التوسل المشروع هو التقرب إلى الله تعالى بالأعمال الصالحات والقربات والطاعات، كما يتوسل بدعاء الحي الصالح، وبالأسماء والصفات، أو بعملٍ صالح من المتوسل، أما التوسل البدعي فهو التوسل بشيء لم يرد في الشرع، والشركي هو اتخاذ الأموات وسائط بين الله وبين عباده، أو طلب الحوائج منهم ونحو ذلك.
[ ٧ / ١ ]
أنواع التوسل وأحكامه
الحمد لله، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، ﷺ وآله، ورضي الله عن صحابته والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: قال المؤلف حفظه الله تعالى: [تاسعًا: الوسيلة المأمور بها في القرآن هي ما يقرب إلى الله تعالى من الطاعات المشروعة، والتوسل ثلاثة أنواع: الأول: مشروع: وهو التوسل إلى الله تعالى بأسمائه وصفاته، أو بعمل صالح من المتوسل، أو بدعاء الحي الصالح.
الثاني: بدعي: وهو التوسل إلى الله تعالى بما لم يرد في الشرع، كالتوسل بذوات الأنبياء والصالحين أو جاههم، أو حقهم، أو حرمتهم ونحو ذلك.
الثالث: شركي: وهو اتخاذ الأموات وسائط في العبادة، ودعاؤهم وطلب الحوائج منهم والاستعانة بهم ونحو ذلك].
[ ٧ / ٢ ]
مفهوم التوسل
الشرح: هذا الموضوع من أخطر الموضوعات على عقائد الأمة، وهو مما يكثر فيه الاشتباه واللبس والتلبيس من قبل كثير من أهل الأهواء وهو موضوع التوسل، فالتوسل هو التقرب، والتوسل إلى الله هو التقرب إليه، والتقرب محض عبادة أو عبادة خالصة، وعلى هذا فالتوسل المأمور به في كتاب الله وما صح عن رسول الله ﷺ في هذا الباب هو كل ما يقرب إلى الله ﷿ مما شرعه الله وشرعه رسوله ﷺ من أنواع الطاعات، والله ﷿ شرع من التوسلات والتقربات والعبادات ما يشبع غريزة الإنسان وروحه وعقله ووجدانه وعواطفه، ويملأ قلبه ويعمره بعبادة الله وطاعته ومحبته ورجائه، فلا يحتاج البشر إلى أن يلجئوا إلى وسائل ووسيلة غير مشروعة؛ فإن في المشروع كفاية، وعلى هذا فإن التوسل أو التقرب المأمور به في القرآن والسنة هو ما يقرب إلى الله ﷿ من الطاعات المشروعة وهو ثلاثة أنواع:
[ ٧ / ٣ ]
التوسل المشروع
النوع الأول: هو التوسل إلى الله ﷿ بأسمائه وصفاته، وهو أن تدعو الله سبحانه بأسمائه وتتوسل إليه وتتعبد له بذلك من قلب موقن بأن الله مجيب وأن الله على كل شيء قدير بحيث لا يتطلع قلبك إلى اللجوء إلى غير الله، فتعمر قلبك باليقين والإنابة وبمحبة الله ورجائه وخوفه فحين تملأ قلبك بالإنابة واليقين وبأن الله مجيب قادر على كل شيء، فمن هنا تتوسل إلى الله بأسمائه وصفاته.
النوع الثاني: التوسل بأعمالك التي تتقرب بها إلى الله بعباداتك وأعمال القربات، فتدعو الله أن يأجرك أو تدعو الله ﷿ أن يجلب لك نفعًا أو يدفع عنك ضرًا، تدعوه بأعمالك التي عملتها فتقول: اللهم إني أسألك بصلاتي أن تدفع عني هذا الضرر، أو اللهم إني أسألك بمحبتي لرسولك ﷺ؛ لأن محبة الرسول ﷺ من أعظم القربات، بل هي أعظم محبة بعد محبة الله سبحانه، فيشرع أن تقول: اللهم بمحبتي لرسولك ادفع عني هذا الضر أو يسر لي أمري أو نحو ذلك، أي: تتوسل إلى الله ﷿ بعمل عملته قلبيًا أو لسانيًا أو من عمل الجوارح، وهذا ما ورد تفصيله ومثاله في قصة الثلاثة أصحاب الغار الذين انطبقت عليهم صخرة فكل منهم دعا الله ﷿ بما كان يتقرب به إلى الله بأعظم عمل يرجو به الفرج من الله، فواحد دعا بقربته ببر والديه، وآخر ببعده عن الفاحشة إلى آخره، فتقربوا إلى الله بأعمالهم سواء كانت فعل القربات أو ترك المنهيات، كل هذه قربات إلى الله.
فهذا العمل هو من الأمور المشروعة وبابه واسع لا ينتهي؛ لأن المسلم فيما بينه وبين ربه أعمال قلبية ولسانية وأعمال جوارح لا تتناهى.
النوع الثالث: دعاء التقرب أو طلب الدعاء من الصالحين وهذا مشروع بشروطه وضوابطه، وأهم شروطه: ألا تكثر من طلب دعاء الصالحين بحيث يكون الطلب في دعاء الصالحين عند الضرورة أو مناسبة أو في ظرف مهيأ كأن يكون هذا الرجل الصالح في مكان فاضل أو سيعمل عملًا فاضلًا أو في عبادة خالصة أو يكون على وشك سفر؛ لأن دعاء المسافر مجاب إلى آخره، فهذا النوع مشروع لكن الإكثار منه ليس بمشروع؛ لأسباب من أهمها أن ذلك يؤدي إلى الاتكال وعدم لجوء الإنسان بنفسه إلى ربه ﷿.
الأمر الثاني: أن هذا يخلط بالأنواع البدعية التي سيأتي ذكر نماذج منها.
ثم إن التوسل أنواعه: النوع الأول: هو التوسل المشروع الذي ذكرت أقسامه سابقًا، وهذا مشروع بل مأمور به، بل هو من محض العبادة لله ﷿، والأنواع الثلاثة التي ذكرتها قبل قليل هي أنواع التوسل المشروع وهي كثيرة جدًا يستغني بها المسلم عن اللجوء إلى الأنواع المشتبهة أو البدعية أو الشركية لا قدر الله، لأن التوسل إلى الله أن تدعوه بأسمائه وصفاته وأفعاله وكذلك الدعاء بالتقرب إلى الله بعملك أنت لا بعمل غيرك، والنوع الثالث أن تطلب من الصالحين الدعاء لك، أما طلب الدعاء فإنه لا يلزم أن يكون دائمًا ممن هم على الكمال في الصلاح؛ لأن الكمال صعب، لكن ممن قد يكون في دعائهم لك خصوصية أو أحرى بأن يكون دعاؤهم لك مجابًا مثل الوالدين والأقارب والرحم الذين تصلهم، ومثل الناس الذين تبرهم وتحسن إليهم هؤلاء لا مانع أن تطلب منهم الدعاء ولو لم يكونوا على درجة كاملة في الصلاح، بل لو طلبت من أي مسلم أن يدعو لك في مثل هذه الظروف لجاز، لكن الرجل الصالح أحرى بأن يقبل دعاؤه.
[ ٧ / ٤ ]
التوسل البدعي
أما النوع الثاني من التوسل: فهو البدعي وهو غير مشروع لكن لا يصل إلى حد الكفر أو الشرك الذي يخرج صاحبه من الملة، والتوسل البدعي هو التقرب إلى الله ﷿ بما لم يرد به الشرع ما لم يكن شركًا، كالتقرب بذوات الأنبياء عدا النبي ﷺ في حياته؛ لأن الصحابة كانوا يتبركون به، وهذا التبرك من حيث دخوله في معنى التوسل فيه تفصيل؛ لأن التوسل أحيانًا يقصد به التبرك، فمن هنا فإن التبرك بذات النبي ﷺ مشروع في حياته وما بقي منه بعد وفاته، ولاشك أنه بعد وفاة النبي ﷺ بثلاثة قرون لم يعد هناك أشياء بقيت، فمن هنا ينقطع هذا النوع من التبرك، وقد يسميه بعض الناس توسلًا؛ لكن التوسل بالذوات سواء ذوات الأنبياء والصالحين أو بجاههم أو حقهم أو حرمتهم ونحو ذلك كله من البدعة، فأنت حين تقول: اللهم إني أسألك بحرمة فلان، أو اللهم إني أسألك بعمل فلان الرجل الصالح أو النبي أو غيره، أو تقول: اللهم إني أسألك بجاه الولي فلان أو النبي فلان؛ كل هذا لا يجوز لأنه بدعة لم يرد به الشرع، ولأن هؤلاء وغيرهم جاههم لهم وحقهم حق لهم وحرمتهم لا يتعدى نفعها للآخرين إلا بإذن من الشرع ولو جاء به الشرع كان على العين والرأس.
فلذلك لما جاء الشرع بالتبرك بذات النبي ﷺ وأشيائه أخذناها دون أن نماري في ذلك أو نجادل؛ لأنه جاء به الشرع، فهذه خصوصية له ﷺ، لكن بالنسبة للتوسل والتقرب فإنه لا يجوز للإنسان أن يتقرب إلى الله أو يطلب إلا بما جاء في التوسل المشروع.
إذًا: طلب الانتفاع أو دفع الضر بجاه الآخرين أيًا كانوا أو بحقوقهم أو بحرمتهم أو بذواتهم أو بالأشياء أيضًا حتى ولو لم يكن من العقلاء أو المكلفين أو الصالحين، كالتقرب إلى الأحجار أو الأشجار أو نحو ذلك ما لم يكن شركًا فهو بدعة.
[ ٧ / ٥ ]
التوسل الشركي
النوع الثالث: التوسل الشركي: وهو صرف نوع من أنواع العبادة لغير الله ﷿ وأكثر ما يقع فيه المشركون وهو الذي عليه أكثر أهل الجاهلية الذين بعث فيهم النبي ﷺ وعدهم من المشركين هو اتخاذ الوسائط في العبادة من دون الله، كما قال الله عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، زعمًا منهم أن هذه الوسائط أقرب إلى الله من ملائكة أو نبيين أو صالحين أو حتى أشجار أو أحجار أو مزارات أو مشاهد أو غيرها، ويزعمون أن لها مكانة عند الله ﷿ فيوجهون العبادة لها لتقربهم إلى الله ولتتوسط لهم عند الله، فهذه الوسائط هي معبودات، وفعلهم شرك، لأنهم حينما قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، حكم الله بشركهم بنص كتاب الله ﷿ وبأنهم أشركوا بهذه الوسيلة.
فالتوسل الشركي أو أكثر ما يقع هو في اتخاذ الوسائط من دون الله، وكثير من المشركين يزعمون أنهم لا يعبدون هؤلاء عبادة خالصة لكن يعبدونهم من أجل أن يقربوهم إلى الله أو يدعونهم دعاء فيما لا يجوز إلا لله من أجل أن يقربوهم إلى الله، ومنهم من يقصر العبادة على هؤلاء، ومنهم من يشرك في العبادة بأن يعبد الله من وجه، ويعبد هذه المعبودات من وجه آخر، وهذا كله شرك، سواء وجه العبادة لهذه المخلوقات من دون الله أو أنه يعبد الله أحيانًا ويعبد هذه المخلوقات أحيانًا كما هو حال المشركين، إذا مسهم الضر دعوا الله وحده وإذا أمنوا أشركوا به، فهذا صنف من أصناف الشرك.
كما يكون الشرك بدعائهم من دون الله وطلب الحوائج من جلب نفع أو دفع ضر مما لا يقدر عليه إلا الله من الاستعانة بهم ونحو ذلك، ومن أنواع الشرك التي يقع فيها كثير من الأمم ويقع فيها أفراد من أصحاب الفلسفات والعباد الذين يسلكون مسالك العبادة يكون عبر التفكر لا عبر الممارسات، كأن يوجهوا عقولهم وقلوبهم إلى غير الله ولو لم يعملوا بطقوس أو عبادات مباشرة وذلك كله من شرك أصحاب الحلول والاتحاد ووحدة الوجود وشرك كثير من مشركي الفلاسفة وكثير من أصحاب الاستكبار عن التوجه إلى الممارسات التي تمثل الطقوس، والطقوس هي ممارسة العبادة العملية.
ولا يلزم من الشرك أن يكون بممارسة عملية فقط، إما دعاء لساني أو عمل سجود أو ركوع لغير الله ونحو ذلك بل قد يكون الشرك بأن تتوجه القلوب والعواطف إلى غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله.
وقد يقع في الشرك بعض الفرق وبعض الأفراد الذين ينتسبون للإسلام، ولذلك يجب على المسلمين أن يناصحوا هذا الصنف ويبينوا لهم خطورة هذا المسلك حينما يدعون الموتى من دون الله أو يدعون الأحياء أو الأموات أو المزارات والآثار والمشاهد ويدعونها من دون الله أو يصرفون لها نوعًا من العبادة كالسجود أو الركوع أو الصلاة أو الطواف، وهذا من الشركيات الظاهرة في بعض بلاد المسلمين التي قد يغفل عنها من يشاهدون هذه الشركيات، إما لأنهم اعتادوها واستمرءوها فلم يعتقدوا أنها شركيات، أو أنه لم يقع في خلدهم أن هذا من أنواع الشرك، فمن جهل المسلمين اليوم من يظن أن هذه الأمور ليست شركًا فيقع فيها أو يقرها جهلًا منه، فينبغي التنبه لمثل هذه الأعمال أو عندما يوجه أي إنسان العبادة لغير الله سواء بلسانه مثل الدعاء أو بجوارحه من سجود أو ركوع أو طواف أو غيره، فإنه ينبغي أن ينكر هذا الشرك ويبين خطورته، وقد يكون بعض الجهلة لو نبه لانتهى عن ذلك، بل ما أظن مسلمًا يعرف أن هذه الأعمال خطيرة على دينه وعقيدته وأنها قد توقعه في الشرك إلا وسينتهي إذا أنكر عليه بالرفق.
وهناك أمر يقع فيه كثير ممن ينكرون هذه المنكرات وهو أنهم قد يستعملون أساليب فيها نوع من الاستفزاز والتنفير بدعوى أن هذا الشرك شنيع، وهذا لا يبرر أن ينكر عليه بالعنف؛ لأن النبي ﷺ قال: (إن الله ليعطي بالرفق ما لا يعطي بالعنف)، ولأن النبي ﷺ قال: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه)، فأهيب بكل مسلم يرى من بعض المسلمين بعض هذه المظاهر وإن كانت شديدة وشنيعة أن يرفق بهم ويبين لهم وجه الحق بأسلوب لين ناصح مشفق، وأن يغير من الأساليب إذا وجد أن أسلوبه لا يناسب أو لا يطاع فينبغي أن يغير ويوجه الناس بشيء من الرفق والرزانة والهدوء، فليس عليه أن يهدي الخلق لأن الهداية بيد الله ﷿ وإنما عليه النصح والبيان.
[ ٧ / ٦ ]
قاعدة في البركة والتبرك
قال المؤلف حفظه الله تعالى: [عاشرًا: البركة من الله تعالى، يختص بعض خلقه بما يشاء منها، فلا تثبت في شيء إلا بدليل.
وهي تعني كثرة الخير وزيادته أو ثبوته ولزومه.
وهي في الزمان: كليلة القدر، وفي المكان: كالمساجد الثلاثة.
وفي الأشياء: كماء زمزم.
وفي الأعمال: فكل عمل صالح مبارك.
وفي الأشخاص: كذوات الأنبياء، ولا يجوز التبرك بالأشخاص لا بذواتهم ولا آثارهم إلا بذات النبي ﷺ، وما انفصل من بدنه من ريق وعرق وشعر، إذ لم يرد الدليل إلا بها، وقد انقطع ذلك بموته ﷺ وذهاب ما ذكر.
الحادي عشر: التبرك من الأمور التوقيفية، فلا يجوز التبرك إلا بما ورد به الدليل].
البركة هي النمو والزيادة وتعدي النفع، والنفع المتعدي إلى الغير من الأمور التوقيفية، فلا يجوز التماس البركة أو النفع إلا بما ورد به الدليل، والمقصود بذلك أن تعدي أو خروج المنفعة من ذات إلى أخرى أو من شخص إلى آخر المنفعة الغيبية وليس المنفعة المادية التي يعطيها الإنسان إنما المنفعة التي هي البركة التي يهبها الله لمن يشاء، هذه المنفعة غير متعدية إلا ما ورد الشرع أن فيه منفعة أو بركة متعدية، فعلى هذا فالتبرك هو التماس البركة والتماس الانتفاع من شيء على وجه غيبي، وجميع الأمور الغيبية توقيفية لا يجوز أن نقول بها إلا بدليل، فلا يجوز التبرك يعني: التماس البركة والنفع الغيبي إلا بما ورد به الدليل من القرآن والسنة.
والبركة أي: النفع المتعدي من ذات إلى ذات أو من شيء إلى شيء غير المنظور وغير النفع المادي، لأن المادي يحتاج إلى تقرير لكن النفع غير المنظور والانتفاع من شيء إلى شيء ومن شخص إلى شخص، الانتفاع المتعدي هو البركة فهذه من الله ﷿ يهبها لمن يشاء وفيما يشاء من الأشخاص والأشياء، وعلى هذا لابد من دليل، فالله ﷿ يختص بعض خلقه بالبركة المتعدية للآخرين، فيختص بعض خلقه سواء من أشخاص أو من أشياء فيما يشاء من البركة، والبركة أنواع فلا تثبت في شيء إلا بدليل، وعلى هذا فإذا كانت البركة تعني كثرة الخير وتعديه للآخرين أو حتى ثبوت البركة ولزومها إلى شيء غير متعدٍ، فإذا عرفنا أن هذا لا يكون إلا بدليل، فلنلتمس الأدلة والأشياء التي ورد فيها بركة بالأدلة، وهذا يعرفه أهل العلم، والله ﷿ قد بين لنا من خلال ما قاله الرسول ﷺ الأشياء المباركة جملة وتفصيلًا.
ففي الأزمنة نجد ليلة القدر ليلة مباركة بالنص ويوم عرفة يومًا مباركًا، وليالي عشر رمضان وأيام عشر ذي الحجة مواسم مباركة، وكذلك شهر رمضان موسم مبارك، كل هذه وردت فيها النصوص، فالأزمان التي وردت فيها النصوص وأنها مباركة فنقف عند النوع أيضًا من البركة ما هذا النوع من البركة أحيانًا تكون البركة في الزمان وفي الأعمال الصالحة التي تجري فيه، وأغلب ما يجري من البركة في الزمان في ما يكون عظيمًا في الأعمال الصالحة التي تجري فيه، وأحيانًا تكون البركة من وجه مضاعفة الأعمال ومن وجه أن الله ﷿ يقدر فيه أقدارًا خيرًا للأمة.
فليلة كليلة القدر هذا في الزمان، وفي الأمكنة في المساجد الثلاثة مباركة من حيث أنها تضاعف فيها الحسنات، ومن حيث أن لها حرمة تخصها وتضاعف فيها الحسنات، إما مضاعفة مطلقة أو مضاعفة الصلاة كما ورد في النصوص على خلاف بين أهل العلم، وكذلك هناك أشياء ليست زمانًا مطلقًا ولا مكانًا مطلقًا، لكن هناك أشياء مباركة وبركته متعدية، مثل: ماء زمزم مبارك وهو لما شرب له، وقد وردت النصوص الصحيحة في ذلك عن النبي ﷺ، وكذلك وردت البركة في أشياء مثل السحور، كما قال النبي ﷺ: (تسحروا فإن في السحور بركة)، وهذه البركة مطلقة صحية وغير صحية، معنوية وحسية، وكذلك القرآن كلام الله مبارك، ففيه هدى للقلوب، وفيه نور وصلاح، وفيه شفاء للنفوس والقلوب والأرواح وفيه شفاء للأجسام، فهذه بركة متعدية في كلام الله ﷿ وهو القرآن، وكذلك في الأعمال، فكل عمل صالح مخلص لله كلما يعمله المسلم من عمل صالح بإخلاص فهو مبارك وبركته له لا تتعدى إلى غيره؛ لأن البركة فيها ما هو متعدٍ وفيها ما هو غير متعدٍ فبركة ماء زمزم متعدية، لكن العمل الصالح مبارك وينفع صاحبه ولا ينفع غيره.
وفي الأشخاص كذوات الأنبياء مباركة، وذات النبي ﷺ خصت بالبركة.
ولذلك فإن ذوات الأنبياء مباركة ولكن لا يجوز التبرك بها، وورد أن ذات النبي ﷺ وأشياءه مباركة ولا يجوز التبرك بها، لورود النص، ولأن الصحابة ﵃ كانوا يتبركون بذات رسول الله ﷺ بجسمه ولباسه وشعره وكلما يخرج منه، بل حتى في أشيائه بخاتمه وبسيفه وبكل ما يتناوله النبي ﷺ من الأشياء والأثاث وغيره، فهذه البركة متعدية وقد وردت بها النصوص، والصحابة عملوها وأقرهم على ذلك النبي ﷺ وكانوا يتزاحمون على أشياء رسول الله ﷺ وذاته تبركًا فعليًا مباشرًا، فهي بركة متع
[ ٧ / ٧ ]
أحكام زيارة القبور
قال المؤلف حفظه الله تعالى: [الثاني عشر: أفعال الناس عند القبور وزيارتها ثلاث أنواع: الأول: مشروع: وهو زيارة القبور؛ لتذكر الآخرة، وللسلام على أهلها، والدعاء لهم.
الثاني: بدعي ينافي كمال التوحيد: وهو وسيلة من وسائل الشرك، وهو قصد عبادة الله تعالى والتقرب إليه عند القبور، أو قصد التبرك بها، أو إهداء الثواب عندها، والبناء عليها، وتجصيصها وإسراجها، واتخاذها مساجد، وشد الرحال إليها، ونحو ذلك مما ثبت النهي عنه، أو مما لا أصل له في الشرع.
الثالث: شركي ينافي التوحيد: وهو صرف شيء من أنواع العبادة لصاحب القبر: كدعائه من دون الله، والاستعانة والاستغاثة به، والطواف والذبح والنذر له ونحو ذلك].
موضوع التوسل والتبرك يتفرع عنه أعمال يقع فيها الكثيرون، وأكثر ما يكون من هذه الأعمال ما يجري حول القبور؛ لأن الناس قد تستعطف عواطفهم تجاه أمواتهم ويستغل كثير من الجهلة أو المرتزقة أو أهل البدع عاطفة الولاء بين الأحياء وبين موتاهم، فيدخلون كثيرًا من وجوه الأعمال غير المشروعة عند القبور وبعضها قد يكون من البدع المغلظة، وبعضها قد يكون من التبرك البدعي غير المشروع وكل هذا يقع؛ لأن الناس عند زيارتهم للقبور يجدون من أصناف المغريات ومن الوقوع في هذه المنهيات الشيء الكثير بعدما أسرجت القبور واتخذت فوقها القباب والمساجد ووضعت عندها الأوقاف والمنافع، فالإغراءات بالوقوع في البدع والمنهيات كثيرة جدًا، ومن أعظم الإغراءات أن هناك من ينتفعون ببدع القبور، وقد رأينا الذين ينتفعون ببدع القبور من استدرار الأموال من العامة بل من الفقراء، فالفقير قد يعيش زمنًا طويلًا ليحصل دريهمات فيذهب بها عند سادن القبر فيضعها في القبر من أجل أن يمكنه سادن القبر أن يدخل على ذلك الميت فيتوسل إليه أو يدعوه من دون الله أو يتبرك به ليجلب له نفعًا أو يدفع عنه ضرًا، وهذه مهلكة في الدين والدنيا، فهذا الفقير المسكين ربما يكون خسر عقيدته وخسر ماله، وذاك المنتفع الدجال الذي ربما تمسح باسم الدين ولبس لباس الأولياء، وفي الغالب أنه يكون من الكاذبين.
فهذه مأساة من مآسي المسلمين الكثيرة، وهي من أعظم أسباب ذلهم وهوانهم وفرقتهم وتنازعهم الذي هو سبب الفشل؛ لأن الله ﷿ قال: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:٤٦]، والتنازع أعظمه التنازع في الدين والعقيدة والتنازع في عبادة الله ﷿.
إذًا: أفعال الناس عند القبور وزيارتها على ثلاثة أنواع:
[ ٧ / ٨ ]
زيارة القبور الشرعية
النوع الأول: مشروع وهو الذي عليه عامة المسلمين وغالبهم، وهو الذي كان عليه النبي ﷺ وصحابته والتابعون وسلف الأمة وغالب المسلمين الذين هم على الفطرة ولم تجتذبهم البدع والأهواء، غالبهم على هذا الأصل وهو الزيارة المشروعة التي هي من القربات، تزور أصحاب المقابر وتخص وتعم من أجل السلام ﵈ المشروع، كأن تقول: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، يغفر الله لنا ولهم) ونحو ذلك من الأدعية المشروعة أو ما يناسب ذلك من الدعاء الذي لا يكون فيه عدوان ولا ابتداع، فالسلام حق للأموات وينبغي أن يكون عامًا وخاصًا، فإذا جئت إلى المقبرة فسلم سلامًا عامًا، وإذا مررت بالمقبرة حتى ولو لم تدخل ولم تلج فينبغي لك أن تسلم على الأموات عمومًا، والله ﷿ يبلغهم أو يعطيهم المقدرة على إبلاغ السلام ورده.
الأمر الثاني: أن زيارة القبور شرعت من أجل الاتعاظ وتذكر الآخرة، وفي هذين الغرضين ما يشبع رغبة المسلم تجاه إخوانه الأموات؛ لأن تعلق المسلم بالأموات من هاتين الناحيتين، من حيث أن ينفعهم فينفعهم بالدعاء، ومن ناحية أن ينتفع بحالهم فينتفع بالاتعاظ؛ لأن المسلم إذا مر بأهل المقابر وتصور ما هم عليه وأن منهم من هو على خير، ومنهم من قد يكون على أمر خطير، فيتذكر أنه قد يكون من ضمن هذا الصنف الذين فارقوا الدنيا وأنه رهين هذه الحفرة وهي القبر، وأنه سيجري له ما جرى لهم، فمن هنا يتذكر ويلين قلبه ويخشى الله ﷿ ويخاف الله ثم يتقرب إلى الله؛ ولذلك كان كثير من الصالحين لا يكتفي بمجرد زيارة المقابر مع أن في هذا كفاية من حيث الاتعاظ، لكن ربما يلقي بنفسه في القبر ثم يبدأ يحاسب نفسه وكأنه هو الميت أو كأنه سيدفن قريبًا، وبعضهم يريد أن يروض قلبه على الاتعاظ والتقرب إلى الله ﷿ وتذكر الموت والآخرة، فيحفر قبره بيده ليكون أكثر تهيأ، وهذه كلها من الأمور المشروعة.
إذًا: زيارة القبور المشروع فيها الكفاية من السلام والدعاء على الأموات وتذكر الآخرة.
[ ٧ / ٩ ]
زيارة القبور البدعية
النوع الثاني: زيارة بدعية تنافي كمال التوحيد، بحيث لا تخرج صاحبها من الإسلام ولا يقال: إنه أخل أو أنه عمل ما يناقض التوحيد لكن ينقص التوحيد ويقع في البدع وربما يكون هذا النوع وسيلة من وسائل الوصول إلى الشرك، بل من أسباب وقوع طوائف من جهلة المسلمين في الشرك.
ومن النوع البدعي: ارتكاب بدع في زيارة الأموات وفي المقابر وزيارة القبور، وهو أن يقصد عبادة الله ﷿ أو التقرب بأي قربة لله ﷿ عند المقابر أو عند الأموات أو عند القبور، وربما تكون الوسائل لهذا هي الظاهرة عند كثير من الناس، والوسائل التي توقع في بدع القبور هي التي نهى عنها النبي ﷺ أشد النهي وهي رفع القبور بحيث يشرئب إلى نفس الرائي فيعظم في قلبه هذا القبر، وكذلك البناء عليها سواء كان البناء على شكل جدر أو على شكل قباب، أو بناء المساجد عليها، كل ذلك مما نهى عنه النبي ﷺ نهيًا صريحًا؛ بل هو من الأمور التي حذر منها النبي ﷺ في مرض موته فقال: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، فاتخاذ القبور مساجد بأن يدفن الميت في القبر أو يبنى عليه مسجدًا أو تعمل القربات والعبادات عند القبور حتى لو لم يكن عليه مسجد ولا بناية.
فالوسائل التي تعمل عند القبور هي التي أغرت بعض الجهلة بالوقوع في التوسل البدعي والشركي من اتخاذ القبور مزارات على غير الوجه المشروع، من بناء القباب والأبنية والمشاهد عليها أو دفن الموتى في المساجد أو نحو ذلك من الوسائل التي تغري الناس بالوقوع في البدع.
فهذه الأمور المغريات أوقعت الناس في التقرب إلى الله عند القبور حتى أن المتقرب لا يقصد عبادة الأموات ولا يدعوهم من دون الله، لكن يظن أن في العبادات عند المقام مزية، فتجده يقرأ القرآن عند المقبرة زعمًا منه أن هذا أعظم لأجره أو يهدي ثواب القرآن إلى الأموات وهذا أقرب إلى البدعة، وبعضهم يقول: أنا أصلي لله لكني أصلي في المقبرة؛ لأن الذين في المقبرة من موتى المسلمين نرجو أن يشفعوا لنا إلخ، فيصلي لله لكنه يقصد البقعة زعمًا منه أن هذا فيه زيادة بركة أو يعمل قربات أخرى عند القبر زعمًا منه أن هذا يضاعف الحسنات، فقد يتصدق عند القبور ويضع المياه والأوقاف للناس الذين يعملون البدع.
فهذا كله مما هو من التوسل أو التقرب البدعي الذي أدى إلى الوقوع في الشركيات، لأن التقرب إلى الله ﷿ عند القبور فيما لم يشرعه الله بدعة، وكذلك قصد التبرك بها وإهداء الثواب عندها والبناء عليها وتجصيصها وإسراجها واتخاذها مساجد وشد الرحال إليها، بأن يتقصد الإنسان أن يسافر من أجل زيارة قبر أو زيارة مقابر، فهذا كله غير مشروع، إنما المشروع أنه إذا مر بالمقبرة يسلم على أهلها، أما أن يشد الرحال لذلك فالراجح أن هذا لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ نهى عن شد الرحال إلا للمساجد الثلاثة، وكلما ثبت النهي عنه وجب اجتنابه، فإن كان دون الشرك فهو من هذا النوع الذي ينافي كمال التوحيد.
فما لم يكن له أصل في الشرع من الأقوال أو الأفعال أو التوجهات القلبية أو القولية أو غيرها عند المقابر وسواء كان قبرًا فرديًا أو مقابر جماعية فإنه يدخل في هذا النوع.
[ ٧ / ١٠ ]
زيارة القبور الشركية
النوع الثالث: وهو شركي ينافي التوحيد ويوقع في الخروج من الملة، وهو صرف العبادة لأصحاب القبور وللموتى، لفرد أو لجماعة، إما بدعائهم من دون الله أو الاستعانة بهم بعد موتهم؛ لأنهم لا يقدرون على جلب نفع ولا دفع ضر، أو الاستغاثة بهم أو عمل عبادة محضة مثل الطواف أو النذر أو الذبح تقربًا إليهم، كل ذلك يدخل فيما ينافي التوحيد بل يوقع في الشرك، وهذه الصورة وإن كانت قليلة إلا أنها موجودة، وهي من أخطر ما يقع في المسلمين، ويجب على كل مسلم يرى مثل هذه المظاهر أن يحذر من يقعون فيها، فالدين النصيحة، ولا يجوز لأحد يرى من بعض المسلمين الجهلة يعمل هذه الأشياء إلا ويجب عليه أن ينقذه من النار وينصح له، فيبين له خطورة هذا الأمر؛ لأن الكثيرين ممن يقعون من الجهلة لو بين لهم وجه الحق وأوردت لهم الأدلة بأسلوب لين وناصح فإنهم إن شاء الله سيخضعون للحق.
فهذا النوع الشركي وإن كان قليلًا إلا أنه ربما يكون من أعظم أسباب ما وقعت فيه الأمة من هذه العقوبات والأدواء والأمراض والفرقة؛ لأنه لما وجه فريق من المسلمين عبادتهم لغير الله وإن كان على جهل؛ أدى ذلك إلى ضعفهم وهوانهم وذلهم، كما أدى عدم الإنكار على مثل هؤلاء الذين يقعون في مثل هذه المصائب إلى مثل هذه العواقب الوخيمة.
فلذلك ينبغي أن يتواصى المسلمون على التحذير من هذه الأنواع البدعية أو الشركية.
[ ٧ / ١١ ]
أحكام الوسائل التي لها حكم المقاصد
قال المؤلف حفظه الله تعالى: [الثالث عشر: الوسائل لها حكم المقاصد، وكل ذريعة إلى الشرك في عبادة الله أو الابتداع في الدين يجب سدها، فإن كل محدثة في الدين بدعة، وكل بدعة ضلالة].
الأصل في الدين أنه شرع من الله ﷿ سواء مما ورد في كتاب الله أو ثبت عن رسول الله ﷺ، فالدين كله عقيدة وأحكام وسلوك وتعامل فكل من شرع منه ما لم يأذن به الله فقد ابتدع، وكل محدثة أحدثها الناس وتدينوا بها وتقربوا بها إلى الله وهي ليست من القربات فهي مما يجب رده، وبعض الناس قد يقع في أمور تؤدي إلى البدعة أو الشرك وهو لا يشعر، فعلى هذا فجميع الأمور التي تكون وسيلة إلى الوقوع في البدعة أو وسيلة إلى الوقوع في الشرك فلابد من صدها، وعلى سبيل المثال: الاحتفالات السنوية إما بميلاد الابن أو بمناسبة دنيوية عامة، فيجعل الاحتفال بها التزامًا، فإذا التزم ذلك صار ذريعة إلى البدعة ويتقرر عنده أن هذا المعتاد يجب ألا يترك، ثم يأتي أجيال من الناس يعتبرون أن تركه خطأ، فمن هنا يتعبدون به من حيث لا يشعرون، وأعظم البدع سواء كانت بدعًا قولية أو غيرها بدأت من التساهل وقد لا يقصد الناس بداية الالتزام بها والتعبد، ولكن حين يلتزمونها ويلزمون أنفسهم يكون ذلك على سبيل التعبد، فمثلًا بعض المسلمين بدءوا يحتفلون برأس السنة الهجرية، وصار يهنئ بعضهم بعضًا وكأنه في عيد حتى أن بعضهم أصبح يطلق عليها لقب العيد.
فبعض الناس اتخذوا هذه ذريعة للبدعة، وبعضهم وقع في البدعة، أما الذي اتخذ الذريعة للبدعة فذلك الذي أصبح يهنئ ويحتفي بها مع أن أمر الهجرة مهم لكن أصبح يحتفي ويلتزم أنه في ذلك التاريخ ويهنئ من حوله بهذه المناسبة بل ويدعو إلى ذلك ويعتبر هذا من الأمور اللازمة، ثم بعد ذلك تأتي أجيال لا تتخلص من هذا الأمر فتتعبد به، والدليل على هذا أن كثيرًا من الناس إذا أنكرت عليه اعتبر هذا موقفًا غريبًا؛ لأنهم استمرءوا هذا الأصل فصار ذريعة للبدعة، بل وصل بعضهم إلى الابتداع.
وأحيانًا قد يتعبد بمناسبات لم تشرع كما شاع عند الناس أنه ما دام آخر السنة أو أول سنة التي تلي يوم الإثنين، فقالوا: نشجع ونحرض على صيامه، والبعض يقول: اختم عامك بصوم، فهذا أراد خيرًا لكنه وقع في بدعة، لأنه ما عرف قاعدة الشرع حينما دعا إلى صوم يوم يقصد به التعبد على أساس ذكرى لنهاية سنة أو بداية أخرى، فهذه بدعة لو التزمها الناس لكانت بدعة، وهكذا تساهل الناس في الأمور يجعلها تصل إلى البدع وهم لا يشعرون، ثم تأتي أجيال تجهل الغرض الطيب أو المقصد الحسن عند من بدءوا هذه الأمور، وأغلب البدع وغيرها جاءت من هذا التساهل، فلا يجوز للمسلمين أن يعيدوا ويتعبدوا بتعييد غير العيدين: عيد الفطر وعيد الأضحى، ولأن النبي ﷺ صرح بذلك، بل إن الأنصار لما استأذنوا النبي ﷺ في أن يأذن لهم بأيام يحتفلون بها ويفرحون فيها مع أبطالهم لم يأذن لهم وقصرهم على العيدين، وهذا توجيه للأمة كلها، فلا يجوز أن يعيد المسلمون بغير العيدين، ولذلك فإن الذين التزموا أعيادًا أو مناسبات على سبيل الدوام وصارت عندهم أشبه بالعقيدة بحيث لو تركها أو أنكرها يكون هو المخطئ فهذا قلب للمفاهيم ولو عكسوا لكان هو الصحيح.
نسأل الله للجميع التوفيق والسداد، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٧ / ١٢ ]
الأسئلة
[ ٧ / ١٣ ]
حكم التسمية بسبيل الله
السؤال
هل يجوز تسمية شخص لنفسه سبيل الله وهو قد يكون عرضة لأن يقال له: أخطأت يا سبيل الله، وأختلف معك يا سبيل الله، فهل هذا يليق؟
الجواب
الذي يظهر أن هذا الاسم غير لائق؛ لأنه من الشهرة ولفت النظر وقد يكون محل تندر، والمسلم ينبغي أن يبتعد عما يؤدي إلى شهرة تكون محل نقد من الناس أو سخرية، وأيضًا: أن سبيل الله أحيانًا نقصد به أمورًا لا ينبغي التسمي بها؛ لأن سبيل الله صراطه ودينه، فلا يسوغ أن يسمي أحد نفسه دين الله، فهذا غير لائق في الحقيقة وربما يكون فيه سوء أدب مع ما يجب لله ﷿.
[ ٧ / ١٤ ]
قبول الله تعالى للدعاء بعمل من الأعمال لا ينافي أجر العمل
السؤال
هل إذا دعا الإنسان الله تعالى بعمل من الأعمال الصالحة التي عملها واستجاب الله دعوته هل هذا يذهب أجر هذا العمل؟
الجواب
الظاهر والله أعلم أنه لا يذهب؛ لأن فضل الله واسع، بل ربما يزيد أجره، خاصة إذا دعا عند ضرورة، فإذا دعا المسلم ربه ﷿ في عمل بأن ينفعه بعمل صالح فأرجو أن يكون حسنًا، وإذا كان لا يزال مرتبطًا بالله ﷿ فيحتسب أجره أولًا وآخرًا على الله، فالراجح وما تقتضيه عموم النصوص أن سعة رحمة الله ﷿ وفضله على خلقه أنه إن شاء الله يبقى له الفضل إذا سأل الله بنفع عاجل.
[ ٧ / ١٥ ]
الفرق بين التوسل والاستغاثة
السؤال
فضيلة الشيخ! في مجتمعاتنا نرى كثيرًا من أفراده يخلطون بين لفظ التوسل ولفظ الاستغاثة فأرجو من فضيلتكم أن تبينوا لنا الفرق وجزاكم الله خيرًا؟
الجواب
التوسل والاستغاثة بينهما عموم وخصوص، فالتوسل قد يشمل الاستغاثة لكن الاستغاثة فيها خصوصية، فالتوسل هو التقرب بمعناه العام فكل تقرب يسمى توسلًا، فعلى هذا فإن عبادة الله ﷿ توسل، فدعاؤه بالعمل الصالح توسل دعاء، والتوسل هو التقرب بمعناه الواسع، بينما الاستغاثة هي نوع من الطلب وهي نوع من التوسل، وعلى هذا فإن الاستغاثة بالله توسل مشروع والاستغاثة بغير الله توسل بما لا يقدر عليه إلا الله.
[ ٧ / ١٦ ]
حكم الطواف حول القبور
السؤال
سائل يسأل عن الطواف على القبور؟
الجواب
الطواف بحد ذاته عبادة محضة وهذا هو الأصل فيه، أما طواف الناس عند القبور فهو لا يخلو من إحدى حالين: إما أن يقصدوا به التعبد فهذا شرك، فمن طاف بغير الكعبة تعبدًا فهذا شرك، وإما أن يكون من باب مسايرة الناس والطائف لا يدري يحدث من بعض الزوار مثلًا أو بعض الذين وفدوا على هذه الأماكن والمشاهد وهم لا يدرون خاصة السواح الذين لا يعرفون أسباب الطواف بهذه القبور فيدورون مع الناس وهم لا يدرون لماذا يدورون، فهذا ارتكب بدعة وذنبًا عظيم، لكن لا يقال بأنه أشرك؛ لأنه لا يدري أن هذه عبادة، ولم يتقصد العبادة.
[ ٧ / ١٧ ]
حكم جلوس الصالحين داخل القبور
السؤال
يسأل يقول: إن بعض الصالحين يحفرون القبر ويجلسون فيه؟
الجواب
هذه ليس هناك دليل قاطع فيها إلا فعل السلف؛ لأنها من الأمور التي لا تحدث على سبيل التعبد، وهذا مسلك شخصي لا نأمر به ولا نستطيع أيضًا أن ننكر على فاعله؛ لأنه لا يفعله على سبيل التعبد، وهو نوع من أنواع ترويض النفس، لكن لو فعله على سبيل التعبد فهو بدعة.
[ ٧ / ١٨ ]
ضابط شد الرحال إلى القبور
السؤال
شد الرحال لزيارة القبور ممنوعة، ولكن زيارة المسجد النبوي مشروعة فربما يقول قائل: إنه لو زرت المسجد النبوي سأزور النبي ﷺ هل يعتبر هذا من شد الرحال؟
الجواب
لاشك أن كل مسلم يتمنى أنه لو زار المدينة أن يسلم على النبي ﷺ بل يعزم على ذلك وهذا مشروع؛ لأنه إذا زار المدينة فإنه يجب عليه من الوفاء لحق النبي ﷺ وحق غيره من الصحابة وأصحاب المقابر من الأموات في البقيع وغيرهم أن يسلم، فكون الإنسان ينوي هذا الأمر ابتداء لا حرج، لكن لا ينشئ السفر، لأن إنشاء السفر لمسجد النبي ﷺ مشروع، فعلى هذا تداخل المشروع مع المشروع، والنبي ﷺ له حق الزيارة، فإذا وصلت إلى المدينة فيجب عليك بل يشرع لك أن تسلم على النبي ﷺ وصاحبيه وتسلم على جميع أصحاب القبور في المدينة وهكذا.
[ ٧ / ١٩ ]
بركة ماء زمزم
السؤال
هل البركة في ماء زمزم تكون في نفس المكان أم حتى إذا نقل من مكة؟
الجواب
الظاهر والله أعلم أن البركة في ماء زمزم باقية حتى لو نقل؛ لأنه لا يوجد دليل يخصص، وهذه الأمور موقوفة على الدليل، والنبي ﷺ حينما ذكر ذلك وهو المشرع والله ﷿ يعلم أنه ستأتي عند الخلق وسائل لنقل ماء زمزم متوفرة كما هي الآن في الطائرات وغيرها، بل حتى في القديم كان الناس وإن كان في حدودٍ ضيقة ينقلون زمزم إلى غير مكانه، فالظاهر والله أعلم أن البركة باقية في ماء زمزم حتى في غير مكة، لكن ربما اجتماع فضل الزمان وفضل المكان والذي هو مكة مع فضل الماء ربما يزيد البركة تأثيرًا.
[ ٧ / ٢٠ ]
بركة الوالدين في البيت
السؤال
عن صحة بركة الوالدين في البيت؟
الجواب
هذا وارد؛ لأن المقصود بصحة بركة الوالدين هو الانتفاع ببرهما وأيضًا ما عندهما من تجارب ومن حنو ومن عند الوالدين من جمع شمل الأسرة هذا كله أمور فيها بركة؛ لأن البركة أحيانًا يقصد بها مجرد وجود النفع فالبركة من هذا الوجه موجودة أن يكون في وجود الوالدين في البيت نفع للجميع، هذا لاشك فيه حتى أيضًا نفع ديني بمعنى احتساب من حولهما ببرهما وخدمتهما هذا فيه زيادة عمل صالح وهذا من البركة، نعم.
[ ٧ / ٢١ ]
حكم البرمجة اللغوية العصبية
السؤال
تسأل عن البرمجة اللغوية؟
الجواب
البرمجة العصبية لا تزال طارئة علينا، وقراءتي فيها قليلة لكن مما قرأته أن البرمجة العصبية تختلط فيها الحقيقة بالدجل، وتختلط التجارب بالأمور الوهمية والغيبيات، وتختلط فيها التجربة والانتفاع بالوسواس والأوهام، وهي لا تزال فيها غموض ونظر ولذلك نجد كثيرًا من الذين عندهم توهمات ووساوس أو تساهل في الدجل والتخرصات، يدخلون من خلال البرمجة العصبية ولا يعني ذلك أن نتهم كل من عمل هذا العمل، لأنني أعرف من الصالحين من استفادوا وأفادوا من هذه البرمجة، لكن مع ذلك على حد علمي الآن الذين يلجونها ليسوا كلهم على نهج سليم، وليس كل ممارساتها سليمة ولا حتى كل قواعدها التي قعدها أصحابها وأغلبهم من الذين مقاييسهم تختلف عن مقاييس المسلمين، فليست كلها سليمة، وفي الجملة أرى أنها تحتاج إلى تعريف، والله أعلم.
السؤال: لو أن المسلم له معصية ثم تاب منها لكنه لم يتلف آثارها سماع الأغاني، ثم أتلفت الأشرطة تقربًا إلى الله ﷿ أو توسلًا إليه في الدعاء، فهل يصح منه هذا؟ الجواب: التوبة من المعصية والإقلاع عن المعاصي ينبغي أن يصحبه التخلص من هذه الأشرطة وتبديلها بأشرطة أخرى، لكن لما لم يكن هذا ذنبًا تستغفر الله وتتوب إليه وفي إتلافه احتسابًا لله إن شاء الله مما يتقرب به ويعتبر من التوسل المشروع أن تتقرب إلى الله بإتلافها لمادة المعاصي ووسائلها.
[ ٧ / ٢٢ ]
زيارة النساء للمقابر
السؤال
ورد في الحديث أن النساء هن أكثر أهل النار، فلماذا لا يجوز لهن زيارة القبور؟ الشرح: مثل هذه الأمور توقيفية، فهي ليست بالعواطف ولا بمقاييس الناس، بل هذا من لدن الحكيم الخبير سبحانه والرسول ﷺ مشرع له، والنبي ﷺ نهى عن زيارة النساء للقبور، وفي هذا مصالح لهن في الدين والدنيا؛ لأن المرأة عاطفية وغالبًا أنها تجهش بالبكاء وتتجاوز الحد فتأثم وتضر غيرها وتضر الميت؛ لأن الميت إذا كان له شعور -إن صح- فإن هذا يضره ويؤذيه، والأمر الآخر أن المرأة أحيانًا قد تخرج عن طورها بالبكاء إلى أمور غير محمودة تضرها في عقيدتها وفي دينها، فلذلك حجب الرسول ﷺ المرأة عن زيارة القبور إشفاقًا عليها وعلى دينها وعلى ذمتها.
ولذلك أدلة فالمرأة التي كانت تصيح على ميتها عند القبر فلما نهاها النبي ﷺ أمرها بالصبر قالت للنبي ﷺ: إليك عني، بمعنى أنك لم تشعر بما أنا فيه من مصاب وما علمت أنه النبي ﷺ، وهذا مما لا يليق، ولو تعمدت لكان هذا كفرًا، لكنها ما كانت تدري أنه النبي ﷺ، ثم لما علمت أنه النبي ﷺ وهدأت من غضبها جاءت تعتذر، فالنبي ﷺ بين لها أن هذا خطأ، وشرع للأمة، وإذا كانت هذه امرأة من الصحابيات قد وقعت في حرج مع النبي ﷺ وفي اسم عظيم، فهذا دليل على أن المرأة لعاطفيتها وحنوها -وهذا جانب تمدح فيه من وجه- وإشفاقًا عليها وإنصافًا لها وعدلًا في حقها أن تحجب عن زيارة القبور.
أما ما أخبر به النبي ﷺ من أن أكثر أهل النار من النساء فهذا خبر عن النبي ﷺ لا يناقش فيه غيره، بل يجب التسليم به، وأن النبي ﷺ علل ذلك ببعض العلل ومن ذلك أنه ذكر أن النساء يكفرن العشير، وأيضًا النساء أكثر انجرافًا أمام الشهوات والشبهات وأكثر وقوعًا في بعض المنهيات، مثل: الغيبة والنميمة واللجوء إلى السحرة والدجالين، فهذا حكم الله ليس لنا فيه خيار، ولا يجوز لنا أن نسأل سؤال المعترض، لكن سؤال المستكشف الذي يريد أن يزداد من الخير والإيمان فلا حرج في ذلك.
[ ٧ / ٢٣ ]
توسل الصحابة بدعاء العباس
السؤال
بعد وفاة النبي ﷺ توسل الناس إلى الله ﷿ بدعاء العباس ﵁ عم الرسول ﷺ وذلك عند الدعاء لنزول المطر فهل مثل هذا يجوز الآن؟
الجواب
هذا من الأدلة الواضحة التي تقلب على المبتدعة، فكثير من أدلة أهل البدع تكون دلالتها ضد ما يقولون، واستدلالهم بالحديث لا يخلو من جهل وتلبيس وتكلف، وأحيانًا قد لا يوجد عند من يستدل بهذا الحديث شيء من ذلك وقد يكون غير جاهل ولكنه التبس عليه الأمر أو يكون قلد غيره، فحديث العباس مجمل ومفصل، واستدل به كثير من الذين يتذرعون به للبدع على وجه لا يستقيم، بل يختلف عن القصة الحقيقية التي حدثت فيها هذه الواقعة ويختلف عن فهم السلف لها بل عن سياقها، ونبدأ باستشفاع عمر ﵁ بـ العباس؛ لأن كثيرًا من أهل البدع يظنون أن هذا دليل على جواز التبرك والتوسل البدعي بذوات الأشخاص، والصورة التي وقعت فيها قصة الاستشفاع بـ العباس واضحة بينة تدل على أن المقصود به قطعًا هو التوسل بدعاء العباس، وهذا مشروع إلى اليوم وإلى قيام الساعة، والواقعة أن الناس في عهد النبي ﷺ كانوا إذا أصابهم جدب أو شيء أتوا إلى النبي ﷺ يتوسلون به ويقولون: يا رسول الله! ادع الله لنا فيدعو لهم، كما في قصة الرجل الذي دخل المسجد والنبي ﷺ يخطب فطلب منه وتوسل به أن يدعو، فالنبي ﷺ دعا الله ﷿ أن يغيث المسلمين فأغاثهم ثم بعدها بأسبوع استمر المطر حتى خشوا الغرق، فجاء ذلك الرجل ودخل على النبي ﷺ فتوسل به أن يدعو الله، فكان أن دعا النبي ﷺ ربه بأن يرفع المطر عن المسلمين، كذلك هذه الصورة الشرعية التي حدثت للعباس، وهو أن الصحابة ﵃ لما أصابهم الجدب في عهد عمر قال عمر: اللهم إنا كنا نستشفع بنبيك.
يعني: يدعون الله ﷿ بذلك أو يخاطبون ربهم ثم قال: وإنا نستشفع بعم نبيك وكان الاستشفاع بعم النبي ﷺ بأن وضعوه أمامهم فصار يدعو ويؤمنون بعده ولم يتمسحوا بثيابه ولا بجسده، وإنما التوسل بـ العباس أن جعلوه أمامهم يدعو وهم يؤمنون بعده، فأغاثهم الله ﷿ وحدث هذا من معاوية ﵁ عندما استشفع بـ الأسود، وحدث من كثير من الصحابة، ويحدث في تاريخ الأمة قديمًا وحديثًا أن الناس يقدمون الصالحين منهم يدعون والناس يؤمنون، وهذا من أسباب الإجابة بإذن الله فهذه الصورة ليس فيها بدعة بل فيها المشروع، ويجب أن نبقى على هذا المشروع ولكن أنى لهم أن يستدلوا بذلك على البدع التي يعملونها وهو التمسح والتبرك بالذوات ونحو ذلك، فهذا لم يحدث من الصحابة.
وكذلك الأعمى جاء يطلب من النبي ﷺ أن يشفع له عند الله ويتوسل به عند الله أن يعيد له بصره، فالنبي ﷺ نصحه بأن يصبر لكنه آثر بأن يرد له بصره، فالنبي ﷺ أمره أن يتوضأ ويصلي ثم يدعو الله ﷿ أن يستجيب دعاء النبي ﷺ فيه، فالنبي ﷺ دعا له مع أنه كان يتبرك حتى بذات النبي ﷺ، ولكن نظرًا لأن هذا تشريع للأمة؛ ولأن هذه من خصوصيات النبي ﷺ فكان وجه الاستشفاع بالنبي ﷺ من الأعمى أن النبي ﷺ دعا له وأنه دعا الله بأن يستجيب دعاء نبيه فيه، فهذا الوجه مشروع.
فأي دليل على ما يعمله أهل البدع من التمسح بالذوات والتبرك بالأشخاص ودعاء غير الله إما بمعنى الاستشفاع أو من باب الشرك، فإذًا الأدلة التي في هذا السياق عليهم وليست لهم؛ لأن سياقها ينبغي أن يكون بكمال القصة وبفعل الصحابة وتفسيرهم؛ لأن الصحابة هم الذين طبقوا تلكم الأحكام، وهم الذين حدثت على أيديهم تلك الأحداث، فينبغي أن نفهمها بعمل الصحابة وبفهمهم ﵃ ثم بعمل السلف وبفهمهم، فلم يكن أحد من السلف الصالح في القرون الفاضلة يستخدم التوسل إلا بهذه الطريقة وكذلك التوسل بالأشخاص وبالاستشفاع بهم بأن يطلبوا من الصالحين الدعاء وهم يؤمنون على دعائهم أو يطلبون منهم الدعاء حتى لو ما أمنوا.
فصور الاستشفاع كثيرة لكن أبرزها الاستشفاع من أجل استنزال الغيث أو دفع الضرورات والمصائب العظمى عن الأمة، عندما تكون الضرورات والمصائب لا أن يتقدم رجل صالح ثم يدعو الله ﷿ ويؤمن المسلمون من ورائه على دعائه، فهذه الصورة مشروعة بل من أعظم القربات إلى الله ﷿.
[ ٧ / ٢٤ ]
تفسير قول الله تعالى: (وابتغوا إليه الوسيلة)
السؤال
ما هو تفسير قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة:٣٥]؟
الجواب
قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة:٣٥] أي: تقربوا إليه ﷿ بما تتوسلون به، والوسيلة هي عبادته ودعاؤه والتقرب إليه بكل عمل صالح، فالوسيلة التي يتقرب بها إلى الله هي الوسيلة في عبادته والتقرب إليه بأنواع القربات، وهذا هو عين المشروع بل هو العبادة التي يجب أن نتقرب بها إلى الله ﷿.
[ ٧ / ٢٥ ]
حكم صيام يوم معين توسلًا به إلى الله
السؤال
هل يجوز لأحد أن يصوم يومًا توسلًا أو يتقرب به لدعاء الله ﷿؟
الجواب
نعم، إذا كان الصيام يوافق الأيام المشروعة، فلا تفرد الجمعة ولا العيد بصوم، إنما في الأيام التي يشرع فيها الصوم فلا مانع من هذا لقصد التقرب والدعاء إلى الله ﷿، لأن الإنسان إذا شعر بضعف قلبه أو ضعف إيمانه وأراد أن يقوي قلبه بالصيام فإنه يكون أثناء الصيام يدعو الله ﷿ بما يشاء فإذا تقصد هذا لا حرج؛ لأن الصيام عبادة، ومن مواطن إجابة الدعاء الصيام، خاصة الصائم عند فطره، فإن له دعوة مستجابة، فهذا القصد بهذا الحد مشروع بل هو مما يتقرب به إلى الله.
[ ٧ / ٢٦ ]
حكم ظن بعض الصالحين أنه بمجرد لمسه لعضو مريض يشفى بإذن الله
السؤال
يزعم أنه بمجرد لمسه لعضو مريض أو نفثه عليه يشفى بإذن الله، وقد يكون هذا الشخص من الصالحين أو من عامة المسلمين، فما حكم الشرع في ذلك؟
الجواب
هذه من الأمور الخطيرة التي قد يبتلى بها بعض الرقاة وإن كانوا من الصالحين والمتدينين أو قد يعرفون بالحرص على التزام السنة، إلا أن أحيانًا قد تأتيهم غفلات، والشيطان يضع للإنسان مصائد، ومن أعظم المصائد التي يصطاد بها الرقاة أو بعض الصالحين هي مثل هذه الأساليب، بأن يتوهم أنه إذا لمس شخصًا استفاد وأنه شفي، لكن إذا كان اللمس مبنيًا على بركة القرآن بأن ينفث الراقي في يديه ثم يمسح جسده أو جسد غيره تبركًا بالقرآن الذي نفث، فالنبي ﷺ ثبت عنه أنه كان يقرأ شيئًا من القرآن والأدعية ثم يمسح جسمه بيديه، فهذا مشروع مع النفس ومع الغير بهذه الصورة، لكن إذا كان يعتقد أنه بمجرد اللمس تحصل فائدة فنقول: نعم قد تحصل فائدة لكنها ابتلاء، فالإنسان قد يستفيد الشفاء وهذا قد يستفيد بأنه يشفى على يده ناس لكن قد يخسر عقيدته وشيئًا من دينه.
فليتق الله فإن مجرد هذه الأساليب اللمس أو النظرة أو الإشارة التي يجد فيها تغييرًا لحال المريض دون سبب شرعي وهو القرآن أو الدعاء المشروع فهذا نوع من عبث الجن والشياطين بالإنسان.
ويتبع ذلك استعمال حركات تزيد عن العرف المشروع، فيجب التنبه عندما يعمل الإنسان مع قراءة القرآن عملًا مشروعًا كالنفث في اليدين ومسح المريض أو لمس المريض برفق من أجل إدخال الطمأنينة على نفسه لا اعتقاد أن اللمسة تنفعه، لأن بعض الناس قد يكون عنده من رقة الطبع والتلطف مع المريض بحيث يربت على كتفه أو يلمس شيئًا من جسمه إذا كان لمس جسمه مشروعًا من باب طمأنته وإدخال السرور عليه لا من باب أن هذه اللمسة هي بحد ذاتها تنفعه، فينبغي أن نتنبه لما يعمله كثير من الرقاة وأنصح الرقاة أن يتنبهوا للتفريق بين الحركات المشروعة وبين الحركات غير المشروعة، وليعلموا أنه يكثر الابتلاء بالحركات غير المشروعة بحيث يستفيد منها المريض للحاجة، لكن أن يكون ذلك على سبيل دينه وعقيدته ويكون بالابتلاء والفتنة؛ لأن الله ﷿ وكله إلى ما اعتقد ومجرد وجود الاستفادة لا تعني مشروعية العمل، بل الابتلاء والفتنة أقرب، فيجب التنبه لهذا والحذر من الأساليب التي تزيد عن المشروع.
ونسأل الله للجميع التوفيق والسداد، كما نسأله تعالى الإخلاص في القول والعمل، وأن يجمع كلمة المسلمين على الحق والهدى، وأن يهدي ضالهم ويرشدهم إلى طريق الصواب، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٧ / ٢٧ ]