
فمن تأمل في كلام الحاكم هذا والذي قبله يتبن له بوضوح أن حديث عبد الرحمن بن زيد هذا موضوع عند الحاكم نفسه، وأن من يرويه بعد العلم بحاله فهو أحد الكاذبَيْن. فلا يجوز لمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصحح الحديث بعد اتفاق هؤلاء على وضعه تقليدًا للحاكم في أحد قوليه، مع اختياره في قوله الآخر لطالب العلم أن لا يكتب حديث عبد الرحمن هذا، وأنه إن فعل كان أحد الكاذبين كما سبق.
* قال الشيخ الألباني: «للحديث علتان:
الأولى: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وأنه ضعيف جدًا.
الثانية: جهالة الإسناد إلى عبد الرحمن.
وللحديث عندي علة أخرى. وهي اضطراب عبد الرحمن أو من دونه في إسناده، فتارة كان يرفعه، وتارة كان يرويه موقوفًا على عمر، لا يرفعه إلى النبي - ﵌ -».
* ثم على افتراض أن هذا الحديث ضعيف فقط كما يزعم بعض المخالفين - خلافًا لمن سبق ذكرهم من العلماء والحفاظ - فلا يجوز الاستدلال به على مشروعية التوسل المختلف فيه، لأنه - على قولهم - عبادة مشروعة، وأقل أحوال العبادة أن تكون مستحبة، والاستحباب حكم شرعي من الأحكام الخمسة التي لا تثبت إلا بنص صحيح تقوم به الحجة.
شيء عجيب: يعجب المسلم من اهتمام الصوفية بالقصص المختلَقة، وتتبعهم للحكايات المخالفة للنصوص المعتبرة، وعدم رفع الرأس بالآيات القامعة لأباطيل عقائدهم، وعزوفهم وتأويلاتهم للأحاديث الصريحة الصحيحة؛ بقصص وأحاديث مكذوبة موضوعة!! ثم هم يزعمون المحبة؟! أي محبة في عدم الاتباع، وبناء العقائد على الحكايات التي لا ترتفع إلى الضعف - في الغالب - فما بالك إلى الصحة، ظلمات موضوعة، وقصص مكذوبة!
بيان كذب قصة أبي جعفر المنصور مع الإمام مالك عند الحجرة النبوية:
* يُروى عن الإمام مالك بن أنس - ﵀ - قصة مع أبي جعفر المنصور العباسي يعتقد الصوفية أنها تؤيد احتجاجاتهم بتوسلاتهم بذوات المخلوقين، وفيها: «أنه - أي أبو جعفرـ سأل مالكًا فقال: يا أبا عبدالله، أأستقبل القبلة وأدعوا، أم أستقبلُ رسول الله - ﵌ -؟ فقال: ولِمَ تصرف وجهك عنه، وهو وسيلتك ووسيلةُ أبيك آدم - ﵇ - إلى الله تعالى يوم القيامة؛ بل استقبله واستشفع به، فيشفعه الله».
الكلام على سند هذه القصة:
هذه القصة أخرجها القاضي عياض في (الشفا) باسناده عن الإمام مالك. وهي ليست بصحيحة عنه، بل إسنادها إسناد مظلم منقطع، وهو مشتمل على من يتهم بالكذب وعلى من يجهل حاله، فابن حميد هو محمد بن حميد الرازي، وهو ضعيف كثير المناكير غير محتج بروايته، ولم يسمع من مالك شيئًا ولم يلقه؛ بل روايته عنه منقطعة غير متصلة.
وقد تُكُلِّم في محمد بن حميد الرازي - وهو الذي رويت عنه هذه الحكاية - من غير واحد من الأئمة، ونسبه بعضهم إلى الكذب.
قال يعقوب بن شيبة السدوسي: محمد بن حميد الرازي كثير المناكير. وقال البخاري: حديثه فيه نظر. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: ردئ المذهب، غير ثقة.
وقال أبو القاسم عبدالله بن محمد بن عبدالكريم الرازي ابن أخي أبي زرعة: سألت أبا زرعة عن محمد بن حميد فأومأ بأصبعه إلى فمه، فقلت له: كان يكذب؟ فقال برأسه: نعم. قلت له: قد شاخ، لعله كان يعمل عليه ويدلس عليه؟ فقال: لا يا بني، كان يتعمد.
وقال أبو حاتم الرازي: حضرت محمد بن حميد وحضره عون بن جرير، فجعل ابن حميد يحدث بحديث عن جرير فيه شِعر، فقال عون: ليس هذا الشعر في الحديث، إنما هو من كلام أبي. فتغافل ابن حميد فمر فيه.
وقال أبو نعيم عبدالملك بن محمد بن عدي: سمعت أبا حاتم محمد بن إدريس الرازي في منزله وعنده عبدالرحمن بن يوسف بن خراش وجماعة من مشايخ أهل الري وحفاظهم للحديث، فذكروا ابن حميد، فأجمعوا على أنه ضعيف في الحديث جدًا، وأنه يحدث بما لم يسمعه وأنه يأخذ أحاديث لأهل البصرة والكوفة فيحدث به الرازيين.
فهذه حال محمد بن حميد الرازي عند أئمة هذا الشأن، ورغم ذلك يزعم أحد دعاة الصوفية المعاصرين أن سندها صحيح. فالقصة مكذوبة، وسندها غريب.
وهذه الحكاية أيضًا منقطعة؛ فإن محمد بن حميد الرازي لم يدرك مالكًا لا سيما في زمن أبي جعفر المنصور. وفي الإسناد أيضًا من لا يعرف حاله.
هذه الحكاية لم يذكرها أحدٌ من أصحاب مالك المعروفين بالأخذ عنه، ومحمَّد بن حميد ضعيف عند أهل الحديث إذا أسند، فكيف إذا أرسل حكاية لا تُعرف إلا من جهته!!.
هذا إن ثبت عنه، وأصحاب مالك متفقون على أنه بمثل هذا النقل لا يثبت عن مالك قول له في مسألة في الفقه.
الكلام على متن القصة: قوله: «أستقبل القبلة وأدعوا أم استقبل رسول الله وأدعو؟» فقال: «ولِمَ تصرفُ وجهَكَ عنه، وهو وسيلتُكَ ووسيلةُ أبيكَ آدم».
[ ٩٥ ]
* المعروف عن الإمام مالك وغيره من الأئمَّة، وسائر السلف من الصحابة والتابعين؛ أنَّ الداعي إذا سلم على النَّبِيِّ - ﵌ - ثمَّ أراد أن يدعو لنفسه؛ فإنه يستقبل القبلة ويدعو في مسجده، ولا يستقبل القبر عند السَّلام على النبي - ﵌ - والدُّعاء له.
فما في الحكاية المنقطعة من قوله: «استقبله واستشفع به» كذب على الإمام مالك، مخالف لأقواله، وأقوال الصحابة والتابعين وأفعالهم التي نقلها الإمام مالك وأصحابه، ونقلها سائر العلماء، كل أحد منهم لم يستقبل القبر للدُّعاء لنفسه فضلًا عن أن يستقبله ويستشفع به.
الحديث السابع: «توسلوا بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم»:
وبعضهم يرويه بلفظ: «إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي، فإن جاهي عند الله عظيم». وهذا باطل لا أصل له في شيء من كتب الحديث البتة، وإنما يرويه بعض الجهال بالسنة كما نبَّه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في (القاعدة الجليلة) (ص١٣٢، ١٥٠) قال: «مع أن جاهه - ﵌ - عند الله أعظم من جاه جميع الأنبياء والمرسلين، ولكن جاه المخلوق عند الخالق ليس كجاه المخلوق عند المخلوق فإنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، والمخلوق يشفع عند المخلوق بغير إذنه، فهو شريك له في حصول المطلوب، والله تعالى لا شريك له.
فلا يلزم إذن من كون جاهه - ﵌ - عند ربه عظيمًا، أن نتوسل به إلى الله تعالى لعدم ثبوت الأمر به عنه - ﵌ -، ويوضح ذلك أن الركوع والسجود من مظاهر التعظيم فيما اصطلح عليه الناس، فقد كانوا وما يزال بعضهم يقومون ويركعون ويسجدون لمليكهم ورئيسهم والمعظم لديهم، ومن المتفق عليه بين المسلمين أن محمدًا - ﵌ - هو أعظم الناس لديهم، وأرفعهم عندهم. فهل يجوز لهم أن يقوموا ويركعوا ويسجدوا له في حياته وبعد مماته؟
الجواب: إنه لا بد لمن يُجَوِّز ذلك، من أن يثبت وروده في الشرع، وقد نظرنا فوجدنا أن السجود والركوع لا يجوزان إلا لله - ﷾ -، وقد نهى النبي - ﵌ - أن يسجد أو يركع أحد
[ ٩٩ ]
لأحد، كما أننا رأينا في السنة كراهية النبي - ﵌ - للقيام. فهل يستطيع أحد أن يقول عنا حين نمنع السجود لرسول الله - ﵌ -:إننا ننكر جاهه - ﵌ - وقدره؟ كلا ثم كلا.
فظهر من هذا بجلاء إن شاء الله تعالى أنه لا تلازم بين ثبوت جاه النبي - ﵌ - وبين تعظيمه بالتوسل بجاهه ما دام أنه لم يرد في الشرع.
هذا، وإن من جاهه - ﵌ - أنه يجب علينا اتباعه وإطاعته كما يجب إطاعة ربه، وقد ثبت عنه - ﵌ - أنه قال: «ما تركت شيئًا يقربكم إلى الله إلا أمرتكم به» (رواه الشافعي والطبراني وغيرهما) فإذا لم يأمرنا بهذا التوسل - ولو أمْرَ استحباب - فليس عبادة، فيجب علينا اتباعه في ذلك وأن ندع العواطف جانبًا، ولا نفسح لها المجال حتى ندخل في دين الله ما ليس منه بدعوى حبه - ﵌ -، فالحب الصادق إنما هو بالاتباع، وليس بالابتداع كما قال - ﷿ -: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (آل عمران:٣١)
الشبهة السابعة: أثران ضعيفان:
١ - أثر الاستسقاء بالرسول - ﵌ - بعد وفاته:
قال الحافظ ابن حجر في (الفتح) (٢/ ٣٩٧) ما نصه: «وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان عن مالك الدار - وكان خازن عمر - قال: أصاب الناس قحط في زمن عمر، فجاء رجل إلى قبر النبي - ﵌ - فقال: يا رسول الله! استسق لأمتك، فإنهم قد هلكوا، فأُتِيَ الرجلُ في المنام، فقيل له: ائت عمر .. الحديث. وقد روى سيف في (الفتوح) أن الذي رأى المنام المذكور هو بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة».
قال الشيخ الألباني: والجواب من وجوه:
الأول: عدم التسليم بصحة هذه القصة، لأن مالك الدار غير معروف العدالة والضبط، وهذان شرطان أساسيان في كل سند صحيح كما تقرر في علم المصطلح، وقد أورده ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) ولم يذكر راويًا عنه غير أبي صالح هذا، ففيه
[ ١٠٠ ]
إشعار بأنه مجهول، ويؤيده أن ابن أبي حاتم نفسه - مع سعة حفظه واطلاعه - لم يَحْكِ فيه توثيقًا فبقي على الجهالة.
* ولا ينافي هذا قول الحافظ: ( بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان ) لأننا نقول: إنه ليس نصًا في تصحيح جميع السند بل إلى أبي صالح فقط، ولولا ذلك لما ابتدأ هو الإسنادَ من عند أبي صالح، ولقال رأسًا: (عن مالك الدار وإسناده صحيح) ولكنه تعمد ذلك؛ ليلفت النظر إلى أن ها هنا شيئًا ينبغي النظر فيه، والعلماء إنما يفعلون ذلك لأسباب منها: أنهم قد لا يحضرهم ترجمة بعض الرواة، فلا يستجيزون لأنفسهم حذف السند كله، لما فيه من إيهام صحته لاسيما عند الاستدلال به، بل يوردون منه ما فيه موضع للنظر فيه، وهذا هو الذي صنعه الحافظ - ﵀ - هنا، وكأنه يشير إلى تفرد أبي صالح السمان عن مالك الدار كما سبق نقله عن ابن أبي حاتم، وهو يحيل بذلك إلى وجوب التثبت من حال مالك هذا أو يشير إلى جهالته. والله أعلم.
ويؤيد ما ذهبت اليه أن الحافظ المنذري أورد في (الترغيب) قصة أخرى من رواية مالك الدار عن عمر ثم قال: «رواه الطبراني في (الكبير)، ورواته إلى مالك الدار ثقات مشهورون، ومالك الدار لا أعرفه». وكذا قال الهيثمي في (مجمع الزوائد).
الثاني: أنها مخالفة لما ثبت في الشرع من استحباب إقامة صلاة الاستسقاء لاستنزال الغيث من السماء، كما ورد ذلك في أحاديث كثيرة، وأخذ به جماهير الأئمة، بل هي مخالفة لما أفادته الآية من الدعاء والاستغفار، وهي قوله تعالى في سورة نوح: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾ (نوح:١٠ - ١١) وهذا ما فعله عمر بن الخطاب حين استسقى وتوسل بدعاء العباس - ﵄ -، وهكذا كانت عادة السلف الصالح كلما أصابهم القحط أن يصلوا ويدعوا، ولم ينقل عن أحد منهم مطلقًا أنه التجأ إلى قبر النبي - ﵌ -، وطلب منه الدعاء للسقيا، ولو كان ذلك مشروعًا لفعلوه ولو مرة واحدة، فإذا لم يفعلوه دل ذلك على عدم مشروعية ما جاء في القصة.
الثالث: هب أن القصة صحيحة، فلا حجة فيها، لأن مدارها على رجل لم يُسَمَّ، فهو مجهول أيضًا، وتسميته بلالًا في رواية سيف لا يساوي شيئًا، لأن سيفًا هذا - وهو ابن عمر التميمي - متفق على ضعفه عند المحدثين، بل قال ابن حبان فيه: «يروي الموضوعات عن الأثبات، وقالوا: إنه كان يضع الحديث». فمن كان هذا شأنه لا تقبل روايته ولا كرامة، لا سيما عند المخالفة.
تنبيه: سيف هذا يَرِدُ ذِكْره كثيرًا في تاريخ ابن جرير وابن كثير وغيرهما، فينبغي على المشتغلين بعلم التاريخ أن لا يغفلوا عن حقيقة أمره حتى لا يعطوا الروايات ما لا تستحق من المنزلة.
الفرق بين التوسل بذات النبي - ﵌ - وبين طلب الدعاء منه:
هذا الأثر ليس فيه التوسل بالنبي - ﵌ -، بل فيه طلب الدعاء منه بأن يستسقي الله تعالى أمته، وهذه مسألة أخرى لا تشملها الأحاديث المتقدمة، ولم يقل بجوازها أحد من علماء السلف الصالح - ﵃ -، أعني الطلب منه - ﵌ - بعد وفاته.
* قياس بعض المتأخرين حياة الأنبياء في البرزخ على حياتهم في الدنيا قياس باطل مخالف للكتاب والسنة والواقع، وحسبنا الآن مثالًا على ذلك أن أحدًا من المسلمين لا يجيز الصلاة وراء قبورهم، ولا يستطيع أحد مكالمتهم، ولا التحدث اليهم، وغير ذلك من الفوارق التي لا تخفى على عاقل.
الاستغاثة بغير الله تعالى: ونتج من هذا القياس الفاسد والرأي الكاسد تلك الضلالة الكبرى، والمصيبة العظمى التي وقع فيها كثير من عامة المسلمين وبعض خاصتهم، ألا وهي الاستغاثة بالأنبياء الصالحين من دون الله تعالى في الشدائد والمصائب حتى إنك لتسمع جماعات متعددة عند بعض القبور يستغيثون بأصحابها في أمور مختلفة، كأن هؤلاء الأموات يسمعون ما يقال لهم، ويطلب منهم من الحاجات المختلفة بلغات متباينة، فهم عند المستغيثين بهم يعلمون مختلف لغات الدنيا، ويميزون كل لغة عن الأخرى، ولو كان الكلام بها في آن واحد! وهذا هو الشرك في صفات الله تعالى الذي جهله كثير من الناس، فوقعوا بسببه في هذه الضلالة الكبرى.
ويبطل هذا ويرد عليه آيات كثيرة. منها قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلًا﴾ (الإسراء: الآية ٥٦). والآيات في هذا الصدد كثيرة.
٢ - أثر فتح الكوى فوق قبر الرسول - ﵌ - إلى السماء:
روى الدارمي في (سننه):حدثنا أبو النعمان ثنا سعيد ابن زيد ثنا عمرو بن مالك النكري حدثنا أبو الجوزاء أوس بن عبد الله قال: قحَط أهل المدينة قحطًا شديدًا، فشكوا إلى عائشة، فقالت: انظروا قبر النبي - ﵌ - فاجعلوا منه كوى إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف، قال: ففعلوا، فمطرنا مطرًا حتى نبت العشب، وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم، فسمي عام الفتق.
قال الشيخ الألباني: وهذا سند ضعيف لا تقوم به حجة لأمور ثلاثة:
أولها: أن سعيد بن زيد فيه ضعف. قال فيه الحافظ في (التقريب): «صدوق له أوهام». وقال الذهبي في (الميزان): «قال يحيى بن سعيد: ضعيف، وقال السعدي: ليس بحجة، يضعفون حديثه، وقال النسائي وغيره: ليس بالقوي».
وثانيهما: أنه موقوف على عائشة وليس بمرفوع إلى النبي - ﵌ -، ولو صح لم تكن فيه حجة، لأنه يحتمل أن يكون من قبيل الآراء الاجتهادية لبعض الصحابة، مما يخطئون فيه ويصيبون، ولسنا ملزمين بالعمل بها.
وثالثها: أن أبا النعمان هذا هو محمد بن الفضل، يعرف بعارم، وهو وإن كان ثقة فقد اختلط في آخر عمره. وقد أورده الحافظ برهان الدين الحلبي حيث أورده في (المختلطين) من كتابه (المقدمة) وقال (ص٣٩١): «والحكم فيهم أنه يقبل حديث من أخذ عنهم قبل الاختلاط ولا يقبل حديث من أخذ عنه قبل الاختلاط أو بعده».
وهذا الأثر لا يدرى هل سمعه الدارمي منه قبل الاختلاط أو بعده، فهو إذن غير مقبول، فلا يحتج به، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (الرد على البكري) (ص٦٨ - ٧٤): «وما رُوي عن عائشة - ﵂ - من فتح الكوة من قبره إلى السماء، لينزل المطر فليس بصحيح، ولا يثبت إسناده، ومما يبين كذب هذا أنه في مدة حياة عائشة لم يكن للبيت
[ ١٠١ ]
كوة، بل كان باقيًا كما كان على عهد النبي - ﵌ -، بعضه مسقوف وبعضه مكشوف، وكانت الشمس تنزل فيه، كما ثبت في (الصحيحين) عن عائشة أن النبي - ﵌ - كان يصلي العصر والشمس في حجرتها، لم يظهر الفيء بعد، ولم تزل الحجرة النبوية كذلك في مسجد الرسول - ﵌ -. ومن حينئذ دخلت الحجرة النبوية في المسجد، ثم إنه ُبنِي حول حجرة عائشة التي فيها القبر جدار عال، وبعد ذلك جعلت الكوة لينزل منها من ينزل إذا احتيج إلى ذلك لأجل كنس أو تنظيف. وأما وجود الكوة في حياة عائشة فكذبٌ بيِّن.
الشبهة الثامنة: قياس الخالق على المخلوقين:
يقول المخالفون، إن التوسل بذوات الصالحين وأقدارهم أمر مطلوب وجائز، لأنه مبني على منطق الواقع ومتطلباته، ذلك أن أحدنا إذا كانت له حاجة عند ملك أو وزير أو مسؤول كبير فهو لا يذهب إليه مباشرة، لأنه يشعر أنه ربما لا يلتفت إليه، هذا إذا لم يرده أصلًا، ولذلك كان من الطبيعي إذا أردنا حاجة من كبير فإننا نبحث عمن يعرفه، ويكون مقربًا إليه أثيرًا عنده، ونجعله واسطة بيننا وبينه، فإذا فعلنا ذلك استجاب لنا، وقضيت حاجتنا، وهكذا الأمر نفسه في علاقتنا بالله سبحانه - بزعمهم - فالله - ﷿ - عظيم العظماء، وكبير الكبراء، ونحن مذنبون عصاة، وبعيدون لذلك عن جناب الله، ليس من اللائق بنا أن ندعوه مباشرة، لأننا إن فعلنا ذلك خفنا أن يردنا على أعقابنا خائبين، أو لا يلتفت إلينا فنرجع بخُفّيْ حنين، وهناك ناس صالحون كالأنبياء والرسل والشهداء قريبون إليه سبحانه، يستجيب لهم إذا دعوه، ويقبل شفاعتهم إذا شفعوا لديه، أفلا يكون الأولى بنا والأحرى أن نتوسل إليه بجاههم، ونقدم بين يدي دعائنا ذكرهم، عسى أن ينظر الله تعالى إلينا إكرامًا لهم، ويجيب دعاءنا مراعاة لخاطرهم، فلماذا تمنعون هذا النوع من التوسل، والبشر يستعملونه فيما بينهم، فلِمَ لا يستعملونه مع ربهم ومعبودهم؟
الجواب على هذه الشبهة: هؤلاء يقيسون الخالق على المخلوق، ويشبهون قيوم السماوات والأرض، أحكم الحاكمين، وأعدل العادلين، الرؤوف الرحيم بأولئك الحكام الظالمين، والمتسلطين المتجبرين الذين لا يأبهون لمصالح الرعية، ويجعلون بينهم
[ ١٠٤ ]
وبين الرعية حجبًا وأستارًا، فلا يمكنها أن تصل إليهم إلا بوسائط ووسائل، ترضي هذه الوسائط بالرشاوي والهبات، وتخضع لها وتتذلل، وتترضاها وتقرب إليها، فهل خطر ببالهم أنهم حين يفعلون ذلك يذمون ربهم، ويطعنون به، ويؤذونه، ويصفونه بما يمقته وما يكرهه؟
ترى لو كان يمكن لأحد الناس أن يخاطب الحاكم وجهًا لوجه، ويكلمه دون واسطة أو حجاب أيكون ذلك أكمل وأمدح له، أم حين لا يتمكن من مخاطبته إلا من خلال وسائط قد تطول وقد تقصر؟
الشبهة التاسعة: هل هناك مانع من التوسل المبتدع على وجه الإباحة لا الاستحباب؟ يقولون: ما المانع منه إذا فعلناه على طريق الإباحة؛ لأنه لم يأتِ نهْي عنه؟
والجواب: يجب أن لا ننسى في هذا المقام معنى الوسيلة إذ هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود كما تقدم بيانه. ولا يخفى أن الذي يراد التوصل إليه إما أن يكون دينيًا، أو دنيويًا، وعلى الأول لا يمكن معرفة الوسيلة التي توصل إلى الأمر الديني إلا من طريق شرعي، فلو ادعى رجل أن توسله إلى الله تعالى بآية من آياته الكونية العظيمة كالليل والنهار مثلًا سبب لاستجابة الدعاء لَرُدَّ عليه ذلك إلا أن يأتي بدليل، ولا يمكن أن يقال حينئذ بإباحة هذا التوسل؛ لأنه كلام ينقض بعضه بعضًا، إذ أنك تسميه توسلًا، وهذا لم يثبت شرعًا، وليس له طريق آخر في إثباته، وهذا بخلاف القسم الثاني من القسمين المذكورين وهو الدنيوي، فإن أسبابه يمكن أن تعرف بالعقل أو بالعلم أو بالتجربة ونحو ذلك، مثل الرجل يتاجر ببيع الخمر، فهذا سبب معروف للحصول على المال، فهو وسيلة لتحقيق المقصود وهو المال، ولكن هذه الوسيلة نهى الله عنها، فلا يجوز اتباعها بخلاف ما لو تاجر بسبب لم يحرمه الله - ﷿ -، فهو مباح، أما السبب المدَّعَى أنه يقرب إلى الله وأنه أرجى في قبوله الدعاء، فهذا سبب لا يُعرف إلا بطريق الشرع، فحين يقال: بأن الشرع لم يرد بذلك، لم يجز تسميته وسيلة حتى يمكن أن يقال إنه مباح التوسل به.
وشيء ثان: وهو أن التوسل الذي سلمنا بعدم وروده قد جاء في الشرع ما يغني عنه، وهو التوسلات الثلاثة التي سبق ذكرها في أول البحث، فما الذي يحمل المسلم على اختيار هذا التوسل الذي لم يَرِد، والإعراض عن التوسل الذي ورد؟ وقد اتفق العلماء على أن البدعة إذا صادمت سنة فهي بدعة ضلالة اتفاقًا، وهذا التوسل من هذا القبيل، فلم يجز التوسل به، ولو على طريق الإباحة دون الاستحباب!
وأمر ثالث: وهو أن هذا التوسل بالذوات يشبه توسل الناس ببعض المقربين إلى الملوك والحكام، والله ﵎ ليس كمثله شيء باعتراف المتوسلين بذلك، فإذا توسل المسلم إليه تعالى بالأشخاص فقد شبهه عملًا بأولئك الملوك والحكام، وهذا غير جائز.
الشبهة العاشرة: قياس التوسل بالذات على التوسل بالعمل الصالح:
حيث يقولون: إن من التوسل المشروع اتفاقًا التوسل إلى الله تعالى بالعمل الصالح، فإذا كان التوسل بهذا جائزًا فالتوسل بالرجل الصالح الذي صدر منه هذا العمل أولى بالجواز، وأحرى بالمشروعية، فلا ينبغي إنكاره.
والجواب من وجهين:
الوجه الأول: أن هذا قياس، والقياس في العبادات باطل.
الوجه الثاني: أن هذه مغالطة مكشوفة، لأننا لم نقل - كما لم يقل أحد من السلف قبلناـ إنه يجوز للمسلم أن يتوسل بعمل غيره الصالح، وإنما التوسل المشار إليه إنما هو التوسل بعمل المتوسل الصالح نفسه، فإذا تبين هذا قلَبْنا عليهم كلامهم السابق، فقلنا: إذا كان لا يجوز التوسل بالعمل الصالح الذي صدر من غير الداعي فأولى ثم أولى ألا يجوز التوسل بذاته.
الشبهة الحادية عشرة: قياس التوسل بذات النبي - ﵌ - على التبرك بآثاره:
إن التبرك هو التماس من حاز أثرًا من آثار النبي - ﵌ - حصول خير به خصوصية له - ﵌ -، وأما التوسل فهو إرفاق دعاء الله تعالى بشيء من الوسائل التي شرعها الله تعالى
[ ١٠٥ ]
لعباده، كأن يقول: اللهم إني أسألك بحبي لنبيك - ﵌ - أن تغفر لي، ونحو ذلك. ويتبدى هذا الفرق في أمرين:
أولهما: أن التبرك يرجى به شيء من الخير الدنيوي فحسب، بخلاف التوسل الذي يرجى به أي شيء من الخير الدنيوي والأخروي.
ثانيهما: أن التبرك هو التماس الخير العاجل، بخلاف التوسل الذي هو مصاحب للدعاء ولا يستعمل إلا معه.
وبيانًا لذلك نقول: يشرع للمسلم أن يتوسل في دعائه باسم من أسماء الله ﵎ الحسنى مثلًا، ويطلب بها تحقيق ما شاء من قضاء حاجة دنيوية كالتوسعة في الرزق، أو أخروية كالنجاة من النار، فيقول مثلًا: اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بأنك أنت الله الأحد، الصمد، أن تشفيني أو تدخلني الجنة ، ولا أحد يستطيع أن ينكر عليه شيئًا من ذلك، بينما لا يجوز لهذا المسلم أن يفعل ذلك حينما يتبرك بأثر من آثاره - ﵌ -، فهو لا يستطيع ولا يجوز له أن يقول مثلًا: «اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بثوب نبيك - ﵌ - أو بصاقه أن تغفر لي وترحمني .. ومن يفعل ذلك فإنه يعرّض نفسه لشك الناس في عقله وفهمه فضلًا عن عقيدته ودينه.
* آثار النبي - ﵌ - لا يُتَوسل بها إلى الله تعالى وإنما يُتَبَرَّك بها فحسب، أي يرجى بحيازتها حصول بعض الخير الدنيوي.
إن التوسل بآثار النبي - ﵌ - غير مشروع البتة، وإن من الافتراء على الصحابة - ﵃ - الادعاء بأنهم كانوا يتوسلون بتلك الآثار، ومن ادعى خلاف ذلك فعليه الدليل، بأن يثبت أن الصحابة كانوا يقولون في دعائهم مثلًا: اللهم ببصاق نبيك اشفِ مرضانا، إن أحدًا من العقلاء لا يستسيغ رواية ذلك مجرد رواية فكيف باستعماله.
* لابد من الإشارة إلى أننا نؤمن بجواز التبرك بآثاره - ﵌ -، ولا ننكره، ولكن لهذا التبرك شروطًا منها الإيمان الشرعي المقبول عند الله، فمن لم يكن مسلمًا صادق الإسلام فلن يحقق الله له أي خير بتبركه هذا، كما يشترط للراغب في التبرك أن يكون حاصلًا على أثر من آثاره - ﵌ - ويستعمله، ونحن نعلم أن آثاره - ﵌ - من ثياب أو شعر أو فضلات قد
[ ١٠٧ ]
الشبهة الثانية عشرة: قد يقول الرجل لغيره: بحق الرحم
فقدت، وليس بإمكان أحد إثبات وجود شيء منها على وجه القطع واليقين، وإذا كان الأمر كذلك فإن التبرك بهذه الآثار يصبح في زماننا هذا أمرًا نظريًا محضًا، فلا ينبغي إطالة القول فيه.
* أمر يجب تبيانه: وهو أن النبي - ﵌ - وإن أقر الصحابة في غزوة الحديبية وغيرها على التبرك بآثاره والتمسح بها، وذلك لغرض مهم وخاصة في تلك المناسبة، وذلك الغرض هو إرهاب كفار قريش وإظهار مدى تعلق المسلمين بنبيهم، وحبهم له، وتفانيهم في خدمته وتعظيم شأنه، إلا أن الذي لا يجوز التغافل عنه ولا كتمانه أن النبي - ﵌ - بعد تلك الغزوة رغّب المسلمين بأسلوب حكيم وطريقة لطيفة عن هذا التبرك، وصرفهم عنه، وأرشدهم إلى أعمال صالحة خير لهم منه عند الله - ﷿ -، وأجدى، وهذا ما يدل عليه الحديث الآتي:
عن عبد الرحمن بن أبي قراد - ﵁ - أن النبي - ﵌ - توضأ يومًا، فجعل أصحابه يتمسحون بوضوئه، فقال لهم النبي - ﵌ -: «ما يحملكم على هذا؟» قالوا: حب الله ورسوله. فقال النبي - ﵌ -: «من سره أن يحب الله ورسوله، أو يحبه الله ورسوله فليصدق حديثه إذا حدث، وليؤد أمانته إذا اؤتمن، وليحسن جوار من جاوره» [قال الألباني: وهو حديث ثابت، له طرق وشواهد في معجمي الطبراني وغيرهما وقد أشار المنذري في (الترغيب) إلى تحسينه، وقد خرجته في (الصحيحة) برقم (٢٩٩٨)].
الشبهة الثانية عشرة: قد يقول الرجل لغيره: بحق الرحم، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامِ﴾ (النساء:١) على قراءة حمزة وغيرِه ممن خفض الأرحام.
الجواب: على قراءة الخفض قال طائفة من السلف: «هو قولهم: أسألك بالله وبالرحم»، وهذا إخبار عن سؤالهم، وقد يُقال: إنه ليس بدليل على جوازه، فإن كان دليلًا على جوازه فمعنى قوله: أسألك بالرحم ليس إقسامًا بالرحم، والقسم هنا لا يسوغ، لكن بسبب الرحم، أي لأن الرحم توجب لأصحابها بعضهم على بعض حقوقًا كسؤال الثلاثة لله تعالى بأعمالهم الصالحة.
[ ١٠٨ ]
فقول الناس: أسألك بالله وبالرحم، وقراءة من قرأ: ﴿وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامِ﴾ (النساء:١) هو من باب التسبب بها، فإن الرحم توجب الصلة، وتقتضي أن يصل الإنسان قرابته، فسؤال السائل بالرحم لغيره، يتوسل إليه بما يوجب صلته من القرابة التي بينهما، ليس هو من باب الإقسام، ولا من باب التوسل بما لا يقتضي المطلوب، بل هو توسل بما يقتضي المطلوب، كالتوسل بطاعة الأنبياء،، والصلاة عليهم.
ومن هذا الباب: ما يُرْوَى عن عبد الله بن جعفر أنه قال: «كنت إذا سألت عليًا - ﵁ - شيئًا فلم يعطنيه قلت له: بحق جعفر إلا ما أعطيتَنيه، فيُعطينيه» أو كما قال. فإن بعض الناس ظن أن هذا من باب الإقسام عليه بجعفر، أو من باب قولهم: أسألك بحق أنبيائك، ونحو ذلك. وليس كذلك، بل جعفر هو أخو عليّ، وعبد الله هو ابنه، وله عليه حق الصلة، فصلة عبد الله صلة لأبيه جعفر، كما في الحديث: «إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه بعد أن يُوَلِّي» (رواه مسلم) ولو كان هذا من الباب الذي ظنوه لكان سؤاله لعليّ - ﵁ - بحق النبي وإبراهيم الخليل سدد خطاكم ونحوهما، أولى من سؤاله بحق جعفر، فكان عليّ - ﵁ - إلى تعظيم رسول الله - ﵌ - ومحبته وإجابة السائل به أسرع منه إلى إجابة السائل بغيره.
الشبهة الثالثة عشرة: الحكاية المنقولة عن الإمام الشافعي - ﵀ - أنه كان يقصد الدعاء عند قبر الإمام أبي حنيفة - ﵀ -:
الرد: أولًا: هذه القصة أكذوبة من أكذوبات القبوريين، وليس لها أي سند صحيح يُعتضد به. فهذه الرواية سندها إلى الشافعي فيه مجاهيل كما حكى العلامة المعلمي.
وقال الشيخ الألباني في (السلسلة الضعيفة ١/ ٣١): «هذه رواية ضعيفة بل باطلة، فإن عمر بن إسحاق بن إبراهيم غير معروف وليس له ذكر في شيء من كتب الرجال»
والصوفية مطالبون بتبيين صحة سند هذه الرواية. وإلا فهم محجوجون بقول الشافعي:
«مثل الذي يطلب الحديث بلا اسناد كمثل حطاب ليل حزمة حطب وفيها أفعى وهو لا
[ ١٠٩ ]
يدري». (فيض القدير ١/ ٤٣٣). فأنتم حُطّاب ليل إن لم تأتوا بالسند صحيحًا. هذا من مذهب الشافعي.
ثانيًا: هذا سندٍ قوي عن الشافعي من كتبه، فقد قال: «وأكره أن يعظم مخلوق حتى يُجعل قبره مسجدًا مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس» (الأم ١/ ٢٧٨). (راجع معنى الكراهة في كلام السلف في بداية هذا الكتاب)
وهذا تناقض بين القول والفعل ينزه عنه الشافعي. ولو كان هذا التبرك صحيحًا لقال له الناس: «كيف تخشى على الناس فتنة لا تخشها على نفسك!».ولو كان الشافعي محبذا للتبرك بالقبور لما نهى عن البناء عليها وأنتم لا توافقون على ذلك.
ثانيًا: في عصر الإمام الشافعي لم يكن ببغداد قبر للإمام أبي حنيفة ينتابه الناس للدعاء عنده ألبته. وكان المعروف عند أهل العلم هدم ما يبنى على القبور وذلك باعتراف الشافعي نفسه. فقد روى عنه النووي قوله فيما يبنى على القبر:
«رأيت من الولاة من يهدم ما بُنىَ فيها ولم أر الفقهاء يعيبون ذلك» (المجموع ٥/ ٢٩٨، شرح مسلم ٧/ ٢٤).
ثالثًا: أين كان الشافعي ليأتي قبر أبي حنيفة (كل يوم) وقد كان في أول أمره بالحجاز ثم انتقل إلى مصر. وقد كان الشافعي بالحجاز بمكة أو المدينة وفيها قبر من هو خير من أبي حنيفة: وهو قبر رسول الله - ﵌ - وقبور أصحابه، فلم يعرف عنه أنه كان يأتيه ليدعو عنده ويتبرك به. فما له يفضل قبر أبي حنيفة على قبر سيد ولد آدم - ﵌ - وصحابته؟!
أأنتم أعلم بمذهب الشافعي أم النووي الذي حكى إجماع الأمة على النهي عن الاقتراب من القبر ولمسه باليد وتقبيله، ونقل مثله عن الحليمي والزعفراني وأبي موسى الأصبهاني؟
رابعًا: قد نهى أبو حنيفة - ﵀ - عن التوسل إلى الله بأنبيائه - ولا يمكن أن يكون ذلك خافيًا على الشافعي - فهل يرضى أبو حنيفة أن يتخذ أحد قبره للصلاة والعبادة. ولم يكن أحد من أصحاب أبي حنيفة وطبقته كمحمد وأبي يوسف يتحرون الدعاء عند قبره بعد موته. ولا يزالون ينكرون على من يمس القبر ويقولون - كما في (الفتاوى
[ ١١٠ ]
البزازية)، و(التتارخانية)، و(رد المحتار) - أن مس الرجل القبر للتبرك من عادة النصارى.
خامسًا: علَّمَنا الشافعي - ﵀ - أن ندور مع الكتاب والسنة مهما عظم الرجال قائلًا: «إذا رأيتم قولي يعارض قول الرسول - ﵌ - فاضربوا بقولي عرض الحائط».وبناءً على تعاليم الشافعي نضرب بفعله المزعوم - إن صح - عرض الحائط ونتمسك بنهي النبي - ﵌ - عن اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد. وهذا أصل يعلم الله كم خالف فيه الصوفية الشافعي وسائر الأئمة الأفاضل. فالحق والشافعي حبيبان إلى قلوبنا: فإن افترقا فالحق أحب إلى قلوبنا من الشافعي.
سادسًا: على افتراض صحة سند هذه القصة المزعومة، فإن الصوفية لا يزالون مخالفين للشافعي - ﵀ -، فالرواية المكذوبة تُفيد بأن الشافعي - ﵀ - كان يدعو الله عند القبر، وأما الصوفية فمنهم من يدعون القبر نفسه فيطلبون المدد من الأولياء ويمسحون وجوههم وأيديهم بالقبر، وهيهات أن يفعل الشافعي ذلك.
[ ١١١ ]