مدخل
مسائل هامة
عن:
١- التكفير والتفسيق.
٢- الحب والبغض في الله.
٣- الهجران على المعاصي.
٤- حكم لبس العمائم والعصائب.
من تأليف
العالم العلامة، الحبر الفهامة
الشيخ سليمان بن سحمان
﵀
من مطبوعات حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم
سعود بن عبد العزيز آل سعود
أيده الله تعالى
١٣٧٧هـ
[ ٣٠٧ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين وعليه نتوكل
الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.
أما بعد: فقد تأملت ما ذكره الأخ من المسائل التي ابتلي بالخوض فيها كثير من الناس من غير معرفة ولا إتقان ولا بينة ودليل واضح من السنة والقرآن، وقد كان غالب من يتكلم فيها بعض المتدينين من العوام الذين لا معرفة لهم بمدارك الأحكام ولا خبرة لهم بمسالك مهالكها المظلمة العظام، وليس لهم اطلاع على ما قرره أئمة الإسلام ووضحوه في هذه المباحث التي لا يتكلم فيها إلا فحول الأئمة الأعلام، وهذه المسائل قد وضحها أهل العلم وقرروها، وحسبنا أن نسير على منهاجهم القديم ونكتفي بما وضحوه من التعظيم والتفهيم ونعوذ بالله من القول على الله بلا علم، وهذه المسائل التي أشرت إليها لا يتلكم فيها إلا العلماء من ذوي الألباب ومن رزق الفهم عن الله وأوتي الحكمة وفصل الخطاب ونحن وإن كنا لسنا من أهل هذا الشأن ولا ممن يجري الجواد في مثل هذا الميدان فإنما نسير على منهاج أهل العلم ونتكلم بما وضحوه في هذا البابل، ولولا ما ورد عن النبي –ﷺ- في ذلك بقوله: "من سئل عن علم وهو يعلمه فكتمه ألجمه الله بلجام من نار" لضربت عن الجواب صفحًا ولطويت عن ذلك كشحًا ولكن ما لا يدرك كله لا يترك كله، ولا بد من ذكر مقدمة نافعة ليعلم من نصح نفسه وأراد نجاتها أن المبادرة بالتكفير والتفسيق من غير اطلاع على كلام العلماء لا يتجاسر عليه إلا أهل البدع الذين
[ ٣٠٩ ]
مرقوا من الإسلام ولم يحققوا تفاصيل ما في هذه المسائل المهمة العظام مما قرروه وبينوه من الأحكام.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية –قدس الله روحه- في "منهاج السنة" بعد أن ذكر أقوال أهل البدع كالمعتزلة والخوارج والمرجئة، وذكر كلامًا طويلًا ثم قال: "وإذا كان المسلم الذي يقاتل الكفار قد يقاتلهم شجاعة وحمية ورياء وذلك ليس في سبيل الله فكيف بأهل البدع الذين يخاصمون ويقاتلون عليها فإنهم يفعلون ذلك شجاعة وحمية، وربما يعاقبون لما ابتعوا أهواءهم بغير هدى من الله لا لمجرد الخطأ الذي اجتهدوا فيه. ولهذا قال الشافعي لئن أتكلم في علم يقال لي فيه أخطأت أحب إلي من أن أتكلم في علم يقال لي فيها كفرت. فمن عيوب أهل البدع تكفير بعضهم بعضًا ومن ممادح أهل السنة أنهم يخطئون ولا يكفرون وسبب ذلك أن أحدهم قد يظن ما ليس بكفر كفرًا وقد يكون كفرًا لأنه تبين له أنه تكذيب للرسول وسب للخالق والآخر لم يتبين له ذلك فلا يلزم إذا كان هذا العالم بحاله يكفر إذا قاله أن يكفر من لم يعلم بحاله" إلى آخر كلامه. والمقصود أن من مذاهب أهل البدع وطرائقهم أنهم يكفر بعضهم بعضًا ومن ممادح أهل السنة أنهم يخطئون ولا يكفرون فإذا تحققت هذا وجعلته نصب عينيك أفادك الحذر كل الحذر من الغلو والتعمق ومجاوزة الحد في هذه المسائل والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
[ ٣١٠ ]
فصل: الكفر الذي يخرج من الملة
قال السائل: المسألة الأولى: ما نكفر الذي يخرج من الملة والذي لا يخرج في قولهم: الكفر كفران وكذا الفسق فسقان؟
[ ٣١٠ ]
والجواب أن نقول: هذه المسألة قد أجاب عنها شيخنا الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن في رسالته للخطيب وذكر ما ذكر شمس الدين ابن القيم –رحمه الله تعالى- في كتابه "الصلاة" فقال رحمه الله تعالى-: "الأصل الرابع: أن الكفر نوعان: كفر عمل وكفر جحود وعناد وهو أن يكفر بما علم أن الرسول جاء به من عند الله مجردًا وعنادًا من أسماء الرب وصفاته وأفعاله وأحكامه التي أصلها توحيده وعبادته وحده لا شريك له وهذا مضاد للإيمان من كل وجه وأما كفر العمل فمنه ما يضاد الإيمان كالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف وتقل النبي وسبه، وأما الحكم بغير ما أنزل الله وترك الصلاة فهذا كفر لا كفر اعتقاد وكذلك قوله: "لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض" وقوله: "من أتى كاهنًا أو أتى امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد –ﷺ-" فهذا من الكفر العملي وليس كالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف وقتل النبي وسبه وإن كان الكل يطلق عليه الكفر وقد سمى الله سبحانه من عمل ببعض كتابه وترك العمل بالبعض مؤمنًا بما عمل كافرًا بما ترك العمل به قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ، ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ الآية فأخبر سبحانه أنهم أقروا بميثاقه الذي أمرهم به والتزموه وهذا يدل على تصديقهم ببه وأخبر أنهم عصوا أمره وقتل فريق منهم فريقًا آخرين وأخرجوهم من ديارهم وهذا كفر بما أخذ عليهم ثم أخبر أنهم يفدون من أسر من ذلك الفريق وهذا إيمان منهم بما أخذ عليهم في الكتاب وكانوا مؤمنين بما أخذ عليهم في الكتاب وكانون مؤمنين بما أعملوا من الميثاق كافرين لما تركوه منه فالإيمان العملي يضاده الكفر العملي والإيمان الاعتقادي يضاده الكفر الاعتقادي، وفي الحديث الصحيح "سباب
[ ٣١١ ]
المسلم فسوق وقتاله كفر" وجعل أحدهما فسوقًا لا يكفر به والآخر كفرًا ومعلوم أنه إنما أراد الكفر العملي لا الاعتقادي، وهذا الكفر لا يخرجه من الدائرة الإسلامية والملة بالكلية كما لم يخرج الزاني والسارق والشارب من الملة وإن زال عنه اسم الإيمان، وهذا التفصيل هو قول الصحابة الذين هم أعلم الأمة بكتاب الله وبالإسلام والكفر ولوازمها فلا تتلقى هذه المسألة إلا عنهم، والمتأخرون لم يفهموا مرادهم فانقسموا فريقين فريقًا أخرجوا عن الملة بالكبائر وقضوا على أصحابها بالخلود في النار، وفريقًا جعلوه مؤمنين كاملي الإيمان فأولئك غلوا وهؤلاء جفوا وهدى الله أهل السنة للطريقة المثلى، والقول الوسط، الذي هو في المذاهب كالإسلام في الملل، للطريقة المثلى، فها هنا كفر دون كفر ونفاق دون نفاق، وشرك دون شرك، وظلم دون ظلم فعن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قال: ليس هذا هو الكفر الذي تذهبون إليه رواه عنه سفيان وعبد الرزاق، وفي رواية أخرى: كفر لا ينقل عن الملة، وعن عطاء: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق، وهذا بين في القرآن لمن تأمله، فإن الله سبحانه سمى الحاكم بغير ما أنزل الله كافرًا، وسمى الجاحد لما أنزل الله على رسوله كافرًا وسمى الكافر ظالمًا في قوله ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وسمى من يتعدى حدوده في النكاح والطلاق والرجعة والخلع ظالمًا وقال: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ وقال يونس –﵇- ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، وقال آدم ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ وقال موسى ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ وليس هذا الظلم مثل ذلك الظلم، وسمى الكافر فاسقًا في قوله ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾، وقال ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾
[ ٣١٢ ]
وسمى العاصي فاسقًا في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ وقال في الذين يرمون المحصنات ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ وقال ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ وليس الفسوق كالفسوق، وكذلك الشرك شركان شرك ينقل عن الملة وهوالشرك بالله الأكبر، وشرك لا ينقل عن الملة وهو الأصغر كشرك الرياء وقال تعالى في الشرك الأكبر ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ وقال ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ الآية وقال في الشرك والرياء ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾، وفي الحديث "من خلف بغير الله فقد أشرك" ومعلوم أن حلفه بغير الله لا يخرجه عن الملة ولا يوجب له حكم الكفار ومنه هذا قوله –ﷺ- "الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل" فانظر كيف انقسم الكفر والفسوق والظلم إلى ما هو كفر ينقل عن الملة وإلى ما ينقل عنها، وكذلك النفاق نفاقان. نفاق اعتقاد ونفاق عمل، ونفاق اعتقاد مذكور في القرآن في غير موضع، وأوجب لهم عقاب الدرك الأسفل من النار، ونفاق العمل جاء في قوله –ﷺ- "أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا ومن خالصًا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر وإذا ائتمن خان" وكقوله –ﷺ-: "آية المنافق ثلاث إذا حدث كذاب وإذا اؤتمن خان وإذ وعد أخلف" قال بعض الأفاضل: وهذا النفاق قد يجتمع مع أصل الإسلام وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، فإن الإيمان ينهى عن هذه الخلال فإذا كملت للعبد لم يكن له ما ينهاه عن شيء منها، فهذا لا يكون إلا منافقًا
[ ٣١٣ ]
خالصًا. انتهى. فانظر رمك الله إلى ما ذكره العلماء من أن الكفر نوعان كفر اعتقاد، وجحود وعناد فأما كفر الجحود والعناد فهو أن يكفر بما علم أن الرسول جاء به من عند الله جحودًا وعنادًا من أسماء الرب وصفاته وأفعاله وأحكامه التي أصلها توحيده وعبادته وحده لا شريك له، وهذا مضاد للإيمان من كل وجه، وأما النوع الثاني فهو كفر عمل، وهو نوعان أيًا كان: مخرج من الملة وغير مخرج منها، فأما النوع الأول فهو يضاد الإيمان كالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف، وقتل النبي وسبه، والنوع الثاني كفر عمل لا يخرج من الملة كالحكم بغير ما أنزل الله وترك الصلاة، فهذا كفر عمل لا كفر اعتقاد، وكذله قوله: "لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض"، وقوله: "من أتى كاهنًا فصدقه وأتى امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل الله على محمد –ﷺ-" فهذا من الكفر العملي وليس كالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف –﵀-، لكن ينبغي وإن كان الكل يطلق عليه الكفر إلى آخر –﵀-، لكن ينبغي أن يعلم أن من تحاكم إلى الطواغيت أو حكم بغير ما أنزل الله، واعتقد أن حكمهم أكمل وأحسن من حكم الله ورسوله، فهذا ملحق الكفر الاعتقادي المخرج عن الملة كما هو مذكور في نواقض الإسلام العشرة، وأما من لم يعتقد ذلك لكن تحاكم إلى الطاغوت وهو يعتقد أن حكمه باطل فهذا من الكفر العملي.
فإذا تبين لك هذا فاعلم أن الإيمان أصل له شعب متعددة كل شعبة منها تسمى إيمانًا فأعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق فمنها ما يزل الإيمان بزواله إجماعًا كشعبة الشهادتين ويكون إليها أقرب، ومنها
[ ٣١٤ ]
ما يلحق شعبة إماطة الأذى عن الطريق، ويكون إليها أقرب، والتسوية بين هذه الشعب في اجتماعها مخالف للنصوص وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها، وكذلك الكفر أيضًا ذو أصل وشعب، فكما أن شعب الإيمان إيمان فشعب الكفر كفر، والمعاصي كلها من شعب الكفر، كما أن الطاعات كليًا من شعب الإيمان ولا يسوى بينها في الأسماء والأحكام، وفرق بين من ترك الصلاة والزكاة والصيام والشرك بالله واستهان بالمصحف، وبين من سرق أو زنى أو شرب أو انتهب أو صدر منه نوع من موالاة كما جرى لحاطب، فمن سوى بين الإيمان في الأسماء والأحكام أو سوى بين شعب الكفر في ذلك فهو مخالف للكتاب والسنة، خارج عن السبيل سلف الأمة، داخل في عموم أهل البدع والأهواء، وقد تبين مما قدمناه من كلام ابن القيم وكلام شيخنا الشيخ عبد اللطيف أن الكفر كفران، وأن الفسق، والشرك شركان، والظلم ظلمان، والنفاق نفاقن، على ما ذكراه من التفصيل هو قول الصحابة الذين هم أعلم إلا عنهم، والمتأخرون لم يفهموا مرادهم فانقسموا فريقين فريقًا أخرجوا من الله بالكبائر وقضوا على أصحابها بالخلود في النار وفريقًا جعلوهم مؤمنين كاملي والإيمان فأولئك غلوا وجفوا وهدى الله أهل السنة للطريقة المثلى والقول الوسط الذي هو في المذاهب كالإسلام في الملل.
[ ٣١٥ ]
فصل: حكم التحاكم إلى الطاغوت
وأما المسألة الثانية وهو قول السائل: ما التحاكم إلى الطاغوت الذي يكفر به من فعله من الذي لا يكفر:
فالجواب أن نقول: قد تقدم الجواب عن هذه المسألة مفصلًا في كلام شمس الدين بن القيم وكلام شيخنا فراجعه، واعلم أن هذه المسألة مزلة أقدم ومفضلة أفهام، فعليك بما كان عليه السلف الصالح والصدر الأول والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
فصل
وأما المسألة الثالثة وهي قول السائل: ما الأعراض الذي هو ناقض من نواقض الإسلام ما حكمه هل يطلق على معرض أم لا؟
فالجواب أن نقول:
هذه المسألة هي مسألة الجاهل المعرض، وقد ذكر أهل العلم أن الأعراض نوعان نوعان يخرج من الملة، فأما الذي يخرج من الملة فهو الأعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به، كما هو مذكور في نواقض الإسلام العشرة، وهذا المعرض هو الذي لا إرادة له في تعليم الدين، ولا يحدث نفسه بغير ما هو عليه بل هو راض بما هو من الكفر بالله والإشراك به لا يرثره غيره، ولا تطلب نفسه، وأما الذي لا يخرج من الملة فهو المعرض العاجز عن السؤال والعلم الذي يتمكن به من العلم والمعرفة مع إرادته للهدى وإيثاره له، ومحبته له،
[ ٣١٦ ]
لكنه غير قادر عليه ولا على طلبه لعدم المرشد وقد ذكر ابن القيم –رحمه الله تعالى- "الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية" وفي طبقات المكلفين من كتاب "طريق الهجرتين" أن القسم الثاني من العاجزين عن السؤال والعلم الي يتمكن به من العلم والمعرفة قسمان أيضًا، أحدهما مريد للهدى مؤثر له محب له غير قادر عليه ولا على طلبه لعدم المرشد، فهذا حكمه حكم أرباب الفترات، وممن لم تبلغه الدعو، الثاني معرض لا إرادة ولا يحدث نفسه بغير ما هو عليه فالأول يقول: يا رب لو أعلم لك دينًا خيرًا مما أنا عليه لدنت به وتركت ما أنا عليه، فهو غاية جهدي ونهاية معرفتي، والثاني راض بما هو عليه لا يؤثره غيره ولا تطلب نفسه سواه، ولا فرق عنده بين حال عجزه وقدرته، وكلاهما عاجز وهذا لا يجب أن ييحلق بالأول لما بينهما من الفرق، فالأول كمن طلب الدين في الفترة فلم يظفر به فعدل عنه بعد استفراغه الوسع في طلبه عجز الطالب وعجز المعرض، وهذا ملخص ما ذكره ابن القيم وقد ذكرنا بتمامه في جواب المسألة التي سأل عنها أحمد بن دهش فراجعه فيها، لكن ينبغي أولًا أن يعلم أن العوام من المسلمين، وكذلك البوادي ممن كان ظاهره الإسلام لا يكلفون بمعرفة تفاصيل الإيمان بالله ورسوله، وتفاصيل ما شرعه الله من الأحكام، لأن ذلك ليس في طاقتهم ولا في وسعهم، بل يكتفي منهم بالإيمان العلم المجمل كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية –قدس الله روحه- في كتابه "الإيمان" وقال في "منهاج السنة" لا ريب أنه يجب على كل أحد أن يؤمن بما جاء به الرسول –ﷺ- إيمانًا عامًا مجملًا ولا ريب أن معرفة ما جاء به الرسول –ﷺ- التفصيل فرض على الكفاية، فإن ذلك داخل في تبليغ ما بعث به رسوله –ﷺ-، وداخل في تدبر القرآن وعقله وفهمه، وعلم الكتاب والحكمة وحفظ
[ ٣١٧ ]
الذكر والدعاء إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعاء إلى سبيل الرب بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، ونحو ذلك مما أوجبه الله على المؤمنين فهو واجب على الكفاية منهم، وأما ما وجب على أعيانهم فهذا يتنوع قدرتهم وحاجتهم ومعرفتهم، وما أمر به أعيانهم، ولا يجب على العاجز عن سماع بعض العلم أو فقه دقيق ما يجب على القادر على ذلك، ويجب على من سمع النصوص وفهمها على التفصيل ما لا يجب على من لم يسمعها، ويجب على المعنى والمحدث والمجادل ما لا يجب على من ليس كذلك انتهى والله أعلم.
[ ٣١٨ ]
فصل: الحب والبغض
مسألة الرابعة قول السائل: ما الشخص الذي يحب جملة ومن الذي يحب من وجه ويبغض من وجه والذي يبغض جملة؟
والجواب أن نقول:
الشخص الذي يحب جملة هو من آمن بالله ورسوله وقام بوظائف الإسلام ومبانيه العظام علمًا وعملًا واعتقادًا وأخلص أعماله وأقواله، وانقاد لأوامر الله وانتهى عما نهى الله عنه ورسوله، وأحب في الله ووالى في الله، وأبغض في الله، وعادى في الله، وقدم رسول الله –ﷺ- على قول كل أحد كائنًا من كان إلى غير ذلك من القيام بحقوق الإسلام وشرائعه، وأما الذي يحب من وجه ويبغض من وجه آخر فهو المسلم الذي خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا فيحب ويوالى على قدر ما معه من الخير، ويبغض ويعادى على قدر ما معه من الشر، ومن لم
[ ٣١٨ ]
يتسع قلبه لهذا كان يفسد أكثر مما يصلح وهلاكه أقرب إليه من أن يفلح وإذا أردت الدليل على ذلك فهذا عبد الله "حمار" وهو رجل من أصحاب رسول الله –ﷺ- كان يشرب الخمر فأتي به إلى رسول الله –ﷺ- فلعنه رجل، وقال: ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي –ﷺ- "لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله" مع أنه لعن الخمر وشاربها وبائعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه، وتأمل قصة حاطب بن أبي بلتعة، وما فيها من الفوائد فإنه هاجر إلى الله ورسوله، وجاهد في سبيله، لكن حدث منه أنه كتب بسر رسول الله –ﷺ- إلى المشركين من أهل مكة، يخبرهم بشأن رسول الله –ﷺ- ومسير لجهادهم ليتخذ بذلك يدًا عندهم، يحمي بها أهله وما له بمكة، فنزل الوحي بخبره، وكان قد أعطي الكتاب ضعينة جعلته في شعرها، فأرسل رسول الله –ﷺ- عليًا والزبير في طلب الظعينة وأخبرهما أنهما يجدانها في روضة خاج فكان ذلك فتهدداها حتى أخرجت الكتاب من ضفائرها، فأتيا به رسول الله –ﷺ- فدعا حاطب بن أبي بلتعة فقال: له "ما هذا؟ " فقال يا رسول الله لم أكفر بعد إيمان، ولم أفعل هذا رغبة عن الإسلام، وإنما أردت أن تكون لي عند القوم يد أحمي بها أهلي ومالي، فقال –ﷺ-: "صدقكم خلوا سبيله" واستأذن عمر في قتله فقال: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال: "وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم وأنزل الله في ذلك صدر صورة الممتحنة فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ الآيات فدخل حاطب في المخاطبة باسم الإيمان ووصفه به وتناوله النهي بعمومه وله خصوص السبب الدال على إرادته، مع أن في الآية الكريمة ما يشعر أن فعل حاطب نوع موالاة وأنه
[ ٣١٩ ]
أبلغ بالمودة فإن كل فعل ذلك قد ضل سواء السبيل" لكن قوله: "صدقكم خلوا سبيله" ظاهر في أنه لا يكفر بذلك، إذ كان مؤمنًا بالله ورسوله، غير شاك ولا مرتاب، وإنما فعل ذلك لغرض دنيوي، ولو كفر لما قيل: خلو سبيله لا يقال قوله –ﷺ- لعمر: "وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" هو المانع من تكفيره لأنا نقول لو كفر لما بقي من حسناته ما يمنعه من إلحاق الكفر وأحكامه فإن الكفر يهدم ما قبله لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ والكفر محبط للحسنات والإيمان بالإجماع، فلا يظن هذا ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا –إلى قوله- إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ فجعلهم إخوة مع وجود الاقتتال والبغي، وأمر بالإصلاح بينهم وكان مسطح بن أثاثة من المهاجرين والمجاهدين مع رسول –ﷺ-، وكان ممن سعى بالإفك فأقام رسول الله –ﷺ- الحد عليه وجلده، وكان أبو بكر –رضي الله عليه وسلم- ينفق عليه لقرابته وفقره، فآلى أبو بكر أن لا ينفق عليه بعدما قال لعائشة ما قال فأنزل الله ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ فقال أبو بكر: بلى والله، إني أحب أن يغفر الله لي فأعاد عليه نفقته، وأمثال هذا كثير لو تتبعناه لطال الكلام، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والمؤمن عليه أن يعادي في الله ويوالي في الله فإذا كان هناك مؤمن فعليه أن يواليه وإن ظلمه فإن الظلم لايقطع الموالاة الإيمانية، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا – إلى قوله- إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ .
[ ٣٢٠ ]
فجعلهم إخوة مع وجود الاقتتال والبغي، وأمر بالإصلاح بينهم فليتدبر المؤمن الفرق بين هذين النوعين، فما أكثر ما يلتبس أحدهما بالآخر وليعلم أن المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك، والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك، فإن الله بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله، فيكون الحب له ولأوليائه، والبغض لأعدائه والإكرام لأوليائه والإهانة لأعدائه والثواب لأوليائه والعقاب لأعدائه، فإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر، وبر وفجو وطاعة ومعصية، وسنة وبدعة استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبا الإكرام والإهانة، فيجتمع له من هذا وهذا كاللص الفقير تقطع يده لسرقته، ويعطى ما يكفيه من بيت المال لحاجته، وهذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة، وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم عليه، فلم يجعلوا الناس إلا مستحقًا للثواب فقط أو مستحقًا للعقاب فقط، وأهل السنة يقولون: إن الله يعذب بالنار من أهل الكبائر من يعذبه ثم يخرجهم منها بشفاعة من يأذن له في الشفاعة، بفضله ورحمته كما استفاضت بذلك السنة من النبي –ﷺ- والله أعلم.
وقال –﵀- في موضع آخر، ومن سلمك طريق الاعتدال عظم من يستحق التعظيم وأحبه ووالاه، وأعطى الحق حقه فيعظم الحق ويرحم الخلق، ويعلم أن الرجل الواحد يكون له حسنات وسيئات فيحمد ويذم ويثاب ويعاقب ويجب من وجه، ويبغض من وجه، هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة خلافًا للخوارج والمعتزلة ومن وافقهم، كما بسط هذا في موضعه والله أعلم. انتهى.
فانظر رحمك الله إلى ما قرره شيخ الإسلام في مسألة الهجران الرجل
[ ٣٢١ ]
الواحد قد يجتمع فيه خير وشر، وبر وفجور، وطاعة ومعصية، وسنة وبدعة فليستحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير ويستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر فيجتمع في الشخص الواحد موجبان الإكرام والأهانة، إلى آخر كلامه، فمن أهمل هذا ولم يراع حقوق المسلم التي يستحق بها الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، وكذلك لم يراع ما فيه من الشر والمعصية والفجور والبدعة وغير ذلك فيعامله بما يستحقه من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر فمن ترك هذا وأهمله، سلك مسلك أهل البدع من الخوارج والمعتزلة ومن هذا حذوهم ولا بد. وتأمل قوله هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة، وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم عليه فلم يجعلوا الناس إلا مستحقًا للثواب فقط، أو مستحقًا للعقاب فقط فإن هذا مخالفه لما قاله أهل السنة والجماعة، ثم نظر إلى ما يفعله غالب يستعمل الهجر من الناس هل هو متبع لما عليه أهل السنة والجماعة أو متبع لما عليه أهل البدع من الخوارج وغيرهم، وكذلك تأمل قوله –﵁- ومن سلك طريق الاعتدال إلى قوله: ويعلم أن الرجل ويبغض من وجه آخر إلى آخر كلامه. يتبين لك معنى ما قدمته لك مما عليه أهل السنة والجماعة ومن خالفهم.
وأما الذي يبغض جملة فهو من كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ولم يؤمن بالقدر خيره وشره وأنه كله بقضاء الله وقدره وأنكر
[ ٣٢٢ ]
البعث بعد الموت وترك أحد أركان الإسلام الخمسة والشرك بالله سبحانه في عبادته أحدًا من الأنبياء والأولياء والصالحين وصرف لهم نوعًا من أنواع العبادة كالحب والدعاء والخوف والرجاء والتعظيم والتوكل والاستعانة والاستعاذة والاستغاثة والذبح والنذر والإنابة والذل والخضوع والخشوع والخشية والرغبة والرهبة والتعلق على غير الله في جميع الطلبات وكشف الكربات وإغاثة اللهفات وجميع ما كان يفعله عباد القبور اليوم اليوم عند ضرائح الأولياء والصالحين وجميع المعبودات وكذلك من ألحد في أسمائه وصفاته واتبع غير سبيل المؤمنين وانتحل ما كان عليه أهل البدع والأهواء المضلة وكذلك من قامت به نواقض الإسلام والله أعلم.
[ ٣٢٣ ]
فصل: الهجر المشروع وغير المشروع
"المسألة الخامسة" قول السائل: والهجر هل هو في حق الكافر أو المسلم وإذا كان في حق المسلم العاصي فما القدر الذي ينبغي أن يهجر لأجله وهل يفرق بين الأحوال والأشخاص والأزمات وكذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والجواب أن نقول: اعلم يا أخي أولًا أن الهجر إن لم يقصد به الإنسان بيان الحق وهدي الخلق ورحمتهم والإحسان إليهم لم يكن عمله صالحًا وإذا غلظ في ذم بدعة أو معصية كان قصده بيان ما فيها من الفساد ليحذرها العباد كما في نصوص الوعيد وغيرها وقد يهجر الرجل عقوبة وتعزيرًا والمقصود بذلك ردعه وردع أمثاله للرحمة والإحسان لا للتشفي والانتقام كما هجر النبي –ﷺ- أصحابه الثلاثة الذين خلفوا لما جاء المتخلفون عن الغزاة يعتذرون ويحلفون وكانوا يكذبون
[ ٣٢٣ ]
وهؤلاء الثلاثة صدقوا وعوقبوا بالهجر ثم تاب الله عليهم لبركة الصدق إذا تحققت هذا فالهجر المشروع إنما هو في حق العصاة المذنبين لا في حق الكافر فإن عقوبته على كفره أعظم من الهجر وهجر العصاة المذنبين من أهل الإسلام إنما هو على وجه التأديب فيراعي الهاجر المصلحة الراجحة في الهجر أو الترك كما سيأتي بيانه وهذه المسألة قد كفانا الجواب عنها شيخ الإسلام ابن تيمية –قدس الله روحه- فقال الهجر الشراعي نوعان: أحدهما بمعنى الترك للمنكرات والثاني بمعنى العقوبة عليها فالأول هو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ وقوله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ الآية فهذا يراد به أنه لا يرى المنكرات بخلاف من حضر عندهم للإنكار عليهم أو حضر بغير اختياره ولهذا يقال حاضر المنكر كفاعله وفي الحديث من كان يؤمن بالله اليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يشرب عليها الخمر وهذا الهجر من جنس هجر الإنسان نفسه لفعل المنكرات قال النبي –ﷺ- "المهاجر من هجر ما نهى الله عنه" ومن هذا الباب الهجر من دار الكفر والفسوق إلى دار الإسلام والإيمان فإنه هجر للمقام بين الكافرين والمنافقين الذين لا يمكنونه من فعل ما أمر الله به ومن هذا قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ النوع الثاني: الهجر على وجه التأديب وهو هجر من يظهر المنكرات فيهجر حتى يتوب منها كما هجر النبي –ﷺ- والمسلمون الثلاثة الذين خلفوا حتى أنزل الله توبتهم حين ظهر منهم ترك الجهاد المتعين من غير عذر ولم يهجر من أظهر الخير وإن كان منافقًا فهذا الهجز بمنزلة التعزير والتعزير يكون لمن ظهر منه ترك الواجبات وفعل
[ ٣٢٤ ]
المحرمات كتارك الصلاة والزكاة والمتظاهر بالمظالم والفواحش والداعي إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة التي ظهر أنها بدعة وهذا حقيقة قول من قال من السلف والأئمة أن الدعاة إلى البدعة لا تقل شهادتهم ولا يصلى خلفهم ولا يؤخذ عنهم العلم ولا يناكحون فهذا عقوبتهم حتى ينتهوا ولهذا يفرقون بين الداعية وغير الداعية لأن الداعية أظهر المنكرات فاستحق العقوبة بخلاف الكاتم فإنه ليس شرًا من المنافقين الذين كان النبي –ﷺ- يقبل علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله مع علمه بحال كثير منهم ولهذا جاء في الحديث أن المعصية إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها ولكن إذا أعلنت ولم تنكر أضرت العامة وذلك لأن النبي –ﷺ- قال: "إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده" فالمنكرات الظاهرة يجب إنكارها بخلاف الباطنة فإن عقوبتها على صاحبها خاصة وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم فإن المقصود به زجر المهجور وتأديبه ورجوع العامة عن مثل حاله فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر وخفته كان مشروعًا وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك بل يزيد الشر والهجر ضعيف بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته لم يشرع الهجر بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف ولهذا كان النبي –ﷺ- ولهذا كان النبي –ﷺ- يتألف أقوامًا ويهجر آخرين وقد يكون المؤلفة قلوبهم أشر حالًا في الدين من المهجورين كما أن الثلاثة الذين خلفوا كانوا خيرًا من أكثر المؤلفة قولهم لكن أولئك كانوا سادة مطاعين في عشائرهم فكانت المصلحة الدينية في تأليف قلوبهم وهؤلاء كانوا مؤمنين والمؤمنون سواهم كثيرون فكان في هجر عز الدين وتظهيرهم من ذنوبهم ولهذا كان
[ ٣٢٥ ]
المشروع في العدو القتال تارة والمهادنة تارة وأخذ الجزية تارة كل ذلك بحسب المصالح والأحوال وجواب الأئمة كأحمد وغيره في هذا الباب مبني على هذا الأصل ولهذا كان يفرق بين الأماكن التي كثرت فيها البدع كما كثر القدر في البصرة والتجهم بخراسان والتشيع بالكوفة وبين ما ليس كطذلك ويفرق بين الأئمة المطاعين وغيرهم وإذا عرف مقصود الريعة سلك في حصوله أوصل الطرق إليه وإذا عرف فالهجرة الشرعية هي من الأعمال التي أمر الله بها ورسوله والطاعات لا بد أن تكون خالصة وأن تكون موافقة لأمره فتكون خالصة لله صوابًا فمن هجر لهوى نفسه أو هجر هجرًا غير مأمور به كان خارجًا عن هذا، وما أكثر ما تفعل النفوس ما تهواه ظانة أنها تفعله طاعة لله والهجر لأجل حظ النفس لا يجوز أكثر من ثلاث كما جاء في الصحيحين عن النبي –ﷺ- أنه قال: "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث يلتقيان فيصد هذا عن هذا ويصد هذا عن هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام" فلم يرخص في هذا الهجر أكثر من ثلاث كما لم يرخص في إحداد غير الزوجة أكثر من ثلاث، وفي الصحيح عنه –ﷺ- أنه قال: "تفتح أبواب الجنة كل يوم اثنين وخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا إلا رجلًا كان بينه وبين أخيه شحناء فيقال أنظروا هذين حتى يصطلحا" فهذا لحق الإنسان حرام وإنما رخص في بعضه كما رخص للزوج أن يهجر امرأته في المضجع إذا نشزت وكما رخص في هجر الثلاث فينبغي أن يفرق بين الهجر لحق الله وبين الهجر لحق النفس فالأول مأمور به، والثاني منهي عنه لأن المؤمنين إخوة وقد قال –ﷺ-: "لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانًا" وقال –ﷺ- في الحديث الذي في السنن "ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي
[ ٣٢٦ ]
عن المنكر قالوا: بلى يا رسول الله قال "إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين" وقال في الحديث الصحيح "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" وهذا لأن الهجر من باب العقوبات الشرعية فهو من جنس الجهاد في سبيل الله وهذا يفعل لأن تكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله والمؤمن عليه أن يعادي في الله ويوالي في الله فإذا كان هناك مؤمن فعليه أن يواليه وإن ظلمه فإن الظلم لا يقطع الموالاة الإيمانية قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ إلى قوله ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ فجعلهم إخوة مع وجود الاقتتال والبغي وأمر بالإصلاح بينهم فليتدبر المؤمن الفرق بين هذين النوعين فما أكثر ما يلتبس أحدهما بالآخر وليعلم أن المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك فإن الله بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله فيكون الحب له ولأوليائه والبغض لأعدائه والإكرام لأوليائه والإهانة لأعدائه والثواب لأوليائه والعقاب لأعدائه فإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر وبر وفجور وطاعة ومعصية وسنة وبدعة استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر فيجتمع في الشخص الواحد موجبا الإكرام والإهانة فيجتمع له من هذا وهذا كاللص الفقير تقطع يده لسرقته ويعطى ما يكفيه من بيت المال لحاجته هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة وخالفهم والخوارج والمعتزلة ومن وافقهم فلم يجعلوا الناس إلا مستحقًا للثواب فقط أو مستحق للعقاب فقط وأهل السنة يقولون إن الله يعذب بالنار من أهل الكبائر من يعذب ثم يخرجهم
[ ٣٢٧ ]
منها بشفاعة من يأذن له في الشفاعة وبفضله ورحمته كما استفاضت بذلك السنة عن النبي –ﷺ والله أعلم. انتهى.
وأما قول السائل: وإذا كان في حق المسلم المعاصي فما القدر الذي ينبغي أن يهجر لأجله.
فنقول: القدر الذي ينبغي أن يهجر لأجله هو ما تقدم ذكره من هجر من يظهر المسكرات حتى يتوب منها لكن ينبغي أن يعلم أن الذنوب والمعاصي متفاوتة في الحد والمقدار فمنها ما هو من قسيم الكبائر ومنها ما هو من قسيم الصغائر فيهجر العاصي على قدر ما ارتكبه من الذنب ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ ولا يسوى بين الذنوب في الهجر ويجعل ذلك بابًا واحدًا إلا جاهل لأن الهجر من باب التأديب والمقصود به بيان الحق ورحمة الخلق والمسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يحقره وإذا أفضى ذلك إلى التقاطع والتدابر والتباغض والتحاسد لم يكن الهجر مشروعًا لأن مفسدته أرجح من مصلحته وقد بلغني أن بعض هؤلاء الهاجرين لمن يرتكب شيئًا من الذنوب والمعاصي إذا قال لهم المهجور أستغفر الله وأتوب إليه وأقر على نفسه بالذنب وتاب إلى الله منه لم يقبلوا ذلك منه بل يستمرون على هجره ومعاداته وهذا خلاف ما شرعه الله ورسوله بل هذا من باب التشفي والانتقام لا من باب الرحمة والإحسان بالمسلم والواجب أن ينصح الرجل أخاه المسلم عن هذا الذنب فإن تاب منه فهو المطلوب وإن لم يتب واستمر على معصية هجره حتى يتوب منها إن كانت المصلحة في حقه أرجح وإن لم ينزجر عنها وكانت المفسدة في حقه أرجح من المصلحة لم يكن الهجر مشروعًا كما ذكر ذلك شيخ الإسلام.
وقوله: وهل يفرق بين الأحوال والأشخاص والأزمان؟
[ ٣٢٨ ]
فأقول نعم يفرق بين الأزمان فزمان يهجر فيه وزمان لا يهجر فيه وذلك إذا كان الناس حدثاء عنهد بجاهلية فينبغي أن يراعي في حقهم الأصلح وهو التأليف وترغيبهم في الإسلام ودخولهم فيه وعدم تنفيرهم وليعلموا أن هذه الملة المحمدية حنيفية في الدين سمحة في العمل كما قال –ﷺ- لما جاء الحبشة يلعبون بحرابهم في المسجد فقام ينظر إليهم وقال "لتعلم يهود أن في ديننا فسحة إني بعثت بحنيفية سمحة" ففي مثل هذه الأزمان لا يستعمل الهجر مع كل أحد لئلا يحصل بذلك عدم رغبة في الدخول في الإسلام وتنفير عنه وكذلك الأشخاص شخص يهجر وشخص لا يهجر كما قال شيخ الإسلام وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قولهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم فإن المقصود زجر المهجور وتأديبه ورجوع العامة عن مثل حاله فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر وخفته كان مشروعًا وإن كان لا المهجو ولا غيره يرتدع بذلك بل يزيد الشر والهاجر ضعيف بحيث يكون مفسدة ذلك راجعة على مصلحته لم يشرع الهجر، بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف إلى آخر كلامه وإذا كان ذلك كذلك فهجر القادرات والأكابر الذين يخاف من هجرهم عدم قبول وانقياد ويرون أن في ذلك غضاضة عليهم ونقصًا في حقهم وربما يحصل بذلك منهم تعد بيد أو لسان فلا ينبغي هجرهم لأن من القواعد الشرعية أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح وكذلك الأحوال يراعى فيها الأصلح كما يراعى في الأزمان والأشخاص كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية وهذا كما كان المشروع في العدو القتال تارة والمهادنة تارة وأخذ الجزية تارة كل ذلك بحسب المصالح والأحوال إلى آخر كلامه فتأمله يزل عنك إشكالات طال ما أعشت عيون كثير من خفافيش الأبصار الذين لا معرفة لهم بمدارك الأحكام ولا اطلاع لهم على ما ذكره أئمة أهل الإسلام والله المستعان.
[ ٣٢٩ ]
فصل: اتخاذ بعض الطبقات البسة خاصة تميزهم عن غيرهم
إذا تحققت هذا وعرفت ما ذكره شيخ الإسلام من الهجر المشروع وغير المشروع فاعلم يا أخي أن كثيرًا من الناس يهجرون على غير السنة وعلى غير ما شرعه ورسوله ويحبون ويوالون ويبغضون ويعادون على ذلك وذلك أن بعض الناس ممن ينتسب إلى طلب العلم والمعرفة أحدث لمن يدخل في هذا الدين شعارًا لم يشرعه الله ولا رسوله ولا ذكره المحققون أهل العلم لا في قديم الزمان ولا في حديثه وذلك أنهم يلزمون من دخل في هذا الدين أن يلبس عصابة على رأسه ويسمونها العمامة وأن ذلك من سنة رسول الله –ﷺ- فمن لبسها كان من الإخوان الداخلين في هذا الدين ومن لم يلبسها فليس منهم لأنه لم يلبس السنة وهذا لم يقل به أحد من العلماء ولا شرعه الله ولا رسوله بل هذا استحسان وهذا لم يقل به أحد من العلماء ولا شرعه الله ولا رسوله بل هذا استحسان منهم وظن أنه من السنة وليس هذا من السنة في شيء وبيان ذلك من وجوه:
الوجه الأول: أن رسول الله –ﷺ- مكث قبل النبوة أربعين سنة ولباسه لباس العرب المعتاد من الأزر والسراويل والأردية والعمائم وغيرها، ولما أكرمه الله بالرسالة والنبوة ورحم الله الخلق ببعثته ودخل الناس في دين الله أفواجًا وشرع الشرائع وسن السنن لأمته لم يشرع لهم لباسًا غير لباسهم المعتاد ولا جعل للمسلمين شعارًا يتميز به المسلمون من الكفار بل استمروا على هذا اللباس المعروف المعتاد إلى انقراض القرون الأربعة وما شاء الله بعدها لم يحدثوا لباسًا يخالف لباس العرب ولم يكن من عادتهم لبس المحارم والغتر والمشالح والعبي كما هو لبس العرب اليوم من الحاضرة والبادية.
[ ٣٣٠ ]
الوجه الثاني: ان هذه العصائب على المحارم والغتر وغيرها التي يسمونها العمائم ان كان المقصود بجعلها على الرؤوس وعلى المحارم الاقتداء برسول الله –ﷺ- في لباسه فهذه لم تكن هي العمائم التي كان رسول الله –ﷺ- وأصحابه وسائر العرب يلبسونها بل تلك كانت ساترة لجميع الرأس وعلى القلانس كما قال –ﷺ- "فرق ما بيننا وبين الأعاجم العمائم على القلانس" والقلنسوة هي الطاقية في عرفنا وعادة العرب في العمامة أنهم يجلعونها محنكة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله تعالى- في "اقتضاء الصراط المستقيم" قال الميموني: رأيت أبا عبد الله عمامته تحت ذقنه ويكره غير ذلك وقال العرب أعمتها تحت أذاقانها وقال أحمد في رواية الحسن بن محمد يكره أن لا تكون العمامة تحت الحنك كراهة شديدة وقال إنما يتعمم يمثل ذلك اليهود والنصارى والمجوس انتهى. فذكر -﵀- ان العمامة من غير تحنيك من زي اليهود والنصارى والمجوس وقد أمرنا بمخالفتهم وكان رسول اللهﷺ – يلتحي بها تحت الحنك كما ذكر ذلك ابن القيم – ﵀ – في "الهدى النبوي" فلإي شيء لم يقتدوا برسول الله – ﷺ – في هذا اللباس على هذا الوضع ان كان المقصود الإقتداء برسول الله – ﷺ -.
الوجه الثالث: ان يقال لمن أحدث هذه العصائب لو كانت العمائم المعروفة على ما وضعنا ما وجه تخصيص هذه العمائم بالسنية من بين سائر لباس النبي – ﷺ – من الاردية والقمص والسراويل والازر وغيرها واللائق بالمقتدي ان يلبس جميع ما يلبسه –ﷺ – ولا يجعل بعضه مسنونًا وبعضه مهجورًا متروكًا؟.
الوجه الرابع: انه لما أحدث بعض الفقهاء من الحنابلة وغيرهم شعارًا يتميز به
[ ٣٣١ ]
المصاب من غيره فيعزى أنكر ذلك المحققون من أهل العلم الذين لهم قدم صدق في العالمين. قال ابن القيم – رحمه الله تعالى – في "عدة الصابرين": وأما قول كثير من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم لا بأس لمعرفته يعزى ففيه نظر وأنكره شيخنا ولا ريب أن السلف لم يكونوا يفعلون شيئًا من ذلك ولا نقل هذا عن أحد من الصحابة والتابعين والآثار المتقدمة كلها صريحة في رد هذا القول وقد كره إسحاق بن راهويه أن يترك الرجل لبس ما عادته لبسه وقال هو من السلب وبالجملة فعاداتهم أنهم لم يكونوا يغيرون شيئًا من زيهم قبل المصيبة ولا يتركون ما كانوا يعملونه فهذا منافٍ للصبر والله أعلم. انتهى.
فتبين مما ذكره ابن القيم أن أحداث هذا الشعار عند المصيبة لم يكن السلف يفعلون شيئًا من ذلك ولا نقل هذا عن أحد من الصحابة والتابعين فكذلك هذه العصائب المحدثة التي زعموا أنه يتميز بها من دخل في هذا الدين عن من لم يدخل فيه إحداث شعار في الإسلام لم يفعله الصحابة ولا التابعون ولا من بعدهم من العلماء ومن زعم ذلك فعليه الدليل وليبين لنا من ذكره من العلماء في أي زمان وفي أي كتاب وفي أي باب من أبواب العلم.
الوجه الخامس: أن لبس العمائم الأردية والأزر وغيرها هو من العادات التي هي من قسيم المباحات التي لا يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها وقد أنكر بعض الجهمية من أهل "عمان" على المسلمين لبس المحارم وشرب القهوة وزعم أن هذه بدعة
[ ٣٣٢ ]
فأجابه به شيخنا الشيخ عبد اللطيف بقوله. وهذا من أدلة جهله وعدم ومعرفته للأحكام الشرعية والمقاصد النبوية فإن الكلام في العبادات لا في العادات والمباحث الدينية نوع والعادات الطبيعية نوع آخر فما اقتضته العادة من أكل وشرب ومركب ولباس ونحو ذلك ليس الكلام فيه والبدعة ما ليس لها أصل في الكتاب والسنة ولم يرد بها دليل شرعي من هديه –ﷺ- وهدي أصحابه وأما ما له أصل كإرث ذوي الأرحام وجمع المصحف والزيادة في أحد الشارب وقتل الزنديق ونحو ذلك فهذا وإن لم يفعل في وقته –ﷺ- فقد دل عليه الدليل الشرعي وبهذا التقريب تنحل إشكالات طال ما عرضت في المقام:
وقال –﵀- في رده على البولاقي "صاحب مصر" في قوله:
وها أنتمو قد تفعلون كغيركم حوادث قد جاءت عن الأب والجد
كحرب ببارود وشرب لقهوة وكم بدع زادت عن الحد والعبد
قال –رحمه الله تعالى-:
واعجب شيء إن عددت القهوة مع الحرب بالبارود في بدع الضد
وقد كان في الأعراض ستر جهالة غدوت بها من أشهر الناس في البلد
فما بدع في الدين تلك وإنما يراد بها الأحداث في قرب العبد
[ ٣٣٣ ]
قد تبين بما ذكره الشيخ أن العادات الطبيعية كالمآكل والمشارب والملابس والمراكب وغيرها والمباحث الدينية والمقاصد النبوية نوع آخر فلا يجعل ما هو من قسيم العادات الطبيعية من العبادات الشرعية الدينية إلا جاهل مفرط في الجهل وأما ما يوردونه من الأحاديث في فضل العمائم فلا يصح منها شيء ولو صحت لكانت محمولة على غير ما توهموه وعلى غير ما فهموه وقد بلغني عن بعض الإخوان أنهم ينكرون ما كان يعتاده المسلمون من لبس العقال سواء كان ذلك العقال أسود أو أحمر أو أبيض ويهجرون من لبسه ويعللون ذلك بأنه لم يلبسه رسول الله –ﷺ- ولا أصحابه ولم يكن ذلك يلبس في عهدهم ولا هو من هديهم وإذا كانت هذه العلة هي المانعة من لبسه فيكون حرامًا ولابسه قد خالف السنة فيقال لهم: وكذلك لم يكن الرسول –ﷺ- ولا أصحابه ولا التابعون لهم بإحسان يلبسون هذه "المشالح" الأحمر منها ولا الأبيض ولا الأسود والعبي على اختلاف ألوانها والكل من هذه الملابس صوف طاهر، وكذلك لم يكون يلبسون الغتر الشمغ على اختلاف ألوانها فلأي شيء كانت هذه الملابس حلالًا مباحًا لبسها وهذه العقل محرمة أو مكروهة لا يجوز لبسها والعلة في الجميع واحدة على زعمهم مع أن هذا لم ينقل عن أحد من العلماء تحريمه ولا كراهته وقد أظهر الله شيخ الإسلام "محمد بن عبد الوهاب" فدعا الناس إلى توحيد الله وعبادته وقد كانوا قبل ظهوره في أمر دينهم على جهالة جهلاء وضلالة ظلماء فدعاهم إلى الله وإلى توحيده وكانوا قبل دعوته يعبدون الأولياء والصالحين والأحجار والأشجار والغيران وغير ذلك من المعبودات التي كانوا يعبدونها من دون فدعا الناس إلى توحيده وعبادته وبين لهم الأحكام والشرائع والسنن حتى ظهر دين الله وانتشر في البلاد والعباد ولم يكن في
[ ٣٣٤ ]
وقته أحد يلبس هذه العصائب ولا أمر الناس بلبسها ولا ذكر أنها من السنن ولا أنكر على الناس ما كانوا يعتادونه من هذه الملابس كالعقل وغيرها لأنها من العادات الطبيعية لا العبادات الدينية:
فخير الأمور السالفات على الهدى وشر الأمور المحدثات البدائع
الوجه السادس: أن السنة في الأصل تقع على ما كان عليه رسول الله –ﷺ- وما سنه أو أمر به من أصول الدين وفروعه حتى الهدي والسمت وعلى هذا فيكون الأصل في موضوعها هو ابتداء فعل أو قول لم يكن قبل ذلك مقولًا ولا مفعولًا ثم صار بعد الأمر بذلك مسنونًا مشروعًا لأن العبادات مبناها على الأمر وبيان ذلك أن الصحابة –﵃- كانوا إذا فات أحد منهم بعض الصلاة مع رسول الله –ﷺ- قضاها قبل السلام فجاء معاذ –﵁- وقد فاته بعض الصلاة مع رسول الله –ﷺ- وفرغ من الصلاة فقام معاذ فقضى ما فاته منها فقال رسول الله –ﷺ- "إن معاذ قد سن لكم سنة فاتبعوها" هذا هو المعروف من لفظ السنة وموضوعها وهذا بخلاف العمائم فإن رسول الله –ﷺ- لم يسن لأمته لبسها بل كانت هي عادة العرب قبل الإسلام وبعده فما وجه تسميتها بالسنة وتخصيصها لو كانوا يعلمون وإذا كانوا لا يعلمون أنها ليست سنة فهلا سألوا إذا لم يعلموا فإنما دواء العي السؤال والله أعلم.
وأما قول السائل: وكذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فنقول: الكلام فيه كالكلام في الأزمان والأشخاص والأحوال يراعي فيه ما هو الأصلح وهو على المراتب الثلاث باليد فإن عجز عن ذلك فباللسان فإن عجز فبالقلب وذلك أضعف الإيمان ولكن ينبغي للآمر والناهي أن
[ ٣٣٥ ]
يكون عليمًا فيما يأمر به عليمًا فيما ينهي عنه حليمًا فيما يأمر به حليمًا فيما ينهي عنه رفيقًا فيما يأمر به رفيقًا فيما ينهي عنه فمن أهمل كان فساده أكثر من صلاحه، والله أعلم.
فصل
وأما قوله: "وهل إذا خرج بعض من نزل في دار الهجرة إلى البادية لأجل غنمه في وقت من الأوقات وهو يريد الرجوع يقع عليه وعينه من تغرب بعد الهجرة أم لا؟ ".
فالجواب أن يقال: إذا خرج بعض من نزل في دار الهجرة إلى البادية لأجل غنمه ومن نيته الرجوع إلى مسكنه وداره التي هاجر إليها لا يقع عليه وعيد من تعرب بعد الهجرة لأن رسول الله –ﷺ- قال: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر" وهذا الذي خرجه إلى غنمه ليصلحها ويتعاهد أحوالها ثم يرجع إلى مهاجره ليس من نيته التعرب بعد الهجرة ولا رغبة عن الإسلام وأهله فلا يدخل في الوعيد وقد اعتزل سعد بن أبي وقاص –﵁- أيام الفتنة التي كانت بين علي ومعاوية –﵄- في قصر له في البادية فقيل له في ذلك فقال:
عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى وصوت إنسان فكدت أطير
ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ولا قال له أحد أنك تعربت بعد الهجرة وتركت داره الهجرة لأن رسول الله –ﷺ- قد أذن في مثل هذا كما هو مذكور
[ ٣٣٦ ]
في محله في غير هذا الموضع وهذا الذي ذكرناه عن بعض الإخوان لم يكن منا رجمًا بالغيب بل قد جاءوا إلينا وسألوا الشيخ عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف عن هذه المسائل وعن هذه العصائب بخصوصها فأخبرهم أنها ليست من السنة في شيء وإنما هي من العادات الطبيعية لا من العبادات الدينية الشرعية وأغلظ لهم القول لما سألوه عن بعض هذه المسائل وأمرهم أن يتعلموا أصل دينهم الذي يدخلهم الله به الجنة وينجيهم به من النار فإذا تمكن هذا الدين من قلوبهم والجواب عن هذه المسائل وغيرها ممكن سهل وقد نفع الله كثيرًا من الإخوان الداخلين في هذا الدين فانزجروا عن تلك الورطات التي من سلكها أفضت به إلى مفاوز الهلكات ولولا ما دفع الله بإغلاظه لهم عنها لا تسمع الخرق على الواقع فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا.
[ ٣٣٧ ]
فصل: ابن تيمية لم يقل بفضل العامة
ولما انتهينا إلى هذا الموضع من تسويد هذه الأمورات قدم إلينا بعض الإخوان وافدًا إلى الأمام ومعه ورقة في فضل العمامة يزعم أنها من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية –قدس على روحه- فلما تأملتها لم أجد فيها من كلام شيخ الإسلام لفظًا صريحًا إلا ما نقله شارح "الإقناع" عن شيخ الإسلام أنه قال إطالتها – أي الذؤابة بلا إسبال وإن أرخى طرفها فحسن فإن كان فيها من كلام شيخ الإسلام شيء غير هذا فهو لم يعينه ولم يفصله عن غيره حتى يعلم ذلك، نحن نبين إن شاء الله تعالى ما في هذا الكلام من الخطأ وما يناقضه من كلام شيخ الإسلام وهذا نص ما نقله في هذه الورقة قال فيها فائدة: في فضل العمامة من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله تعالى- وقد روحه في أن الاقتداء بأفعال
[ ٣٣٧ ]
الرسول –ﷺ- من الأمور المشروعة مقرر في علم الأصول ولاسيما فيما يظهر فيه قصد القربة كما ورد في إرسال الذؤابة في الحديث الذي رواه مسلم عن جعفر بن عمر بن حريث عن أبيه قال كأني أنظر إلى رسول الله –ﷺ- على المنبر وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفها بين كتفيه.
والجواب عن هذه من وجوه:
الوجه الأول: أن هذا الكلام ما يدل على فضل العمامة وإنما فيه أن الاقتداء بأفعال الرسول –ﷺ- من الأمور المشروعة مقرر في علم الأصول لا سيما فيما يظهر فيه قصد القربة كما ورد في إرسال الذؤابة في الحديث الذي رواه مسلم وهذا لا إشكال فيه فإن إرسال الذؤابة في العمامة مما سنه رسول الله –ﷺ- وشرعه فالاقتداء به في إرسال الذؤابة لمن كان يعتاد لبسها مسنون مشروع وهذا يدل على فضل إرخاء الذؤابة بين الكتفين لا على فضل العمامة لأن لبس العمامة من العادات الطبيعية لا من العبادات الدينية الشرعية وقد كان رسول –ﷺ- يلبسها هو وسائر العرب قبل أن ينزل عليه الوحي وقبل أن يشرع الشرائع ويسن السنن.
الوجه الثاني: أن لابس هذه العصائب على الغير وغيرها لم يكن مقتديًا برسول الله –ﷺ- لأن العمامة التي كان يلبسها رسول الله –ﷺ- كانت ساتر لجميع الرأس وكان يلتحي بها تحت الحنك وهذا بخلاف هذه العصائب واسم العمامة لا يقع إلا على ما وصفنا.
الوجه الثالث: أن لبس العمائم والأزر والأردية وغيرها لم يكن من خصائص الرسول –ﷺ- وأصحابه بل كان هذا لباسه مع سائر العرب كما ذكر
[ ٣٣٨ ]
ذلك شيخ الإسلام فأي قربة أو فضيلة في الاقتداء فيما كان فعله مشتركًا بين –صلى الله وبين سائر العرب مسلمهم وكافرهم؟
الوجه الرابع: أنا لا ننكر جعل هذه العصائب على الغتر مطلقًا وإنما أنكرنا زعمهم أنها سنة رسول الله –ﷺ- التي سنها لأمته وشرعها وجعل ذلك شعارًا يتميز من دخل في هذا الدين عن من لم يدخل فيه كما بينا بطلان ذلك فيما تقدم وسنبينه فيما بعد إن شاء الله.
وأما قوله: وفي "الشمائل" عن هارون الهمداني بإسناده إلى ابن عمر –﵄- قال كان رسول الله –ﷺ- إذا اعتم سدل عمامته بين كتفيه قال نافع وكان ابن عمر يفعل ذلك قال عبيد الله رأيت سالمًا والقاسم يفعلانه.
فأقول وهذا ليس فيه إلا إرخاء الذؤابة بين كتفيه –ﷺ- وهذا حق ولا شك فيه ولا ارتياب أن رسول الله –ﷺ- يفعله والفضيلة إنما هي في الاقتداء به في إرسال العمامة بين الكتفين.
وأما قوله: وعن عبد الرحمن بن عوف –﵁- قال عمني رسول الله –ﷺ- يوم غدير "خم" بعمامة فسدل طرفها على كتفي وقال إن الله أمدني يوم بدر ويوم حنين بملائكة معتمين بهذه العمة وإن العمامة حاجزة بين المسلمين والمشركين.
فأقول: هذا الحديث فيه ألفاظ تخالف ما ثبت عن النبي –ﷺ- وتخالف ما ذكره شيخ الإسلام وغيره من العلماء وهي قوله "إن الله أمدني يوم بدر ويوم حنين بملائكة معتمين بهذه العمة وأن العمامة حاجزة بين المسلمين والمشركين قال ابن القيم –﵀- في "الهدي النبوي" لما ذكر ما رواه مسلم
[ ٣٣٩ ]
في صحيحه عن عمر بن حريث قال: رأيت رسول الله –ﷺ- على المنبر وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفيها بين كتفيه وفي مسلم أيضًا عن جابر بن عبد الله أن رسول الله –ﷺ- دخل مكة وعليه عمامة سوداء ولم يذكر في حديث جابر ذؤابة فدل على أن الذؤابة لم يكن يرخيها دائمًا بين كتفيه وقد يقال أنه دخل مكة وعليه هبة القتال والمغفر على رأسه فلبس في كل موطن ما يناسبه وكان شيخنا أبو العباس ابن تيمية –قدس الله روحه- يذكر في سبب الذؤابة أمرًا بديعًا وهو أن النبي –ﷺ- إنما اتخذها صبيحة المنام الذي رآه في المدينة لما رأى رب العزة ﵎ فقال يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت لا أدري فوضع يده بين كتفي فعلمت ما بين السماوات والأرض الحديث وهو في الترمذي وسئل عنه البخاري فقال صحيح قال فمن تلك الحال أرخى الذؤابة بين كتفيه وهذا من العلم الذي ينكره ألسنة الجهال وقلوبهم ولم أر هذه الفائدة في شأن الذؤابة لغيره.
فذكر –رحمه الله تعالى- أن سبب إرخاء الذؤابة كان صبيحة المنام الذي رآه في المدينة لما رأى رب العزة ﵎ وفيه فوضع يده بين كتفي قال فمن تلك الحال أرخى الذؤابة وهذا الناقل ذكر وفي الحديث الذي ذكره عن عبد الرحمن بن عوف أن سبب إرخاء الذؤابة لما عممه بها أنها كانت عمة الملائكة الذين أمده الله بهم يوم بدر ويوم حنين ولو كان كان هذا هو السبب في إرخاء الذؤابة لذكره ابن القيم –رحمه الله تعالى- مع أن هذا الحديث لم يعزه إلى كتاب ولا بد من عزوه إلى كتاب من دواوين أهل الحديث المعروفة المشهورة مع تعديل رواته وتوثيقهم وإلا فلا نسلم صحته وذكر في هذا الحديث أن العمامة حاجزة بين المسلمين والمشركين فلا أدري ما أراد بهذا الكلام وهل ذلك
[ ٣٤٠ ]
ثابت عن النبي –ﷺ- أم لا؟ ثم قال ابن وضاح وساق بسنده عن عاصم بن محمد عن أبيه قال: رأيت على بن الزبير عمامة سوداء قد أرخاها من خلفه قدر ذراع، وهذا الحديث فيه العمامة التي رآها على ابن الزبير عمامة سوداء وهؤلاء لا يلبسون العمائم السود ولا يعصبونها رؤوسهم وغاية ما فيه أنه أرخاها قدر ذراع وهذا لا ينكره أحد ثم قال وقال عثمان بن إبراهيم رأيت ابن عمر يحف شاربه ويرخي عمامته من خلفه، إلى أن قال: وقال بعضهم بين الكتفين وهو قول الجمهور ونص مالك أنها تكون بين اليدين ثم قال لا لون أنها تكون قدر أربع أصابع وقيل إلى نصف الظهر وقيل القعدة. انتهى. وهذا الذي ذكره عن ابن وضاح إن كان النقل عنه ثابتًا بذلك ليس فيه إلا إرخاء الذؤابة وفضيلة إلا الاقتداء برسول الله –ﷺ- في إرخائها لا في سنية العمامة.
وأما قوله قال في "الإقناع" وشرحه: ويسن إرخاء الذؤابة خلفه نص عليه قال الشيخ إطالتها أي الذؤابة بلا إسبال وإن أرخى طرفيها بين كتفيه فحسن.
فأقول هذا حق ولا نزاع فيه فإنه لم يذكر في "الإقناع" ولا في شرحه إلا أن إرخاء الذؤابة سنة لقوله ويسن إرخاء الذؤابة أما العمامة فلم يذكر في شأنها شي لأنه قد كان من المعلوم عندهم أن الرسول لم يشرعها لأمته ولا سنها لهم بل كان عادة العرب لبسها في الجاهلية والإسلام.
وأما قوله: قال الآجري: وأرخاها ابن الزبير من خلفه قدر ذراع وأنس نحوه ذكره في الأدب ويسن تحنيكها أي العمامة لأن عمائم المسلمين كانت كذلك على عهد رسول الله –ﷺ- وعدد لف العمامة كيف شاء فإنه في "المبدع"
[ ٣٤١ ]
وغيره وروى ابن حيان في كتاب "أخلاق النبي –ﷺ-" من حديث عمر كان رسول اله –ﷺ- يقيم فيدير كور العمامة على رأسه ويعززها من ورائه ويرخي لها ذؤابة بين كتفيه. انتهى.
فالجواب أن نقول: وهذا كله إنما هو في سنية إراخاء الذؤابة من خلفه وهذا لا نزاع فيه ولا ينكره منا أحد وليس في جميع ما أورده ها هنا من الأحاديث وكلام العلماء حرف واحد يدل على مشروعية لبس العمامة وأن رسول الله –ﷺ- سنها لأمته قبل أن لم تكن قبل ذلك بل فيه ما ذكرنا آنفًا ولما بلغني خبر هذه الورقة وأنها من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ضنت أنه قد جاء بما يناقض ما عندنا في ذلك فلما تأملتها إذ هو قد جاء بكلام لا أدري أهو من كلام شيخ الإسلام أم لا وبأحاديث لا تدل على ما فهمه منها فأخطأ في مفهومه حيث وضع الأحاديث وكلام العلماء في غير موضعها واستدل بها على غير ما تدل عليه فلم يأت الأمر من بابه ولا أقر الحق في نصابه فجعل ما ورد من الأحاديث في الذؤابة وما ذكره العلماء في ذلك نصًا في مشروعية العمامة ولبسها وهم لم يقتدوا برسول الله –ﷺ- فيما كان يعتاده من لباسه في العمامة وأنها ساترة لجميع الرأس وأنه كان يلتحي بها تحت الحنك ويتعمم بها على القلنسوة وقد قال –ﷺ- "فرق ما بيننا وبين الأعاجم العمائم على القلانس" ولم يقتدوا به في لبس الرداء والإزار وغير ذلك مما كان يعتاده من لباسه هو وأصحابه ﵃ وتركوا هذا كله وعدلوا إلى وضع عصابة على غتر زعموا أنها هي العمامة التي كان رسول الله – ﷺ – يلبسها هو وأصحابه وجعلوا ذلك شعارًا يتميز به من دخل في هذا الدين عن من لم يدخل فيه وهذا هو الذي أنكرناه وقد ذكر
[ ٣٤٢ ]
شيخ الإسلام في "الاختيارات" ما نصه: أن اللباس والزي الذي يتخذه بعض النساك من الفقراء والصوفية والفقهاء وغيرهم بحيث يصير شعارًا فارقًا كما أمر أهل الذمة بالتميز عن المسلمين في شعورهم وملابسهم فيه مسألتان: المسألة الأولى هل يشرع ذلك استحبابًا لتميز الفقير والفقيه من غيره فإن طائفة من المتأخرين استحبوا ذلك وأكثر الأئمة لا يستحبون ذلك بل قد كانوا يكرهونه لما فيه من التميز عن الأمة وبثوب الشهرة إلى أن يقال: وأيضًا فالتقيد بهذه اللبسة بحيث يكره اللابس غيرها أو يكره أصحابه أن لا يلبسوا غيرها هو أيضًا منهي عنه. فذكر – ﵀ – أن اللباس والزي الذي يتخذه بعض النساك من الفقراء والصوفية والفقهاء وغيرهم بحيث يصير شعارًا فارقًا إلى آخره أن أكثر الأئمة لا يستحبونه بل كانوا يكرهونه لما فيه التميز عن الأمة وذكر أيضًا أن التقيد بهذه اللبسة بحيث يكره اللابس غيرها أو يكره أصحابه أن لا يلبسوا غيرها هو أيضًا منهي عنه. وهؤلاء ينكرون ما كان يعتاده المسلمون من اللباس كالعقال وغيره ويعللون ذلك لأنه لباس الجند في هذه الأزمان كما ذكروا ذلك في نظمهم وزعموا أنه لا يلبس ذلك إلا أهل الطغيان من الجند الذين هم المجاهدون اليوم في سبيل الله ويسمونهم "الزكرت" ظلمًا وعدوانًا وتجاوزًا للحد في المقال بغير بينة من الله ولا برهان ثم أوهموا من سمع هذا الكلام أن هذه الأبيات اللاتي ذكرها من كلام بعض العلماء الذين تقدم ذكرهم بقولهم وقال بعضهم هذا تدليس وتلبيس منهم وإيهام لمن لا معرفة لديه ولو أنهم قالوا: وقال بعض الشعراء أو قال فلان ابن فلان شعرًا لكان هذا هو الحق وسلموا بذلك عن التلبيس والإيهام. ثم ذكر أبياتًا متكسرة واهية المباني ركيكة المعاني لا تليق إلا بعقل من
[ ٣٤٣ ]
أنشأها لقصر باعه وعدم اطلاعه وقد قال الخليل بن أحمد:
الشعر صعب وطويل سلمه إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه
زلت به تحت الحضيض قدمه
فلو أنه اقتصر على النثر لكان استزله، وهذا نص الأبيات التي ذكرها:
يا منكرًا فضل العمامة إنها من هدي من قد خص بالقرآن
وكذاك كان الصحابة بعده والتابعون لهم على الإحسان
وكذاك كانت للأفاضل بعدهم وسما وزيا سائر الأزمان
والله ما في لبسها من ريبة لم تبتدع يا معشر الإخوان
ليست كلبس الجند في أزماننا حاشا وربي كيف يستويان
هذي شعار ذوي التقى وذا ك للزك وكل ذي طغيان
والجواب أن نقول:
يا ذاكرًا فضل العمامة إنها من هدي من قد خص بالقرآن
لم تأت بالتحقيق فيما قلته في فضلها بل جئت بالنكران
إن العمامة لبسها من هديه في العادة المعلومة التبيان
مثل الرداء وكالإزار وغيره من هديه الموصوف بالإحسان
والفضل تلك الأحاديث التي أوردتها معلومة البرهان
[ ٣٤٤ ]
إرخاؤها أعني الذؤابة خلفه لا في اعتياد عمامة الإنسان
إن العمامة لبسها متقدم فيما مضى من سالف الأزمان
قبل النبوة ثم فيما بعدها لا يختفي إلا على العميان
والمصطفى سن الذؤابة بعد ذا فيما حكاه العالم الرباني
أعني أبا العباس أحمد ذي التقى من فاق في علم وفي إتقان
لكنكم لم تقتدوا بنبيكم في لبسها يا معشر الإخوان
ليست محنكة وليست كلها للرأس ساترة وذا الوصفان
لا بد في لبس العمامة منهما في العادة المعلومة التبيان
أنتم جعلتم "غترة" من فوقها تلك العصابة يا ذوي العرفان
والمصطفى والصحب كان معهم فوق "القلانس" ليس ذا نكران
فتركتموا هذا وجئتم غيره بعصابة زيًا بلا برهان
وجعلتموا هذا شعارًا فارقًا بين الأفاضل عن ذوي الطغيان
كالمسلمين ذوي الجهاد وغيرهم اللابسي زيًا من الألوان
مثل "العقال" وغيره من زيهم مما أبيح لسائر الإنسان
يا ويلكم من قال هذا قبلكم من كل ذي علم وذي عرفان
هذا كلام الشيخ فيما قد مضى في النهي عن هذا عن الأعيان
من كل ذي فقه وعلم بالذي قد قاله من خص بالقرآن
هذا ولم ننكر عليكم لبسها أعني العصائب معشر الإخوان
لكنما الإنكار منا جعلكم هذا شعارًا عن ذوي الطغيان
أن لا يصيروا مثل هذا الجند في هذا اللباس بغير ما برهان
بل بالتعمق والتعسف منكمو بالرأي تشريعًا من الشيطان
[ ٣٤٥ ]
إن لم يكن هذا ابتداعًا منكمو في الدين لم يشرع فيا إخواني
هاتوا دليلًا واضحًا من سنة أو من كلام أئمة العرفان
فالحق مقبول وليس يرده من كان ذا علم وذا إتقان
هذي الروافض والأعاجم كلهم يتعممون أهم ذوو إيمان؟
وكذا اليهود فإن تلك شعارهم من غير تحنيك لذي الأذقان
أفعندكم من كان هذا زيه وشعاره من أمة الكفران
من خير خلق الله من أهل التقى إن كان هذا الزي ذا فرقان
والمسلمون التاركون للبسها هم أهل هذا الشر الطغيان
إذ لم يكن هذا الشعار لباسهم مع سائر الإخوان في البلدان
والله ما هذي مقالة منصف أو خائف من ربه الديان
ولقد علمتم أن من إخواننا أهل التقى والعلم والعرفان
والمنتمين لكل خير في الورى في سائر الأوطان والبلدان
جم غفير لم يكن ذا زيهم من قبل هذا الآن والأزمان
حتى أتيتم فابتدعتم هذه من غير تحقيق ولا برهان
والله ما هذي العصائب سنة قد سنها المبعوث بالقرآن
كلا ولا هذا الشعار بسنة عن فاضل أو عالم رباني
فأتوا بحجتكم على ما قلتموا أو فارعووا يا معشر الإخوان
هذا الذي أدى إليه علمنا وبه ندين الله كل أوان
ثم الصلاة على النبي "محمد" أزكى الورى المولود من "عدنان"
والآل والصحب الكرام جميعهم والتابعين لهم على الإحسان
[ ٣٤٦ ]
فصل: المعترض نقل من مجموع المنقور ماله وترك ماعليه
ولما فرغنا من تسويد هذه الأوراق وكنا في حال تسديدها قد أحسنا الظن بمن نقلها وبقي في النفس إشكال وتردد هل هذا النقل كله من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية –قدس الله روحه- أم لا حتى بلغني أنه إنما نقل هذه الورقة من مجموع المنفور في مجموعة وقابلنا بينه وبين هذين الورقة المنقولة بمحضر من الشيخ سعد بن الشيخ حمد بن عتيق فإذ هو كتب عن "مجموع المنقور" ما ظن أنه له وحذف منه ما تيقن أنه عليه لا له وهذا بخلاف ما عليه أهل السنة والجماعة قال الإمام عبد الرحمن بن مهدي –﵀- أهل السنة يكتبون ما لهم وما عليهم وأهل السنة يكتبون ما لهم وما عليهم وأهل البدع لا يكتبون إلا ما لهم. وهذا نص ما ذكره "المنقور" في مجموع قال: ومما انتقاه القاضي من خط أبي حفص البرمكي بإسناده إلى أنس بن مالك رأيت رسول الله –ﷺ- يسجد على كور عمامته، وبإسناده إليه إذا سمعت النداء فأجب وعليك السكينة فإن أصبحت فرجة وإلا فلا تضييق على أخيك وأقر ما تسمع أذنيك وأقر ما تسمع أذنيك ولا تؤذ جارك وصل صلاة مودع ومنها أيضًا سئل ابن تيمية عمن يقرأ وهو يلحن، فأجاب إن قدر على التصحيح صحح وإن عجز فلا بأس بقراءته حسب استطاعته ومن كلام له أيضًا: وبعد فالاقتداء بأفعال رسول الله –ﷺ- من الأمور المشروعة كما هو مقرر في علم الأصول لا سيما فيما يظهر فيه قصد القربة كما ورد في إرسال الذؤابة في الحديث الذي رواه مسلم عن جعفر وابن حريث عن أبيه: كأني أنظر إلى رسول الله –عليه وسلم- على المنبر وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفيها بين كتفيه وفي "الشمائل" عن هارون الهمداني بإسناده إلى ابن عمر كان رسول الله –ﷺ- إذا اعتم سدل عمامته بين
[ ٣٤٧ ]
كتفيه قال نافع وكان ابن عمر يفعل ذلك قال عبيد الله رأيت سالمًا والقاسم يفعلانه وعن عبد الرحمن بن عوف عممني رسول الله –ﷺ- فسدلها بين يدي ومن خلفي وعن علي قال: عممني رسول الله –ﷺ- يوم غدير خم بعمامة فسدل طرفيها على منكبي ثم قال إن الله أمدني يوم بدر ويوم حنين بملائكة معتمين بهذه العمة وأن العمامة حاجزة بين المسلمين والمشركين. قال ابن وضاح حدثني موسى حدثنا وكيع حدثنا عاصم بن محمد عن أبيه قال رأيت على ابن الزبير عمامة سوداء قد أرخاها من خلفه قدر ذراع قال عثمان بن إبراهيم رأيت عمر يحف شاربه ويرخي عمامته من خلفه إلى أن قال فهذه الآثار متعاضدة مع ما تقدمها من الأحاديث وهي دالة على استحباب الرسم بالذؤابة لذي الولايات والمناصب والمشار غلبيهم من أهل العلم ليكون ذلك شعارًا لهم ولا يستحب ذلك لآحاد الناس ولهذا ألبسها رسول الله –ﷺ- عليًا يوم غدير خم وكان فيما بين مكة والمدينة مرجعه من حجة الوداع في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة فخطب رسول الله –ﷺ- قائمًا وعلي إلى جانبه واقفًا وبرأ ساحته مما كان نسب إليه من معاشرة إمارة اليمن فإن بعض الجيش نقم عليه أشياء تعاطاها هنا من أخذه تلك الجارية من الخمس ومن نزعه الحلل من اللباس لما صرفها إليه نائب فتكلموا فيه وهم قادمون إلى حجة الوداع فلم يفرغ رسول الله –ﷺ- أيام الحج لإزاحة ذلك من أذهانهم فلما قفل راجعًا إلى المدينة ومر بهذا الموضع ورآه مناسبًا لذلك خطب الناس هنالك وبرأ ساحة علي مما نسبوه إليه وهكذا عبد الرحمن ألبسه الذؤابة لما بعثه أميرًا على تلك السرية وهكذا يستحب هذا للخطباء وللعلماء شعارًا وعلمًا عليهم في صفتها قال بعضهم: تكون بين الكتفين وهو قول الجمهور ونص مالك أنها تكون بين اليدين قال الأولون قدر أربع أصابع
[ ٣٤٨ ]
بين الكتفين وقيل إلى نصف الظهر قيل القعدة. انتهى ما ذكره المنقور في مجموعه. ونحن نبين ما في روقته من التدليس والتلبيس والإيهام وما فيها من الغلط والكذب على الأئمة الأعلام وننبه على ما حذفه وتركه مما نقله من مجموع المنقور مما هو عليه لأنه فأما ما ذكره من التدليس والتلبيس والإيهام فهو قوله فائدة في فضل العمامة من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى- وقدس روحه وهذا لم يذكره الشيخ "أحمد بن محمد المنقور" في مجموع فأوهم السامع لهذا الكلام أن شيخ الإسلام ذكر هذا في فضل العمامة وهو إنما قاله من تلقاء نفسه وليس هو من كلام شيخ الإسلام ولا من كلام المنقور تدليسًا وتلبيسًا على خفافيش الأبصار وكذلك أوهم السامع أن هذه الورقة كلها من أولها إلى آخرها من كلام شيخ الإسلام وهو كذب عليه لم تكن هذه الورقة كلها من كلام شيخ الإسلام والذي ذكره أحمد بن محمد إلى أنس بن مالك فذكره ثم قال ومنها أي مما انتقاه القاضي أيضًا سئل ابن تيمية عمن يقرأ وهو يلحن فأجاب: إن قدر على التصحيح صحح إلى آخره ثم قال: ومن كلام له أيضًا وبعد فالاقتداء بأفعال الرسول –ﷺ- من الأمور المشروعة إلى آخره والظاهر من سياق الكلام أن هذا كله مما انتقاه القاضي من خط أبي حفص البرمكي وليس فيه من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية شيء صريح إلا قوله: ومنها أيضًا سئل ابن تيمية عمن يقرأ وهو يلحن إلى آخره فإن كان ما ذكره بقوله ومن كلامه أيضًا من كلام شيخ الإسلام لا من كلام القاضي الذي انتقاه من خط أبي حفص البرمكي فهو إنما يدل على فضيلة الذؤابة بين كتفيه على فضل العمامة ومشروعية لبسها ويكون منتهى ذلك النقل عنه إلى قوله. قال عبد الله رأيت سالمًا والقاسم يفعلانه.
[ ٣٤٩ ]
وأما قوله: وفي الشمائل عن هارون الهمداني بإسناده على ابن عمر كان رسول الله –ﷺ- إذا اعتم إلى آخره، فهذا الحديث قد ذكره الترمذي في الشمائل وليس فيه إلا مشروع إرسال الذؤابة كما تقدم بيانه، وأما قوله: وعن عبد الرحمن بن عوف عممني رسول الله –ﷺ- فسدلها بين يدي ومن خلفي وهذا الحديث لم نجده في الشمائل في باب ما جاء في عمامة النبي –ﷺ- إلا أن يكون في غير هذا الموضع فلا أدري. وأما قوله وعن علي قال: عمني رسول الله –ﷺ- يوم غدير خم بعمامة فسدل طرفها على منكبي ثم قال إن الله أمدني يوم بدر ويوم حنين بملائكة متعممين بهذه العمة وأن العمامة حاجزة بين المسلمين والمشركين.
فأقول: وهذا أيضًا لم نجده في الشمائل على هذا الوضع الذي ذكره والذي ذكره الترمذي –﵀- في جامعه في أبواب اللباس في باب ما جاء في العمامة السوداء فذكر حديث جابر في دخوله مكة يوم الفتح قال وفي الباب عن عمرو بن حريث وابن عباس وركانة حديث حسن صحيح ثم ذكر حديث هارون ثم قال: وفي الباب عن علي ولا يصح حديث علي هذا من قبل إسناده. فذكر –﵀- أن حديث علي هذا لا يصح من قبل إسناده وقد نسبه هذا الناقل في ورقته عن عبد الرحمن بن عوف إما غلطًا وأما تدليسًا وتلبيسًا على من لا معرفة لديه ومثل هذا الحديث لا يعتمد عليه ولا يذكر إلا مع بيان عدم صحته وأما بدون ذلك فلا يجوز كما ذكره شيخ الإسلام وغيره من العلماء وهؤلاء إنما ذكروه من أجل أن فيه مقالًا لا أن العمامة حاجزة بين المسلمين والمشركين، وهذا مع أن الحديث لا يصح ولا يعتمد عليه قد كان من المعلوم بالاضطرار أن المشركين كانوا يلبسون العمائم كما أن المسلمين يلبسونها وكذلك الأئمة، فأي فرق وحاجز بين المشركين والمسلمين وحينئذٍ يتميز به هؤلاء لو
[ ٣٥٠ ]
كانوا يعلمون؟
فصل
وأما ما حذفه مما نقله من "مجموع المنقور" لما ذكر كلام ابن وضاح إلى قوله قال عثمان بن إبراهيم: رأيت ابن عمر يحف شاربه ويرخي عمامته قال إلى أن قال: فهذه الآثار متعاضدة مع ما تقدمها من الأحاديث وهي دالة على استحباب الرسم بالذؤابة لذي الولايات والمناصب والمشار من أهل العلم ليكون ذلك شعارًا لهم ولا يستحب ذلك لآحاد الناس، ولهذا لبسها رسول الله –ﷺ- عليًا يوم غدير خم وكان فيما بين مكة والمدينة مرجعه من حجة الوداع في اليوم الثامن عشرين من ذي الحجة فخطب رسول الله –ﷺ- قائمًا إلى جانبه واقفًا وبرأ ساحته مما كان نسب إليه في مباشرته امرأة من اليمن فإن بعض الجيش نقم عليه أشياء تعاطاها هذا من أخذ تلك الجارية الخمس ومن نزعه الحلل من اللباس لما صرفها إليهم نائب فتكلموا فيه وهم قادمون إلى حجة الوداع فلم يفرغ رسول الله –ﷺ- أيام الحج لإزاحة ذلك من أذهانهم فلما قفل راجعًا إلى المدينة ومر بهذا الموضع ورآه مناسبًا لذلك خطب الناس هنالك وبرأ ساحته مما نسبوه إليه وهكذا يستحب هذا للخطباء وللعلماء شعارًا وعلمًا عليهم في صفتها. انتهى. وهذا كله خوفه من كلام ابن وضاح الذي ذكره "المنقور" في مجموعة وهذه هي طريقة داود بن جرجيس فيما ينقله من كلام الإسلام ابن تيمية ويتصرف فيه وكذلك عثمان بن منصور فيما ينقله فنعوذ بالله من هذه الطريقة الضالة الكاذبة الخاطئة.
ثم ذكر قول ابن وضاح حيث قال: وقال بعضهم بين الكتفين وهو قول
[ ٣٥١ ]
الجمهور ونص مالك أنها تكون بين اليدين ثم قال الأولون أنها تكون قدر أربع أصابع وقيل على نصف الظهر وقيل القعدة. انتهى. وهذا آخر ما ذكره المنقور في مجموعه وقد زعم صاحب الورقة أن كلام ابن وضاح هذا مما نقله شيخ الإسلام عنه فذكر منه ما ظن أنه موافق له وأنه لا عليه وحذف منه ما يخالف رأيه حيث قال فهذه الآثار متعاضدة مع ما تقدمها من الأحاديث وهي دالة على استحباب الرسم بالذؤابة لذي الولايات والمناصب المشار إليهم من أهل العلم ليكون ذلك شعارًا لهم ولا يستحب ذلك لآحاد الناس إلى آخر فلو كان هذا النقل ثابتًا عند شيخ الإسلام لكان مناقضًا لمنا ذكره في "الاختيارات" حيث قال إن اللباس والزي الذي يتخذه بعض النساك من الفقراء والصوفية والفقهاء وغيرهم بحيث يصير شعارًا فارقًا كما أمر أهل الذمة بالتمييز عن المسلمين في شعورهم وملابسهم فيه مسألتان، المسألة الأولى هل يشرع ذلك استحبابًا بالتمييز للفقير والفقيه من غيره فإن طائفة من المتأخرين استحبوا ذلك وأكثر الأئمة لا يستحبون ذلك بل قد كانوا يكرهونه لما فيه من التمييز عن الأمة بثوب الشهرة. أقول هذا فيه تفصيل في كراهته وإباحته واستحبابه فإنه يجمع من وجه ويفرق من وجه، ثم ذكر المسألة الثانية: أن لبس المرقعات والمصبغات والصوف إلى آخرها وهذه المسألة ليس النزاع فيها فلا حاجة إلى ذكرها هنا. فذكر –﵀- أن هذا استحباب طائفة من المتأخرين وأما أكثر الأئمة فإنهم لا يستحبون ذلك بل قد كانوا يكرهونه لما فيه من التمييز عن الأمة وبثوب الشهر وقد أعاذ الله شيخ الإسلام من التناقض في أقواله وأن ذلك لا يليق بإمامته وجلالته ومكانته من العلم، ثم تأمل ما تركه هؤلاء وحذفوه من كلام ابن وضاح حيث ذكر أن استحباب الرسم بالذؤابة لذي
[ ٣٥٢ ]
الولايات والمناصب والمشار إليهم من أهل العلم ليكون ذلك شعارًا لهم ولا يستحب ذلك لآحاد الناس فذكر أن هذا خاص بهؤلاء وأنه لا يستحب ذلك لآحاد الناس ثم أخذوا المعنى مما حذفوا وجعلوه رسمًا وشعارًا لكل أحد ممن يدخل في هذا الذين وإن لم يكونوا من أهل الولايات والمناصب والعلماء والخطباء فلم يتقيدوا من أهل الولايات والمناصب والعلماء والخطباء فلم يتقيدوا بما ذكره أهل العلم من المتأخرين وإن كان مرجوحًا ولم يقتدوا برسول الله –ﷺ- وأصحابه وسائر العرب في لباسهم من الأردية والعمائم الساترة لجميع الرأس وكونها محنكة بل جعلوا مكانًا ذلك عصائب جعلوا لها ذؤابة وظنوا أنهم قد أخذوا بالسنة في ذلك وليس هذا من السنة في شيء وقد تبين لك أن شيخ الإسلام ابن تيمية مع أكثر الأئمة لا يستحبون هذا الزي وهذا الشعار بل قد كانوا يكرهونه لما فيه من التمييز عن الأمة وتبين لك أيضًا من سياق الأحاديث وكلام العلماء أن هذا في إرسال الذؤابة لا في مشروعية العمامة لأنه قد كان من المعلوم عندهم أن لبس العمائم من عادة العرب في الجاهلية والإسلام وليست شعارًا لهم لأهل الولايات والمناصب والمشار إليهم من أهل العلم وإنما الشعار الخاص بهم الرسم بالذؤابة فقط.
[ ٣٥٣ ]
فصل: سنية التحنيك وذؤابة
وأما قوله: قال في "الإقناع"، وشرحه إلى آخر ما نقل فهذا كله ليس من كلام شيخ الإسلام الذي نقله لمنقور، وفيه، ويسن تحنيك العمامة إلى آخر ما ذكره عن ابن مفلح وهؤلاء لا يحنكون العصائب وقد ذكر أهل العلم أن تحنيك العمائم مسنون لأن عمائم المسلمين كانت كذلك على عهد رسول الله –ﷺ- وقد تقدم ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في "اقتضاء الصراط المستقيم" أنه قال
[ ٣٥٣ ]
قال الميموني: رأيت أبا عبد الله عمامته تحت ذقنه ويكره غير ذلك وقال العرب أعمتها تحت أذقانها وقال أحمد في رواية الحسن بن محمد يكره أن لا تكون العمامة تحت الحنك كراهة شديدة وقال إنما يتعمم بمثل ذلك اليهود والنصارى والمجوس. انتهى. فتبين لك من صنيع هؤلاء أنه لو كان المقصود منهم الاقتداء برسول الله –ﷺ- في هديه وفي لباسه لفعلوا كما فعل ولم يبتدعوا زيًا وشعارًا يخالف هديه فهذا ما تيسر لي من الجواب مع تكدر البال وكثرة الاشتغال والله يقول الحق وهو يهدي السبيل وحسبنا الله ونعم الوكيل وصلى الله على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين الحمد لله وحده.
تنبيه: ذكر الشيخ صديق بن حسن في كتابه "الدين الخالص" في صفحة سبع وأربعين وستمائة على قوله –ﷺ- في حديث ركانة أن النبي –ﷺ- قال "فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم على القلانس" رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب إسناده وليس بالقائم. انتهى. وفيه دلالة على أن الكفار والمشركين يستعملون العمائم بلا قلنسوة وأن المسلمين زيهم أن يلبسوها عليها وليس فيه أن لبس القلانس ممنوع بل فيه فضيلة العمامة عليها وأن لا يكون الاقتصار على واحد منهما أبدًا بل يجمع بينهما ويتميز عن أقوام لا يلبسون العمائم أصلًا ويقنعون على القلانس فقط كالنصارى ومن ضاهاهم من أجيال أخرى وعن أرهاط لا يلبسون القلانس بل يستعملون العمائم فقط كالهنود ومنهم من لا يلبس قلنسوة ولا عمامة بل يبقى مكشوف الرأس أبدًا كأناس بنجالة في الهند ومنهم من يجمع بينهما لكن على زي الأعاجم دون العرب ومراده –ﷺ- بالعمائم في هذا الحديث هي التي كان يلبسها هو وأصحابه وتابعوهم وهي مضبوط مصرح
[ ٣٥٤ ]
بها في كتب السنة المطهرة طولًا وعرضًا مع بيان شأن الربط وما يتصل به قال المجزي: قد تتبعت الكتب لأقف على قدر عمامة النبي –ﷺ- فلم أقف حتى أخبرني من أثق به أنه وقف على كلام النووي أنه كان له –ﷺ- عمامة قصيرة هي سبعة أذرع وعمامة طويلة ومقدارها اثنا عشر ذراعًا قال في "المرقاة" فتعمم على القلانس وهم يكتفون بالعمائم. انتهى. وأما اليوم فإني رأيت العرب ومن يساكنهم في الحرمين الشريفين أدام الله شرفهما أحدثوا لها أشكالًا غير الشكل المأثور وأفرطوا فيها وفي غيرها من اللباس والثياب حتى خرجوا عن زي الإسلام السالف واختاروا ما شاءوا من القلانس والعمائم قال علي القاري في حق أهل مكة في زمنه: عمائم كالأبراج وكمائم كالأخراج. انتهى. وما أصدقه في هذه المقالة فقد وجدناهم كذلك بل وجدناهم فوق ذلك لأنه مضى على زمنه مئون وللدهر في عصر فنون وشئون كما قيل في كل بلد من بلادهم مائة مشيئة ومائة لسان ولا يقف عند حد أحد من نوع إنسان وما شاء الله كان. انتهى.
فبين –﵀- أن اسم العمامة لا يقع إلا على ما كان يلبسه رسوله –ﷺ- وأصحابه والتابعون وغير ذلك المحدث من العمائم التي أحدثت بعد ذلك وجعل لها أشكالًا غير الشكل المأثور فهي من المبتدعات المحدثة التي تخالف زي العرب وما كان عليه رسول الله –ﷺ- وأصحابه والله يقول الحق وهو يهدي السبيل وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه والتابعين والحمد لله رب العالمين.
"تم بحمد الله"
[ ٣٥٥ ]