وفيه مباحث: المبحث الأول:
المبحث الأول: مسميات التوحيد.
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى.
نوه العلماء على أن كثرة الأسماء مع حسنها تدل على تدل على كمال المسمى وعظمه وعلوه وشرفه وفضيلته وسمو درجته في أمر من الأمور.
كما تدل كذلك على كثرة الصفات والمحامد والوظائف التي يقوم بها المسمى بتلك الأسماء؛ وقد أكد غير واحد من العلماء هذا المقصد في أقوالهم ومن ذلك ما ذكره كل من:
• روي عن علي بن أبي طالب (ت: ٤٠ هـ) ﵁: "كثرة الأسماء تدل على عظم المسمى" (^١).
• قال أبو زكريا يحيى بن شرف النووي (ت: ٦٧٦ هـ) ﵀: "وقد قالوا كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى" (^٢).
_________________
(١) أضواء البيان (سورة القارعة: الآية: ١).
(٢) المجموع شرح المهذب ٨/ ٣.
[ ٢٣ ]
• قال ابن عماد الأقفهسي (ت: ٨٠٨ هـ) ﵀: "ومعلوم أن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى، أو عظمه، أو تهويل أمره" (^١).
• قال محمد بن يعقوب الفيروزأبادي (ت: ٨١٧ هـ) ﵀: "اعلم أن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى أو كماله في أمر من الأمور، أما ترى أن كثرة أسماء الأسد دلت على كمال قوته، وكثرة أسماء القيامة دلت على كمال شدته وصعوبته وكثرة أسماء الداهية دلت على شدة نكايتها، وكذلك كثرة أسماء الله تعالى دلت على كمال جلال عظمته، وكثرة أسماء النبي ﷺ دلت على علو رتبته وسمو درجته، وكذلك كثرة أسماء القرآن دلت على شرفه وفضيلته" (^٢).
• وقال علي بن عبد الله السمهودي (ت: ٩١١ هـ) ﵀: " كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى" (^٣).
• قال السيوطى (ت: ٩١١ هـ) ﵀: "كثرة الأسماء دالة على شرف المسمى" (^٤).
• قال العلامة محمد بن إسماعيل البرديسي (ت: ١٠٩٠ هـ) ﵀: "اعلم أن العرب تسمي الشيء بأسماء كثيرة، وتجعل له ألقابا عديدة؛ تعظيما لشأنه، وإكبارا لأمره" (^٥).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الرب تعالى لم يذكر للعباد من صفات ملائكته وشأنهم وأفعالهم وأسمائهم عشر معشار ما ذكر لهم
_________________
(١) الإرشاد ٢/ ٥٧٤.
(٢) بصائر ذوي التمييز ١/ ٨٨.
(٣) خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى ١/ ١٩.
(٤) الإتقان في علوم القرآن ١/ ١٨٧.
(٥) الحياة الآخرة للعواجي: (١/ ٤٥)، أشراط الساعة للوابل: ص (٣٧).
[ ٢٤ ]
من نعوت جلاله وصفات كماله وأسمائه وأفعاله" (^١).
ويمكن تناول أسماء التوحيد من جانبين:
الجانب الأول: أسماء التوحيد باعتبار أنه علم من العلوم.
والجانب الثاني: أسماء التوحيد باعتبار أنه الركن الأول من أركان الإيمان.
ولكل واحد من الجانبين له اعتباره الخاص في التسمية كما سيتم بيانه في المطلبين الآتيين.
المطلب الثاني: مسميات التوحيد في النصوص الشرعية.
وقد تعددت مسميات التوحيد في النصوص الشرعية وتنوعت معانيها بما يظهر محاسنها ويدل على مكانة التوحيد وفضله.
وهذه المسميات يمكن التعرف عليها من خلال تتبع نصوص القرآن الكريم، والسنة النبوية، والآثار المروية عن سلف الأمة، ومظنة وجودها تكون من خلال مطالعة كتب تفسير القرآن والكتب التي اعتنت بعلومه، وكذا كتب السنة وشروحها، وأيضًا بالرجوع لكتب الاعتقاد.
وممن وقفت على من قام بجمع قدر منها الفجر الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀، في كتابه "عجائب القرآن" (^٢)، حيث عقد الفصل الثالث من هذا الكتاب لعد أسماء التوحيد وبلغ مجموع ما ذكره أربعة وعشرين اسمًا على النحو الآتي:
_________________
(١) الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة ١/ ٣٦٧.
(٢) انظر: عجائب القرآن ص ٤٦ - ٧٢.
[ ٢٥ ]
"١ - كلمة التوحيد. ٢ - كلمة الإخلاص. ٣ - كلمة الإحسان. ٤ - دعوة الحق. ٥ - كلمة العدل. ٦ - الطيب من القول. ٧ - الكلمة الطيبة. ٨ - القول الثابت. ٩ - كلمة التقوى. ١٠ - الكلمة الباقية. ١١ - كلمة الله العليا. ١٢ - المثل الأعلى. ١٣ - كلمة السواء. ١٤ - كلمة النجاة. ١٥ - العهد. ١٦ - كلمة الاستقامة. ١٧ - مقاليد السموات والأرض. ١٨ - السديد. ١٩ - البر. ٢٠ - الدين. ٢١ - الصراط. ٢٢ - كلمة الحق. ٢٣ - العروة الوثقى. ٢٤ - كلمة الصدق" (^١).
وأحببت أن أدلي بدلوي بتتبع هذه الأسماء وجمع كلام العلماء فيها لتقريبها لطالب العلم وتسهيل وصولهم إليها
فمن مسميات التوحيد:
الاسم الأول: التوحيد.
جاء التعبير عن هذا الاسم بألفاظ متعددة في تصريفها مثل: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: الآية: ٥]، ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: الآية: ١٦٣]، ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَه وَاحِد﴾ [المائدة: الآية ٧٣]، ﴿تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: الآية: ٤]، ﴿لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾ [الأعراف: الآية: ٧٠]، ﴿إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾ [غافر: الآية: ١٢]، ﴿أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: الآية: ٣٩]، ﴿اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: الآية: ١].
و"واحدًا"، و"واحد"، و"وحده"، و"الواحد"، و"أحد"، جميعها تعني توحيد الله.
فكلمة التوحيد أصلها من "وحد".
• قال ابن فارس (ت: ٣٩٥ هـ) ﵀: " (وحد) الواو، والحاء،
_________________
(١) انظر: عجائب القرآن ص ٤٦ - ٧٢.
[ ٢٦ ]
والدال: أصل واحد يدل على الانفراد" (^١).
• قال ابن منظور (ت: ٧١١ هـ) ﵀: "التوحيد: مصدر من: وحد يوحد توحيدًا؛ إذا أفرده وجعله واحدًا" (^٢).
• قال أبو القاسم التيمي (ت: ٥٣٥ هـ) ﵀: "التوحيد على وزن التفعيل، وهو مصدر وحًدته توحيدّا …، ومعنى وحدته: جعلته منفردا عما يشاركه أو يشبهه في ذاته وصفاته …، فالله تعالى واحد، أَي: منفرد عن الأنداد والأشكال فيجميع الأحوال" (^٣).
ومما ورد في الدلالة على هذا الاسم في القرآن الكريم:
قال تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَها وَاحِدا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: الآية: ١٣٣].
• قال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَه وَاحِد لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: الآية: ١٦٣].
• قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَة وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَه وَاحِد وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: الآية: ٧٣].
• قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَة فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة لابن فارس (٦/ ٩٠).
(٢) لسان العرب لابن منظور (٣/ ٤٤٨).
(٣) الحجة في بيان المحجة (١/ ٣٣٢).
[ ٢٧ ]
أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْء رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [الممتحنة: الآية: ٤]
• قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَها وَاحِدا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: الآية: ٣١].
• قال تعالى: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَها وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَاب﴾ [ص: الآية: ٥].
• قال تعالى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأعراف: الآية: ٧٠].
• قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر: الآية: ١٢].
• قال تعالى: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ ءَأَرْبَاب مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: الآية: ٣٩].
• قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: الآية: ١].
وبالإضافة لما تقدم فقد تعددت التعبيرات في نصوص القرآن عن التوحيد بألفاظ كثيرة منها "العبادة" و"الدين" و"والإيمان" وغير ذلك كثير.
• قال تعالى: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم﴾ [البقرة: الآية: ٢١].
• قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: "وحدوا" (^١).
• قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: "كل عبادة في القرآن فهو التوحيد" (^٢).
• قال منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (ت ٤٨٩ هـ) ﵀: "وقد قيل: إن قوله: ﴿اعبدوا الله﴾ أي: وحدوا الله، وكل عبادة في القرآن بمعنى التوحيد" (^٣)
• قال تعالى: ﴿ويكون الدين كله لله﴾ [الأنفال: الآية: ٣٩]
• قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: "يخلص له التوحيد" (^٤)، فالدين عنده هو التوحيد.
_________________
(١) الدر المنثور للسيوطي ١/ ٨٥.
(٢) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٨/ ١٩٣، وانظر: زاد المسير لابن الجوزي ١/ ١٤، ٤/ ٧٥، البحر الرايق لابن نجيم ١/ ٢٩١.
(٣) تفسير السمعاني ٤/ ١٧٣.
(٤) زاد المسير ١/ ٢٠٠، وانظر: جامع البيان ٩/ ٢٤٩.
[ ٢٨ ]
• قوله-تعالى-: ﴿ومن يكفر بالإيمان﴾ [المائدة: الآية: ٥].
• قال عطاء بن أبي رباح (ت: ١١٤ هـ) ﵀-في قال: "الإيمان التوحيد" (^١).
ومن السنة:
• قوله-ﷺ-لمعاذ (ت: ١٨ هـ) ﵁، لما بعثه إلى اليمن: «إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله-تعالى-» (^٢).
• عن جابر (ت: ٧٨ هـ) ﵁، قال: قال رسول الله-ﷺ: «يعذب ناس من أهل التوحيد في النار حتى يكونوا فيها حمما ثم تدركهم الرحمة فيخرجون ويطرحون على أبواب الجنة» قال: «فيرش عليهم أهل الجنة الماء فينبتون كما ينبت الغثاء في حمالة السيل ثم يدخلون الجنة» (^٣).
_________________
(١) تفسير الطبري ٦ (تفسير سورة المائدة: الآية: ٥).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي أمته إلى توحيد الله ﵎ ٤/ ٣٧٨، ح ٧٣٧٢.
(٣) أخرجه البخاري (٦٢١٧)، ومسلم في (٣١١ - ٣١٢ - ٣١٣ - ٣١٤) ..
[ ٢٩ ]
• عن عبد الله بن عمر (ت: ٧٣ هـ) ﵄، قال: "بني الإسلام على خمسة: على أن يوحد الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، والحج. فقال رجل: الحج، وصيام رمضان؟ قال: لا، صيام رمضان، والحج. هكذا سمعته من رسول الله-ﷺ" (^١).
• في حديث صفة حج النبي-ﷺ، قال جابر (ت: ٧٨ هـ) ﵁: "فأهل بالتوحيد، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك" (^٢).
• عن جابر (ت: ٧٨ هـ) ﵁-عند قوله ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ قال: "فقرأ فيهما بالتوحيد وقل يا أيها الكافرون" (^٣).
• عن عمرو بن شعيب (ت: ١١٨ هـ) ﵀، عن أبيه (ت: لم أقف على تاريخ وفاته) ﵀، عن جده (ت: ٦٥ هـ) ﵁: "أن العاص بن وائل نذر في الجاهلية أن ينحر مائة بدنة وأن هشام بن العاص نحر حصته خمسين بدنة وأن عمرا سأل النبي-ﷺ-عن ذلك؟ فقال: «أما أبوك، فلو كان أقر بالتوحيد، فصمت، وتصدقت عنه، نفعه ذلك» (^٤).
• عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) -رضي الله تعالى عنه-، عن النبي-ﷺ-وغير واحد، عن الحسن (ت: ١١٠ هـ)، وابن سيرين (ت: ١١٠ هـ)، عن
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (١٦) ..
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الحج باب حجة النبي ﷺ ٢/ ٨٨٦ - ٨٨٧، ح ١٢١٨.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه (١٩٠٩) قال عنه الألباني في صحيح أبي داود وضعيف "صحيح".
(٤) أخرجه أبو داود في سننه (٢٨٨٣)؛ وأحمد في مسنده (٦٧٠٤) بزيادة "فصمت"؛ وابن أبي شيبة في المصنف (١٢٢٠٤)؛ وقال عنه الألباني في أحكام الجنائز (٢١٨): "إسناده حسن"؛ وكذا قال عنه في صحيح أبي داود: (٢٨٨٣)، وانظر: الصحيحة (٤٨٤).
[ ٣٠ ]
النبي-ﷺ-قال: «كان رجل ممن كان قبلكم لم يعمل خيرا قط إلا التوحيد، فلما احتضر قال لأهله: انظروا إذا أنا مت أن يحرقوه حتى يدعوه حمما، ثم اطحنوه، ثم أذروه فما يوم ريح، فلما مات فعلوا ذلك به، فإذا هو في قبضة الله، فقال الله ﷿: يا ابن آدم، ما حملك على ما فعلت؟، قال: أي رب من مخافتك، قال: فغفر له بها، ولم يعمل خيرا قط إلا التوحيد» (^١).
ومن أقوال السلف:
• عن مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀، عند تفسير قوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدّ الّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾، قال: يقول أهل النار للموحدين: ما أغنى عنكم إيمانكم؟ قال: فإذا قالوا ذلك، قال: «أَخْرِجُوا من كان في قلبه مثقال ذرّة فعند ذلك ﴿يَوَدّ الّذِينَ كَفَرُوا لَوْ
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٨٠٢٧) وقال أحمد شاكر: "هو بإسنادين: أولهما: من حديث أبي هريرة، وهو إسناد صحيح متصل. والثاني: مرسل عن الحسن وابن سيرين، فهو ضعيف لإرساله. وزاده ضعفا أنه من رواية حماد عن مجاهيل: عن غير واحد عن الحسن وابن سيرين. والحديث في جامع المسانيد ٧: ٤٢١، عن هذا الموضع. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠: ١٩٥، عن هذا الموضع، ولكن لم يذكر فيه "عن الحسن"، بل ذكر "عن ابن سيرين". ثم قال: "رواه كله أحمد، ورجال سند أبي هريرة رجال الصحيح، وفي سند ابن سيرين من لم يسم". وقال أيضا: "حديث أبي هريرة في الصحيح. غير قوله: إلا التوحيد". وحديث أبي هريرة هذا، مضى: ٣٧٨٦، عن يحيى، عن حماد، بهذا الإسناد عن أبي هريرة، ولكن ذكر تبعا لحديث بمعناه: ٣٧٨٥ عن ابن مسعود- "مثله"، فلم يذكر لفظه هناك. وأما حديثه الذي في الصحيح - الذي أشار إليه الهيثمي - فقد مضى: ٧٦٣٥، من رواية الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة. وبينا هناك تخريجه في الصحيحين". وقال الألباني في السلسلة الصحيحة: (٣٠٤٨): إسناده صحيح.
[ ٣١ ]
كانُوا مُسْلِمِينَ﴾» " (^١).
• عن حماد بن أبي سليمان (ت: ١١٩ هـ) ﵀، قال: سألت إبراهيم النخعي (ت: ٩٦ هـ) ﵀، عن قول الله-﷿: ﴿رُبَمَا يَوَدّ الّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾، قال: الكفار يعيّرون أهل التوحيد: ما أغنى عنكم لا إله إلا الله؟ فيغضب الله لهم، فيأمر النبيين والملائكة فيشفعون، فيخرج أهل التوحيد، حتى إن إبليس ليتطاول رجاء أن يخرج، فذلك قوله: ﴿رُبَمَا يَوَدّ الّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ " (^٢).
• عن سعيد بن جبير (ت: ٩٥ هـ) ﵀، وإبراهيم النخعي (ت: ٩٦ هـ) ﵀، وغير واحد من التابعين في تفسير هذه الآية ﴿ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين﴾ [الحجر: الآية: ٢] قالوا: إذا أخرج أهل التوحيد من النار وأدخلوا الجنة ود الذين كفروا لو كانوا مسلمين " (^٣).
• عن الضحاك بن مزاحم (ت: ١٠٢ هـ) ﵀-في قوله: ﴿رُبَمَا يَوَدّ الّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ قال: "فيها وجهان اثنان، يقولون: إذا حضر الكافر الموت ودّ لو كان مسلما.
ويقول آخرون: بل يعذّب الله ناسا من أهل التوحيد في النار بذنوبهم، فيعرفهم المشركون فيقولون: ما أغنت عنكم عبادة ربكم وقد ألقاكم في النار؟ فيغضب لهم فيخرجهم، فيقول: ﴿رُبَمَا يَوَدّ الّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ " (^٤).
• قال الترمذي (ت: ٢٧٩ هـ) ﵀: "الروايات إنما تجيء بأن أهل
_________________
(١) تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري. (سورة الحجر: الآية: ٢).
(٢) تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري. (سورة الحجر: الآية: ٢).
(٣) سنن الترمذي (٢٦٣٨).
(٤) تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري. (سورة الحجر: الآية: ٢).
[ ٣٢ ]
التوحيد يعذبون في النار ثم يخرجون منها ولم يذكر أنهم يخلدون فيها" (^١).
• قال الإمام الدارمي-﵀ (ت: ٢٨٠ هـ): "وتفسير التوحيد عند الأمة، وصوابه، قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له" (^٢).
• وقال إمام الشافعية أبو العباس بن سريج (ت: ٣٠٦ هـ) ﵀: "توحيد أهل العلم وجماعة المسلمين أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله" (^٣).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀-في تفسير قوله-تعالى-: ﴿إلها واحدا﴾ [البقرة: الآية: ١٣٣]: "أي نخلص له العبادة، ونوحد له الربوبية، فلا نشرك به شيئا، ولا نتخذ دونه ربا" (^٤).
• قال الطحاوي (ت: ٣٢١ هـ) ﵀-في بيان التوحيد: "نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له ولا شيء مثله ولاشيء يعجزه" (^٥).
• قال الآجري (ت: ٣٦٠ هـ) ﵀: "إن التوحيد هو قول لا إله إلا الله محمدا رسول الله موقنا من قلبه" (^٦).
_________________
(١) سنن الترمذي (٢٠٤٤) ٤/ ٣٨٦.
(٢) رد الإمام الدارمي عثمان بن سعيد على بشر المريسي للإمام الدارمي ص ٦.
(٣) الحجة في بيان المحجة لأبي القاسم التيمي ١/ ٩٦ - ٩٧، بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية ١/ ٤٨٧، التسعينية ضمن الفتاوى الكبرى لابن تيمية ٥/ ٢٠٦، إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم ٤/ ١٩١.
(٤) جامع البيان ١/ ٥٦٢.
(٥) متن العقيدة الطحاوية للإمام الطحاوي ص ٦.
(٦) الشريعة للآخري ص ١٠١.
[ ٣٣ ]
• قال الخطابي (ت: ٣٨٨ هـ) ﵀: "وكان عند أسامة أنه إنما تكلم بكلمة التوحيد مستعيذا من القتل لا مصدقا به فقتله على أنه كافر مباح الدم" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "حقيقة التوحيد أن نعبد الله وحده، فلا يدعى إلا هو ولا يخشى إلا هو، ولا يتقى إلا هو ولا يتوكل إلا عليه، ولا يكون الدين إلا له، لا لأحد من الخلق" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "توحيد الرسل إثبات صفات الكمال لله على وجه التفصيل، وعبادته وحده لا شريك له، فلا يجعل له ندا في قصد ولا حب ولا خوف ولا رجاء ولا لفظ ولا حلف ولا نذر، بل يرفع العبد الأنداد له من قلبه وقصده ولسانه وعبادته" (^٣).
• قال ابن أبي العز (ت: ٧٩٢ هـ) ﵀: " كلمة التوحيد التي دعت إليها الرسل كلها، كما تقدم ذكره. وإثبات التوحيد بهذه الكلمة باعتبار النفي والإثبات المقتضي للحصر، فإن الإثبات المجرد قد يتطرق إليه الاحتمال. ولهذا - والله أعلم" (^٤).
الاسم الثاني: ومن أسماء التوحيد "العبادة".
• قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: الآية: ٢١].
• قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: كل ما ورد في القرآن من
_________________
(١) معالم السنن للخطابي ٢/ ٢٧٠.
(٢) منهاج السنة النبوية لابن تيمية ٣/ ٤٩٠.
(٣) الروح لابن القيم ص ٣٨٦.
(٤) شرح العقيدة الطحاوية ١/ ٧٢ - ٧٣ ..
[ ٣٤ ]
العبادة فمعناها التوحيد" (^١).
• قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: " ﴿اعْبُدُوا رَبكُمْ﴾: "وَحّدوا ربكم" (^٢).
• قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: "قال الله: ﴿يا أيها الناسُ اعْبُدُوا رَبّكُمْ﴾ للفريقين جميعا من الكفار والمنافقين، أي وحدوا ربكم ﴿الذي خلقكم والذين من قبلكم﴾ " (^٣).
• قال أبو منصور الماتريدي (ت: ٣٣٣ هـ) ﵀: "وقوله: ﴿اعبدوا ربكم﴾: وحدوا ربكم؛ جعل العبادة عبارة عن التوحيد لأن العبادة التي هي لله لا تكون، ولا تخلص له إلا بالتوحيد" (^٤).
• قال أبو إسحاق أحمد الثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ) ﵀: " ﴿اعْبُدُوا﴾ وحّدوا وأطيعوا" (^٥).
• قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀-عند تفسيرها: " ﴿اعْبُدُوا﴾ "وحدوا" (^٦).
• قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿اعبدوا﴾ أمر بالعبادة له. والعبادة هنا عبارة عن توحيده والتزام شرائع دينه" (^٧).
_________________
(١) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة البقرة: الآية: ٢١).
(٢) تفسير ابن أبي حاتم (سورة البقرة: الآية: ٢١)، وتفسير جامع البيان عن تأويل آي القران للطبري. (سورة البقرة: الآية: ٢١)، وأورده السيوطي في الدر المنثور (سورة البقرة: الآية: ٢١)، وعزاه لابن اسحق وابن جرير وابن أبي حاتم.
(٣) تفسير جامع البيان عن تأويل آي القران للطبري. (سورة البقرة: الآية: ٢١).
(٤) تفسير تأويلات أهل السنة للماتريدي. (سورة البقرة: الآية: ٢١).
(٥) تفسير الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي. (سورة البقرة: الآية: ٢١).
(٦) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة البقرة: الآية: ٢١).
(٧) تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي. (سورة البقرة: الآية: ٢١).
[ ٣٥ ]
• قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: الآية: ٣٦].
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿واعبدوا الله﴾، يعني وحدوا الله، ﴿ولا تشركوا به شيئا﴾، لأن أهل الكتاب يعبدون الله في غير إخلاص، فلذلك قال الله: ﴿ولا تشركوا به شيئا﴾ من خلقه" (^١).
• قال أبو منصور الماتريدي (ت: ٣٣٣ هـ) ﵀: " ﴿واعبدوا الله﴾ قيل: وحدوا الله" (^٢).
• قال أبو إسحاق أحمد الثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ) ﵀: " ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾ "وحّدوا الله وأطيعوه" (^٣).
• قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: ﴿واعبدوا الله﴾ أي: وحدوه وأطيعوه" (^٤).
• قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: الآية: ٥٦]،
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾، يعني إلا ليوحدون" (^٥).
• وقال يحيى بن زياد الفراء (ت: ٢٠٧ هـ) ﵀: "وقوله ﵎: ﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾، إلا ليوحِّدوني" (^٦).
_________________
(١) تفسير مقاتل بن سليمان (النساء: الآية: ٣٦).
(٢) تفسير تأويلات أهل السنة للماتريدي. (النساء: الآية: ٣٦).
(٣) تفسير الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي. (النساء: الآية: ٣٦).
(٤) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (النساء: الآية: ٣٦).
(٥) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة الذاريات: الآية: ٥٦).
(٦) تفسير معاني القرآن للفراء (سورة الذاريات: الآية: ٥٦).
[ ٣٦ ]
• قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀ عند تفسيرها: وقيل: ﴿إلا ليعبدون﴾ إلا ليوحدون" (^١).
• قال الإمام القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: "قيل: إن هذا خاصٌّ فيمن سبَق في علم الله تعالى أنه يعبُدُه، فجاء بلفظ العموم ومعناه الخصوص، والمعنى: وما خلقتُ أهلَ السعادة من الجن والإنس إلا ليوحِّدون" (^٢).
• قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: "قال الله ﷿: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ *مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِنْ رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ الله هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِالْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨] والمعنى: ما خلقت الجن والإنس إلا ليُوحِّدونِ (^٣).
الاسم الثالث: ومن أسماء التوحيد "الدين".
• قال محمد بن يعقوب الفيروزأبادي (ت: ٨١٧ هـ) ﵀: "والدين ورد فى القرآن بمعنى التوحيد والشهادة ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ [آل عمران: الآية: ١٩]، ﴿ألا لله الدين الخالص﴾ [الزمر: الآية: ٣]، ﴿أفغير دين الله يبغون﴾ [آل عمران: الآية: ٨٣]، أي: التوحيد وله نظائر" (^٤).
• قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: الآية: ٢٥٦].
• قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: قوله تعالى: " ﴿لا إكراه في
_________________
(١) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الذاريات: الآية: ٥٦).
(٢) تفسير القرطبي (الذاريات ٥٦).
(٣) تفسير القرطبي، ١٧/ ٥٧.
(٤) بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز ٢/ ٦١٧.
[ ٣٧ ]
الدين﴾ الدين في هذه الآية المعتقد والملة بقرينة قوله: ﴿قد تبين الرشد من الغي﴾ " (^١).
• قال أبو حيان الأندلسي (ت: ٧٤٥ هـ) ﵀: "الدين هنا ملة الإسلام واعتقاده، والألف واللام للعهد" (^٢).
• قال عبد الرحمن الثعالبي المالكي (ت: ٨٧٥ هـ) ﵀: "الدِّينُ، في هذه الآية: هو المُعْتَقَدُ، والمِلَّة" (^٣).
• قال الحسن بن محمد النيسابوري (ت: ٨٥٠ هـ) ﵀: " وقوله سبحانه: ﴿لا إكراه في الدين﴾ الآية: لما بيَّن دلائل التوحيد بيانًا شافيًا قاطعًا للأعذار ذكر بعد ذلك. أنه لم يبق للكافر علة في إقامته على الكفر إلا أن يقسر على الإيمان ويجبر عليه؛ وذلك لا يجوز في دار الدنيا التي هي مقام الابتلاء والاختبار، وينافيه الإكراه والإجبار. ومما يؤكد ذلك قوله: ﴿قد تبين الرشد من الغي﴾ يقال بَانَ الشيء واستبان وتبيَّن وبيّن أيضا إذا وضح وظهر ومنه المثل: قد تبين الصبح لذي عينين. والرشد إصابة الخير، والغي نقيضه. أي: تميز الحق من الباطل، والإيمان من الكفر، والهدى من الضلال، بكثرة الحجج والبينات ووفور الدلائل والآيات" (^٤).
• قال تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ [آل عمران: الآية: ١٩].
• أبو العالية (ت: ٩٣ هـ) ﵀-في قوله: ﴿إنّ الدّينَ عِنْدَ اللّهِ الإسْلام﴾ قال: الإسلام: الإخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له، وإقام
_________________
(١) تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي. (سورة البقرة: الآية: ٢٥٦).
(٢) تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي. (سورة آل عمران: الآية: ١٩).
(٣) تفسير الجواهر الحسان في تفسير القرآن للثعالبي. (سورة البقرة: الآية: ٢٥٦).
(٤) تفسير غرائب القرآن ورغائب القرقان للنيسابوري. (سورة البقرة: الآية: ٢٥٦).
[ ٣٨ ]
الصلاة، وإيتاء الزكاة، وسائر الفرائض لهذا تبع" (^١).
• عن محمد بن جعفر بن الزبير (ت: ١١٣ هـ) ﵀: ﴿إنّ الدينَ عندَ اللّهِ الإسلامَ﴾: "أي ما أنت عليه يا محمد من التوحيد للربّ والتصديق للرسل" (^٢).
• قال قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀-في قوله تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ [آل عمران: الآية: ١٩]، قال: شهادة أن لا إله إلا الله، والإقرار بما جاء من عند الله تعالى" (^٣).
• وقال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿إن الدين﴾، يعني التوحيد ﴿عند الله الإسلام﴾ " (^٤).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: " ﴿إنّ الدّينَ عِنْدَ اللّهِ الإسْلامُ﴾ إن الطاعة التي هي الطاعة عنده الطاعة له، وإقرار الألسن والقلوب له بالعبودية والذلة، وانقيادها له بالطاعة فيما أمر ونهى" (^٥).
• قال البيضاوي (ت: ٦٨٥ هـ) ﵀: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ جملة مستأنفة مؤكدة للأولى أي لا دين مرضي عند الله سوى الإسلام، وهو التوحيد والتدرع بالشرع الذي جاء به محمد ﷺ" (^٦).
_________________
(١) تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري. (سورة آل عمران: الآية: ١٩).
(٢) تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري. (سورة آل عمران: الآية: ١٩).
(٣) تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري. (سورة آل عمران: الآية: ١٩)، وتفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة آل عمران: الآية: ١٩).
(٤) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة آل عمران: الآية: ١٩).
(٥) تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري. (سورة آل عمران: الآية: ١٩).
(٦) تفسير أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي. (سورة آل عمران: الآية: ١٩).
[ ٣٩ ]
• وقال علي بن محمد بن إبراهيم الشيحي المعروف بالخازن (ت: ٧٤١ هـ) ﵀: "وقرئ ﴿أن الدين﴾ بفتح الهمزة ردًا على أن الأولى، والمعنى: شهد الله أنه لا إله إلاّ هو، وشهد أن الدين عند الله الإسلام.
وأصل الدين في اللغة الجزاء. يقال: (كما تدين تدان)، ثم صار اسمًا للملة والشريعة، ومعناه الانقياد للطاعة والشريعة.
• قال الزجاج (ت: ٣١١ هـ) ﵀: الدين اسم لجميع ما تعبد الله به خلقه وأمرهم بالإقامة عليه، والإسلام هو الدخول في السلم وهو والاستسلام والانقياد والدخول في الطاعة" (^١).
• قال ابن جزي (ت: ٧٤١ هـ) ﵀: " ﴿إن الدين﴾ بكسر الهمزة ابتداء، وبفتحها بدل من أنه، وهو بدل شيء من شيء، لأن التوحيد هو الإسلام" (^٢).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: " ولما قرر أنه الإله الحق المعبود، بين العبادة والدين الذي يتعين أن يعبد به ويدان له، وهو الإسلام الذي هو الاستسلام لله بتوحيده وطاعته التي دعت إليها رسله، وحثت عليها كتبه، وهو الذي لا يقبل من أحد دينا سواه، وهو متضمن للإخلاص له في الحب والخوف والرجاء والإنابة والدعاء ومتابعة رسوله في ذلك، وهذا هو دين الرسل كلهم، وكل من تابعهم فهو على طريقهم" (^٣).
_________________
(١) تفسير لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن. (سورة آل عمران: الآية: ١٩).
(٢) تفسير التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي. (سورة آل عمران: الآية: ١٩).
(٣) تفسير تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي. (سورة آل عمران: الآية: ١٩).
[ ٤٠ ]
• قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: الآية: ٢].
• قال محمد بن الحسن بن فورك (ت ٤٠٦ هـ) ﵀: " ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: الآية: ٢]، أمر التوحيد" (^١).
• قال تعالى: ﴿ألا لله الدين الخالص﴾ [الزمر: الآية: ٣].
• عن عبد الله بن عمرو (ت: ٦٥ هـ) ﵄: ﴿ألا لله الدين الخالص﴾ [الزمر: الآية: ٣] قال: "كلمة الإخلاص لا إله إلا الله، لا يتقبل الله ﷿ من أحد عملا حتى يقولها" (^٢).
• قال أبو العالية (ت: ٩٣ هـ) ﵀-قال: الإسلام الإخلاص لله وحده، وعبادته لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وسائر الفرائض لها تبع" (^٣).
• عن قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ "شهادة أن لا إله إلا الله" (^٤).
• قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "قال الله تعالى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: الآية: ٣] وأعلم أن الدين هو: الانقياد والخضوع. فقوله: ﴿ألا لله الدين الخالص﴾. أي له الخضوع والخشوع لا لغيره. وإنما يكون كذلك إذا كان واحدًا في الإلهية، إذ لو وجد الاهان لكان كما أن الخضوع لأحدهما حاصل كان أيضًا حاصلًا للثاني، فلا يمكن ثبوت الخضوع إلا لله فقط، فالحصر دل على أنه لا إله سواه،
_________________
(١) تفسير ابن فورك. (سورة الزمر الآية: ٢).
(٢) الدعاء للطبراني ص ٤٦٠.
(٣) تفسير ابن أبي حاتم (سورة آل عمران: الآية: ١٩).
(٤) تفسير الطبري (سورة الزمر الآية: ٣).
[ ٤١ ]
ولا معبود إلا إياه" (^١).
• قال تعالى: ﴿أفغير دين الله يبغون﴾ [آل عمران: الآية: ٨٣].
• قال أبو منصور الماتريدي (ت: ٣٣٣ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿أفغير دين الله تبغون﴾؟ الدين كأنه يتوجه إلى وجوه:
يرجع اعتقاد المذهب إلى الأصل،
ويرجع إلى الحكم والخضوع كقوله: ﴿أفحكم الجاهلية يبغون﴾؟ [المائدة: الآية: ٥٠]،
ويرجع إلى الجزاء، ثم قوله تعالى: ﴿أفغير دين الله يبغون﴾؟ كان كل منهم يبغي دينا، وهو دين الله، ويدعي أن الدين الذي هو عليه دين الله" (^٢).
• قال تعالى: ﴿قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين﴾ [الزمر: الآية: ١١].
• قال منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (ت ٤٨٩ هـ) ﵀: " قوله تعالى: ﴿قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين﴾ أي: مخلصا له التوحيد، وإخلاص التوحيد: أن لا تشرك به غيره" (^٣)
• قال تعالى: ﴿ويكون الدين كله لله﴾ [الأنفال: الآية: ٣٩].
• قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: "يخلص له التوحيد" (^٤)، فالدين عنده هو التوحيد.
_________________
(١) عجائب القرآن للرازي ص ٧٠.
(٢) تفسير تأويلات أهل السنة للماتريدي. (آل عمران: الآية: ٨٣).
(٣) كتاب تفسير السمعاني (سورة الزمر: الآية: ١١).
(٤) زاد المسير ١/ ٢٠٠، وانظر: جامع البيان ٩/ ٢٤٩.
[ ٤٢ ]
• قال قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀: "حتى تستوسق (^١) كلمة الإخلاص لا إله إلا الله" (^٢).
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿ويكون﴾ يعنى ويقوم ﴿الدين كله لله﴾، ولا يعبد غيره، ﴿فإن انتهوا﴾ عن الشرك فوحدوا ربهم" (^٣).
• قال محمد بن إسحاق (ت: ١٥١ هـ) ﵀: في قوله: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله: "يعني: لا يفتن مؤمن عن دينه ويكون التوحيد لله خالصًا ليس فيه شرك ويخلع ما دونه من الأنداد والشركاء" (^٤).
• قال أبو إسحاق أحمد الثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ) ﵀: " ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ﴾ التوحيد خالصًا ﴿كُلُّهُ لله﴾ ﷿ ليس فيه شرك ويخلع ما دونه من الأنداد" (^٥).
• قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿ويكون الدين كله لله﴾، أي: ويكون الدين خالصًا لله لا شرك فيه" (^٦).
_________________
(١) بمعنى: تجتمع، يقال: استوسق الشيء: اجتمع وانضم، واستوسق الأمر: انتظم، واستوسق له الأمر: أمكنه أن يجمع السلطة والكلمة في يده.
(٢) تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية. (سورة االأنفال الآية: ٣٩).
(٣) تفسير مقاتل بن سليمان. (سورة االأنفال الآية: ٣٩).
(٤) تفسير لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن. (سورة االأنفال الآية: ٣٩).
(٥) تفسير الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي. (سورة االأنفال الآية: ٣٩).
(٦) تفسير معالم التزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة االأنفال الآية: ٣٩).
[ ٤٣ ]
• قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "وقوله: ﴿ويكون الدين كله لله﴾ أي لا يشرك معه صنم ولا وثن ولا يعبد غيره" (^١).
• قال عبد الرحمن الثعالبي المالكي (ت: ٨٧٥ هـ) ﵀: "وقوله: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلهِ﴾، أيْ: لا يُشْرَكَ معه صَنَمٌ، ولا وَثَنٌ، ولا يُعْبَدَ غيرُهُ سبحانه" (^٢).
• قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: الآية: ٣٠].
قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " إن لم يوحد كفار مكة ربهم فوحد أنت ربك يا محمد ﴿فأقم وجهك للدين﴾ يعني فأخلص دينك الإسلام لله- ﷿ ﴿حنيفا﴾ يعني مخلصا ﴿فطرت الله التي فطر الناس عليها﴾ يعني ملة الإسلام التوحيد الذي خلقهم عليه ثم أخذ الميثاق من بني آدم من ظهورهم ذريتهم … وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى … ربنا، وأقروا له بالربوبية والمعرفة له- ﵎ ثم قال-سبحانه- ﴿لا تبديل لخلق الله﴾ يقول لا تحويل لدين الله-﷿-الإسلام يعنى التوحيد ﴿ذلك الدين القيم﴾ يعنى التوحيد وهو الدين المستقيم ﴿ولكن أكثر الناس﴾ يعني كفار مكة ﴿لا يعلمون﴾ توحيد الله-﷿" (^٣).
• وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ
_________________
(١) تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية. (سورة االأنفال الآية: ٣٩).
(٢) تفسير الجواهر الحسان في تفسير القرآن للثعالبي. (سورة االأنفال الآية: ٣٩).
(٣) تفسير مقاتل بن سليمان. (سورة الروم الآية: ٣٠).
[ ٤٤ ]
وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: الآية: ٥].
• قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: ﴿مخلصين له الدين﴾ "ما أمروا في التوراة والإنجيل إلا بالإخلاص في العبادة لله موحدين" (^١).
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ يعني به التوحيد.
﴿وذلك دين القيمة﴾ يعني: الملة المستقيمة" (^٢).
• قال النضر بن شميل (ت: ٢٠٣ هـ) ﵀: سألت الخليل بن أحمد (ت: ١٧٠ هـ) ﵀ عن قوله: ﴿وذلك دين القيمة﴾ فقال: ﴿القيمة﴾ جمع القيم، والقيم والقائم واحد، ومجاز الآية: وذلك دين القائمين لله بالتوحيد" (^٣).
• قال أبو إسحاق أحمد الثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ) ﵀: " ﴿مخلصين له الدين﴾ التوحيد والطاعة، ﴿وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ فقال: وذلك دين القائمين لك بالتوحيد" (^٤).
• قال علي بن محمد الماوردي (ت: ٤٥٠ هـ) ﵀: " ﴿وما أُمِروا إلاّ ليَعْبُدوا الله مُخْلِصينَ له الدِّينَ﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: مُقِرِّين له بالعبادة.
الثاني: ناوين بقلوبهم وجه الله تعالى في عبادتهم.
الثالث: إذا قال: لا إله إلا الله أن يقول على أثرها "الحمد لله"،
_________________
(١) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة البينة الآية: ٥).
(٢) تفسير مقاتل بن سليمان. (سورة البينة الآية: ٥).
(٣) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة البينة الآية: ٥).
(٤) تفسير الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي. (سورة البينة الآية: ٥).
[ ٤٥ ]
قاله ابن جرير (ت: ٣١٠ هـ) " (^١).
• قال الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ) ﵀: ﴿مخلصين له الدين﴾ الطاعة، أي موحدين له لا يعبدون معه غيره" (^٢).
• قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: "وذلك دين القائمين لله بالتوحيد" (^٣).
• قال ابن جزي (ت: ٧٤١ هـ) ﵀: " ﴿مخلصين له الدين﴾: الإخلاص هنا يراد به التوحيد وترك الشرك أو ترك الرياء.
﴿وذلك دين القيمة﴾ تقديره الملة القيمة، أو الجماعة القيمة، وقد فسرنا القيمة، ومعناه: أن الذي أمروا به من عبادة الله، والإخلاص له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة هو دين الإسلام، فلأي شيء لا يدخلون فيه" (^٤).
• عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "فما أمروا في سائر الشرائع إلا أن يعبدوا ﴿اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: قال قاصدين بجميع عباداتهم الظاهرة والباطنة وجه الله، وطلب الزلفى لديه، ﴿حُنَفَاءَ﴾ أي: معرضين مائلين عن سائر الأديان المخالفة لدين التوحيد.
﴿وَذَلِكَ﴾ أي التوحيد والإخلاص في الدين، هو ﴿دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ أي: الدين المستقيم، الموصل إلى جنات النعيم، وما سواه فطرق موصلة إلى الجحيم" (^٥).
_________________
(١) تفسير النكت والعيون للماوردي. (سورة البينة الآية: ٥).
(٢) تفسير الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي. (سورة البينة الآية: ٥).
(٣) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة البينة الآية: ٥).
(٤) تفسير التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي. (سورة البينة الآية: ٥).
(٥) تفسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي. (سورة البينة الآية: ٥).
[ ٤٦ ]
• قال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْج كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِد وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّار كَفُور﴾ [لقمان: الآية: ٣٢].
• قال السدي (ت: ١٢٨ هـ) ﵀: ﴿دعوا الله مخلصين له الدين﴾ [لقمان: الآية: ٣٢]، يعني: التوحيد" (^١).
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿دعوا الله مخلصين له﴾ يعني موحدين له ﴿الدين﴾ يقول: التوحيد" (^٢).
• قال علي بن محمد الماوردي (ت: ٤٥٠ هـ) ﵀: " ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ يعني: موحدين له لا يدعون لخلاصهم سواه" (^٣).
• قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: " ﴿دعوا الله مخلصين له الدين﴾ موحدين له لا يدعون لخلاصهم سواه" (^٤).
• قال العز بن عبد السلام (ت: ٦٣٩ هـ) ﵀: " ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ موحدين لا يدعون سواه" (^٥).
• قال تعالى: ﴿وله الدين واصبا﴾ [النحل: الآية: ٥٢].
• قال أبو صالح ذكوان بن عبد الله (ت: ١٠١ هـ) ﵀: "قوله: ﴿وله الدين واصبًا﴾ قال: "لا إله إلا الله" (^٦).
_________________
(١) تفسير يحيى بن سلام. (سورة لقمان: الآية: ٣٢).
(٢) تفسير مقاتل بن سليمان. (سورة لقمان: الآية: ٣٢).
(٣) تفسير النكت والعيون للماوردي. (سورة لقمان: الآية: ٣٢).
(٤) تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي. (سورة لقمان: الآية: ٣٢).
(٥) تفسير العز بن عبد السلام. (سورة لقمان: الآية: ٣٢).
(٦) تفسير ابن أبي حاتم (سورة النحل: الآية: ٥٢) برقم (١٢٥٣٣)، وتفسير الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي. (سورة لقمان: الآية: ٣٢) وعزاه لابن أبي حاتم.
[ ٤٧ ]
• عن مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀: ﴿وَلَهُ الدّينُ وَاصِبا﴾ "قال: الإخلاص" (^١).
• قال عكرمة (ت: ١٠٥ هـ) ﵀: "شهادة أن لا إله إلا الله، وإقامة الحدود والفرائض" (^٢).
• قال أبو إسحاق أحمد الثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ) ﵀: ﴿وَلَهُ الدِّينُ﴾ "الطاعة والإخلاص" (^٣).
• قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: ﴿وله الدين واصبا﴾ أي: له الطاعة والإخلاص دائما" (^٤).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: " ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ أي: الدين والعبادة والذل في جميع الأوقات لله وحده، على الخلق أن يخلصوه لله وينصبغوا بعبوديته"" (^٥).
الاسم الرابع: ومن أسماء التوحيد "الإيمان بالله".
• قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: الآية: ٢٥٦].
• عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄، قال: "أخبر الله تعالى أنّ
_________________
(١) تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري. (سورة النحل: الآية: ٥٢)، وتفسير ابن أبي حاتم (سورة النحل: الآية: ٥٢) برقم: (١٢٥٣٢).
(٢) تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي. (سورة النحل: الآية: ٥٢).
(٣) تفسير الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي. (سورة النحل: الآية: ٥٢).
(٤) تفسير الهداية إلى بلوغ النهاية لمي بن أبي طالب. (سورة النحل: الآية: ٥٢).
(٥) تفسير تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي. (سورة النحل: الآية: ٥٢).
[ ٤٨ ]
الإيمان لا إله إلاّ الله" (^١).
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿ويؤمن بالله﴾، بأنه واحد لا شريك له" (^٢).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: " ﴿ويُؤْمِنْ بِاللّهِ﴾ يقول: ويصدق بالله أنه إلهه وربه ومعبوده" (^٣).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "يعني تعالى ذكره والله سميع إيمان المؤمن بالله وحده، الكافر بالطاغوت عند اقراره بوحدانية الله وتبرئة من الأنداد والأوثان التي تعبد من دون الله، عليم بما عزم عليه من توحيد الله وإخلاص ربوبيته قلبه، وما انطوى عليه من البراءة من الآلهة والأصنام والطواغيت ضميره، وبغير ذلك مما أخفته نفس كل أحد من خلقه لا ينكتم عنه سرّ ولا يخفى عليه أمر حتى يجازى كلًا يوم القيامة بما نطق به لسانه وأضمرته نفسه إن خيرًا فخيرًا وإن شرًا فشرًا" (^٤).
• قال تعالى: ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: الآية: ٢٢٨].
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿إن كن يؤمن بالله﴾، يعني يصدقن بالله بأنه واحد لا شريك له، ﴿واليوم الآخر﴾، يصدقن بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال بأنه كائن"
• قال الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت: ١٧٠ هـ) ﵀: "التوحيد:
_________________
(١) تفسير تأويلات أهل السنة للماتريدي (سورة البقرة الآية: ٢٥٦)، وتفسير الثعلبي (سورة البقرة الآية: ٢٥٦).
(٢) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة البقرة الآية: ٢٥٦).
(٣) تفسير الطبري (سورة البقرة الآية: ٢٥٦).
(٤) تفسير الطبري (سورة البقرة الآية: ٢٥٦).
[ ٤٩ ]
الإيمان بالله وحده لا شريك له، والله الواحد الأحد ذو التوحد والوحدانية" (^١).
• وقال أبو عمرو عثمان الداني (ت: ٤٤٤ هـ) ﵀: "والإيمان بالله تعالى: يتضمن التوحيد له سبحانه، والوصف له بصفاته، … والتوحيد له: هو الإقرار بأنه ثابتٌ موجود، وواحدٌ معبود" (^٢).
• وقال ابن منظور (ت: ٧١١ هـ) ﵀: "التوحيد: الإيمان بالله وحده لا شريك له. والله الواحد الأحد: ذو الوحدانية والتوحد" (^٣).
• قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: الآية: ٥].
• قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄، قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بالإيمَانِ، فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ قال: أخبر الله سبحانه أن الإيمان هو العروة الوثقى، وأنه لا يقبل عملًا إلاّ به، ولا يحرّم الجنة إلاّ على من تركه" (^٤).
• قال عطاء بن أبي رباح (ت: ١١٤ هـ) ﵀-في قوله-تعالى-: ﴿ومن يكفر بالإيمان﴾ [المائدة: ٥] قال: "الإيمان التوحيد" (^٥).
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿ومن يكفر بالإيمان﴾، يعني من نساء أهل الكتاب بتوحيد الله، ﴿فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين﴾، يعني من الكافرين" (^٦).
_________________
(١) العين للخليل بن أحمد الفراهيدي (٣/ ٢٨١).
(٢) الرسالة الوافية، لأبي عمرو الداني ص ١٢٠.
(٣) لسان العرب لابن منظور (٣/ ٤٥٠).
(٤) تفسير جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري. (سورة المائدة: ٥).
(٥) تفسير جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري. (سورة المائدة: ٥).
(٦) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة المائدة: ٥).
[ ٥٠ ]
• قال الكلبي (ت: ٢٠٤ هـ) ﵀: ﴿بالإيمان﴾ أي: بكلمة التوحيد، وهي: شهادة أن لا أله إلا الله" (^١).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "فإن قال لنا قائل: وما وجّه تأويل من وجّه قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بالإيمَانِ﴾ إلى معنى: ومن يكفر بالله؟ قيل وجه تأويله ذلك كذلك أن الإيمان هو التصديق بالله وبرسله وما ابتعثهم به من دينه والكفر: جحود ذلك. قالوا: فمعنى الكفر بالإيمان، هو جحود الله وجحود توحيده. ففسروا معنى الكلمة بما أريد بها، وأعرضوا عن تفسير الكلمة على حقيقة ألفاظها وظاهرها في التلاوة.
فإن قال قائل: فما تأويلها على ظاهرها وحقيقة ألفاظها؟ قيل: تأويلها: ومن يأب الإيمان بالله ويمتنع من توحيده والطاعة له فيما أمره به ونهاه عنه، فقد حبط عمله وذلك أن الكفر هو الجحود في كلام العرب، والإيمان: التصديق والإقرار، ومن أبى التصديق بتوحيد الله والإقرار به فهو من الكافرين، فذلك تأويل الكلام على وجهه" (^٢).
• قال الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ) ﵀: " ﴿ومن يكفر بالإيمان﴾ بالله الذي يجب الإيمان به ﴿فقد حبط عمله﴾ إذا مات على ذلك ﴿وهو في الآخرة من الخاسرين﴾ ممن خسر الثواب" (^٣).
الاسم الخامس: ومن أسماء التوحيد "الإسلام".
• قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ
_________________
(١) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (تفسير سورة المائدة: ٥).
(٢) تفسير جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري. (تفسير سورة المائدة: ٥).
(٣) تفسير الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي. (تفسير سورة المائدة: ٥).
[ ٥١ ]
أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: الآية: ١٩].
• عن قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀، قوله: ﴿إنّ الدّينَ عِنْدَ اللّهِ الإسْلام﴾ والإسلام: شهادة أن لا إلَه إلا الله، والإقرار بما جاء به من عند الله، وهو دين الله الذي شرع لنفسه، وبعث به رسله، ودل عليه أولياءه، لا يقبل غيره ولا يجزى إلا به.
• قال أبو العالية (ت: ٩٣ هـ) ﵀-في قوله: ﴿إنّ الدّينَ عِنْدَ اللّهِ الإسْلام﴾ قال: الإسلام: الإخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وسائر الفرائض لهذا تبع.
• عن محمد بن جعفر بن الزبير (ت: ١١٣ هـ) ﵀: ﴿إنّ الدينَ عندَ اللّهِ الإسلامَ﴾: أي ما أنت عليه يا محمد من التوحيد للربّ والتصديق للرسل" (^١).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "قال تعالى: ﴿وَلَهُ أسْلَمَ مَنْ فِي السّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران: الآية: ٨٣]، يقول: وله خشع من في السموات والأرض، فخضع له بالعبودية، وأقرّ له بإفراد الربوبية، وانقاد له بإخلاص التوحيد والألوهية" (^٢).
• قال أبو جعفر النحاس (ت: ٣٣٨ هـ) ﵀: "الاسلام هو التوحيد فهو دين جميع الأنبياء" (^٣).
• قال أبو إسحاق أحمد الثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ) ﵀: "قال عكرمة
_________________
(١) تفسير الطبري (سورة آل عمران: الآية: ١٩).
(٢) تفسير الطبري (سورة آل عمران: الآية: ٨٣).
(٣) معاني القرآن للنحاس ١/ ٤١٨.
[ ٥٢ ]
(ت: ١٠٥ هـ) ﵀: وكرهًا: من اضطرته الحجة إلى التوحيد، يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: الآية: ٨٧]، وقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: الآية: ٦١] " (^١).
• قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: "ومعنى الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله، والإقرار بما جاء من عند الله؛ وأصل الإسلام: الخشوع والانقياد" (^٢).
• قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "و﴿الإسلام﴾ في هذه الآية هو الإيمان والطاعة، قاله أبو العالية (ت: ٩٣ هـ) وعليه جمهور المتكلمين، وعبر عنه قتادة (ت: ١١٨ هـ)، ومحمد بن جعفر بن الزبير (ت: ١١٣ هـ)، بالإيمان" (^٣).
• قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "من قرأ ﴿أن الدين﴾ بفتح ﴿أن﴾ كان التقدير: شهد الله لأجل أنه لا إله إلا هو أن الدين عند الله الإسلام، فإن الإسلام إذا كان هو الدين المشتمل على التوحيد، والله تعالى شهد بهذه الوحدانية كان اللازم من ذلك أن يكون الدين عند الله الإسلام.
ومن قرأ ﴿إن الدين﴾ بكسر الهمزة، فوجه الاتصال هو أنه تعالى بين أن التوحيد أمر شهد الله بصحته، وشهد به الملائكة وأولوا العلم،
_________________
(١) تفسير الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي (سورة آل عمران: الآية: ٨٣).
(٢) تفسير الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن أبي طالب (سورة آل عمران: الآية: ١٩).
(٣) تفسير ابن عطية المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (سورة آل عمران: الآية: ١٩).
[ ٥٣ ]
ومتى كان الأمر كذلك لزم أن يقال ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ " (^١).
• قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "قال ابن الأنباري (ت: ٣٢٨ هـ) ﵀: المسلم معناه المخلص لله عبادته من قولهم: سلم الشيء لفلان، أي خلص له؛ فالإسلام معناه إخلاص الدين والعقيدة لله تعالى" (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "الإسلام هو الاستسلام وهو يتضمن الخضوع لله وحده؛ والانقياد له والعبودية لله وحده" (^٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "الإسلام" هو الاستسلام لله لا لغيره كما قال تعالى: ﴿ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان﴾ الآية [الزمر: الآية: ٢٩]. فمن لم يستسلم لله فقد استكبر ومن استسلم لله ولغيره فقد أشرك وكل من الكبر والشرك ضد الإسلام والإسلام ضد الشرك والكبر" (^٤).
• قال أبو حيان الأندلسي (ت: ٧٤٥ هـ) ﵀-بعد أن ذكر الأقوال في تفسير هذه الآية: "وهذه الأقوال لا تخرج: ﴿أسلم﴾، فيها عن أن يحمل على الاستسلام، وعلى الاعتقاد، وعلى الإقرار باللسان، وعلى التزام الأحكام. وقد قيل بهذا كله" (^٥).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وهي كلمة الإسلام" (^٦).
_________________
(١) تفسير الرازي مفاتيح الغيب (سورة آل عمران: الآية: ١٩).
(٢) تفسير الرازي مفاتيح الغيب (سورة آل عمران: الآية: ١٩).
(٣) مجموع افتاوى ٧/ ٤٢٦.
(٤) مجموع افتاوى ١٠/ ١٤.
(٥) تفسير البحر المحيط لابن حيان الأندلسي (سورة آل عمران: الآية: ٨٣).
(٦) الجواب الكافي ص: ١٧٠.
[ ٥٤ ]
• قال أبو السعود العمادي محمد بن محمد بن مصطفى (ت: ٨٩٨ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدّينَ عِنْدَ الله الإسلام﴾ أي لا دينَ مرضيًا لله تعالى سوى الإسلام الذي هو التوحيدُ والتدرُّع بالشريعة الشريفة، وعن قتادة (ت: ١١٨ هـ): أنه شهادةُ ﴿أَنه لاَّ إله إِلاَّ الله﴾ [محمد: الآية: ١٩] والإقرارُ بما جاء من عند الله تعالى" (^١).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "ولما قرر أنه الإله الحق المعبود، بين العبادة والدين الذي يتعين أن يعبد به ويدان له، وهو الإسلام الذي هو الاستسلام لله بتوحيده وطاعته التي دعت إليها رسله، وحثت عليها كتبه، وهو الذي لا يقبل من أحد دينا سواه، وهو متضمن للإخلاص له في الحب والخوف والرجاء والإنابة والدعاء ومتابعة رسوله في ذلك، وهذا هو دين الرسل كلهم، وكل من تابعهم فهو على طريقهم" (^٢).
الاسم السادس: ومن أسماء التوحيد "كلمة الشهادة".
• قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: الآية: ١٨].
o الأدلة من السنة
• عن ابن عمر (ت: ٧٣ هـ) ﵄-أن النبي-ﷺ-قال: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى: يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ
_________________
(١) تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود (سورة آل عمران: الآية: ١٩).
(٢) تفسير ابن سعدي (سورة آل عمران: الآية: ١٩).
[ ٥٥ ]
وَأَمْوَالَهُمْ، إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ» (^١).
• عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄-أن النبي-ﷺ-بعث معاذا (ت: ١٨ هـ) ﵁-إلى اليمن فقال: «ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» (^٢).
• عن عمر بن الخطاب (ت: ٢٣ هـ) ﵁-أنه قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله-ﷺ-ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فَخِديه، قال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتُقيم الصلاة، وتُؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا»، قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويُصدِّقه، قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: «أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره»، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، قال: فأخبرني عن الساعة، قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل»، قال: فأخبرني عن أماراتها، قال: «أن تلد الأمة ربَّتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان»، ثم انطلق فلبثت مليًّا، ثم قال:
_________________
(١) رواه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢).
(٢) رواه البخاري (١٣٩٥)، ومسلم (١٩).
[ ٥٦ ]
«يا عمر، أتدري مَنْ السائل؟»، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «فإنه جبريل أتاكم يُعلِّمكم دينكم» (^١).
• عن عبادة بن الصامت (ت: ٣٤ هـ) ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «من قال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، وأن النار حق، أدخله الله الجنة من أي أبواب الجنة الثمانية شاء» (^٢).
• قال الخطابي (ت: ٣٨٨ هـ) ﵀: " وكان بدء الإيمان كلمة الشهادة، وأقام رسول الله ﷺ بضع عشرة سنة يدعو الناس إليها، ويسمى من أجابه إلى ذلك مؤمنا" (^٣).
• قال عبد العزيز بن باز (ت: ١٤٢٠ هـ) ﵀: "معنى الشهادة: أن يشهد بلسانه وبقلبه أنه لا معبود حق إلا الله، يشهد بلسانه ويؤمن بقلبه أنه لا إله إلا الله، يعني: لا معبود حق إلا الله، وأن ما عبده الناس من دون الله من أصنام، أو أموات، أو أشجار، أو أحجار، أو ملائكة أو غيرهم كله باطل كما قال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ [الحج: الآية: ٦٢]، هذا معنى شهادة أن لا إله إلا الله، أن تشهد عن علم، ويقين، وصدق أنه لا معبود حق إلا الله، وأن ما عبده الناس من دون الله فكله باطل" (^٤).
_________________
(١) أخرجه ومسلم (٨).
(٢) أخرجه البخاري (٣٤٣٥)، ومسلم (٢٨) ..
(٣) أعلام الحديث للخطابي ١/ ١٤٢.
(٤) فتاوى نور على الدرب ١/ ٤٩.
[ ٥٧ ]
الاسم السابع: من أسماء التوحيد "كلمة الله".
• قال تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: الآية: ٤٠].
• قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: "هي: قول لا إله إلا الله" (^١).
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿وجعل كلمة الذين كفروا﴾، يعني دعوة الشرك، ﴿السفلى﴾؛ و﴿كلمة الله﴾، يعنى دعوة الإخلاص، ﴿هي العليا﴾ يعنى العالية، ﴿والله عزيز﴾ في ملكه، ﴿حكيم﴾ [التوبة: الآية: ٤٠] حكم إطفاء دعوة المشركين، وإظهار التوحيد" (^٢).
• قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: "و﴿كلمة الله﴾، في هذا الموضع: لا إله إلا الله" (^٣).
• قال الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ) ﵀: " ﴿وجعل كلمة الذين كفروا﴾ وهي كلمة الشرك ﴿السفلى﴾، ﴿وكلمة الله هي العليا﴾، يعني: كلمة التوحيد" (^٤).
• قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: " ﴿وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا﴾ والمعنى أنه تعالى
_________________
(١) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة التوبة: الآية: ٤٠).
(٢) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة التوبة: الآية: ٤٠).
(٣) تفسير مكي بن أبي طالب (سورة التوبة: الآية: ٤٠).
(٤) تفسير الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي. (سورة التوبة: الآية: ٤٠).
[ ٥٨ ]
جعل يوم بدر كلمة الشرك سافلة دنيئة حقيرة، وكلمة الله هي العليا، وهي قوله لا إله إلا الله" (^١).
• قال ابن حيان الأندلسي (ت: ٧٤٥ هـ) ﵀: "وكلمة الله: هي التوحيد، وهي ظاهرة. هذا قول الأكثرين" (^٢).
• قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: "قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ): يعني ﴿كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الشرك و﴿كَلِمَةُ اللَّهِ﴾ هي: لا إله إلا الله" (^٣).
الاسم الثامن: ومن أسماء التوحيد "الكلمة الباقية".
• قال تعالى: ﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين - وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون﴾ [الزخرف: الآيات: ٢٦ - ٢٨].
• عن مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀، ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ قال: لا إله إلا الله (^٤).
• عن قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀، ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً﴾ قال: شهادة أن لا إله إلا الله، والتوحيد لم يزل في ذريته من يقولها من بعده" (^٥).
_________________
(١) تفسير الرازي (سورة التوبة: الآية: ٤٠).
(٢) كتاب البحر المحيط في التفسير ٥/ ٤٢٢.
(٣) تفسير ابن كثير (سورة التوبة: الآية: ٤٠).
(٤) تفسير الطبري (سورة الزخرف الآية: ٢٨)، تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الزخرف الآية: ٢٨).
(٥) تفسير الطبري (سورة الزخرف الآية: ٢٨)، تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الزخرف الآية: ٢٨).
[ ٥٩ ]
• عن السدي (ت: ١٢٨ هـ) ﵀: ﴿وَجَعَلها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ قال: "لا إله إلا الله" (^١).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "وقوله: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ يقول تعالى ذكره: وجعل قوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: الآيات: ٢٦ - ٢٧]، وهو قول: لا إله إلا الله، كلمة باقية في عقبه، وهم ذريّته، فلم يزل فى ذريّته من يقول ذلك من بعده" (^٢).
• قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: " ﴿وجعلها كلمة﴾ يعني: لا إله إلا الله" (^٣).
• قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "روي عن كثير من المفسرين أنهم قالوا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾. أنها قول لا إله إلا الله. ويدل عليه وجوه:
الأول: مقدمة هذه الآية، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ﴿٢٦﴾ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ﴿٢٧﴾﴾ [الزخرف: الآيات: ٢٦ - ٢٧] وكان معنى قوله: ﴿إنني براء﴾ نفي الإلهية عن الأشياء التي كانوا يعبدونها. ثم قال: ﴿إلا الذي فطرني﴾. فكان فيه اثبات الإلهية للذي فطره، فإذا حصل هذان المعنيان كان مجموعهما هو قول: لا إله إلا الله. ثم قال: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ ﴿٢٨﴾﴾ [الزخرف: الآية: ٢٨]. فثبت أن المراد من الكلمة الباقية قول لا إله إلا الله.
الثاني: أنه تعالى قال في سورة القصص: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا
_________________
(١) تفسير الطبري (سورة الزخرف الآية: ٢٨).
(٢) تفسير الطبري (سورة الزخرف الآية: ٢٨).
(٣) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين (سورة الزخرف الآية: ٢٨) ٤/ ١٨٢.
[ ٦٠ ]
آخَرَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ﴿٨٨﴾﴾ [القصص: الآية: ٨٨]. فبين أن كل شيء هالك إلا هو، فإنه واجب الدوام والبقاء. والسرمدية، وقد عرفت أن القول تبع المقول، والاعتقاد تبع المعتقد، فكان صدق لا إله إلا الله، وحقيقة لا إله إلا الله واجبي الثبوت والبقاء والدوام، وذلك هو المراد بكونها باقية.
الثالث: أنا بينا أن التوحيد لا يزول بسبب المعصية، والمعصية تزول بسبب التوحيد، وأيضًا التوحيد يبقى مع أهل الجنة، وسائر الطاعات لا تبقى، روى جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ عن جبريل «أن الله يقول يوم القيامة: مالي أرى فلان بن فلان في صفوف أهل النار؟ فأقول: يا رب، أنا لم نجد له حسنة، فيقول الله تعالى: إني سمعته في الدنيا يقول: يا حنّان يا منّان، فاذهب إليه فسله. فيأتيه فيجده في زاوية من زوايا جهنم يقول: يا حنان يا منان، فيسأله جبريل عن هذه الكلمة، فيقول: وهل حنان منان غير الله. قال جبريل: فأخذ بيده من صفوف أهل النار، فأدخله في صفوف أهل الجنة» (^١) " (^٢).
• قال البيضاوي (ت: ٦٨٥ هـ) ﵀: " ﴿وجعلها﴾ وجعل إبراهيم ﵊ أو الله كلمة التوحيد. ﴿كلمة باقية في عقبه﴾ في ذريته فيكون فيهم أبدا من يوحد الله ويدعو إلى توحيده" (^٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وهي: الكلمة التي جعلها
_________________
(١) أخرجه الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» (٤٥٩) باختلاف يسير، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٦/ ٢١٠) واللفظ له. وفيه الفضل الرقاشي تفرد به ولم يتابع عليه.
(٢) عجائب القرآن للرازي ص ٦٠ - ٦١.
(٣) تفسير أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي (سورة الزخرف الآية: ٢٨).
[ ٦١ ]
إبراهيم في عقبه: ﴿وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون﴾ " (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "أي جعل هذه الموالاة لله، والبراءة من كل معبود سواه كلمة باقية في عقبه يتوارثها الأنبياء وأتباعهم بعضهم عن بعض وهي كلمة: لا إله إلا الله، وهي التي ورثها إمام الحنفاء لأتباعه إلى يوم القيامة" (^٢).
• قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: " ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ أي: هذه الكلمة، وهي عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وخلع ما سواه من الأوثان، وهي: "لا إله إلا الله" أي: جعلها دائمة في ذريته يقتدي به فيها من هداه الله من ذرية إبراهيم، ﵇، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: إليها" (^٣).
الاسم التاسع: ومن أسماء التوحيد "الكلمة العاصمة".
• عن جابر بن عبد الله (ت: ٧٨ هـ) ﵄-قال: قال رسول الله-ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم، وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله» (^٤).
• عن عبد الله بن عمر (ت: ٧٣ هـ) ﵄-قال: قال رسول الله-ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله» (^٥).
_________________
(١) قاعدة حسنة في الباقيات الصالحات. لابن تيمية. ص ٢٩.
(٢) الجواب الكافي ص ١٩٥.
(٣) تفسير ابن كثير (سورة الزخرف الآية: ٢٨).
(٤) أخرجه مسلم (٢١)، والترمذي (٣٣٤١)، والنسائي (٣٩٧٧)، وابن ماجه (٣٩٢٨)، وأحمد (١٥٢٤١) واللفظ له.
(٥) رواه البخاري (٢٥) ومسلم (٢٢).
[ ٦٢ ]
• عن أبي مالك عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قال: لا اله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه. وحسابه على الله» (^١).
• عن عبد الله بن مسعود (ت: ٣٢ هـ) ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا اله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك للجماعة» (^٢).
• عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) -رضي الله تعالى عنه-، عن رسول الله ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله إلا الله. ويؤمنوا بي وبما جئت به. فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها. وحسابهم على الله» (^٣).
• عن عبيد الله بن عدي بن الخيار (ت: في زمن الوليد بن عبد الملك) ﵀، أن رجلا من الأنصار حدثه أنه أتى النبي ﷺ وهو في مجلس فساره يستأذنه في قتل رجل من المنافقين، فجهر رسول الله ﷺ فقال: «أليس يشهد أن لا اله إلا الله؟». قال الأنصاري: بلى يا رسول الله، ولا شهادة له، فقال رسول الله ﷺ: «أليس يشهد أن محمدا رسول الله؟». قال: بلى يا رسول الله، ولا شهادة له، قال:
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب الايمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا اله إلا الله محمد رسول الله، (١/ ٤٠).
(٢) رواه البخاري، كتاب الديات، باب قول الله تعالى: ﴿أن النفس بالنفس﴾، (٨/ ٤٨). ورواه مسلم، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب مايباح به دم المسلم (٥/ ص ٩٥).
(٣) رواه البخاري (٢٥) ومسلم (٢٢).
[ ٦٣ ]
«أليس يصلي؟». قال: بلى يا رسول الله، ولا صلاة له، فقال رسول الله ﷺ: «أولئك الذين نهاني الله عنهم» (^١).
• وقال النبي ﷺ لعلي بن أبي طالب (ت: ٤٠ هـ) ﵁-عندما أعطاه الراية يوم خيبر: «قاتلهم حتى يشهدوا أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله. فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم. إلا بحقها. وحسابهم على الله» (^٢).
• عن عبد الله بن عمرو (ت: ٦٥ هـ) ﵄، قال: «بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد (ت: ٢١ هـ)، إلى بني جذيمة فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا، صبأنا. فجعل خالد يقتل منهم ويأسر. ودفع إلى كل رجل منا أسيره حتى إذا كان يوم أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره. فقلت: والله لا أقتل أسيري ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره. حتى قدمنا على النبي ﷺ فذكرناه، فرفع النبي ﷺ يده فقال: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد. مرتين» (^٣).
• عن أسامة بن زيد (ت: ٥٤ هـ) ﵁، قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية. فصبحنا الحرقات من جهينة. فأدركت رجلا. فقال: لا اله إلا الله. فطعنته فوقع في نفسي من ذلك. فذكرته للنبي ﷺ. فقال رسول الله ﷺ: «أقال: لا اله إلا الله وقتلته؟» قال قلت: يا رسول الله
_________________
(١) قال الهيثمي في المجمع - كتاب الإيمان، باب في ما يحرم دم المرء وماله- (ج ١/ ص ٣٩): رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح وأعاده عن عبيد الله بن عدي بن الخيار عن عبد الله بن عدي الأنصاري حدثه فذكر معناه.
(٢) ورواه مسلم - كتاب فضائل الصحابة ﵃، باب من فضائل علي ﵁ (٧/ ١٢١). حديث ابي هريرة ﵁.
(٣) رواه البخاري، كتاب المغازي، باب بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، (٥/ ١٢٥).
[ ٦٤ ]
إنما قالها خوفا من السلاح. قال: «أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم: أقالها أم لا» فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ" (^١).
• قال علي بن خلف بن عبد الملك ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) ﵀: " قال تعالى: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾ [التوبة: الآية: ٥] فيه: ابن عمر، قال-ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله» (^٢). قال المؤلف: قال أنس بن مالك: هذه الآية من آخر ما نزل من القرآن، وتوبتهم خلع الأوثان، وعبادتهم لربهم، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ثم قال في آية أخرى: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم فى الدين﴾ [التوبة: الآية: ١١]، فقام الدليل الواضح من هاتين الآيتين أن من ترك الفرائض، أو واحدة منها، فلا يخلى سبيله، وليس بأخ فى الدين، ولا يعصم دمه وماله، ويشهد لذلك قوله-ﷺ: «فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها»، وبهذا حكم أبو بكر الصديق في أهل الردة، وهذا يرد قول المرجئة أن الإيمان غير مفتقر إلى الأعمال. وقولهم مخالف لدليل الكتاب والآثار وإجماع أهل السنة. فمن ضيع فريضة من فرائض الله جاحدا لها فهو كافر، فإن تاب وإلا قتل، ومن ضيع منها شيئا غير جاحد لها فأمره إلى الله، ولا يقطع عليه بكفر" (^٣).
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال لا اله إلا الله، (ج ١/ ص ٦٧).
(٢) رواه البخاري (٢٥) ومسلم (٢٢).
(٣) شرح صحيح البخاري لابن بطال ١/ ٧٦ - ٧٧.
[ ٦٥ ]
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وكذلك لم تحصل عصمة المال والدم على الإطلاق إلا بها وبالقيام بحقها وكذلك لا تحصل النجاة من العذاب على الإطلاق إلا بها وبحقها فالعقوبة في الدنيا والآخرة على تركها أو ترك حقها" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وهي الكلمة العاصمة للدم والمال والذرية في هذه الدار " (^٢).
الاسم العاشر: ومن أسماء التوحيد "كلمة الإخلاص".
• عن عثمان بن عفان (ت: ٣٥ هـ) ﵁، قال: سمعت رسول الله-ﷺ يقول: "ثم إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد حقا من قلبه إلا حرم على النار".
فقال له عمر بن الخطّاب (ت: ٢٣ هـ) ﵁: أنا أحدثك ما هي كلمة الإخلاص التي أعز الله ﵎ بها محمد ﷺ، وهي كلمة التقوى … " الحديث (^٣).
• وعن أبي بن كعب (ت: ٣٠ هـ تقريبًا) ﵁: "كان رسول الله-ﷺ-يعلمنا إذا أصبحنا: «أصبحنا على فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، وسنة نبينا محمد ﷺ، وملة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما، وما كان من المشركين»، وإذا أمسينا مثل ذلك" (^٤).
_________________
(١) التبيان في أقسام القرآن ص ٥٩.
(٢) الجواب الكافي ص: ١٧٠.
(٣) أخرجه أحمد في مسنده (١/ ٦٣).
(٤) أخرجه عبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» (٢١١٤٤) واللفظ له، والطبراني في «الدعاء» (٢٩٣).
[ ٦٦ ]
• عن عبد الرحمن بن أبزى (ت: ٧٠ هـ تقريبًا) ﵁: كان رسول الله ﷺ إذا أصبح يقول: «أصبحنا على فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، ودين نبينا محمد ﷺ، وعلى ملة أبينا إبراهيم، حنيفا مسلما، وما كان من المشركين» (^١).
• عن عبد الله بن عمرو (ت: ٦٥ هـ) ﵁، ﴿ألا لله الدين الخالص﴾ [الزمر: الآية: ٣] قال: "كلمة الإخلاص لا إله إلا الله، لا يتقبل الله ﷿ من أحد عملا حتى يقولها" (^٢).
• عن مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀: " ﴿كلمة التقوى﴾ كلمة الإخلاص" (^٣).
• عن مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀، ﴿من جاء بالحسنة﴾ [الأنعام: الآية: ١٦٠] قال: "كلمة الإخلاص لا إله إلا الله" (^٤).
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة﴾، يعني حسنة يعني كلمة الإخلاص وهي التوحيد ﴿كشجرة طيبة﴾، يعني بالطيبة الحسنة كما أنه ليس في الكلام شيء أحسن ولا أطيب من الإخلاص قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له" (^٥).
• قال أبو أحمد محمد بن علي بن محمد الكَرَجي القصَّاب (ت نحو: ٣٦٠ هـ) ﵀: "قال تعالى: ﴿ألم تر كيف ضرب الله مثلا
_________________
(١) أخرجه النسائي في «السنن الكبرى» (٩٨٢٩)، وأحمد (١٥٣٦٧) واللفظ له.
(٢) الدعاء للطبراني ص ٤٦٠.
(٣) تفسير إسحاق البستني ٢/ ٣٧٧.
(٤) الدعاء للطبراني ص ٤٤١.
(٥) تفسير مقاتل بن سليمان ٢/ ٤٠٤.
[ ٦٧ ]
كلمة طيبة كشجرة طيبة﴾ [إبراهيم: الآية: ٢٤]. دليل على أن كلمة الإخلاص جامعة للخير، نامية للحسنات، جالبة على قائلها كلما لفظ بها ثوابا مجردا، مثمرة له كل ما يقر الله به عينه في معاده إذا ورد عليه" (^١).
• قال منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (ت ٤٨٩ هـ) ﵀: " قوله تعالى: ﴿قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين﴾ [الزمر: الآية: ١١]، أي: مخلصا له التوحيد، وإخلاص التوحيد: أن لا تشرك به غيره" (^٢).
• قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "وكلمة التوحيد لها فضائل عظيمة لا يمكن ها هنا استقصاؤها؛ فلنذكر بعض ما ورد فيها. فهي كلمة التقوى، كما قاله عمر وغيره من الصحابة. وهي كلمة الإخلاص " (^٣).
• وقال محمد بن أحمد السفاريني (ت: ١١٨٨ هـ) ﵀: " كلمة الإخلاص، وهي لا إله إلا الله وهي أس الإيمان" (^٤).
• قال عبيد الله الرحماني المباركفوري (ت: ١٤١٤ هـ) ﵀: "وكلمة الإخلاص: هي كلمة التوحيد لله تعالى بأنه المعبود بحق، وسميت كلمة التوحيد كلمة الإخلاص؛ لأنها لا تكون سببا للخلاص إلا إذا كانت مقرونة بالإخلاص" (^٥).
_________________
(١) كتاب النكت الدالة على البيان في أنواع العلوم والأحكام ٢/ ٢٧.
(٢) تفسير السمعاني ٤/ ٤٦٢.
(٣) كتاب التوحيد أو تحقيق كلمة الإخلاص ص ٧٤.
(٤) لوائح الأنوار السنية ولوائح الأفكار السنية ٢/ ٢٠٠.
(٥) مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ٨/ ١٥٨.
[ ٦٨ ]
الاسم العاشر: ومن أسماء التوحيد "الطيب من القول".
• قال تعالى: " ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الحج: الآية: ٢٤]،
• قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: "هو شهادة أن لا إله إلا الله" (^١).
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿وهدوا﴾ في الدنيا ﴿إلى الطيب من القول﴾ يعنى التوحيد، وهو قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كقوله: ﴿كلمة طيبة …﴾ [إبراهيم: ٢٤] يعنى التوحيد" (^٢).
• قال الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "وقوله: ﴿وَهُدُوا إلى الطّيّبِ مِنَ القَوْلِ﴾ يقول تعالى ذكره: وهداهم ربهم في الدنيا إلى شهادة أن لا إله إلا الله" (^٣).
• قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: "هو لا إله إلا الله" (^٤).
• قال أبو إسحاق أحمد الثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ) ﵀: " ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ وهو شهادة أن لا إله إلاّ الله" (^٥).
• قال ابن عطية (ت: ٥٤١ هـ) ﵀: "و﴿الطيب من القول﴾ لا إله إلاَّ الله وما جرى معها من ذكر الله تعالى وتسبيحه وتقديسه" (^٦).
• قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "الطيب المطلق هو: معرفة ألا إله إلا الله، وذكر لا إله إلا الله، والاستغراق في أنوار
_________________
(١) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الحج: الآية: ٢٤).
(٢) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة الحج: الآية: ٢٤).
(٣) تفسير الطبري (سورة الحج: الآية: ٢٤).
(٤) تفسير القرآن العزيز لابن زمنين (سورة الحج: الآية: ٢٤).
(٥) تفسير الثعلبي (سورة الحج: الآية: ٢٤).
(٦) تفسير ابن عطية (سورة الحج: الآية: ٢٤).
[ ٦٩ ]
جلال لا إله إلا الله، فلهذا السبب قال تعالى: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنْ الْقَوْلِ﴾ [الحج: الآية: ٢٤]، والمراد منه: كلمة لا إله إلا الله" (^١).
• قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: "وقد قال بعض المفسرين في قوله: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ أي: القرآن. وقيل: لا إله إلا الله. وقيل: الأذكار المشروعة" (^٢).
الاسم الحادي عشر: ومن أسماء التوحيد "الكلمة الطبية".
• قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦)﴾ [إبراهيم: الآيات: ٢٤ - ٢٦].
• عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄ في قوله: ﴿مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ شهادة أن لا إله إلا الله" (^٣).
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة﴾، يعني حسنة، يعني كلمة الإخلاص، وهي التوحيد" (^٤).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "ويعني بالطيبة: الإيمان به جلّ ثناؤه" (^٥).
_________________
(١) عجائب القرآن للرازي ص ٥٥.
(٢) تفسير ابن كثير (سورة الحج: الآية: ٢٤).
(٣) تفسير ابن أبي حاتم (سورة إبراهيم: الآية: ٢٤)، وتفسير ابن كثير (سورة إبراهيم: الآية: ٢٤).
(٤) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة إبراهيم: الآية: ٢٤).
(٥) تفسير الطبري (سورة إبراهيم: الآية: ٢٤).
[ ٧٠ ]
• قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: " ﴿ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة﴾ هي: لا إله إلا الله" (^١).
• قال أبو إسحاق أحمد الثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ) ﵀: " ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ شهادة أن لا إله إلاّ الله" (^٢).
• قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: "وقيل: الكلمة الطيبة أصلها ثابت، هي ذات أصل في القلب، يعني التوحيد" (^٣).
• قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: " ﴿كلمة طيبة﴾، هي قول: لا إله إلا الله" (^٤).
• قال العز بن عبد السلام (ت: ٦٣٩ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء﴾ [إبراهيم: الآية: ٢٤] ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ [إبراهيم: الآية: ٢٥]، ذكر ذلك ترغيبا في كلمة التوحيد" (^٥).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والله سبحانه مثل الكلمة الطيبة أي: كلمة التوحيد بشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء. فبين بذلك أن الكلمة الطيبة لها أصل ثابت في قلب المؤمن ولها فرع عال وهي ثابتة في قلب ثابت كما قال ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ
_________________
(١) تفسير ابن أبي زمنين (سورة إبراهيم: الآية: ٢٤).
(٢) تفسير الثعلبي (سورة إبراهيم: الآية: ٢٤).
(٣) تفسير مكي بن أبي طالب (سورة إبراهيم: الآية: ٢٤).
(٤) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة إبراهيم: الآية: ٢٤).
(٥) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة إبراهيم: الآية: ٢٤). قواعد الأحكام في مصالح الأنام ١/ ١٦٣.
[ ٧١ ]
الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: الآية: ٢٧]، فالمؤمن عنده يقين وطمأنينة والإيمان في قلبه ثابت مستقر وهو في نفسه ثابت على الإيمان مستقر لا يتحول عنه" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: " "لا إله إلا الله". فإن في هذه الكلمة الطيبة التي هي ﴿كَشَجَرَة طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِت وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: الآية: ٢٤]، فيها إثبات معرفته والإقرار به. وفيها إثبات محبته فإن الإله هو المألوه الذي يستحق أن يكون مألوها؛ وهذا أعظم ما يكون من المحبة. وفيها أنه لا إله إلا هو. ففيها المعرفة والمحبة والتوحيد" (^٢).
• قال ابن عاشور (ت: ١٣٩٣ هـ) ﵀: "والكلمة الطيبة قيل: هي كلمة الإسلام، وهي: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؛ والكلمة الخبيثة: كلمة الشرك" (^٣).
الاسم الثاني عشر: ومن أسماء التوحيد "الكلم الطيب".
• قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ [فاطر: الآية: ١٠].
• قال السدي (ت: ١٢٨ هـ) ﵀: "قوله ﷿: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾، يعني: التوحيد" (^٤).
• قال يحيى بن سلام بن أبي ثعلبة، التيمي (ت: ٢٠٠ هـ) ﵀:
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٣/ ١٥٩.
(٢) مجموع الفتاوى ١٦/ ٣٤٥.
(٣) تفسير ابن عاشور (سورة إبراهيم: الآية: ٢٤).
(٤) تفسير يحيى بن سلام. (سورة القصص: الآية: ٥٧).
[ ٧٢ ]
"قوله ﷿: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ [فاطر: ١٠] "التوحيد".
﴿والعمل الصالح يرفعه﴾ [فاطر: ١٠] "التوحيد"، لا يرتفع العمل إلا بالتوحيد كقوله: ﴿وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا﴾ [الإسراء: ١٩] " (^١).
• قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿من كان يريد العزة فلله العزة جميعا﴾ [فاطر: الآية: ١٠]، تفسير قتادة (ت: ١١٨ هـ)، يقول: من كان يريد العزة؛ فليتعزز بطاعة الله ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ [فاطر: الآية: ١٠]، هو التوحيد ﴿والعمل الصالح يرفعه﴾ [فاطر: الآية: ١٠]، التوحيد؛ لا يرتفع العمل إلا بالتوحيد" (^٢).
• قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "وقوله تعالى: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ [فاطر: الآية: ١٠]، أي التوحيد والتمجيد وذكر الله ونحوه" (^٣).
• قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: " ﴿إليه﴾ أي: إلى الله، ﴿يصعد الكلم الطيب﴾ وهو قوله لا إله إلا الله" (^٤).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ [فاطر: الآية: ١٠]، ومن لم يكن معه أصل ثابت فإنه يحرم الوصول؛ لأنه ضيع الأصول؛ ولهذا تجد أهل البدع والشبهات لا يصلون إلى غاية محمودة كما قال تعالى: ﴿له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما
_________________
(١) تفسير يحيى بن سلام. (سورة فاطر: الآية: ١٠).
(٢) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين ٤/ ٢٦.
(٣) تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ٤/ ٤٣١.
(٤) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة فاطر: الآية: ١٠).
[ ٧٣ ]
هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال﴾ [الرعد: الآية: ١٤] " (^١).
الاسم الثالث عشر: ومن أسماء التوحيد "المثل الأعلى".
• قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل: الآية: ٦٠].
• قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: ﴿المثل الأعلى﴾، "شهادة أن لا إله إلا الله" (^٢).
• عن قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀: "قوله: ﴿للّذِينَ لا يُوءْمِنُونَ بالَاخِرَةِ مَثَلُ السّوْءِ وَلِلّهِ المَثَلْ الأعْلَى﴾، الإخلاص والتوحيد" (^٣).
• عن قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀: ﴿وَلِلّهِ المَثَلُ الأعْلَى﴾ قال: "شهادة أن لا إله إلا الله" (^٤).
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿ولله المثل الأعلى﴾؛ لأنه ﵎ ربا واحد لا شريك له ولا ولد" (^٥).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: " يقول: ﴿ولله المثل الأعلى﴾، وهو الأفضل والأطيب، والأحسن، والأجمل، وذلك
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٣/ ١٥٩ - ١٦٠.
(٢) تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي. (سورة النحل: الآية: ٦٠)، تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة النحل: الآية: ٦٠).
(٣) تفسير الطبري (سورة النحل: الآية: ٦٠).
(٤) تفسير الطبري (سورة النحل: الآية: ٦٠)، وأورده السيوطي في الدر المنثور (تفسير سورة النحل: الآية: ٦٠) وقال: وأخرجه عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٥) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة النحل: الآية: ٦٠).
[ ٧٤ ]
التوحيد والإذعان له بأنه لا إله غيره" (^١).
• قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: " ﴿للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى﴾ يقول: ولله الإخلاص والتوحيد؛ في تفسير قتادة" (^٢).
• قال أبو إسحاق أحمد الثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ) ﵀: " ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾، الصفة العليا، وهي التوحيد والإخلاص. وقال ابن عبّاس: ﴿مثل السوء﴾: النار، ﴿المثل الأعلى﴾: شهادة أن لا إله إلاّ الله" (^٣).
• قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: " ﴿ولله المثل الأعلى﴾. أي: الأفضل والأكمل والأحسن وهو التوحيد" (^٤).
• قال علي بن محمد الماوردي (ت: ٤٥٠ هـ) ﵀: " ﴿ولله المَثلُ الأعلى﴾، فيه وجهان:
أحدهما: الصفة العليا بأنه خالق ورزاق وقادر ومُجازٍ.
الثاني: الإخلاص والتوحيد، قاله قتادة" (^٥).
• قال الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ) ﵀: " ﴿ولله المثل الأعلى﴾، الإخلاص والتوحيد، وهو شهادة أن لا إله إلا الله" (^٦).
• قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: " ﴿ولله المثل الأعلى﴾، الصفة العليا، وهي التوحيد وأنه لا إله إلا هو. وقيل: جميع
_________________
(١) تفسير الطبري (سورة النحل: الآية: ٦٠).
(٢) تفسير ابن أبي زمنين (سورة النحل: الآية: ٦٠).
(٣) تفسير الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي (سورة النحل: الآية: ٦٠).
(٤) تفسير الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن أبي طالب. (سورة النحل: الآية: ٦٠).
(٥) تفسير النكت والعيون للماوردي. (سورة النحل: الآية: ٦٠).
(٦) تفسير الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي. (سورة النحل: الآية: ٦٠).
[ ٧٥ ]
صفات الجلال والكمال، من العلم، والقدرة، والبقاء، وغيرها من الصفات. قال ابن عباس: ﴿مثل السوء﴾: النار، و﴿المثل الأعلى﴾: شهادة أن لا إله إلا الله" (^١).
• قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: " ﴿ولله المثل الأعلى﴾، أي: الوصف الأعلى من الإخلاص والتوحيد، قاله قتادة. وقيل: أي: الصفة العليا بأنه خالق رازق قادر ومجاز. وقال ابن عباس: ﴿مثل السوء﴾، النار، و﴿المثل الأعلى﴾، شهادة أن لا إله إلا الله" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "المثل الأعلى يتضمن الصفة العليا وعلم العالمين بها ووجودها العلمي والخبر عنها وذكرها وعبادة الرب سبحانه بواسطة العلم والمعرفة القائمة بقلوب عابديه وذاكريه فهاهنا أربعة أمور:
[الأول]: ثبوت الصفات العليا لله سبحانه في نفس الأمر علمها العباد أو جهلوها وهذا معنى قول من فسره بالصفة.
الثاني: وجودها في العلم والتصور وهذا معنى قول من قال من السلف والخلف إنه ما في قلوب عابديه وذاكريه من معرفته وذكره ومحبته وإجلاله وتعظيمه وهذا الذي في قلوبهم من المثل الأعلى لا يشترك فيه غيره معه بل يختص به في قلوبهم كما اختص في ذاته وهذا معنى قول من قال من المفسرين أهل السماء يعظمونه ويحبونه ويعبدونه وأهل الأرض يعظمونه ويجلونه وإن أشرك به من أشرك وعصاه من عصاه وجحد صفاته من جحدها فكل أهل الأرض معظمون له مجلون له
_________________
(١) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة النحل: الآية: ٦٠).
(٢) تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي. (سورة النحل: الآية: ٦٠).
[ ٧٦ ]
خاضعون لعظمته مستكينون لعزته وجبروته قال تعالى: ﴿بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون﴾ [البقرة: الآية: ١١٦] فلست تجد أحدا من أوليائه وأعدائه إلا والله أكبر في صدره وأكمل وأعظم من كل سواه.
الثالث: ذكر صفاته والخبر عنها وتنزيهها عن النقائص والعيوب والتمثيل.
الرابع: محبة الموصوف بها وتوحيده والإخلاص له والتوكل عليه والإنابة إليه وكلما كان الإيمان بالصفات أكمل كان هذا الحب والإخلاص أقوى فعبارات السلف تدور حول هذه المعاني الأربعة لا تتجاوزها" (^١).
• قال الشوكاني (ت: ١٢٥٥ هـ) ﵀: " ﴿وَلِلَّهِ المثل الأعلى﴾ وهو أضداد صفة المخلوقين من الغنى الكامل، والجود الشامل، والعلم الواسع، أو التوحيد وإخلاص العبادة، أو أنه خالق رازق قادر مجاز؛ وقيل: شهادة أن لا إله إلاّ الله؛ وقيل: ﴿الله نُورُ السماوات والأرض مَثَلُ نُورِهِ﴾ [النور: الآية: ٣٥] " (^٢).
الاسم الرابع عشر: ومن أسماء كلمة التوحيد "أم الخصال الحميدة وأساسها".
• قال تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَة فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: الآية: ٢٨]
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀:
_________________
(١) الصواعق المرسلة ٣/ ١٠٣٥.
(٢) تفسير فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم التفسير للشوكاني. (سورة النحل: الآية: ٦٠).
[ ٧٧ ]
" ﴿وَجَعَلَهَا﴾ أي: هذه الخصلة الحميدة، التي هي أم الخصال وأساسها، وهي إخلاص العبادة للّه وحده، والتبرِّي من عبادة ما سواه" (^١).
الاسم الخامس عشر: ومن أسماء التوحيد "كلمة التقوى".
• قال تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الفتح: الآية: ٢٦].
• عن الطفيل بن أبي بن كعب (ت: ٨١ هـ) ﵀، عن أبيه (ت: ٣٠ هـ) ﵁، سمع رسول الله-ﷺ-يقول: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ قال: "لا إلَه إلا اللّهُ" (^٢).
• عن عثمان بن عفان (ت: ٣٥ هـ) ﵁-قال: سمعت رسول الله-ﷺ-يقول: "ثم إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد حقا من قلبه إلا حرم على النار".
فقال له عمر بن الخطّاب (ت: ٢٣ هـ) ﵁: أنا أحدثك ما هي كلمة الإخلاص التي أعز الله ﵎ بها محمد-ﷺ، وهي كلمة التقوى … " الحديث (^٣).
• عن علي بن أبي طالب (ت: ٤٠ هـ) ﵁، في قوله (وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى) قال: لا إله إلا الله" (^٤).
• وفي سنن سعيد بن منصور (ت: ٢٢٧ هـ) ﵀-بسنده سمعت
_________________
(١) تفسير ابن سعدي (سورة الزخرف: الآية: ٢٨).
(٢) تفسير الطبري (سورة الفتح الآية: ٢٦).
(٣) أخرج أحمد في مسنده (١/ ٦٣).
(٤) تفسير الطبري (سورة الفتح الآية: ٢٦).
[ ٧٨ ]
على الأزدي (ت: ١٨٧ هـ) ﵀-يقول: يقول: سمعت ابن عمر (ت: ٧٣ هـ) ﵄-وسمع الناس يقولون: "لا إله إلا الله والله أكبر" بين مكة ومنى؛ فقال: هي هي. فقلت: وما هي هي؟ قال: قول الله ﷿: ﴿وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها﴾ [الفتح: الآية: ٢٦]: لا إله إلا الله" (^١).
• عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄، قوله ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾، يقول: شهادة أن لا إله إلا الله، فهي كلمة التقوى، يقول: فهي رأس التقوى" (^٢).
• عن سعيد بن جبير (ت: ٩٥ هـ) ﵀؛ في قوله ﷿: ﴿وألزمهم كلمة التقوى﴾ قال: "لا إله إلا الله" (^٣).
• عن قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀: ﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ "وكان المسلمون أحقّ بها، وكانوا أهلها: أي التوحيد، وشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله" (^٤).
• قال سهل التستري (ت: ٢٨٣ هـ) ﵀: "هي كلمة لا إله إلا الله فإنها رأس التقوى، ثم قال: خير الناس المسلمون، وخير المسلمين المؤمنين، وخير المؤمنين العلماء العاملون، وخير العاملين الخائفون، وخير الخائفين المخلصون المتقون الذين وصلوا إخلاصهم وتقواهم بالموت، فإن مثله كمثل راكب السفينة بالبحر، لا يدري أينجو منه أن يغرق فيه، والذين تم لهم ذلك أصحاب رسول الله ﷺ بقوله: ﴿وألزمهم
_________________
(١) سنن سعيد بن منصور تكملة التفسير ٧/ ٣٨١.
(٢) تفسير الطبري (سورة الفتح الآية: ٢٦)، وكتاب الأسماء والصفات للبيهقي ١/ ٢٧١.
(٣) سنن سعيد بن منصور تكملة التفسير ٧/ ٣٧٩.
(٤) تفسير الطبري (سورة الفتح الآية: ٢٦).
[ ٧٩ ]
كلمة التقوى﴾ " (^١).
• قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ): " ﴿وألزمهم كلمة التقوى﴾ قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ)، ومجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ)، والضحاك بن مزاحم (ت: ١٠٢ هـ)، وقتادة (ت: ١١٨ هـ)، وعكرمة (ت: ١٠٥ هـ)، والسدي (ت: ١٢٨ هـ)، وابن زيد (ت: ١٨٢ هـ)، وأكثر المفسرين: كلمة التقوى "لا إله إلا الله" (^٢).
• قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ): "وألزمهم كلمة التقوى قيل: لا إله إلا الله. روي مرفوعا من حديث أبي بن كعب (ت: ٣٠ هـ تقريبًا) عن النبي-ﷺ. وهو قول علي (ت: ٤٠ هـ) ﵁، وابن عمر (ت: ٧٣ هـ) ﵄، وابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄، وعمرو بن ميمون (ت: ٧٤ هـ) ﵀، ومجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀، وقتادة (ت: ١١٨ هـ) ﵀، وعكرمة (ت: ١٠٥ هـ) ﵀، والضحاك بن مزاحم (ت: ١٠٢ هـ) ﵀، وسلمة بن كهيل (ت: ١٢١ هـ تقريبًا) ﵀، وعبيد بن عمير (ت: ٦٨ هـ) ﵀، وطلحة بن مصرف (ت: ١١٢ هـ) ﵀، والربيع (ت: ١٤٠ هـ تقريبًا) ﵀، والسدي (ت: ١٢٨ هـ) ﵀، وابن زيد (ت: ١٨٢ هـ) ﵀، وقاله عطاء الخراساني (ت: ١٣٥ هـ) ﵀، وزاد " محمد رسول الله"؛ وعن علي (ت: ٤٠ هـ) ﵁، وابن عمر (ت: ٧٣ هـ) ﵂، أيضا هي لا إله إلا الله والله أكبر. وقال عطاء بن أبي رباح (ت: ١١٤ هـ) ﵀، ومجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀، أيضا: هي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. وقال الزهري (ت: ١٢٤ هـ) ﵀: بسم الله الرحمن الرحيم. يعني أن المشركين لم يقروا بهذه الكلمة، فخص الله بها
_________________
(١) تفسير التستري ص ١٤٨.
(٢) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الفتح الآية: ٢٦).
[ ٨٠ ]
المؤمنين. وكلمة التقوى هي التي يتقى بها من الشرك. وعن مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀، أيضا أن كلمة التقوى الإخلاص" (^١).
الاسم السادس عشر: ومن أسماء التوحيد "سبيل التقوى".
• قال تعالى: ﴿ينزّل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنَّه لا إله إلاَّ أنا فاتَّقُون﴾ [النحل: الآية: ٢].
فالتوحيد أعظم نعمة أنعمها الله تعالى على عباده حيث هداهم إليه، كما جاء في سورة النحل التي تسمى سورة النعم، فالله ﷿ قدّم نعمة التوحيد على كل نعمة.
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: "أمرهم الله ﷿ أن ينذروا الناس، فقال: ﴿أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون﴾ [آية: ٢]، يعنى فاعبدون" (^٢).
• قال الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ) ﵀: " ﴿أنه لا إله إلا أنا﴾ مع تخويفهم إن لم يقروا ﴿فاتقون﴾ بالتوحيد والطاعة" (^٣).
• قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "ثم العقل أيضا ليس بكامل النورانية والصفاء والإشراق حتى يستكمل بمعرفة ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله ومعرفة أحوال عالم الأرواح والأجساد، وعالم الدنيا والآخرة، ثم إن هذه المعارف الشريفة الإلهية لا تكمل ولا تصفو إلا بنور الوحي والقرآن" (^٤).
_________________
(١) تفسير القرطبي (سورة لقمان الآية: ٢٦).
(٢) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة النحل: الآية: ٢).
(٣) تفسير الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي. (سورة النحل: الآية: ٢).
(٤) تفسير مفاتح الغيب للرازي (سورة النحل: الآية: ٢).
[ ٨١ ]
• قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "وأشرف المعارف وأجلها معرفة أنه لا إله إلا هو، وإليه الإشارة بقوله: ﴿أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا﴾ والقوة الثانية للنفس: استعدادها للتصرف في أجسام هذا العالم، وهذه القوة هي القوة المسماة بالقوة العملية، وسعادة هذه القوة في الإتيان بالأعمال الصالحة، وأشرف الأعمال الصالحة هو عبودية الله تعالى، وإليه الإشارة بقوله: ﴿فاتقون﴾ ولما كانت القوة النظرية أشرف من القوة العملية وسعادة هذه القوة في الإنباء بالأعمال الصالحة وأشرف الأعمال الصالحة هو عبودية الله تعالى، وإليه الإشارة بقوله ﴿فاتقون) ولما كانت القوة النظرية أشرف من القوة العملية لا جرم قدم الله تعالى كمالات القوة النظرية، وهي قوله: ﴿لا إله إلا أنا﴾ على كمالات القوة العملية وهي قوله: ﴿فاتقون﴾ " (^١).
• وقال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "سميت هذه الكلمة بكلمة التقوى: هو أن هذه الكلمة واقية لبدنك من السيف، ولمالك من الاستغنام، ولذمتك من الجزية، ولأولادك من السبي، فإن انضاف القلب إلى اللسان صارت واقية لقلبك عن الكفر، وإن انضم التوفيق إليه صارت واقية لجوارحك عن المعاصي" (^٢).
• قال البيضاوي (ت: ٦٨٥ هـ) ﵀: "والآية تدل على التنبيه على التوحيد الذي هو منتهى كمال القوة العلمية، والأمر بالتقوى الذي هو أقصى كمال القوة العملية" (^٣).
• قال ابن عاشور (ت: ١٣٩٣ هـ) ﵀: "وقد أحاطت جملة ﴿أن أنذروا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فاتقون﴾ بالشريعة كلها، لأن جملة ﴿أنذروا أنه
_________________
(١) تفسير مفاتح الغيب للرازي (سورة النحل: الآية: ٢).
(٢) عجائب القرآن للرازي ص ٦٠.
(٣) تفسير أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي (سورة النحل: الآية: ٢).
[ ٨٢ ]
لا إله إلا أنا﴾ تنبيه على ما يرجع من الشريعة إلى إصلاح الاعتقاد وهو الأمر بكمال القوة العقلية.
وجملة ﴿فاتقون﴾ تنبيه على الاجتناب والامتثال اللذين هما منتهى كمال القوة العملية" (^١).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "وزبدة دعوة الرسل كلهم ومدارها على قوله: ﴿أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فاتقون﴾ أي: على معرفة الله تعالى وتوحده في صفات العظمة التي هي صفات الألوهية وعبادته وحده لا شريك له فهي التي أنزل الله بها كتبه وأرسل رسله، وجعل الشرائع كلها تدعو إليها، وتحث وتجاهد من حاربها وقام بضدها" (^٢).
• قال الشيخ عبد الرحمن الدوسري (ت: ١٣٣٢ هـ) ﵀: "إن القلب إذا صفت مقاصده لله، وصفت معلوماته مما سواه، وانحشى بوحيه العزيز، وانشغل بذكر أسمائه الحسنى متدبرًا معانيها ومشتقاتها، ليعامل الله بمقتضاها ولا يأنس إلا بها؛ صفت موارده لخلوص مقاصده، فصار سليمًا، وفي حصن حصين من غزو أعدائه-شياطين الإنس والجن-الفكري ومن همزاتهم. فيثمر له صفاء علمه ومتعلقاته؛ حسن السلوك الذي يسيِّر الأعضاء والأحاسيس حسب مرضاة الله" (^٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "العبد عليه حقان:
حقٌ لله ﷿، وحقٌ لعباده. ثم الحق الذي عليه لا بد أن يُخِلَّ ببعضه أحيانا؛ إما بترك مأمور به، أو فعل منهيّ عنه، فقال النبي ﷺ:
_________________
(١) تفسير ابن عاشور (سورة النحل: الآية: ٢).
(٢) تفسير بن سعدي (سورة النحل: الآية: ٢).
(٣) صفوة الآثار والمفاهيم ١/ ٢١٧.
[ ٨٣ ]
«اتق الله حيثما كنت» وهذه كلمة جامعة، وفي قوله: «حيثما كنت» تحقيق لحاجته إلى التقوى في السر والعلانية، ثم قال: «واتبع السيئة الحسنة تمحها» فإن الطبيب متى تناول المريض شيئًا مضرًا أمره بما يصلحه.
والذنب للعبد كأنه أمر حتم؛ فالكيّس هو الذي لا يزال يأتي من الحسنات بما يمحو السيئات" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "التقوى: هي الاحتماء عما يضره بفعل ما ينفعه، فإن الاحتماء عن الضار يستلزم استعمال النافع، وأما استعمال النافع فقد يكون معه أيضًا استعمالًا لضار، فلا يكون صاحبه من المتقين" (^٢).
الاسم السابع عشر: ومن أسماء التوحيد "السبيل".
• قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: الآية: ١٠٨].
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿قل هذه﴾، ملة الإسلام، ﴿سبيلي﴾، يعنى سنتي، ﴿أدعوا إلى الله﴾، يعنى إلى معرفة الله، وهو التوحيد، ﴿على بصيرة﴾، يعنى على بيان، ﴿أنا ومن اتبعني﴾، على ديني، ﴿وسبحان الله﴾، نزه الرب نفسه عن شركهم، ﴿وما أنا من المشركين﴾ " (^٣).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "يقول تعالى
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٠/ ٦٥٥.
(٢) مجموع الفتاوى ١٠/ ١٤٤.
(٣) تفسير مقاتل بن سليمان. (سورة يوسف: الآية: ١٠٨).
[ ٨٤ ]
ذكره لنبيه محمد ﷺ: قُلْ يا محمد هَذِهِ الدعوة التي أدعو إليها، والطريقة التي أنا عليها من الدعاء إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له دون الَالهة والأوثان والانتهاء إلى طاعته وترك معصيته، سَبِيلِي وطريقتي ودعوتي أدْعُو إلى اللّهِ وحده لا شريك له على بَصِيرَةٍ بذلك، ويقين علم مني به، أنَا وَيدعو إليه على بصيرة أيضا مَنْ اتّبَعَنِي وصدّقني وآمن بي. وَسُبْحانَ اللّهِ يقول له تعالى ذكره: وقل تنزيها لله وتعظيما له من أن يكون له شريك في ملكه أو معبود سواه في سلطانه، وَما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ يقول: وأنا بريء من أهل الشرك به، لست منهم ولا هم مني" (^١).
• قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: " ﴿قل هذه سبيلي﴾ أي: ملتي ﴿أدعو إلى الله على بصيرة﴾ على يقين ﴿وسبحان الله﴾ أمره أن ينزه الله عما قال المشركون" (^٢).
• قال البيضاوي (ت: ٦٨٥ هـ) ﵀: " ﴿قل هذه سبيلي﴾ يعني الدعوة إلى التوحيد والإعداد للمعاد ولذلك فسر السبيل بقوله: ﴿أدعو إلى الله﴾ " (^٣).
• قال علي بن يحيى السمرقندي (ت: ٨٨٠ هـ تقريبًا) ﵀: " ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿هَذِهِ سَبِيلي﴾ يعني: هذه الملة، ديني الإسلام، ويقال: هذه دعوتي ﴿أدْعُوا﴾ الخلق ﴿إلَى الله﴾ تعالى. ويقال: أدعوكم إلى توحيد الله وعبادته ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ أي: على يقين وحقيقة. ويقال: على بيان ﴿أنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ يعني: من اتبعني على ديني، فهو أيضًا على بصيرة ﴿وَسُبْحَانَ الله﴾ تنزيهًا لله عن الشرك ﴿وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾
_________________
(١) تفسير الطبري. (سورة يوسف: الآية: ١٠٨).
(٢) تفسير ابن أبي زمنين. (سورة يوسف: الآية: ١٠٨).
(٣) تفسير أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي. (سورة يوسف: الآية: ١٠٨).
[ ٨٥ ]
على دينهم" (^١).
• قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: "قال تعالى: ﴿قل هذه سبيلي﴾ والمعنى: قل لهم يا محمد: هذه الدعوة التي أدعوكم إليها، والطريقة التي أنا عليها من الدعاء إلى توحيد الله ﷿، أدعوكم إلى الله سبحانه ﴿على بصيرة﴾ أي: على منهاج ظاهر، ويقين ﴿أنا ومن اتبعني﴾. ثم قال: ﴿وسبحان الله﴾: أي: وقل يا محمد سبحان الله: أي: تنزيها لله من شرككم، ﴿وما أنا من المشركين﴾ " (^٢).
• قال علي بن محمد الماوردي (ت: ٤٥٠ هـ) ﵀: "قوله ﷿: ﴿قل هذه سبيلي﴾ فيها تأويلان:
أحدهما: هذه دعوتي، قاله ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄.
الثاني: هذه سنتي، قاله عبد الرحمن بن زيد (ت: ١٨٢ هـ) ﵀. والمراد بها تأويلان:
أحدهما: الإخلاص لله تعالى بالتوحيد.
الثاني التسليم لأمره فيما قضاه" (^٣).
• قال عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي (ت: ٧١٠ هـ) ﵀: " ﴿قُلْ هذه سَبِيلِى﴾ هذه السبيل التي هي الدعوة إلى الإيمان والتوحيد سبيلي" (^٤).
• قال علي بن محمد بن إبراهيم الشيحي المعروف بالخازن (ت: ٧٤١ هـ) ﵀: " ﴿قل﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين ﴿هذه
_________________
(١) تفسير بحر العلوم لعلي بن يحيى السمرقندي. (سورة يوسف: الآية: ١٠٨).
(٢) تفسير الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن أبي طالب. (سورة يوسف: الآية: ١٠٨).
(٣) تفسير النكت والعيون للماوردي. (سورة يوسف: الآية: ١٠٨).
(٤) تفسير مدارك التنزيل وحقائق التأويل للنسفي. (سورة يوسف: الآية: ١٠٨).
[ ٨٦ ]
سبيلي﴾ يعني طريقي التي ﴿أدعو﴾ إليها وهي توحيد الله ﷿ ودين الإسلام وسمي الدين سبيلًا لأنه الطريق المؤدي إلى الله ﷿ وإلى الثواب والجنة. ﴿إلى الله﴾ يعني إلى توحيد الله والإيمان به" (^١).
• قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: "يقول الله تعالى لعبد ورسوله إلى الثقلين: الإنس والجن، آمرًا له أن يخبر الناس: أن هذه سبيله، أي طريقه ومسلكه وسنته، وهي الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يدعو إلى الله بها على بَصِيرة من ذلك، ويقين وبرهان، هو وكلّ من اتبعه، يدعو إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ على بصيرة ويقين وبرهان شرعي وعقلي" (^٢).
• قال محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الإيجي (ت: ٩٠٥ هـ تقريبًا) ﵀: " ﴿قُلْ هَذِهِ﴾ أي: الدعوة إلى التوحيد، ﴿سَبِيلِي﴾: طريقتي، ﴿أَدْعُو إِلَى اللّهِ﴾: بينان وتفسير للسبيل، ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾: معرفة وحجة، ﴿أَنَا﴾: تأكيد لضمير أدعوا، ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ أي: من آمن بي أيضا يدعوا إلى الله تعالى" (^٣).
• قال أبو السعود العمادي محمد بن محمد بن مصطفى (ت: ٩٨٢ هـ) ﵀: " ﴿قُلْ هذه سبيلي﴾ وهي الدعوةُ إلى التوحيد والإيمان بالإخلاص وفسّرها بقوله: ﴿أَدْعُو إلى الله على بَصِيرَةٍ﴾ بيانٍ وحجةٍ واضحةٍ غيرِ عمياءَ" (^٤).
_________________
(١) تفسير لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن. (سورة يوسف: الآية: ١٠٨).
(٢) تفسير القرآن العظيم لابن كثير. (سورة يوسف: الآية: ١٠٨).
(٣) تفسير جامع البيان في تفسير القرآن للإيجي. (سورة يوسف: الآية: ١٠٨).
(٤) إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود. (سورة يوسف: الآية: ١٠٨).
[ ٨٧ ]
• قال شهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي (ت: ١٢٧٠ هـ) ﵀: " ﴿قُلْ هذه سَبِيلِى﴾ أي هذه السبيل التي هي الدعوة إلى الإيمان والتوحيد سبيلي" (^١).
الاسم الثامن عشر: ومن أسماء التوحيد "القول السديد".
• قال تعالى: ﴿وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ [النساء: الآية: ٩].
• قال تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم﴾ [الأحزاب: الآيات: ٧٠ - ٧١].
• قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: "القول السداد: لا إله إلا الله" (^٢).
• عن عكرمة (ت: ١٠٥ هـ) ﵀: قال: "قولوا: لا إله إلا الله" (^٣).
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا﴾ يعني قولا عدلا، وهو التوحيد" (^٤).
_________________
(١) تفسير روح المعاني للألوسي. (سورة يوسف: الآية: ١٠٨).
(٢) كتاب الأسماء والصفات للبيهقي ١/ ٢٧١، تفسير القرطبي (سورة الأحزاب الآية: ٧٠)، تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي. (سورة الأحزاب الآية: ٧٠).
(٣) تفسير الطبري (سورة الأحزاب الآية: ٧٠)، تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الأحزاب الآية: ٧٠)، تفسير الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي. (سورة الأحزاب الآية: ٧٠)، تفسير الهداية في بلوغ النهاية لمكي بن أبي طالب. (سورة الأحزاب الآية: ٧٠)، تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي. (سورة الأحزاب الآية: ٧٠)، وأورده السيوطي في الدر المنثور (سورة الأحزاب: الآية: ٧٠) وقال: وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله ﴿وقولوا قولًا سديدًا﴾ قال: قولوا لا إله إلا الله".
(٤) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة الأحزاب الآية: ٧٠).
[ ٨٨ ]
• قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: " ﴿وقولوا قولا سديدا﴾ أي: عدلًا؛ وهو: لا إله إلا الله" (^١).
• قال القشيري (ت: ٤٦٥ هـ) ﵀: "القول السديد كلمةُ الإخلاص، وهي الشهادتان عن ضميرٍ صادق" (^٢).
• قال الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ) ﵀: "وقوله ﴿وقولوا قولا سديدا﴾ أي حقا وصوابا قيل هو لا إله إلا الله" (^٣).
• قال العز بن عبد السلام (ت: ٦٣٩ هـ) ﵀: " ﴿سَدِيدا﴾ عدلًا، أو صدقًا، أو صوبًا، أو قول لا إله إلا الله، أو يوافق باطنه ظاهره، أو ما أريد به وجه الله-تعالى-دون غيره" (^٤).
• قال محمد بن يعقوب الفيروزأبادي (ت: ٨١٧ هـ) ﵀: "يعنى كلمة التوحيد" (^٥).
الاسم التاسع عشر: ومن أسماء التوحيد "القول الثابت".
• قال تعالى: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء﴾ [إبراهيم: الآية: ٢٧].
• عن البراء بن عازب (ت: ٧٢ هـ) ﵁ مرفوعًا: «المسلمُ إذا سُئِلَ في القَبْرِ يَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فذلك قولُهُ تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الذِينَ آمَنُوا بالقَوْلِ الثَّابِتِ في الحَيَاةِ الدُّنْيَا وفي
_________________
(١) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين (سورة الأحزاب الآية: ٧٠) ٣/ ٤١٥.
(٢) تفسير لطائف الإشارات للقشيري (سورة الأحزاب الآية: ٧٠).
(٣) تفسير الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي. (سورة الأحزاب الآية: ٧٠).
(٤) تفسير العز بن عبد السلام (سورة الأحزاب الآية: ٧٠).
(٥) بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز ٤/ ٣٠٦.
[ ٨٩ ]
الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]» (^١).
• قال طاووس (ت: ١٠٦ هـ) ﵀: " ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال: لا إله إلا الله، ﴿وَفِي الآخِرَةِ﴾ المسألة في القبر" (^٢)
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ثم ذكر المؤمنين بالتوحيد في حياتهم وبعد موتهم، فقال سبحانه: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت﴾، وهو التوحيد، ﴿في الحياة الدنيا﴾، ثم قال: ﴿و﴾ يثبتهم ﴿وفي الآخرة﴾، يعني في قبره في أمر منكر ونكير بالتوحيد، وذلك أن المؤمن يدخل عليه ملكان أحدهما منكر والآخر نكير، فيجلسانه في القبر، فيسألانه: من ربك؟ وما دينك؟ ومن رسولك؟ فيقول: ربي الله ﷿، وديني الإسلام، ومحمد ﷺ رسولي، فيقولان له: وقيت وهديت، ثم يقولان: اللهم إن عبدك أرضاك فأرضه، فذلك قوله سبحانه: ﴿وفي الآخرة﴾، أي يثبت الله قول الذين آمنوا" (^٣).
• قال الفراء (ت: ٢٠٧ هـ) ﵀: "يقال: بلا إله إلا الله فهذا في الدنيا. وإذا سئل عنها في القبر بعد موته قالها إذا كان من أهل السَّعادة، وإذا كان منْ أهل الشقاوة لم يقلها. فذلك قوله-﷿: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ عنها أي عن قول لا إله إلا الله" (^٤).
• قال منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٣٦٩)، ومسلم (٢٨٧١).
(٢) تفسير عبد الرزاق (سورة إبراهيم: الآية: ٢٧)، وتفسير ابن كثير (سورة إبراهيم: الآية: ٢٧).
(٣) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة إبراهيم: الآية: ٢٧).
(٤) تفسير معاني القرآن للفراء (سورة إبراهيم: الآية: ٢٧).
[ ٩٠ ]
السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (ت ٤٨٩ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت﴾ القول الثابت: كلمة التوحيد وهي لا إله إلا الله" (^١).
• قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت﴾، كلمة التوحيد، وهي قول: لا إله إلا الله ﴿في الحياة الدنيا﴾، يعني قبل الموت، ﴿وفي الآخرة﴾، يعني في القبر. هذا قول أكثر أهل التفسير" (^٢).
• قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "القول الثابت في الحياة الدنيا، كلمة الإخلاص، والنجاة من النار: لا إله إلا الله، والإقرار بالنبوة" (^٣).
• قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: "فالقول الثابت هو كلمة التوحيد" (^٤).
• قال عبد الرحمن الثعالبي المالكي (ت: ٨٧٥ هـ) ﵀: " ﴿بالقول الثابت فِي الحياة الدنيا﴾: كلمةُ الإِخلاصِ والنجاةِ من النَّار: "لا إله إِلا اللَّه"، والإِقرارُ بالنبوءة" (^٥).
الاسم العشرون: ومن أسماء التوحيد "الإحسان".
• قال تعالى: ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ [الرحمن: الآية: ٦٠].
_________________
(١) تفسير السمعاني ٣/ ١١٥، (سورة إبراهيم: الآية: ٢٧).
(٢) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة إبراهيم: الآية: ٢٧).
(٣) تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ٣/ ٣٣٧.
(٤) تفسير ابن كثير (سورة إبراهيم: الآية: ٢٧).
(٥) تفسير الجواهر الحسان في تفسير القرآن للثعالبي (سورة إبراهيم: الآية: ٢٧).
[ ٩١ ]
• قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄، والمفسرون: هل جزاء من قال لا إله إلا الله وعمل بما جاء به محمد ﷺ إلا الجنة" (^١).
• قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "وحكى النقاش أن النبي ﷺ فسر هذه الآية: «هل جزاء التوحيد إلا الجنة» " (^٢).
• قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: الآية: ٢٦].
• قال فخر الدين الرازي (٦٠٦ هـ) ﵀: "والمراد من قوله: ﴿للذين أحسنوا﴾ هو: قول لا إله إلا الله باتفاق أهل التفسير. وبدليل أنه لو قال ذلك ومات ولم يتفرغ لعمل آخر دخل الجنة" (^٣).
• قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [فصلت: الآية: ٣٣]. واتفقوا على أن هذه الآية نزلت في فضيلة الأذان، وما ذلك إلا لاشتمال الأذان على كلمة لا إله إلا الله. وأيضًا فإنه تعالى قال في صفة الكافرين: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: الآية: ٢٢]. فكما أنه لا قبيح أقبح من كلمة الكفر، لا حسن أحسن من كلمة التوحيد. ولهذا قال تعالى في أول سورة المؤمنين: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: الآية: ١]. وقال في آخر السورة: ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: الآية: ١١٧]، ثم إنه لما كان قول الموحد حسنًا كان مقيله حسنًا، كما قال تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: الآية: ٢٤]. ولما كان الكافر قبيحًا كان مقيله أيضًا مظلمًا، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: الآية: ٢٥٧].
_________________
(١) بصائر ذوي التمييز ٢/ ٤٦٦؛ تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الرحمن الآية: ٦٠).
(٢) تفسير ابن عطية (سورة الرحمن الآية: ٦٠)، ٥/ ٢٣٤.
(٣) عجائب القرآن للرازي ص ٤٩.
[ ٩٢ ]
• وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: الآية: ١٨]. ولا شك أن أحسن القول لا إله إلا الله.
• وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: الآية: ٩٠]. قيل: العدل: الإعراض عما سوى الله تعالى، والإحسان: الإقبال على الله تعالى.
• وقال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: الآية: ٧]. ولا شك أن الإحسان قول: لا إله إلا الله.
• عن أبي موسى الأشعري (ت: ٤٤ هـ) ﵁-قال: قال رسول الله ﷺ ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ [يونس: الآية: ٢٦]: «للذين قالوا: لا إله إلا الله الحسنى وهي الجنة، والزيادة هي النظر إلى وجهه الكريم» " (^١).
الاسم الحادي والعشرون: ومن أسماء التوحيد "كلمة الصدق".
قال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: الآية: ٣٣].
• عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄، قوله: ﴿وَالّذِي جاءَ بالصّدْقِ﴾، يقول: من جاء بلا إله إلا الله، ﴿وَصَدّقَ بِهِ﴾ يعني: رسوله" (^٢).
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿والذي جاء
_________________
(١) عجائب القرآن للرازي ص ٤٩ - ٥٠.
(٢) تفسير الطبري (سورة الزمر: الآية: ٣٣) وأورده السيوطي في الدر المنثور (سورة الزمر: الآية: ٣٣)، قال: "وأخرج ابن جرير (ت: ٣١٠ هـ)، وابن المنذر (ت: ٣١٨ هـ)، وابن أبي حاتم (ت: ٣٢٧ هـ)، وابن مردويه (ت: ٤١٠ هـ)، والبيهقي (ت: ٤٥٨ هـ) في الأسماء والصفات عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) في قوله ﴿والذي جاء بالصدق﴾ يعني بلا إله إلا الله ﴿وصدق به﴾ يعني برسول الله ﷺ ﴿أولئك هم المتقون﴾ يعني اتقوا الشرك".
[ ٩٣ ]
بالصدق﴾ يعني بالحق، وهو النبي-ﷺ-جاء بالتوحيد ﴿وصدق به﴾ يعني بالتوحيد، المؤمنون صدقوا بالذي جاء به محمد-ﷺ، والمؤمنون أصحاب النبي-ﷺ" (^١).
• قال إبراهيم الخواص (ت: ٢٩١ هـ) ﵀: "الصادق لا تراه إلا في فرض يؤديه أو فضل يعمل فيه" (^٢).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "قالوا: والصدق الذي جاء به: لا إله إلا الله، والذي صدّق به أيضا، هو رسول الله ﷺ" (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وقال بعضهم: "الصادق الذي يتهيأ له أن يموت ولا يستحيي من سره لو كشف، قال الله تعالى: ﴿فتمنوا الموت إن كنتم صادقين﴾ " (^٤).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "قيل: ثلاث لا تخطئ الصادق: الحلاوة، والملاحة، والهيبة" (^٥).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "حمل الصدق كحمل الجبال الرواسي. لا يطيقه إلا أصحاب العزائم. فهم يتقلبون تحته تقلب الحامل بحمله الثقيل" (^٦).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وقد أمر الله تعالى رسوله:
_________________
(١) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة الزمر: الآية: ٣٣).
(٢) مدارج السالكين (٣/ ٢٠).
(٣) تفسير الطبري (سورة الزمر: الآية: ٣٣).
(٤) مدارج السالكين ٢/ ٢٦٤.
(٥) مدارج السالكين (٣/ ٢٠).
(٦) مدارج السالكين ٢/ ٢٦٤.
[ ٩٤ ]
أن يسأله أن يجعل مدخله ومخرجه على الصدق. فقال: ﴿وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا﴾ [الإسراء: الآية: ٨٠].
وأخبر عن خليله إبراهيم ﷺ أنه سأله أن يهب له لسان صدق في الآخرين. فقال: ﴿واجعل لي لسان صدق في الآخرين﴾ [الشعراء: الآية: ٨٤].
وبشر عباده بأن لهم عنده قدم صدق ومقعد صدق. فقال تعالى: ﴿وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم﴾ [يونس: الآية: ٢].
وقال: ﴿إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر﴾ [القمر الآيات: ٥٤ - ٥٥].
فهذه خمسة أشياء: مدخل الصدق ومخرج الصدق. ولسان الصدق وقدم الصدق ومقعد الصدق" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الإيمان أساسه الصدق. والنفاق أساسه الكذب. فلا يجتمع كذب وإيمان إلا وأحدهما محارب للآخر" (^٢).
الاسم الثاني والعشرون: ومن أسماء التوحيد "كلمة الرشد".
قال تعالى: ﴿أليس منكم رجل رشيد﴾ [هود: الآية: ٧٨]
• قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄"وقول لوط ﵇ لقومه: ﴿أليس منكم رجل رشيد﴾ [هود: الآية: ٧٨] قال: أليس منكم رجل يقول: لا إله إلا الله؟ " (^٣).
_________________
(١) مدارج السالكين ٢/ ٢٧٠.
(٢) مدارج السالكين ٢/ ٢٥٨.
(٣) تفسير ابن أبي حاتم (سورة هود: الآية: ٧٨)، كتاب الأسماء والصفات للبيهقي ١/ ٢٧١.
[ ٩٥ ]
• قال عكرمة (ت: ١٠٥ هـ) ﵀: "رجل يقول: لا إله إلا الله" (^١).
• قال سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي الصرصري الحنبلي (ت ٧١٦ هـ) ﵀: " قال تعالى: ﴿وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد﴾ [غافر: الآية: ٣٨] دعاهم إلى التوحيد، والإيمان بالله واليوم الآخر، وإلى الإعراض عن الدنيا، والإقبال على الآخرة، على ما هو ظاهر في كلامه" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "التوحيد-كل التوحيد-أن يشهد كل شيء دليلًا عليه، مرشدًا إليه، ومعلوم أن الرسل أدلة للتوحيد" (^٣).
الاسم الثالث والعشرون: كلمة التوحيد "أصلها ثابت محكم".
• قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "أصلها محكم، وذلك لأن أول من شهد هذه الشهادة هو الله تعالى، بدليل قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ [آل عمران: الآية: ١٨]. فشهادة جميع الشاهدين بتوحيد الله تعالى فرع على شهادة الله، وشهادة الله هي الأصل، فكل شهادة أصلها شهادة الله فهي ثابتة في الدنيا والآخرة" (^٤).
الاسم الرابع والعشرون: ومن أسماء التوحيد "كلمة العدل".
• قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى
_________________
(١) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة هود: الآية: ٧٨)، وتفسير لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن. (سورة هود: الآية: ٧٨).
(٢) كتاب الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية ص: ٥٥٠.
(٣) مدارج السالكين ٣/ ٤٦٥.
(٤) عجائب القرآن ص ٥٨.
[ ٩٦ ]
وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: الآية: ٩٠].
• عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: "العدل: التوحيد، والإحسان: أداء الفرائض".
• وعن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: "الإحسان: الإخلاص في التوحيد، وذلك معنى قول النبي ﷺ: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه» " (^١).
• عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾، قال: "شهادة أن لا إله إلا الله" (^٢).
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿إن الله يأمر بالعدل﴾، بالتوحيد" (^٣).
• قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: "قال بعض المفسرين: "العدل هنا شهادة أن لا إله إلا الله. وروي ذلك عن ابن عباس؛ وقيل في قوله: ﴿بالعدل﴾ بألا يعبد إلا الله وحده لا شريك له فهذا هو العدل الحق. ﴿والإحسان﴾ هو أن تعبده كأنك تراه فإن لم تره فإنه يراك" (^٤).
• قال الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ) ﵀: " ﴿إن الله يأمر بالعدل﴾، شهادة
_________________
(١) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة النحل: الآية: ٩٠).
(٢) تفسير الطبري (سورة النحل: الآية: ٩٠)، وتفسير ابن كثير (سورة النحل: الآية: ٩٠).
(٣) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة النحل: الآية: ٩٠).
(٤) تفسير الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن أبي طالب (سورة النحل: الآية: ٩٠).
[ ٩٧ ]
أن لا إله إلا الله" (^١).
• قال منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (ت ٤٨٩ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ في الآية أقوال: أحدها: أن العدل هو شهادة أن لا إله إلا الله، وهذا مروي عن ابن عباس وغيره، وقيل: إنه التوحيد، وهو في معنى الأول" (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "الله عدل لا يأخذ إلا بالذنب" (^٣).
الاسم الخامس والعشرون: ومن أسماء التوحيد "الهدى".
قال تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص: الآية: ٥٧].
• قال السدي (ت: ١٢٨ هـ) ﵀: "يعني: التوحيد" (^٤).
• قال يحيى بن سلام بن أبي ثعلبة، التيمي (ت: ٢٠٠ هـ) ﵀: "قوله ﷿: ﴿وقالوا إن نتبع الهدى معك﴾ [القصص: ٥٧]، يعني: التوحيد" (^٥).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "يقول تعالى ذكره: وقالت كفار قريش: إن نتبع الحقّ الذي جئتنا به معك، ونتبرأ من الأنداد والَالهة" (^٦).
_________________
(١) تفسير الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (سورة النحل: الآية: ٩٠).
(٢) تفسير السمعاني ٣/ ١٩٥ (تفسير سورة النحل: الآية: ٩٠).
(٣) المستدرك على مجموع الفتاوى ١/ ١٤٧.
(٤) تفسير يحيى بن سلام. (سورة القصص: الآية: ٥٧).
(٥) تفسير يحيى بن سلام. (سورة القصص: الآية: ٥٧).
(٦) تفسير الطبري (سورة القصص: الآية: ٥٧).
[ ٩٨ ]
• قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿وقالوا إن نتبع الهدى معك﴾ [القصص: الآية: ٥٧]، يعني: التوحيد" (^١).
• وقال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: " ﴿وقالوا إن نتبع﴾ أي غاية الاتباع ﴿الهدى﴾ أي الإسلام فنوحد الله من غير إشراك" (^٢).
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ [البقرة: الآية: ١٢٠].
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿قل﴾ لهم: ﴿إن هدى الله﴾، يعني الإسلام ﴿هو الهدى﴾ " (^٣).
• وقال ابن أبي زمنين (٣٩٩ هـ) ﵀: " ﴿قل إن هدى الله هو الهدى﴾ يعني: الإسلام الذي أنت عليه" (^٤).
• قال أبو السعود محمد بن محمد بن مصطفى العمادي (ت: ٩٨٢ هـ) ﵀: "أي قل ردًا عليهم إن هدى الله الذي هو الإسلامُ هو الهدى بالحق والذي يحِقُّ ويصح أن يُسمَّى هُدىً. وهو الهدى كلُّه ليس وراءه هُدىً وما تدْعون إليه ليس بهُدىً بل هو هوىً" (^٥).
• وقال شهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي (ت: ١٢٧٠ هـ) ﵀: "أي دين الله تعالى هو الحق ودينكم هو الباطل، وهدى الله تعالى الذي هو الإسلام هو الهدى وما يدعون إليه ليس بهدى بل هوى" (^٦).
_________________
(١) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين ٣/ ٣٣٠.
(٢) تفسير نظم الدرر في تناسب الآيات والسور (سورة القصص: الآية: ٥٧).
(٣) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة البقرة: الآية: ١٢٠).
(٤) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين (سورة البقرة: الآية: ١٢٠).
(٥) تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، لأبي السعود (سورة البقرة: الآية: ١٢٠).
(٦) تفسير روح المعاني للألوسي (سورة البقرة: الآية: ١٢٠).
[ ٩٩ ]
قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: الآية: ١٦].
• عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى﴾ أي: الكفر بالإيمان" (^١).
• قال قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀: " ﴿استحبوا الضلالة على الهدى﴾ أي: الكفر بالإيمان" (^٢).
• عن قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀، في قوله ﴿أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى﴾ قال: استحبوا الضلال على الهدى ﴿فما ربحت تجارتهم﴾ قال: قد والله رأيتم خرجوا من الهدى إلى الضلالة، ومن الجماعة إلى الفرقة، ومن الأمن إلى الخوف، ومن السنة إلى البدعة" (^٣).
• عن مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀، في قوله ﴿أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى﴾ قال: "آمنوا ثم كفروا" (^٤).
• قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: " ﴿أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى﴾. بالإيمان. ﴿فما ربحت تجارتهم﴾. أي استبدلوا الكفر" (^٥).
_________________
(١) تفسير ابن كثير (سورة البقرة: الآية: ١٦)، وأورده السيوطي في الدر المنثور وعزاه لابن اسحق وابن جرير وابن أبي حاتم.
(٢) تفسير ابن كثير (سورة البقرة: الآية: ١٦).
(٣) تفسير الدر المنثور (سورة البقرة: الآية: ١٦)، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم.
(٤) تفسير الدر المنثور (سورة البقرة: الآية: ١٦)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم.
(٥) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة البقرة: الآية: ١٦).
[ ١٠٠ ]
• قال العز بن عبد السلام (ت: ٦٣٩ هـ) ﵀: " ﴿اشتروا﴾ الكفر بالإيمان على حقيقة الشراء، أو استحبوا الكفر على الإيمان إذ المشتري محب لما يشتريه، إذ لم يكونوا قبل ذلك مؤمنين، أو أخذوا الكفر وتركوا الإيمان. ﴿فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين﴾ في اشتراء الضلالة، أو ما اهتدوا إلى تجارة المؤمنين، أو نفى عنهم الربح والاهتداء جميعًا، لأن التاجر قد لا يربح مع أنه على هدى في تجارته، فذلك أبلغ في ذمهم" (^١).
• قال علي بن أحمد الخازن (ت: ٧٤١ هـ) ﵀: " ﴿أولئك﴾ يعني المنافقين ﴿الذين اشتروا الضلالة بالهدى﴾ أي استبدلوا الكفر بالإيمان، وإنّما أخرجه بلفظ الشراء والتجارة توسعًا على سبيل الاستعارة لأن الشراء فيه إعطاء بدل وأخذ آخر. فإن قلت كيف قال اشتروا الضلالة بالهدى وما كانوا على هدى. قلت جعلوا لتمكنهم منه كأنه في أيديهم فإذا تركوه إلي الضلالة فقد عطلوه واستبدلوه بها. والضلالة الجور عن القصد وفقد الاهتداء ﴿فما ربحت تجارتهم﴾ أي ما ربحوا في تجارتهم والربح الفضل عن رأس المال وأضاف الربح إلى التجارة لأن الربح يكون فيها ﴿وما كانوا مهتدين﴾ أي مصيبين في تجارتهم، لأن رأس المال هو الإيمان فلما أضاعوه واعتقدوا الضلالة فقد ضلوا عن الهدى. وقيل وما كانوا مهتدين في ضلالتهم" (^٢).
الاسم السادس والعشرون: ومن أسماء التوحيد "الصراط المستقيم".
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران: الآية: ٥١].
_________________
(١) تفسير العز بن عبد السلام (سورة البقرة: الآية: ١٦).
(٢) تفسير لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن (سورة البقرة: الآية: ١٦).
[ ١٠١ ]
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: "وقال لهم عيسى ﷺ: ﴿إن الله ربي وربكم فاعبدوه﴾، يعني فوحدوه، ﴿هذا صراط مستقيم﴾، يعني هذا التوحيد دين مستقيم، وهو الإسلام، فكفروا" (^١).
• قال أبو منصور الماتريدي (ت: ٣٣٣ هـ) ﵀: " ﴿وهذا صراط ربك مستقيما﴾ [الأنعام: الآية: ١٢٦]: الذي يدعى إليه الخلق، وهو التوحيد" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ): ﵀ "وإنما ضمنت النجاة لمن حكم هدى الله تعالى على غيره، وتزود التقوى، وأتم بالدليل وسلك الصراط المستقيم، واستمسك من التوحيد واتباع الرسول-ﷺ-بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، والله سميع عليم" (^٣).
• قال تعالى: ﴿شَاكِرا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاط مُّسْتَقِيم﴾ [النحل: الآية: ١٢١].
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: ﴿وهداه إلى صراط مستقيم﴾ [آية: ١٢١]، يعني: إلى دين مستقيم، وهو الإسلام" (^٤).
• قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: ﴿وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: الآية: ١٢١]، وهو عبادة الله وحده لا شريك له على شرع مرضي" (^٥).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "مراتب العلم بدينه مرتبتان:
إحداهما: دينه الأمري الشرعي: وهو الصراط المستقيم الموصل إليه.
_________________
(١) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة آل عمران الآية: ٥١).
(٢) تفسير تأويلات أهل السنة للماتريدي (سورة الأنعام: الآية: ١٢٥).
(٣) اجتماع الجيوش الإسلامية ١/ ٨٣.
(٤) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة النحل الآية: ١٢١).
(٥) تفسير ابن كثير (النحل: الآية: ١٢١).
[ ١٠٢ ]
والثانية: دينه الجزائي المتضمن ثوابه وعقابه، وقد دخل في هذا العلم: العلم بملائكته وكتبه ورسله" (^١).
• قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: "أي: أنا وأنتم سواء في العبودية له والخضوع والاستكانة إليه" (^٢).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "وفي هذا رد على النصارى القائلين بأن عيسى إله أو ابن الله، وهذا إقراره ﵇ بأنه عبد مدبر مخلوق، كما قال ﴿إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا﴾ [مريم: الآية: ٣٠]، وقال تعالى: ﴿وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته﴾ [المائدة: الآية: ١١٦]، إلى قوله ﴿ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم﴾ [المائدة: الآية: ١١٧]، وقوله ﴿هذا﴾ أي: عبادة الله وتقواه وطاعة رسوله ﴿صراط مستقيم﴾ [مريم: الآية: ٣٦] موصل إلى الله وإلى جنته، وما عدا ذلك فهي طرق موصلة إلى الجحيم" (^٣).
• قال الشيخ حافظ بن أحمد حكمي (ت: ١٣٧٧ هـ) ﵀: "لزوم الصراط المستقيم لا يحصل إلا بالتمسك بالكتاب والسنة والسير بسيرهما والوقوف عند حدودهما وبذلك يحصل تجريد التوحيد لله، وتجريد المتابعة للرسول ﷺ ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا﴾ [النساء: الآية: ٦٩]، وهؤلاء المنعم عليهم المذكورون هاهنا تفصيلا هم الذين أضاف الصراط
_________________
(١) مدارج السالكين (١/ ١٢٨).
(٢) تفسير ابن كثير (سورة آل عمران الآية: ٥١).
(٣) تفسير السعدي (سورة آل عمران الآية: ٥١).
[ ١٠٣ ]
إليهم في فاتحة الكتاب بقوله تعالي: ﴿اهدنا الصراط المستقيم - صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ [الفاتحة: الآيات: ٦ - ٧]، ولا أعظم نعمة على العبد من هدايته إلى هذا الصراط المستقيم، وتجنيبه السبل المضلة، وقد ترك النبي ﷺ أمته على ذلك كما قال النبي ﷺ: «تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» (^١) " (^٢).
الاسم السابع والعشرون: ومن أسماء التوحيد "طريق الحق".
• قال تعالى: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور: الآية: ٢٥].
• قال القشيري (ت: ٤٦٥ هـ) ﵀: "ويقال لا يشهدون غدًا إلا الحقَّ؛ فهم قائمونَ بالحق للحق مع الحق، يبيِّن لهم أسرار التوحيد وحقائقه، ويكون القائم عنهم، والآخذَ لهم منهم من غير أَنْ يُرَدَّهم إليهم" (^٣).
• قال الفخر الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "إنما سمي بالحق لأن عبادته هي الحق دون عبادة غيره" (^٤).
• قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: " ﴿أن الله﴾ أي الذي له العظمة المطلقة، فلا كفوء له ﴿هو﴾ أي وحده ﴿الحق﴾ أي الثابت أمره فلا أمر لأحد سواه، ﴿المبين﴾ الذي لا أوضح من شأنه في
_________________
(١) (صحيح) رواه أحمد (٤/ ١٢٦)، وابن ماجه (٤٣)، والحاكم (١/ ٩٦)، وابن أبي عاصم (٤٨، ٤٩) وقد صححه الألباني.
(٢) أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة ص ١١٩ - ١٢٠.
(٣) لطائف الإشارات للقشيري (سورة النور: الآية: ٢٥).
(٤) تفسير الرازي (سورة النور: الآية: ٢٥).
[ ١٠٤ ]
ألوهيته وعلمه وقدرته وتفرده بجميع صفات الكمال، وتنزهه عن جميع سمات النقص" (^١).
قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة: الآية: ١٠٠].
طريق الحق واحد، وهو طريق الله، وهو طريق الهداية، وهو طريق الإسلام، وهو طريق الاستقامة، وسبُل الضلال كثيرة خبيثة.
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "إن الحق واحد، ولا يخرج عما جاءت به الرسل، وهو الموافق لصريح العقل ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: الآية: ٣٠] " (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فجماع الأمر: أن الله هو الهادي وهو النصير ﴿وكفى بربك هاديا ونصيرا﴾ [الفرقان: الآية: ٣١]. وكل علم فلا بد له من هداية وكل عمل فلا بد له من قوة. فالواجب أن يكون هو أصل كل هداية وعلم وأصل كل نصرة وقوة ولا يستهدي العبد إلا إياه ولا يستنصر إلا إياه" (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "والمقصود أن طريق الحق واحد إذ مرده إلى الله الملك الحق، وطرق الباطل متشعبة، ومتعددة" (^٤).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الهداية لا نهاية لها، ولو بلغ العبد فيها ما بلغ ففوق هدايته هداية أخرى وفوق تلك الهداية هداية
_________________
(١) تفسير نظم الدرر في تناسب الآيات والسور للبقاعي (سورة النور: الآية: ٢٥).
(٢) منهاج السنة النبوية: ٥/ ١٩٠.
(٣) مجموع الفتاوى: ٢/ ١٩ - ٢٠.
(٤) بدائع الفوائد: ١/ ١٢٧.
[ ١٠٥ ]
أخرى إلى غير غاية" (^١).
الاسم الثامن والعشرون: ومن أسماء التوحيد "الطريق الأقوم".
قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: الآية: ٩].
• قال يحيى بن زياد الفراء (ت: ٢٠٧ هـ) ﵀: "وقوله: ﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾. يقول: لشهادة أن لا إله إلا الله" (^٢).
• قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: "المعنى: أن هذا القرآن يا محمد يرشد من اهتدى به للحال التي هي أقوم الحالات أي: أصوبها. وذلك دين الله المستقيم وتوحيده جلت عظمته والإيمان بكتبه ورسله" (^٣).
• قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "وقالت فرقة، ﴿للتي هي أقوم﴾: لا إله إلا الله" (^٤).
• قال الزجاج (ت: ٣١١ هـ) ﵀: "للحال التي هي أقوم الحالات، وهي توحيد الله والإيمان برسله. وقاله الكلبي (ت: ٢٠٤ هـ)، والفراء (ت: ٢٠٧ هـ) " (^٥).
• قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: "وقيل:
_________________
(١) الفوائد لابن القيم ١/ ١٣٠.
(٢) معاني القرآن لفراء (سورة الإسراء: الآية: ٩).
(٣) الهداية إلى بلوغ النهاية (سورة الأسراء الآية: ٩).
(٤) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (سورة الأسراء الآية: ٩).
(٥) تفسير القرطبي (سورة الأسراء الآية: ٩).
[ ١٠٦ ]
الكلمة التي هي أعدل وهي شهادة أن لا إله إلا الله" (^١).
• قال أبو حيان الأندلسي (ت: ٧٤٥ هـ) ﵀: "وقال الضحاك بن مزاحم (ت: ١٠٢ هـ) ﵀، والكلبي (ت: ٢٠٤ هـ) ﵀، والفراء (ت: ٢٠٧ هـ) ﵀، ﴿للتي هي أقوم﴾ هي شهادة التوحيد" (^٢).
• قال علي بن محمد الماوردي (ت: ٤٥٠ هـ) ﵀: "قوله ﷿: ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾ فيها تأويلان:
أحدهما: شهادة أن لا إله إلا الله، قاله الكلبي (ت: ٢٠٤ هـ) ﵀، والفراء (ت: ٢٠٧ هـ) ﵀.
الثاني: ما تضمه من الأوامر والنواهي التي هي أصوب، قاله مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀" (^٣).
• قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "وقوله تعالى: ﴿إن هذا القرآن﴾ الآية، ﴿يهدي﴾ في هذه الآية بمعنى يرشد، ويتوجه فيها أن تكون بمعنى يدعو، و﴿التي﴾ يريد بها الحالة والطريقة، وقالت فرقة، ﴿للتي هي أقوم﴾ لا إله إلا الله.
قال القاضي أبو محمد: والأول أعم، وكلمة الإخلاص وغيرها من الأقوال داخلة في الحال «التي هي أقوم» من كل حال تجعل بإزائها، والاقتصار على ﴿أقوم﴾ ولم يذكر من كذا إيجاز، والمعنى مفهوم، أي ﴿للتي هي أقوم﴾ من كل ما غايرها فهي النهاية في القوام" (^٤).
_________________
(١) تفسير البغوبي (سورة الأسراء الآية: ٩).
(٢) البحر المحيط في التفسير ٧/ ١٨.
(٣) تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية. (سورة اللإسراءالآية: ٩).
(٤) تفسير النكت والعيون للماوردي (سورة اللإسراءالآية: ٩).
[ ١٠٧ ]
وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: الآية: ٥].
• قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: "وذلك دين القائمين لله بالتوحيد" (^١).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: " ﴿وَذَلِكَ﴾ أي التوحيد والإخلاص في الدين، هو ﴿دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ أي: الدين المستقيم، الموصل إلى جنات النعيم، وما سواه فطرق موصلة إلى الجحيم" (^٢).
الاسم التاسع والعشرون: ومن أسماء التوحيد "دعوة الحق".
• قال-﷿: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [الرعد: الآية: ١٤].
• قال علي (ت: ٤٠ هـ) ﵁: دعوة الحق: التوحيد" (^٣).
• قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: "دعوة الحق": شهادة أن لا إله إلا الله" (^٤).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "وإنما عنى بالدعوة الحق، توحيد الله وشهادةَ أن لا إله إلا الله" (^٥).
_________________
(١) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة البينة الآية: ٥).
(٢) تفسير ابن سعدي (سورة البينة الآية: ٥).
(٣) تفسير الطبري (سورة الرعد الآية: ١٤)، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ٣/ ٣٠٥، البحر المحيط في التفسير ٦/ ٣٦٦.
(٤) تفسير الطبري (سورة الرعد الآية: ١٤)، تفسير ابن عطية ٣/ ٣٠٥.
(٥) تفسير الطبري (سورة الرعد الآية: ١٤).
[ ١٠٨ ]
• قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "واعلم أن قوله تعالى: ﴿له دعوة الحق﴾ يفيد الحصر، ومعناه: له هذه الدعوة لا لغيره، كما أن قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: الآية: ٦]. معناه: لكم دينكم لا لغيركم، ولي ديني، وتحقيق الكلام في إثبات هذا الحصر: أن الحق نقيض الباطل، فالحق هو الموجود، والباطل هو المعدوم، فلما كان الحق ﷾ حقًا في ذاته وبذاته وصفاته، وكان ممتنع التغير في حقيقته، كانت معرفته هي المعرفة الحقة، وذكره هو الذكر الحق، والدعوة إليه هي الدعوة الحقة" (^١).
• قال ابن حيان الأندلسي (ت: ٧٤٥ هـ) ﵀: "ودعوة الحق قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: "دعوة الحق لا إله إلا الله، وما كان من الشريعة في معناها" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "قد فسر السلف "دعوة الحق" بالتوحيد والإخلاص فيه والصدق" (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "دعوة الحق دعوة الإلهية وحقوقها وتجريدها وإخلاصها" (^٤).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: وقيل: الدعاء بالإخلاص، والدعاء الخالص لا يكون إلا لله" (^٥).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀:
_________________
(١) عجائب القرآن للرازي ص ٥٠ - ٥١.
(٢) تفسير ابن حيان الأندلسي (سورة الرعد الآية: ١٤).
(٣) تفسير الطبري (سورة الرعد الآية: ١٤).
(٤) مدارج السالكين ٢/ ٣١.
(٥) مدارج السالكين ٢/ ٤٦٥.
[ ١٠٩ ]
" ﴿دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ هي: عبادته وحده لا شريك له، وإخلاص دعاء العبادة ودعاء المسألة له تعالى" (^١).
الاسم الثلاثون: ومن أسماء التوحيد "كلمة الحق".
قال تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: الآية: ٨٦].
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " فقال: ﴿إلا من شهد بالحق﴾، يعني بالتوحيد من بني آدم، فذلك قوله: ﴿وهم يعلمون﴾ آية أن الله واحد لا شريك له، فشفاعتهم لهؤلاء" (^٢).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "من شهد بالحقّ، فوحد الله وأطاعه، بتوحيد علم منه وصحة بما جاءت به رسله.
﴿إلاّ مَنْ شَهِدَ بالحَقّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ وهم الذين يشهدون شهادة الحقّ فيوحدون الله، ويخلصون له الوحدانية، على علم منهم ويقين بذلك" (^٣).
• قال أبو منصور الماتريدي (ت: ٣٣٣ هـ) ﵀: "يعني يشهدون على وحدانية الله وألوهيته وأنه المستحق العبادة دون من عبدوهم" (^٤).
• قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: " ﴿إلا من شهد بالحق﴾ أي: بالتوحيد لله والطاعة له" (^٥).
_________________
(١) تفسير السعدي (سورة الرعد الآية: ١٤).
(٢) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة الزخرف الآية: ٨٦).
(٣) تفسير جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري. (سورة الزخرف الآية: ٨٦).
(٤) تفسير تأويلات أهل السنة للماتريدي. (سورة الزخرف الآية: ٨٦).
(٥) تفسير الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن أبي طالب. (سورة الزخرف الآية: ٨٦).
[ ١١٠ ]
• قال علي بن محمد الماوردي (ت: ٤٥٠ هـ) ﵀: " ﴿إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: يعني أن الشهادة بالحق إنما هي لمن شهد في الدنيا بالحق وهم يعلمون أنه الحق فتشفع لهم الملائكة؛ قاله الحسن.
الثاني: أن الملائكة لا تشفع إلا لمن شهد أن لا إله إلا الله وهم يعلمون أن الله ربهم" (^١).
• قال القشيري (ت: ٤٦٥ هـ) ﵀: " ﴿إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. أي شهد-اليوم-بالتوحيد، فيثبت له الحقُّ حقِّ الشفاعة" (^٢).
• قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: "وأراد بشهادة الحق قوله لا إله إلا الله كلمة التوحيد" (^٣).
• قال أبو حفص عمر بن محمد النسفي (ت: ٥٣٧ هـ) ﵀: " ﴿إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بالحق﴾ أي ولكن من شهد بالحق بكلمة التوحيد ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أن الله ربهم حقًا ويعتقدون ذلك" (^٤).
• قال العز بن عبد السلام (ت: ٦٣٩ هـ) ﵀: " ﴿إلا من شهد بالحق﴾ أي: لا تشفع الملائكة إلا لمن شهد أن لا إله إلا الله وهم يعلمون أن الله ربهم، أو الشهادة بالحق إنما هي لمن شهد في الدنيا بالحق وهم يعلمون أنه الحق فتشفع لهم الملائكة" (^٥).
_________________
(١) تفسير النكت والعيون للماوردي. (سورة الزخرف الآية: ٨٦).
(٢) لطائف الإشارات للقشيري. (سورة الزخرف الآية: ٨٦).
(٣) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الزخرف الآية: ٨٦).
(٤) تفسير مدارك التنزيل وحقائق التأويل للنسفي. (سورة الزخرف الآية: ٨٦).
(٥) تفسير العز بن عبد السلام. (سورة الزخرف الآية: ٨٦).
[ ١١١ ]
• قال علي بن محمد بن إبراهيم الشيحي المعروف بالخازن (ت: ٧٤١ هـ) ﵀: " ﴿إلا لمن شهد بالحق﴾ وهي كلمة الإخلاص، وهي لا إله إلا الله، فمن شهدها بقلبه شفعوا له وهو قوله ﴿وهم يعلمون﴾ أي بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم، وقيل يعلمون أن الله ﷿ خلق عيسى وعزيرًا والملائكة ويعلمون أنهم عباده" (^١).
• قال أبو حيان الأندلسي (ت: ٧٤٥ هـ) ﵀: " ﴿من شهد بالحق﴾، وهو توحيد الله، وهو يعلم ما شهد به" (^٢).
• قال علي بن يحيى السمرقندي (ت: ٨٨٠ هـ تقريبًا) ﵀: " ﴿إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بالحق﴾ يعني: بلا إله إلا الله مخلصًا ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنه الحق، حين شهدوا بها من قبل أنفسهم" (^٣).
• قال أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني (ت: ٨٨٠ هـ) ﵀: "والمراد بشهادة الحق قول: لا إله إلا الله كلمة التوحيد ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم" (^٤).
• قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: " ﴿إلا من شهد﴾ أي منهم ﴿بالحق﴾. أي التوحيد الذي يطابقه الواقع إذا انكشف أتم انكشاف وكذا ما يتبعه فإنه يكون أهلًا لأن يشفع كالملائكة والمسيح عليهم الصلاة والسلام، والمعنى أن أصنامهم التي ادعوا أنها تشفع لهم لا تشفع غير أنه تعالى ساقه على أبلغ ما يكون لأنه كالدعوى.
_________________
(١) تفسير لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن. (سورة الزخرف الآية: ٨٦).
(٢) تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي. (سورة الزخرف الآية: ٨٦).
(٣) تفسير بحر العلوم للسمرقندي. (سورة الزخرف الآية: ٨٦).
(٤) تفسير اللباب في علوم الكتاب لابن عادل. (سورة الزخرف الآية: ٨٦).
[ ١١٢ ]
ولما كان ذلك مركوزًا حتى في فطر الكفار فلا يفزعون في وقت الشدائد إلا إلى الله، ولكنهم لا يلبثون أن يعملوا من الإشراك بما يخالف ذلك، فكأنه لا علم لهم قال: ﴿وهم﴾ أي والحال أن من شهد ﴿يعلمون﴾ أي على بصيرة مما شهدوا به، فلذلك لا يعملون بخلاف ما شهدوا إلا جهلًا منهم بتحقيق معنى التوحيد، فلذلك يظنون أنهم لم يخرجوا عنه وإن أشركوا، أو يكون المعنى: وهم من أهل العلم، والأصنام ليسوا كذلك، وكأنه أفرد أولًا إشارة إلى أن التوحيد فرض عين على كل أحد بخصوصه وإن خالفه كل غير، وجمع ثانيًا إيذانًا بالأمر بالمعروف ليجتمع الكل على العلم والتوحيد هو الأساس الذي لا تصح عبادة إلا به، وتحقيقه هو العلم الذي لا علم يعدله" (^١).
• قال محيي الدين محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الإيجي (ت: ٩٠٥ هـ تقريبًا) ﵀: " ﴿إلا من شهد بالحق﴾: بالتوحيد، ﴿وهم يعلمون﴾، حقيقة ما شهدوا به ولا يكونون منافقين" (^٢).
قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّة شَهِيدا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [القصص: ٧٥].
• قال السدي (ت: ١٢٨ هـ) ﵀: " ﴿فعلموا أن الحق لله﴾ يعنى التوحيد" (^٣).
• قال يحيى بن سلام بن أبي ثعلبة، التيمي. (ت: ١٢٨ هـ) ﵀: " ﴿فعلموا أن الحق لله﴾ يعنى التوحيد" (^٤).
_________________
(١) تفسير نظم الدرر في تناسب الآيات والسور للبقاعي. (سورة الزخرف الآية: ٨٦).
(٢) تفسير جامع البيان في تفسير القرآن للإيجي. (سورة الزخرف الآية: ٨٦).
(٣) تفسير يحيى بن سلام. (سورة القصص: الآية: ٧٥).
(٤) تفسير يحيى بن سلام. (سورة القصص: الآية: ٧٥).
[ ١١٣ ]
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿فعلموا أن الحق لله﴾ يعنى التوحيد لله ﷿" (^١).
• قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: " ﴿فعلموا أن الحق﴾: التوحيد" (^٢).
• قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: " ﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ﴾ أي: لا إله غيره" (^٣).
• قال محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ) ﵀: " ﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الحق لِلَّهِ﴾ في الإلهية، وأنه وحده لا شريك له" (^٤).
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوى لِلْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت: الآية: ٦٨].
• قال السدي (ت: ١٢٨ هـ) ﵀: " ﴿أو كذب بالحق﴾ يعنى: التوحيد" (^٥).
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿أو كذب بالحق﴾ يعنى: بالتوحيد" (^٦).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: " ﴿أوْ كَذّبَ
_________________
(١) تفسير مقاتل بن سليمان. (سورة القصص: الآية: ٧٥).
(٢) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة القصص: الآية: ٧٥).
(٣) تفسير القرآن العظيم لابن كثير. (سورة القصص: الآية: ٧٥).
(٤) تفسير فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم التفسير للشوكاني. (سورة القصص: الآية: ٧٥).
(٥) تفسير يحيى بن سلام. (سورة العنكبوت: الآية: ٦٨).
(٦) تفسير مقاتل بن سليمان. (سورة العنكبوت: الآية: ٦٨).
[ ١١٤ ]
بالحَقّ لَمّا جاءَهُ﴾ يقول: أو كذّب بما بعث الله به رسوله محمدا ﷺ من توحيده، والبراءة من الَالهة والأنداد لما جاءه هذا الحقّ من عند الله" (^١).
الاسم الواحد والثلاثون: ومن أسماء التوحيد "الحق المبين".
قال تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل: الآية: ٧٩].
• قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: " ﴿إنك على الحق المبين﴾ على الدين الظاهر وهو الإسلام" (^٢).
• قال السدي (ت: ١٢٨ هـ) ﵀: "يعني: الإسلام" (^٣).
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿إنك على الحق المبين﴾ آية يعنى على الدين البين وهو الإسلام" (^٤).
• قال علي بن يحيى السمرقندي (ت: ٨٨٠ هـ تقريبًا) ﵀: " ﴿إِنَّكَ عَلَى الحق المبين﴾ يعني: الدين المبين، وهو الإسلام" (^٥).
الاسم الثاني والثلاثون: ومن أسماء التوحيد "القول المرضي".
• قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا﴾ [طه: الآية: ١٠٩].
_________________
(١) تفسير جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري. (سورة العنكبوت: الآية: ٦٨).
(٢) تفسير تنوير المقياس من تفسير ابن عباس للفيروزأبادي. (سورة النمل الآية: ٧٩).
(٣) تفسير تفسير يحيى بن سلام. (سورة النمل الآية: ٧٩).
(٤) تفسير مقاتل بن سليمان. (سورة النمل الآية: ٧٩).
(٥) تفسير بحر العلوم لعلي بن يحيى السمرقندي. (سورة النمل: الآية: ٧٩).
[ ١١٥ ]
• قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: "يعني: قال لا إله إلا الله" (^١).
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا﴾: التوحيد" (^٢).
• قال يحيى بن سلام بن أبي ثعلبة، التيمي (ت: ٢٠٠ هـ) ﵀: " ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا﴾: التَّوْحِيدُ" (^٣).
• قال أبو منصور الماتريدي (ت: ٣٣٣ هـ) ﵀: " ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا﴾: وهو قول الشهادة والتوحيد" (^٤).
• قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا﴾: يعني: التوحيد" (^٥).
• قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: " ﴿ورضي له قولا﴾ أي: قال: لا إله إلا الله" (^٦).
• قال الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ) ﵀: "وهم المسلمون الذين رضي الله قولهم لأنهم قالوا لا إله إلا الله وهذا معنى قوله ﴿ورضي له قولا﴾ " (^٧).
• قال السمرقندي (ت: ٨٨٠ هـ تقريبًا) ﵀: " ﴿وَرَضِىَ لَهُ قَوْلًا﴾
_________________
(١) تفسير معالم التنزيل تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة طه: الآية: ١٠٩)، وتفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (سورة طه: الآية: ١٠٩).
(٢) تفسير مقاتل بن سليمان. (سورة طه: الآية: ١٠٩).
(٣) تفسير يحيى بن سلام. (سورة طه: الآية: ١٠٩).
(٤) تفسير تأويلات أهل السنة للماتريدي. (سورة طه: الآية: ١٠٩).
(٥) تفسير ابن أبي زمنين. (سورة طه: الآية: ١٠٩).
(٦) تفسير الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن أبي طالب. (سورة طه: الآية: ١٠٩).
(٧) تفسير الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي. (سورة طه: الآية: ١٠٩).
[ ١١٦ ]
يعني: إذا قال بإخلاص القلب لا إله إلا الله في الدنيا" (^١).
الاسم الثالث والثلاثون: ومن أسماء التوحيد "الزكاة".
• قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّىَ﴾ [الأعلى: الآية: ١٤].
• قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: قال لا إله إلا الله فتطهر من الشرك" (^٢).
• عن عكرمة (ت: ١٠٥ هـ) ﵀، في قوله تعالى: ﴿قد أفلح من تزكى﴾ [الأعلى: الآية: ١٤]، "من قال لا إله إلا الله" (^٣).
• قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿قد أفلح من تزكى﴾ [الأعلى: الآية: ١٤]، أفلح في هذه الآية معناه: فاز ببغيته، وتزكى معناه: طهر نفسه ونماها إلى الخير" (^٤).
• قال أبو إسحاق أحمد الثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ) ﵀: " ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾: أي تطهّر من الشرك وقال: لا إله إلاّ الله" (^٥).
• قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: "أي: قد أدرك طلبته وظفر ببغيته من تظهر الكفر وعمل بطاعة الله" (^٦).
_________________
(١) تفسير بحر العلوم لعلي بن يحيى السمرقندي. (سورة طه: الآية: ١٠٩).
(٢) تفسير جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري (سورة الأعلى: الآية: ١٤)، كتاب الأسماء والصفات للبيهقي ١/ ٢٧١، تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (سورة الأعلى: الآية: ١٤).
(٣) تفسير جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري. (سورة الأعلى: الآية: ١٤).
(٤) تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (سورة الأعلى: الآية: ١٤).
(٥) تفسير الكشف والبيان عن تفسير القرآن للثعلبي. (سورة الأعلى: الآية: ١٤).
(٦) تفسير الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن أبي طالب. (سورة الأعلى: الآية: ١٤).
[ ١١٧ ]
• قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: " ﴿قد أفلح من تزكى﴾ "تطهر من الشرك وقال: لا إله إلا الله" (^١).
• قال العز بن عبد السلام (ت: ٦٣٩ هـ) ﵀: " ﴿تَزَكّى﴾ تطهر من الشرك بالإيمان" (^٢).
• قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: "أي من تطهر من الشرك بإيمان" (^٣).
• قال علي بن يحيى السمرقندي (ت: ٨٨٠ هـ تقريبًا) ﵀: " ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تزكى﴾ يعني فاز ونجا من هذا العذاب وسعد بالجنة من تزكى يعني وحّد الله تعالى وزكى نفسه بالتوحيد" (^٤).
• قال محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الإيجي (ت: ٩٠٥ هـ تقريبًا) ﵀: " ﴿قد أفلح من تزكى﴾: تطهر نفسه من الكفر والمعصية" (^٥).
• قال محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ) ﵀: " ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تزكّى﴾ أي من تطهر من الشرك فآمن بالله ووحده وعمل بشرائعه" (^٦).
قال تعالى عن موسى ﵇ فى خطابه لفرعون: ﴿هل لك إلى أن تزكى﴾ [النازعات: الآية: ١٨].
_________________
(١) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الأعلى: الآية: ١٤).
(٢) تفسير العز بن عبد السلام. (سورة الأعلى: الآية: ١٤).
(٣) تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي. (سورة الأعلى: الآية: ١٤).
(٤) تفسير بحر العلوم لعلي بن يحيى السمرقندي. (سورة الأعلى: الآية: ١٤).
(٥) تفسير جامع البيان في تفسير القرآن للإيجي. (سورة الأعلى: الآية: ١٤).
(٦) تفسير فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم التفسير للشوكاني. (سورة الأعلى: الآية: ١٤).
[ ١١٨ ]
• عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄-في قوله: ﴿هل لك إلى أن تزكى﴾ قال: إلى أن تقول لا إله إلا الله" (^١).
• عن عكرمة (ت: ١٠٥ هـ) ﵀، قول موسى لفرعون: ﴿هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزّكّى﴾، هل لك إلى أن تقول لا إله إلا الله" (^٢).
• قال قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀: "إلى أن تُسْلِم" (^٣).
• قال ابن زيد (ت: ١٨٢ هـ) ﵀، في قوله: ﴿هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾ قال: إلى أن تسلم. قال: والتزكّي في القرآن كله: الإسلام، وقرأ قول الله ﴿وَذَلَكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكّى﴾ [طه: الآية: ٧٦]، قال: من أسلم، وقرأ: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلّهُ يَزّكّى﴾ [عبس: الآية: ٣]، قال: يسلم، وقرأ: ﴿وَما عَلَيْكَ ألاّ يَزّكّى﴾ [عبس: الآية: ٧]، أن لا يسلم" (^٤).
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿فقل هل لك إلى أن تزكى﴾، يقول: "هل لك أن تصلح ما قد أفسدت، يقول: وأدعوك لتوحيد الله" (^٥).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "وقوله: ﴿فَقُلْ
_________________
(١) الأسماء والصفات للبيهقي ١/ ٢٧١، تفسير الدر المنثور للسيوطي. (سورة النازعات: الآية: ١٨)، وعزاه للبيهقي في الأسماء والصفات.
(٢) تفسير جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري. (سورة النازعات: الآية: ١٨)، وأورده السيوطي في الدر المنثور (سورة النازعات: الآية: ١٨)، وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) تفسير النكت والعيون للماوردي. (سورة النازعات: الآية: ١٨).
(٤) تفسير جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري. (سورة النازعات: الآية: ١٨).
(٥) تفسير مقاتل بن سليمان. (سورة النازعات: الآية: ١٨).
[ ١١٩ ]
هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾، يقول: فقل له: هل لك إلى أن تتطهّر من دنس الكفر، وتؤمَنَ بربك" (^١).
• قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: " ﴿فقل هل لك إلى أن تزكى﴾ "إلى أن تؤمن" (^٢).
• قال أبو إسحاق أحمد الثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ) ﵀: " ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ "ومعناه تسلّم وتصلح وتطهّر" (^٣).
• قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: "فقل له، ﴿هل لك إلى أن تزكى﴾. "أي: هل لك يا فرعون في أن تتطهر من دنس الكفر، وتؤمن بربك؟ " (^٤).
• قال الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ) ﵀: " ﴿فقل هل لك إلى أن تزكى﴾ أترغب في أن تتطهر من كفرك بالإيمان" (^٥).
• قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: " ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ "والتزكي هو التطهر من النقائص، والتلبس بالفضائل، وفسر بعضهم: ﴿تزكى﴾ بتسلم وفسرها بقول: لا إله إلا الله، وهذا تخصيص، وما ذكرناه يعم جميع هذا" (^٦).
_________________
(١) تفسير جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري. (سورة النازعات: الآية: ١٨).
(٢) تفسير ابن أبي زمنين. (سورة النازعات: الآية: ١٨).
(٣) تفسير الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي. (سورة النازعات: الآية: ١٨).
(٤) تفسير الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن أبي طالب. (سورة النازعات: الآية: ١٨).
(٥) تفسير الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي. (سورة النازعات: الآية: ١٨).
(٦) تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية. (سورة النازعات: الآية: ١٨).
[ ١٢٠ ]
• قال علي بن محمد بن إبراهيم الشيحي المعروف بالخازن (ت: ٧٤١ هـ) ﵀: " ﴿فقل هل لك إلى أن تزكى﴾ أي: تتطهر من الشّرك والكفر" (^١).
• قال ابن جزي (ت: ٧٤١ هـ) ﵀: " ﴿هل لك إلى أن تزكى﴾ أن تتطهر من الكفر والذنوب والعيوب والرذائل، وقال بعضهم: تزكى تسلم، وقيل: تقول لا إله إلا الله، والأول أعم" (^٢).
• قال أبو حيان الأندلسي (ت: ٧٤٥ هـ) ﵀: " ﴿فقل هل لك إلى أن تزكى﴾: تزكى: تتحلى بالفضائل وتتطهر من الرذائل، والزكاة هنا يندرج فيها الإسلام وتوحيد الله تعالى" (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "القلوب المتعلقة بالشهوات محجوبة عن الله بقدر تعلقهَا بهَا. فالقلوب آنِية الله فِي أرضه فأحبها إلَيه أرقها وأصلبها وأصفاها" (^٤).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فما كبر النفوس وشرفها، ورفعها، وأعزها مثل طاعة الله، وما صغر النفوس وأذلها، وحقرها مثل معصية الله-﷿" (^٥).
• قال علي بن يحيى السمرقندي (ت: ٨٨٠ هـ تقريبًا) ﵀: " ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إلى أَنْ تزكى﴾ يعني: ألم يأن لك أن تسلم. ويقال: معناه هل ترغب في توحيد ربك، وتشهد أن لا إله إلا الله، وتزكي نفسك من
_________________
(١) تفسير لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن. (سورة النازعات: الآية: ١٨).
(٢) تفسير التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي. (سورة النازعات: الآية: ١٨).
(٣) تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي. (سورة النازعات: الآية: ١٨).
(٤) الفوائد، ١/ ٢٦٢.
(٥) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، ص ١٤٩.
[ ١٢١ ]
الكفر، والشرك" (^١).
• قال تعالى: ﴿وَذَلَكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكّى﴾ [طه: الآية: ٧٦].
• قال الكلبي (ت: ٢٠٤ هـ) ﵀: "يعني أعطى زكاة نفسه وقال: لا إله إلاّ الله" (^٢).
• قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: " قوله: ﴿من تزكى﴾ أي: من آمن" (^٣).
• قال أبو إسحاق أحمد الثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ) ﵀: " ﴿وَذلِكَ جَزَآءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ أي صلح، وقيل: تطهّر من الكفر والمعاصي" (^٤).
• قال الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ) ﵀: "قوله ﴿جزاء من تزكى﴾ تطهر من الشرك بقول لا إله إلا الله" (^٥).
• قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: " ﴿وذلك جزاء من تزكى﴾ أي: من تطهر من الكفر والمعاصي" (^٦).
• قال عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي (ت: ٧١٠ هـ) ﵀: " ﴿وذلك جَزَاء مَنْ تزكى﴾ تطهر من الشرك بقول لا إله إلا الله" (^٧).
• قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: " ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾
_________________
(١) تفسير بحر العلوم لعلي بن يحيى السمرقندي. (سورة النازعات: الآية: ١٨).
(٢) تفسير الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي. (سورة طه: الآية: ٧٦)، وتفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة طه: الآية: ٧٦).
(٣) تفسير ابن أبي زمنين. (سورة طه: الآية: ٧٦).
(٤) تفسير الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي. (سورة طه: الآية: ٧٦).
(٥) تفسير الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي. (سورة طه: الآية: ٧٦).
(٦) تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي. (سورة طه: الآية: ٧٦).
(٧) تفسير مدارك التنزيل وحقائق التأويل للنسفي. (سورة طه: الآية: ٧٦).
[ ١٢٢ ]
أي: طهر نفسه من الدنس والخبث والشرك، وعبد الله وحده لا شريك له، وصدق المرسلين فيما جاءوا به من خَبَر وطلب" (^١).
• قال علي بن يحيى السمرقندي (ت: ٨٨٠ هـ تقريبًا) ﵀: " ﴿وذلك جَزَاء مَنْ تزكى﴾، يعني: ثواب من وحَّد" (^٢).
قال تعالى ﴿وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة﴾ [فصلت: الآيات: ٦ - ٧].
• عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄-في قول الله ﷿: ﴿وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة﴾ [فصلت: ٧] الذين لا يقولون لا إله إلا الله" (^٣).
• عن عكرمة (ت: ١٠٥ هـ) ﵀، قوله: ﴿وَوَيْلٌ للْمُشْرِكِينَ الّذِينَ لا يُوءْتُونَ الزّكاةَ﴾: الذين لا يقولون لا إله إلا الله" (^٤).
• قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: " ﴿الذين لا يؤتون الزكاة﴾ أي: لا يوحدون الله" (^٥).
• قال منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (ت ٤٨٩ هـ) ﵀: "وقال بعضهم: لا يؤتون الزكاة أي: لا يقولون لا إله إلا الله، قال ابن عباس، في رواية عطاء، فعلى هذا معناه: لا يطهرون أنفسهم من الشرك بقبول
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم لابن كثير. (سورة طه: الآية: ٧٦).
(٢) تفسير بحر العلوم لعلي بن يحيى السمرقندي. (سورة طه: الآية: ٧٦).
(٣) تفسير جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري. (سورة فصلت: الآية: ٧)، الأسماء والصفات للبيهقي ١/ ٢٧١.
(٤) تفسير جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري. (سورة فصلت: الآية: ٧).
(٥) تفسير ابن أبي زمنين. (سورة فصلت: الآية: ٧).
[ ١٢٣ ]
التوحيد" (^١).
• قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة﴾ قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ): الذين لا يقولون لا إله إلا الله وهي زكاة الأنفس، والمعنى: لا يطهرون أنفسهم من الشرك بالتوحيد" (^٢).
• قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "وقال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄، والجمهور: ﴿الزكاة﴾ في هذه الآية: لا إله إلا الله التوحيد كما قال موسى لفرعون: ﴿هل لك إلى أن تزكى﴾، ويرجح هذا التأويل أن الآية من أول المكي، وزكاة المال إنما نزلت بالمدينة، وإنما هذه زكاة القلب والبدن، أي تطهيرهما من الشرك والمعاصي، وقاله مجاهد والربيع" (^٣).
• قال عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي (ت: ٧١٠ هـ) ﵀: " ﴿الذين لَا يُؤْتُونَ الزكواة﴾ لا يفعلون ما يكونون به أزكياء وهو الإيمان" (^٤).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "التوحيد الذي هو إخلاص الدين لله أصل كل خير من علم نافع وعمل صالح" (^٥).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "قال أكثر المفسرين من
_________________
(١) تفسير السمعاني ٥/ ٣٧. (سورة فصلت: الآية: ٧).
(٢) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة فصلت: الآية: ٧).
(٣) تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية الأندلسي. (سورة فصلت: الآية: ٧).
(٤) تفسير مدارك التنزيل وحقائق التأويل للنسفي. (سورة فصلت: الآية: ٧).
(٥) مجموع الرسائل ١/ ١٣٣.
[ ١٢٤ ]
السلف ومن بعدهم: هي التوحيد: شهادة أن لا إله إلا الله، والإيمان الذى به يزكو القلب، فإنه يتضمن نفي إلهية ما سوى الحق من القلب، وذلك طهارته، وإثبات إلهيته سبحانه؛ وهو أصل كل زكاة ونماء، فإن التزكى-وإن كان أصله النماء والزيادة والبركة-فإنما يحصل بإزالة الشر. فلهذا صار التزكى ينتظم الأمرين جميعًا. فأصل ما تزكو به القلوب والأرواح. هو التوحيد: والتزكية جعل الشاء زكيا، إما فى ذاته، وإما فى الاعتقاد والخبر عنه، كما يقال: عدلته وفسقته، إذا جعلته كذلك فى الخارج، أو فى الاعتقاد والخبر" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: " قال تعالى: ﴿وويل للمشركين، الذين لا يؤتون الزكاة﴾ [فصلت: الآيات: ٦ - ٧]. أي: لا يؤتون ما تزكى به أنفسهم من التوحيد" (^٢).
• عن عمير بن حبيب الخطمي (لم أقف على تاريخ وفاته) ﵁-قال: "الإيمان يزيد وينقص. فقيل: فما زيادته؟ وما نقصانه؟ قال: إذا ذكرنا ربنا وخشيناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا وضيعنا فذلك نقصانه" (^٣).
• قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ): "من اتقى الله وفق لمعرفة الحق" (^٤).
الاسم الرابع والثلاثون: ومن أسماء التوحيد "الدعوة إلى الله".
قال تعالى: ﴿وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا﴾ [الأحزاب: الآية: ٤٦].
_________________
(١) إغاثة اللهفان: ٤٩.
(٢) مفتاح دار السعادة: ٢/ ١١٦٠.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبه في الإيمان (١٤)، والمصنف ٦/ ١٦٠ (٣٠٣٢٧).
(٤) تفسير ابن كثير: ٣/ ٣٥٢.
[ ١٢٥ ]
• عن قتادة (ت: ١١٨ هـ) ﵀: ﴿وَدَاعِيا إلى اللّهِ﴾ "إلى شهادة أن لا إله إلا الله" (^١).
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿وداعيا إلى الله﴾ يعني إلى معرفة الله ﷿ بالتوحيد" (^٢).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: " وقوله: ﴿وَدَاعِيا إلى اللّهِ﴾ يقول: وداعيا إلى توحيد الله، وإفراد الألوهة له، وإخلاص الطاعة لوجهه دون كلّ من سواه من الَالهة والأوثان" (^٣).
• قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: ﴿وداعيا إلى الله بإذنه﴾ "أي: إلى توحيد الله، وطاعته" (^٤).
• قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿وداعيًا إلى الله﴾ إلى توحيده وطاعته" (^٥).
• قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "والدعاء إلى الله تعالى هو تبليغ التوحيد والأخذ به ومكافحة الكفرة" (^٦).
• قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: " وقوله: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ أي: داعيا للخلق إلى عبادة ربهم عن أمره لك بذلك" (^٧).
_________________
(١) تفسير جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري. (سورة الأحزاب: الآية: ٤٦).
(٢) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة الأحزاب: الآية: ٤٦).
(٣) تفسير الطبري (سورة الأحزاب: الآية: ٤٦).
(٤) تفسير مكي بن أبي طالب (سورة الأحزاب: الآية: ٤٦).
(٥) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الأحزاب: الآية: ٤٦).
(٦) تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ٤/ ٣٨٩ ..
(٧) تفسير ابن كثير (سورة الأحزاب: الآية: ٤٦).
[ ١٢٦ ]
• قال ابن عاشور (ت: ١٣٩٣ هـ) ﵀: "والداعي إلى الله هو الذي يدعو الناس إلى ترك عبادة غير الله ويدعوهم إلى اتباع ما يأمرهم به الله" (^١).
الاسم الخامس والثلاثون: ومن أسماء التوحيد "نعمة الله".
قال تعالى: ﴿وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة﴾ [لقمان الآية: ٢٠].
• قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄، "أراد الإسلام" (^٢).
• عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: النعمة الظاهرة: الإسلام والقرآن، والباطنة: ما ستر عليك من الذنوب ولم يعجل عليك بالنقمة" (^٣).
• عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄ قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾: هو الإسلام، أخبر الله نبيه ﷺ والمؤمنين أنه أكمل لهم الإيمان، فلا يحتاجون إلى زيادة أبدًا، وقد أتمه الله فلا ينقصه أبدًا، وقد رضيه الله فلا يَسْخَطُه أبدًا" (^٤).
• قال مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀"المراد: لا إله إلا الله" (^٥).
قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: الآية: ٣]
• قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: "هذه أكبر نعم الله تعالى على
_________________
(١) تفسير ابن عاشور (سورة الأحزاب: الآية: ٤٦).
(٢) تفسير الطبري (سورة لقمان الآية: ٢٠)؛ وانظر تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ٤/ ٣٥٢.
(٣) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة لقمان الآية: ٢٠).
(٤) تفسير ابن كثير (سورة المائدة الآية: ٣).
(٥) تفسير الطبري (سورة لقمان الآية: ٢٠)؛ وانظر تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ٤/ ٣٥٢.
[ ١٢٧ ]
هذه الأمة؛ حيث أكمل تعالى لهم دينهم، فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم، صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا جعله الله خاتم الأنبياء، وبعثه إلى الإنس والجن، فلا حلال إلا ما أحله، ولا حرام إلا ما حرمه، ولا دين إلا ما شرعه، وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق لا كذب فيه ولا خُلْف؛ كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: الآية: ١١٥]؛ أي: صدقًا في الأخبار، وعدلًا في الأوامر والنواهي، فلما أكمل الدين لهم تَمَّت النعمة عليهم، ولهذا قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: الآية: ٣]؛ أي: فارضوه أنتم لأنفسكم؛ فإنه الدين الذي رضيه الله وأحبه، وبعث به أفضل رسله الكرام، وأنزل به أشرف كتبه" (^١).
قال تعالى: ﴿شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: الآية: ١٢١]
• وقال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: "وهو عبادة الله وحده لا شريك له على شرع مرضي" (^٢).
قال تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: الآية: ٤٠]
• قال ابن زيد (ت: ٢٨٢ هـ) ﵀: "نعمته الإسلام، ولا نعمة أعظم منها، وما سِواها تبع لها" (^٣).
_________________
(١) تفسير ابن كثير (سورة المائدة الآية: ٣).
(٢) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة النحل الآية: ١٢١).
(٣) تفسير الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن أبي طالب (سورة البقرة الآية: ٤٠).
[ ١٢٨ ]
الاسم السادس والثلاثون: ومن أسماء التوحيد "الدين الخالص".
قال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: الآية: ٣].
• عن قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ "شهادة أن لا إله إلا الله" (^١).
• قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: "وقيل: لا يستحق الدين الخالص إلا الله وقيل: الدين الخالص من الشرك هو لله" (^٢).
• قال ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ) ﵀-في بيان معنى الآية: «قوله تعالى: ﴿ألا لله الدين الخالص﴾، يعني: الخالص من الشرك، وما سواه ليس بدين الله الذي أمر به. وقيل: المعنى لا يستحق الدين الخالص إلا لله.؟
﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء﴾ يعني: آلهة. ويدخل في هؤلاء اليهود حين قالوا: عزير ابن الله، والنصارى لقولهم: المسيح ابن الله، وجميع عباد الأصنام" (^٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فإذا كان أصل العمل الديني هو إخلاص الدين لله، وهو إرادة الله وحده فالشيء المراد لنفسه هو
_________________
(١) تفسير الطبري (سورة الزمر الآية: ٣).
(٢) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الزمر الآية: ٣).
(٣) زاد المسير في علم التفسير (٧/ ١٦١).
[ ١٢٩ ]
المحبوب لذاته، وهذا كمال المحبة، ولكن أكثر ما جاء المطلوب باسم العبادة كقوله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات الآية: ٥٦]، وقوله: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم﴾ [البقرة الآية: ٢١]، وأمثال هذا" (^١).
• قال محمد بن يعقوب الفيروزأبادي (ت: ٨١٧ هـ) ﵀: "فحقيقة الإخلاص: التعرى من دون الله. و﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: الآية: ١]، سميت سورة الإخلاص؛ لأنها خالص التوحيد؛ وسبب خلاص أهله" (^٢).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "هذا تقرير للأمر بالإخلاص، وبيان أنه تعالى كما أنه له الكمال كله، وله التفضل على عباده من جميع الوجوه، فكذلك له الدين الخالص الصافي من جميع الشوائب، فهو الدين الذي ارتضاه لنفسه، وارتضاه لصفوة خلقه وأمرهم به، لأنه متضمن للتأله للّه في حبه وخوفه ورجائه، وللإنابة إليه في عبوديته، والإنابة إليه في تحصيل مطالب عباده.
وذلك الذي يصلح القلوب ويزكيها ويطهرها، دون الشرك به في شيء من العبادة. فإن اللّه بريء منه، وليس للّه فيه شيء، فهو أغنى الشركاء عن الشرك، وهو مفسد للقلوب والأرواح والدنيا والآخرة، مُشْقٍ للنفوس غاية الشقاء، فلذلك لما أمر بالتوحيد والإخلاص، نهى عن الشرك به" (^٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٠/ ٥٦، ٥٧).
(٢) بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب ٢/ ١٧٣.
(٣) تفسير السعدي (سورة الزمر الآية: ٣).
[ ١٣٠ ]
الاسم السابع والثلاثون: ومن أسماء التوحيد "ملة إبراهيم".
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة: الآية: ١٣٠].
• قال مقاتل ابن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿ومن يرغب عن ملة إبراهيم﴾، يعني: الإسلام" (^١).
• قال القشيري (ت: ٤٦٥ هـ) ﵀: "أخبر أنه آثر الخليل صلوات الله عليه على البرية، فجعل الدينَ دينَه، والتوحيدَ شِعارَه، والمعرفةَ صِفته؛ فمن رَغِبَ عن دينه أو حاد عن سُنَّتِه فالباطل مطرحه، والكفر مهواه؛ إذ ليست الأنوار بجملتها إلا مقتبسة من نوره" (^٢).
• قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: "يقول ﵎ رَدًّا على الكفار فيما ابتدعوه وأحدثوه من الشرك بالله، المخالف لملة إبراهيم الخليل، إمام الحنفاء، فإنه جَرد توحيد ربه ﵎، فلم يَدْع معه غيره، ولا أشرك به طرفة عين، وتبرأ من كل معبود سواه، وخالف في ذلك سائر قومه، حتى تبرأ من أبيه" (^٣).
قال تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِين﴾ [البقرة: الآية: ١٣٥].
• قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ): ﵄"في التوحيد" (^٤).
• قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "لما ثبت أن إبراهيم
_________________
(١) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة البقرة: الآية: ١٣٠).
(٢) لطائف الإشارات للقشيري (سورة البقرة: الآية: ١٣٠).
(٣) تفسير ابن كثير (سورة البقرة: الآية: ١٣٠).
(٤) تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي. (سورة النساء: الآية: ١٢٥).
[ ١٣١ ]
كان قائلا بالتوحيد، وثبت أن النصارى يقولون بالتثليث، واليهود يقولون بالتشبيه، فثبت أنهم ليسوا على دين إبراهيم ﵇، وأن محمدا ﵇ لما دعا إلى التوحيد، كان هو على دين إبراهيم" (^١).
• قال تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: الآية: ٩٥].
• قال علي بن محمد بن إبراهيم الشيحي المعروف بالخازن (ت: ٧٤١ هـ) ﵀: "ملة إبراهيم وهي الإسلام وهو الدين الصحيح" (^٢).
• قال أبو حيان الأندلسي (ت: ٧٤٥ هـ) ﵀: " ﴿فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين﴾ وهي ملة الإسلام التي عليها رسول الله ﷺ والمؤمنون معه" (^٣).
• قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "أمرهم باتباع ملة أبيهم إبراهيم ﵇ بالتوحيد وترك الشرك الذي هو مدار السعادة، وبتركه حصول الشقاوة، وفي هذا دليل على أن اليهود وغيرهم ممن ليس على ملة إبراهيم مشركون غير موحدين" (^٤).
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِن وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا﴾ [النساء: الآية: ١٢٥].
• قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: " ﴿ملة إبراهيم﴾ الذي اشتهر عند جميع الطوائف أنه ما دعا إلا إلى الله ﷾ وحده، وتبرأ
_________________
(١) تفسير مفاتيح الغيب للفخر الرازي. (سورة البقرة: الآية: ١٣٥).
(٢) تفسير لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن. (سورة آل عمران: الآية: ٩٥).
(٣) تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي. (سورة آل عمران: الآية: ٩٥).
(٤) تفسير تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي. (سورة آل عمران: الآية: ٩٥).
[ ١٣٢ ]
مما سواه من فلك وكوكب وصنم وطبيعة وغيرها حال كون ذلك المتبع ﴿حنيفًا﴾ أي لينًا سهلًا ميّالًا مع الدليل، والملة: ما دعت إليه الفطرة الأولى بمساعدة العقل السليم من كمال الإسلام بالتوحيد" (^١).
• قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: " ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: دينه وشرعه ﴿حَنِيفًا﴾ أي: مائلا عن الشرك إلى التوحيد، وعن التوجه للخلق إلى الإقبال على الخالق" (^٢).
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاط مُّسْتَقِيم دِينا قِيَما مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: الآية: ١٦١].
قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿ملة إبراهيم حنيفا﴾، يعني مخلصا" (^٣).
قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: الآية: ١٢٣].
• قال مقاتل ابن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿أن اتبع ملة إبراهيم، حنيفا﴾، يعني: الإسلام، ﴿حنيفا﴾، يعني: مخلصا" (^٤).
• قال العز بن عبد السلام (ت: ٦٣٩ هـ) ﵀: " ﴿اتّبِع ملة إبراهيم﴾ في الإسلام والبراءة من الأوثان" (^٥).
• قال علي بن محمد بن إبراهيم الشيحي المعروف بالخازن
_________________
(١) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور للبقاعي. (سورة النساء: الآية: ١٢٥).
(٢) تفسير تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي. (سورة النساء: الآية: ١٢٥).
(٣) تفسير مقاتل بن سليمان. (سورة الأنعام: الآية: ١٦١).
(٤) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة النحل: الآية: ١٢٣).
(٥) تفسير العز بن عبد السلام (سورة النحل: الآية: ١٢٣).
[ ١٣٣ ]
(ت: ٧٤١ هـ) ﵀: " ﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم﴾، يعني: دينه وما كان عليه من الشريعة والتوحيد" (^١).
• عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى (ت: ٧٠ هـ تقريبًا) ﵁؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَصْبَحَ قَالَ: «أَصْبَحْنَا عَلَى فِطْرَةِ الْإِسْلَامِ، وَكَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ، وَدِينِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَمِلَّةِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا مُسْلِمًا، وَمَا كاَنَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وتأمل هذه الألفاظ كيف جعل الفطرة للإسلام فإنه فطرة الله التي فطر الناس عليها، وكلمة الإخلاص هي شهادة أن لا إله إلا الله، والملة لإبراهيم فإنه صاحب الملة وهي التوحيد وعبادة الله تعالى وحده لا شريك له ومحبته فوق كل محبة، والدين للنبي ﷺ وهو دينه الكامل وشرعه التام الجامع لذلك كله وسماه سبحانه إماما وأمة وقانتا وحنيفا قال تعالى ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين﴾ [البقرة: الآية: ١٢٤]، فأخبر سبحانه أنه جعله إماما للناس وأن الظالم من ذريته لا ينال ربتة الإمامة والظالم هو المشرك وأخبر سبحانه أن عهده بالإمامة لا ينال من أشرك به وقال تعالى ﴿إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين﴾ [النحل: الآيات: ١٢٠ - ١٢٢].
_________________
(١) تفسير لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن. (سورة النحل: الآية: ١٢٣).
(٢) إسناده حسن: أخرجه النسائي في «عمل اليوم والليلة» (١/ ٣٤٣، ٣٤٤)، وفي «الكبرى» (٢٩، ٩٨، ١٠١٧٥، ١٠١٧٦)، والدارمي (٢٦٨٨)، وأحمد (٣/ ٤٠٧)، وابن أبي شيبة (٩/ ٧٧) (١٠/ ٢٣٩)، وابن السني في «عمل اليوم والليلة» (٣٤)، والطبراني في «الدعاء» (٢٩٤)، والبيهقي في «الدعوات الكبير» (٢٦).
[ ١٣٤ ]
فالأمة هو القدوة المعلم للخير والقانت المطيع لله الملازم لطاعته والحنيف المقبل على الله المعرض عما سواه ومن فسره بالمائل فلم يفسره بنفس موضوع اللفظ وإنما فسره بلازم المعنى فإن الحنف هو الإقبال ومن أقبل على شيء مال عن غيره والحنف في الرجلين هو إقبال إحداهما على الأخرى ويلزمه ميلها عن جهتها
قال تعالى ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ [الروم: الآية: ٣٠]، فحنيفا هو حال مقررة لمضمون قوله ﴿فأقم وجهك للدين﴾ ولهذا فسرت مخلصا فتكون الآية قد تضمنت الصدق والإخلاص فإن إقامة الوجه للدين هو إفراد طلبه بحيث لا يبقى في القلب إرادة لغيره والحنيف المفرد لا يريد غيره فالصدق أن لا ينقسم طلبك والافراد أن لا ينقسم مطلوبك الأول توحيد الطلب والثاني توحيد المطلوب
والمقصود أن إبراهيم ﵇ هو أبونا الثالث وهو امام الحنفاء ويسميه أهل الكتاب عمود العالم، وجميع أهل الملل متفقة على تعظيمه وتوليه ومحبته وكان خير بنيه سيد ولد آدم محمد ﷺ يجله ويعظمه ويبجله ويحترمه" (^١).
الاسم الثامن والثلاثون: ومن أسماء التوحيد "صبغة الله".
قال تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة: الآية: ١٣٨].
• عن مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀-قال: قوله: ﴿صبغة الله﴾ أي دين الله" (^٢).
_________________
(١) جلاء الأفهام ص: ٢٦٨ - ٢٦٩.
(٢) أخرجه ابن جرير رقم ٢١١٩، ٢١٢٠ من طريق سفيان وابن أبي نجيح، كلاهما، عن مجاهد - مثله. وبه فسره الضحاك عن ابن عباس، وأبو العالية، وعكرمة، وإبراهيم، والحسن، وقتادة، وعبد الله بن كثير، وعطية العوفي، والربيع بن أنس، والسدي. انظر: تفسير ابن كثير ١/ ٢٧٢.
[ ١٣٥ ]
ومن طريق ابن أبي نجيح عنه قال: ﴿صبغة الله﴾ "أي فطرة الله" (^١).
• قال ابن قتيبة الدينوري (ت: ٢٧٦ هـ) ﵀: "أي الزموا صبغة الله لا صبغة النصارى أولادهم، وأراد بها ملة إبراهيم ﵇" (^٢).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "بمعنى: آمنا هذا الإيمان، فيكون الإيمان حينئذ هو صبغة الله" (^٣).
• قال أبو عبيد الهروي (ت: ٤٠١ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿صبغة الله﴾ أي فطرته أي قل يا محمد أنتبع صبغة الله، وقال أبو عمرو: الصبغة الدين" (^٤).
• قال علي بن محمد الماوردي (ت: ٤٥٠ هـ) ﵀: "فيه تأويلان:
أحدهما: معناه دين الله، وهذا قول قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀. وسبب ذلك أن النصارى كانوا يصبغون أولادهم في ماء لهم، ويقولون هذا تطهير لهم كالختان، فرد الله تعالى ذلك عليهم بأن قال: ﴿صبغة الله﴾ أي صبغة الله أحسن صبغة، وهي الإسلام.
والثاني: أن صبغة الله، هي خلقة الله، وهذا قول مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀.
_________________
(١) أخرجه ابن جرير رقم ٢١٢٦ من طريق عيسى، عن ابن أبي نجيح، عنه، مثله. وذكره السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٤٠ وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير.
(٢) كتاب تأويل مشكل القرآن ص ٩٧.
(٣) تفسير الطبري (سورة البقرة الآية: ١٣٨).
(٤) كتاب الغريبين في القرآن والحديث ٤/ ١٠٦١.
[ ١٣٦ ]
فإن كانت الصبغة هي الدين، فإنما سمي الدين صبغة، لظهوره على صاحبه، كظهور الصبغ على الثوب، وإن كانت هي الخلقة فلإحداثه كإحداث اللون على الثوب" (^١).
• قال أبو حفص عمر بن محمد النسفي (ت: ٥٣٧ هـ) ﵀: "والله تعالى سمى الإسلام بأسماء وأضاف كل واحد من ذلك إلى نفسه: هدى الله، صراط الله، فطرة الله، صبغة الله، دين الله، نور الله، حبل الله، كلمة الله، وآياتها: ﴿قل إن هدى الله هو الهدى﴾ [آل عمران: الآية: ٧٣] ﴿صراط الله الذي﴾ [الشورى: الآية: ٥٣] ﴿فطرت الله التي﴾ [الروم: الآية: ٣٠] ﴿صبغة الله﴾ [البقرة: الآية: ١٣٨] ﴿يدخلون في دين الله أفواجا﴾ [النصر: الآية: ٢] ﴿واعتصموا بحبل الله﴾ [آل عمران: الآية: ١٠٣] ﴿يريدون أن يطفئوا نور الله﴾ [التوبة: الآية: ٣٢] ﴿وكلمة الله هي العليا﴾ [التوبة: الآية: ٤٠] " (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وقوله: ﴿وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم (١٣٧) صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون﴾ [البقرة: الآيات: ١٣٧ - ١٣٨]، صبغ القلوب والأشياء بهذا الإيمان حتى أنارت به القلوب، وأشرقت به الوجوه، وظهر الفرقان بين وجوه أهل السنة وأهل البدعة، كما قال في المؤمنين: ﴿تعرفهم بسيماهم﴾ [البقرة: الآية: ٢٧٣]، وفي الكفار: ﴿سنسمه على الخرطوم﴾ [القلم: الآية: ١٦]، وفي المنافقين: (ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم) [محمد: الآية: ٣٠] " (^٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "القلب لا يستقر ولا يثبت إلا
_________________
(١) تفسير الماوردي (النكت والعيون) (سورة البقرة الآية: ١٣٨).
(٢) كتاب التيسير في التفسير ١/ ٢٦٣.
(٣) جامع المسائل ٦/ ٣٣.
[ ١٣٧ ]
إذا كان عالما موقنا بالحق فيكون العلم والإيمان صبغة له ينصبغ بها كما قال: ﴿صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة﴾ ويصير مكانة له كما قال: ﴿قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون﴾ [البقرة: الآية: ١٣٨]، والمكان والمكانة قد يراد به ما يستقر الشيء عليه وإن لم يكن محيطا به كالسقف مثلا وقد يراد به ما يحيط به. فالمهتدون لما كانوا على هدى من ربهم ونور وبينة وبصيرة صار مكانة لهم استقروا عليها وقد تحيط بهم بخلاف الذين قال فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْف فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: الآية: ١١].
فإن هذا ليس ثابتا مستقرا مطمئنا بل هو كالواقف على حرف الوادي وهو جانبه فقد يطمئن إذا أصابه خير وقد ينقلب على وجهه ساقطا في الوادي. وكذلك فرق بين من ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ﴾ [التوبة: الآية: ١٠٩]، وبين ﴿أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَار فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: الآية: ١٠٩]، وكذلك الذين كانوا على شفا حفرة من النار فأنقذهم منها وشواهد هذا كثير" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والمسلم الصادق إذا عبد الله بما شرع؛ فتح الله عليه أنوار الهداية في مدة قريبة.
فالمهتدون من مشايخ العُبَّاد والزهاد يُوصون باتِّباع العلم المشروع، كما أن أهل الاستقامة من العلم يُوصون بعلمهم؛ الذي يسلكه أهل الاستقامة من العُبَّاد والزهاد.
وأمَّا المنحرفون من الطائفتين فيُعْرِضون عن المشروع؛ إمّا من العلم
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٥/ ٦٣ - ٦٤.
[ ١٣٨ ]
وإمّا من العمل، وهما طريق المغضوب عليهم والضالين" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وَقَدْ أَوْعَبَتْ الْأُمَّةُ فِي كُلِّ فَنٍّ مِنْ فُنُونِ الْعِلْمِ إيعَابًا فَمَنْ نَوَّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ هَدَاهُ بِمَا يَبْلُغُهُ مِنْ ذَلِكَ، وَمَنْ أَعْمَاهُ لَمْ تَزِدْهُ كَثْرَةُ الْكُتُبِ إلَّا حَيْرَةً وَضَلَالًا" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فتبارك من جعل كلامه شفاء لصدور المؤمنين، وحياة لقلوبهم، ونورا لبصائرهم، وغذاء لقلوبهم، ودواء لسقامهم، وقرة لعيونهم، وفتح به منهم أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا، وأمطر على قلوبهم سحائب ديمه، فاهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، فأشرقت به الوجوه، واستنارت به القلوب، وانقادت به الجوارح إلى طاعته ومحبته، فصبغ القلوب به معرفة وإيمانا، وملأها حكمة وإيقانا، ﴿صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون﴾ [البقرة: الآية: ١٣٨] " (^٣).
• قال الإمام ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀-في تفسير قوله تعالى: ﴿سيماهم في وجوههم من أثر السجود﴾ "الشيء الكامن في النفس يظهر على صفحات الوجه، فالمؤمن إذا كانت سريرته صحيحةً مع الله أصلح الله ظاهره للنّاس" (^٤).
• قال الشيخ محمد رشيد رضا (ت: ١٣٥٤ هـ) ﵀: " ﴿صبغة الله﴾ أي صبغنا بما ذكر من ملة إبراهيم صبغة الله وفطرته فطرنا عليها، وهي ما صبغ الله به أنبياءه ورسله والمؤمنين من عباده على سنة الفطرة" (^٥).
_________________
(١) الاستقامة ١/ ١٠٠.
(٢) مجموع الفتاوى ١٠/ ٦٦٥.
(٣) الكلام على مسألة السماع ١/ ٣١٥.
(٤) تفسير القران العظيم ٧/ ٣٦١
(٥) تفسير المنار (سورة البقرة الآية: ١٣٨).
[ ١٣٩ ]
• وقال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿صبغة الله﴾؛ «الصبغة» معناها اللون؛ وقالوا: المراد ب ﴿صبغة الله﴾ دين الله؛ وسمي «الدين» صبغة لظهور أثره على العامل به؛ فإن المتدين يظهر أثر الدين عليه: يظهر على صفحات وجهه، ويظهر على مسلكه، ويظهر على خشوعه، وعلى سمته، وعلى هيئته كلها؛ فهو بمنزلة الصبغ للثوب يظهر أثره عليه؛ وقيل: سمي صبغة للزومه كلزوم الصبغ للثوب؛ ولا يمنع أن نقول: إنه سمي بذلك للوجهين جميعا: فهو صبغة للزومه؛ وهو صبغة أيضا لظهور أثره على العامل به" (^١).
الاسم التاسع والثلاثون: ومن أسماء التوحيد "حبل الله".
قال تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾ [ال عمران: الآية: ١٠٣].
• قال سهل التستري (ت: ٢٨٣ هـ) ﵀: "أي تمسكوا بعهده وهو التوحيد، كما قال تعالى: ﴿أم اتخذ عند الرحمن عهدا﴾ [مريم: الآية: ٧٨] أي توحيدا وتمسكوا بما ملككم من تأدية فرضه وسنة نبيه، وكذلك قوله: ﴿إلا بحبل من الله﴾ [آل عمران: الآية: ١١٢] معناه إلا بعهد من الله ودينه، وإنما سماه حبلا لأنه من تمسك به توصل إلى الأمر الذي يؤمنه" (^٢).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "وقال آخرون: بل ذلك هو إخلاص التوحيد لله" (^٣).
_________________
(١) تفسير ابن عثيمين (سورة البقرة الآية: ١٣٨).
(٢) تفسير التستري ص ٤٧.
(٣) تفسير الطبري (سورة آل عمران الآية ١٠٣).
[ ١٤٠ ]
• قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: " أي: تعلقوا بأسباب الله ﴿ولا تفرقوا﴾ أي: تمسكوا بدين الله. والحبل في اللغة الذي يتوصل به إلى البغية.
• قال ابن مسعود (ت: ٣٢ هـ) ﵁: حبل الله الجماعة.
• عن أبي سعيد الخدري (ت: ٧٤ هـ) ﵁، عن النبي-ﷺ-أنه قال: " كتاب الله حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض" (^١).
وقيل: حبله، عهده وأمره.
وأكثر المفسرين على أنه القرآن.
• قال أبو العالية (ت: ٩٣ هـ) ﵀-حبل الله الإخلاص والتوحيد.
• قال ابن زيد (ت: ٢٨٢ هـ) ﵀: حبل الله: الإسلام.
• وقال القتبي [وهو ابن قتيبة] (ت: ٢٧٦ هـ) ﵀: حبل الله: دينه" (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: " ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾ [ال عمران: الآية: ١٠٣]، قيل: حبل الله هو دين الإسلام وقيل: القرآن وقيل: عهده وقيل: طاعته وأمره وقيل جماعة المسلمين؛ وكل هذا حق" (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀-في فضل كلمة التوحيد: "هي الحبل الذي لا يصل إلى الله إلا من يتعلق بسببه" (^٤).
_________________
(١) رواه الترمذي (٣٧٩٠) وأحمد (٣/ ١٤، ١٧، ٢٦، ٥٩) والطبري (ج ٧ رقم ٧٥٧٢ صفحة ٧٢).
(٢) كتاب الهداية إلى بلوغ النهاية ٢/ ١٠٨٦.
(٣) مجموع الفتاوى ٧/ ٤٠.
(٤) الجواب الكافي ص: ١٧٠.
[ ١٤١ ]
الاسم الأربعون: ومن أسماء التوحيد "عهد الله".
• قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: الآية: ٨٧].
• عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄، قال: "العهد: شهادة أن لا إله إلا الله، ويتبرأ إلى الله من الحول والقوّة ولا يرجو إلا الله" (^١).
• قال يحيى بن سلام بن أبي ثعلبة، التيمي (ت: ٢٠٠ هـ) ﵀: " ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾: وقال بعضهم: العهد: التَّوْحِيدُ" (^٢).
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: "ثم أخبر فقال سبحانه: ﴿الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه﴾، فنقضوا العهد الأول، ونقضوا ما أخذ عليهم في التوراة أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا، وأن يؤمنوا بالنبي ﷺ، وكفروا بعيسى وبمحمد، ﵉، وآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعض، ﴿ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض﴾، يعني ويعملون فيها بالمعاصي، ﴿أولئك هم الخاسرون﴾ في العقوبة، يعني اليهود، ونظيرها في الرعد: ﴿الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل﴾ من إيمان بمحمد ﷺ، ﴿ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار﴾ [الرعد: الآية: ٢٥) " (^٣).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "اختلف أهل المعرفة في معنى العهد الذي وصف الله هؤلاء الفاسقين بنقضه، فقال بعضهم: هو وصية الله إلى خلقه، وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته،
_________________
(١) تفسير الطبري (سورة مريم الآية: ٨٧).
(٢) تفسير يحيى بن سلام. (سورة مريم: الآية: ٨٧).
(٣) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة البقرة الآية: ٢٧).
[ ١٤٢ ]
ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته في كتبه وعلى لسان رسوله ﷺ، ونقضهم ذلك تركهم العمل به.
وقال آخرون: إنما نزلت هذه الَايات في كفار أهل الكتاب والمنافقين منهم، وإياهم عنى الله جل ذكره بقوله: ﴿إنّ الّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهُمْ﴾ وبقوله: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللّهِ وَبالْيَوْمِ الَاخِرِ﴾ فكل ما في هذه الَايات فعذل لهم وتوبيخ إلى انقضاء قصصهم. قالوا: فعهد الله الذي نقضوه بعد ميثاقه: هو ما أخذه الله عليهم في التوراة من العمل بما فيها، واتباع محمد ﷺ إذا بعث، والتصديق به وبما جاء به من عند ربهم. ونقضهم ذلك هو جحودهم به بعد معرفتهم بحقيقته، وإنكارهم ذلك، وكتمانهم علم ذلك عن الناس، بعد إعطائهم الله من أنفسهم الميثاق ليبيننه للناس ولا يكتمونه. فأخبر الله جل ثناؤه أنهم نبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلًا.
وقال بعضهم: إن الله عنى بهذه الآية جميع أهل الشرك والكفر والنفاق وعهده إلى جميعهم في توحيده ما وضع لهم من الأدلة الدالة على ربوبيته وعهده إليهم في أمره ونهيه ما احتج به لرسله من المعجزات التي لا يقدر أحد من الناس غيرهم أن يأتي بمثلها الشاهدة لهم على صدقهم. قالوا: ونقضهم ذلك تركهم الإقرار بما قد تبينت لهم صحته بالأدلة، وتكذيبهم الرسل والكتب، مع علمهم أن ما أتوا به حق.
وقال آخرون: العهد الذي ذكره الله جل ذكره، هو العهد الذي أخذه عليهم حين أخرجهم من صلب آدم، الذي وصفه في قوله: وَإذْ أخَذَ رَبّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرّيّتَهُمْ وأشْهَدَهُمْ على أنْفُسِهِمْ الَايتين، ونقضُهم ذلك، تركهم الوفاء به" (^١).
_________________
(١) تفسير الطبري (سورة البقرة الآية: ٢٧).
[ ١٤٣ ]
• قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: " ﴿الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه﴾ وهو الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم، وتفسيره في سورة الأعراف ﴿ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل﴾ قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ): يعني ما أمر الله به من الإيمان بالنبيين كلهم ﴿ويفسدون في الأرض﴾ أي يعملون فيها بالشرك والمعاصي ﴿أولئك هم الخاسرون﴾ خسروا أنفسهم أن يغنموها فيصيروا في الجنة، فصاروا في النار" (^١).
• قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدا﴾ [مريم: الآية: ٧٨]، أي: لم يفعل، والعهد: التوحيد؛ في تفسير بعضهم" (^٢).
• قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀-في تفسيرها: "يعني: لا إله إلا الله" (^٣).
• قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "قال ابن عباس-﵄-في قوله تعالى: ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنْ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ﴿٨٧﴾﴾ [مريم: الآية: ٨٧]: العهد: هو قول لا إله إلا الله.
وأقول: الذي يدل على صحة هذا القول وجوه:
الأول: أن قوله: ﴿إلا من اتخذ عند الرحمن عهدًا﴾ نكرة في طرف الثبوت، وذلك لا يفيد إلا عهدًا واحدًا، فهذه الآية تدل على أن تلك الشفاعة تحصل بسبب عهد واحد، ثم أجمعنا على أن ما سوى الإيمان فإن الواحد منه، بل مجموعة لا يفيد تلك الشفاعة البتة، فوجب
_________________
(١) تفسير ابن أبي زمنين (سورة البقرة الآية: ٢٧).
(٢) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين ٣/ ١٠٥.
(٣) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة مريم الآية: ٨٧).
[ ١٤٤ ]
أن يكون العهد الواحد الذي يفيد تلك الشفاعة هو الايمان، وهو قول: لا إله إلا الله.
والثاني: أن جماعة من المفسرين قالوا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ﴿٤٠﴾﴾ [البقرة: الآية: ٤٠]. هو عهد الإيمان، بدليل أن لفظ العهد مجمل، فلما أعقبه بقوله: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ ﴿٤١﴾﴾ [البقرة: الآية: ٤١]. علمنا أن المراد من ذلك العهد هو الإيمان، وهو قول " لا إله إلا الله، محمد رسول الله ".
والثالث: أن أول ما وقع من العهد قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: الآية: ١٧٢]، وذلك في الحقيقة هو قول لا إله إلا الله، فكأن لفظ العهد محمولًا عليه.
والرابع: أنه تعالى قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ ﴿١١١﴾﴾ [التوبة: الآية: ١١١]، فكأن العهد من جانبك عهد الإقرار بالعبودية، ومن جانب الحق ﷾ عهد الكرم والربوبية، فثبت بهذه الوجوه: أن المراد من قوله: ﴿إِلاَّ مَنْ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ﴿٨٧﴾﴾. هو قول: لا إله إلا الله.
الخامس: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَاتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ [البقرة: الآية: ٨٠]. أي قلتم لا إله إلا الله" (^١).
• قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: "وهو شهادة أن لا إله إلا الله، والقيام بحقها" (^٢).
_________________
(١) عجائب القرآن للرازي ص ٦٥ - ٦٧.
(٢) تفسير ابن كثير (سورة مريم الآية: ٨٧).
[ ١٤٥ ]
• قال محمد بن يعقوب الفيروزأبادي (ت: ٨١٧ هـ) ﵀: "وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: الآية: ٨٧] المراد توحيد الله والإيمان به" (^١).
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة: الآية: ٢٧].
• قال أبو حيان الأندلسي (ت: ٧٤٥ هـ) ﵀: "واختلفوا في تفسير العهد على أقوال:
أحدها: أنه وصية الله إلى خلقه، وأمره لهم بطاعته، ونهيه لهم عن معصيته في كتبه المنزلة وعلى ألسنة أنبيائه المرسلة، ونقضهم له تركهم العمل به.
الثاني: أنه العهد الذي أخذه الله عليهم حين أخرجهم من أصلاب آبائهم في قوله: ﴿وإذ أخذ ربك﴾ الآية، ونقضهم له كفر، بعضهم بربوبيته، وبعضهم بحقوق نعمته.
الثالث: ما أخذه الله عليهم في الكتب المنزلة من الإقرار بتوحيده والاعتراف بنعمه والتصديق لأنبيائه ورسله، وبما جاؤوا به في قوله: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب﴾ الآية، ونقضهم له نبذه وراء ظهورهم، وتبديل ما في كتبهم من وصفه ﷺ.
الرابع: ما أخذه الله تعالى على الأنبياء ومتبعيهم أن لا يكفروا بالله ولا بالنبي ﷺ، وأن ينصروه ويعظموه في قوله تعالى: ﴿وإذا أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم﴾ الآية، ونقضهم له إنكارهم لنبوته وتغييرهم لصفته.
_________________
(١) بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز ٤/ ١١٤.
[ ١٤٦ ]
الخامس: إيمانهم به ﷺ ورسالته قبل بعثه ونقضهم له جحدهم لنبوته ولصفته.
السادس: ما جعله في عقولهم من الحجة على توحيده وتصديق رسوله، بالنظر في المعجزات الدالة على إعجاز القرآن وصدقه ونبوة محمد ﷺ، ونقضهم هو تركهم النظر في ذلك وتقليدهم لآبائهم.
السابع: الأمانة المعروضة على السموات والأرض التي حملها الإنسان، ونقضهم تركهم القيام بحقوقها.
الثامن: ما أخذه عليهم من أن لا يسفكوا دماءهم ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم، ونقضهم عودهم إلى ما نهوا عنه، وهذا القول يدل على أن المخاطب بذلك بنو إسرائيل.
التاسع: هو الإيمان والتزام الشرائع، ونقضه كفره بعد الإيمان.
وهذه الأقوال التسعة منها ما يدل على العموم في كل ناقض للعهد، ومنها ما يدل على أن المخاطب قوم مخصوصون، وهذا الاختلاف مبني على الاختلاف الذي وقع في سبب النزول، والعموم هو الظاهر.
فكل من نقض عهد الله من مسلم وكافر ومنافق أو مشرك أو كتابي تناوله هذا الذم، ومن متعلقة بقوله ينقضون، وهي لابتداء الغاية، ويدل على أن النقض حصل عقيب توثق العهد من غير فصل بينهما، وفي ذلك دليل على عدم اكتراثهم بالعهد، فإثر ما استوثق الله منهم نقضوه" (^١).
الاسم الواحد والأربعون: ومن أسماء التوحيد "أمر الله".
• قال تعالى: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ
_________________
(١) تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي (سورة البقرة الآية: ٢٧).
[ ١٤٧ ]
حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: الآية: ٤٨].
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿لقد ابتغوا الفتنة من قبل﴾ يعنى الكفر في غزوة تبوك، ﴿وقلبوا لك الأمور﴾ ظهرا لبطن كيف يصنعون، ﴿حتى جاء الحق﴾، يعنى الإسلام، ﴿وظهر أمر الله﴾ يعنى دين الإسلام، ﴿وهم كارهون﴾ للإسلام" (^١).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "وَظَهَرَ أمْرُ اللّهِ يقول: وظهر دين الله الذي أمر به وافترضه على خلقه وهو الإسلام" (^٢).
• قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: " ﴿لقد ابتغوا الفتنة﴾ يعني: الشرك ﴿من قبل﴾ أي: من قبل أن تهاجروا ﴿حتى جاء الحق﴾ القرآن ﴿وظهر أمر الله﴾ الإسلام ﴿وهم كارهون﴾ لظهوره" (^٣).
• قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: " ﴿وظهر أمر الله﴾ أي المتصف بجميع صفات الكمال من الجلال والجمال حتى لا مطمع لهم في ستره ﴿وهم كارهون﴾ أي لجميع ذلك" (^٤).
الاسم الثاني والأربعون: ومن أسماء التوحيد "الحسنة".
• قال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: الآية: ٨٩].
• عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄، في قوله: ﴿مَنْ جاءَ بالحَسَنَةِ فَلَهُ
_________________
(١) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة التوبة: الآية: ٤٨).
(٢) تفسير الطبري (سورة التوبة: الآية: ٤٨).
(٣) تفسير ابن أبي زمنين (سورة التوبة: الآية: ٤٨).
(٤) تفسير البقاعي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور. (سورة التوبة: الآية: ٤٨).
[ ١٤٨ ]
خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ قال: من جاء بلا إله إلا الله، ﴿وَمَنْ جَاءَ بالسّيّئَةِ فَكُبّتْ وُجُوهُهُمْ في النّارِ﴾، قال: بالشرك" (^١).
• قال زين العابدين علي بن الحسين (ت: ٩٥ هـ) ﵀: "هي لا إله إلا الله" (^٢).
• عن سعيد بن جبير (ت: ٩٥ هـ) ﵀، ﴿من جاء بالحسنة﴾ [النمل: الآية: ٨٩]، قال: "لا إله إلا الله" (^٣).
• عن إبراهيم بن يزيد النخعي (ت: ٩٦ هـ) ﵀: ﴿مَنْ جَآءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ قال: لا إلهَ إلاّ الله" (^٤).
• عن الشعبي (ت: ١٠٣ هـ) ﵀؛ قال: كان حذيفة (ت: ٣٦ هـ) ﵁، جالسا في مسجد الكوفة في حلقة، فقال: ما تقولون في هذه الآية: ﴿من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون (٨٩) ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم …﴾ [النمل: الآيات: ٨٩ - ٩٠]؟ فقالوا: نعم يا حذيفة، من جاء بالحسنة ضعفت له عشر أمثالها. فأخذ كفا من حصى فضرب بها الأرض، وقال: تبا لكم - وكان حديدا (أي فيه حدة) - وقال: من جاء ب "لا إله إلا الله" وجبت له الجنة، ومن جاء بالشرك وجبت له النار" (^٥).
• عن مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀، ﴿من جاء بالحسنة﴾ [النمل: الآية: ٨٩]، قال: "كلمة الإخلاص لا إله إلا الله" (^٦).
_________________
(١) تفسير جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري. (سورة النمل الآية: ٨٩).
(٢) تفسير القرآن العظيم لابن كثير. (سورة النمل الآية: ٨٩).
(٣) الدعاء للطبراني ص ٤٤٢.
(٤) تفسير الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي (سورة النمل: الآية: ٨٩).
(٥) سنن سعيد بن منصور تكملة التفسير ٦/ ٥١٤ - ٥١٥؛ وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (١١/ ٤١٨) للمصنف وابن المنذر.
(٦) الدعاء للطبراني ص ٤٤١.
[ ١٤٩ ]
• عن عكرمة (ت: ١٠٥ هـ) ﵀، قوله: ﴿مَنْ جاءَ بالحَسَنَةِ﴾ قال: شهادة أن لا إله إلا الله؛ ﴿وَمَنْ جاءَ بالسّيّئَةِ﴾ قال: السيئة: الشرك" (^١).
• عن عطاء بن أبي رباح (ت: ١١٤ هـ) ﵀؛ في قوله ﷿: ﴿من جاء بالحسنة﴾، قال: لا إله إلا الله، ﴿ومن جاء بالسيئة﴾؛ قال: الشرك" (^٢).
• عن قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀: ﴿مَنْ جاءَ بالحَسَنَةِ﴾ قال: الإخلاص، ﴿وَمَنْ جاءَ بالسّيّئَةِ﴾ قال: الشرك" (^٣).
• قَالَ قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾، يَعْنِي: التَّوْحِيدَ" (^٤).
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿من جاء بالحسنة﴾ في الآخرة يعنى بلا إله إلا الله" (^٥).
_________________
(١) تفسير جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري. (سورة النمل الآية: ٨٩).
(٢) سنن سعيد بن منصور تكملة التفسير ٦/ ٥١٤؛ وقال المحقق: "وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (١١/ ٤١٨ - ٤١٩) لعبد بن حميد. وقد أخرجه الطبراني في "الدعاء" (١٥٢٦) من طريق المصنف، عن هشيم، عن عبد الملك، به. وأخرجه ابن جرير في "تفسيره" (١٠/ ٤٠) عن يعقوب بن إبراهيم، عن هشيم، به. وأخرجه ابن جرير (١٠/ ٣٩) من طريق عبد الله بن نمير ومحمد بن فضيل، و(١٨/ ١٤١) من طريق جرير بن عبد الحميد، والطبراني في "الدعاء" (١٥٢٦) من طريق زائدة بن قدامة؛ جميعهم (ابن نمير، وابن فضيل، وجرير، وزائدة) عن عبد الملك، به. وأخرجه ابن جرير في "تفسيره" (١٨/ ١٤١) من طريق ابن جريج، عن عطاء.
(٣) تفسير جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري. (سورة النمل الآية: ٨٩)، تفسير القرآن العظيم لابن كثير. (سورة النمل الآية: ٨٩).
(٤) تفسير يحيى بن سلام. (سورة القصص: الآية: ٨٤).
(٥) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة النمل الآية: ٨٩).
[ ١٥٠ ]
• قال يحيى بن سلام بن أبي ثعلبة، التيمي (ت: ٢٠٠ هـ) ﵀: " ﴿من جاء بالحسنة﴾: "لا إله إلا الله مخلصا بها قلبه" (^١).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "يقول تعالى ذكره: مَنْ جَاءَ الله بتوحيده والإيمان به، وقول لا إله إلا الله موقنا به قلبه، فَلَهُ من هذه الحسنة عند الله خَيرٌ يوم القيامة، وذلك الخير أن يثيبه الله مِنْهَا الجنة، ويؤمّنه مِنْ فَزَعِ الصيحة الكبرى وهي النفخ في الصور. ﴿وَمَنْ جاءَ بالسّيّئَةِ﴾ يقول: ومن جاء بالشرك به يوم يلقاه، وجحود وحدانيته فَكُبّتْ وُجُوهُهُمْ في نار جهنم" (^٢).
• قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: " ﴿من جاء بالحسنة﴾ ب "لا إله إلا الله" (^٣).
• قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: " ﴿من جاء بالحسنة﴾ بكلمة الإخلاص، وهي شهادة أن لا إله إلا الله، قال أبو معشر: كان إبراهيم يحلف ولا يستثني: أن الحسنة لا إله إلا الله. وقال قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ): بالإخلاص" (^٤).
• قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "قال ابن مسعود (ت: ٣٢ هـ) ﵁، ومجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀، والقاسم بن أبي بزة (ت: ١٢٤ هـ) ﵀، وغيرهم: «الحسنة» لا إله إلا الله «والسيئة» الكفر" (^٥). قال علي بن يحيى السمرقندي (ت: ٨٨٠ هـ تقريبًا) ﵀: " ﴿مَنْ
_________________
(١) تفسير يحيى بن سلام. (سورة القصص الآية: ٨٤).
(٢) تفسير جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري. (سورة النمل الآية: ٨٩).
(٣) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين ٣/ ٣١٥.
(٤) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة النمل الآية: ٨٩).
(٥) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ٢/ ٣٦٨.
[ ١٥١ ]
جَاء بالحسنة﴾ أي: بالإيمان والتوحيد، وكلمة الإخلاص، وشهادة أن لا إله إلا الله" (^١).
• قال تعالى: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون﴾ [الأنعام: الآية: ١٦٠].
• قال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: الآية: ٣٤].
• قال منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (ت ٤٨٩ هـ) ﵀: "وأما الحسنة والسيئة ففيهما أقوال: أحدها: أنهما التوحيد والشرك" (^٢).
الاسم الثالث والأربعون: ومن أسماء التوحيد "الحسنى".
• قال تعالى: ﴿وصدق بالحسنى﴾ [الليل: الآية: ٦].
• عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄ ﴿وَصَدّقَ بالْحُسْنَى﴾: يقول: صدّق بلا إله إلاّ الله" (^٣).
• عن الضحاك بن مزاحم (ت: ١٠٢ هـ) ﵀: ﴿وَصَدّقَ بالْحُسْنَى﴾: بلا إله إلاّ الله" (^٤).
• عن أبي حصين (ت: ١٢٧ هـ) ﵀، عن أبي عبد الرحمن-﵀ (ت: ١٢٨ هـ) ﴿وَصَدّقَ بالْحُسْنَى﴾ قال: بلا إله إلاّ الله" (^٥).
_________________
(١) تفسير بحر العلوم لعلي بن يحيى السمرقندي. (سورة النمل الآية: ٨٩).
(٢) تفسير السمعاني ٥/ ٥٢. (فصلت: الآية: ٣٤).
(٣) تفسير الطبري (سورة الليل: الآية: ٦).
(٤) تفسير الطبري (سورة الليل: الآية: ٦).
(٥) تفسير الطبري (سورة الليل: الآية: ٦).
[ ١٥٢ ]
• قال سهل التستري (ت: ٢٨٣ هـ) ﵀: ﴿وصدق بالحسنى﴾، كلمة التوحيد" (^١).
• قال علي بن محمد الماوردي (ت: ٤٥٠ هـ) ﵀: " ﴿وصَدَّق بالحُسْنَى﴾ فيه سبعة تأويلات:
أحدها: بتوحيد الله، وهو قول لا إله إلا الله، قاله الضحاك بن مزاحم (ت: ١٠٢ هـ).
الثاني: بموعود الله، قاله قتادة (ت: ١١٨ هـ) ﵀.
الثالث: بالجنة، قاله مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀.
الرابع: بالثواب، قاله خصيف (ت: ١٣٨ هـ) ﵀.
الخامس: بالصلاة والزكاة والصوم، قاله زيد بن أسلم (ت: ١٣٦ هـ) ﵀.
السادس: بما أنعم الله عليه، قاله عطاء بن أبي رباح (ت: ١١٤ هـ) ﵀.
السابع: بالخلف من عطائ، قاله الحسن (ت: ١١٠ هـ) ﵀، ومعاني أكثرها متقاربة" (^٢).
• قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: " ﴿وصدق بالحسنى﴾ قال أبو عبد الرحمن (ت: ١٢٨ هـ) ﵀، والضحاك بن مزاحم (ت: ١٠٢ هـ) ﵀: وصدق بلا إله إلا الله، وهي رواية عطية عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) " (^٣).
• قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: " ﴿وصدق﴾ أي
_________________
(١) تفسير التستري ص ١٩٦.
(٢) تفسير الماوردي (سورة الليل: الآية: ٦).
(٣) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الليل: الآية: ٦).
[ ١٥٣ ]
أوقع التصديق للمخبر ﴿بالحسنى﴾ أي وهي كلمة العدل التي هي أحسن الكلام من التوحيد وما يتفرع عنه من الوعود الصادقة بالآخرة والإخلاف في النفقة في الدنيا وإظهار الدين وإن قل أهله على الدين كله، وغير ذلك من كل ما وعد به الرسول ﷺ ﷾" (^١).
• قال السيوطى (ت: ٩١١ هـ) ﵀: "وأخرج الفريابي (ت: ٢١٢ هـ) ﵀، وعبد بن حميد (ت: ٢٤٩ هـ) ﵀، وابن جرير (ت: ٣١٠ هـ) ﵀، وابن المنذر (ت: ٣١٨ هـ) ﵀، وابن أبي حاتم (ت: ٣٢٧ هـ) ﵀، عن أبي عبد الرحمن السلمي (ت: ١٢٨ هـ) ﵀ ﴿وصدق بالحسنى﴾ قال: بلا إله إلا الله" (^٢).
الاسم الرابع والأربعون: ومن أسماء التوحيد "الأحسن".
• قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: الآية: ١٨].
• قال ابن زيد (ت: ١٨٢ هـ) ﵀، في قوله: وَالّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها … الَايتين، حدثني أبي أن هاتين الَايتين نزلتا في ثلاثة نفر كانوا في الجاهلية يقولون: لا إله إلا الله: زيد بن عمرو، وأبي ذر الغفاري (ت: ٣٠ أو ٣١ هـ) ﵁، وسلمان الفارسي (ت: ٣٣ هـ) ﵁، نزل فيهم: ﴿وَالّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها﴾ في جاهليتهم ﴿وأنابُوا إلى اللّهِ لَهُمُ البُشْرَى فَبَشّرْ عِبادِ الّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ لا إله إلا الله" (^٣).
• قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: "نزلت في
_________________
(١) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور (سورة الليل: الآية: ٦).
(٢) تفسير الدر المنثور للسيوطي (سورة الليل: الآية: ٦).
(٣) تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري (سورة الزمر الآية: ١٨).
[ ١٥٤ ]
ثلاثة نفر كانوا في الجاهلية يقولون: لا إله إلا الله: زيد بن عمرو بن نفيل، وأبي ذر الغفاري (ت: ٣٠ أو ٣١ هـ) ﵁، وسلمان الفارسي (ت: ٣٣ هـ) ﵁. والأحسن: قول لا إله إلا الله" (^١).
• قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: "أحسن القول على من جعل الآية فيمن وحد الله قبل الإسلام "لا إله إلا الله" (^٢).
• قال أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني (ت: ٨٨٠ هـ) ﵀: ﴿الذين يَسْتَمِعُونَ القول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾، فهذا في أبواب الاعتقادات" (^٣).
الاسم الخامس والأربعون: ومن أسماء التوحيد "العروة الوثقى".
• قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: الآية: ٢٢].
• عن عبد الله بن سلام (ت: ٤٣ هـ) ﵁-قال: "رأيت كأني في روضة، وسط الروضة عمود، في أعلى العمود عروة، فقيل لي: ارقه، قلت: لا أستطيع، فأتاني وصيف فرفع ثيابي فرقيت، فاستمسكت بالعروة، فانتبهت وأنا مستمسك بها، فقصصتها على النبي ﷺ فقال: «تلك الروضة روضة الإسلام، وذلك العمود عمود الإسلام، وتلك العروة عروة الوثقى، لا تزال مستمسكا بالإسلام حتى تموت» (^٤).
_________________
(١) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الزمر الآية: ١٨).
(٢) تفسير القرطبي (سورة الزمر الآية: ١٨).
(٣) تفسير اللباب في علوم الكتاب لابن عادل (سورة الزمر الآية: ١٨).
(٤) أخرجه البخاري برقم: (٦٦١٢) واللفظ له، وأخرجه مسلم برقم (٢٤٨٤).
[ ١٥٥ ]
• عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ قال: لا إله إلا الله" (^١).
• عن سعيد بن جبير (ت: ٩٥ هـ) ﵀: العروة: لا إله إلا الله" (^٢).
• عن الضحاك بن مزاحم (ت: ١٠٢ هـ) ﵀: العروة: لا إله إلا الله" (^٣).
• قال مجاهد (ت: ١٠٤ هـ) ﵀: "في قوله ﴿بالعُرْوَةِ الوُثْقَى﴾ قال: الإيمان" (^٤).
• قال السدي (ت: ١٢٨ هـ) ﵀: "العروة الوثقى: هو الإسلام" (^٥).
• قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: " ﴿ومن يسلم وجهه﴾ يعني: وجهته في الدين ﴿إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾ لا إله إلا الله" (^٦).
• قال الكرماني (ت: ٧٨٦ هـ) ﵀: "قال الكرماني يحتمل أن يراد بالعروة الوثقى الإيمان" (^٧).
_________________
(١) تفسير الطبري (سورة لقمان الآية: ٢٢)، تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة لقمان الآية: ٢٢).
(٢) تفسير الطبري (سورة البقرة: الآية: ٢٥٦)، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (سورة البقرة: الآية: ٢٥٦).
(٣) تفسير الطبري (سورة البقرة: الآية: ٢٥٦)، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (سورة البقرة: الآية: ٢٥٦)، ١/ ٣٤٤.
(٤) تفسير الطبري (سورة البقرة: الآية: ٢٥٦).
(٥) تفسير الطبري (سورة البقرة: الآية: ٢٥٦).
(٦) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين ٣/ ٣٧٧.
(٧) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري للكرماني ٢٤/ ١١٩، وفتح الباري لابن حجر ١٢/ ٣٩٨.
[ ١٥٦ ]
• قال عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (ت: ١٢٨٥ هـ) ﵀: "والعروة الوثقى هي: "لا إله إلا الله" (^١).
الاسم السادس والأربعون: ومن أسماء التوحيد "الدعوة التامة".
• عن جابر بن عبد الله (ت: ٧٨ هـ) ﵁، أن رسول الله-ﷺ، قال: «من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة» (^٢).
• قال ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ) ﵀: "الدعوة التامة المراد بها: دعوة التوحيد، كقولة: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [الرعد: الآية: ١٤]، وقيل لدعوة التوحيد تامة لأن الشركة نقص، وقال ابن التين: وصفت بالتامة لأن فيها أتم القول وهو: لا إله إلا الله" (^٣).
الاسم السابع والأربعون: ومن أسماء التوحيد "دعوة الله".
• قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر: الآية: ١٢].
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿بأنه إذا دعي الله﴾ يعني إذا ذكر الله ﴿وحده كفرتم﴾ به يعني بالتوحيد ﴿وإن يشرك به تؤمنوا﴾ يعني وإن يعدل به تصدقوا" (^٤).
_________________
(١) فتح المجيد شرح كتاب التوحيد ص ٨٣.
(٢) رواه البخاري (٦١٤).
(٣) فتح الباري (٢/ ١١٢ - ١١٣).
(٤) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة غافر: الآية: ١٢).
[ ١٥٧ ]
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: " ﴿بأنّهُ إذا دُعِيَ اللّهُ وَحْدَه كَفَرْتُمْ﴾، فأنكرتم أن تكون الألوهة له خالصة، وقلتم ﴿أجَعَلَ الَالِهَةَ إلَها وَاحدا﴾ [ص: الآية: ٥] " (^١).
• قال أبو إسحاق أحمد الثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ) ﵀: " ﴿بأنه إذا دُعي الله وحده﴾ في الدُّنيا كفرتم به وأنكرتم أن لا تكون الإلهية له خالصة، وقلتم ﴿أجعل الإلهة إلهًا واحدًا﴾ [ص: الآية: ٥]، ﴿وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ﴾ غيره. ﴿تُؤْمِنُوا﴾ تصدقوا ذلك المشرك" (^٢).
• قال علي بن محمد الماوردي (ت: ٤٥٠ هـ) ﵀: "قوله ﷿: ﴿ذلكم بأنه إذا دُعي الله وحده كفرتم﴾ أي كفرتم بتوحيد الله" (^٣).
• قال الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ) ﵀: " ﴿بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم﴾ نكرتم وحدانيته ﴿وإن يشرك به تؤمنوا﴾ تصدقوا ذلك الشرك" (^٤).
• قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "وقوله: ﴿إذا دعي الله وحده﴾ معناه: بحالة توحيد ونفي لما سواه من الآلهة والأنداد.
وقوله: ﴿وإن يشرك به﴾ أي إذا ذكرت اللات والعزى وغيرهما صدقتم واستقرت نفوسكم" (^٥).
• قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: " ﴿إذا دعي
_________________
(١) تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري. (سورة غافر: الآية: ١٢).
(٢) الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي. (سورة غافر: الآية: ١٢).
(٣) تفسير النكت والعيون للماوردي. (سورة غافر: الآية: ١٢).
(٤) تفسير الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي. (سورة غافر: الآية: ١٢).
(٥) تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية. (سورة غافر: الآية: ١٢).
[ ١٥٨ ]
الله وحده كفرتم﴾، أي: إذا قيل: لا إله إلا الله أنكرتم، وقلتم: ﴿أجعل الآلهة إلهًا واحدًا﴾ [ص: الآية: ٥]، ﴿وإن يشرك به﴾ غيره ﴿تؤمنوا﴾ تصدقوا ذلك الشرك" (^١).
• قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: " ﴿إذا دعي الله﴾ أي وحد الله ﴿وحده كفرتم﴾ وأنكرتم أن تكون الألوهية له خاصة، وإن أشرك به مشرك صدقتموه وآمنتم بقوله" (^٢).
• قال البيضاوي (ت: ٦٨٥ هـ) ﵀: " ﴿ذلكم﴾ الذي أنتم فيه. ﴿بأنه﴾ بسبب أنه ﴿إذا دعي الله وحده﴾ متحدا أو توحد وحده فحذف الفعل وأقيم مقامه في الحالية. ﴿كفرتم﴾ بالتوحيد. ﴿وإن يشرك به تؤمنوا﴾ بالإشراك.
﴿فالحكم لله﴾ المستحق للعبادة حيث حكم عليكم بالعذاب السرمد الدائم. ﴿العلي﴾ عن أن يشرك به ويسوى بغيره. ﴿الكبير﴾ حيث حكم على من أشرك وسوى به بعض مخلوقاته في استحقاق العبادة بالعذاب السرمد" (^٣).
• قال عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي (ت: ٧١٠ هـ) ﵀: " قوله ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِىَ الله وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ أي ذلكم الذي أنتم فيه وأن لا سبيل لكم إلى خروج قط بسبب كفركم بتوحيد الله وإيمانكم بالإشراك به" (^٤).
• قال علي بن محمد بن إبراهيم الشيحي المعروف بالخازن
_________________
(١) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة غافر: الآية: ١٢).
(٢) تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي. (سورة غافر: الآية: ١٢).
(٣) تفسير أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي. (سورة غافر: الآية: ١٢).
(٤) تفسير مدارك التنزيل وحقائق التأويل للنسفي. (سورة غافر: الآية: ١٢).
[ ١٥٩ ]
(ت: ٧٤١ هـ) ﵀: " ﴿ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم﴾ معناه فأجيبوا أن لا سبيل إلى الخروج وهذا العذاب والخلود في النار بأنكم إذا دعى الله وحده كفرتم يعني إذا قيل لا إله إلا الله أنكرتم ذلك؛ ﴿وإن يشرك به﴾ أي غيره ﴿تؤمنوا﴾ أي تصدقوا ذلك الشرك" (^١).
• قال أبو حيان الأندلسي (ت: ٧٤٥ هـ) ﵀: " ﴿إذا دعي الله وحده﴾: أي إذا أفرد بالإلهية ونفيت عن سواه، ﴿كفرتم وإن يشرك به﴾: أي ذكرت اللات والعزى وأمثالهما من الأصنام، صدقتم بألوهيتها وسكنت نفوسكم إليها" (^٢).
• قال علي بن يحيى السمرقندي (ت: ٨٨٠ هـ تقريبًا) ﵀: " ﴿بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ الله وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ يعني: إذا قيل لكم لا إله إلا الله جحدتم، وأقمتم على الكفر، ﴿وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ يعني: إذا دعيتم إلى الشرك، وعبادة الأوثان، تصدقوا" (^٣).
• قال أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني (ت: ٨٨٠ هـ) ﵀: "قوله ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ الله وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ أي ذلك الذي أنتم فيه من العذاب والخلود من النار وأن لا سبيل لكم إلى خروج قط إنما وقع بسبب كفرهم بتوحيد الله، أي إذا قيل لا إله إلا الله كفرتم وقلتمْ ﴿أَجَعَلَ الآلهة إلها وَاحِدًا﴾ [ص: الآية: ٥] ﴿وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ أي تصدقوا ذلك الشرك" (^٤).
• قال محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٥ هـ) ﵀: " ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ
_________________
(١) تفسير لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن. (سورة غافر: الآية: ١٢).
(٢) تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي. (سورة غافر: الآية: ١٢).
(٣) تفسير بحر العلوم لعلي بن يحيى السمرقندي. (سورة غافر: الآية: ١٢).
(٤) اللباب في علوم الكتاب. (سورة غافر: الآية: ١٢).
[ ١٦٠ ]
إِذَا دُعِيَ الله وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ أي ذلك الذي أنتم فيه من العذاب بسبب أنه إذا دعي الله في الدنيا وحده دون غيره كفرتم به وتركتم توحيده. ﴿وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ﴾ غيره من الأصنام أو غيرها ﴿تُؤْمِنُوا﴾ بالإشراك به، وتجيبوا الدّاعي إليه، فبيّن سبحانه لهم السبب الباعث على عدم إجابتهم إلى الخروج من النار، وهو ما كانوا فيه من ترك توحيد الله، وإشراك غيره به في العبادة التي رأسها الدّعاء" (^١).
الاسم الثامن والأربعون: ومن أسماء التوحيد "الكلمة السواء".
• قال-تعالى-: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: الآية: ٦٤].
• قال أبو العالية (ت: ٩٣ هـ) ﵀: "الكلمة السواء"، لا إله إلا الله" (^٢).
• قال مجاهد (ت: ١٠٤ هـ) ﵀: " ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: الآية: ٦٤]، كلمة التوحيد: لا إله إلا الله" (^٣).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: " ﴿تَعَالَوْا﴾ هلمّوا ﴿إلى كَلِمَة سَوَاء﴾ يعني إلى كلمة عدل ﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ والكلمة
_________________
(١) تفسير فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم التفسير للشوكاني. (سورة غافر: الآية: ١٢).
(٢) تفسير الطبري (سورة آل عمران: الآية: ٦٤)، تفسير المحرر الوجيز لابن عطية (سورة آل عمران: الآية: ٦٤).
(٣) شرح صحيح البخاري لابن بطال ٦/ ١٣٨.
[ ١٦١ ]
العدل: هي أن نوحد الله فلا نعبد غيره، ونبرأ من كل معبود سواه فلا نشرك به شيئا. وقوله: ﴿وَلا يَتّخِذَ بَعْضُنا بَعْضا أرْبابا﴾ يقول: ولا يدين بعضنا لبعض بالطاعة فيما أمر به من معاصي الله، ويعظمه بالسجود له، كما يسجد لربه. ﴿فإنْ تَوَلّوْا﴾ يقول: فإن أعرضوا عما دعوتهم إليه من الكلمة السواء التي أمرتك بدعائهم إليها، فلم يجيبوك إليها، فقولوا أيها المؤمنون للمتولين عن ذلك: اشهدوا بأنا مسلمون" (^١).
• قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء﴾ أي: عدل ﴿بيننا وبينكم﴾ يعني: لا إله إلا الله" (^٢).
• قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: "قوله: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَواْ﴾. الكلمة ﴿أَلاَّ تَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ﴾ وما بعده. وقيل: الكلمة لا إله إلا الله. والسواء: النَصَفَة والعدل والقصد" (^٣).
• قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: " ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة﴾ والعرب تسمي كل قصة لها شرح كلمة، ومنه سميت القصيدة كلمة (سواء) عدل بيننا وبينكم مستوية، أي أمر مستو يقال: دعا فلان إلى السواء، أي إلى النصفة، وسواء كل شيء وسطه، ومنه قوله تعالى: ﴿فرآه في سواء الجحيم﴾ وإنما قيل للنصفة سواء لأن أعدل الأمور وأفضلها أوسطها سواء نعت لكلمة إلا أنه مصدر، والمصدر لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، فإذا فتحت السين
_________________
(١) تفسير الطبري (سورة آل عمران: الآية: ٦٤).
(٢) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين. (سورة آل عمران: الآية: ٦٤).
(٣) تفسير الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن أبي طالب. (سورة آل عمران: الآية: ٦٤).
[ ١٦٢ ]
مددت، وإذا كسرت أو ضممت قصرت، كقوله تعالى ﴿مكانًا سوى﴾ ثم فسر الكلمة فقال: قوله تعالى: ﴿أن لا نعبد إلا الله﴾ ومحل (أن) رفع على إضمار هي، وقال الزجاج: رفع بالابتداء، وقيل: محله نصب بنزع حرف الصلة، معناه بأن لا نعبد إلا الله، وقيل: محله خفض بدلًا من الكلمة، أي تعالوا إلى أن لا نعبد إلا الله.
قوله تعالى: ﴿ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله﴾ كما فعلت اليهود والنصارى، قال الله تعالى: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله﴾، وقال عكرمة (ت: ١٠٥ هـ): هو سجود بعضهم لبعض، أي لا نسجد لغير الله، وقيل معناه: لا نطيع أحدا في معصية الله.
قوله تعالى: ﴿فإن تولوا فقولوا اشهدوا﴾ أي فقولوا أنتم يا أمة محمد ﷺ لهم اشهدوا.
قوله تعالى: ﴿بأنا مسلمون﴾ مخلصون بالتوحيد" (^١).
• قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: "فالمعنى أجيبوا إلى ما دعيتم إليه، وهو الكلمة العادلة المستقيمة التي ليس فيها ميل عن الحق. وقد فسرها بقوله تعالى: ﴿ألا نعبد إلا الله﴾ " (^٢).
• قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: " ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾ والكلمة تطلق على الجملة المفيدة كما قال هاهنا. ثم وصفها بقوله: ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ أي: عدل ونصف، نستوي نحن وأنتم فيها. ثم فسرها بقوله: ﴿أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ لا وَثَنا، ولا
_________________
(١) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة آل عمران: الآية: ٦٤).
(٢) تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي. (سورة آل عمران: الآية: ٦٤).
[ ١٦٣ ]
صنما، ولا صليبا ولا طاغوتا، ولا نارًا، ولا شيئًا بل نُفْرِدُ العبادة لله وحده لا شريك له. وهذه دعوة جميع الرسل، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: الآية: ٢٥]. وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: الآية: ٣٦]. ثم قال: ﴿وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وقال ابن جُرَيْج (ت: ١٥٠ هـ): يعني: يطيع بعضنا بعضا في معصية الله. وقال عكرمة (ت: ١٠٥ هـ): يعني: يسجد بعضنا لبعض.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ أي: فإن تولوا عن هذا النَّصَف وهذه الدعوة فأشْهدوهم أنتم على استمراركم على الإسلام الذي شرعه الله لكم" (^١).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "هذه الآية الكريمة كان النبي-ﷺ -يكتب بها إلى ملوك أهل الكتاب، وكان يقرأ أحيانًا في الركعة الأولى من سُنَّة الفجر: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الآية [البقرة: الآية: ١٣٦]، ويقرأ بها في الرَّكعة الآخرة من سنَّة الصبح؛ لاشتمالها على الدعوة إلى دين واحد قد اتَّفق عليه الأنبياء والمرسلون، واحتوت على توحيد الإلهية المبنيِّ على عبادة الله وحده لا شريك له، وأن يعتقد أن البشر وجميع الخلق كلهم في طور البشرية لا يستحقُّ منهم أحدٌ شيئًا من خصائص الرُّبوبية ولا من نعوت الإلهية، فإن انقاد أهل الكتاب وغيرهم إلى هذا فقد اهتدوا" (^٢).
_________________
(١) تفسير ابن كثير (سورة آل عمران: الآية: ٦٤).
(٢) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان"، المعروف ب"تفسير السعدي": (آل عمران: ٦٤).
[ ١٦٤ ]
الاسم التاسع والأربعون: ومن أسماء التوحيد "كلمة النجاة".
• قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: الآية: ٤٨].
• عن علي بن أبي طالب (ت: ٤٠ هـ) ﵁: "إن هذه الآية أرجى آية في القرآن قوله: ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ " (^١).
• عن علي بن أبي طالب (ت: ٤٠ هـ) ﵁ قال ما في القرآن آية أحب إلي من هذه الآية ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: الآية: ٤٨] " (^٢).
• عن ابن عمر (ت: ٧٣ هـ) ﵄: "كنا معشر أصحاب رسول الله ﷺ لا نشك في قاتل المؤمن، وأكل مال اليتيم، وشاهد الزور، وقاطع الرحم، يعني في الشهادة له بالنار حتى نزلت: ﴿اِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُّشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَّشَاءُ﴾ فأمسكنا عن الشهادة" (^٣).
• عن مجاهد (ت: ١٠٤ هـ) ﵀، "أن الاستثناء لأهل التوحيد" (^٤).
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿إن الله لا يغفر أن
_________________
(١) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي (سورة النساء: الآية: ٤٨).
(٢) أخرجه الترمذي في سننه وقال: "هذا حديث حسن غريب وأبو فاختة اسمه سعيد بن علاقة وثوير يكنى أبا جهم وهو رجل كوفي من التابعين وقد سمع من ابن عمر وابن الزبير وابن مهدي كان يغمزه قليلا"، انظر: وقال الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي (٣٠٣٧)، وقال: "ضعيف الإسناد".
(٣) تفسير الطبري (سورة النساء: الآية: ٤٨) وذكره السيوطي في الدر المنثور (سورة النساء: الآية: ٤٨)، وعزاه إلى ابن أبي حاتم والبزار وهو في تفسير ابن أبي حاتم (٤٩٢٩) و(٥٢٣٥) و(٥٤٦٠)
(٤) تفسير مقاتل بن سليمان. (سورة النساء: الآية: ٤٨).
[ ١٦٥ ]
يشرك به﴾، فيموت عليه، يعني اليهود، ﴿ويغفر ما دون ذلك﴾ الشرك ﴿لمن يشاء﴾ لمن مات موحدا، فمشيئته ﵎ لأهل التوحيد، ﴿ومن يشرك بالله﴾ معه غيره، ﴿فقد افترى إثما عظيما﴾، يقول: فقد قال ذنبا عظيمًا " (^١).
• قال تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر: الآية: ٤١].
• قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: " ﴿مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ﴾ [غافر: الآية: ٤١]: إلى الإيمان بالله ﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر: الآية: ٤١]: إلى الكفر الذي يدخل به صاحبه النار" (^٢).
• عن جابر بن عبد الله (ت: ٧٨ هـ) ﵁، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الموجبتين: فقال: "من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئا دخل النار" (^٣).
• قال محمد بن يعقوب الفيروزأبادي (ت: ٨١٧ هـ) ﵀: "والكلمة الموجبة: لا إله إلا الله" (^٤).
• عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: «مَنْ قال: لا إلهَ إلا اللهُ؛ نَفَعتْه يومًا من دهرِه، يُصيبُه قبلَ ذلكَ ما أصابَه» (^٥).
_________________
(١) تفسير مقاتل بن سليمان. (سورة النساء: الآية: ٤٨).
(٢) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين ٤/ ١٣٥.
(٣) أخرجه مسلم برقم: (٩٣).
(٤) بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز ٥/ ١٦١.
(٥) أخرجه البزار (٨٢٩٢)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (٦٣٩٦) واللفظ لهما، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٧/ ١٢٦)، وصححه الألباني. في صحيح الترغيب برقم: (١٥٢٥).
[ ١٦٦ ]
• قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "الاسم الرابع عشر: كلمة النجاة، والذي يدل عليه القرآن والحديث والعقول:
أما القرآن فمن وجهين:
الأول: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴿٤٨﴾﴾. فهذه الآية صريحة في أن النجاة لا تحصل بدون الإيمان بلا إله إلا الله، وتحصل مع الايمان بلا إله إلا الله.
والثاني: قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ﴿٤١﴾﴾. النجاة قول لا إله إلا الله.
وأما الأخبار فيدل عليه الأخبار التي ذكرناها في الفصل الثاني، ونزيد ههنا أخبارًا أخرى.
أحدها: ما روى جابر بن عبد الله (ت: ٧٨ هـ) ﵄-أنه قال: سئل رسول الله-ﷺ-عن الموحدين فقال: «مَنْ لقيَ الله لا يشركُ به شيئًا دخلَ الجنّة، ومَنْ لقيَ الله يُشركُ به شيئًا دخل النار» (^١).
وثانيها: عن أبي سعيد الخدري (ت: ٧٤ هـ) ﵁، قال: قال-ﷺ: «لقَنوا موتاكُم لا إله إلا الله» (^٢).
وثالثها: عن جابر بن عبد الله (ت: ٧٨ هـ) ﵄، قال: سمعت عمر بن الخطاب (ت: ٢٣ هـ) ﵁ يقول لطلحة بن عبيد الله (ت: ٣٦ هـ) ﵁: ما لي أراك قد شعثت واغبررت منذ توفي رسول الله ﷺ لعلك ساءك يا طلحة إمارة ابن عمك قال: معاذ الله إني لأحذركم أن لا أفعل ذلك إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إني لأعلم كلمة لا يقولها أحد عند حضرة
_________________
(١) أخرجه مسلم (٩٣).
(٢) أخرجه مسلم (٩١٧).
[ ١٦٧ ]
الموت إلا وجد روحه لها روحا حين تخرج من جسده وكانت له نورا يوم القيامة فلم أسأل رسول الله ﷺ عنها ولم يخبرني بها فذلك الذي دخلني قال عمر ﵁: فأنا أعلمها قال: فلله الحمد فما هي قال: هي الكلمة التي قالها لعمه لا إله إلا الله قال طلحة: صدقت رابعها" (^١).
وروى أبو أمامة-﵁ (ت: ٨١ هـ- أو ٨٦ هـ)، قال: بعث رسول الله-ﷺ-أبا بكر ينادي في الناس: «مَنْ شَهد أنْ لا إله إلا الله وجبت له الجنة» (^٢).
وخامسها: قال معاذ بن جبل (ت: ١٨ هـ) ﵁-حين حضرته الوفاة: "اكشفوا عني سجف القبة أحدثكم حديثا سمعته من رسول الله ﷺ -وقال مرة: أخبركم بشيء سمعته من رسول الله ﷺ لم يمنعني أن أحدثكموه إلا أن تتكلوا، سمعته يقول: «من شهد أن لا إله إلا الله مخلصا من قلبه -أو يقينا من قلبه- لم يدخل النار -أو دخل الجنة- وقال مرة: دخل الجنة، ولم تمسه النار» (^٣).
وسادسها: عن عبد الله بن أبي قتادة-﵀ (ت: ٩٥ هـ)، عن أبيه-﵁ (ت: ٥٤ هـ) قال: قال رسول الله-ﷺ: «من قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، يجري بها لسانه، ويطمئن بها قلبه، حُرّمت عليه النار» (^٤).
_________________
(١) أخرجه النسائي في «السنن الكبرى» (١٠٩٣٧)، وأحمد (١٨٧) باختلاف يسير.
(٢) رواه أبو يعلى في مسنده (١/ ١٠٠ - ١٠١) ووقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٥): وفي إسناده سويد بن عبد العزيز وهو متروك.
(٣) أخرجه النسائي في «السنن الكبرى» (١٠٩٧٥)، وابن ماجه (٣٧٩٦) بمعناه، وأحمد (٢٢٠٦٠) واللفظ له.
[ ١٦٨ ]
وسابعها: روى أبو هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁-قال: قال رسول الله-ﷺ-لأبي ذر (ت: ٣٠ أو ٣١ هـ) ﵁: «ناد في الناس: من شهد أن لا إله إلا الله وجبت له الجنة». قال أبو ذر: وإن زنا وإن سرق؟ قال: «وإن زنا وإن سرق» - حتى قالها ثلاث مرات - فقال الثالثة: «وإن زنا وإن سرق على رغم أنف أبي ذر».
وثامنها: روى معاذ بن جبل (ت: ١٨ هـ) ﵁-عن رسول الله-ﷺ-أنه قال: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله، وفاضت نفسه بعده، دخل الجنة» " (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وإنما ضمنت النجاة لمن حكم هدى الله تعالى على غيره، وتزود التقوى، وأتم بالدليل وسلك الصراط المستقيم، واستمسك من التوحيد واتباع الرسول-ﷺ-بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، والله سميع عليم" (^٢).
الاسم الخمسون: ومن أسماء التوحيد "كلمة الاستقامة".
• قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: الآية: ٣٠].
• قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران: الآية: ٥٢].
• قال تعالى: ﴿ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين * وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم﴾ [يس: الآيات: ٦٠ - ٦١]
_________________
(١) عجائب القرآن للرازي ص ٦٣ - ٦٥.
(٢) اجتماع الجيوش الإسلامية ١/ ٨٣.
[ ١٦٩ ]
• سئل أبو بكر الصديق (ت: ١٣ هـ) ﵁-عن الاستقامة فقال: "أن لا تشرك بالله شيئًا" (^١).
• قرأت عند أبي بكر الصدّيق (ت: ١٣ هـ) ﵁-هذه الَاية: ﴿إنّ الّذِينَ قالُوا رَبّنا اللّهُ ثُمّ اسْتَقامُوا﴾ قال: "هم الذين لم يشركوا بالله شيئًا" (^٢).
• عن أبي بكر (ت: ١٣ هـ) ﵁ أنه قال لأصحابه إنّ الّذِينَ قالُوا رَبّنا اللّهُ ثُمّ اسْتَقامُوا قال: قالوا: ربنا الله ثم عملوا بها، قال: "لقد حملتموها على غير المحمل ﴿إنّ الّذِينَ قالُوا رَبّنا اللّهُ ثُمّ اسْتَقامُوا﴾ الذين لم يعدلوها بشرك ولا غيره" (^٣).
• فسر أبو بكر ﵁ الاستقامة في قوله تعالى: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا﴾، بأنهم لم يلتفتوا إلى غيره" (^٤).
• قال عثمان بن عفان (ت: ٣٥ هـ) ﵁: "استقاموا: أخلصوا العمل لله" (^٥).
• قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: قوله ﷿: ﴿إن الذين قالوا ربنا اللّهُ﴾ وحّدوا الله تعالى" (^٦).
• قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: قوله ﷿: ﴿إن الذين قالوا
_________________
(١) تفسير معالم التنزيل للبغوي. (سورة فصلت: الآية: ٣٠).
(٢) تفسير الطبري. (سورة فصلت: الآية: ٣٠).
(٣) تفسير الطبري. (سورة فصلت: الآية: ٣٠).
(٤) تفسير الطبري. (سورة فصلت: الآية: ٣٠)، جامع العلوم والحكم ١٩٣.
(٥) تفسير معالم التنزيل للبغوي. (سورة فصلت: الآية: ٣٠)، تفسير ابن أبي زمنين. (سورة فصلت: الآية: ٣٠)، مدارج السالكين ٢/ ١٠٤
(٦) تفسير النكت والعيون للماوردي. (سورة فصلت: الآية: ٣٠).
[ ١٧٠ ]
ربنا الله ثم استقاموا﴾ [فصلت: ٣٠] على شهادة لا إله إلا الله" (^١).
• قال الربيع (ت: قبل ٦٥ هـ) ﵀: "اعرضوا عما سوى الله" (^٢).
• قال مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀، وعكرمة (ت: ١٠٥ هـ) ﵀: "استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله حتى لحقوا بالله " (^٣).
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: "ثم أخبر عن المؤمنين، فقال: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله﴾، فعرفوه، ﴿ثم استقاموا﴾ على المعرفة، ولم يرتدوا عنها" (^٤).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "يقول تعالى ذكره: إنّ الّذِينَ قالُوا رَبّنا اللّهُ وحده لا شريك له، وبرئوا من الَالهة والأنداد، ثُمّ اسْتَقامُوا على توحيد الله، ولم يخلطوا توحيد الله بشرك غيره به، وانتهوا إلى طاعته فيما أمر ونهى" (^٥).
• قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: " ﴿إن الذين قالوا ربنا الله﴾ مخلصين له ﴿ثم استقاموا﴾ عليها" (^٦).
• قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: "قال تعالى: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا﴾ إن الذين وحدوا الله وعلموا أنه
_________________
(١) كتاب الأسماء والصفات للبيهقي ١/ ٢٧١.
(٢) تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي. (سورة فصلت: الآية: ٣٠).
(٣) تفسير الطبري. (سورة فصلت: الآية: ٣٠)، تفسير معالم التنزيل للبغوي. (سورة فصلت: الآية: ٣٠)، تفسير معالم التنزيل للبغوي. (سورة فصلت: الآية: ٣٠)، مدارج السالكين ٢/ ١٠٤.
(٤) تفسير مقاتل بن سليمان. (سورة فصلت: الآية: ٣٠).
(٥) تفسير الطبري. (سورة فصلت: الآية: ٣٠).
(٦) تفسير ابن أبي زمنين. (سورة فصلت: الآية: ٣٠).
[ ١٧١ ]
لا رب لهم غيره، ثم استقاموا على التوحيد والطاعة إلى الوفاة" (^١).
• قال الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ): ﵀ " ﴿إن الذين قالوا ربنا الله﴾ أي وحدوه ﴿ثم استقاموا﴾ على التوحيد فلم يشركوا به شيئًا" (^٢).
• قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "وذهب أبو بكر الصديق (ت: ١٣ هـ) ﵁-وجماعة معه إلى أن المعنى ﴿ثم استقاموا﴾ على قولهم: ﴿ربنا الله﴾، فلم يختل توحيدهم ولا اضطرب إيمانهم. وروى أنس بن مالك (ت: ٩٠ هـ) ﵁-أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية وقال: قد قالها الناس ثم كفر أكثرهم، فمن مات عليها فهو ممن استقام. المعنى فهو في أول درجات الاستقامة من الخلود، فهذا كقوله ﵇: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» (^٣)، وهذا هو المعتقد إن شاء الله، وذلك أن العصاة من أمة محمد ﵇ وغيرها فرقتان: فأما من قضى الله بالمغفرة له وترك تعذيبه، فلا محالة ممن تنزل عليه الملائكة بالبشارة، وهو إنما استقام على توحيده فقط، وأما من قضى الله بتعذيبه مرة ثم بإدخاله الجنة، فلا محالة أنه يلقى جميع ذلك عند موته ويعلمه، وليس يصح أن يكون حاله كحالة الكافر اليائس من رحمة الله، وإذ قد كان هذا فقد حصلت له بشارة بأن لا يخاف الخلود ولا يحزن منه وبأنه يصير آخرًا إلى الخلود في الجنة، وهل العصاة المؤمنون إلا تحت الوعد بالجنة، فهم داخلون فيمن يقال لهم: ﴿أبشروا بالجنة التي كنتم توعدون﴾ ومع
_________________
(١) تفسير الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن أبي طالب. (سورة فصلت: الآية: ٣٠).
(٢) التفسير البسيط للواحدي. (سورة فصلت: الآية: ٣٠).
(٣) رواه أحمد (٢١٥٢٩) وأبو داود (٣١١٦) وحسنه الألباني في "إرواء الغليل" (٦٨٧).
[ ١٧٢ ]
هذا كله فلا يختلف أن الموحد المستقيم على الطاعة أتم حالًا وأكمل بشارة، وهو مقصد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، وعلى نحو ذلك قال سفيان: ﴿استقاموا﴾، عملوا بنحو ما قالوا، وقال الربيع: أعرضوا عما سوى الله. وقال الفضيل: زهدوا في الفانية ورغبوا في الباقية، وبالجملة فكلما كان المرء أشد استعدادًا كان أسرع فوزًا بفضل الله تعالى" (^١).
• قال الإمام ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "والصديق ﵁ استقى هذا المعنى من آيتين في كتاب الله تعالى .. الآية الأولى: قول الله عن عيسى ﵇ لقومه: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران: الآية: ٥٢].
والثانية: ﴿ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين * وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم﴾ [يس: الآيات: ٦٠ - ٦١] " (^٢).
• قال الإمام ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فمن أعرض عن الله بالكلية؛ أعرض الله عنه بالكلية، ومن أعرض الله عنه؛ لزمه الشقاء والبؤس" (^٣).
الاسم الواحد والخمسون: ومن أسماء التوحيد "العمل الصالح".
• قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: الآية: ١٠].
_________________
(١) تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية. (سورة فصلت: الآية: ٣٠).
(٢) مدارج السالكين ٢/ ١٠٤.
(٣) طريق الهجرتين ص: ٣٦٧.
[ ١٧٣ ]
• قال قتادة (ت: ١١٨ هـ) ﵀، ﴿والعمل الصالح يرفعه﴾ [فاطر: الآية: ١٠]، التوحيد؛ لا يرتفع العمل إلا بالتوحيد" (^١).
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿والعمل الصالح يرفعه﴾ يقول: شهادة ألا إله إلا الله ترفع العمل الصالح إلى الله ﷿ في السماء" (^٢).
• قال أبو إسحاق أحمد الثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ) ﵀: "معنى ﴿يَرْفَعُهُ﴾، أي يجعله رفيعًا ذا وزن وقيمة، كما يُقال: طود رفيع ومرتفع، وقيل: العمل الصالح هو الخالص، يعني أنّ الإخلاص سبب قبول الخيرات من الأقوال والأعمال، دليله قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف: الآية: ١١٠] أي خالصًا ثم قال: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًَا﴾ [الكهف: الآية: ١١٠]، فجعل نقيض الصالح الشرك والرياء" (^٣).
• قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًَا﴾ [الكهف: الآية: ١١٠]
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا﴾ يقول: فليخلص له العبادة، وليفرد له الربوبية" (^٤).
• قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: " ﴿فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾ أي: يخلص له العمل" (^٥).
• قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: " ﴿فليعمل عملا
_________________
(١) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين (سورة فاطر: الآية ١٠).
(٢) تفسير مقاتل بن سليمان. (سورة فاطر: الآية ١٠).
(٣) تفسير الثعلبي (سورة فاطر: الاية: ١٠).
(٤) تفسير الطبري (سورة الكهف: الآية: ١١٠).
(٥) تفسير ابن أبي زمنين (سورة الكهف: الآية: ١١٠).
[ ١٧٤ ]
صالحا﴾ فليخلص العبادة لله ويعمل بطاعته" (^١).
• قال الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ) ﵀: " ﴿فليعمل عملا صالحا﴾ خالصا ﴿ولا يشرك﴾ ولا يراء ﴿بعبادة ربه أحدا﴾ نزلت هذه الآية في النهي عن الرياء بالأعمال" (^٢).
• قال أبو إسحاق أحمد الثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ) ﵀: " ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾: خالصًا، ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًَا﴾، أي ولا يراءِ" (^٣).
• قال تعالى: ﴿رب ارجعون لعلي أعمل صالحا﴾ [المؤمنون: الآية: ٩٩ - ١٠٠]
• قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: "قوله تعالى: ﴿رب ارجعون لعلي أعمل صالحا﴾ [المؤمنون: الآية: ٩٩ - ١٠٠] "أقول لا إله إلا الله" (^٤).
• قال عكرمة (ت: ١٠٥ هـ) ﵀، في قوله ﴿لعلي أعمل صالحًا فيما تركت﴾ قال: لعلي أقول لا إله إلا الله" (^٥).
• قال قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀: ما تمنى أن يرجع إلى أهله وعشيرته ولا ليجمع الدنيا ويقضي الشهوات، ولكن تمنى أن يرجع فيعمل بطاعة الله" (^٦).
_________________
(١) تفسير الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن أبي طالب. (سورة الكهف: الآية: ١١٠).
(٢) تفسير الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي. (سورة الكهف: الآية: ١١٠).
(٣) تفسير الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي. (سورة الكهف: الآية: ١١٠).
(٤) كتاب الأسماء والصفات للبيهقي ١/ ٢٧١، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (سورة المؤمنون: الآيات ٩٩ - ١٠٠).
(٥) تفسير الدر المنثور للسيوطي. (سورة المؤمنون: الآيات ٩٩ - ١٠٠) وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٦) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة المؤمنون: الآيات ٩٩ - ١٠٠).
[ ١٧٥ ]
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿لعلي﴾ يعنى لكي ﴿أعمل صالحا فيما تركت﴾ من العمل الصالح، يعنى الإيمان" (^١).
• قال الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ) ﵀: " ﴿لعلي أعمل صالحا﴾ "أي أشهد بالتوحيد" (^٢).
• قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿لعلي أعمل صالحًا فيما تركت﴾ أي: لعلي أن أقول لا إله إلا الله. وقيل: أعمل بطاعة الله" (^٣).
• قال البيضاوي (ت: ٦٨٥ هـ) ﵀: " ﴿لعلي أعمل صالحا فيما تركت﴾ في الإيمان الذي تركته أي لعلي آتي الإيمان وأعمل فيه" (^٤).
• قال ابن جزي (ت: ٧٤١ هـ) ﵀: " ﴿فيما تركت﴾ قيل: يعني فيما تركت من المال، وقيل: فيما تركت من الإيمان فهو كقوله: ﴿أو كسبت في إيمانها خيرا﴾، والمعنى أن الكافر رغب أن يرجع إلى الدنيا ليؤمن ويعمل صالحا في الإيمان الذي تركه أول مرة" (^٥).
• قال أبو حيان الأندلسي (ت: ٧٤٥ هـ) ﵀: " ﴿فِيمَا تَرَكْتُ﴾ في الإيمان الذي تركته والمعنى لعلي آتى بما تركته من الإيمان وأعمل فيه
_________________
(١) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة المؤمنون: الآيات ٩٩ - ١٠٠).
(٢) تفسير الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي. (سورة المؤمنون: الآيات ٩٩ - ١٠٠).
(٣) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة المؤمنون: الآيات ٩٩ - ١٠٠).
(٤) تفسير أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي. (سورة المؤمنون: الآيات ٩٩ - ١٠٠).
(٥) تفسير التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي. (سورة المؤمنون: الآيات ٩٩ - ١٠٠).
[ ١٧٦ ]
صالحًا" (^١).
• قال محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٥ هـ) ﵀: " ﴿لَعَلّي أَعْمَلُ صالحا﴾ أي: أعمل عملًا صالحًا في الدنيا إذا رجعت إليها من الإيمان وما يتبعه من أعمال الخير" (^٢).
الاسم الثاني والخمسون: ومن أسماء التوحيد "الرشد".
• قال تعالى: ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدا﴾ [الجن: الآية: ٢].
• قال علي بن محمد الماوردي (ت: ٤٥٠ هـ) ﵀: " ﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: مراشد الأمور.
الثاني: إلى معرفة اللَّه" (^٣).
• قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: " ﴿يهدي إلى الرشد﴾ يدعوا إلى الصواب من التوحيد والإيمان" (^٤).
• قال العز بن عبد السلام (ت: ٦٣٩ هـ) ﵀: " ﴿الرُّشْد﴾ مراشد الأمور، أو معرفة الله -تعالى-" (^٥).
• قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: " ﴿يهدي إلى الرشد﴾ أي إلى
_________________
(١) تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي. (سورة المؤمنون: الآيات ٩٩ - ١٠٠).
(٢) تفسير فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم التفسير للشوكاني. (سورة المؤمنون: الآيات ٩٩ - ١٠٠).
(٣) تفسير النكت والعيون للماوردي. (سورة الجن: الآية: ٢).
(٤) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الجن: الآية: ٢).
(٥) تفسير تفسير العز بن عبد السلام. (سورة الجن: الآية: ٢).
[ ١٧٧ ]
مراشد الأمور. وقيل: إلى معرفة الله تعالى" (^١).
• قال البيضاوي (ت: ٦٨٥ هـ) ﵀: " ﴿يهدي إلى الرشد﴾ إلى الحق والصواب ﴿فآمنا به﴾ بالقرآن ﴿ولن نشرك بربنا أحدا﴾ على ما نطقت به الدلائل القاطعة على التوحيد" (^٢).
• قال عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي (ت: ٧١٠ هـ) ﵀: " ﴿يَهْدِى إِلَى الرشد﴾ يدعوا إلى الصواب أو إلى التوحيد والإيمان ﴿فَآمَنا بِهِ﴾ بالقرآن. ولما كان الإيمان به إيمانًا بالله وبوحدانيته وبراءة من الشرك قالوا ﴿وَلَنْ نُّشرِكَ بِرَبّنَا أَحَدًا﴾ من خلقه" (^٣).
• قال علي بن محمد بن إبراهيم الشيحي المعروف بالخازن (ت: ٧٤١ هـ) ﵀: " ﴿يهدي إلى الرشد﴾ أي يدعو إلى الصواب يعني التوحيد والإيمان" (^٤).
• قال أبو حيان الأندلسي (ت: ٧٤٥ هـ) ﵀: " ﴿يهدي إلى الرشد﴾: أي يدعو إلى الصواب. وقيل: إلى التوحيد والإيمان.
﴿يهدي إلى﴾: أي بالقرآن. ولما كان الإيمان به متضمنًا الإيمان بالله وبوحدانيته وبراءة من الشرك قالوا: ﴿ولن نشرك بربنا أحدًا﴾ " (^٥).
• قال علي بن يحيى السمرقندي (ت: ٨٨٠ هـ تقريبًا) ﵀: " ﴿يَهْدِى إِلَى الرشد﴾ يعني: يدعو إلى الهدى، وهو الإسلام. ويقال: إلى الصواب، والتوحيد، والأمر والنهي. ويقال: يدل على الحق. ﴿فآمنا
_________________
(١) تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي. (سورة الجن: الآية: ٢).
(٢) تفسير أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي. (سورة الجن: الآية: ٢).
(٣) تفسير مدارك التنزيل وحقائق التأويل للنسفي. (سورة الجن: الآية: ٢).
(٤) تفسير لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن. (سورة الجن: الآية: ٢).
(٥) تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي. (سورة الجن: الآية: ٢).
[ ١٧٨ ]
به﴾ يعني: صدقنا بالقرآن. ويقال: آمنا بالله تعالى. ﴿وَلَنْ نُّشرِكَ بِرَبّنَا أَحَدًا﴾ يعني: إبليس، يعني: لن نشرك بعبادته أحدًا من خلقه" (^١).
• قال أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني (ت: ٨٨٠ هـ) ﵀: " ﴿إِلَى الرشد﴾. المعنى: يهدي إلى الصواب. وقيل: إلى التوحيد" (^٢).
• قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا﴾ [الأعراف: الآية: ١٤٦]
• قال علي بن محمد الماوردي (ت: ٤٥٠ هـ) ﵀: "فيه وجهان:
أحدهما: أن الرشد الإيمان، والغي: الكفر.
والثاني: أن الرشد الهداية. والغي: الضلال" (^٣).
• قال العز بن عبد السلام (ت: ٦٣٩ هـ) ﵀: " ﴿الرّشد﴾ الإيمان، والغي: الكفر، أو الرشد: الهدى، والغي: الضلال" (^٤).
الاسم الثالث والخمسون: ومن أسماء التوحيد "مقاليد السموات والأرض".
• قال تعالى: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الزمر: الآية: ٦٣].
• قال تعالى: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾ [الشورى: الآية: ١٢].
_________________
(١) تفسير بحر العلوم لعلي بن يحيى السمرقندي. (سورة الجن: الآية: ٢).
(٢) تفسير اللباب في علوم الكتاب لابن عادل. (سورة الجن: الآية: ٢).
(٣) تفسير النكت والعيون للماوردي. (سورة الأعراف: الآية: ١٤٦).
(٤) تفسير العز بن عبد السلام. (سورة الأعراف: الآية: ١٤٦).
[ ١٧٩ ]
• عن عثمان بن عفان (ت: ٣٥ هـ) ﵁، أنه سأل رسول الله ﷺ عن تفسير: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ﴾ فقال: «ما سألني عنها أحد قبلك يا عثمان»، قال: «تفسيرها: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله وبحمده، أستغفر الله، ولا قوة إلا بالله، الأول والآخر، والظاهر والباطن، بيده الخير، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير» الحديث … " (^١).
• قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: "هو قول لا إله إلا الله" (^٢).
• قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "وأقول: هذا هو الحق، ويدل عليه وجوه:
الأول: أنه تعالى بين أنه لو كان في الوجود آلهان لحصل الفساد في العالم، ولاختلت المصالح، قال الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: الآية: ٢٢]. فثبت أن الشرك سبب لفساد العالم، وأن التوحيد سبب لانتظام العالم. فثبت أن مقاليد السموات والأرض هو قول: لا إله إلا الله.
الثاني: أنا بينا أن الشرك سبب لفساد العالم بدليل قوله تعالى: ﴿تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا﴾ [مريم: الآيات: ٩٠ - ٩١]، وإذا كان كذلك كان التوحيد سببًا لعمران العالم.
الثالث: أن أبواب السموات لا تفتح عند الدعاء إلا بقول لا إله
_________________
(١) رواه ابن السني في عمل اليوم والليلة برقم (٧٣) من طريق أبي عن شجاع بن مخلد عن يحيى بن حماد به، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ١١٥): "رواه أبو يعلى في الكبير، وفيه الأغلب بن تميم، وهو ضعيف".
(٢) مفاتيح الغيب للرازي ص ٦٨.
[ ١٨٠ ]
إلا الله، وأبواب الجنان لا تنفتح إلا بهذا القول، وأبواب النيران لا تغلق إلا بهذا القول، وباب القلب لا يفتح إلا بهذه الكلمة، وأنواع الوساوس لا تندفع إلا بهذا القول، فكانت هذه الكلمة أشرف مقاليد السموات والأرض، وأعز مفاتيح الأرواح والنفوس والأجسام والعقول" (^١).
• قال عبد الرحمن الثعالبي المالكي (ت: ٨٧٥ هـ) ﵀: " ﴿مَقَالِيدُ السماوات والأرض﴾ فقال: هِيَ لَا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وسُبْحَانَ اللَّهِ، وَالحَمْدُ للَّهِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلاَّ باللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ هُوَ الأَوَّلُ والآخِرُ والظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ يُحْيِي ويُمِيتُ، وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (^٢).
الاسم الرابع والخمسون: ومن أسماء التوحيد "البر".
• قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: الآية: ١٧٧].
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿ولكن البر من آمن بالله﴾، يعني صدق بالله بأنه واحد لا شريك له" (^٣).
• قال سفيان الثوري (ت: ١٦١ هـ) ﵀: ﴿ولكن البر من ءامن بالله﴾ الآية قال: هذه أنواع البر كلها، وصدق ﵀، فإن من اتصف
_________________
(١) مفاتيح الغيب للرازي ص ٦٨ - ٦٩.
(٢) تفسير الجواهر الحسان في تفسير القرآن للثعالبي (سورة الشورى الآية: ١٢).
(٣) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة البقرة: الآية: ١٧٧).
[ ١٨١ ]
بهذه الآية، فقد دخل في عرى الإسلام كلها، وأخذ بمجامع الخير كله، وهو الإيمان بالله وأنه لا اله إلا هو، وصدق بوجود الملائكة الذين هم سفرة بين الله ورسله" (^١).
• قال أبو منصور الماتريدي (ت: ٣٣٣ هـ) ﵀: "وقوله: ﴿ولكن البر من آمن بالله﴾ بأنه واحد لا شريك له؛ يعني صدق بالله، وبأنه واحد لا شريك له، ﴿واليوم الآخر﴾: وصدق بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال، وصدق بالكتب والملائكة والنبيين" (^٢).
• قال الفخر الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "والإشارة في الآية: أن من كان مشتغلًا بجميع الجوانب والجهات لم يكن صاحب البر، إنما صاحب البر هو الذي يتوجه إلى صاحب الكعبة: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا﴾ [الأنعام: الآية: ٧٩]. فقوله: ﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب﴾ إشارة إلى الكثرة والقول بالشركاء، وقوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ إشارة إلى التوحيد، فصار معناه هو المفهوم من قول " لا إله إلا الله" (^٣).
• قال البيضاوي (ت: ٦٨٥ هـ) ﵀: "ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين﴾ أي ولكن البر الذي ينبغي أن يهتم به بر من آمن بالله، أو لكن ذا البر من آمن" (^٤).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الله سبحانه يحب أعمال البر فيجازى عليها بالهدى والفلاح ويبغض أعمال الفجور ويجازي عليها
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (سورة البقرة: الآية: ١٧٧).
(٢) تفسير تأويلات أهل السنة للماتريدي (سورة البقرة: الآية: ١٧٧).
(٣) عجائب القرآن للرازي ٦٩ - ٧٠.
(٤) تفسير أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي (سورة البقرة: الآية: ١٧٧).
[ ١٨٢ ]
بالضلال والشقاء" (^١).
الاسم الخامس والخمسون: ومن أسماء التوحيد "التهليل" (^٢).
• عن النعمان بن بشير (ت: ٦٥ هـ) ﵁-قال: قال رسول الله-ﷺ: «إن مما تذكرون من جلال الله التسبيح، والتهليل، والتحميد ينعطفن حول العرش، لهن دوي كدوي النحل، تذكر بصاحبها، أما يحب أحدكم أن يكون له أو لا يزال له من يذكر به؟» (^٣).
• عن مجاهد (ت: ١٠٤ هـ) ﵀، عن ابن سخبرة (ت: نيف وستين هـ) ﵀ قال: غدوت مع عبد الله [ابن مسعود] (ت: ٣٢ هـ) ﵁، من منى إلى عرفة، وكان عبد الله رجلا آدم، له ضفيران، عليه مسحة أهل البادية، وكان يلبي، فاجتمع عليه غوغاء من غوغاء الناس: يا أعرابي، إن هذا ليس بيوم تلبية، إنما هو تكبير قال: فعند ذلك التفت إلي، وقال: أجهل الناس أم نسوا؟ والذي بعث محمدا بالحق لقد خرجت مع رسول الله ﷺ من منى إلى عرفة، فما ترك التلبية حتى رمى الجمرة العقبة، إلا أن يخلطها بتهليل أو تكبير" (^٤).
• عقد ابن المبارك (ت: ١٨١ هـ) ﵀، في كتاب الزهد بابًا
_________________
(١) الفوائد ص: ١٢٩.
(٢) "التهليل: هو قول لا إله إلا الله: يقال: هلل الرجل أي من الهيللة، من قول لا إله إلا الله". انظر: المصباح المنير، ولسان العرب، ومختار الصحاح مادة: "هلل".
(٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند (١٨٣٦٢) (١٨٣٨٨)، وأخرجه ابن ماجة (٣٨٠٩) قال الألباني: صحيح.
(٤) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه ٤/ ٢٥٠، (٢٨٠٦) وقال الأعظمي: إسناده حسن.
[ ١٨٣ ]
بعنوان: "في التهليل والحمد والاستغفار والاسترجاع" (^١).
• وعقد أبو بكر بن أبي شيبة (ت: ٢٣٥ هـ): في كتاب الأدب بابًا بعنوان " باب التهليل والتسبيح والتحميد حين يأوي إلى فراشه" (^٢).
• وقد بوب الإمام البخاري (ت: ٢٥٦ هـ) ﵀، بابًا في صحيحه أسماه: "باب فضل التهليل" في كتاب الدعوات" (^٣).
• وعقد النسائي (ت: ٣٠٣ هـ) ﵀-في سننه بابًا في كتاب مناسك الحج سماه "التهليل على الصفا" (^٤)، كذا في السنن الكبرى في كتاب المساجد بابين أحدهما: "التهليل بعد التسليم"، والأخر: "عدد التهليل والذكر بعد التسليم"" (^٥)؛ وفي كتاب المناسك باب بعنوان "كم التهليل على الصفا" (^٦).
• وعقد ابن خزيمة (ت: ٣١١ هـ) ﵀، في كتابه صحيح ابن خزيمة في كتاب الصلاة بابًا بعنوان "باب التهليل والثناء على الله بعد السلام" (^٧).
• وعقد الطبراني (ت: ٣٦٠ هـ) ﵀، في كتاب الدعاء بابًا بعنوان: "باب فضل الجوامع من التهليل" (^٨).
وتتبع مثل هذا يطول.
_________________
(١) الزهد لابن المبارك-الملحق: ص ٥٠.
(٢) كتاب الأدب لابن أبي شيبة ص ٢٦٢.
(٣) صحيح البخاري ٨/ ٨٥.
(٤) سنن النسائي ٥/ ٢٤٠.
(٥) السنن الكبرى للنسائي ٢/ ٩٥؛ ٢/ ٩٦.
(٦) السنن الكبرى للنسائي ٤/ ١٤١.
(٧) صحيح ابن خزيمة ١/ ٣٦٤.
(٨) الدعاء للطبراني ص ٤٦٦.
[ ١٨٤ ]
• قال الراغب الأصفهاني (ت: ٥٠٢ هـ) ﵀: "والتهلل: أن يقول لا إله إلا الله، ومن هذه الجملة ركبت هذه اللفظة كقولهم: التبسمل والبسملة" (^١).
• قال القاضي عياض (ت: ٥٤٤ هـ) ﵀: "وقد جاء فى الحديث هنا أيضًا: أفضل الذكر التهليل، وأنه أفضل ما قاله-﵇-والنبيون من قبله. وقد قيل: إنه اسم الله الَاعظم، وهي كلمة الإخلاص" (^٢).
• قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "جميع الطاعات تزول يوم القيامة مثل الصلاة والصيام والحج، فإن التكاليف الظاهرة تزول في عالم الغيب، أما طاعة التهليل والتحميد فلا تزول عنهم، وكيف يمكن زوالها عنهم والقرآن يدل على أنهم مواظبون على الحمد، والمواظبة على الحمد تدل على المواظبة على الذكر والتوحيد. وإنما قلنا: إنهم مواظبون على الحمد لقوله تعالى حكاية عن أهل الجنة: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: الآية: ٧٤]. وقال تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: الآية: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: الآة: ٧٩] فثبت أنهم مواظبون على الحمد، والمواظبة على الحمد مواظبة على الذكر، فعلمنا أن جميع العبادات زائلة عن أهل الجنة إلا طاعة الذكر والتوحيد" (^٣).
• قال النووي (ت: ٦٧٦ هـ) ﵀: "وَظَاهِرُ إِطْلَاقِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ
_________________
(١) المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني. ص ٨٤٣.
(٢) "إكمال المعلم" للقاضي عياض (٨/ ١٩٢).
(٣) عجائب القرآن ص ٣٨.
[ ١٨٥ ]
يُحَصِّلُ هَذَا الْأَجْرَ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَنْ قَالَ هَذَا التَّهْلِيلَ مِائَةَ مَرَّةٍ فِي يَوْمِهِ سَوَاءٌ قَالَهُ مُتَوَالِيَةً، أَوْ مُتَفَرِّقَةً فِي مَجَالِسَ، أَوْ بَعْضَهَا أَوَّلَ النَّهَارِ وَبَعْضَهَا آخِرَهُ.
لَكِنَّ الْأَفْضَلَ: أَنْ يَأْتِيَ بِهَا مُتَوَالِيَةً، فِي أَوَّلِ النَّهَارِ؛ لِيَكُونَ حِرْزًا لَهُ فِي جَمِيعِ نَهَارِهِ" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وأما "التهليل والتكبير": ف"التهليل" يتضمن: اختصاصه بالإلهية وما يستلزم الإلهية، فهذا لا يكون لغيره، بل هو مختص به. و"التكبير" يتضمن: أنه أكبر من كل شيء" (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وأما التهليل: فيتضمن تخصيصه بالإلهية، ليس هناك أحد يتصف بها حتى يقال إنه أكبر منه فيها؛ بل لا إله إلا الله" (^٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "ولهذا قرن هذا في شعار الإسلام الذي هو الأذان بين التكبير والتهليل، فإن التكبير- وهو قول "الله أكبر"- يمنع كبر غير الله، وقول لا إله إلا الله يوجب التوحيد، وهاتان الكلمتان قرينتان" (^٤).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وأما التهليل فهو قرين التكبير كما في كلمات الأذان: الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله ثم بعد دعاء العباد إلى الصلاة: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله فهو مشتمل على التكبير والتشهد أوله وآخره. وهو ذكر لله
_________________
(١) شرح النووي على مسلم" (١٧/ ١٧).
(٢) كتاب قاعدة حسنة في الباقيات الصالحات لابن تيمية ص ٢٣.
(٣) كتاب قاعدة حسنة في الباقيات الصالحات ص ٢٦.
(٤) جامع المسائل ١/ ٢٢٤.
[ ١٨٦ ]
تعالى وفي وسطه دعاء الخلق إلى الصلاة والفلاح. فالصلاة هي العمل. والفلاح هو ثواب العمل لكن جعل التكبير شفعا والتشهد وترا فمع كل تكبيرتين شهادة؛ وجعل أوله مضاعفا على آخره ففي أول الأذان يكبر أربعا ويتشهد مرتين والشهادتان جميعا باسم الشهادة وفي آخره التكبير مرتان فقط مع التهليل الذي لم يقترن به لفظ الشهادة ولا الشهادة الأخرى. وهذا والله أعلم بمنزلة الركعتين الأوليين من الصلاة مع الركعتين الأخريين فإن الأوليين فضلتا بقراءة السورة وبالجهر في القراءة فحصل الفضل في قدر القراءة ووصفها كما أن الشطر الأول من الأذان فضل في قدر الذكر وفي وصفه لكن الوصف هنا كون التوحيد قرن به لفظ أشهد ولهذا حذف في الإقامة عند من يختار إيتارها وهي إقامة بلال - ما فضل به من القدر كما يخفض من صوت الإقامة لأن هذا المزيد من جنس الأصل فأشبه حذف الركعتين الأخريين في صلاة المسافر. وأما الكلمات الأصول فلم يحذف منها شيء. وهكذا سنة النبي ﷺ في قيام الليل وصلاة الكسوف وغيرهما تطويل أول العبادة على آخرها؛ لأسباب تقتضي ذلك. وكما جمع بين التكبير والتهليل في الأذان جمع بينهما في تكبير الأشراف فكان على الصفا والمروة وإذا علا شرفا في غزوة أو حجة أو عمرة يكبر ثلاثا. ويقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده» (^١)، يفعل ذلك ثلاثا. وهذا في الصحاح وكذلك على الدابة كبر ثلاثا وهلل ثلاثا فجمع بين التكبير والتهليل. وكذلك حديث عدي بن حاتم (ت: بين ٦٦ - ٦٩ هـ) ﵁-الذي رواه أحمد والترمذي فيه أن النبي ﷺ قال له:
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤٥٤٩)، والنسائي (٤٧٩٩)، وابن ماجه (٢٦٢٨).
[ ١٨٧ ]
«يا عدي ما يفرك؟ أيفرك أن يقال: لا إله إلا الله فهل تعلم من لا إله إلا الله؟ يا عدي ما يفرك أيفرك أن يقال: الله أكبر؟ فهل من شيء أكبر من الله» (^١)، فقرن النبي ﷺ بين التهليل والتكبير.
وفي صحيح مسلم حديث أبي مالك الأشعري عن النبي ﷺ أنه قال: «الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله والحمد لله تملآن أو قال تملأ ما بين السماء والأرض والصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء والقرآن حجة لك أو عليك كل الناس يغدو: فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها» (^٢)، فأخبر أنه يملأ ما بين السماء والأرض وهذا أعظم من ملئه للميزان. وفي الحديث الذي في الموطأ حديث طلحة بن عبد الله بن كريز أن النبي ﷺ قال: «أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» (^٣). فجمع في هذا الحديث بين " أفضل الدعاء وأفضل الثناء فإن الذكر نوعان: دعاء وثناء فقال: أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة. وأفضل ما قلت هذا الكلام ". ولم يقل أفضل ما قلت يوم عرفة هذا الكلام. وإنما هو أفضل ما قلت مطلقا.
وكذلك في حديث رواه ابن أبي الدنيا «أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله» (^٤).
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٩٥٣).
(٢) صحيح مسلم: (٢٢٣).
(٣) أخرجه الترمذي (٥٠٠)، وأحمد (٦٩٦١)، ومالك في الموطأ (٩٤٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨٤٧٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٠٧٢).
(٤) سنن الترمذي (٣٣٨٣) وحسنه، وابن ماجة (٣٨٠٠)، وابن حبان (٨٤٦)، والحاكم (١٨٣٤)، والنسائي في "السنن الكبرى" (١٠٥٩٩)، وحسنه الألباني في "صحيح الترمذي".
[ ١٨٨ ]
وأيضا ففي الصحيح عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁-عن النبي-ﷺ-أنه قال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة: أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» (^١)، فقد صرح بأن أعلى شعب الإيمان هي هذه الكلمة. وأيضا ففي صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: «يا أبي: أتدري أي آية في كتاب الله أعظم؟»، قال: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ [البقرة: الآية: ٢٥٥]، فقال رسول الله ﷺ: «ليهنك العلم أبا المنذر»، فأخبر في هذا الحديث الصحيح أنها أعظم آية في القرآن وفي ذاك أنها أعلى شعب الإيمان وهذا غاية الفضل فإن الأمر كله مجتمع في القرآن والإيمان فإذا كانت أعظم القرآن وأعلى الإيمان ثبت لها غاية الرجحان. وأيضا فإن التوحيد أصل الإيمان وهو الكلام الفارق بين أهل الجنة وأهل النار وهو ثمن الجنة ولا يصح إسلام أحد إلا به ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة وكل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء فمنزلته منزلة الأصل ومنزلة التحميد والتسبيح منزلة الفرع. وأيضا فإنه مشروع على وجه التعظيم والجهر وعند الأمور العظيمة مثل الأذان الذي ترفع به الأصوات وعند الصعود على الأماكن العالية لما في ذلك من العلو والرفعة ويجهر بالتكبير في الصلوات وهو المشروع في الأعياد" (^٢).
الاسم السادس والخمسون: ومن أسماء التوحيد "ذكر الله".
• قال تعالى: ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا﴾ [الكهف: الآية: ٢٨].
• عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄-في قوله تعالى: ﴿ولا تطع من
_________________
(١) أخرجه البخاري (٩) ومسلم (٣٥) (٥٨) واللفظ له من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) مجموع الفتاوى ٢٤/ ٢٣٢ - ٢٣٥.
[ ١٨٩ ]
أغفلنا قلبه عن ذكرنا﴾ قال: نزلت في أمية بن خلف الجمحى، وذلك أنه دعا النبي ﷺ إلى أمر كرهه من تجرد الفقراء عنه وتقريب صناديد أهل مكة فأنزل الله تعالى: ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا﴾، يعني: من ختمنا على قلبه عن التوحيد" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الذكر ثلاثة أنواع: ذكر الأسماء والصفات ومعانيها، والثناء على الله بها، وتوحيد الله بها، وذكر الأمر والنهي والحلال والحرام، وذكر الآلاء والنعماء والإحسان والأيادي" (^٢).
• قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: " ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ أي: شغل عن الدين وعبادة ربه بالدنيا" (^٣).
• قال محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٥ هـ) ﵀: " ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ أي: جعلناه غافلًا بالختم عليه، نهي رسول الله ﷺ عن طاعة من جعل الله قلبه غافلًا عن ذكره كأولئك الذين طلبوا منه أن ينحي الفقراء عن مجلسه، فإنهم طالبوا تنحية الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه وهم غافلون عن ذكر الله، ومع هذا فهم ممن اتبع هواه وآثره على الحق فاختار الشرك على التوحيد" (^٤).
الاسم السابع والخمسون: ومن أسماء التوحيد "الأمانة".
• قال منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى
_________________
(١) تفسير ابن أبي حاتم. (سورة الكهف: الآية: ٢٨).
(٢) مدارج السالكين ٢/ ٤٠٣.
(٣) تفسير القرآن العظيم لابن كثير. (سورة الكهف: الآية: ٢٨).
(٤) تفسير فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم التفسير للشوكاني. (سورة الكهف: الآية: ٢٨).
[ ١٩٠ ]
السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (ت ٤٨٩ هـ) ﵀: "وقوله: ﴿والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون﴾ [المعارج: الآية: ٣٢]، أي: حافظون.
وقيل: أصل الأمانة أن كلمة التوحيد ائتمن الله تعالى المؤمنين عليها" (^١).
الاسم الثامن والخمسون: ومن أسماء التوحيد "الكوثر".
• قال تعالى: ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ [الكوثر: الآية: ١].
• قال أبو إسحاق أحمد الثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ) ﵀: "قال هلال بن يساف (ت: ما بين ٩١ هـ إلى ١٠٠ هـ) ﵀: هو قول لاإله إلا الله، محمد رسول الله" (^٢).
• قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "قال أنس (ت: ٩٠ هـ) ﵁، وابن عمر (ت: ٧٣ هـ) ﵄، وابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄، وجماعة من الصحابة والتابعين: الكوثر: نهر في الجنة، حافتاه قباب من در مجوف وطينه مسك وحصباؤه ياقوت، ونحو هذا من صفاته، وإن اختلفت ألفاظ الرواة، وقال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄-أيضا: الكوثر: الخير الكثير.
قال القاضي أبو محمد: كوثر: بناء مبالغة من الكثرة، ولا مجال أن الذي أعطى الله محمدا ﵇ من النبوة والحكمة والعلم بربه والفوز برضوانه والشرف على عباده هو أكثر الأشياء وأعظمها كأنه يقول في هذه الآية: إنا أعطيناك الحظ الأعظم، قال سعيد بن جبير (ت: ٩٥ هـ) ﵀: النهر الذي في الجنة هو من الخير الذي أعطاه الله إياه، فنعم ما ذهب
_________________
(١) تفسير السمعاني ٦/ ٥٠.
(٢) الكشف والبيان في تفسير القرآن (سورة الكوثر الآية ١).
[ ١٩١ ]
إليه ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵂، ونعم ما تمم ابن جبير (ت: ٩٥ هـ) ﵀، ﵃، وأمر النهر ثابت في الآثار في حديث الإسراء وغيره صلى الله على محمد ونفعنا بما منحنا من الهداية. قال الحسن (ت: ١١٠ هـ) ﵀: الكوثر، القرآن، وقال أبو بكر بن عياش (ت: ١٩٣ هـ) ﵀: هو كثرة الأصحاب والأتباع، وقال جعفر الصادق (ت: ١٤٨ هـ) ﵀: نور في قلبه دله عليه وقطعه عما سواه، وقال أيضا: هو الشفاعة، وقال هلال بن يساف (ت: ما بين ٩١ هـ إلى ١٠٠ هـ) ﵀: هو التوحيد" (^١).
_________________
(١) تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ٥/ ٥٢٩.
[ ١٩٢ ]
المبحث الثاني: مكانة التوحيد من الدين عمومًا.
المطلب الأول: التوحيد هو الغاية من خلق الإنس والجن:
• قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: الآية: ٥٦].
توحيد الله تعالى هو أعظمُ عملٍ، وأشرف مهمة، وهو السبب الذي خلَق الله سبحانه من أجلِه الإنسَ والجن؛ وفي تفسير الآية الكريمة قال العلماء:
• قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: "قيل: إن هذا خاصٌّ فيمن سبَق في علم الله تعالى أنه يعبُدُه، فجاء بلفظ العموم ومعناه الخصوص، والمعنى: وما خلقتُ أهلَ السعادة من الجن والإنس إلا ليوحِّدون" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "التوحيد هو الغاية المطلوبة من جميع المقامات، والأعمال والأحوال فغايتها كلها التوحيد، وإنما كلام العلماء والمحققين من أهل السلوك كله لقصد تصحيحه، وهذا بين من أول المقامات إلى آخرها فإنها تشير إلى تصحيحه وتجريده" (^٢).
_________________
(١) تفسير القرطبي (الذاريات ٥٦).
(٢) مدارج السالكين ٣/ ٤٧٧.
[ ١٩٣ ]
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "هذه الغاية، التي خلق الله الجن والإنس لها، وبعث جميع الرسل يدعون إليها، وهي عبادته، المتضمنة لمعرفته ومحبته، والإنابة إليه والإقبال عليه، والإعراض عما سواه" (^١).
• قال حافظ بن أحمد حكمي (ت: ١٣٧٧ هـ) ﵀: "ولأجلها خلقت الدنيا والآخرة والجنة والنار" (^٢).
• قال عبد العزيز بن باز (ت: ١٤٢٠ هـ) ﵀: "فبيَّن-سبحانه-الحكمة في خلقهم، وهي أن يعبدوا الله وحده، وأنهم لم يُخلقوا عبثًا ولا سدًى، بل خُلقوا لهذا الأمر العظيم؛ وهو أن يعبدوا الله - جل وعلا - ولا يشركوا به شيئًا، ويخصُّوه بدعائهم، وخوفهم ورجائهم، وصلاتهم وصومهم، وذبحهم ونذرهم، وغير ذلك" (^٣).
• قال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀: "واللام في قوله: ﴿ليعبدون﴾ للتعليل لكن هذا التعليل تعليل شرعي أي: لأجل أن يعبدوني، حيث أمرهم فيمتثلوا أمره، وليست اللام هنا تعليلا قدريا؛ لأنه لو كان تعليلا قدريا للزم أن يعبده جميع الجن والإنس، لكن اللام هنا لبيان الحكمة الشرعية في خلق الجن والإنس" (^٤).
_________________
(١) تفسير السعدي (سورة الذاريات ٥٦).
(٢) معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد لحافظ الحكمي. ص ٢٢١.
(٣) بيان معنى كلمة لا إله إلا الله"؛ لفضيلة الشيخ: ابن باز، ص ٤٥ - ٤٦.
(٤) لقاء الباب المفتوح ١٥٥/ ٣. وكتاب القول المفيد على كتاب التوحيد ١/ ٢٥.
[ ١٩٤ ]
المطلب الثاني: التوحيد أصل الدين وأول ما دعت إليه الرسل.
• قال رسول الله-ﷺ-لمعاذ بن جبل (ت: ١٨ هـ) ﵁: «إنك تقدم على قومٍ من أهل الكتاب، فليكن أوَّل ما تدعوهم إليه أن يوحِّدوا الله - تعالى ..» (^١).
• قال ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ) ﵀: "قوله: «ستأتي قومًا أهل كتاب» هي كالتوطئة للوصية لتستجمع همته عليها؛ لكون أهل الكتاب أهل علم في الجملة، فلا تكون العناية في مخاطبتهم كمخاطبة الجُهَّال من عَبَدَة الأوثان، وليس فيه أن جميع مَنْ يقدم عليهم من أهل الكتاب، بل يجوز أن يكون فيهم من غيرهم، وإنما خصَّهم بالذكر تفضيلًا لهم على غيرهم، قوله: «فإذا جئتهم» قيل: عبر بلفظ (إذا) تفاؤلًا بحصول الوصول إليهم، قوله: «فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله»، كذا للأكثر وقد تقدَّم في أوَّل الزكاة بلفظ: «وأنِّى رسول الله»، كذا في رواية زكريا بن إسحاق لم يختلف عليه فيها، وأمَّا إسماعيل بن أمية ففي رواية روح بن القاسم عنه: «فأوَّل ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله …»، وفي رواية الفضل بن العلاء عنه: «إلى أن يوحدوا الله، فإذا عرفوا ذلك …»، ويجمع بينها بأن المراد بعبادة الله توحيده، وبتوحيده الشهادة له بذلك ولنبيه بالرسالة، ووقعت البداءة بهما؛ لأنهما أصل الدين الذي لا يصحُّ شيءٌ غيرهما إلا بهما، فمَن كان منهم غير موحِّد فالمطالبة متوجِّهة إليه بكل واحدة من الشهادتين على التعيين، ومَن
_________________
(١) رواه البخاري: (٧٣٧٢/ كتاب التوحيد/ باب: ما جاء في دعاء النبي ﷺ أمته إلى توحيد الله).
[ ١٩٥ ]
كان موحِّدًا فالمطالبة له بالجمع بين الإقرار بالوحدانية والإقرار بالرسالة وإن كانوا يعتقدون ما يقتضي الإشراك أو يستلزمه؛ كمَن يقول ببنوَّة عزير، أو يعتقد التشبيه، فتكون مطالبتهم بالتوحيد لنفي ما يلزم من عقائدهم" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والقرآن مملوء من ذكر وصف الله بأنه أحد وواحد ومن ذكر أن إلهكم واحد ومن ذكر أنه لا إله إلا الله ونحو ذلك. فلا بد أن يكون الصحابة يعرفون ذلك فإن معرفته أصل الدين وهو أول ما دعا الرسول ﷺ إليه الخلق وهو أولما يقاتلهم عليه وهو أول ما أمر رسله أن يأمروا الناس به وقد تواتر عنه أنه أول ما دعا الخلق إلى أن يقولوا لا إله إلا الله ولما أمر بالجهاد بعد الهجرة قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله» (^٢)، وفي الصحيحين «أنه لما بعث معاذا إلى اليمن قال له: إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوا لك بذلك فأعلمهم أن الله تعالى قد فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة فإن هم أطاعوا لك بذلك فأعلمهم أن الله تعالى افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» (^٣).
فقال لمعاذ: ليكن أول ما تدعوهم إليه التوحيد ومع هذا كانوا من أهل الكتاب كانوا يهودا فإن اليهود كانوا كثيرين بأرض اليمن وهذا
_________________
(١) "فتح الباري شرح صحيح البخاري"؛ لابن حجر (٣/ ٣٥٨).
(٢) رواه البخاري (٢٥) ومسلم (٢٢).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي أمته إلى توحيد الله ﵎ ٤/ ٣٧٨، ح ٧٣٧٢.
[ ١٩٦ ]
الذي أمر به معاذا موافق لقوله تعالى: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾ [التوبة: الآية: ٥]، وفي الآية الأخرى: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين﴾ [التوبة: الآية: ١١]. وهذا مطابق لقوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة﴾ [البينة: الآية: ٥]. وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلمأنه قال: «الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة أفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان» " (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "التوحيد الذي هو أصل الإسلام، وهو دين الله الذي بعث به جميع رسله، وله خلق الخلق، وهو حقه على عباده: أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئا" (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ): "التوحيد الذي هو أصل الدين ورأسه الذي لا يقبل الله عملا إلا به ويغفر لصاحبه ولا يغفر لمن تركه وكما قال تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما﴾ [النساء: الآية: ٤٨]، ولهذا كانت كلمة التوحيد أفضل الكلام، وأعظمه فأعظم آية في القرآن آية الكرسي ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ [البقرة: الآية: ٢٥٥]. وقال ﷺ «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» (^٣) " (^٤).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٧/ ٣٥٣ - ٣٥٥).
(٢) ينظر: «تفسير مقاتل بن سليمان» (٤/ ١٣٣).
(٣) رواه أحمد (٢١٥٢٩) وأبو داود (٣١١٦) وحسنه الألباني في "إرواء الغليل" (٦٨٧).
(٤) مجموع الفتاوى (٣/ ٤٠٠).
[ ١٩٧ ]
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ): "و" أصل الإسلام ": أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. فمن طلب بعباداته الرياء والسمعة فلم يحقق شهادة أن لا إله إلا الله ومن خرج عما أمره به الرسول من الشريعة وتعبد بالبدعة فلم يحقق شهادة أن محمدا رسول الله. وإنما يحقق هذين " الأصلين "من لم يعبد إلا الله ولم يخرج عن شريعة رسول الله ﷺ التي بلغها عن الله فإنه قال: «تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك» (^١)، وقال: " «ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا قد حدثتكم به ولا من شيء يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم به» (^٢)، وقال ابن مسعود (ت: ٣٢ هـ) ﵁: "خط لنا رسول الله ﷺ خطا وخط خطوطا عن يمينه وشماله ثم قال: «هذا سبيل الله وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾ [الأنعام: الآية: ١٥٣]» (^٣) " (^٤).
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: "قوله سبحانه: ﴿فاعبدني﴾ يعنى فوحدني، فإنه ليس معي إله" (^٥).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وعبادة الله وحده: هي أصل الدين وهو التوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب فقال
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٢)، وأحمد (١٧١٤٤) باختلاف يسير.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٥٤٧٣)، والحاكم (٢١٣٦)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١٠٣٧٦) باختلاف يسير.
(٣) أخرجه أحمد (٤١٤٢)، والنسائي في «السنن الكبرى» (١١١٧٤)، والدارمي (٢٠٢) باختلاف يسير.
(٤) مجموع الفتاوى (١١/ ٦١٧ - ٦١٨).
(٥) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة طه: الآية: ١٤).
[ ١٩٨ ]
تعالى: ﴿واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون﴾ [الزخرف: الآية: ٤٥]، وقال تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ [النحل: الآية: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ [الأنبياء: الآية: ٢٥] " (^١).
• قال ابن تيمية: (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وهذا الأصل وهو التوحيد هو أصل الدين الذي لا يقبل الله من الأولين والآخرين دينا غيره وبه أرسل الله الرسل وأنزل الكتب كما قال تعالى: ﴿واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون﴾ [الزخرف: الآية: ٤٥]، وقال تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ [الأنبياء: الآية: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة﴾ [النحل: الآية: ٣٦] " (^٢).
• وقال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "محبة الله سبحانه والأنس به، والشوق إلى لقائه، والرضا به وعنه: أصل الدين، وأصل أعماله وإرادته، كما أن معرفته والعلم بأسمائه وصفاته وأفعاله أجل علوم الدين كلها. فمعرفته أجل المعارف، وإرادة وجهه أجل المقاصد، وعبادته أشرف الأعمال، والثناء عليه بأسمائه وصفاته ومدحه وتمجيده أشرف الأقوال، وذلك أساس الحنيفية ملة إبراهيم ﵇.
وقد قال تعالى لرسوله: ﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين﴾ [النحل: الآية: ١٢٣].
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٣/ ٣٩٧).
(٢) انظر: "الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة"١/ ٣٦٥ - ٣٦٧.
[ ١٩٩ ]
وكان النبي-ﷺ -يوصي أصحابه إذا أصبحوا أن يقولوا: «أصبحنا على فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، ودين نبينا محمد، وملة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركين» (^١).
وذلك هو حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله، وعليها قام دين الإسلام الذي هو دين جميع الأنبياء والمرسلين، وليس لله دين سواه ولا يقبل من أحد دينا غيره" (^٢).
• قال أبو حيان الأندلسي (ت: ٧٤٥ هـ) ﵀: " وقال تعالى وتقدس: ﴿لا إله إلا أنا فاعبدني﴾ [طه الآية: ١٤]. فذكر العبادة عقيب التوحيد، لأن التوحيد هو الأصل، والعبادة فرعه" (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "والإيمان به أصل الإيمان بما عداه " (^٤).
• قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: "التوحيد هو الأمر الذي لا يقوم بناء إلا عليه" (^٥).
_________________
(١) رواه الطبراني في الدعاء (٢٩٤) من حديث عبد الرحمن بن أبزى ﵁، ورواه ابن أبي شيبة (٥/ ٣٢٤) وأحمد (٣/ ٤٠٦، ٤٠٧) والدارمي (٢٦٨٨) والنسائي في الكبرى (٩٨٢٩، ٩٨٣١، ١٠١٧٥، ١٠١٧٦) وغيرهم عن عبد الرحمن بن أبزى أن النبي ﷺ كان يقول ذلك، وفي إسناده اختلاف، قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ١٥٦): «رواه أحمد والطبراني ورجالهما رجال الصحيح»، وصححه النووي في الأذكار (٢٢٥)، والعراقي في تخريج الإحياء (١١٥٠)، وحسنه ابن حجر في نتائج الأفكار (٢/ ٤٠١)، وهو في السلسلة الصحيحة (٢٩٨٩). وفي الباب عن ابن مسعود ﵁.
(٢) إغاثة اللهفان ٢/ ٩٤٤.
(٣) البحر المحيط في التفسير ١/ ٤٤.
(٤) الصواعق المرسلة ١/ ٣٦٥.
(٥) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ٤/ ١٩٦.
[ ٢٠٠ ]
• قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: "والتوحيد هو الأساس الذي لا تصح عبادة إلا به، وتحقيقه هو العلم الذي لا علم يعدله" (^١).
• قال حافظ بن أحمد حكمي (ت: ١٣٧٧ هـ) ﵀: "وهي أصل الدين وأساسه ورأس أمره وساق شجرته وعمود فسطاطه، وبقية أركان الدين وفرائضه متفرعة عنها، ومتشعبة منها مكملات لها مقيدة بالتزام معناها والعمل بمقتضاها" (^٢).
• قال عبد العزيز بن باز (ت: ١٤٢٠ هـ) ﵀: "التوحيد هو أصل دين الإسلام وهو أساس الملة وهو رأس الأمر وهو أهم الفرائض وهو الحكمة في خلق الثقلين والحكمة في إرسال الرسل جميعا عليهم الصلاة والسلام" (^٣).
المطلب الثالث: التوحيد هو الأساس الذي قام عليه دين الإسلام.
دعا النبي ﷺ للتوحيد في مكة ثلاثة عشر سنة قبل الهجرة وفي المدينة إلى أن توفاه الله تعالى.
• فعن ربيعة بن عباد الدؤلي (ت في حدود ٩٠ هـ) ﵁، قال: رأيت رسول الله في الجاهلية بسوق ذي المجاز وهو يقول: «يا أيها الناس،
_________________
(١) تفسير نظم الدرر في تناسب الآيات والسور للبقاعي. (سورة الزخرف الآية: ٨٦).
(٢) معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد لحافظ الحكمي. ص ٢٢١.
(٣) إقامة البراهين على حكم من استغاث بغير الله أو صدق الكهنة والعرافين ص: ٤٧.
[ ٢٠١ ]
قولوا لا إله إلا الله تفلحوا» (^١).
• وعن جندب بن عبد الله (ت: ٧٠ هـ تقريبًا) ﵁-قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس، وهو يقول: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك» (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "هذه الكلمة هي: أساس الدين" (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀-في فضل كلمة التوحيد: "هي الكلمة التي قامت بها الأرض والسموات وفطر الله عليها جميع المخلوقات، وعليها أسست الملة، ونصبت القبلة، وجردت سيوف الجهاد، وهي محض حق الله على جميع العباد، وهي الكلمة العاصمة للدم والمال والذرية في هذه الدار والمنجية من عذاب القبر وعذاب النار، وهي المنشور الذي لا يدخل أحد الجنة إلا به، والحبل الذي لا يصل إلى الله إلا من يتعلق بسببه، وهي كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام، وبها انقسم الناس إلى شقي وسعيد ومقبول وطريد، وبها انفصلت دار الكفر من دار الإسلام، وتميزت دار النعيم من دار الشقاء والهوان، وهي العمود الحامل للفرض والسنة" (^٤).
فالإيمان بالله هو أساس كل خير، ومصدر كل هداية، وسبب كل فلاح، ذلك لأن الإنسان لما كان مخلوقًا مربوبًا عاد في علمه وعمله إلى
_________________
(١) رواه الحاكم في المستدرك (٣٩).
(٢) رواه مسلم (١١٨٨).
(٣) قاعدة حسنة في الباقيات الصالحات. لابن تيمية. ص ٢٦.
(٤) الجواب الكافي ص: ١٧٠.
[ ٢٠٢ ]
خالقه وباريه فبه يهتدي، وله يعمل، وإليه يصير، فلا غنى له عنه، وانصرافه إلى غيره هو عين هلاكه وفساده، والإنسان له بالله عن كل شيء عوض، وليس لكل شيء عن الله عوض، فليس للعبد صلاح ولا فلاح إلا بمعرفة ربه وعبادته، فإذا حصل له ذلك فهو الغاية المرادة له والتي خلق من أجلها، فما سوى ذلك إما فضل نافع، أو فضول غير نافعة، أو فضول ضارة، ولهذا صارت دعوة الرسل لأممهم إلى الإيمان بالله وعبادته، فكل رسول يبدأ دعوته بذلك كما يعلم من تتبع دعوات الرسل في القرآن.
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "من أَرَادَ علو بُنْيَانه فَعَلَيهِ بتوثيق أساسه وإحكامه وَشدَّة الاعتناء بِهِ، فَإِنْ علو الْبُنيان على قدر تَوْثِيق الأساس وإحكامه، فالأعمال والدرجات بُنيان وأساسها الْإِيمَان وَمَتى كَانَ الأساس وثيقا حمل الْبُنيان واعتلى عَلَيْهِ" (^١).
• وقال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: "التوحيد هو الأساس الذي ينبني عليه كل خير، والمنتهى الذي هو غاية السير، والعالي على كل غير" (^٢).
المطلب الرابع: كلمة التوحيد هي الكلمة التي قامت بها الأرض والسموات.
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀-عن كلمة التوحيد: "هي الكلمة التي قامت بها الأرض والسموات" (^٣).
_________________
(١) الفوائد ص ١٥٥.
(٢) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ١/ ٥٧.
(٣) الجواب الكافي ص: ١٧٠.
[ ٢٠٣ ]
المطلب الخامس: التوحيد رأس الأمر.
• عن معاذ بن جبل (ت: ١٨ هـ) ﵁-قال: قال رسول الله-ﷺ: «رَأْسُ الأَمْرِ: الإِسْلامِ، وَعَمُودُهُ: الصَّلاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ الله» (^١).
• قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "التوحيد والكفر هما رأس الأمرين" (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وكان التوحيد بقول: لا إله إلا الله؛ رأس الأمر" (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وكان توحيد الإلهية رأس الأمر" (^٤).
• قال عبد العزيز بن باز (ت: ١٤٢٠ هـ) ﵀: "التوحيد هو أصل دين الإسلام وهو أساس الملة وهو رأس الأمر" (^٥).
• قال عبد الرحمن بن قاسم (ت: ١٣٩٢ هـ) ﵀: " (رأس الأمر)،
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في كتاب: الفتن، برقم: (٣٩٧٣)؛ والترمذي في كتاب: الإيمان، برقم: (٢٦١٦)، وقال: «هذا حديث حسن صحيح»؛ وأخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين، برقم (٢٤٠٨)، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه»، ووافقه الذهبي.
(٢) تفسير ابن عطية (المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز) ١/ ٤٨٦.
(٣) مجموع الفتاوى ١/ ٢٣.
(٤) إغاثة اللهفان ١/ ٤٥.
(٥) إقامة البراهين على حكم من استغاث بغير الله أو صدق الكهنة والعرافين ص: ٤٧.
[ ٢٠٤ ]
والأمر هو الدين، يعني: رأس الدين الذي جاء به النبي ﷺ هو (الإسلام): الذي هو: معنى لا إله إلا الله، المتضمن للكفر بالطاغوت، والإيمان بالله" (^١).
• قال صالح بن فوزان الفوزان-حفظه الله-: "وهذا معنى لا إله إلا الله يعني الكفر بالطاغوت والإيمان بالله. الإسلام: هو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والخلوص من الشرك وأهله، هذا هو رأس أمر الدين، الشهادتان هما رأس الإسلام وهما أصل الإسلام، فلا يدخل الإنسان في الإسلام إلا إذا أتى بالشهادتين نطقا وعلما وعملا واعتقادا، لا يكون الإنسان مسلما إلا بذلك" (^٢).
المطلب السادس: التوحيد هو أس الإيمان.
• قال محمد بن أحمد السفاريني (ت: ١١٨٨ هـ) ﵀: " كلمة الإخلاص، وهي لا إله إلا الله وهي أس الإيمان" (^٣).
المطلب السابع: التوحيد رأس أعمال الدين.
• قال الخطابي (ت: ٣٨٨ هـ) ﵀: "لا يصح عمل من الأعمال
_________________
(١) حاشية ثلاثة الأصول، عبد الرحمن بن قاسم (ص ١٠٠)؛ وتيسير الوصول شرح ثلاثة الأصول، د. عبد المحسن القاسم (ص ٢٠٨).
(٢) شرح ثلاثة الأصول، لصالح الفوزان ص ٣٠٩.
(٣) لوائح الأنوار السنية ولوائح الأفكار السنية ٢/ ٢٠٠.
[ ٢٠٥ ]
الدينية أقوالها وأفعالها إلا بنية دخل فيها التوحيد الذي هو رأس أعمال الدين فلا يصح القول بالتوحيد إلا بمعرفة وقصد إخلاص فيه، وكذلك سائر أعمال الدين، من الصلاة والزكاة والصيام والوضوء بالماء والتيمم بالتراب" (^١).
المطلب الثامن: التوحيد أول واجبات الشريعة.
• عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄-أن النبي ﷺ بعث معاذا إلى اليمن فقال: «ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله تعالى افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله ﷿ افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم» (^٢).
• قال الخطابي (ت: ٣٨٨ هـ) ﵀: "في هذا الحديث من العلم أنه رتب واجبات الشريعة، فقدم كلمة التوحيد، ثم أتبعها فرائض الصلاة لأوقاتها، وأخر ذكر الصدقة لأنها إنما تجب على قوم من الناس دون آخرين، وإنما تلزم بمضي الحول على المال واستكمال النصاب" (^٣).
• قال علي بن خلف بن عبد الملك ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) ﵀: "قرن الله التقى ونفى الإشراك به تعالى بإقامة الصلاة، فهى أعظم دعائم الإسلام بعد التوحيد، وأقرب الوسائل إلى الله تعالى، ومفهوم هذه الآية
_________________
(١) معالم السنن للخطابي ١/ ٢١.
(٢) رواه البخاري (١٤٥٨)، ومسلم (١٩) بلفظ: «فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله». من حديث ابن عباس ﵄.
(٣) أعلام الحديث (شرح صحيح البخاري) للخطابي ١/ ٧٢٦.
[ ٢٠٦ ]
يدل أنه من لم يقم الصلاة فهو مشرك، ولذلك قال عمر: "ولا حظ فى الإسلام لمن ترك الصلاة" (^١) " (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "أعمال القلوبِ كمحبةِ اللَّه ورسولِهِ والتوكُّلِ على اللَّهِ وَإخلاصِ الدينِ له والخوف منه والرجاء له وما يتبع ذلك واجِب على جميعِ الخلْقِ مأْمورون به بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الدِّينِ لَا يَكُونُ تَرْكهَا مَحْمُودًا فِي حالِ أَحد وإن ارتقى مقامه" (^٣).
المطلب التاسع: التوحيد أول الدين وأخره وظاهره وباطنه
• عن معاذ (ت: ١٨ هـ) ﵁-قال ﷺ: «فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله» (^٤).
قال محمد بن يعقوب الفيروزأبادي (ت: ٨١٧ هـ) ﵀: "والدين ورد فى القرآن بمعنى التوحيد والشهادة ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ [آل عمران: الآية: ١٩]، ﴿ألا لله الدين الخالص﴾ [الزمر: الآية: ٣]، ﴿أفغير دين الله يبغون﴾ [آل عمران: الآية: ٨٣]، أي: التوحيد وله نظائر" (^٥).
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ (٨٢)، وعبد الرزاق في مصنفه (٥٥٥ - ٥٥٦)، وابن زبي شيبة في مصنفه (٨٢٥٧)، وأحمد في الزهد (٦٦٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٦٤٩٩).
(٢) شرح صحيح البخاري لابن بطال ٢/ ١٥٢.
(٣) الآداب الشرعية ٢/ ٢٧٧.
(٤) رواه البخاري (١٤٥٨)، ومسلم (١٩) بلفظ: «فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله». من حديث ابن عباس ﵄.
(٥) بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزي ٢/ ٦١٧.
[ ٢٠٧ ]
قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "أول الدين وآخره وظاهره وباطنه هو التوحيد وإخلاص الدين كله لله هو تحقيق قول لا إله إلا الله" (^١).
قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "أصول الإيمان" وأعلاها وأفضلها هو "التوحيد" وهو شهادة أن لا إله إلا الله، كما قال تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ [الأنبياء: الآية: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ [النحل: الآية: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون﴾ [الزخرف: الآية: ٤٥]، وقال تعالى: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى﴾ [الشورى: الآية: ١٣] " (^٢).
قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "التوحيد كثير في القرآن، وهو أول الدين وآخره، وباطن الدين وظاهره" (^٣).
قال ابن المنذر (ت: ٣١٨ هـ) ﵀: "أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن الكافر إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وأن كل ما جاء به محمد حق، وأبرأ من كل دين خالف دين الإسلام، وهو بالغ صحيح العقل أنه مسلم، فإن رجع بعد ذلك فأظهر الكفر كان مرتدا، يجب عليه ما يجب على المرتد" (^٤).
قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "مقام التوحيد أولى المقامات
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٥/ ٢٦٤)، الفتاوى الكبرى ٥/ ٢٣٧.
(٢) مجموع الفتاوى (٣/ ٣٦٥).
(٣) منهاج السنة ٥/ ٣٤٩.
(٤) الأوسط: ص ٧٣٥.
[ ٢٠٨ ]
أن يبدأ به، كما أنه أول دعوة الرسل كلهم، قال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل (ت: ١٨ هـ) ﵁، حين بعثه إلى اليمن «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله»، وفي رواية «إلى أن يعرفوا الله»، ولأنه لا يصح مقام من المقامات، ولا حال من الأحوال إلا به، فلا وجه لجعله آخر المقامات، وهو مفتاح دعوة الرسل، وأول فرض فرضه الله على العباد، وما عدا هذا من الأقوال فخطأ، كقول من يقول: أول الفروض النظر، أو القصد إلى النظر، أو المعرفة، أو الشك الذي يوجب النظر. وكل هذه الأقوال خطأ" (^١).
قال مُحمد بنُ عبد الوهّاب (ت: ١٢٠٦ هـ) -رحمهُ اللّاه-: "فأَهمُّ مَا عَليكَ: مَعرفةُ التوحِيد، قَبل مَعرفة العِبَادَاتِ كلِّها، حتى الصَّلاة" (^٢).
المطلب العاشر: التوحيد أول منازل الطريق، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله تعالى.
قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "التوحيد أول منازل الطريق، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله تعالى" (^٣).
قال ابن أبي العز (ت: ٧٩٢ هـ ﵀: "اعلم أن التوحيد أول دعوة الرسل، وأول منازل الطريق، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله ﷿" (^٤).
_________________
(١) مدارج السالكين ١/ ١٥٤.
(٢) الدُّرَرُ السَنِيَّة فِي الأَجوبةِ النَّجدِيَّة (١/ ١٠٧).
(٣) مدارج السالكين ٣/ ٤١١.
(٤) شرح العقيدة الطّحاويّة لابن أبي العزّ الحنفيّ: ٧٧ - ٧٨.
[ ٢٠٩ ]
قال ابن القيم (: ٧٥١ هـ) ﵀: "ولما كان كمال الإرادة بحسب كمال مرادها، وشرف العلم تابعا لشرف معلومه، كانت نهاية سعادة العبد الذي لا سعادة له بدونها، ولا حياة له إلا بها؛ أن تكون إرادته متعلقة بالمراد الذي لا يبلى ولا يفوت، وعزمات همته مسافرة إلى حضرة الحي الذي لا يموت، ولا سبيل له إلى هذا المطلب الأسنى، والحظ الأوفى؛ إلا بالعلم الموروث عن عبده ورسوله وخليله وحبيبه الذي بعثه لذلك داعيا، وأقامه على هذا الطريق هاديا، وجعله واسطة يينه وببين الأنام، وداعيا لهم بإذنه إلى دار السلام، وأبى سبحانه أن يفتح لأحد منهم إلا على يديه، أو يقبل من أحد منهم سعيا إلا أن يكون مبتدئا منه، ومنتهيا إليه، ﷺ" (^١).
المطلب الحادي عشر: كلمة التوحيد هي الأعلى.
قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: الآية: ٤٠].
عن أبي موسى الأشعري (ت: ٤٤ هـ) ﵁، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حَمِيَّة، ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» (^٢).
عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: "قوله: ﴿وجعل كلمة الذين
_________________
(١) مفتاح دار السعادة ١/ ٥٩.
(٢) صحيح البخاري برقم (٢٨١٠) وصحيح مسلم برقم (١٩٠٤).
[ ٢١٠ ]
كفروا السفلى﴾، وهي: الشرك بالله ﴿وكلمة الله هي العليا﴾، وهي: لا إله إلا الله" (^١).
قال السيوطى (ت: ٩١١ هـ) ﵀: "وأخرج ابن المنذر (ت: ٣١٨ هـ) ﵀، وابن أبي حاتم (ت: ٣٢٧ هـ) ﵀، والبيهقي (ت: ٤٥٨ هـ) ﵀-في الأسماء والصفات، عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄-في قوله ﴿وجعل كلمة الذين كفروا السفلى﴾ قال: هي الشرك ﴿وكلمة الله هي العليا﴾ قال: لا إله إلا الله. وأخرج أبو الشيخ (ت: ٣٦٩ هـ) ﵀، عن الضحاك بن مزاحم (ت: ١٠٢ هـ) ﵀-مثله" (^٢).
قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: " ﴿وجعل كلمة الذين كفروا﴾، وهي كلمة الشرك ﴿السُّفْلى﴾، لأنها قُهِرَت وأذِلَّت، وأبطلها الله تعالى، ومحق أهلها، وكل مقهور ومغلوب فهو أسفل من الغالب، والغالب هو الأعلى ﴿وكلمة الله هي العليا﴾، يقول: ودين الله وتوحيده وقولُ لا إله إلا الله، وهي كلمتُه (العليا)، على الشرك وأهله، الغالبةُ" (^٣).
وقال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿وجعل كلمة الذين كفروا﴾، يعني دعوة الشرك ﴿السفلى﴾، ﴿وكلمة الله﴾، يعنى دعوة الإخلاص، ﴿هي العليا﴾ يعنى العالية، ﴿والله عزيز﴾ في ملكه، ﴿حكيم﴾ حكم إطفاء دعوة المشركين، وإظهار
_________________
(١) تفسير الطبري (سورة التوبة الآية: ٤٠)، وانظر تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة التوبة الآية: ٤٠).
(٢) تفسير الدر المنثور (سورة التوبة الآية: ٤٠).
(٣) تفسير الطبري (سورة التوبة الآية: ٤٠).
[ ٢١١ ]
التوحيد" (^١).
وقال يحيى بن زياد الفراء (ت: ٢٠٧ هـ) ﵀: " ﴿وكلمة الذين كفروا﴾ الشرك بالله، ﴿وكلمة الله﴾ قول: (لا إله إلا الله) " (^٢).
المطلب الثاني عشر: كلمة التوحيد أعلى شعب الإيمان.
• قال تعالى ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى: الآية: ١].
• عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁-أن رسول الله ﷺ قال: الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" متفق عليه (^٣).
وفي لفظ آخرَ عند أحمد: «أرفعها وأعلاها قول: لا إله إلا الله» (^٤).
فتَّوحيدَ اللهِ وعَدَمَ الإشراكِ به هو مَبدأُ الإيمانِ ومُنتَهاهُ، وما كان سِواهُ مِنْ أعمالٍ فهو مِنْ مُكَمِّلاتِ الإيمانِ.
قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: "قوله: ﴿سبح اسم ربك﴾ آية يقول سبحانه: نزه اسم ربك الأعلى، يقول: نزهه من الشرك
_________________
(١) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة التوبة الآية: ٤٠).
(٢) معاني القرآن للفراء (سورة التوبة الآية: ٤٠).
(٣) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب أمور الإيمان، برقم (٩)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب شعب الإيمان، برقم (٣٥)، واللفظ له.
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده، ٢/ ٣٧٩، برقم (٨٩٢٦).
[ ٢١٢ ]
بشهادة أن لا إله إلا الله، فذلك قوله: ﴿الأعلى﴾ " (^١).
قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والعلمُ الأعلى، هو العلمُ بالأعلى" (^٢).
قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وهذا بخلاف العلم الأعلى عند المسلمين فإنه العلم بالله، الذي هو في نفسه أعلى من غيره من كل وجه، والعلم به أعلى العلوم من كل وجه، والعلم به أصل لكل علم" (^٣).
قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وإنما العلم الأعلى هو العلم بالله، والله هو الأعلى على كل شيء من كل وجه، كما قال سبحانه: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى: الآية: ١]، فالعلم به أعلى العلوم، وإرادة وجهه أفضل الإرادات، ومحبته أفضل المحبات" (^٤).
المطلب الثالث عشر: الإيمان بالله الذي هو التوحيد هو خير العمل:
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ) ﵀: "جميع الأعمال كلها هو أولًا وقبل كل شيء الإيمان بالله، وذلك أنه-ﷺ-سئل: أي الأعمال أفضل يارسول الله؟
قال: «إيمان بالله».
_________________
(١) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة الأعلى الآية: ١).
(٢) جامع الرسائل (٢/ ٦٨٥).
(٣) الرد على المنطقيين ص ١١١.
(٤) الرد على الشاذلي بن حزبية وما صنفه في آداب الطريق ١/ ٢٤٢.
[ ٢١٣ ]
قيل: ثم ماذا؟
فقال مرة: «الجهاد في سبيل الله» (^١).
وقال مرة: «الصلاة على أول وقتها» (^٢).
وقال مرة: «بر الوالدين»، وفي كل مرة يقدم إيمانا بالله.
فعليه الإيمان بالله هو خير العمل، وليست الصلاة، ثم بعد الإيمان بالله فهو بحسب حال السائل وحالة كل شخص، فمن كان قويا وليس عليه حق لوالديه، فالجهاد أفضل الأعمال في حقه مع الحفاظ على الصلاة، فإن كان ذا والدين، فبرهما مقدم على كل عمل، ولم لا! فإن الصلاة على أول وقتها لغير هؤلاء، فإطلاق القول بالصلاة خير العمل في حق جميع الناس لا يصح مع هذه الأحاديث، ولهذا منع رسول الله-ﷺ-بلالا أن يقولها، وجعلها: خيرا من النوم، وهذا لا نزاع فيه ولا بالنسبة لأي أحد من الناس، والله تعالى أعلم" (^٣).
المطلب الرابع عشر: التوحيد أفضل الأعمال.
• عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁-قال: قال رسول الله-ﷺ: «الإِيمانُ بضْعٌ وسَبْعُونَ، أوْ بضْعٌ وسِتُّونَ، شُعْبَةً، فأفْضَلُها قَوْلُ لا إلَهَ
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (١٥١٩)، وأخرجه مسلم برقم (٨٣).
(٢) أخرجه البخاري برقمك (٥٢٧)، وأخرجه مسلم برقم: (٨٥) باختلاف يسير من حديث عبد الله بن مسعود قال: سألت النبي ﷺ: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: «الصلاة على وقتها»، قال: ثم أي؟ قال: «ثم بر الوالدين»، قال: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله»، قال: حدثني بهن، ولو استزدته لزادني.
(٣) أضواء البيان (٨/ ١٥٧).
[ ٢١٤ ]
إلَّا اللَّهُ، وأَدْناها إماطَةُ الأذَى عَنِ الطَّرِيقِ، والْحَياءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيمانِ» (^١).
• عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁-قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل أو أي الأعمال خير قال: «إيمان بالله ورسوله»، قيل ثم أي قال: «الجهاد سنام العمل»، قيل ثم أي قال: «ثم حج مبرور» (^٢).
• عن أبي ذر (ت: ٣٠ أو ٣١ هـ) ﵁" سألت النبي ﷺ: أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله، وجهاد في سبيله» الحديث .. " (^٣).
• عبد الله بن المقفع (ت ١٤٢ هـ): "الدين أفضل المواهب التي وصلت من الله إلى خلقه، وأعظمها منفعة، وأحمدها في كل حكمة، فقد بلغ فضل الدين والحكمة أن مدحا على ألسنة الجهال، على جهالتهم بهما وعماهم عنهما" (^٤).
• قال علي بن خلف بن عبد الملك ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) ﵀: " معنى قوله: إنها تعدل ثلث القرآن أن الله جعل القرآن ثلاثة أجزاء: أحدها: القصص والعبر والأمثال، والثانى: الأمر والنهى والثواب والعقاب، والثالث: التوحيد والإخلاص، وتضمنت هذه السورة صفة توحيده تعالى وتنزيهه عن الصاحبة والوالد والولد، فجعل لقارئها من الثواب كثواب من قرأ ثلث القرآن" (^٥).
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم (٣٥).
(٢) أخرجه البخاري برقم (١٥١٩)، وأخرجه مسلم برقم (٨٣).
(٣) أخرجه البخاري برقم (٢٥١٨).
(٤) كتاب الأدب الصغير والأدب الكبير ص: ٣٣.
(٥) شرح صحيح البخاري لابن بطال ١٠/ ٢٥١.
[ ٢١٥ ]
• قال العز بن عبد السلام (ت: ٦٣٩ هـ) ﵀: "وقد صرح-﵇ بأنه أفضل الأعمال، لما قيل له أي الأعمال أفضل؟ فقال: «إيمان بالله» (^١).
• قال العز بن عبد السلام (ت: ٦٣٩ هـ) ﵀: "التوحيد وصفات الإله؛ فإن معرفة ذلك من أفضل المقاصد والتوسل إليه من أفضل الوسائل" (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "لا إله إلا الله أفضل الكلمات؛ كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة -أو ستون- أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» (^٣) " (^٤).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فالعلوم بعضها أفضل من بعض فالعلم بالله أفضل من العلم بخلقه، ولهذا كانت آية الكرسي أفضل آية في القرآن؛ لأنها صفة الله تعالى. وكانت: ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: الآية: ١]، تعدل ثلث القرآن؛ لأن القرآن " ثلاثة أثلاث ": ثلث توحيد، وثلث قصص، وثلث أمر ونهي. وثلث التوحيد أفضل من غيره" (^٥).
المطلب الخامس عشر: التوحيد أول العمل
• عن عبد الله بن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄-قال: قال رسول الله-ﷺ-لمعاذ بن جبل (ت: ١٨ هـ) ﵁-حين بعثه إلى اليمن: إنك ستأتي قوما
_________________
(١) قواعد الأحكام في مصالح الأنام ١/ ٣٤ - ٣٥.
(٢) قواعد الأحكام في مصالح الأنام ١/ ١٢٤.
(٣) أخرجه البخاري (٩) ومسلم (٣٥) (٥٨) واللفظ له من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) كتاب قاعدة حسنة في الباقيات الصالحات ص ٢٧.
(٥) مجموع الفتاوى ٩/ ٣٠٦.
[ ٢١٦ ]
أهل كتاب، فإذا جئتهم، فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينه وبين الله حجاب" (^١).
• قال الخطابي (ت: ٣٨٨ هـ) ﵀: "عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: «الإيمان بضع وسبعون بابا، أفضلها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» (^٢).
وحدثنا إسماعيل بن محمد الصفار قال: حدثنا الحسن بن مكرم قال: حدثنا علي بن عاصم قال: حدثنا سهيل، عن عبد الله بن دينار، حدثني أبوك -أبو صالح- عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ مثله، إلا أنه قال: «أولها لا إله إلا الله». فقد ثبت برواية سليمان بن بلال التي اعتمدها أبو عبد الله، ثم بمشايعة سهيل إياه في روايته أن الإيمان اسم ينشعب إلى أمور ذات عدد، جماعها الطاعة، ولهذا (صار) من صار من العلماء إلى أن الناس متفاضلون في درج الإيمان، وإن كانوا متساوين في اسمه، وكان بدء الإيمان كلمة الشهادة، وأقام رسول الله-ﷺ-بضع عشرة سنة يدعو الناس إليها، ويسمى من أجابه إلى ذلك مؤمنا إلى أن نزلت الفرائض بعد، وبهذا الاسم خوطبوا عند إيجابها عليهم. قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ وقال:
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي أمته إلى توحيد الله ﵎ ٤/ ٣٧٨، ح ٧٣٧٢.
(٢) مسند أحمد: ٢/ ٤٤٥/ ٩٧٥٥، سنن ابن ماجة: ١/ ٢٢، سنن الترمذي: ٤/ ١٢٣.
[ ٢١٧ ]
﴿يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير﴾ وهذا الحكم مستمر في كل اسم" (^١).
المطلب السادس عشر: التوحيد جماع الدين.
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "التوحيد جماع الدين، والله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "التوحيد هو جماع الدين الذي هو أصله وفرعه ولبُّه، وهو الخير كله، والاستغفار يزيل الشر كله، فيحصل من هذين جميع الخير وزوال جميع الشر. وكل ما يصيب المؤمن من الشر فإنما هو بذنوبه" (^٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وهذان الأصلان جماع الدين: أن لا نعبد إلا الله، وأن نعبده بما شرع، لا نعبده بالبدع.
وقال تعالى: ﴿فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾ [الكهف: الآية: ١١٠].
وكان عمر بن الخطّاب (ت: ٢٣ هـ) ﵁-يقول في دعائه: "اللهم اجعل عملي كله صالحا، واجعله لوجهك خالصا، ولا تجعل لأحد فيه شيئا" (^٤).
_________________
(١) أعلام الحديث (شرح صحيح البخاري) للخطابي ١/ ١٤٢ - ١٤٣.
(٢) مجموع الفتاوى (١/ ٢١٢)، قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ١/ ١٠٧.
(٣) جامع المسائل ٦/ ٢٧٤.
(٤) أخرجه أحمد في الزهد (٦١٥) من طريق الحسن أن عمر كان يقول، فذكره؛ والحسن لم يسمع عن عمر. وأخرجه أبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (١٠١٨) من طريق آخر ..
[ ٢١٨ ]
وقال الفضيل بن عياض (ت: ١٨٧ هـ) ﵀، في قوله تعالى: ﴿ليبلوكم أيكم أحسن عملا﴾ [الملك: الآية: ٢]. قال: "أخلصه وأصوبه". قالوا: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: "إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا، والخالص أن يكون لله، والصواب: أن يكون على السنة" (^١). " (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "توحيد الله الذي هو إخلاص الدين له، والعدل الذي نفعله نحن هو جماع الدين" (^٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "جماع الدين هو عبادة الله وحده، وأعظم الذنوب الشرك، والقرآن مملوء من تعظيم التوحيد بالدعاء إليه والترغيب فيه، وبيان سعادة أهله، وتعظيم الشرك بالنهي عنه والتحذير منه وبيان شقاوة أهله" (^٤).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وجماع الدين أصلان: ألا نعبد إلا الله، ولا نعبده إلا بما شرع، لا نعبده بالبدع، كما قال تعالى: ﴿فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾ [الكهف: ١١٠].
وذلك تحقيق الشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدا رسول الله.
_________________
(١) ذكره أبو نعيم في الحلية بسنده عن إبراهيم بن الأشعث أنه سمع الفضيل يقول ذلك (٨/ ٩٥).
(٢) اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٣٧٣.
(٣) جامع المسائل ٨/ ٤٥، مجموع الفتاوى ١/ ٨٧.
(٤) الرد على الإخنائي ص ١٧٢ ..
[ ٢١٩ ]
ففي الأولى: ألا نعبد إلا إياه.
وفي الثانية: أن محمدا ﷺ هو رسول مبلغ عنه، فعلينا أن نصدق خبره ونطيع أمره" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وقال النبي ﷺ لمعاذ: "والله إني لأحبك؛ فلا تنس أن تقول دبر كل صلاة: اللهم! أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" (^٢).
وليس المراد بالذكر مجرد ذكر اللسان، بل الذكر القلبي واللساني، وذكره يتضمن ذكر أسمائه وصفاته، وذكر أمره ونهيه وذكره بكلامه، وذلك يستلزم معرفته والإيمان به وبصفات كماله ونعوت جلاله والثناء عليه بأنواع المدح، وذلك لا يتم إلا بتوحيده.
فذكره الحقيقي يستلزم ذلك كله ويستلزم ذكر نعمه وآلائه وإحسانه إلى خلقه.
وأما الشكر فهو القيام له بطاعته والتقرب إليه بأنواع محابه ظاهرا وباطنا.
وهذان الأمران هما جماع الدين؛ فذكره مستلزم لمعرفته، وشكره متضمن لطاعته.
وهذان هما الغاية التي خلق لأجلها الجن والإنس والسماوات والأرض، ووضع لأجلها الثواب والعقاب، وأنزل الكتب، وأرسل الرسل، وهي الحق الذي به خلقت السماوات والأرض وما بينهما" (^٣).
_________________
(١) العبودية لابن تيمية ص ١٤١.
(٢) أخرجه أحمد (٥/ ٢٤٤، ٢٤٧) وأبو داود (١٥٢٢) والنسائي (٣/ ٥٣) عن معاذ. وإسناده صحيح.
(٣) الفوائد ١/ ١٨٦.
[ ٢٢٠ ]
• قال عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (١٢٨٥ هـ) ﵀: "جماع الدين أن لا يعبد إلا الله، وأن لا يعبد إلا بما شرع لا يعبد بالبدع" (^١).
• قال عبد الرحمن بن محمد بن قاسم (ت: ١٣٩٢ هـ) ﵀: "إخلاص جميع الأعمال لله وحده لا شريك له، ومتابعة الرسول ﷺ وهذان الأصلان هما جماع الدين، ولا يستقيم دين إلا عليهما، كما قال تعالى: ﴿فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾ [الكهف: الآية: ١١٠] " (^٢).
المطلب السابع عشر: التوحيد أول واجب على المكلف.
• قال ابن المنذر (ت: ٣١٩ هـ) ﵀: "أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن الكافر إذا قال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وأن كل ما جاء به محمد ﷺ حق وأبرأ إلى الله من كل دين يخالف دين الإسلام، وهو بالغ صحيح يعقل، أنه مسلم" (^٣).
• قال عبد القادر الجيلاني (ت: ٥٨٧ هـ) ﵀: "الذي يجب على من يريد الدخول في دين الإسلام أولًا أن يتلفظ بالشهادتين لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويتبرأ من كل دين غير دين الإسلام، ويعتقد بقلبه وحدانية الله تعالى" (^٤).
_________________
(١) كشف ما ألقاه إبليس من البهرج والتلبيس على قلب داود بن جرجيس ص ٥٥.
(٢) الدرر السنية في الأجوبة النجدية ١٤/ ٢٠.
(٣) الإجماع ص ١٥٤.
(٤) الغنية للجيلاني (١/ ٢).
[ ٢٢١ ]
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "إن السلف والأئمة متفقون على أن أول ما يؤمر به العبد الشهادتان، ومتفقون على أن من فعل ذلك قبل البلوغ لم يؤمر بتجديد ذلك عقب البلوغ" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "إن السلف والأئمة متفقون على أن أول ما يؤمر به العباد الشهادتان" (^٢).
ولا يقدح في هذا الإجماع ما يذكره بعض أصحاب المذاهب الأربعة ممن تأثر بعلم الكلام في نسبة القول بأن أول واجب على المكلف هو المعرفة والنظر إلى الأصحاب، ويعني به أصحاب المذهب، وهو في الحقيقة قول من تأثر به من أصحاب الكلام.
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "ولما كان الكلام في هذه الأبواب المبتدعة مأخوذة في الأصل عن المعتزلة والجهمية ونحوهم، وقد تكلم هؤلاء في أول الواجبات: هل هو النظر، أو القصد، أو الشك، أو المعرفة؟ صار كثير من المنتسبين إلى السنة، المخالفين للمعتزلة في جمل أصولهم، يوافقونهم على ذلك، ثم الواحد من هؤلاء إذا انتسب إلى إمام من أئمة العلم كمالك، وأبي حنيفة، والشافعي (ت: ٢٠٤ هـ)، وأحمد، وصنف كتابا في هذا الباب يقول فيه: (قال أصحابنا) و(اختلف أصحابنا)، فإنما يعني بذلك أصحابه الخائضين في هذا الكلام، وليسوا من هذا الوجه من أصحاب ذلك الإمام .. " (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الصحيح: أن أول واجب يجب على المكلف: شهادة أن لا إله إلا الله، لا النظر، ولا القصد إلى
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل (١١/ ٨).
(٢) درء تعارض العقل والنقل (٨/ ١١).
(٣) درء تعارض العقل والنقل (٨/ ٣).
[ ٢٢٢ ]
النظر، ولا الشك - كما هي أقوال لأرباب الكلام المذموم (^١). " (^٢).
• قال ابن أبي العز (ت: ٧٩٢ هـ) ﵀: "الصحيح أن أول واجب يجب على المكلف شهادة أن لا إله إلا الله، لا النظر، ولا القصد إلى النظر، ولا الشك، فالتوحيد أول ما يدخل به في الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا، فهو أول واجب وآخر واجب" (^٣).
• قال محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي (ت ١٢٠٦ هـ) ﵀ في رده على محمد بن عباد في هذا الجانب: "قولك أول واجب على كل ذكر وأنثى النظر في الوجود ثم معرفة العقيدة ثم علم التوحيد، وهذا خطأ وهو من علم الكلام الذي أجمع السلف على ذمه، وإنما الذي أتت به الرسل أول واجب هو التوحيد ليس النظر في الوجود ولا معرفة العقيدة كما ذكرته أنت في الأوراق أن كل نبي يقول
_________________
(١) يقول القاضي عبد الجبار المعتزلي: "إن سأل سائل فقال: ما أول ما أوجب الله عليك؟ فقل النظر المؤدي إلى معرفة الله تعالى؛ لأنه تعالى لا يعرف ضرورة ولا بالمشاهدة، فيجب أن نعرفه بالتفكير والنظر". المحيط بالتكليف» للقاضي عبد الجبار (ص: ٢٦)، و«شرح الأصول الخمسة» له (ص: ٧٠، ٧٦). ويقول عبد القاهر البغدادي: "الصحيح عندنا قول من يقول: إن أول الواجبات على المكلف النظر والاستدلال المؤديات إلى المعرفة بالله تعالى وبصفاته وتوحيده وعدله وحكمته، ثم النظر والاستدلال المؤديان إلى جواز إرسال الرسل منه، وجواز تكليف العباد ما شاء، ثم النظر المؤدي إلى وجوب الإرسال والتكليف منه، ثم النظر المؤدي إلى تفصيل أركان الشريعة، ثم العمل بما يلزمه منها على شروطه" «أصول الدين» للبغدادي (ص: ٧٥). ويقول الجويني: "أول ما يجب على العاقل البالغ - باستكمال سن البلوغ أو الحلم شرعًا - القصد إلى النظر الصحيح المفضي إلى العلم بحدوث العالم .. " «الشامل» للجويني (ص: ٢٦).
(٢) مدارج السالكين ٣/ ٤١١ - ٤١٢.
(٣) شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (١/ ٢١ - ٢٣).
[ ٢٢٣ ]
لقومه: ﴿اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾ [المؤمنون: الآية: ٣٢] " (^١).
المطلب الثامن عشر: التوحيد هو حق الله على العبيد.
• قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ *مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِنْ رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ الله هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِالْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨] والمعنى: ما خلقت الجن والإنس إلا ليُوحِّدونِ (^٢).
• عن معاذ بن جبل (ت: ١٨ هـ) ﵁-أن النبي-ﷺ-قال: له: «يا معاذ هل تدري ما حق الله على عباده»؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا»، ثم سار ساعة ثم قال: «يا معاذ، هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوه؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «حقّ العباد على الله أن لا يعذِّبَ من لا يشرك به شيئًا» (^٣).
• قال أبو إسحاق أحمد الثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ) ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ قال علي بن أبي طالب (ت: ٤٠ هـ) ﵀: معناه إلاّ لآمرهم أن يعبدوني، وأدعوهم إلى عبادتي،
_________________
(١) الرسائل الشخصية- الرسالة الثانية ص ١٦، والدرر السنية في الأجوبة النجدية ١/ ٦٧.
(٢) الجامع لأحكام القرآن الكريم، للقرطبي، ١٧/ ٥٧.
(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب اللباس، باب إرداف الرجل خلف الرجل، ٧/ ٨٩، برقم ٥٩٦٧، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة، قطعًا، ١/ ٥٨، برقم ٣٠، واللفظ للبخاري، برقم ٢٨٥٦، ورقم ٦٥٠٠.
[ ٢٢٤ ]
واعتمد الزجاج هذا القول، ويؤيده قوله: ﴿وَمَآ أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [التوبة: الآية: ٣١] وقوله: ﴿وَمَآ أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: الآية: ٥]. قال ابن عباس: ليقرّوا لي بالعبودية طوعًا أو كرهًا.
ووجه الآية في الجملة أنّ الله تعالى لم يخلقهم للعبادة خلق جبلة وإجبار وإنّما خلقه لهم خلق تكليف واختيار، فمن وفّقه وسدّده أقام العبادة التي خُلق لها، ومن خذله وطرده حرمها وعمل بما خلق لها" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "ولكن عبادته وحده حق استحقه عليهم لذاته، كما قال: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (٥٦) ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون (٥٧) إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨]، فأخبر أنه إنما خلق الخلق لعبادته، وأخبر أن الذي خلقه لهم وأمره بهم ورضيه وأحبه وأراده بأمره منهم هو عبادته، لم يرد منهم رزقا ولا أن يطعموه، والرزق يعم كل ما ينتفع به الحي ظاهرا وباطنا، فلم يرد منهم ما يريده السادة والمخلوقون من عبادهم، من جلب المنفعة إليهم التي هي الرزق.
• قال تعالى: ﴿ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون (٧٤) ونزعنا من كل أمة شهيدا﴾ [القصص الآية: ٧٤ - ٧٥].
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فأخبر تعالى أنهم علموا يومئذ أن الحق لله، وأن أولئك الشركاء الذين اتخذوهم من دون الله لم يكن لهم في ذلك الحق شي، بل كان دعواهم أن لهم حقا افتراء افتروه، فضل عنهم وقت الحقيقة ما افتروه" (^٢).
_________________
(١) تفسير الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي (تفسير سورة الذاريات الآية: ٥٦).
(٢) جامع المسائل ١/ ٢٣٦ - ٢٣٧.
[ ٢٢٥ ]
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "قال ﷺ في الحديث المشهور في السنن من رواية فقيهي الصحابة: عبد الله بن مسعود (ت: ٣٢ هـ) ﵁، وزيد بن ثابت (ت: ٤٥ هـ) ﵁: «ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر ولزوم جماعة المسلمين؛ فإن دعوتهم تحيط من ورائهم» وفي حديث أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) -رضي الله تعالى عنه-المحفوظ: «إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم». فقد جمع في هذه الأحاديث بين الخصال الثلاث؛ إخلاص العمل لله ومناصحة أولي الأمر ولزوم جماعة المسلمين، وهذه الثلاث تجمع أصول الدين وقواعده وتجمع الحقوق التي لله ولعباده، وتنتظم مصالح الدنيا والآخرة. وبيان ذلك أن الحقوق قسمان: حق لله وحق لعباده، فحق الله أن نعبده ولا نشرك به شيئا، كما جاء لفظه في أحد الحديثين؛ وهذا معنى إخلاص العمل لله، كما جاء في الحديث الآخر. وحقوق العباد قسمان: خاص وعام؛ أما الخاص فمثل بر كل إنسان والديه، وحق زوجته وجاره؛ فهذه من فروع الدين؛ لأن المكلف قد يخلو عن وجوبها عليه؛ ولأن مصلحتها خاصة فردية.
وأما الحقوق العامة فالناس نوعان: رعاة ورعية؛ فحقوق الرعاة مناصحتهم؛ وحقوق الرعية لزوم جماعتهم؛ فإن مصلحتهم لا تتم إلا باجتماعهم، وهم لا يجتمعون على ضلالة؛ بل مصلحة دينهم ودنياهم في اجتماعهم واعتصامهم بحبل الله جميعا؛ فهذه الخصال تجمع أصول الدين. وقد جاءت مفسرة في الحديث الذي رواه مسلم عن تميم الداري قال: قال رسول الله ﷺ «الدين النصيحة الدين النصيحة الدين النصيحة». قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة
[ ٢٢٦ ]
المسلمين وعامتهم». فالنصيحة لله ولكتابه ولرسوله تدخل في حق الله وعبادته وحده لا شريك له، والنصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم هي مناصحة ولاة الأمر ولزوم جماعتهم، فإن لزوم جماعتهم هي نصيحتهم العامة، وأما النصيحة الخاصة لكل واحد منهم بعينه، فهذه يمكن بعضها ويتعذر استيعابها على سبيل التعيين" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "واعلم أن هذا حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، كما في الحديث الصحيح الذي رواه معاذ (ت: ١٨ هـ) عن النبي ﷺ أنه قال: «أتدري ما حق الله على عباده؟». قال قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا؛ أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟» قال قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «حقهم أن لا يعذبهم» " (^٢).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "هذه الغاية، التي خلق الله الجن والإنس لها، وبعث جميع الرسل يدعون إليها، وهي عبادته، المتضمنة لمعرفته ومحبته، والإنابة إليه والإقبال عليه، والإعراض عما سواه، وذلك يتضمن معرفة الله تعالى، فإن تمام العبادة، متوقف على المعرفة بالله، بل كلما ازداد العبد معرفة لربه، كانت عبادته أكمل، فهذا الذي خلق الله المكلفين لأجله، فما خلقهم لحاجة منه إليهم" (^٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١/ ١٨ - ١٩.
(٢) مجموع الفتاوى ١/ ٢٣.
(٣) تفسير تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي، (تفسير سورة الذاريات الآية: ٥٦).
[ ٢٢٧ ]
المطلب التاسع عشر: التوحيد برهان على أن الحق واحد وهو الصراط المستقيم.
• قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: الآية: ١٥٣].
• قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾﴾ [الحج: الآية: ٦٢]،
• قال تعالى: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: الآية: ٣٩]،
ودين الحق واحد، وهو دين الإسلام، وبقية الأديان باطلة،
• قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: الآية: ٨٥].
• قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: الآية: ٣٣].
فالأدلة متوافرة على أن الدين واحد، وهو الصراط الموصل إلى الله، وأن منهجه، وسبيله، التوحيد، فالإسلام واحد، فالله تعالى هو الإله الحق الواحد، ومن يعبدونه، ويوحدونه هم أهل الحق، والآلهة الأخرى باطلة، وعابدوها على الباطل.
فطريق الحق واحد، وهو طريق الله، وهو طريق الهداية، وهو طريق الإسلام، وهو طريق الاستقامة، وسبُل الضلال كثيرة خبيثة، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة: الآية: ١٠٠].
فالحق واحد، وهو صراط الله المستقيم، الذي أُمرنا بالتمسك به،
[ ٢٢٨ ]
فأفرد الله الصراط، وجمع السبُل، وأمرنا أن نسأله ذلك في كل صلاة ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ؟ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧] فهو احد، وقال؟: قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ [الحجر: الآية: ٤١].
• عن عبد الله بن مسعود (ت: ٣٢ هـ) ﵁-قال: "خط رسول الله ﷺ خطًّا بيده، ثم قال: «هذا سبيل الله مستقيمًا، ثم خطّ عن يمينه وشماله، ثم قال: هذه السبل، وليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأأ النبي ﷺ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: الآية: ١٥٣]، بعد ذلك قال: «ثمّ خط عن يمينه وشماله، ثم قال: هذه السُبل، وليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: الآية: ١٥٣]» (^١).
• وسئل صديق الأمة وأعظمها استقامة أبو بكر الصديق (ت: ١٣ هـ) ﵁-عن الاستقامة فقال: "ألا تشرك بالله شيئًا". قال محمد بن يعقوب الفيروزأبادي (ت: ٨١٧ هـ) ﵀: "يريد الاستقامة على محض التوحيد" (^٢).
• قال عثمان بن عفان (ت: ٣٥ هـ) ﵁: "استقاموا: أخلصوا العمل لله" (^٣).
• قال مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀: "استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله حتى لحقوا بالله" (^٤).
_________________
(١) رواه أحمد: ٤١٤٢، وابن حبان: ٧، وصححه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان ١/ ١٤٧. وهو حديث حسن صحيح.
(٢) بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز ٤/ ٣١٢.
(٣) مدارج السالكين ٢/ ١٠٤.
(٤) مدارج السالكين ٢/ ١٠٤.
[ ٢٢٩ ]
• قال محمد بن المنكدر (ت: ١٣٠ هـ) ﵀: "كابدت نفسي أربعين سنة حتى استقامت" (^١).
• قال سفيان الثوري (ت: ١٦١ هـ) ﵀: "نحن اليوم على الطريق، فإذا رأيتمونا قد أخذنا يمينًا أو شمالًا فلا تقتدوا بنا" (^٢).
• قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "صار المتمسكون بالإسلام المحض الخالص عن الشَّوب، هم أهل السنة والجماعة، وفيهم الصديقون، والشهداء، والصالحون، ومنهم أعلام الهدى، ومصابيح الدجى، وهم الطائفة المنصورة" (^٣).
• قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "إن الحق واحد، ولا يخرج عما جاءت به الرسل، وهو الموافق لصريح العقل فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا" (^٤).
• قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "غاية الكرامة لزوم الاستقامة، فلم يكرم الله عبدا بمثل أن يعينه على ما يحبه ويرضاه ويزيده مما يقربه إليه ويرفع به درجته " (^٥).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "والمقصود أن طريق الحق واحد إذ مرده إلى الله الملك الحق، وطرق الباطل متشعبة، ومتعددة" (^٦).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "والمقصود أن الطريق إلى الله
_________________
(١) صفوة الصفوة ٢/ ١٤١.
(٢) أخبار الشيوخ للمروذي (٩٩).
(٣) العقيدة الواسطية: ١/ ٣٢.
(٤) منهاج السنة النبوية: ٥/ ١٩٠.
(٥) مجموع الفتاوى ١١/ ٢٩٨.
(٦) بدائع الفوائد: ١/ ١٢٧.
[ ٢٣٠ ]
تعالي واحد، فإنه الحق المبين، والحق واحد، مرجعه إلى واحد، وأما الباطل والضلال فلا ينحصر، بل كل ما سواه باطل، وكل طريق إلى الباطل فهو باطل، فالباطل متعدد وطرقه متعددة" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الحق واحد، وهو صراط الله المستقيم الذي لا صراط يوصل إليه سواه، وهو عبادته وحده لا شريك له، بما شرعه على لسان رسوله-ﷺ، لا بالأهواء والبدع وطرق الخارجين عما بعث به رسوله من الهدى ودين الحق؛ بخلاف طرق الباطل؛ فإنها متعددة متشعبة. ولهذا يفرد ﷾ الحق، ويجمع الباطل، كقوله: ﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات﴾ [البقرة: الآية: ٢٥٧]
وقال تعالى: ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾ [الأنعام: الآية: ١٥٣] " (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "إِنَّمَا يُكْرِمُ الله مَنْ يُكْرِمُهُ بِمَعْرِفَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَطَاعَتِهِ، وَيُهِينُ مَنْ يُهِينُهُ بِالْإِعْرَاضِ عنه؛ فالإكرام والإهانة لا يدوران على المال وسعة الرزق وتقديره، فإنه سبحانه يوسع على الكافر ويقتر على المؤمن لا لإهانته" (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "على قدر ثبوت قدم العبد على هذا الصراط في هذه الدار، يثبت على الصراط في الآخرة" (^٤).
• قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "أصل الاستقامة استقامة
_________________
(١) طريق الهجرتين ص ١٦٢.
(٢) اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية ص: ٤٣.
(٣) مدارج السالكين ١٧٢.
(٤) مدارج السالكين ١/ ١٦.
[ ٢٣١ ]
القلب على التوحيد، وقد فسر أبو بكر ﵁ الاستقامة في قوله تعالى: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا﴾، بأنهم لم يلتفتوا إلى غيره" (^١). والصديق-﵁-استقى هذا المعنى من آيتين في كتاب الله تعالى .. الآية الأولى: قول الله عن عيسى ﵇ لقومه: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران: الآية: ٥٢]. والثانية: ﴿ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين * وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم﴾ [يس: الآيات: ٦٠ - ٦١].
• قال محمد بن يعقوب الفيروزأبادي (ت: ٨١٧ هـ) ﵀: "أجمع العقلاء على أن قولنا: لا إله إلا الله يوجب التوحيد المحض" (^٢).
• قال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ): "السوء لا ينال الناس إلا بأعمالهم؛ لقوله تعالى: ﴿بما قدمت أيديكم﴾، فالمصائب الدينية والدنيوية كلها بسبب أعمالنا نحن، فلو استقمنا استقامت لنا الأمور: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم﴾ [الأنفال: الآية: ٢٩] " (^٣).
المطلب العشرون: التوحيد مصدر كل هداية.
• قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: الآية: ٨٢].
_________________
(١) جامع العلوم ١٩٣.
(٢) بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز ٢/ ١٢.
(٣) تفسير سورة الروم ص ٢١٧.
[ ٢٣٢ ]
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿الذين آمنوا﴾ برب واحد، ﴿ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾، يعني ولم خلطوا تصديقهم بشرك، فلم يعبدوا غيره، ﴿أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾ من الضلالة" (^١).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: " ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ فإنه يعني: هؤلاء الذين آمنوا ولم يخلطوا إيمانهم بشرك، لهم الأمن يوم القيامة من عذاب الله، ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ يقول: وهم المصيبون سبيل الرشاد والسالكون طريق النجاة" (^٢).
• قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: " ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا﴾ يعني: يخلطوا ﴿إيمانهم بظلم﴾ بشرك ﴿أولئك لهم الأمن﴾ يوم القيامة ﴿وهم مهتدون﴾ في الدنيا" (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الهداية لا نهاية لها ولو بلغ العبد فيها ما بلغ ففوق هدايته هداية أخرى وفوق تلك الهداية هداية أخرى إلى غير غاية" (^٤).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "قال الله تعالى فاصلا بين الفريقين ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا﴾ أي: يخلطوا ﴿إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾ الأمن من المخاوف والعذاب والشقاء، والهداية إلى الصراط المستقيم، فإن كانوا
_________________
(١) تفسير مقاتل بن سليمان. (سورة الأنعام: الآية: ٨٢].
(٢) تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري. (سورة الأنعام: الآية: ٨٢].
(٣) تفسير ابن أبي زمنين. (سورة الأنعام: الآية: ٨٢].
(٤) الفوائد ١/ ١٣٠.
[ ٢٣٣ ]
لم يلبسوا إيمانهم بظلم مطلقا، لا بشرك، ولا بمعاص، حصل لهم الأمن التام، والهداية التامة. وإن كانوا لم يلبسوا إيمانهم بالشرك وحده، ولكنهم يعملون السيئات، حصل لهم أصل الهداية، وأصل الأمن، وإن لم يحصل لهم كمالها" (^١).
المطلب الواحد والعشرون: التوحيد هو قلب الإيمان.
• قال سهل التستري (ت: ٢٨٣ هـ) ﵀: "قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾ [آل عمران: الآية: ٢٠٠] قال: الإيمان أربعة أركان: الأول التوكل على الله، والثاني الاستسلام لأمره، والثالث الرضا بقضائه، والرابع الشكر لنعمائه والتقوى.
واليقين قلب الإيمان، والصبر عماد الإيمان، والإخلاص كمال الإيمان، لأن العبد بالإخلاص ينال التصديق، وبالتصديق ينال التحقيق، وبالتحقيق يصل إلى الحق. والإخلاص ثمرة اليقين، لأن اليقين مشاهدة السر، فمن لم تكن له مشاهدة السر مع مولاه لم يخلص عمله لله، والله ﷾ أعلم" (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وتوحيد الله وإخلاص الدين له في عبادته واستعانته في القرآن: كثير جدا بل هو قلب الإيمان وأول
_________________
(١) تفسير تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، لابن سعدي. (سورة الأنعام: الآية: ٨٢].
(٢) تفسير التستري المقدمة ص ٥٢.
[ ٢٣٤ ]
الإسلام وآخره. كما قال النبي ﷺ «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله» (^١)، وقال: «إني لأعلم كلمة لا يقولها عند الموت أحد إلا وجد روحه لها روحا» (^٢)، وقال: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله: وجبت له الجنة» (^٣)، وهو قلب الدين والإيمان. وسائر الأعمال كالجوارح له" (^٤).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فالإيمان قلب الإسلام ولبه، واليقين قلب الإيمان ولبه، وكل علم وعمل لا يزيد الإيمان واليقين قوة فمدخول، وكل إيمان لا يبعث على العمل فمدخول" (^٥).
المطلب الثاني والعشرون: كلمة التوحيد أحد أصلي الإيمان.
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: قوله: «أما بعد، فإن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» (^٦). فعلم بذلك كمال موقع هذا الكلام من الدين، وذلك لأنه مشتمل على أصلي الإيمان: شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدا رسول الله، على الإيمان بالله ورسله، فبين فيه جماع أمور الدين،
_________________
(١) رواه البخاري (٢٥) ومسلم (٢٢).
(٢) أخرجه النسائي في «السنن الكبرى» (١٠٩٣٧)، وأحمد (١٨٧) باختلاف يسير.
(٣) رواه أحمد (٢١٥٢٩) وأبو داود (٣١١٦) وحسنه الألباني في "إرواء الغليل" (٦٨٧).
(٤) مجموع الفتاوى ١/ ٧٠.
(٥) الفوائد ١/ ١٢٤.
(٦) أخرجه النسائي في «المجتبى» (٣/ ١٨٨)، وأحمد (٣/ ٣١٠) باختلاف يسير ..
[ ٢٣٥ ]
فإنها نوعان: قول وعمل، كما قال عبد الله بن مسعود (ت: ٣٢ هـ) ﵁: "إنما هما شيئان: الكلام والهدي" (^١) " (^٢).
المطلب الثالث والعشرون: التوحيد قطب رحى الإسلام.
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "و"لا إله إلا الله" تقتضي الإخلاص والتوكل. والإخلاص يقتضي الشكر. فهي أفضل الكلام. وهي أعلى شعب الإيمان. كما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال «الإيمان بضع وستون-أو بضع وسبعون-شعبة. أعلاها: قول لا إله إلا الله. وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان» (^٣). ف " لا إله إلا الله " هي قطب رحى الإيمان وإليها يرجع الأمر كله" (^٤).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والعبادة تجمع غاية الحب
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه (١/ ١٨، رقم ٤٦) قال البوصيرى (١/ ١٠): هذا إسناد ضعيف عبيد بن ميمون أبو عبيد قال فيه أبو حاتم مجهول، وإخرجه الطبراني في الصغير برقم ٢٦٠٦ ورمز لحسنه، وقال الزين العراقى: إسناده جيد. وقال شعيب الأرنؤوط في تحقيقه لسنن ابن ماجة (١/ ٣٢): "صحح موقوفًا أكثره عن ابن مسعود، وهذا إسناد قابل للتحسين، عبيد بن ميمون روى عنه اثنان وذكره ابن حبان في "ثقاته"، وباقي رجاله ثقات. والصواب أن أكثر هذه الكلمات موقوفة على ابن مسعود من قوله غير آخره في الكذب والصدق فمرفوع. وانظر تمام تخريجه في "مسند أحمد" (٣٨٩٦).
(٢) جامع المسائل ٨/ ٢١٣ ..
(٣) أخرجه البخاري (٩) ومسلم (٣٥) (٥٨) واللفظ له من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) مجموع الفتاوى ١٤/ ٤٢١.
[ ٢٣٦ ]
وغاية الذل، فيحبون الله بأكمل محبة، ويذلون له أكمل ذل، ولا يعدلون به، ولا يجعلون له أندادا، ولا يتخذون من دونه أولياء ولا شفعاء.
كما قد بين القرآن هذا التوحيد في غير موضع، وهو قطب رحى القرآن الذي يدور عليه [القرآن] وهو يتضمن التوحيد في العلم والقول، والتوحيد في الإرادة والعمل" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "قال تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة﴾ الآية [البينة: الآية: ٥]. ونظائر هذا فى القرآن كثير، وكذلك في الأحاديث، وكذلك في إجماع الأمة، ولاسيما أهل العلم والإيمان منهم، فإن هذا عندهم قطب رحى الدين كما هو الواقع" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "مدار رحى الإسلام على أن يرضى العبد بعبادة ربه وحده، وأن يسخط عبادة غيره. والعبادة هي الحب مع الذل. فكل من ذللت له وأطعته وأحببته دون الله، فأنت عابد له" (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الموحد مبين لحقائق أسمائه وكمال أوصافه وذلك قطب رحى التوحيد؛ فالمعطل يعبد عدما، والممثل يعبد صنما؛ والموحد يعبد ربا ليس كمثله شيء له الأسماء الحسنى والصفات العلى وسع كل شيء رحمة وعلما" (^٤).
• قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ
_________________
(١) منهاج السنة ٣/ ٢٩٠ ..
(٢) قاعدة جامعة في توحيد الله وإخلاص الوجه والعمل له عبادة واستعانة ص ٢٩.
(٣) مدارج السالكين ٢/ ١٧٩.
(٤) الصواعق المرسلة ١/ ١٤٨.
[ ٢٣٧ ]
(ت: ١٢٩٣ هـ) ﵀: "قلب رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا؛ فإن الرضا بهذه الأصول الثلاثة قطب رحى الدين، وعليه تدور حقائق العلم واليقين، وذلك يتضمن من محبة الله، وإيثار مرضاته، والغيرة لدينه، والانحياز إلى أوليائه، ما يوجب البراءة، كل البراءة، والتباعد، كل التباعد، عمن تلك نحلته، وذاك دينه" (^١).
• قال الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن قاسم (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀: "بين القرآن هذا التوحيد في غير موضع، وهو قطب رحى القرآن الذي يدور عليه القرآن" (^٢).
المطلب الرابع والعشرون: التوحيد أشرف العلوم وأفضلها على الإطلاق.
• عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁-عن رسول الله-ﷺ: «الإيمان بضع وستون خصلة، أكبرها شهادة أن لا إله إلا الله وأصغرها إماطة الأذى عن الطريق» (^٣).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "إن قال قائل: أى أنواع الذكر أفضل؛ فإن ذلك أنواع كثيرة، منها التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير؟ قيل: أعلى ذلك وأشرفه الكلمة التى لا يصح لأحد عمل إلا بها، ولا إيمان إلا بالإقرار بها، وذلك التهليل، وهو لا إله إلا الله" (^٤).
_________________
(١) آل الرسول وأولياؤه ص ١٤.
(٢) عيون الرسائل والأجوبة على المسائل ١/ ٢١٢.
(٣) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (٨٣٦٢).
(٤) شرح صحيح البخاري لابن بطال ١٠/ ١٣٩.
[ ٢٣٨ ]
• قال علي بن خلف بن عبد الملك ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) ﵀: "تمام الإيمان وتمام العلم إنما هو المعرفة بالله ورسله، ومعرفة الدلالة على ذلك" (^١).
• قال الشيخ أبو إسماعيل الأنصاري (ت: ٤٨١ هـ) ﵀: "أشرف علوم الخلائق، علم الأمر والنهى، وعلم الأسماء والصفات والتوحيد، وعلم المعاد واليوم الآخر" (^٢).
• قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "شرف العلم بشرف المعلوم، فمهما كان المعلوم أشرف كان العلم الحاصل به أشرف، ولما كان أشرف المعلومات ذات الباري تعالى وصفاته، وجب أن يكون معرفته وتوحيده أشرف العلوم.
ثم إن العلم إما أن يكون دينيًا، أو يكون غير ديني. ولا شك أن العلم الديني أشرف من غير الديني. وأما العلم الديني فأما أن يكون علم الأصول أو ما عداه. أما ما عداه على الأصول فإن صحته متوقفة على صحة علم الأصول، لأن المفسر إنما يبحث عن معاني كلام الله تعالى، وذلك فرع على معرفة الصانع المختار المتكلم. وأما المتحدث فإنما يبحث عن كلام رسول الله-ﷺ، وذلك فرع على إثبات نبوته. والفقيه يبحث عن أحكام الله تعالى، وذلك فرع على ثبوت التوحيد والنبوة. فثبت أن هذه العلوم مفسرة إلى علم الأصول. وظاهر أن علم الأصول غني عنها بأسرها، فوجب أن يكون علم الأصول أشرف" (^٣).
• قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "وأشرف المعارف
_________________
(١) شرح صحيح البخاري لابن بطال ٣/ ٤٤ - ٤٥.
(٢) بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز ٥/. ٤٠٢.
(٣) قواعد الأحكام في مصالح الأنام ١/ ١٢٤.
[ ٢٣٩ ]
وأجلها معرفة أنه لا إله إلا هو" (^١).
• قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "شرف العلم بشرف المعلوم فمهما كان المعلوم أشرف كان العلم الحاصل به أشرف فلما كان أشرف المعلومات ذات الله تعالى وصفاته وجب أن يكون العلم المتعلق به أشرف العلوم" (^٢).
• قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "فإن أشرف كلمة يذكرها الإنسان هي هذه الكلمة، فإذا كان في أكثر الأوقات مشتغلًا بذكرها وبتكريرها كان مشتغلًا بأعظم أنواع العبادات، فكان الغرض من التكرير في هذه الآية حث العباد على تكريرها" (^٣).
• قال العز بن عبد السلام (ت: ٦٣٩ هـ) ﵀: "وكذلك معرفة التوحيد أفضل المعارف، واعتقاده أفضل الاعتقادات" (^٤).
• قال العز بن عبد السلام (ت: ٦٣٩ هـ) ﵀: "وقد «سئل-﵇-أي الأعمال أفضل؟ فقال: «إيمان بالله»، قيل: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله»، قيل ثم أي؟ قال: «حج مبرور» (^٥).
جعل الإيمان أفضل الأعمال لجلبه لأحسن المصالح، ودرئه لأقبح المفاسد، مع شرفه في نفسه وشرف متعلقه، ومصالحه ضربان:
أحدهما عاجلة وهي إجراء أحكام الإسلام، وصيانة النفوس والأموال والحرم والأطفال.
_________________
(١) تفسير مفاتح الغيب للرازي (سورة النحل: الآية: ٢).
(٢) تفسير مفاتح الغيب للرازي (سورة البقرة: الآية: ٢١).
(٣) تفسير الرازي ٧/ ٢٢١.
(٤) قواعد الأحكام في مصالح الأنام ١/ ٣٥.
(٥) أخرجه مسلم برقم (٨٣).
[ ٢٤٠ ]
والثاني: آجلة وهو خلود الجنان ورضاء الرحمن" (^١).
• قال العز بن عبد السلام (ت: ٦٣٩ هـ) ﵀: "تعليم ما يجب تعليمه، وتفهيم ما يجب تفهيمه، يختلف باختلاف رتبه وهذان قسمان: أحدهما: وسيلة إلى ما هو مقصود في نفسه، كتعريف التوحيد وصفات الإله؛ فإن معرفة ذلك من أفضل المقاصد والتوسل إليه من أفضل الوسائل.
القسم الثاني: ما هو وسيلة إلى وسيلة كتعليم أحكام الشرع، فإنه وسيلة إلى العلم بالأحكام التي هي وسيلة إلى إقامه الطاعات، التي هي وسائل إلى المثوبة والرضوان، وكلاهما من أفضل المقاصد" (^٢).
قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وإنما العلم الأعلى هو العلم بالله، والله هو الأعلى على كل شيء من كل وجه، كما قال سبحانه: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى: الآية: ١]، فالعلم به أعلى العلوم، وإرادة وجهه أفضل الإرادات، ومحبته أفضل المحبات" (^٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "ولهذا ورد في فضل هذه الكلمة شهادة أن لا إله إلا الله من الدلائل ما يضيق هذا الموضع عن ذكره وهي أفضل الكلام وما فيها من العلم والمحبة أفضل العلوم والمحبات كالحديث الذي في السنن «أفضل الذكر لا إله ألا الله» (^٤). " (^٥).
_________________
(١) قواعد الأحكام في مصالح الأنام ١/ ٥٤.
(٢) تفسير الرازي ٧/ ٢٢١.
(٣) الرد على الشاذلي بن حزبية ١/ ٢٤٢.
(٤) قاعدة في المحبة ص ١٣.
(٥) سنن الترمذي (٣٣٨٣) وحسنه، وابن ماجة (٣٨٠٠)، وابن حبان (٨٤٦)، والحاكم (١٨٣٤)، والنسائي في "السنن الكبرى" (١٠٥٩٩)، وحسنه الألباني في "صحيح الترمذي".
[ ٢٤١ ]
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "معرفة رب العالمين غاية المعارف، وعبادته أشرف المقاصد، والوصول إليه غاية المطالب، بل هذا خلاصة الدعوة النبوية، وزبدة الرسالة الإلهية" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "لما كان العلم للعمل قرينا وشافعًا، وشرفه لشرف معلومه تابعًا، كان أشرف العلوم على الإطلاق علم التوحيد" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "إن شرف العلم تابع لشرف معلومه، لوثوق النفس بأدلة وجوده وبراهينه ولشدة الحاجة إلى معرفته وعظم النفع بها.
ولا ريب أن أجل معلوم وأعظمه وأكبره هو الله الذي لا إله إلا هو رب العالمين، وقيوم السموات والأرضين، الملك الحق المبين، الموصوف بالكمال كله، المنزه عن كل عيب ونقص وعن كل تشبيه وتمثيل في كماله.
فلا ريب أن العلم به وبأسمائه وصفاته وأفعاله أجل العلوم وأفضلها، ونسبته إلى سائر العلوم كنسبة معلومه إلى سائر المعلومات" (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فإن قيل: فالعلم إنما هو وسيلة إلى العمل ومراد له، والعمل هو الغاية، ومعلوم أن الغاية أشرف من الوسيلة، فكيف تفضل الوسائل على غاياتها؟
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٢/ ١٣.
(٢) إعلام الموقعين ١/ ٤.
(٣) مفتاح دار. السعادة ١/ ٨٦.
[ ٢٤٢ ]
قيل: كل من العلم والعمل ينقسم إلى قسمين، منه ما يكون وسيلة، ومنه ما يكون غاية، فليس العلم كله وسيلة مرادة لغيرها، فإن العلم بالله وأسمائه وصفاته هو أشرف العلوم على الإطلاق وهو مطلوب لنفسه مراد لذاته، قال الله تعالى: ﴿الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما﴾ [الطلاق: الآية: ١٢] فقد أخبر سبحانه أنه خلق السموات والأرض ونزل الأمر بينهن ليعلم عباده أنه بكل شي عليم، وعلى كل شي قدير فهذا العلم هو غاية الخلق المطلوبة، وقال تعالى: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ [محمد: الآية: ١٩] فالعلم بوحدانيته تعالى وأنه لا إله إلا هو مطلوب لذاته وإن كان لا يكتفى به وحده، بل لابد معه من عبادته وحده لا شريك له، فهما أمران مطلوبان لأنفسهما.
الأمر الأول: أن يعرف الرب تعالى بأسمائه، وصفاته وأفعاله وأحكامه.
والأمر الثاني: أن يعبد بموجبها ومقتضاها.
فكما أن عبادته مطلوبة مرادة لذاتها، فكذلك العلم به ومعرفته أيضا، فإن العلم من أفضل العبادات" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "مراتب العلمُ به سبحانه خمس مراتب:
١ - العلم بذاته، ٢ - وصفاته، ٣ - وأفعاله، ٤ - وأسمائه، ٥ - وتنزيهه عما لا يليق به" (^٢).
_________________
(١) مفتاح دار. السعادة ١/ ١٧٨.
(٢) مدارج السالكين ١/ ١٢٨.
[ ٢٤٣ ]
• قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "فأفضل العلم العلم بالله وهو العلم بأسمائه وصفاته وأفعاله التي توجب لصاحبها معرفة الله وخشيته ومحبته وهيبته وإجلاله وعظمته والتبتل إليه والتوكل عليه والصبر والرضا عنه والاشتغال به دون خلقه.
وتبع ذلك العلم بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتفاصيل ذلك والعلم بأوامر الله ونواهيه وشرائعه وأحكامه، وما يحبه من عباده من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
ومن جمع هذه العلوم فهو من العلماء الربانيين، العلماء بالله العلماء بأمره وهم أكمل ممن قصر علمه على العلم بالله دون العلم بأمره، وبالعكس" (^١).
• قال محمد بن يعقوب الفيروزأبادي (ت: ٨١٧ هـ) ﵀: "فإن لكل علم حدا لا يتجاوزه، ولكل عالم ناموسا لا يخل به؛ فمن الوجوه المغلطة أن يظن فى العلم فوق غايته؛ كما يظن بالطب أنه يبرئ جميع الأمراض؛ وليس كذلك، فإن كثيرًا من الأمراض لا يبرأ بالمعالجة.
ومنها أن يظن بالعلم فوق مرتبته في الشرف؛ كما يظن بالفقه أنه أشرف العلوم على الإطلاق؛ وليس كذلك؛ فإن التوحيد والعلم الإلهى أشرف منه قطعا" (^٢).
• قال الملا علي القاري (ت: ١٠١٤ هـ) ﵀: "علم التوحيد أفضل العلوم وأكملها، وعالم هذا العلم. أفضل العلماء، وبهذا السبب خصهم الله بالذكر في أجل المراتب فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ
_________________
(١) شرح حديث أبي الدرداء لابن رجب (ص ٤١).
(٢) بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز ١/ ٤٥.
[ ٢٤٤ ]
وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: الآية: ١٨] " (^١).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀، عند تفسير قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: الآية: ١٨]: "وفي هذا دليل على أن أشرف الأمور علم التوحيد لأن الله شهد به بنفسه وأشهد عليه خواص خلقه، والشهادة لا تكون إلا عن علم ويقين، بمنزلة المشاهدة للبصر، ففيه دليل على أن من لم يصل في علم التوحيد إلى هذه الحالة فليس من أولي العلم" (^٢).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "علم العقائد وأصول التوحيد؛ هو أشرف العلوم على الإطلاق، وأفضلها وأكملها، وبه تستقيم القلوب على العقائد الصحيحة، وبه تزكو الأخلاق وتنمو، وبه تصح الأعمال وتكمل" (^٣).
المطلب الخامس والعشرون: التوحيد أعلى مراتب الإيمان.
• قال أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري، الرازي اللالكائي (ت: ٤١٨ هـ) ﵀: "جعل النبي ﵊ توحيد الله ﷿ أعلى مراتب الإيمان، وهو كذلك حقا" (^٤).
_________________
(١) شرح الفقه الأكبر ص: ٣٨.
(٢) تفسير ابن سعدي (سورة آل عمران الآية: ١٨).
(٣) فتح الرحيم الملك العلام ص ٢١.
(٤) شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي ٤/ ٥٣.
[ ٢٤٥ ]
• قال الفخر الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "واعلم أن التكليف له ركنان أحدهما: الاعتقاد والرأس والرئيس فيه اعتقاد التوحيد" (^١).
• قال العز بن عبد السلام (ت: ٦٣٩ هـ) ﵀: "وكذلك معرفة التوحيد أفضل المعارف، واعتقاده أفضل الاعتقادات" (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "أصول الإيمان وأعلاها وأفضلها هو التوحيد، وهو شهادة أن لا إله إلا الله كما قال تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ [الأنبياء: الآية: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ [النحل: الآية: ٣٦] " (^٣).
• قال أبو حيان الأندلسي (ت: ٧٤٥ هـ) ﵀-عند تفسير قوله تعالى: ﴿﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذالك بأنهم قوم لا يعلمون﴾ [التوبة: الآية: ٦]، "وفي هذه الآية دلالة على أن النظر في التوحيد أعلى المقامات" (^٤).
• قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: "التوحيد الذي ليس في درج الإيمان أعلى منه، فهو التاج الذي هو خاصة الملك المحسوسة، كما أن التوحيد خاصته المعقولة" (^٥).
• قال إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي (ت ١١٢٧ هـ) ﵀"اركان الإسلام خمسة وهي غنائم دينية لكن التوحيد
_________________
(١) تفسير مفاتيح الغيب للرازي ٢٧/ ٥٤٣.
(٢) قواعد الأحكام في مصالح الأنام ١/ ٣٥.
(٣) مجموع الرسائل الكبرى لابن تيمية ١/ ٢٧٠.
(٤) تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي ٥/ ١٣.
(٥) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ٤/ ١٩٧.
[ ٢٤٦ ]
أعلى من الكل" (^١).
المطلب السادس والعشرون: كلمة التوحيد أعظم شهادة في الوجود.
• قال تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَة قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَه وَاحِد وَإِنَّنِي بَرِيء مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: الآية: ١٩].
• قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: "المعنى الله أكبر شهادة أي انفراده بالربوبية، وقيام البراهين على توحيده أكبر شهادة وأعظم، فهو شهيد بيني وبينكم على أني قد بلغتكم وصدقت فيما قلته وادعيته من الرسالة" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "أنه استشهد بهم على أجل مشهود به وأعظمه وأكبره وهو شهادة أن لا إله إلا الله، والعظيم القدر إنما يستشهد على الأمر العظيم أكابر الخلق وساداتهم" (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "واستشهد الله ﷿ بأهل العلم على أجل مشهود به وهو التوحيد، وقرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته، وفي ضمن ذلك تعديلهم، فإنه لا يستشهد بمجروح" (^٤).
• قال ابن أبي العز (ت: ٧٩٢ هـ) ﵀ " قال تعالى: ﴿شهد
_________________
(١) روح البيان ٣/ ٣٥٠.
(٢) تفسير الجامع لأحكام للقرطبي (سورة آل عمران الآية: ١٩).
(٣) مفتاح دار السعادة ١/ ٤٩.
(٤) مدارج السالكين ٣/ ٢٨٢.
[ ٢٤٧ ]
الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم - إن الدين عند الله الإسلام﴾ [آل عمران: الآيات: ١٨ - ١٩]. "فتضمنت هذه الآية الكريمة إثبات حقيقة التوحيد، والرد على جميع طوائف الضلال، فتضمنت أجل شهادة وأعظمها وأعدلها وأصدقها، من أجل شاهد، بأجل مشهود به" (^١).
• قال محمد بن يعقوب الفيروزأبادي (ت: ٨١٧ هـ) ﵀: "واستشهد الله-﷿ أهل العلم على أجل مشهود وهو التوحيد، وقرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته، وفى ضمن ذلك تعديلهم فإنه لا يستشهد بمجروح" (^٢).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "وفي هذه الآية دليل على شرف العلم من وجوه كثيرة، منها: أن الله خصهم بالشهادة على أعظم مشهود عليه دون الناس" (^٣).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀ عند تفسير قوله تعالى: " ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم﴾ [آل عمران: الآية: ١٨]
"هذه أجل الشهادات على الإطلاق؛ فإنها صدرت من الملك العظيم، ومن ملائكته وأنبيائه وأهل العلم على أجل مشهود عليه؛ وهو توحيد الله وقيامه بالقسط" (^٤).
• قال عبد الرحمن بن قاسم (ت: ١٣٩٢ هـ) ﵀: "شهادة أن لا إله
_________________
(١) شرح الطحاوية ١/ ٤٤.
(٢) بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز ٤/ ٩١.
(٣) تفسير ابن سعدي (سورة آل عمران الآية: ١٨).
(٤) تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن لابن سعدي ١/ ١٩.
[ ٢٤٨ ]
إلا الله أعظم شهادة في الوجود على أعظم مشهود به، فلا ينصرف الإطلاق إلاَّ إليها" (^١).
المطلب السابع والعشرون: التوحيد سيد العلوم.
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "ومن له من مخلوقاته فالعلم به تابع للعلم بالله، والعلم الأعلى هو العلم بالأعلى كما قال: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: الآية: ١]، فهو رب كل ما سواه، فهو الأصل، فكذلك العلم به سيد جميع العلوم وهو أصل لها» (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وتعظيمهم للعلم الإلهي الذي هو سيد العلوم وأعلاها، وأشرفها وأسناها" (^٣).
المطلب الثامن والعشرون: التوحيد أصل العلوم كلها.
• قال أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن القرافي (ت: ٦٨٤ هـ) ﵀: "علم أصول الدين هو أصل العلوم كلها" … "ومن فروعه إثبات النبوات بالنظر العقلى في المعجزات، ومن فروع النبوة علم التفسر، وعلم الحديث وعلم الأصول التى بنبنى عليها الفقه، ونحو ذلك من فروع علم أصول الفقه، فهو الغاية والنهاية" (^٤).
_________________
(١) حاشية ثلاثة الأصول (٤٨).
(٢) جامع المسائل (٥/ ٢٦٨).
(٣) درء تعارض العقل والنقل (٣/ ٧٠).
(٤) نفائس الأصول في شرح المحصول ١/ ١٦٣.
[ ٢٤٩ ]
• قال الحسين بن علي بن حجاج بن علي، حسام الدين السِّغْنَاقي (ت: ٧١١ هـ) ﵀: " (علم التوحيد والصفات) وإنما ذكر علم التوحيد والصفات هنا مع أنه في بيان أصول الفقه لا في بيان أصول الدين؛ لأنه لما حصر العلم -أي العلم الذي ابتلي بتعلمه- على نوعين لا غير، وجب عليه بيان ذينك النوعين، حتى أن شمس الأئمة والقاضي أبا زيد -رحمهما الله- لما لم يذكرا في كتابيهما حصر العلم على نوعين، لم يذكرا علم التوحيد والصفات. ثم المصنف ﵀ إنما ذكر حصر العلم على هذين النوعين؛ لأن العلم الذي يهمنا ويسعدنا ويبلغنا إلى درجة الكمال في الدنيا والآخرة، هذا العلم وإن كان اكتساب غيره أيضا قد يكون من المناقب السنية والفضائل العلية، لكن يكون لك على وجه الوسائل إلى هذا العلم، لا على وجه المقاصد بنفسه. ثم قدم بيان علم أصول الدين على علم الشرائع والأحكام؛ لأن علم أصول الدين أصل جميع العلوم -على ما قررنا في صدر «الوافي» -فوجب تقديمه على غيره" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "إخلاص الدين لله هو أصل كل علم وهدى" (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "إن الله-سبحانه-لما كان هو الأول الذي خلق الكائنات والآخر الذي إليه تصير الحادثات؛ فهو الأصل الجامع؛ فالعلم به أصل كل علم وجامعه وذكره أصل كل كلام وجامعه والعمل له أصل كل عمل وجامعه" (^٣).
_________________
(١) كتاب الكافي شرح البزودي ١/ ١٥٠ - ١٥١.
(٢) جامع المسائل (١/ ١٣٦).
(٣) مجموع الفتاوى (٢/ ١٦).
[ ٢٥٠ ]
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فكل علم هو تابع للعلم به، مفتقر في تحقق ذاته إليه، فالعلم به أصل كل علم ومنشؤه، فمن عرف الله عرف ما سواه، ومن جهل ربه فهو لما سواه أجهل، قال تعالى: ﴿ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم﴾ [الحشر: الآية: ١٩] فتأمل هذه الآية تجد تحتها معنى شريفا عظيما، وهو: أن من نسي ربه أنساه ذاته ونفسه فلم يعرف حقيقته ولا مصالحه، بل نسي ما به صلاحه وفلاحه في معاشه ومعاده، لأنه خرج عن فطرته التي خلق عليها فنسي ربه فأنساه نفسه وصفاتها وما تكمل به وتزكو به وتسعد به في معاشها ومعادها، قال تعالى: ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا﴾ [الكهف: الآية: ٢٨] فغفل عن ذكر ربه فانفرط عليه أمره وقلبه، فلا التفات له إلى مصالحه، وكماله وما تزكو به نفسه وقلبه، بل هو مشتت القلب مضيعه، مفرط الأمر حيران لا يهتدي سبيلا.
فالعلم بالله أصل كل علم، وهو أصل علم العبد بسعادته وكماله ومصالح دنياه وآخرته، والجهل به مستلزم للجهل بنفسه ومصالحها وكمالها وما تزكو به وتفلح به، فالعلم به سعادة العبد والجهل به أصل شقاوته" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فالعلم بأسمائه وإحصاؤها أصل لسائر العلوم، فمن أحصى أسماءه كما ينبغي للمخلوق أحصى جميع العلوم، إذ إحصاء أسمائه أصل لإحصاء كل معلوم؛ لأن المعلومات هي من مقتضاها ومرتبطة بها، وتأمل صدور الخلق والأمر عن علمه وحكمته تعالى، ولهذا لا تجد فيها خللا ولا تفاوتا؛ لأن الخلل الواقع فيما يأمر به العبد أو يفعله إما أن يكون لجهل العبد به أو لعدم حكمته، أما الرب تعالى فهو العليم الحكيم، فلا يلحق، فعله ولا
_________________
(١) مفتاح دار السعادة ١/ ٨٦.
[ ٢٥١ ]
أمره خلل ولا تفاوت ولا تناقض" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "العلم به-تعالى-أصل للعلم بكل ما سواه، فالعلم بأسمائه وإحصاؤها أصل لسائر العلوم" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ولا ريب ان العلم به وباسمائه وصفاته وافعاله أجل العلوم وأفضلها ونسبته إلى سائر العلوم كنسبة معلومة إلى سائر المعلومات، وكما ان العلم به أجل العلوم وأشرفها فهو أصلها كلها، كما أن كل موجود فهو مستند في وجوده إلى الملك الحق المبين ومفتقر إليه في تحقق ذاته وأينيته وكل علم فهو تابع للعلم به مفتقر في تحقق ذاته اليه فالعلم به أصل كل علم" (^٣).
• قال محمد بن مفلح (ت: ٧٦٣ هـ) ﵀: "وقال صاحب المحيط من الحنفية: أفضل العلوم عند الجمهور بعد معرفة أصل الدين وعلم اليقين، معرفة الفقه والأحكام الفاصلة بين الحلال والحرام" (^٤).
• قال إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي (ت ٧٩٠ هـ) ﵀: " نحن نعلم أن النطق بالشهادتين والصلاة وغيرهما من العبادات؛ إنما شرعت للتقرب بها إلى الله، والرجوع إليه، وإفراده بالتعظيم والإجلال، ومطابقة القلب للجوارح في الطاعة والانقياد" (^٥).
_________________
(١) طريق الهجرتين ص ٣١٨ "بتصرف".
(٢) بدائع الفوائد ١/ ٢٨٧.
(٣) مفتاح دار السعادة ١/ ٨٦.
(٤) الآداب الشرعية لابن مفلح ٢/ ١٢٥، وكتاب الفروع وتصحيح الفروع لابن مفلح ٢/ ٣٥٦.
(٥) الموافقات ٢/ ٣٨٥.
[ ٢٥٢ ]
• قال محمد بن علي التهانوي (ت: بعد ١١٥٨ هـ) ﵀"وأما تسميته بأصول الدين فلكونه أصل العلوم الشرعية لابتنائها عليه" (^١).
• قال محمد بن أحمد السفاريني (ت: ١١٨٨ هـ) ﵀ في منظومته:
"وبعد فاعلم أن كل العلم … كالفرع للتوحيد فاسمع نظمي" (^٢).
• قال محمد بن أحمد السفاريني (ت: ١١٨٨ هـ) ﵀: "فالعلم بأسمائه وإحصاؤها أصل لسائر العلوم، فمن أحصاها كما ينبغي للمخلوق، دخل الجنة. " (^٣).
• قال مبارك بن محمد الميلي الجزائري (ت ١٣٦٤ هـ) ﵀: "وهذه أركان الإسلام الخمسة؛ إنما شرعت كسائر العبادات، للاحتفاظ بالتوحيد، والابتعاد عن الوثنية:
فلم يكتف في الشهادتين بالتوحيد المجرد، حتى صرح بنفي التعدد، وحصر التشريع في شخص المرسل بالتبليغ.
ولم يقتصر في الصلاة على افتتاحها بالتكبير الذي فيه تعريض باطراح الأوثان، حتى خللت به، وكرر فيها مخاطبة رب العالمين ب ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾.
وزكاة المرء شعار غناه، ودليل اعترافه للرب بجليل نعماه، وأنه لا دخل فيها للأصنام وكل ما سواه.
والصوم يذر فيه الصائم شهوته وطعامه وشرابه من أجل مولاه، ويراقبه وهو صائم، ولو انفرد بمحل سكناه.
_________________
(١) كتاب كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم ص: ٣١.
(٢) العقيدة السفارينية الموسومة ب (الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية) ص: ٣٩.
(٣) لوامع الأنوار البهية ١ للسفاريني/ ١٢٦.
[ ٢٥٣ ]
والحج فاتحته الإحرام، المصحوب بالتلبية المتكررة في كل حال، وهي صريحة في حياطة التوحيد بنكران الشريك" (^١).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "هذا الفن الذي هو أصل الأصول، وبه تقوم العلوم كلها" (^٢).
• قال عبد الرحمن بن قاسم (ت: ١٣٩٢ هـ) ﵀: "فيتعين على كل مكلف معرفة معنى لا إله إلا الله، الذي هو أصل الأصول، وأوجب العلوم" (^٣).
• قال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀: "كلما غفل الإنسان عن ذكر ربه انقطعت به السبل، وكلما عمر قلبه بذكر ربه وصل إلى الغاية.
فإن الذكر بمنزلة النور يهتدي به الإنسان في ظلمات الطرق حتى يصل غايته" (^٤).
المطلب التاسع والعشرون: التوحيد أصل القلب السليم.
• قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْب سَلِيم﴾ [الشعراء: الآية: ٨٩].
• قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: ﴿إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ "حَيِي يشهد أن لا إله إلا الله" (^٥).
_________________
(١) الشرك ومظاهره للميلي ص: ٤٥ - ٤٦.
(٢) القول السديد شرح كتاب التوحيد ص: ١٩٤.
(٣) الدرر السنية ١٢/ ١٥٤.
(٤) شرح الكافية الشافية ٢/ ٤٦٧.
(٥) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (الشعراء: الآية: ٨٩)، وأورده السيوطي في الدر المنثور، (الشعراء: الآية: ٨٩)، وعزاه لابن أبي حاتم، وابن مردويه، وأبو نعيم.
[ ٢٥٤ ]
• قال سعيد بن المسيّب (ت: ٩٤ هـ) ﵀: "القلب السليم هو الصحيح، وهو قلب المؤمن لأنّ قلب الكافر والمنافق مريض، قال الله سبحانه ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: الآية: ١٠] " (^١).
• قال الضحاك بن مزاحم (ت: ١٠٢ هـ) ﵀، في قول الله ﴿إلاّ مَنْ أَتى اللّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قال: "هو الخالص" (^٢).
• عن مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀: قوله: ﴿إلاّ مَنْ أَتى اللّهَ بِقَلْب سَلِيمٍ﴾، قال: "ليس فيه شكّ في الحقّ" (^٣).
• قال محمد بن سيرين (ت: ١١٠ هـ) ﵀: "القلب السليم أن يعلم أن الله حق، وأن الساعة قائمة، وأن الله يبعث من في القبور" (^٤).
• عن ابن عون (ت: ١٥١ هـ) ﵀، قال: ذكروا الحجاج (ت: ٩٥ هـ)، عند ابن سيرين (ت: ١١٠ هـ) ﵀، فقال: غير ما تقولون أخوف على الحجاج عندي منه؛ قلت: وما هو؟ قال: إن كان لقي الله بقلب سليم فقد أصاب الذنوب خير منه، قلت: وما القلب السليم؟ قال: إن يعلم
_________________
(١) تفسير الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي. (الشعراء: الآية: ٨٩)، وتفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن للبغوي. (الشعراء: الآية: ٨٩)، تفسير القرآن العظيم لابن كثير (الشعراء: الآية: ٨٩).
(٢) تفسير جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري (الشعراء: الآية: ٨٩) ..
(٣) تفسير جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري (الشعراء: الآية: ٨٩)، وأورده السيوطي في الدر المنثور، (الشعراء: الآية: ٨٩)، وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
(٤) تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي. (الشعراء: الآية: ٨٩)، تفسير القرآن العظيم لابن كثير (الشعراء: الآية: ٨٩).
[ ٢٥٥ ]
أنه لا إله إلا الله" (^١).
• عن قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀، في قوله: ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قال: "سليم من الشرك" (^٢).
• قال ابن زيد (ت: ١٨٢ هـ) ﵀: " ﴿إلاّ مَنْ أَتى اللّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قال: "سليم من الشرك، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد" (^٣).
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿إلا من أتى الله﴾ في الآخرة، ﴿بقلب سليم﴾ من الشرك مخلصا لله ﷿ بالتوحيد، فينفعه يوم البعث ماله وولده" (^٤).
• قال أبو عثمان سعيد بن إسماعيل النيسابوري (ت: ٢٩٨ هـ) ﵀: "هو القلب الخالي من البدعة المطمئن على السنة" (^٥).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "وقوله: ﴿إلاّ مَنْ أَتى اللّهَ بِقَلْب سَلِيمٍ﴾ يقول: "ولا تخزني يوم يبعثون، يوم لا ينفع إلا القلب السليم.
والذي عني به من سلامة القلب في هذا الموضع: هو سلام القلب من الشكّ في توحيد الله، والبعث بعد الممات" (^٦).
_________________
(١) تفسير الدر المنثور للسيوطي، (الشعراء: الآية: ٨٩)، وعزاه لعبد بن حميد.
(٢) تفسير جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري (الشعراء: الآية: ٨٩)، وأورده السيوطي في الدر المنثور، (الشعراء: الآية: ٨٩)، وعزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير.
(٣) تفسير جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري (الشعراء: الآية: ٨٩).
(٤) تفسير مقاتل بن سليمان (الشعراء: الآية: ٨٩).
(٥) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن للبغوي. (الشعراء: الآية: ٨٩)، تفسير القرآن العظيم لابن كثير (الشعراء: الآية: ٨٩).
(٦) تفسير جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري (الشعراء: الآية: ٨٩).
[ ٢٥٦ ]
• قال أبو إسحاق أحمد الثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ) ﵀: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ خالص من الشرك والشك، فأمّا الذنوب فليس يسلم منها أحد هذا قول أكثر المفسّرين" (^١).
• قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: " قوله تعالى: ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون*إلا من أتى الله بقلب سليم﴾ أي: خالص من الشرك والشك، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد، هذا قول أكثر المفسرين" (^٢).
• قال علي بن محمد بن إبراهيم الشيحي المعروف بالخازن (ت: ٧٤١ هـ) ﵀: " ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من آتى الله بقلب سليم﴾ أي خالص من الشرك والشك فأما الذنوب فلا يسلم منها أحد" (^٣).
• قال ابن جزي (ت: ٧٤١ هـ) ﵀: " ﴿إلا من أتى الله بقلب سليم﴾ "قيل: سليم من الشرك والمعاصي، وقيل: الذي يلقى ربه وليس في قلبه شيئا غيره، وقيل: بقلب لديغ من خشية الله، والسليم هو اللديغ لغة" (^٤).
• قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: " ﴿إلا من أتى الله﴾ أي الملك الأعظم الذي له الغنى المطلق في هذا الموطن ﴿بقلب سليم﴾ أي عن مرض غيّره عن الفطرة الأولى التي فطره الله عليها، وهي الإسلام الذي رأسه التوحيد، والاستقامة على فعل الخير، وحفظ طريق
_________________
(١) تفسير الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي. (الشعراء: الآية: ٨٩).
(٢) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن للبغوي. (الشعراء: الآية: ٨٩) ..
(٣) تفسير لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن. (الشعراء: الآية: ٨٩) ..
(٤) التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي. (الشعراء: الآية: ٨٩) ..
[ ٢٥٧ ]
السنة كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء ليس فيها من جدعاء فإن المال والبنون ينفعانه بما تصرف فيهما من خير" (^١).
المطلب الثلاثون: التوحيد أصل والعمل فرع.
• قال الله-﷿-لرسوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: الآية: ١٩].
قال سهل التستري (ت: ٢٨٣ هـ) ﵀: "أصل عمل المؤمن كلمة التوحيد، وهو أصل ثابت، وفرعه وهو عمله مرفوع إلى السماء مقبول، إلا أن فيه خللا وإحداثا، ولكن لا يزول أصل عمله، وهو كلمة التوحيد، كما أن الرياح تزعزع أغصان النخلة، ولا يزول أصلها، … وليس في خزائن الله أكبر من التوحيد" (^٢).
• قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "اعلم أن الله تعالى قدم الأمر بمعرفة التوحيد على الأمر بالاستغفار، والسبب فيه: أن معرفة التوحيد إشارة إلى علم الأصول، والاشتغال بالاستغفار إشارة إلى علم الفروع، والأصل يجب تقديمه على الفرع، فإنه ما لم يعلم وجود الصانع امتنع القيام بطاعته وخدمته. وهذه الدقيقة معتبرة في آيات كثيرة.
ومنها: أن إبراهيم ﵇ لما اشتغل بالدعاء قدم المعرفة على الطاعة
فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [الشعراء: الآية: ٨٣]، فقوله: ﴿هب لي حكمًا﴾ إشارة إلى استكمال القوة النظرية بمعرفة حقائق الأشياء،
_________________
(١) نظم الدرر في تناسب الايات والسور للبقاعي. (الشعراء: الآية: ٨٩) ..
(٢) تفسير التستري ص ٨٧.
[ ٢٥٨ ]
وقوله " والحقنى بالصالحين " إشارة إلى استكمال القوة العملية بالاجتناب عن طرفي الإفراط والتفريط. فقدم العلم على العمل.
ومنها: أنه تعالى لما أوحى إلى موسى ﵇ راعى هذا الترتيب
فقال: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى ﴿١٣﴾ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ﴿١٤﴾﴾ [طه: الآيات: ١٣ - ١٤]. فقوله: ﴿لا إله إلا أنا﴾ إشارة إلى علم الأصول. وقوله: ﴿فأعبدني﴾ إشارة إلى علم الفروع" (^١).
ومنها: قوله تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [النحل: الآية: ٢].
فقوله: ﴿لا إله إلا أنا﴾ إشارة إلى علم الأصول. وقوله: ﴿فاتقون﴾ إشارة إلى علم الفروع" (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والدين القائم بالقلب من الإيمان علما وحالا هو "الأصل"، والأعمال الظاهرة هي "الفروع" وهي كمال الإيمان.
فالدين أول ما يبنى من أصوله ويكمل، كما أنزل الله بمكة أصوله من التوحيد والأمثال التي هي المقاييس العقلية والقصص والوعد والوعيد
ثم أنزل بالمدينة-لما صار له قوة-فروعه الظاهرة من الجمعة والجماعة والأذان والإقامة والجهاد والصيام وتحريم الخمر والزنا والميسر وغير ذلك من واجباته ومحرماته" (^٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فإذا كان أصل العمل الديني
_________________
(١) عجائب القرآن للرازي ص ٧ ..
(٢) عجائب القرآن للرازي ص ١٤ - ١٥ ..
(٣) مجموع الفتاوى ١٥/ ٣٥٥.
[ ٢٥٩ ]
هو إخلاص الدين لله، وهو إرادة الله وحده فالشيء المراد لنفسه هو المحبوب لذاته، وهذا كمال المحبة، ولكن أكثر ما جاء المطلوب باسم العبادة كقوله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات الآية: ٥٦]، وقوله: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم﴾ [البقرة الآية: ٢١]، وأمثال هذا" (^١).
المطلب الواحد والثلاثون: التوحيد مجمع عليه بين الرسل-صلوات الله عليهم-.
• قال سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي الصرصري الحنبلي (ت ٧١٦ هـ) ﵀: "التوحيد مجمع عليه بين الرسل وكل مجمع عليه بين الرسل، فهو حق فالتوحيد حق؛
بيان الأولى قوله-﷿ بعد: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ [الأنبياء: الآية: ٢٥].
بيان الثانية: أن الأنبياء معصومون جماعة وفرادى فلا يقولون إلا صدقا، ولا يعتقدون إلا حقا" (^٢).
المطلب الثاني والثلاثون: كلمة التوحيد أفضل الحسنات.
فعن أبي ذر (ت: ٣٠ أو ٣١ هـ) ﵁-قال: قلتُ:
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٠/ ٥٦، ٥٧).
(٢) كتاب الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية ص: ٤٣٨.
[ ٢٦٠ ]
يا رسول الله، أوْصِني، قال: «إذا عَمِلْتَ سيِّئةً، فأَتبِعْها حَسنةً تَمْحُهَا»، قال: قلتُ: يا رسولَ الله، أمِنَ الحَسنات "لا إلهَ إلا الله"؟ قال: «هي أفْضَلُ الحَسناتِ» (^١).
• قال علي بن خلف بن عبد الملك ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) ﵀: "ولا حسنة أعظم من توحيد الله والإقرار بوجوده والتضرع إليه فى المغفرة. " (^٢).
المطلب الثالث والثلاثون: كلمة التوحيد هي أفضل الكلام.
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "ولهذا ورد في فضل هذه الكلمة شهادة أن لا إله إلا الله من الدلائل ما يضيق هذا الموضع عن ذكره وهي أفضل الكلام وما فيها من العلم والمحبة أفضل العلوم والمحبات كالحديث الذي في السنن «أفضل الذكر لا إله ألا الله» (^٣). " (^٤).
• قال محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي (ت ١٢٠٦ هـ) ﵀: " كلمة التوحيد أفضل الكلام وأعظمه. وأعظم آية في القرآن آية الكرسي" (^٥).
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢١٥٢٥)، وصححه الألباني انظر: صحيح الترغيب للمنذري (٣١٦٢) وفي الصحيحة (١٣٧٣) وصحيح الجامع (٦٩٠).
(٢) شرح صحيح البخاري لابن بطال ١٠/ ٥٠٣.
(٣) قاعدة في المحبة ص ١٣.
(٤) سنن الترمذي (٣٣٨٣) وحسنه، وابن ماجة (٣٨٠٠)، وابن حبان (٨٤٦)، والحاكم (١٨٣٤)، والنسائي في "السنن الكبرى" (١٠٥٩٩)، وحسنه الألباني في "صحيح الترمذي".
(٥) مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد (مطبوع ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب "الجزء الأول" ص: ٢٩٣.
[ ٢٦١ ]
المطلب الرابع والثلاثون: الحاجة إلى التوحيد أعظم الحاجات.
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وليس للخلق صلاح إلا في معرفة ربهم وعبادته. وإذا حصل لهم ذلك: فما سواه إما فضل نافع وإما فضول غير نافعة؛ وإما أمر مضر" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وأين التوحيد للخالق بالرغبة إليه والرجاء له والتوكل عليه والحب له من الإشراك به بالرغبة إلى المخلوق والرجاء له والتوكل عليه وأن يحب كما يحب الله، وأين صلاح العبد في عبودية الله والذل له والافتقار إليه من فساده في عبودية المخلوق والذل له والافتقار إليه؟ فالرسول ﷺ أمر بتلك الأنواع الثلاثة الفاضلة المحمودة التي تصلح أمور أصحابها في الدنيا والآخرة ونهى عن الأنواع الثلاثة التي تفسد أمور أصحابها" (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "إذا توجه العبد إلى الله بصدق الافتقار إليه، واستغاث به مخلصا له الدين؛ أجاب دعاءه، وأزال ضرره، وفتح له أبواب الرحمة، فمثل هذا قد ذاق من حقيقة التوكل والدعاء لله ما لم يذق غيره" (^٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فالقلب لا يصلح ولا يفلح ولا يلتذ ولا يسر ولا يطيب ولا يسكن ولا يطمئن إلا بعبادة ربه وحبه والإنابة إليه. ولو حصل له كل ما يلتذ به من المخلوقات لم يطمئن ولم
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢/ ١٦).
(٢) مجموع الفتاوى ١/ ١٩٥.
(٣) مجموع الفتاوى ٦/ ٣٢١.
[ ٢٦٢ ]
يسكن؛ إذ فيه فقرٌ ذاتيٌ إلى ربه" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والشرك أعظم الفساد كما أن التوحيد أعظم الصلاح" (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فأصل الصلاح: التوحيد والإيمان وأصل الفساد: الشرك والكفر. كما قال عن المنافقين: ﴿وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون﴾ ﴿ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون﴾ وذلك أن صلاح كل شيء أن يكون بحيث يحصل له وبه المقصود الذي يراد منه" (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ومعلوم أن حاجتهم إلى معرفة ربهم وفاطرهم فوق مراتب هذه الحاجات كلها، فإنه لا سعادة لهم ولا فلاح ولا صلاح ولا نعيم إلا بأن يعرفوه ويعتقدوه، ويكون هو وحده غاية مطلوبهم، والتقرب إليه قرة عيونهم، فمتى فقدوا ذلك كانوا أسوأ حالا من الأنعام، وكانت الأنعام أطيب عيشا منهم في العاجل وأسلم عاقبة في الآجل. وإذا علم أن ضرورة العبد إلى معرفة ربه فوق كل ضرورة كانت العناية ببيانها أيسر الطرق وأهداها وأبينها" (^٤).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: " قال ابن القيم ﵀: "الفقر فقران: فقر اضطراري، وهو فقر عام لا خروج لبرّ ولا فاجر عنه، وهذا لا يقتضى مدحًا ولا ذمًا ولا ثوابًا ولا عقابًا، بل هو بمنزلة كون المخلوق مخلوقًا ومصنوعًا.
والفقر الثاني فقر اختياري، هو نتيجة علمين شريفين:
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٠/ ١٩٤.
(٢) مجموع الفتاوى ١٨/ ١٦٢.
(٣) مجموع الفتاوى ١٨/ ١٦٣.
(٤) انظر: "الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة"١/ ٣٦٥ - ٣٦٧.
[ ٢٦٣ ]
أَحدهما: معرفة العبد بربه، والثاني: معرفته بنفسه.
فمتى حصلت له هاتان المعرفتان، أَنتجتا له فقرًا هو عين غناه وعنوان فلاحه وسعادته" (^١).
• قال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀: "جانب التوحيد أعظم الجوانب حقا أن يوفى به، فإذا أخل به الإنسان فإن الله سبحانه لا يغفره، بخلاف المعاصي الأخرى التي دونه أو التي سوى الشرك فإن الله يغفرها" (^٢).
• قال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀: " أعظم ما نهى الله عنه الشرك، وذلك لأن أعظم الحقوق هو حق الله ﷿، فإذا فرط فيه الإنسان فقد فرط في أعظم الحقوق هو توحيد الله ﷿" (^٣).
المطلب الخامس والثلاثون: التوحيد أصل صلاح الناس.
• قال الحسن البصري (ت: ١١٠ هـ) ﵀: "ابن آدم هل لك بمحاربة الله من طاقة؟ فإن من عصى الله فقد حاربه" (^٤).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "التوحيد أصل صلاح الناس والإشراك أصل فسادهم والقسط مقرون بالتوحيد؛ إذ التوحيد أصل العدل؛ وإرادة العلو مقرونة بالفساد؛ إذ هو أصل الظلم فهذا مع هذا
_________________
(١) طريق الهجرتين (ص: ٩).
(٢) تفسير العثيمين سورة النساء ١/ ٣٨٧.
(٣) كتاب مجموع فتاوى ورسائل العثيمين ٦/ ٣٥.
(٤) حلية الأولياء: (٢/ ١٣٤).
[ ٢٦٤ ]
وهذا مع هذا كالملزوزين في قرن فالتوحيد وما يتبعه من الحسنات هو صلاح وعدل؛ ولهذا كان الرجل الصالح هو القائم بالواجبات؛ وهو البر؛ وهو العدل. والذنوب التي فيها تفريط أو عدوان في حقوق الله تعالى وحقوق عباده هي فساد وظلم؛ ولهذا سمي قطاع الطريق مفسدين وكانت عقوبتهم حقا لله تعالى لاجتماع الوصفين والذي يريد العلو على غيره من أبناء جنسه هو ظالم له باغ؛ إذ ليس كونك عاليا عليه بأولى من كونه عاليا عليك وكلاكما من جنس واحد فالقسط والعدل أن يكونوا إخوة كما وصف الله المؤمنين بذلك. والتوحيد وإن كان أصل الصلاح فهو أعظم العدل؛ ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَة سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: الآية: ٦٤] " (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فأصل الصلاح: التوحيد والإيمان وأصل الفساد: الشرك والكفر. كما قال عن المنافقين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: الآيات: ١١ - ١٢]، وذلك أن صلاح كل شيء أن يكون بحيث يحصل له وبه المقصود الذي يراد منه؛ ولهذا يقول الفقهاء: العقد الصحيح مما ترتب عليه أثره وحصل به مقصوده. والفاسد ما لم يترتب عليه أثره ولم يحصل به مقصود والصحيح المقابل للفاسد في اصطلاحهم هو الصالح. وكان يكثر في كلام السلف: هذا لا يصلح أو يصلح كما كثر في كلام المتأخرين يصح ولا يصح والله تعالى إنما خلق الإنسان لعبادته وبدنه تبع لقلبه كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح:
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٨/ ١٦٥.
[ ٢٦٥ ]
" «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد. وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب» " وصلاح القلب: في أن يحصل له وبه المقصود الذي خلق له من معرفة الله ومحبته وتعظيمه وفساده في ضد ذلك. فلا صلاح للقلوب بدون ذلك قط. والقلب له قوتان: العلم؛ والقصد كما أن للبدن الحس؛ والحركة الإرادية فكما أنه متى خرجت قوى الحس والحركة عن الحال الفطري الطبيعي فسدت. فإذا خرج القلب عن الحال الفطرية التي يولد عليها كل مولود وهي أن يكون مقرا لربه مريدا له فيكون هو منتهى قصده وإرادته. وذلك هي العبادة؛ إذ العبادة: كمال الحب بكمال الذل فمتى لم تكن حركة القلب ووجهه وإرادته لله تعالى كان فاسدا؛ إما بأن يكون معرضا عن الله وعن ذكره غافلا عن ذلك مع تكذيب أو بدون تكذيب أو بأن يكون له ذكر وشعور ولكن قصده وإرادته غيره لكون الذكر ضعيفا لم يجتذب القلب إلى إرادة الله ومحبته وعبادته. وإلا فمتى قوي علم القلب وذكره أوجب قصده وعلمه قال تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [النجم: الآيات: ٢٩ - ٣٠]، فأمر نبيه بأن يعرض عمن كان معرضا عن ذكر الله ولم يكن له مراد إلا ما يكون في الدنيا. وهذه حال من فسد قلبه؛ ولم يذكر ربه؛ ولم ينب إليه فيريد وجهه ويخلص له الدين. ثم قال: ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ فأخبر أنهم لم يحصل لهم علم فوق ما يكون في الدنيا؛ فهي أكبر همهم ومبلغ علمهم. وأما المؤمن فأكبر همه هو الله وإليه انتهى علمه وذكره. وهذا الآن باب واسع عظيم قد تكلمنا عليه في مواضعه" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "كلّ صلاح في الأرض فسببُه
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٨/ ١٦٣ - ١٦٤.
[ ٢٦٦ ]
توحيد الله وعبادته، وطاعة رسوله ﷺ؛ وكلّ شرّ في العالم وفتنة وبلاء وقحط وتسليط عدو وغير ذلك؛ فسببه مخالفة الرسول ﷺ، والدعوة إلى غير الله" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والعبد لا صلاح له ولا قيام إلا بعبادة الله الجامعة لمعرفته ومحبته والذل له، فتفويته هذا ظلم عظيم فيه عليه الضرر العظيم الذي لا ينجبر" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "قوله تعالى ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: الآية: ٢٢]، أي لو كان في السموات والأرض آلهة تعبد غير الله لفسدتا وبطلتا ولم يقل أرباب بل قال آلهة والإله هو المعبود المألوه، وهذا يدل على أنه من الممتنع المستحيل عقلا أن يشرع الله عبادة غيره أبدا وإنه لو كان معه معبود سواه لفسدت السماوات والأرض فقبح عبادة غيره قد استقر في الفطر والعقول وأن لم يرد النبي عنه شرع، بل العقل يدل على أنه أقبح القبيح على الإطلاق وأنه من المحال أن يشرعه الله قط فصلاح العالم في أن يكون الله وحده هو المعبود وفساده وهلاكه في أن يعبد معه غيره ومحال أن يشرع لعباده ما فيه فساد العالم وهلاكه بل هو المنزه عن ذلك" (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وكما أن السماوات والأرض لو كان فيهما آلهة غيره سبحانه لفسدتا كما قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] فكذلك القلب إذا كان فيه معبود غير الله تعالى فسد فسادا لا يرجى صلاحه إلا بأن يخرج ذلك المعبود منه،
_________________
(١) جامع الرسائل ١٥/ ٢٥.
(٢) جامع المسائل ١/ ٢٥١.
(٣) مفتاح دار السعادة: (٢/ ٨٨٦).
[ ٢٦٧ ]
ويكون الله تعالى وحده إلهه ومعبوده الذي يحبه ويرجوه ويخافه ويتوكل عليه وينيب إليه" (^١).
المطلب السادس والثلاثون: التوحيد حصن الله الأعظم.
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فإذا جرد العبد التوحيد فقد خرج من قلبه خوف ما سواه، وكان عدوه أهون عليه من أن يخافه مع الله، بل يفرد الله بالمخافة وقد أمنه منه. وخرج من قلبه اهتمامه به، واشتغاله به وفكره فيه، وتجرد لله محبة وخشية وإنابة وتوكلا، واشتغالا به عن غيره، فيرى أن إعماله فكره في أمر عدوه وخوفه منه واشتغاله به من نقص توحيده، وإلا فلو جرد توحيده لكان له فيه شغل شاغل، والله يتولى حفظه والدفع عنه، فإن الله يدافع عن الذين آمنوا، فإن كان مؤمنا بالله فالله يدافع عنه ولا بد. وبحسب إيمانه يكون دفاع الله عنه.
فإن كمل إيمانه كان دفع الله عنه أتم دفع، وإن مزج، مزج له. وإن كان مرة الله عليه جملة. ومن أعرض عن الله بكليته أعرض الله عنه جملة. ومن كان مرة ومرة فالله له مرة ومرة.
فالتوحيد حصن الله الأعظم الذي من دخله كان من الآمنين، قال بعض السلف: من خاف الله خافه كل شيء. ومن لم يخف الله أخافه من كل شيء" (^٢).
_________________
(١) إغاثة اللهفان ص ٤٩.
(٢) التفسير القيم ص: ٦٥٦.
[ ٢٦٨ ]
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الطاعة حصن الله الأعظم الذي من دخله كان من الآمنين من عقوبة الدنيا والآخرة، ومن خرج عنه أحاطت به المخاوف من كل جانب. فمن أطاع الله انقلبت المخاوف في حقه أمانا، ومن عصاه انقلبت مآمنه مخاوف، فمن خاف الله آمنه من كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه من كل شيء" (^١).
• عن محمد بن المنكدر (ت: ١٣٠ هـ) ﵀-قال: "إن الله تعالى يحفظ المؤمن في ولده وولد ولده ويحفظه في دويرته وفي دويرات حوله فما يزالون في حفظ وعافية ما كان بين أظهرهم" (^٢).
المطلب السابع والثلاثون: التوحيد هو المقصود الأعظم.
• قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀-عند تعليقه على قوله تفسير تعالى ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: الآية: ٢٥٥]: "فقال: ﴿لا إله إلا هو﴾ مقررا لكمال التوحيد، فإنه المقصود الأعظم من جميع الشرائع ولكن الإنسان لما جبل عليه من النقصان لا بد له من ترغيب يشده وترهيب يرده ومواعظ ترفقه وأعمال تصدقه وأخلاق تحققه، فخلل ﷾ أي التوحيد بالأحكام والقصص، والأحكام تفيد
_________________
(١) الداء والدواء ص ١٨٢.
(٢) صفوة الصفوة ٢/ ١٤٢.
[ ٢٦٩ ]
الأعمال الصالحة فترفع أستار الغفلة عن عيون القلوب وتكسب الأخلاق الفاضلة لتصقل الصدأ عن مرائي النفوس فتتجلى فيها حقائق التوحيد، والقصص تلزم بمواعظها واعتباراتها بالأحكام وتقرر دلائل المعارف فيرسخ التوحيد" (^١).
المطلب الثامن والثلاثون: كلمة التوحيد وافق الله العبد فيها دون سائر الطاعات.
• قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: الآية: ١٨].
• قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "الفضيلة الثانية لهذه الكلمة إنه تعالى أمرك بطاعات كثيرة، من الصلاة والصيام والحج، ويستحيل أن يوافقك الله في شيء منها، ثم أمرك أن تقول: لا إله إلا الله، ثم إن الله يوافقك فيها فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ " (^٢).
المطلب التاسع والثلاثون: كلمة التوحيد هي منتهى الصواب.
• قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [الأنعام: الآية: ٣٨].
_________________
(١) كتاب نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ٤/ ٢٧ - ٢٨.
(٢) كتاب عجائب القرآن للرازي ص ٣٤.
[ ٢٧٠ ]
• عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄، في قوله: ﴿إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾، يقول: إلا من أذن له الربّ بشهادة أن لا إله إلا الله، وهي منتهى الصواب" (^١).
• عن أبي صالح ذكوان بن عبد الله (ت: ١٠١ هـ) ﵀، في قوله: ﴿إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ قال: لا إله إلا الله" (^٢).
• عن عكرمة (ت: ١٠٥ هـ) ﵀-في قوله: ﴿إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ قال: لا إله إلا الله. " (^٣).
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿وقال صوابا﴾ يعني شهادة ألا إله إلا الله، فذلك الصواب" (^٤).
• قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا﴾ في الدنيا لا إله إلا الله" (^٥).
• قال أبو إسحاق أحمد الثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ) ﵀: " ﴿وقال صوابا﴾ قال: لا إله إلاّ الله في الدنيا" (^٦).
• قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "و«الصواب» المشار إليه لا إله إلا الله" (^٧).
_________________
(١) تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرن للطبري. (سورة النبأ الآية: ٣٨)، وكتاب الأسماء والصفات للبيهقي ١/ ٢٧١.
(٢) تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرن للطبري. (سورة النبأ الآية: ٣٨).
(٣) تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرن للطبري. (سورة النبأ الآية: ٣٨).
(٤) تفسير مقاتل بن سليمان. (سورة النبأ الآية: ٣٨).
(٥) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين ٥/ ٨٦.
(٦) تفسير الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي (سورة النبأ الآية: ٣٨).
(٧) تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية. (سورة النبأ الآية: ٣٨).
[ ٢٧١ ]
• قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: "وقوله ﴿وقال صوابا﴾ أي: حقا، ومن الحق: لا إله إلا الله" (^١).
• قال علي بن يحيى السمرقندي (ت: ٨٨٠ هـ تقريبًا) ﵀: " ﴿وَقَالَ صَوَابًا﴾ يعني: لا إله إلا الله يعني: من كان معه من التوحيد، وهو من أهل الشفاعة" (^٢).
• قال محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٥ هـ) ﵀: " ﴿وَقَالَ صَوَابًا﴾ وقال في الدنيا صوابًا: أي شهد بالتوحيد" (^٣).
المطلب الأربعون: التوحيد أعظم نعم الله.
• قال تعالى: ﴿فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه تعبدون﴾ [النحل: الآية: ١١٤]
• قال سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي الصرصري الحنبلي (ت ٧١٦ هـ) ﵀: "أي توحدونه بالعبادة، وهي تدل على أن شكر النعمة من التوحيد؛ لأنه يضيف النعمة إلى الله-﷿-وحده كما توجه العبادة إليه وحده" (^٤).
• قال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاء مِنْ
_________________
(١) تفسير ابن كثير (سورة النبأ الآية: ٣٨).
(٢) تفسير بحر العلوم للسمرقندي. (سورة النبأ الآية: ٣٨).
(٣) تفسير فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم التفسير للشوكاني. (سورة النبأ الآية: ٣٨).
(٤) الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية ص: ٣٨٥.
[ ٢٧٢ ]
عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [النحل: الآية: ٢].
• قال حافظ بن أحمد حكمي (ت: ١٣٧٧ هـ) ﵀: "فنعمة التوحيد هي أعظم نعمة أنعم الله ﷿ بها على عباده أن هداهم إليها، ولهذا ذكرها في سورة النحل التي هي سورة النعم، فقدمها أولا قبل كل نعمة" (^١).
• قال تعالى: ﴿حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي﴾ [الأحقاف: الآية: ١٥].
• قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ (ت: مابين ٣٢ - ٣٨ هـ) ﵁: "منْ لَمْ يُعْرَفْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِلَّا فِي مَطْعَمِهِ وَمَشْرَبِهِ فَقَدْ قَلَّ عِلْمُهُ، وَحَضَرَ عَذَابُهُ" (^٢).
• قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵂"نعمتك في التوحيد" (^٣).
• قَالَ رُفَيْعٌ أبو العالية (ت: ٩٣ هـ) ﵀: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا يَهْلِكَ عَبْدٌ بَيْنَ اثْنَتَيْنِ: نِعْمَةٍ يَحْمَدُ اللَّهَ عَلَيْهَا، وَذَنْبٍ يَسْتَغْفِرُ مِنْهُ" (^٤).
• قال أبو حازم (ت: ١٠٠ هـ تقريبًا) ﵀: "كلّ نعمة لا تقرّب من الله ﷿ فهي بليّة" (^٥).
• قال أبو حازم (ت: ١٠٠ هـ تقريبًا) ﵀: "إذا رأيت الله ﷿ يتابع نعمه عليك وأنت تعصيه فاحذرْه" (^٦).
_________________
(١) معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد لحافظ الحكمي. ص ٢٢١.
(٢) الشكر لابن أبي الدنيا ص ٣٣.
(٣) تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (سورة الأحقاف الآية: ١٥)، ٥/ ٩٨.
(٤) الشكر لابن أبي الدنيا ص ٣٢.
(٥) صفوة الصفوة ١/ ٣٨٦.
(٦) صفوة الصفوة ١/ ٣٨٦.
[ ٢٧٣ ]
• عن مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀: ﴿وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة﴾ [لقمان: الآية: ٢٠] قال: "لا إله إلا الله" (^١).
• عن سفيان بن عيينة (ت: ١٩٨ هـ) ﵀، قال: "ما أنعم الله على العباد نعمة من أن عرفهم أن لا إله إلا الله، قال: وإن لا إله إلا الله لهم في الآخرة كالماء في الدنيا" (^٢).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: " ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ يقول: أوزعني بشكر نعمتك التي أنعمت عليّ في تعريفك إياي توحيدك وهدايتك لي للإقرار بذلك، والعمل بطاعتك" (^٣).
• قال محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري (ت ٥٣٨ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿ولكن أكثر الناس لا يشكرون﴾ [غافر: الآية: ٦١]، والمراد بالنعمة التي استوزع الشكر عليها: نعمة التوحيد والإسلام" (^٤).
• قال ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ) ﵀: "متى رأيت تكديرا في حال، فاذكر نعمة ما شكرت، أو زلة قد فعلت، واحذر من نفار النعم ومفاجأة النقم، ولا تغتر بانبساط الحلم فربما عجل انقباضه" (^٥).
• قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿ولكن أكثر الناس لا يشكرون﴾ [غافر: الآية: ٦١]، على نعمة التوحيد والإيمان" (^٦).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وأعظم نعمته عليهم أن
_________________
(١) كتاب الشكر لابن أبي الدنيا ص: ٣٤ رقم (٩٥).
(٢) كتاب الشكر لابن أبي الدنيا ص: ٣٤. برقم (٩٦).
(٣) تفسير الطبري (سورة الأحقاف الآية: ١٥).
(٤) تفسير الكشاف للزمخشري (غافر: الآية: ٦١).
(٥) صيد الخاطر ١/ ٢٠.
(٦) تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (تفسير سورة غافر: الآية: ٦١).
[ ٢٧٤ ]
أمرهم بالإيمان وهداهم إليه، فهؤلاء همِ أهل النعمة المطلقة المذكوريِن في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: الآيات: ٦ - ٧] " (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فَمِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ وَأَشْرَفِ مِنَّةٍ عَلَيْهِمْ: أَنْ أَرْسَلَ إلَيْهِمْ رُسُلَهُ؛ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمْ كُتُبَهُ؛ وَبَيَّنَ لَهُمْ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ. وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانُوا بِمَنْزِلَةِ الْأَنْعَامِ وَالْبَهَائِمِ بَلْ أَشَرَّ حَالًا مِنْهَا فَمَنْ قَبِلَ رِسَالَةَ اللَّهِ وَاسْتَقَامَ عَلَيْهَا فَهُوَ مِنْ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ وَمَنْ رَدَّهَا وَخَرَجَ عَنْهَا فَهُوَ مِنْ شَرِّ الْبَرِيَّةِ وَأَسْوَأُ حَالًا مِنْ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْحَيَوَانِ الْبَهِيمِ " (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وَأعظم نعْمَة أنعمها الله على الْعباد هِيَ الْإِيمَان، وَهُوَ قَول وَعمل يزِيد وَينْقص يزِيد بِالطَّاعَةِ والحسنات وَينْقص بالفسوق والعصيان، فَكلما ازْدَادَ الْإِنْسَان عملا للخير ازْدَادَ إيمَانه؛ هَذَا هُوَ الايمان الْحَقِيقِيّ الْمَذْكُور فِي قَوْله تَعَالَى اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِ بل نعم الدُّنْيَا نعْمَة الدّين؛ وَهل هِيَ نعْمَة أم لَا؟ فِيهِ قَولَانِ مشهوران للْعُلَمَاء من أَصْحَابنَا وَغَيرهم؛ وَالتَّحْقِيق: أَنَّهَا نعْمَة من وَجه، وَإِنْ لم تكن نعْمَة تَامَّة من كل وَجه. وَأما الإنعام بِالدّينِ، من فعل الْمَأْمُور وَترك الْمَحْظُور: فَهُوَ الْخَيْر كُله، وَهُوَ النِّعْمَة الْحَقِيقِيَّة عِنْد أهل السّنة؛ إِذْ عِنْدهم أَنْ الله هُوَ الَّذِي أنعم بِالْخَيرِ كُله … " (^٣).
• قال الذهبي (ت: ٧٤٨ هـ) ﵀-في مقدمة كتاب العلو: "الحمد لله
_________________
(١) "جامع المسائل" (٤/ ٢٨٤).
(٢) "مجموع الفتاوى" (١٩/ ١٠٠).
(٣) "مختصر الفتاوى المصرية" (٢٦٨).
[ ٢٧٥ ]
العلي العظيم رب العرش العظيم على نعمه السابغة الظاهرة والباطنة والحمد لله على نعمة التوحيد" (^١).
• قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: "هَذِهِ أَكْبَرُ نِعَمِ اللَّهِ، ﷿، عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ: حَيْثُ أَكْمَلَ تَعَالَى لَهُمْ دِينَهُمْ، فَلَا يَحْتَاجُونَ إِلَى دِينِ غَيْرِهِ، وَلَا إِلَى نَبِيٍّ غَيْرِ نَبِيِّهِمْ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ؛ وَلِهَذَا جَعَلَهُ اللَّهُ خَاتَمَ الْأَنْبِيَاءِ، وَبَعَثَهُ إِلَى الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، فَلَا حَلَالَ إِلَّا مَا أَحَلَّهُ، وَلَا حَرَامَ إِلَّا مَا حَرَّمَهُ، وَلَا دِينَ إِلَّا مَا شَرَعَهُ، وَكُلُّ شَيْءٍ أَخْبَرَ بِهِ فَهُوَ حَقٌّ وَصِدْقٌ لَا كَذِبَ فِيهِ وَلَا خُلْف، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا﴾ [الْأَنْعَامِ: الآية: ١١٥] أَيْ: صِدْقًا فِي الْأَخْبَارِ، وَعَدْلًا فِي الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، فَلَمَّا أَكْمَلَ الدِّينَ لَهُمْ تَمَّتِ النِّعْمَةُ عَلَيْهِمْ" (^٢).
قال محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٥ هـ) ﵀: عند تفسير قوله تعالى: ﴿ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون﴾ [النحل: الآية: ٧٥]، وقيل: أراد الحمد لله على ما أنعم به على أوليائه من نعمة التوحيد" (^٣).
المطلب الواحد والأربعون: التوحيد أول الحقوق.
• قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ
_________________
(١) العلو للعلى الغفار ص: ٧.
(٢) "تفسير ابن كثير" (٣/ ٢٦).
(٣) تفسير فتح القدير للشوكاني (سورة النحل: الآية: ٧٥).
[ ٢٧٦ ]
إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾. [النساء: الآية: ٣٦].
• قال عبد الرحمن بن قاسم (ت: ١٣٩٢ هـ) ﵀" قوله ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا﴾: "وتسمى هذه الآية آية الحقوق العشرة، وابتداؤه تعالى بالأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك أدل دليل على أنه هو أهمها. فإنه لا يبدأ إلا بالأهم فالأهم. فدلت على أن التوحيد أوجب الواجبات" (^١).
فتسمية هذه الآية بآية الحقوق العشرة لأنها جمعت عشرة حقوق أولها حق الله تعالى وهو التوحيد، وحق الوالدين، وحق ذي القربى، وحق اليتامى، وحق المساكين، وحق الجار ذي القربى، وحق الجار الجنب، وحق الصاحب، وحق ابن السبيل، وحق ملك اليمين وتلك هي عشرة حقوق" (^٢).
المطلب الثاني والأربعون: التوحيد رأس المعروف:
قال تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: الآية: ١٧].
_________________
(١) حاشية الأصول الثلاثة ص ٣٤.
(٢) منهم من صنف فيها وسمى كتابه باسمها مثل كتاب آية الحقوق العشرة من تأليف الدكتور عقيل عبد الرحمن العقيل وكتاب آية الحقوق العشرة من تأليف سليمان ابراهيم اللاحم.
[ ٢٧٧ ]
• وقد سُئِل النبي- ﷺ: أي العمل أفضل؟ فقال- ﷺ: «إيمان بالله ورسوله» (^١).
• وسُئِل النبي-ﷺ: أيُّ الذنب أعظم عند الله؟ فقال-ﷺ: «أن تجعل لله ندًّا، وهو خلقك» (^٢).
• قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "قال بعض العلماء: "المعروف" التوحيد، والمنكر الكفر، والآية نزلت في الجهاد.
قال الفقيه القاضي: ولا محالة أن التوحيد والكفر هما رأس الأمرين، ولكن ما نزل عن قدر التوحيد والكفر، يدخل في الآية ولا بد، المفلحون الظافرون ببغيتهم، وهذا وعد كريم" (^٣).
• قال عز الدين بن عبد السلام (ت: ٦٦٠ هـ) ﵀: " فالأمر بالإيمان أفضل أنواع الأمر بالمعروف. وكذلك الأمر بالفرائض أفضل من الأمر بالنوافل، والأمر بإماطة الأذى عن الطريق من أدنى مراتب الأمر بالمعروف، قال-ﷺ: «الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» " (^٤).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "آصل الدين هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ورأس المعروف هو التوحيد ورأس المنكر هو الشرك" (^٥).
_________________
(١) رواه البخاري: (٢٥/ كتاب الإيمان/ باب: من قال إن الإيمان هوالعمل).
(٢) رواه البخاري: (٤٣٨٩/ كتاب تفسير القرآن/ باب: قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨].
(٣) تفسير ابن عطية (المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز) ١/ ٤٨٦.
(٤) قواعد الأحكام في مصالح الأنام ١/ ١٢٤.
(٥) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٤٤٢).
[ ٢٧٨ ]
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "والمقصود أن الشرك لما كان أظلم الظلم، وأقبح القبائح، وأنكر المنكرات، كان أبغض الأشياء إلى الله وأكرهها له، وأشدها مقتا لديه، ورتب عليه من عقوبات الدنيا والآخرة ما لم يرتبه على ذنب سواه، وأخبر أنه لا يغفره، وأن أهله نجس، ومنعهم من قربان حرمه، وحرم ذبائحهم ومناكحهم، وقطع الموالاة بينهم وبين المؤمنين، وجعلهم أعداء له سبحانه ولملائكته ورسله وللمؤمنين، وأباح لأهل التوحيد أموالهم ونساءهم وأبناءهم، وأن يتخذوهم عبيدا. وهذا لأن الشرك هضم لحق الربوبية، وتنقص لعظمة الإلهية، وسوء ظن برب العالمين، كما قال تعالى: ﴿ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا﴾ [الفتح: الآية: ٦].
فلم يجمع على أحد من الوعيد والعقوبة ما جمع على أهل الإشراك؛ فإنهم ظنوا به ظن السوء حتى أشركوا به، ولو أحسنوا به الظن لوحدوه حق توحيده، ولهذا أخبر سبحانه عن المشركين أنهم ما قدروه حق قدره في ثلاثة مواضع من كتابه؛ وكيف يقدره حق قدره من جعل له عدلا وندا يحبه، ويخافه، ويرجوه، ويذل له، ويخضع له، ويهرب من سخطه، ويؤثر مرضاته؟
قال تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله﴾ [البقرة: الآية: ١٦٥]، وقال تعالى: ﴿الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون﴾ [الأنعام: الآية: ١]؛ أي يجعلون له عدلا في العبادة والمحبة والتعظيم" (^١).
_________________
(١) إغاثة اللهفان ١/ ١٠١ - ١٠٢.
[ ٢٧٩ ]
• قال الشيخ: عبد اللطيف بن عبد الرحمن النجدي الحنبلي (ت: ١٢٩٣ هـ) ﵀: "وإنما أُرْسِلت الرُّسل وأُنْزِلت الكتب للأمر بالمعروف الذي رأسه وأصله التوحيد، والنهي عن المنكر الذي رأسه وأصله الشرك" (^١).
المطلب الثالث والأربعون: التوحيد أعظم القرب.
• قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: الآية: ٥٧].
• عن أبي بكرة (ت: ٥١ هـ) ﵁-عن رسول الله ﷺ أنه قال: «دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو؛ فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، أصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت» (^٢).
• في الحديث القدسي «ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئا لقيته بمثلها مغفرة» (^٣).
فدل الحديث على أن الإنسان الذي يأتي بقراب الأرض معاصي، وهو يعلم أن لا إله إلا الله مخلصا لرب العالمين سبحانه، وأنه وحده الذي يغفر الذنوب، فإنه تدركه رحمة رب العالمين والله يغفر له.
• قال عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (ت: ١٢٨٥ هـ) ﵀: "فهؤلاء دينهم التوحيد وهو بخلاف من دعاهم من دون الله ووصفهم
_________________
(١) مجموعة الرسائل والمسائل النجدية" ص ٥٥٥، ٥٥٦.
(٢) أخرجه: أحمد، برقم (٢٠٤٢٩)، وأبو داود برقم (٥٠٩٠)، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، رقم (٤٢٤٦)
(٣) رواه مسلم (٢٦٨٧).
[ ٢٨٠ ]
بقوله: ﴿يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب﴾، فيطلبون القرب من الله بالإخلاص له وطاعته فيما أمر، وترك ما نهاهم عنه. وأعظم القرب التوحيد الذي بعث الله به أنبياءه ورسله، وأوجب عليهم العمل به والدعوة إليه، وهذا الذي يقربهم إلى الله أي إلى عفوه ورضاه، ووصف ذلك بقوله: ﴿ويرجون رحمته ويخافون عذابه﴾، فلا يرجون أحدا سواه ولا يخافون غيره، وذلك هو توحيده؛ لأن ذلك يمنعهم من الشرك، ويوجب لهم الطمع في رحمة الله والهرب من عقابه" (^١).
فالتوحيد أعظم القربات وأجلّ ما يُسأل به الله، وتأمّل دعوة ذي النّون ﵊ الذي تغشّته الكربات ﴿فَنادى في الظُّلُماتِ أن لا إلهَ إلّا أنت سُبحانك إني كُنْتُ من الظّالِمين﴾ [الأنبياء: الآية: ٨٧].
المطلب الربع والأربعون: التوحيد أعظم الوسائل إلى الله.
• قال عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (ت: ١٢٨٥ هـ) ﵀: "وأعظم الوسائل إلى الله تعالى التوحيد الذي بعث الله به أنبياءه ورسله وخلق الخلق لأجله.
ومن التوسل إليه التوسل بأسمائه وصفاته كما قال تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ [الأعراف: الآية: ١٨٠]، وكما ورد في الأذكار المأثورة من التوسل بها في الدعوات كقوله: "اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام " (^٢).
_________________
(١) قرة عيون الموحدين ص ٤٤.
(٢) رواه أبو داود رقم (١٤٩٥) في الصلاة: باب الدعاء، والترمذي رقم (٣٥٣٨) في الدعوات: باب رقم ١٠٩، والنسائي ٣/ ٥٢ في السهو: باب الدعاء بعد الذكر، وأحمد ٣/ ١٢٠، وابن ماجه رقم (٣٨٥٨)، من حديث أنس ﵁، وصححه ابن حبان رقم (٢٣٨٢) " موارد "، والحاكم ١/ ٥٠٣ و٥٠٤ ووافقه الذهبي وهو كما قالا ..
[ ٢٨١ ]
وقوله: " اللهم إني أسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد " (^١)، وغير ذلك من الأعمال الصالحة الخالصة التي لم يشبها شرك، فالتوسل إلى الله هو بما يحبه ويرضاه لا بما يكرهه ويأباه من الشرك الذي نزه نفسه عنه بقوله: ﴿سبحان الله عما يشركون﴾ [الطور: الآية: ٤٣]، وقوله: ﴿وسبحان الله وما أنا من المشركين﴾ [يوسف: الآية: ١٠٨] " (^٢).
المطلب الخامس والأربعون: التوحيد هو الإكسير الأعظم.
• قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "التوحيد هو الإكسير الأعظم، فلو وضع ذرة منها على جبال الذنوب والخطايا، لقلبها حسنات، كما في "المسند" وغيره، عن أم هانئ، عن النبي-ﷺ، قال: «لا إله إلا الله لا تترك ذنبا ولا يسبقها عمل» (^٣) " (^٤).
_________________
(١) رواه أبو داود رقم (١٤٩٢) في الصلاة: باب الدعاء، والترمذي رقم (٢٤٧١) في الدعوات: باب ما جاء في جامع الدعوات عن رسول الله ﷺ، وابن ماجه رقم (٣٨٥٧)، وأحمد في "المسند " ٥/ ٣٦٠ وهو حديث صحيح، وصححه ابن حبان رقم (٢٣٨٣) والحاكم ١/ ٥٠٤ ووافقه الذهبي، من حديث بريدة ﵁، ولفظه أن النبي ﷺ سمع رجلا يقول: "اللهم إني أسألك … " الحديث ..
(٢) قرة عيون الموحدين ص ٤٥.
(٣) رواه أحمد برقم (٢٦٣٢٤)، رواه ابن ماجه، (٢/ ١٢٤٨).
(٤) تفسير ابن رجب ١/ ٣٤٠.
[ ٢٨٢ ]
المطلب السادس والأربعون: التوحيد أحسن الحسنات.
• قال تعالى: ﴿وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا﴾ [الإسراء: الآية: ٥٣].
• عن شداد بن أوس (ت: ٥٨ هـ) ﵁، وعبادة بن الصامت (ت: ٣٤ هـ) ﵁؛ أن النبي-ﷺ-قال لأصحابه: «ارفعوا أيديكم وقولوا: لا إله إلا الله، فرفعنا أيدينا ساعة، فوضع رسول الله-ﷺ-يده وقال: «الحمد الله، اللهم بعثْتَني بهذه الكلمة، وأمرتني بها، ووعدتني الجَنَّة وإنك لا تخلف الميعاد»، ثم قال: «أبشروا؛ إن الله قد غفر لكم وهي أحسَن الحسنات، وهي تمحو الذنوب والخطايا» " (^١).
• عن أبي ذر (ت: ٣٠ أو ٣١ هـ) ﵁-مرفوعا «هي أحسن الحسنات» (^٢).
• قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: " ﴿يقولوا التي هي أحسن﴾، فقالت فرقة: هي لا إله إلا الله" (^٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "إن الله خلق الخلق لعبادته الجامعة لمعرفته والإنابة إليه ومحبته والإخلاص له فبذكره تطمئن قلوبهم؛ وبرؤيته في الآخرة تقر عيونهم ولا شيء يعطيهم في الآخرة أحب إليهم من النظر إليه؛ ولا شيء يعطيهم في الدنيا أعظم من الإيمان به.
_________________
(١) الترغيب والترهيب"، (٢/ ٤١٥).
(٢) رواه الطبري (١٢/ ٢٧٩) وحسنه ابن حجر في «الأمالي المطلقة» (ص ١٢٩)، والألباني في «كلمة الإخلاص» لابن رجب (ص ٥٥) ..
(٣) تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ٣/ ٤٦٤.
[ ٢٨٣ ]
وحاجتهم إليه في عبادتهم إياه وتألههم كحاجتهم وأعظم في خلقه لهم وربوبيته إياهم؛ فإن ذلك هو الغاية المقصودة لهم؛ وبذلك يصيرون عاملين متحركين، ولا صلاح لهم ولا فلاح؛ ولا نعيم ولا لذة؛ بدون ذلك بحال. بل من أعرض عن ذكر ربه فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى. ولهذا كان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ولهذا كانت لا إله إلا الله أحسن الحسنات، وكان التوحيد بقول: لا إله إلا الله؛ رأس الأمر" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: " ويحرم الحلف بغير الله تعالى، وهو ظاهر المذهب، وعن ابن مسعود وغيره، لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا، قال أبو العباس: لأن حسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق، وسيئة الكذب أسهل من سيئة الشرك" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ولهذا كانت «لا إله إلا الله» أحسن الحسنات، وكان توحيد الإلهية رأس الأمر" (^٣).
• قال شمس الدين محمد بن مفلح (ت: ٧٦٣ هـ) ﵀: "وعن ابن مسعود وغيره: (لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا) (^٤). قال شيخنا: لأن حسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق، وسيئة الكذب أسهل من سيئة الشرك" (^٥).
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١/ ٢٣.
(٢) المستدرك على مجموع الفتاوى ٨/ ١٤٠.
(٣) إغاثة اللهفان ١/ ٤٥.
(٤) أخرجه عبد الرزاق في المصنف "٨/ ٤٦٩".
(٥) كتاب الفروع وتصحيح الفروع لابن مفلح ١٥/ ٤٣٧.
[ ٢٨٤ ]
المطلب السابع والأربعون: التوحيد أحسن الحسن.
• قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: "التوحيد أحسن الحسن" (^١).
المطلب الثامن والأربعون: ليس في خزائن الله أكبر من التوحيد.
• قال سهل التستري (ت: ٢٨٣ هـ) ﵀: "وليس في خزائن الله أكبر من التوحيد" (^٢).
• قال محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري (ت ٥٣٨ هـ) ﵀: "قال بعضهم: الجنة كثير للمؤمن لأنها ثواب الله، وما أعطاه من المغفرة أفضل. ولم يخرج من خزائن الله أفضل من التوحيد" (^٣).
المطلب التاسع والأربعون: كلمة التوحيد أطيب الكلام والعقائد.
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فإن الاعتقاد هو الكلمة التي يعتقدها المرء؛ وأطيب الكلام والعقائد: كلمة التوحيد واعتقاد أن لا إله إلا الله.
_________________
(١) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ١٧/ ١٩١.
(٢) تفسير التستري ص ٨٧، وانظر: حلية الأولياء ١٥/ ١٩٦.
(٣) كتاب ربيع الأبرار ونصوص الأخبار ٢/ ١٤١.
[ ٢٨٥ ]
وأخبث الكلام والعقائد: كلمة الشرك وهو اتخاذ إله مع الله. فإن ذلك باطل لا حقيقة له" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود: الآية: ٣].
فذكر أن محبته وطاعته والإقبال عليه ضامن لأطيب الحياة" (^٢).
المطلب الخمسون: عبودية التوحيد أسمى المقامات.
• قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: "وقد سمى الله رسوله بعبده في أشرف مقاماته فقال: ﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب﴾ [الكهف: الآية: ١]، وقال: ﴿وأنه لما قام عبد الله يدعوه﴾ [الجن: الآية: ١٩]، وقال: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا﴾ [الإسراء: الآية: ١] فسماه عبدا عند إنزاله عليه وقيامه في الدعوة وإسرائه به" (^٣).
المطلب الواحد والخمسون: كلمة التوحيد أفضل الذكر.
• عن جابر بن عبد الله (ت: ٧٨ هـ) ﵁-قال: قال رسول الله-ﷺ: «أفضلُ الذِّكرِ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأفضَلُ الدُّعاءِ الحمدُ للهِ» (^٤).
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٤/ ٧٤.
(٢) مدارج السالكين ٣/ ٢٥٩.
(٣) تفسير ابن كثير ١/ ١٣٦
(٤) سنن الترمذي (٣٣٨٣) وحسنه، وابن ماجة (٣٨٠٠)، وابن حبان (٨٤٦)، والحاكم (١٨٣٤)، والنسائي في "السنن الكبرى" (١٠٥٩٩)، وحسنه الألباني في "صحيح الترمذي".
[ ٢٨٦ ]
• عن ابن عمرو (ت: ٦٥ هـ) ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ-ﷺ-قَالَ: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (^١).
• وعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ كَرِيزٍ-﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ-ﷺ-قَالَ: «أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ. وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ» " (^٢).
المطلب الثاني والخمسون: كلمة التوحيد أفضل الكلام.
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "و" لا إله إلا الله " تقتضي الإخلاص والتوكل. والإخلاص يقتضي الشكر. فهي أفضل الكلام. وهي أعلى شعب الإيمان" (^٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "كلمة التوحيد أفضل الكلام، وأعظمه" (^٤).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "ولهذا ورد في فضل هذه الكلمة شهادة أن لا إله إلا الله من الدلائل ما يضيق هذا الموضع عن ذكره وهي أفضل الكلام وما فيها من العلم والمحبة أفضل العلوم
_________________
(١) سنن الترمذي (٣٥٨٥) وحسنه الألباني في "صحيح الترمذي".
(٢) وروى الإمام مالك في "الموطأ " (٧٢٦)، والبيهقي في "السنن" (٨٣٩١).
(٣) مجموع الفتاوى ١٤/ ٤٢٠.
(٤) مجموع الفتاوى (٣/ ٤٠٠).
[ ٢٨٧ ]
والمحبات كالحديث الذي في السنن «أفضل الذكر لا إله ألا الله» (^١). " (^٢).
المطلب الثالث والخمسون: كلمة التوحيد أبلغ الثناء.
• قال الإمام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "أبلغ الثناء: قول لا إله إلا الله، وأبلغ الدعاء: أستغفر الله" (^٣).
المطلب الرابع والخمسون: التوحيد سبب النجاة.
• عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁ قال قال رسول الله-ﷺ: «مَنْ قال: لا إلهَ إلا اللهُ؛ نَفَعتْه يومًا من دهرِه، يُصيبُه قبلَ ذلكَ ما أصابَه» (^٤).
• قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: " ﴿مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ﴾ [غافر: الآية: ٤١]: إلى الإيمان بالله ﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر: الآية: ٤١]: إلى الكفر الذي يدخل به صاحبه النار" (^٥).
_________________
(١) سنن الترمذي (٣٣٨٣) وحسنه، وابن ماجة (٣٨٠٠)، وابن حبان (٨٤٦)، والحاكم (١٨٣٤)، والنسائي في "السنن الكبرى" (١٠٥٩٩)، وحسنه الألباني في "صحيح الترمذي".
(٢) قاعدة في المحبة ص ١٣.
(٣) مجموع الفتاوى ١١/ ٦٩٧.
(٤) أخرجه البزار (٨٢٩٢)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (٦٣٩٦) واللفظ لهما، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٧/ ١٢٦)، وصححه الألباني. في صحيح الترغيب برقم: (١٥٢٥).
(٥) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين ٤/ ١٣٥.
[ ٢٨٨ ]
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وإنما ضمنت النجاة لمن حكم هدى الله تعالى على غيره، وتزود التقوى، وأتم بالدليل وسلك الصراط المستقيم، واستمسك من التوحيد واتباع الرسول-ﷺ-بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، والله سميع عليم" (^١).
• وأوصى ابنُ قُدامَة (ت: ٦٢٠ هـ) ﵀-أحد إخوانه: "واعلم أنّ مَنْ هوَ في البَحرِ على اللوحِ، ليسَ بأحوَجَ إلى اللهِ وإلى لُطفه ممن هوَ في بيتِه بينَ أهلِه ومالِه، فإذا حققتَ هذا في قَلبِك فاعتمد على الله اعتمادَ الغريقِ الذي لا يعلمُ له سبب نجاةٍ غير الله! " (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والقرآن كله مملوء من تحقيق هذا التوحيد والدعوة إليه، وتعليق النجاة والفلاح، واقتضاء السعادة في الآخرة به" (^٣).
• قال محمد بن يعقوب الفيروزأبادي (ت: ٨١٧ هـ) ﵀: "والتوحيد الحقيقى الذى هو سبب النجاة ومادة السعادة في الدار الآخرة ما بينه الله تعالى وهدانا في كتابه العزيز بقوله: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قآئما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم *﴾ [آل عمران: الآية: ١٨] " (^٤).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "التوحيد جعله الله موصلا إلى كل خير دافعا لكل شر ديني ودنيوي، وجعل الشرك به والكفر سببا للعقوبات الدينية والدنيوية، ولهذا إذا ذكر
_________________
(١) اجتماع الجيوش الإسلامية ١/ ٨٣.
(٢) الوصية المُباركة ص ٧٧.
(٣) منهاج السنة ٥/ ٣٤٧.
(٤) بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز ٥/ ١٧١.
[ ٢٨٩ ]
تعالى قصص الرسل مع أمم المطيعين والعاصين، وأخبر عن عقوبات العاصين ونجاة الرسل ومن تبعهم، قال عقب كل قصة: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَأيَة﴾ [البقرة: الآية: ٢٤٨]، أي: لعبرة يعتبر بها المعتبرون فيعلمون أن توحيده هو الموجب للنجاة، وتركه هو الموجب للهلاك" (^١).
• قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ) ﵀: "لم يضمن الله لأحد ألا يكون ضالا في الدنيا ولا شقيا في الآخرة إلا لمتبعي الوحي وحده. قال تعالى في طه: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَ﴾ [طه: الآية: ١٢٣]، وقد دلت آية طه هذه على انتفاء الضلال والشقاوة عن متبعي الوحي. ودلت آية البقرة على انتفاء الخوف والحزن عنه، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَ﴾ [البقرة: الآية: ١٢٣] " (^٢).
المطلب الخامس والخمسون: القلوب في سجن من الجحيم في هذه الدار ولا تزال في هذا السجن حتى تتخلص إلى فضاء التوحيد
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وهذه القلوب في سجن من الجحيم في هذه الدار، وإن أريد بها خيرًا كان حظها من سجن الجحيم في معادها، ولا تزال في هذا السجن حتى تتخلص إلى فضاء التوحيد، والإقبال على الله، والأنس به، وجعل محبته في محل دبيب خواطر القلب ووساوسه، بحيث يكون ذكره تعالى وحبه، وخوفه ورجاؤه،
_________________
(١) تفسير ابن سعدي (سورة آل عمران الآية: ١٨).
(٢) أضواء البيان ٧/ ٣٠٢.
[ ٢٩٠ ]
والفرح به والابتهاج بذكره هو المستولي على القلب، الغالب عليه، الذي متى فقده فقد قوته الذي لا قوام له إلا به، ولا بقاء له بدونه، ولا سبيل إلى خلاص القلب من هذه الآلام التي هي أعظم أمراضه وأفسدها له إلا بذلك، ولا بلاغ إلا بالله وحده، فإنه لا يوصل إليه إلا هو، ولا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يصرف السيئات إلا هو، ولا يدل عليه إلا هو، وإذا أراد عبده لأمر هيأه له، فمنه الإيجاد، ومنه الإعداد، ومنه الإمداد، وإذا أقامه في مقام، أي مقام كان، فبحمده أقامه فيه، وحكمته إقامته فيه، ولا يليق به غيره، ولا يصلح له سواه، ولا مانع لما أعطى الله، ولا معطي لما منع، ولم يمنع عبده حقا هو للعبد فيكون بمنعه ظالما؛ بل منعه ليتوصل إليه بمحابه ليعطيه، وليتضرع إليه، ويتذلل بين يديه، ويتملقه، ويعطي فقره إليه حقه، بحيث يشهد في كل ذرة من ذراته الباطنة والظاهرة فاقة تامة إليه على تعاقب الأنفاس" (^١).
المطلب السادس والخمسون: التوحيد أصل في إقامة الدين.
• قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: الآية: ٣٠].
• قال سعيد بن جبير (ت: ٩٥ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿فأقم وجهك للدين﴾ أي: أخلص دينك لله" (^٢).
_________________
(١) زاد المعاد ٢/ ٤٢٨ - ٤٢٩.
(٢) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الروم: الآية: ٣٠).
[ ٢٩١ ]
• قال السدي (ت: ١٢٨) ﵀: " ﴿فأقم وجهك للدين﴾ [الروم: ٣٠]، يعني: التوحيد" (^١).
• قال يحيى بن سلام بن أبي ثعلبة، التيمي (ت: ٢٠٠ هـ) ﵀: " ﴿فأقم وجهك للدين﴾ [الروم: ٣٠]، يعني: التوحيد" (^٢).
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿فأقم وجهك للذين﴾،: يعني فأخلص دينك الإسلام لله ﷿" (^٣).
• قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: "وإقامة الوجه: إقامة الدين" (^٤).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فإقامة وجهة الدين حنيفا عبادة الله وحده لا شريك له وذلك يجمع الإيمان بكل ما أمر الله به وأخبر به أن يكون الدين كله لله.
ثم قال الله تعالى ﴿ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا﴾ [الروم: الآيات: ٣١ - ٣٢]، وذلك أنه إذا كان الدين كله لله حصل الإيمان والطاعة لكل ما أنزله وأرسل به رسله وهذا يجمع كل حق ويجمع عليه كل حق، وإذا لم يكن كذلك فلا بد أن يكون لكل قول ما يمتازون به مثل معظم مطاع أو معبود لم يأمر الله بعبادته وطاعته ومثل قول ودين ابتدعوه لم يأذن الله به ولم يشرعه فيكون كل من الفريقين مشركا من هذا الوجه" (^٥).
_________________
(١) تفسير يحيى بن سلام. (سورة الروم: الآية: ٣٠).
(٢) تفسير يحيى بن سلام. (سورة الروم: الآية: ٣٠).
(٣) تفسير مقاتل بن سليمان. (سورة الروم: الآية: ٣٠).
(٤) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الروم: الآية: ٣٠).
(٥) قاعدة في المحبة ص ٤٤.
[ ٢٩٢ ]
• قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: "يقول تعالى: فسدد وجهك واستمر على الذي شرعه الله لك، من الحنيفية ملة إبراهيم، الذي هداك الله لها، وكملها لك غاية الكمال، وأنت مع ذلك لازم فطرتك السليمة، التي فطر الله الخلق عليها، فإنه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده، وأنه لا إله غيره" (^١).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "التوحيد فطرة الله التي فطر الناس عليها: قال-تعالى-: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: الآية: ٣٠]؛ " ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾؛ أي: انصبه ووجِّهه ﴿لِلدِّينِ﴾ الذي هو الإسلام والإيمان والإحسان؛ بأن تتوجَّه بقلبك وقصدك وبدنك إلى إقامة شرائع الدين الظاهرة؛ كالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، ونحوها، وشرائعه الباطنة؛ كالمحبة، والخوف، والرجاء، والإنابة، والإحسان في الشرائع الظاهرة والباطنة، بأن تعبد الله فيها كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك، وخصَّ الله إقامة الوجه؛ لأن إقبال الوجه تبعٌ لإقبال القلب، ويترتَّب على الأمرين سعيُ البدن، ولهذا قال: ﴿حَنِيفًا﴾؛ أي: مُقْبِلًا على الله في ذلك، معرِضًا عمَّا سواه، وهذا الأمر الذي أمرناك به هو ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾، ووضع في عقولهم حسنها، واستقباح غيرها. فإن جميع أحكام الشرع، الظاهرة والباطنة، قد وضع الله في قلوب الخلق كلهم الميلَ إليها، فوضع في قلوبهم محبة الحق وإيثار الحق، وهذه حقيقة الفِطَر، ومَن خرج عن هذا الأصل، فلِعارِضٍ عرض لفطرته أفسدها؛ كما قال النبي ﷺ: «كل مولود يُولَد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم لابن كثير. (سورة الروم: الآية: ٣٠).
[ ٢٩٣ ]
يمجِّسانه». ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾؛ أي: لا أحد يبدِّل خلق الله، فيجعل المخلوق على غير الوضع الذي وضعه الله ﴿ذَلِكَ﴾ الذي أمرناك به ﴿الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾؛ أي: الطريق المستقيم الموصل إلى الله، وإلى دار كرامته، فإنَّ مَنْ أقام وجهه للدين حنيفًا فإنه سالك الصراط المستقيم في جميع شرائعه وطرقه؛ ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾، فلا يتعرَّفون الدين القيم، وإن عرفوه لم يسلكوه" (^١).
المطلب السابع والخمسون: التوحيد حياة الدنيا.
• قال يحيى بن عمار (ت: ٤٢٢ هـ) ﵀: "العلوم خمسة: ١ - حياة الدنيا. هو علم التوحيد. ٢ - غذاء الدين؛ هو علم التذكر بمعاني القرآن والحديث. ٣ - دواء الدين؛ هو علم الفتوى إذا نزل بالعبد نازلة احتاج إلى من يشفيه منها. ٤ - داء الدين هو الكلام المحدث. ٥ - هلاك الدين؛ وهو علم السحر ونحوه" (^٢).
المطلب الثامن والخمسون: التوحيد أعظم ما أمر الله به.
• قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد: الآية: ١٩].
_________________
(١) "تفسير السعدي": (الروم: ٣٠).
(٢) مجموع الفتاوى ١٥/ ١٤٦.
[ ٢٩٤ ]
• قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: الآية: ٢٣].
• قال ابن أبي العز (ت: ٧٩٢ هـ) ﵀: "اعلم أن التوحيد هو أول دعوة الرسل وأول منازل الطريق، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله ﷿ … ولهذا كان الصحيح أن أول واجب يجب على المكلف شهادة أن لا إله إلا الله، لا النظر، ولا القصد إلى النظر، ولا الشك، فالتوحيد أول ما يدخل به في الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا، فهو أول واجب وآخر واجب" (^١).
• قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: "التوحيد أعظم المأمورات، وكان العصيان فيه أعظم العصيان" (^٢).
• قال محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي (ت ١٢٠٦ هـ) ﵀: "أعظم ما أمر الله به التوحيد؛ وهو إفراد الله بالعبادة، وأعظم ما نهى عنه الشرك؛ وهو دعوة غيره معه، والدليل قوله تعالى: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا﴾ [النساء: الآية: ٣٦] " (^٣).
• قال محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي (ت ١٢٠٦ هـ) ﵀: "أهم ما فرض على العباد معرفة أن الله رب كل شيء؛ ومليكه؛ ومدبّره بإرادته" (^٤).
• قال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀-معلِّقًا على قول الشيخ ابن عبد الوهاب: "وأعظم ما أمر الله به التوحيد: وإنما كان التوحيد أعظم ما أمر الله لأنه الأصل الذي ينبني عليه الدين كله، ولهذا بدأ
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز ١/ ٢١ - ٢٣.
(٢) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ١١/ ١٧٥.
(٣) ثلاثة الأصول ص: ٨.
(٤) مجموع الرسائل والمسائل النجدية ١/ ١٦.
[ ٢٩٥ ]
به النبي ﷺ في الدعوة إلى الله، وأمر من أرسله للدعوة أن يبدأ به" (^١).
• قال حافظ بن أحمد حكمي (ت: ١٣٧٧ هـ) ﵀: "والمقصود أن الشرك أعظم ما نهى الله عنه كما أن التوحيد أعظم ما أمر الله به؛ ولهذا كان أول دعوة الرسل كلهم إلى توحيد الله ﷿ ونفي الشرك فلم يأمروا بشيء قبل التوحيد ولم ينهوا عن شيء قبل الشرك" (^٢).
• قال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم (ت: ١٣٩٢ هـ) ﵀ في تعليقه على قوله تعالى ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا﴾ [النساء: الآية: ٣٦]: "وتسمى هذه الآية آية الحقوق العشرة. لأنها اشتملت على حقوق عشرة. أحدها الأمر بالتوحيد ثم عطف عليه التسعة الباقية وابتداؤه تعالى بالأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك أدل دليل على أنه هو أهمها، فإنه لا يبدأ إلا بالأهم فالأهم، فدلت على أن التوحيد أوجب الواجبات، وأن ضده وهو الشرك أعظم المحرمات" (^٣).
المطلب التاسع والخمسون: التوحيد عظيم.
• قال تعالى: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: الآية: ٣١].
• قال بشر بن الحارث الحافي (ت: ٢٢٧ هـ) ﵀: "لو تفكر الناس في عظمة الله تعالى لما عصوه" (^٤).
_________________
(١) شرح ثلاثة الأصول ص: ٤١.
(٢) كتاب معارج القبول بشرح سلم الوصول ٢/ ٤٨١.
(٣) حاشية الأصول الثلاثة ص: ٣٤.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ١٨٥.
[ ٢٩٦ ]
• قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: "قوله: ﴿حنفاء لله﴾ الذي له الكمال كله، فلا ميل في شيء من فعله، وإنما كانا كذلك مع اجتماعهما في مطلق الميل، لأن الزور تدور مادته على القوة والوعورة، والحنف - كما مضى في البقرة - على الرقة والسهوله، فكان ذو الزور معرضا عن الدليل بما فيه من الكثافة والحنيف مقبلا على الدليل بما له من الاطافة.
ولما أفهم ذلك التوحيد، أكده بقوله: ﴿غير مشركين به﴾ أي شيئا من إشراك، بل مخلصين له الدين، ودل على عظمة التوحيد وعلوه، وفظاعة الشرك وسفوله، بقوله زاجرا عنه عاطفا على ما تقديره: فمن امتثل ذلك أعلاه اعتداله إلى الرفيق الأعلى: ﴿ومن يشرك﴾ أي يوقع شيئا من الشرك ﴿بالله﴾ أي الذي له العظمة كلها، لشيء من الأشياء في وقت من الأوقات ﴿فكأنما خر من السماء﴾ لعلو ما كان فيه من أوج التوحيد وسفول ما انحط إليه من حضيض الإشراك.
ولما كان الساقط من هذا العلو متقطعا لا محالة إما بسباع الطير أو بالوقوع على جلد، عبر عن ذلك بقوله: ﴿فتخطفه الطير﴾ أي قطعا بينها، وهو نازل في الهواء قبل أن يصل إلى الأرض ﴿أو تهوي به الريح﴾ أي حيث لم يجد في الهواء ما يهلكه ﴿في مكان﴾ من الأرض ﴿سحيق*﴾ أي بعيد في السفول، فيتقطع حال وصوله إلى الأرض بقوة السقطة وشدة الضغطة لبعد المحل الذي خر منه وزل عنه، فالآية من الاحتباك: خطف الطير الملزوم للتقطع أولا دال على حذف التقطع ثانيا، والمكان السحيق الملزوم لبلوغ الأرض ثانيا دليل على حذف ضده أولا؛ ثم عظم ما تقدم من التوحيد وما هو مسبب عنه بالإشارة بأداة البعد" (^١).
_________________
(١) كتاب نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ١٣/ ٤٣ - ٤٤.
[ ٢٩٧ ]
المطلب الستون: التوحيد سلعة، الله مشتريها.
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "لا إله إلا الله سلعة، الله مشتريها، وثمنها الجنة، والدلال الرسول، ترضى بيعها بجزء يسير مما لا يساوي كله جناح بعوضة" (^١).
المطلب الواحد والستون: كلمة التوحيد هي الموجبة.
• عن جابر بن عبد الله (ت: ٧٨ هـ) ﵁-قال: أتى النَّبيَّ ﷺ رجلٌ فقالَ: يا رسولَ اللهِ، ما المُوجِبَتانِ؟ فقالَ: «من ماتَ لا يُشرِكُ باللَّهِ شيئًا دخلَ الجنَّةَ، ومن ماتَ يشركُ باللَّهِ شيئًا دخلَ النَّارَ» (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: " يريد أن التوحيد والشرك رأس الموجبات وأصلها، فهما بمنزلة السم القاتل قطعا والترياق المنجي قطعا.
وكما أن البدن قد تعرض له أسباب ردية لازمة توهن قوته وتضعفها، فلا ينتفع معها بالأسباب الصالحة والأغذية النافعة، بل تحيلها تلك المواد
_________________
(١) الفوائد ص ٤٢.
(٢) أخرجه مسلم برقم: (٩٣).
[ ٢٩٨ ]
الفاسدة إلى طبعها وقوتها، فلا يزداد بها إلا مرضا، وقد تقوم به مواد صالحة وأسباب موافقة توجب قوته وتمكنه من الصحة وأسبابها، فلا تكاد تضره الأسباب الفاسدة، بل تحيلها تلك المواد الفاضلة إلى طبعها فهكذا مواد صحة القلب وفساده" (^١).
• قال محمد بن يعقوب الفيروزأبادي (ت: ٨١٧ هـ) ﵀: "والكلمة الموجبة: لا إله إلا الله" (^٢).
«ما الموجبتان؟»، أي: ما الخصلتان من الخير والشر اللتان إذا فعلت إحداهما أوجبت لصاحبها الجنة أو أوجبت له النار.
المطلب الثاني والستون: التوحيد الشأن كله فيه، والمدار كله عليه.
• قال تعالى: ﴿فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون﴾ [الحجر: الآيات: ٩٢ - ٩٣].
• عن ابن عمر (ت: ٧٣ هـ) ﵄: ﴿لَنَسْئَلَنّهُمْ أجمَعِينَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، قال: "عن لا إله إلاّ الله" (^٣).
• عن أنس بن مالك (ت: ٩٠ هـ) ﵁، في قوله: ﴿فَوَرَبّكَ لَنَسْئَلَنّهُمْ أجمَعِينَ﴾ قال: "عن شهادة أن لا إله إلاّ الله" (^٤).
• قال أبو العالية (ت: ٩٣ هـ): كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ " (^٥).
• قال قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀: "كلمتان يسأل
_________________
(١) زاد المعاد ٣/ ٥٢١ - ٥٢٢.
(٢) بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز ٥/ ١٦١.
(٣) جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري. (سورة الحجر: الآية: ٩٢) ..
(٤) جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري. (سورة الحجر: الآية: ٩٢) ..
(٥) مجموع الفتاوى ١٥/ ١٠٥، طريق الهجرتين ٢٩٦ - ٢٩٧.
[ ٢٩٩ ]
عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون وماذا أجبتم المرسلين؟ " (^١).
• عن مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀، في قول: ﴿فَوَرَبّكَ لَنَسْئَلَنّهُمْ أجمَعِينَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قال: "عن لا إله إلاّ الله" (^٢).
• قال محمد بن إسماعيل البخاري (ت: ٢٥٦ هـ) ﵀: وقال عدة من أهل العلم في قوله تعالى: ﴿فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون﴾ "عن قول لا إله إلا الله" (^٣).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: فوربك يا محمد لنسألنّ هؤلاء الذين جعلوا القرآن في الدنيا عضين في الَاخرة عما كانوا يعملون في الدنيا، فيما أمرناهم به وفيما بعثناك به إليهم من آي كتابي الذي أنزلته إليهم وفيما دعوناهم إليه من الإقرار به ومن توحيدي والبراءة من الأنداد والأوثان" (^٤).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فحقيق لمن نصح نفسه وأحب سعادتها ونجاتها أن يتيقظ لهذه المسألة فإن الشأن كله فيها والمدار عليها والسؤال يوم القيامة عنها، قال تعالى: ﴿فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون﴾ [الحجر: الآيات: ٩٢ - ٩٣]، قال غير واحد من السلف: هو عن قول: "لا إله إلا الله"، وهذا حق.
فإن السؤال كله عنها وعن أحكامها وحقوقها وواجباتها ولوازمها، فلا يسأل أحد قط إلا عنها وعن واجباتها ولوازمها وحقوقها، قال
_________________
(١) التبوكية (١/ ٢٤)، إغاثة اللهفان ١/ ٨٤.
(٢) جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري. (سورة الحجر: الآية: ٩٢) ..
(٣) صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب من قال الإيمان هو العمل (١/ ١٨).
(٤) جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري. (سورة الحجر: الآية: ٩٢) ..
[ ٣٠٠ ]
أبو العالية (ت: ٩٣ هـ): كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ فالسؤال عماذا كانوا يعبدون هو السؤال عنها نفسها، والسؤال عماذا أجابوا المرسلين سؤال عن الوسيلة والطريق المؤدية إليها: هل سلكوها وأجابوا الرسل لما دعوهم إليها، فعاد الأمر كله إليها.
وأمر هذا شأنه حقيق بأن تنعقد عليه الخناصر، ويعض عليه بالنواجذ، ويقبض فيه على الجمر ولا يؤخذ بأطراف الأنامل، ولا يطلب على فضله، بل يجعل هو المطلب الأعظم وما سواه إنما يطلب على الفضلة. والله الموفق لا إله غيره ولا رب سواه" (^١).
• قال تعالى: ﴿يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم﴾ [المائدة: الآية: ١٠٩]
• قال أحمد بن حنبل (ت: ٢٤١ هـ) ﵀ "أما قوله: ﴿يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم﴾ [المائدة: الآية: ١٠٩]، فإنه يسألهم عند زفرة جهنم، فيقول: ماذا أجبتم في التوحيد؟ فتذهب عقولهم عند زفرة جهنم، فيقولون: ﴿لا علم لنا﴾ [المائدة: الآية: ١٠٩]، ثم ترجع لهم عقولهم من بعد، فيقولون: ﴿هؤلاء الذين كذبوا على ربهم﴾ [هود: الآية: ١٨] " (^٢).
• قال محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٥ هـ) ﵀: وقد أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، وابن جرير (ت: ٣١٠ هـ) ﵀، وابن المنذر، وابن أبي حاتم (ت: ٣٢٧ هـ) ﵀، وأبو الشيخ (ت: ٣٦٩ هـ) ﵀، عن مجاهد في قوله: ﴿يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم﴾ فيفزعون فيقولون: ﴿لا علم لنا﴾ فترد إليهم أفئدتهم فيعلمون، وأخرج ابن جرير
_________________
(١) طريق الهجرتين ٢٩٦ - ٢٩٧.
(٢) الرد على الجهمية والزنادقة ص: ٧٥ - ٧٦.
[ ٣٠١ ]
(ت: ٣١٠ هـ) ﵀، وابن أبي حاتم (ت: ٣٢٧ هـ) ﵀، وأبو الشيخ (ت: ٣٦٩ هـ) ﵀، عن السدي (ت: ١٢٨ هـ) -رحمة الله-، في الآية قال: ذلك أنهم نزلوا منزلا ذهلت فيه العقول، فلما سئلوا قالوا: لا علم لنا. ثم نزلوا منزلا آخر فشهدوا على قومهم.
وأخرج ابن أبي حاتم (ت: ٣٢٧ هـ) ﵀، وأبو الشيخ (ت: ٣٦٩ هـ) ﵀، عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵂-قال: قالوا: لا علم لنا. فرقا يذهل عقولهم. ثم يرد الله إليهم عقولهم فيكونون هم الذين يسألون بقول الله: ﴿فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين﴾ [الأعراف: الآية: ٦] " (^١).
المطلب الثالث والستون: التوحيد رتبة لا تليق إلا بالله وحده.
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "متى استحكم الذل والحب صار عبودية فيصير القلب المحب معبدا لمحبوبه وهذه الرتبة لا يليق أن تتعلق بمخلوق ولا تصلح إلا لله وحده" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "أعظم الناس خذلانا من تعلق بغير الله، فإن ما فاته من مصالحه وسعادته وفلاحه؛ أعظم مما حصل له ممن تعلق به، وهو معرض للزوال والفوات. ومثل المتعلق بغير الله كمثل المستظل من الحر والبرد ببيت العنكبوت أوهن البيوت" (^٣).
_________________
(١) فتح القدير "١٣٣/ ٢". وانظر أيضا: تفسير الطبري "١٢٤/ ٧" "٢٠/ ١٢" وتفسير ابن كثير "١٢٣/ ٢".
(٢) روضة المحبين ١/ ٢٨١.
(٣) مدارج السالكين، (١/ ٤٥٨).
[ ٣٠٢ ]
• عن جابر (ت: ٧٨ هـ) ﵁-أن رسول الله-ﷺ-قال: «من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار» (^١).
• قال سليمان بن عبد الله آل الشيخ (ت: ١٢٣٣ هـ) ﵀: " يعني أن معنى لا إله إلا الله: ترك الشرك، وإفراد الله بالعبادة، والبراءة ممن عبد سواه، كما بينه الحديث، وفيه فضيلة من سلم من الشرك" (^٢).
المطلب الرابع والستون: التوحيد أول ما يدخل به في الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا.
• قال النبي-ﷺ «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» (^٣)، فهو أول واجب؛ وآخر واجب، وأول الأمر؛ وآخره" (^٤).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وأجمع المسلمون على أن الكافر إذا قال: لا إله إلا الله، محمد رسول الله فقد دخل في الإسلام، وشهد شهادة الحق، ولم يتوقف إسلامه على لفظ الشهادة وأنه قد دخل في قوله: «حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله»، وفي لفظ آخر: «حتى يقولوا لا إله إلا الله»، فدل على أن مجرد قولهم لا إله إلا الله شهادة منهم" (^٥).
_________________
(١) رواه مسلم: الإيمان (٩٣)، وأحمد (٣/ ٣٧٤).
(٢) تيسير العزيز الحميد ص ٩٤.
(٣) رواه أحمد (٢١٥٢٩) وأبو داود (٣١١٦) وحسنه الألباني في "إرواء الغليل" (٦٨٧).
(٤) مدارج السالكين ٣/ ١١١.
(٥) مدارج السالكين ٣/ ٤٢١.
[ ٣٠٣ ]
المطلب الخامس والستون: توحيد الله فرض عين على كل إنسان.
• عن عوف بن مالك الأشجعي (ت: ٧٣ هـ) ﵁-قال: "كنا عند رسول الله-ﷺ-تسعة أو ثمانية أو سبعة، فقال: «ألا تُبايعون رسول الله-ﷺ؟» وكنَّا حَدِيث عهد بِبَيْعة، فقلنا: قد بايَعْنَاك يا رسول الله، ثم قال: «ألا تُبايعون رسول الله» فبَسَطْنَا أيْدِينا، وقلنا: قد بَايَعْناك فَعَلَام نُبايِعُك؟ قال: «على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، والصلوات الخمس وتطيعوا الله» وأَسَر كلمة خفيفة «ولا تسألوا الناس شيئًا»، فلقد رأيت بعض أولئك النَّفرَ يسقط سَوطُ أحدهم فما يسأل أحدًا يناولُه إيَّاه" (^١).
• قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وطلب العلم الشرعي فرض على الكفاية إلا فيما يتعين، مثل طلب كل واحد علم ما أمره به وما نهاه عنه، فإن هذا فرض على الأعيان" (^٢).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀، عند تفسير قوله تعالى ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: الآية: ١٩]: "هذا العلم الذي أمر الله به-وهو العلم بتوحيد الله-فرض عين على كل إنسان لا يسقط عن أحد كائنا من كان، بل كل مضطر إلى ذلك" (^٣).
• قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبابطين (ت: ١٢٨٢ هـ) ﵀:
_________________
(١) رواه مسلم (١٠٤٣».
(٢) مجموع الفتاوى (٣/ ٣٢٨، ٣٢٩).
(٣) تفسير السعدي سورة محمد الآية ١٩.
[ ٣٠٤ ]
"أفرض العلوم معرفة الله سبحانه بأسمائه وصفاته؛ ومعرفة حقه على عباده الذي خلق الجن والإنس لأجله؛ وهو توحيد الألوهية" (^١).
• قال عبد الرحمن بن قاسم (ت: ١٣٩٢ هـ) ﵀: "التوحيد أوجب الواجبات، ومعرفته أفرض الفرائض" (^٢).
المطلب السادس والستون: التوحيد محك الخصومة مع الكفار.
• قال تعالى: ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾ [الحج: الآية: ١٩].
• قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "قوله ﴿هذان خصمان﴾ والمعنى أن الإيمان وأهله والكفر وأهله خصمان مذ كانا إلى قيام الساعة بالعداوة والجدال والحرب.
وقوله: ﴿في ربهم﴾ معناه في شأن ربهم وصفاته وتوحيده" (^٣).
• وقال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: "قال مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀، وعطاء بن أبي رباح (ت: ١١٤ هـ) ﵀. والكلبي (ت: ٢٠٤ هـ) ﵀: هم المؤمنون والكافرون كلهم من أي ملة كانوا" (^٤).
• قال ابن جزي (ت: ٧٤١ هـ) ﵀: " ﴿هذان خصمان﴾ الإشارة إلى المؤمنين والكفار على العموم ويدل على ذلك ما ذكر قبلها من اختلاف
_________________
(١) الرد على البردة ص: ٣٧٥.
(٢) حاشية الأصول الثلاثة ص: ١٣٧.
(٣) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ٤/ ١١٤.
(٤) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الحج الآية: ١٩).
[ ٣٠٥ ]
الناس في أديانهم، وهو قول ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵂" (^١).
• قال الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ) ﵀: " ﴿هذان خصمان﴾ يعني المؤمنين والكافرين ﴿اختصموا في ربهم﴾ في دينه" (^٢).
• قال محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٥ هـ) ﵀: " ﴿هذان خَصْمَانِ﴾ الخصمان أحدهما أنجس الفرق: اليهود والنصارى والصابئون والمجوس والذين أشركوا، والخصم الآخر: المسلمون، فهما فريقان مختصمان. قاله الفراء (ت: ٢٠٧ هـ) ﵀، وغيره.
ومعنى ﴿فِي رَبّهِمْ﴾ في شأن ربهم، أي في دينه، أو في ذاته، أو في صفاته، أو في شريعته لعباده، أو في جميع ذلك" (^٣).
• قال شهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي (ت: ١٢٧٠ هـ) ﵀: " ﴿هذان خَصْمَانِ اختصموا فِي رَبّهِمْ﴾ تعيين لطرفي الخصام وتحرير لمحله فالمراد بهذان فريق المؤمنين وفريق الكفرة المنقسم إلى الفرق الخمس. وروي عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) -رضي الله تعالى عنهما. ومجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀. وعطاء بن أبي رباح (ت: ١١٤ هـ) ﵀. والحسن (ت: ١١٠ هـ) ﵀. وعاصم-﵀. والكلبي (ت: ٢٠٤ هـ) ﵀، ما يؤيد ذلك وبه يتعين كون الفصل السابق بين المؤمنين ومجموع من عطف عليهم، ولما كان كل خصم فريقًا يجمع طائفة جاء ﴿اختصموا﴾ بصيغة الجمع" (^٤).
_________________
(١) تفسير التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي (سورة الحج الآية: ١٩).
(٢) تفسير الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (سورة الحج الآية: ١٩).
(٣) تفسير فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم التفسير للشوكاني. (سورة الحج الآية: ١٩).
(٤) تفسير روح المعاني للألوسي (سورة الحج الآية: ١٩).
[ ٣٠٦ ]
المطلب السابع والستون: التوحيد هو الفاصل بين الإيمان والكفر.
• قال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: الآية: ١٧].
• عن قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀، في قوله: ﴿إن الذين آمنوا﴾ الآية. "قال: الصابئون، قوم يعبدون الملائكة ويصلون القبلة ويقرءون الزبور، والمجوس عبدة الشمس والقمر والنيران، وأما الذين أشركوا فهم عبدة الأوثان؛ إن الله يفصل بينهم يوم القيامة قال: الأديان ستة: فخمسة للشيطان، ودين لله ﷿" (^١).
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: "فالأديان ستة، فواحد لله، ﷿، وهو الإسلام، وخمسة للشيطان" (^٢).
• قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: "قال بعضهم جعل الأديان ستة في قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: الآية: ١٧] فجعل خمسة للنار وواحدا للجنة فقوله تعالى: ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾ ينصرف إليهم فالمؤمنون خصم وسائر الخمسة خصم" (^٣).
_________________
(١) تفسير ابن أبي حاتم (سورة الحج الآية: ١٧)، ٨/ ٢٤٧٨؛ وانظر تفسير الدر المنثور (سورة الحج الآية: ١٧).
(٢) تفسير مقاتل (سورة الحج الآية: ١٧).
(٣) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الحج الآية: ١٩).
[ ٣٠٧ ]
• أخرج ابن أبي حاتم (ت: ٣٢٧ هـ) ﵀، عن عكرمة (ت: ١٠٥ هـ) ﵀ قال: قالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وقالت الصابئة: نحن نعبد الملائكة من دون الله، وقالت المجوس: نحن نعبد الشمس والقمر من دون الله، وقالت المشركون: نحن نعبد الأوثان من دون الله؛ فأوحى الله إلى نبيه ليكذب قولهم: ﴿قل هو الله أحد﴾ [الصمد: الآية: ١]، إلى آخرها، ﴿وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا﴾ [الإسراء آية ١١١]، وأنزل الله ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس﴾ " (^١).
• قال سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي الصرصري الحنبلي (ت ٧١٦ هـ) ﵀: "فتارك الحكم بما أنزل الله في التوحيد ونحوه من أركان الدين يكون كافرا، وتاركه في أحكام الفروع كالقصاص ونحوه يكون ظالمًا فاسقًا" (^٢).
• قال ابن جزي (ت: ٧٤١ هـ) ﵀: "وفصل الله بينهم بأن يبين لهم أن الإيمان هو الحق، وسائر الأديان باطلة، وبأن يدخل الذين آمنوا الجنة ويدخل غيرهم النار" (^٣).
المطلب الثامن والستون: التوحيد مما يحصل البيعة عليه.
• قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا
_________________
(١) تفسير ابن أبي حاتم (سورة الحج الآية: ١٧)، ٨/ ٢٤٧٨؛ وانظر تفسير الدر المنثور (سورة الحج الآية: ١٧).
(٢) الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية ص: ٢١٧.
(٣) التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي (سورة الحج الآية: ١٧).
[ ٣٠٨ ]
يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة: الآية: ١٢].
• عن عبادة بن الصامت (ت: ٣٤ هـ) ﵁-قال: "بايعت رسول الله ﷺ في رهط، فقال: أبايعكم على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فأخذ به في الدنيا، فهو له كفارة وطهور، ومن ستره الله، فذلك إلى الله: إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له" (^١).
• عن محمد بن الأسود بن خلف (لم أقف على تاريخ وفاته) ﵀، أخبره أن أباه الأسود (لم أقف على تاريخ وفاته) ﵁: أتى النبى ﷺ يبايع الناس يوم الفتح قال: جلس عند قرن مسقلة (^٢)، فبايع الناس على الإسلام والشهادة، قلت: وما الشهادة؟ قال: أخبرنى محمد بن الأسود -يعنى بن خلف- أنه بايعهم على الإيمان بالله وشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله" (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٤٦٨).
(٢) اختلفت المصادر في رواية هذه اللفظة: "مسفلة"، "مسقلة"، "مصقلة" وينظر المعجم الكبير ١/ ٢٥٦ (٨١٥)، وتعليق محقق المسند ..
(٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند (١٥٤٣١) وقال محقق المسند إسناده محتمل للتحسين، محمد بن الأسود بن خلف، من رجال "التعجيل" روى عنه اثنان، وذكره ابن حبان في "الثقات" وبقية رجاله ثقات رجال الصحيح. وهو عند عبد الرزاق في "المصنف" (٩٨٢٠) و(١٩٢٢٢)، ومن طريقه ابن سعد في "الطبقات" ٥/ ٤٥٩، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني". والمعجم الكبير ١/ ٢٥٦ (٨١٥)، والحاكم ٣/ ٢٩٦، والمختارة ٤/ ٢٤٣، ٢٤٤ (١٤٤٢، ١٤٤٣) ورواه البيهقي في الدلائل (٥/ ٩٤)، وقال الهيثمي في المجمع ٦/ ٤٠: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وأحمد باختصار، ورجاله ثقات.
[ ٣٠٩ ]
• عن أميمة بنت رقيقة-﵂ أنها قالت: أتيت رسول الله ﷺ-في نسوة على الإسلام فقلن: يا رسول الله! نبايعك على أن لا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيك في معروف فقال رسول الله ﷺ: «فيما استطعتن وأطعتن» قالت: فقلن: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا هلم نبايعك يا رسول الله! فقال رسول الله-ﷺ: «إني لا أصافح النساء، إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة، أو مثل قولي: لامرأة واحدة» (^١).
• عن عائشة-﵂-قالت: جاءت فاطمة بنت عتبة بن ربيعة-﵂-تبايع النبي-ﷺ، حمه فأخذ عليها: ﴿أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين﴾ [الممتحنة: ١٢] قالت: فوضعت يدها على رأسها حياء، فأعجب النبي-ﷺ-ما رأى منها، فقالت عائشة: أقري أيتها المرأة، فوالله ما بايعنا إلا على هذا، قالت: فنعم إذا، فبايعها بالآية" (^٢).
_________________
(١) صحيح: رواه مالك في البيعة (٢) عن محمد بن المنكدر، عن أميمة بنت رقيقة قالت: فذكرته. ورواه الترمذي (١٥٩٧) وابن ماجة (٢٨٧٤) والنسائي (٧/ ١٤٩) وأحمد (٢٧٠٠٦) وصححه ابن حبان (٤٥٥٣) كلهم من حديث سفيان بن عيينة عن محمد بن المنكدر بإسناده مثله واللفظ لمالك، ومن طريقه رواه ابن حبان، ورواه الحاكم (٤/ ٧١) من طريق ابن إسحاق عن محمد بن المنكدر. قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث محمد بن المنكدر نحوه، وروى سفيان الثوري ومالك بن أنس وغير واحد هذا الحديث عن محمد بن المنكدر نحوه. (المصدر: الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه للأعظمي ٨/ ٤٨٣).
(٢) صحيح: رواه أحمد (٢٥١٧٥) عن عبد الرزاق - وهو في مصنفه (٩٨٢٧) ومن طريقه أيضا ابن حبان (٤٥٥٤) والبزار - كشف الأستار (٧٠) قال: أخبرنا معمر، عن الزهري - أو غيره - عن عروة، عن عائشة فذكرته. ومنهم من رواه بالجزم بأنه عن الزهري. وإسناده صحيح. (المصدر: الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه للأعظمي ٨/ ٤٨٤).
[ ٣١٠ ]
• قال محمد بن عبد الله أبو بكر بن العربي المعافري الاشبيلي المالكي (ت ٥٤٣ هـ) ﵀: "واختلف في صفة البيعة كيف كانت؟
فقيل: على الموت.
وقيل: على ألا نفر.
وقيل: على التوحيد؛ لقوله: "لا تشركوا"" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وكان-ﷺ-يبايع أصحابه في الحرب على أن لا يفروا، وربما بايعهم على الموت، وبايعهم على الجهاد، كما بايعهم على الإسلام، وبايعهم على الهجرة قبل الفتح، وبايعهم على التوحيد والتزام طاعة الله ورسوله" (^٢).
• قال مبارك بن محمد الميلي الجزائري (ت ١٣٦٤ هـ) ﵀: "وهذه أطوار البعثة من حين الأمر بالإنذار المطلق في سورة المدثر، إلى الأمر بإنذار العشيرة، إلى الأمر بالصدع بالدعوة، إلى الأمر بالهجرة، إلى الإذن بالقتال، إلى فتح مكة، إلى الإعلام بدنو الحمام؛ لم تخل من إعلان التوحيد وشواهده، ومحاربة الشرك ومظاهره، ويكاد ينحصر غرض البعثة أولًا في ذلك، فلا ترك النبي-ﷺ-التنديد بالأصنام وهو وحيد، ولا ذهل عنه وهو محصور بالشعب ثلاث سنوات شديدات، ولا نسيه وهو مختف في هجرته والعدو مشتد في طلبه، ولا قطع الحديث عنه وهو ظاهر بمدينته بين أنصاره، ولا غلق باب الخوض فيه بعد فتح مكة، ولا شغل عنه وهو
_________________
(١) كتاب المسالك في شرح موطأ الإمام مالك لابن العربي ٧/ ٥٦٦.
(٢) زاد المعاد ٣/ ١١٥.
[ ٣١١ ]
يجاهد وينتصر ويكر ولا يفر، ولا أكتفى بطلب البيعة على القتال عن تكرير عرض البيعة على التوحيد ونبذ الشرك، وهذه سيرته المدونة وأحاديثه المصححة؛ فتتبعها، تجد تصديق ما ادعينا، وتفصيل ما أجملنا" (^١).
المطلب التاسع والستون: أهل التوحيد أكمل إيمان أهل السموات والأرض.
• قال تعالى: ﴿هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما﴾ [الفتح: الآية: ٤].
• قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: "بعث الله رسوله بشهادة أن لا إله إلا الله، فلما صدقوه زادهم الصلاة ثم الزكاة ثم الصيام ثم الحج ثم الجهاد، حتى أكمل لهم دينهم، فكلما أمروا بشيء فصدقوه ازدادوا تصديقا إلى تصديقهم" (^٢).
• قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: "لما آمنوا بالتوحيد زادهم العبادات شيئًا شيئًا؛ فكانوا يزيدون إيمانا حتى قال لهم: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ [المائدة: الآية: ٣] فمنحهم أكمل إيمان أهل السماوات والأرض لا إله إلا الله" (^٣).
• قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: "فأوثق إيمان أهل الأرض وأهل السموات وأصدقه وأكمله شهادة أن لا إله إلا الله" (^٤).
_________________
(١) الشرك ومظاهره للميلي ص: ٤٥.
(٢) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الفتح الآية: ٤).
(٣) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ٥/ ١٢٧، (سورة الفتح الآية: ٤).
(٤) تفسير الطبري (سورة الفتح الآية: ٤).
[ ٣١٢ ]
• قيل للحسن البصري (ت: ١١٠ هـ) ﵀: "ما التوكل؟ قال: "أن لا يكون شيء أوثق من قلب العبد من ربه" (^١).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: " ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ قال: إن الله جلّ ثناؤه بعث نبيه محمدا ﷺ بشهادة أن لا إله إلا الله، فلما صدّقوا بها زادهم الصلاة، فلما صدّقوا بها زادهم الصيام، فلما صدّقوا به زادهم الزكاة، فلما صدّقوا بها زادهم الحجّ، ثم أكمل لهم دينهم، فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: الآية: ٣] " (^٢).
• قال أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد بن حبان، الدارمي، البُستي (ت: ٣٥٤ هـ) ﵀"صفوا للمنعم قلوبكم يكفكم المؤن عند همك" (^٣).
• يقول عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: عند تفسير قوله الله تعالى: ﴿فأنزل الله سكينته عليه﴾ [التوبة: الآية: ٤٠] "وفيها فضيلة السكينة، وأنها من تمام نعمة الله على العبد في أوقات الشدائد والمخاوف التي تطيش بها الأفئدة؛ وأنها تكون على حسب معرفة العبد بربه، وثقته بوعده الصادق؛ وبحسب إيمانه وشجاعته" (^٤).
المطلب السبعون: التوحيد يتضمن كمال المحبة لله تعالى.
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والعبادة تتضمن كمال الحب ونهايته، وكمال الذل ونهايته، فالمحبوب الذي لا يعظم ولا يذل له
_________________
(١) الفنون لابن عَقِيلٍ ١/ ٤٠.
(٢) تفسير الطبري (سورة الفتح الآية: ٤).
(٣) روضة العقلاء ونزهة الفضلاء ١/ ٣٢.
(٤) تيسير الكريم الرحمن ص ٣٣٧.
[ ٣١٣ ]
لا يكون معبودا، والمعظم الذي لا يحب لا يكون معبودا، ولهذا قال تعالى ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله﴾ [البقرة: الآية: ١٦٥].
فبين سبحانه أن المشركين بربهم الذين يتخذون من دون الله أندادا، وإن كانوا يحبونهم كما يحبون الله، فالذين آمنوا أشد حبا لله منهم لله ولأوثانهم.
لأن المؤمنين أعلم بالله، والحب يتبع العلم، ولأن المؤمنين جعلوا جميع حبهم لله وحده، وأولئك جعلوا بعض حبهم لغيره وأشركوا بينه وبين الأنداد في الحب، ومعلوم أن ذلك أكمل قال تعالى: ﴿ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون﴾ [الزمر: الآية: ٢٩].
واسم المحبة فيه إطلاق وعموم فإن المؤمن يحب الله ويحب رسله وأنبياءه وعباده المؤمنين، وإن كان ذلك من محبة الله، وإن كان المحبة التي لله لا يستحقها غيره. ولهذا جاءت محبة الله ﷾ مقرونة بما يختص به سبحانه من العبادة والإنابة إليه والتبتل له، ونحو ذلك. فكل هذه الأسماء تتضمن محبة الله ﷾. وكما أن محبته هي أصل الدين، فكذلك كمال الدين يكون بكمالها ونقصه بنقصها" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فكلما قال العبد "الله أكبر" تحقق قلبه بأن يكون الله في قلبه أكبر من كل شيء؛ فلا يبقى لمخلوق على القلب ربانية تساوي ربانية الرب فضلا عن أن تكون مثلها.
وهذا داخل في التوحيد لا إله إلا الله، فلا يكون في قلبه لمخلوق
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٠/ ٥٦، ٥٧).
[ ٣١٤ ]
شيء من التأله؛ لا قليل ولا كثير، بل التأله كله لله ولكن للمخلوق عنده نوع من القدر والمنزلة والمحبة، وليست كقدر الخالق، والمحبة المأمور بها هي الحب لله كحب الأنبياء والصالحين، فهو يحبهم؛ لأن الله أمر بحبهم، فهذا هو الحب لله، فأما من أحبهم مع الله فهذا مشرك.
كما قال تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله﴾ [البقرة: الآية: ١٦٥] " (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وفي قوله: ﴿وما يتذكَّرُ إلّا من يُنيب﴾ [غافر: الآية: ١٣]: إنّما يتَّعظُ من يرجعُ إلى الطّاعة؛ وهذا لأنَّ التَّذكُّر التّامَّ يستلزم التَّأثُّر بما تذكَّره، فإن تذكَّر محبوبًا طلبه، وإن تذكَّر مرهوبًا هرب منه" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وكمال هذه المحبة هو بالعبودية والذل والخضوع والطاعة للمحبوب ﷾ فالحق الذي خلق به ولأجله الخلق هو عبادة الله وحده التي هي كمال محبته والخضوع والذل له، ولوازم عبوديته من الأمر والنهي والثواب والعقاب، ولأجل ذلك أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وخلق الجنة والنار" (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وإنه ليس للقلب والروح ألذ ولا أطيب ولا أحلى ولا أنعم من محبة الله والإقبال عليه وعبادته وحده وقرة العين به، والأنس بقربه، والشوق إلى لقائه ورؤيته، وإن مثقال ذرة من هذه اللذة لا يعدل بأمثال الجبال من لذات الدنيا ولذلك كان مثقال ذرة من إيمان بالله ورسوله يخلص من الخلود في دار الآلام فكيف
_________________
(١) قاعدة حسنة في الباقيات الصالحات ص ٣٥.
(٢) مجموع الفتاوى ٧/ ٢٥.
(٣) روضة المحبين (ص ٥٩).
[ ٣١٥ ]
بالإيمان الذي يمنع من دخولها" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "أنفع المحبة على الإطلاق وأوجبها وأعلاها وأجلها محبة من جبلت القلوب على محبته، وفطرت الخليقة على تأليهه، وبها قامت الأرض والسماوات، وعليها فطرت المخلوقات، وهي سر شهادة أن لا إله إلا الله، فإن الإله هو الذي تأله القلوب بالمحبة والإجلال، والتعظيم والذل له والخضوع والتعبد، والعبادة لا تصلح إلا له وحده، والعبادة هي: كمال الحب مع كمال الخضوع والذل، والشرك في هذه العبودية من أظلم الظلم الذي لا يغفره الله، والله تعالى يحب لذاته من جميع الوجوه، وما سواه فإنما يحب تبعا لمحبته.
وقد دل على وجوب محبته سبحانه جميع كتبه المنزلة، ودعوة جميع رسله، وفطرته التي فطر عباده عليها، وما ركب فيهم من العقوق، وما أسبغ عليهم من النعم، فإن القلوب مفطورة مجبولة على محبة من أنعم عليها وأحسن إليها، فكيف بمن كان الإحسان منه؟ وما بخلقه جميعهم من نعمة فمنه وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون﴾ [سورة النحل: الآية: ٥٣] " (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وإذا كان الحب أصل كل عمل من حق وباطل، فأصل الأعمال الدينية حب الله ورسوله، كما أصل الأقوال الدينية تصديق الله ورسوله، وكل إرادة تمنع كمال الحب لله ورسوله وتزاحم هذه المحبة أو شبهة تمنع كمال التصديق، فهي معارضة لأصل الإيمان أو مضعفة له، فإن قويت حتى عارضت أصل الحب والتصديق كانت كفرا أو شركا أكبر، وإن لم تعارضه
_________________
(١) روضة المحبين (ص ١٦٨).
(٢) الجواب الكافي ص ٢٢٨.
[ ٣١٦ ]
قدحت في كماله، وأثرت فيه ضعفا وفتورا في العزيمة والطلب، وهي تحجب الواصل، وتقطع الطالب، وتنكس الراغب، فلا تصح الموالاة إلا بالمعاداة كما قال تعالى عن إمام الحنفاء المحبين أنه قال لقومه: ﴿أفرأيتم ما كنتم تعبدون - أنتم وآباؤكم الأقدمون - فإنهم عدو لي إلا رب العالمين﴾ [الشعراء: الآيات: ٧٥ - ٧٧].
فلم يصح لخليل الله هذه الموالاة والخلة إلا بتحقيق هذه المعاداة، فإنه لا ولاء إلا بالبراءة من كل معبود سواه، قال تعالى: ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده﴾ [الممتحنة: الآية: ٤].
وقال تعالى: ﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين - وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون﴾ [الزخرف: الآيات: ٢٦ - ٢٨].
أي جعل هذه الموالاة لله، والبراءة من كل معبود سواه كلمة باقية في عقبه يتوارثها الأنبياء وأتباعهم بعضهم عن بعض وهي كلمة: لا إله إلا الله، وهي التي ورثها إمام الحنفاء لأتباعه إلى يوم القيامة" (^١).
• قال الإمام ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وإذا ثقُل الظهر بالأوزار منع القلب من السير إلى الله، والجوارح من النهوض في طاعته، وكيف يقطع مسافة السفر مُثقلٌ بالحمل على ظهره! وكيف ينهض إلى الله قلبٌ قد أثقلته الأوزار! فلو وُضعت عنه أوزاره لنهض وطار شوقًا إلى ربه، ولانقلب عسره يسرًا" (^٢).
_________________
(١) الجواب الكافي ص ١٩٥.
(٢) الكلام في مسألة السماع ص ٢٧٨.
[ ٣١٧ ]
المطلب الواحد والسبعون: التوحيد يتضمن كمال غنى الله عزوجل.
• قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: الآية: ٩٧].
• قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: الآية: ٢٦٧].
• قال تعالى: ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا﴾ [السجدة: الآية: ١٦]،
• قال تعالى: ﴿إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين﴾ [الأنبياء: الآية: ٩٠].
فأثنى على أنبيائه ورسله مع أنهم يريدون منه الرحمة، ويريدون منه الجنة والنجاة من النار
• عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) -رضي الله تعالى عنه-قال: قال النبيُّ ﷺ: «قال اللهُ ﵎: أنا أغنَى الشركاءِ عن الشركِ؛ مَنْ عمِل عملًا أشرَكَ فيه معِي غيرِي، تركتُه وشِركَه» (^١).
• عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: «من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان» (^٢).
_________________
(١) رواه مسلم: ٢٩٥٨.
(٢) أخرجه أبو داود في «سننه» (رقم ٤٦٨١)، والطبراني في «الكبير» (رقم ٧٦١٣ و٧٧٣٧ و٧٧٣٨)، وابن بطة في «الإبانة» (رقم ٨٤٦)، جميعهم من طريق يحيى بن يحيى الذماري، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة مرفوعا. قال الذهبي في «معجم الشيوخ» (٢/ ٣٤٧): (هذا حديث صحيح).
[ ٣١٨ ]
• في حديث سعد ﵁: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعل في في امرأتك» (^١).
والمذموم أن يعبد العبد ربه لما يريده منه من أمر الدنيا، قال تعالى: ﴿ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة﴾ [الحج: الآية: ١١]، فهو يعبد الله على طرف من الدين، غير متمكن منه، فهو يعبد الله ما استقامت دنياه، فإن أصابته فتنة أو مصيبة أو فقر أو حاجة انقلب على وجهه.
فمن يعبد الله ليعطيه سعادة الدنيا ولا يريد الآخرة، فهذا هو الذي ذمه الله بقوله: ﴿فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا﴾ فهو يريد المال والولد والجاه والشرف وأنواع المتاع، ﴿وما له في الآخرة من خلاق - ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾ [البقرة: الآيات: ٢٠٠ - ٢٠١]، وقال تعالى: ﴿من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة﴾ [النساء: الآية: ١٣٤].
فلم يذم الله الذين يريدون الآخرة إنما ذم الذين يريدون الدنيا ﴿تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة﴾ [الأنفال: الآية: ٦٧] " (^٢).
• عن عبد الله بن معاوية الغاضري-﵁، قال: قال النبي-ﷺ: «ثلاث من فعلهن فقد طعم طعم الإيمان: من عبد الله وحده، وأنه لا إله إلا الله، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه، وافرة عليه كل عام، ولم يعط
_________________
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري في مواضع من «صحيحه» منها: (رقم ٥٦)، ومسلم (رقم ١٦٢٨).
(٢) كتاب شرح كلمة الإخلاص للشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك ص ٩٥.
[ ٣١٩ ]
الهرمة، ولا الدرنة (^١)، ولا المريضة، ولا الشرط اللئيمة (^٢)، ولكن من أوسط أموالكم، فإن الله لم يسألكم خيره، ولم يأمركم بشره» (^٣).
• وفي رواية «وزكى عبد نفسه "، فقال رجل: وما تزكية المرء نفسه؟ قال: «يعلم أن الله ﷿ معه حيث كان» (^٤)
• قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "لا ينجو غدا إلا من أتى الله بقلب سليم، ليس فيه سواه، قال الله تعالى: ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون - إلا من أتى الله بقلب سليم﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩]. القلب السليم: هو الطاهر من أدناس المخالفات، فأما المتلطخ بشيء من المكروهات فلا يصلح لمجاورة حضرة القدس، إلا بعد أن يطهر في كير العذاب، فإذا زال منه الخبث صلح حينئذ للمجاورة «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا» (^٥). فأما
_________________
(١) الدرنة: الجرباء، وأصله من الدرن الذي هو الوسخ. لسان العرب (درن).
(٢) أي: رذال المال. وقيل: صغاره وشراره. لسان العرب (شرط).
(٣) أخرجه أبو داود ٣/ ٣٢ (١٥٨٢)، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (٤٥٢٨)، والبيهقي (٧٥٢٥)، وقال الطبراني في الصغير ١/ ٣٣٤: "لا يروى هذا الحديث عن ابن معاوية إلا بهذا الإسناد، تفرد به الزبيدي، ولا نعرف لعبد الله بن معاوية الغاضري حديثا مسندا غير هذا". وقال الزيلعي في نصب الراية ٢/ ٣٦٢: "ولم يصل أبو داود به سنده، ووصله الطبراني، والبزار". وقال ابن حجر في التلخيص الحبير ٢/ ٣٠٣: "ورواه الطبراني وجود إسناده". وقال الألباني في الصحيحة ٣/ ٣٧ - ٣٨ (١٠٤٦): "قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات، لكنه منقطع بين ابني جابر وجبير، لكن وصله الطبراني في المعجم الصغير، والبيهقي في السنن من طريقين … ". وقال في صحيح أبي داود ٥/ ٣٠٠ (١٤١٠): "صحيح".
(٤) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٣٢٩٧)، والبيهقي في السنن ٤/ ٩٥، وأخرجه الطبراني في المعجم الصغير ١/ ٢. ١، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٠٦٢) ٢/ ٣٠٠، وصححه الألباني في «الصحيحة» ح (١. ٤٦)،.
(٥) أخرجه مسلم (رقم ١٠١٥) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٣٢٠ ]
القلوب الطيبة فتصلح للمجاورة من أول الأمر: ﴿سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار﴾ [الرعد: الآية: ٢٤]، ﴿سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين﴾ [الزمر: الآية: ٧٣]، ﴿الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾ [النحل: الآية: ٣٢]. من لم يحرق اليوم قلبه بنار الأسف على ما سلف، أو بنار الشوق إلى لقاء الحبيب، فنار جهنم له أشد حرا. ما يحتاج إلى التطهير بنار جهنم إلا من لم يكمل تحقيق التوحيد والقيام بحقوقه" (^١).
المطلب الثاني والسبعون: بحسب تحقيق التوحيد تكمل طاعة الله.
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والناس وإن كانوا يقولون بألسنتهم: لا إله إلا الله فقول العبد لها مخلصا من قلبه له حقيقة أخرى، وبحسب تحقيق التوحيد تكمل طاعة الله. قال تعالى: ﴿أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا﴾ [الفرقان: الآية: ٤٣]، ﴿أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا﴾ [الفرقان: الآية: ٤٤]، فمن جعل ما يألهه هو ما يهواه فقد اتخذ إلهه هواه أي جعل معبوده هو ما يهواه وهذا حال المشركين الذين يعبد أحدهم ما يستحسنه فهم يتخذون أندادا من دون الله يحبونهم كحب الله ولهذا قال الخليل: ﴿لا أحب الآفلين﴾ [الأنعام: الآية: ٧٦]. فإن قومه لم يكونوا منكرين للصانع ولكن كان أحدهم يعبد ما يستحسنه ويظنه نافعا له كالشمس والقمر والكواكب والخليل بين أن الآفل يغيب عن عابده
_________________
(١) كتاب شرح كلمة الإخلاص للشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك ص ٩٧.
[ ٣٢١ ]
وتحجبه عنه الحواجب فلا يرى عابده ولا يسمع كلامه ولا يعلم حاله ولا ينفعه ولا يضره بسبب ولا غيره فأي وجه لعبادة من يأفل. وكلما حقق العبد الإخلاص في قول: لا إله إلا الله خرج من قلبه تأله ما يهواه وتصرف عنه المعاصي والذنوب كما قال تعالى: ﴿كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين﴾ [يوسف: الآية: ٢٤]. فعلل صرف السوء والفحشاء عنه بأنه من عباد الله المخلصين وهؤلاء هم الذين قال فيهم: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ [الحجر: الآية: ٤٢]، وقال الشيطان: ﴿قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين﴾ [ص: الآية: ٨٢]، ﴿إلا عبادك منهم المخلصين﴾ [ص: الاية: ٨٣]. وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «من قال لا إله إلا الله مخلصا من قلبه حرمه الله على النار». فإن الإخلاص ينفي أسباب دخول النار؛ فمن دخل النار من القائلين لا إله إلا الله لم يحقق إخلاصها المحرم له على النار؛ بل كان في قلبه نوع من الشرك الذي أوقعه فيما أدخله النار والشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل؛ ولهذا كان العبد مأمورا في كل صلاة أن يقول: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ [الفاتحة: الآية: ٥]. والشيطان يأمر بالشرك والنفس تطيعه في ذلك فلا تزال النفس تلتفت إلى غير الله. إما خوفا منه. وإما رجاء له فلا يزال العبد مفتقرا إلى تخليص توحيده من شوائب الشرك. وفي الحديث الذي رواه ابن أبي عاصم وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: «يقول الشيطان: أهلكت الناس بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار فلما رأيت ذلك بثثت فيهم الأهواء فهم يذنبون ولا يستغفرون؛ لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا» " (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وقال الشيطان فيما أخبر الله
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٠/ ٢٦٠ - ٢٦١.
[ ٣٢٢ ]
عنه: ﴿قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين﴾ [ص: الآيات: ٨٢ - ٨٣]، وقال تعالى: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين﴾ [الحجر: الآية: ٤٢]، والمخلصون هم الذين يعبدونه وحده لايشركون به شيئًا، وإنما يُعبد الله بما أمر به على ألسنة رسله، فمن لم يكن كذلك تولته الشياطين، وهذا بابٌ دخل فيه أمرٌ عظيمٌ على كثير من السالكين" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وعبادته تتضمن كمال الذل له والحب له، وذلك يتضمن كمال طاعته" (^٢).
المطلب الثالث والسبعون: التوحيد هو وصية السلف لأهليهم.
• عن أنس بن مالك (ت: ٩٠ هـ) ﵁، قال: " كانوا يكتبون في صدر وصاياهم: هذا ما أوصى به فلان بن فلان، أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأوصى من ترك من أهله أن يتقوا الله، ويصلحوا ذات بينهم، ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين، وأوصاهم بما أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب ﴿يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ [البقرة: الآية: ١٣٢] " (^٣).
أملى علي أبو بشر وصيته فقال: اكتب: "هذا ما أوصى به جعفر بن
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٠/ ٤٠٠.
(٢) الرسالة التدمرية ص: ١٦٦.
(٣) سنن سعيد بن منصور-الفرائض إلى الجهاد ١/ ١٢٦.
[ ٣٢٣ ]
إياس، أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، إني رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ نبيا، على ذلك أحيا، وعليه أموت، وعليه أبعث، وأوصى أهله ومن ترك بعده أن تتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون" (^١).
المطلب الرابع والسبعون: توحيد الله أصل عظيم في منهج السلف:
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "أصل علم السلف وعملهم هو:
ا- العلم بالله.
٢ - والعمل لله.
فجمعوا بذلك بين التصديق العلمي والعمل الحبي.
ثم إن تصديقهم عن علم، وعملهم وحبهم عن علم، فسلموا بذلك من آفات منحرفة المتكلمة والمتصوفة.
فالكلاميون: غالب نظرهم وقولهم في الثبوت والانتفاء، والوجود والعدم، والقضايا التصديقية، فغايتهم مجرد التصديق والعلم والخبر.
والصوفيون: غالب طلبهم وعملهم في المحبة والبغضة، والإرادة والكراهة، والحركات العملية، فغايتهم المحبة والانقياد والعمل والإرادة.
_________________
(١) سنن سعيد بن منصور-الفرائض إلى الجهاد ١/ ١٢٧.
[ ٣٢٤ ]
فإن كلا من المنحرفين له مفسدتان:
إحداهما: القول بلا علم إن كان متكلما.
والعمل بلا علم إن كان متصوفا.
وهو ما وقع من البدع الكلامية والعملية المخالفة للكتاب والسنة.
والمفسدة الثانية: فوت المتكلم العمل.
وفوت المتصوف القول والكلام.
أما السلف وأتباعهم فقد حققوا كلا الأمرين.
من القول التصديقي المعتمد على معرفة أسماء الله وصفاته وأفعاله الواردة في الكتاب والسنة.
والعمل الإرادي وذلك باتباع الأوامر واجتناب النواهي وفق ما شرعه الله في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ.
ولذلك كان كلامهم وعملهم باطنا وظاهرا بعلم، وكان كل واحد من قولهم وعملهم مقرونا بالآخر وهؤلاء هم المسلمون حقا" (^١).
المطلب الخامس والسبعون: التوحيد شعار أهل السنة والجماعة.
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "كل من كان إلى الرسول ﷺ وأصحابه والتابعين لهم بإحسان أقرب، كان أقرب إلى كمال التوحيد والإيمان والعقل والعرفان، وكل من كان عنهم أبعد كان عن ذلك أبعد" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "كانت عادته صلوات الله
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٢/ ٤١.
(٢) منهاج السنة ٢/ ٢٩٣.
[ ٣٢٥ ]
وسلامه عليه أن يقيم شعار التوحيد في مواضع شعار الكفر والشرك، كما أمر أن يبنى مسجد الطائف موضع اللات" (^١).
المطلب السادس والسبعون: التوحيد بمثابة الأصل والأعمال الظاهرة هي الفروع.
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والدين القائم بالقلب من الإيمان علما وحالا هو "الأصل"، والأعمال الظاهرة هي "الفروع" وهي كمال الإيمان.
فالدين أول ما يبنى من أصوله ويكمل، كما أنزل الله بمكة أصوله من التوحيد والأمثال التي هي المقاييس العقلية والقصص والوعد والوعيد
ثم أنزل بالمدينة-لما صار له قوة-فروعه الظاهرة من الجمعة والجماعة والأذان والإقامة والجهاد والصيام وتحريم الخمر والزنا والميسر وغير ذلك من واجباته ومحرماته" (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فإذا كان أصل العمل الديني هو إخلاص الدين لله، وهو إرادة الله وحده فالشيء المراد لنفسه هو المحبوب لذاته، وهذا كمال المحبة، ولكن أكثر ما جاء المطلوب باسم العبادة كقوله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات الآية: ٥٦]، وقوله: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم﴾ [البقرة الآية: ٢١]، وأمثال هذا" (^٣).
_________________
(١) زاد المعاد ٢/ ٣٥٨.
(٢) مجموع الفتاوى ١٥/ ٣٥٥.
(٣) مجموع الفتاوى (١٠/ ٥٦، ٥٧).
[ ٣٢٦ ]
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "أصل الدين هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ورأس المعروف هو التوحيد ورأس المنكر هو الشرك" (^١).
المطلب السابع والسبعون: التوحيد هو أول المأمورات، وضده هو أول المنهيات.
• قال-تعالى-: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: الآية: ١٥١]،
• عن عبد الله بن عمرو بن العاص (ت: ٦٥ هـ) ﵄، أن معاذ بن جبل (ت: ١٨ هـ)، أراد سفرًا فقال: يا نبي الله أوصني قال: «اعبد الله لا تشرك به شيئًا». قال: يا نبي الله زذني قال: «إذا أسأت فأحسن». قال: يا رسول الله زدني قال: «استقم وليحسن خلقك» (^٢).
• قال أبو الدرداء (ت: مابين ٣٢ - ٣٨ هـ) ﵁: أوصاني خليلي «أن لا تشرك بالله شيئًا، وإن قطعت وحرقت، ولا تترك صلاة مكتوبة متعمدًا، فمن تركها متعمدا فقد برئت منه الأمة، ولا تشرب الخمر فإنها مفتاح كل شر» (^٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٢٧/ ٤٤٢.
(٢) رواه الحاكم في مستدركه ١/ ٥٤.
(٣) رواه ابن ماجه (٤٠٣٤).
[ ٣٢٧ ]
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "طريقة القرآن في مثل هذا أن يقرن النفي بالإثبات فينفي عبادة ما سوى الله ويثبت عبادته، وهذا هو حقيقة التوحيد.
والنفي المحض ليس بتوحيد.
وكذلك الإثبات بدون النفي.
فلا يكون التوحيد إلا متضمنا للنفي والإثبات، وهذا حقيقة «لا إله إلا الله» " (^١).
• قال حافظ بن أحمد حكمي (ت: ١٣٧٧ هـ) ﵀: "والمقصود أن الشرك أعظم ما نهى الله عنه، كما أن التوحيد أعظم ما أمر الله به، ولهذا كان أوَّل دعوة الرسل كلهم إلى توحيد الله ﷿ ونفي الشرك، فلم يأمروا بشيء قبل التوحيد، ولم ينهوا عن شيء قبل الشرك، وما ذكر الله-تعالى-التوحيد مع شيءٍ من الأوامر إلا جعله أوَّلها، ولا ذكر الشرك مع شيء من النواهي إلا جعله أوَّلها، كما في آية النساء: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: الآية: ٣٦]، وكما في آية الأنعام التي طلب النبي البيعة عليها، وهي قوله-تعالى-: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الأنعام: الآية: ١٥١]، وكما في آيات الإسراء: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: الآية: ٢٣]، فابتَدَأ تلك الأوامر والنواهي بالأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك، وختمها بذلك" (^٢).
_________________
(١) التفسير القيم ص ٥٨٩.
(٢) معارج القبول: ١/ ٣٥٣.
[ ٣٢٨ ]
المطلب الثامن والسبعون: التوحيد من أجله شرع الجهاد.
• قال-تعالى-: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: الآية: ٣٩].
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: " ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾؛ أي: شرك، وصد عن سبيل الله ويذعنوا لأحكام الإسلام، ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ﴾ فهذا المقصود من القتال والجهاد لأعداء الدين، أن يدفع شرَّهم عن الدين، وأن يَذُبَّ عن دين الله، الذي خلق الخلق له، حتى يكون هو العالي على سائر الأديان، ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ عن ما هم عليه من الظُّلم، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، لا تخفى عليه منهم خافية، ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عن الطاعة وأوضعوا في الإضاعة، ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى﴾، الذي يتولى عباده المؤمنين، ويوصل إليهم مصالحهم، وييسِّر لهم منافعهم الدينية والدنيوية، ﴿وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ الذي ينصرهم، فيدفع عنهم كيد الفُجَّار، وتكالُب الأشرار، ومَن كان الله مولاه وناصره فلا خوف عليه، ومَن كان الله عليه فلا عزَّ له، ولا قائمة تقوم له" (^١).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "قال ابن جريج: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: الآية: ٣٩]؛ أي: لا يفتُر مؤمن عن دينه، ويكون التوحيد لله خالصًا ليس فيه شركٌ، ويخلع ما دونه من الأنداد" (^٢).
_________________
(١) تفسير السعدي (سورة الأنفال الآية: ٣٩).
(٢) تفسير السعدي (سورة الأنفال الآية: ٣٩).
[ ٣٢٩ ]
• قال سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب آل الشيخ (ت: ١٢٣٣ هـ) ﵀: "فدلَّ على أنه إذا وُجد الشرك فالقتال باقٍ بحاله؛ كما قال - تعالى -: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: الآية: ٣٦]، وقال - تعالى -: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: الآية: ٥]، فأمر بقتالهم على فعل التوحيد وترك الشرك وإقامة شعائر الدين الظاهرة، فإذا فعلوها خلَّي سبيلهم، ومتى أَبَوْا عن فعلها أو فعل شيء منها فالقتال باقٍ بحاله إجماعًا" (^١).
• عن ابن عمر (ت: ٧٣ هـ) ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «أُمِرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقِّ الإسلام، وحسابهم على الله ﷿» (^٢).
• قال الخطابي (ت: ٣٨٨ هـ) ﵀: "الكافر مباح الدم بحكم الدين قبل أن يقول كلمة التوحيد، فإذا قالها حقن دمه فصار محظور الدم بمنزلة المسلم" (^٣).
• قال الخطابي (ت: ٣٨٨ هـ) ﵀: "المشرك إذا قال: لا إله إلا الله رفع عنه السيف وحرم دمه" (^٤).
• قال ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ) ﵀: "قوله: «أُمِرتُ أن أقاتل الناس
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد": ص ١٤٧.
(٢) رواه مسلم: (٢٢/ كتاب الإيمان/ باب: الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام).
(٣) أعلام الحديث (شرح صحيح البخاري) للخطابي. ٣/ ١٧١٣.
(٤) أعلام الحديث (شرح صحيح البخاري) للخطابي. ٣/ ١٧٥٠.
[ ٣٣٠ ]
حتى يقولوا: لا إله إلا الله» كذا ساقه الأكثر، وفي رواية طارق عند مسلم: «مَنْ وحَّد الله وكفر بما يعبد من دونه حرَّم دمه وماله»، وأخرجه الطبراني (ت: ٣٦٠ هـ)، من حديثه كرواية الجمهور، وفي حديث ابن عمر (ت: ٧٣ هـ): «حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة»، ونحوه في حديث أبي العنبس (ت: ١٥٠ هـ تقزيبًا)، وفي حديث أنس (ت: ٩٠ هـ) عند أبي داود (ت: ٢٧٥ هـ): «حتى يشهدوا أن لا اله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن يستقبلوا قبلتنا، ويأكلوا ذبيحتنا، ويصلُّوا صلاتنا»، وفي رواية العلاء بن عبد الرحمن (ت: ١٣٢ أو ١٣٨ هـ): «حتى يشهدوا أن لا اله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، ويؤمنوا بي وبما جئتُ به» (^١).
• قال ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ) ﵀: "وقد وردت الأحاديث بذلك زائدٌ بعضها على بعض؛ ففي حديث أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁، الاقتصار على قول: لا إله إلا الله، وفي حديثه من وجهٍ آخر عند مسلم (ت: ٢٦١ هـ): «حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله»، وفي حديث ابن عمر (ت: ٧٣ هـ) ﵄ ما ذكرت، وفي حديث أنس (ت: ٩٠ هـ) ﵁: «… فإذا صلُّوا واستقبلوا وأكلوا ذبيحتنا»، قال الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀، وغيره: أمَّا الأول فقاله في حالة قتاله لأهل الأوثان الذين لا يقرُّون بالتوحيد، وأما الثاني فقاله في حالة قتال أهل الكتاب الذين يعترفون بالتوحيد ويجحدون نبوَّته عمومًا أو خصوصًا، وأمَّا الثالث ففيه الإشارة إلى أن من دخل في الإسلام وشهد بالتوحيد وبالنبوة ولم يعمل بالطاعات، أن حكمهم أن يقاتلوا حتى يذعنوا إلى ذلك" (^٢).
_________________
(١) فتح الباري لابن حجر.
(٢) فتح الباري لابن حجر.
[ ٣٣١ ]
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀"فالمقصود بالجهاد ألا يعبد غير الله، فلا يدعو غيرَه، ولا يُصلِّي لغيره، ولا يسجد لغيره، ولا يعتمر ولا يحج إلا إلى بيته، ولا يذبح القرابين إلا له، ولا ينذر إلا له، ولا يتوكَّل إلا عليه، ولا يخاف إلا إياه … " (^١).
المطلب التاسع والسبعون: التوحيد من أجله انقسم الناس إلى مؤمن وكافر وبينهما ولاء وبراء.
• قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُون﴾ [المجادلة: الآية: ٢٢].
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "يقول-تعالى-: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: الآية: ٢٢]؛ أي: لا يجتمع هذا وهذا، فلا يكون العبد مؤمنًا بالله واليوم الآخر حقيقة، إلا كان عاملًا على مقتضى إيمانه ولوازمه، من محبة مَنْ قام بالإيمان وموالاته، وبغض مَنْ لم يقم به ومعاداته، ولو كان أقربَ الناس إليه، وهذا هو الإيمان على الحقيقة الذي وجدت ثمرته والمقصود منه، وأهل هذا الوصف هم الذين كتب الله في قلوبهم الإيمان؛ أي: رسمه وثبَّته، وغرسه غرسًا لا يتزلزل، ولا تؤثِّر فيه الشُّبَه والشكوك، وهم الذين قوَّاهم الله بروح منه؛ أي: بوحيه
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٣٥/ ٣٦٨.
[ ٣٣٢ ]
ومعرفته ومَدَدِه الإلهي، وإحسانه الرباني، وهم الذين لهم الحياة الطيبة في هذه الدار، ولهم جنَّات النعيم في دار القرار، التي فيها كل ما تشتهيه الأنفس وتلذُّ الأعين وتختار، ولهم أفضل النعيم وأكبره، وهو أن الله يحل عليهم رضوانه فلا يسخط عليهم أبدًا، ويرضون عن ربهم بما يعطيهم من أنواع الكرامات، ووافر المَثُوبات، وجزيل الهبات، ورفيع الدرجات؛ بحيث لا يرون فوق ما أعطاهم مولاهم غاية، ولا وراءه نهاية، وأمَّا مَنْ يزعُم أنه يؤمن بالله واليوم الأخر، وهو مع ذلك موادٌّ لأعداء الله، محبٌّ لِمَنْ نبذ الإيمان وراء ظهره، فإن هذا إيمان زعميٌّ لا حقيقة له، فإن كان أمرٌ لا بُدَّ له من برهان يصدِّقه، فمجرَّد الدعوى لا تفيد شيئًا ولا يصدق صاحبها" (^١).
المطلب الثمانون: التوحيد سبب الاجتماع والألفة.
• قال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: الآية: ٤].
• وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَة فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة: الآية: ٢١٣].
• قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الجاشية: الآية: ١٦].
وقال تعالى في موسى بن عمران مثل ذلك.
_________________
(١) تفسير السعدي (سورة المجادلة الآية: ٢٢).
[ ٣٣٣ ]
• وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم﴾ [آل عمران: الآية: ١٠٥﴾.
• وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام: الآية: ١٥٩].
• وقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ* مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: الآيات: ٣٠ - ٣٢]، لأن المشركين كل منهم يعبد إلها يهواه.
• كما قال في الآية الأولى: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى: الآية: ١٣].
• وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيم * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّة وَاحِدَة وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ * فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: الآيات: ٥١ - ٥٣].
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فظهر أن سبب الاجتماع والألفة جمع الدين والعمل به كله، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، كما أمر به باطنا، وظاهرا.
وسبب الفرقة: ترك حظ مما أمر العبد به، والبغي بينهم. ونتيجة الجماعة: رحمة الله، ورضوانه، وصلواته، وسعادة الدنيا والآخرة، وبياض الوجوه.
ونتيجة الفرقة: عذاب الله، ولعنته، وسواد الوجوه، وبراءة الرسول-ﷺ-منهم.
وهذا أحد الأدلة على أن الإجماع حجة قاطعة، فإنهم إذا اجتمعوا
[ ٣٣٤ ]
كانوا مطيعين لله بذلك مرحومين، فلا تكون طاعة الله ورحمته: بفعل لم يأمر الله به من اعتقاد، أو قول، أو عمل، فلو كان القول، أو العمل الذي اجتمعوا عليه لم يأمر الله به لم يكن ذلك طاعة لله، ولا سببا لرحمته" (^١).
المطلب الواحد والثمانون: التوحيد سر القرآن.
قال ابن تيمية: "فإن التوحيد، هو سر القرآن ولب الإيمان، وتنويع العبارة بوجوه الدلالات من أهم الأمور وأنفعها للعباد في مصالح المعاش والمعاد" (^٢).
المطلب الثاني والثمانون: التوحيد سر الحج.
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وأما الحج فشأن آخر لا يدركه إلا الحنفاء الذين ضربوا في المحبة بسهم وشأنه أجل من أن تحيط به العبارة وهو خاصة هذا الدين الحنيف حتى قيل في قوله تعالى: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج: الآية: ٣١]، أي حجاجًا؛ وجعل الله بيته الحرام قياما للناس فهو عمود العالم الذي عليه بناؤه فلو ترك الناس كلهم الحج سنة لخرت السماء على الأرض هكذا قال ترجمان القرآن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ)، فالبيت الحرام قيام العالم فلا يزال قياما ما زال
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١/ ١٦ - ١٧.
(٢) مجموع الفتاوى ١/ ٣٦٨.
[ ٣٣٥ ]
هذا البيت محجوجا. فالحج هو خاصة الحنيفية، ومعونة الصلاة، وسر قول العبد لا إله إلا الله فإنه مؤسس على التوحيد المحض والمحبة الخالصة" (^١).
"ومشاهد التوحيد في الحج كثيرة يأتي على رأسها التلبية "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك" والممعن في هذه الكلمات يجد آثارها في تحقيق هذا الأمر والتذكير به.
ومعنى "لبيك اللهم لبيك" أي إجيبك إجابة بعد إجابة، وأنا مقيم على طاعتك، ففيها التصريح بنبذ ما يخالف حقيقة التوحيد "لبيك لا شريك لك لبيك" ولعظمة هذه الكلمة وأثرها ومعانيها العظام
• قال ﷺ «أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال» (^٢).
• قال جابر بن عبد الله (ت: ٧٨ هـ) ﵄"كنّا نصرخ بها صراخًا" (^٣)،
• وفي حديث سهل بن سعد (ت: ٩١ هـ)، قال ﷺ: «ما من مسلم يلبي إلا لبى ما عن يمينه من حجر أو شجر أو مدر حتى تنقطع الأرض من هاهنا وهاهنا» (^٤).
ويتكرر مشهد التوحيد والعناية به في هذه الفريضة والتأكيد عليه في مشاهد أخرى من هذه الفريضة العظيمة، يبدو ذلك في الركعتين التي
_________________
(١) مفتاح دار السعادة ٢/ ٤.
(٢) رواه الإمام أحمد وأهل السنن وصححه الألباني.
(٣) رواه مسلم
(٤) رواه الترمذي وابن ماجة وصححه الألباني.
[ ٣٣٦ ]
يركعهما الحاج خلف المقام بعد نهاية الطواف حيث ورد في السنة أن المصلي يقرأ في هذا الموضع سورتي الإخلاص، قل هو الله أحد والكافرون، وهي ذاتها التي يقرأ بها في سنة الفجر، وسنة المغرب.
وإذا أردت أن تعرف مشاهد السورة وما تتركه في قلب المؤمن الحي فتأمل في آياتها لا ترى فيها إلا معلم التوحيد فحسب .. إنه مشهد آخر من مشاهد التأكيد على هذه الغاية الكبيرة في الحج ..
ويتكرر مشهد التوحيد ثالثة في الدعاء على الصفا والمروة حين يردد الحاج ما أشار إليه نبينا ﷺ «لا إله إلا الله وحد لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحي ويميت، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله نصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده» (^١)، وأنت ترى التأكيد على هذه المسألة، وغرس كلماتها ومعانيها وآثارها في نفس كل مسلم على أرض مكة في فريضة الحج.
ومثل ذلك ما قاله ﷺ في دعاء عرفة «خير ما قلت أنا والنبيون من بعدي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير».
بل ذات المعنى تجده في كل أعمال الحج صغيرها وكبيرها لا فرق، وحين تتأمّل هذه القضية لا تكاد تغيب في مشهد الحج من خروج الإنسان من بيته إلى طواف الوداع مما يعطيك دلالة كبيرة على عظمة التوحيد في الحج" (^٢).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤٥٤٩)، والنسائي (٤٧٩٩)، وابن ماجه (٢٦٢٨).
(٢) المصدر: مقال بعنوان: "التربية في الحج-١. تحقيق التوحيد" لمشعل بن عبد العزيز الفلاحي، منشور على موقع صيد الفوائد.
[ ٣٣٧ ]
المطلب الثالث والثمانون: التوحيد صدر الشهادتين.
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فإن صدره الشهادتان اللتان هما أصلا الدين وجماعه؛ فإن جميع الدين داخل في "الشهادتين" إذ مضمونهما أن لا نعبد إلا الله، وأن نطيع رسوله، "والدين" كله داخل في هذا في عبادة الله بطاعة الله وطاعة رسوله، وكل ما يجب أو يستحب داخل في طاعة الله ورسوله" (^١).
• قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: "التوحيد لا ينفع بدون الشهادة له بالرسالة" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "محمد رسول الله-ﷺ، من تمام قول لا إله إلا الله. فالكلمتان تخرجان من أصل القلب، من مشكاة واحدة. لا تتم إحداهما إلا بالأخرى" (^٣).
المطلب الرابع والثمانون: أشعة التوحيد تبدد من ضباب الذنوب وغيومها.
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "اعلم أن أشعة لا إله إلا الله تبدد من ضباب الذنوب وغيومها بقدر قوة ذلك الشعاع وضعفه، فلها نور، وتفاوت أهلها في ذلك النور-قوة، وضعفا-لا يحصيه إلا الله تعالى.
_________________
(١) الفتاوى الكبرى ٥/ ٢٣٦.
(٢) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ١٨/ ٢٣٣.
(٣) مدارج السالكين ٣/ ٤٧.
[ ٣٣٨ ]
فمن الناس من نور هذه الكلمة في قلبه كالشمس.
ومنهم من نورها في قلبه كالكوكب الدري.
ومنهم من نورها في قلبه كالمشعل العظيم.
وآخر كالسراج المضيء، وآخر كالسراج الضعيف.
ولهذا تظهر الأنوار يوم القيامة بأيمانهم، وبين أيديهم، على هذا المقدار، بحسب ما في قلوبهم من نور هذه الكلمة، علما وعملا، ومعرفة وحالا.
وكلما عظم نور هذه الكلمة واشتد أحرق من الشبهات والشهوات بحسب قوته وشدته، حتى إنه ربما وصل إلى حال لا يصادف معها شبهة ولا شهوة، ولا ذنبا، إلا أحرقه، وهذا حال الصادق في توحيده، الذي لم يشرك بالله شيئا، فأي ذنب أو شهوة أو شبهة دنت من هذا النور أحرقها، فسماء إيمانه قد حرست بالنجوم من كل سارق لحسناته، فلا ينال منها السارق إلا على غرة وغفلة لا بد منها للبشر، فإذا استيقظ وعلم ما سرق منه استنقذه من سارقه، أو حصل أضعافه بكسبه، فهو هكذا أبدا مع لصوص الجن والإنس، ليس كمن فتح لهم خزانته، وولى الباب ظهره" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "من قواعد الشرع والحكمة أيضًا: أنَّ من كَثُرت حسناته وعظمت، وكان له في الإسلام تأثيرٌ ظاهرٌ؛ فإنه يُحتمل له ما لايُحتمل لغيره، ويُعفى عنه ما لايُعفى عن غيره" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "والله سبحانه يُوازنُ يوم
_________________
(١) مدارج السالكين ١/ ٣٣٨ - ٣٣٩.
(٢) مفتاح دار السعادة ١/ ٥٠٤.
[ ٣٣٩ ]
القيامة بين حسنات العبد وسيئاته، فأيهما غَلبَ كان التأثير له، فيفعل مع أهل الحسنات الكثيرة الذين آثروا محابّه ومراضيه وغلبتهم دواعي طبعهم أحيانًا من العفو والمسامحة ما لا يفعله مع غيرهم" (^١).
• ذكر الذهبي (ت: ٧٤٨ هـ) ﵀: "قال عون بن عُمارة (ت: ٢١٢ هـ) ﵀: سمعت هشامًا الدستوائي (ت: ١٥٤ هـ) ﵀-يقول: "والله ما أستطيع أن أقول: أني ذهبت يومًا قط أطلب الحديث أريد به وجه الله ﷿".
قلت-أي الذهبي-: "والله ولا أنا فقد كان السلف يطلبون العلم لله فنبلوا، وصاروا أئمة يقتدى بهم.
وطلبه قوم منهم أولًا لا لله، وحصلوه، ثم استفاقوا، وحاسبوا أنفسهم فجرهم العلم إلى الأخلاص في أثناء الطريق، كما قال مجاهد (ت: ١٠٤ هـ) ﵀-وغيره: "طلبنا هذا العلم وما لنا فيه كبير نية، ثم رزق الله النية بعدُ"، وبعضهم يقول: "طلبنا هذا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله". فهذا أيضًا حسن. ثم نشروه بنية صالحة.
وقوم طلبوه بنية فاسدة، لأجل الدنيا وليثنى عليهم، فلهم ما نووا. قال ﵇ «من غزا ينوي عقالًا فله ما نوى» (^٢). وترى هذا الضرب لم
_________________
(١) مفتاح دار السعادة ١/ ٥٠٧.
(٢) النسائي في الصغرى (حديث رقم ٣١٢٠. وحديث رقم ٣١٢١)؛ والنسائي في الكبرى (حديث رقم ٣٢٥٩)؛ وأحمد في المسند (حديث رقم ٢٢١٧٢، وحديث رقم ٢٢٢٨٠)؛ وابن حبان في صحيحه (حديث رقم ٤٧٢٢)؛ الحاكم في المستدرك (حديث رقم ٢٤٧٦)؛ والدارمي في سننه (حديث رقم ٢٣٩١)؛ وابن المنذر في الأوسط (حديث رقم ٣٢٠٣)؛ والبيهقي في السنن الكبير (حديث رقم ١٢٠٩٥). وقال الألباني في تخريج مشكاة المصابيح برقم: ٣٧٧٣ "حسن لغيره".
[ ٣٤٠ ]
يستضيؤوا بنور العلم، ولا لهم وقع في النفوس، ولا لعلمهم كبير نتيجة من العمل، وإنما العالم من يخشى الله تعالى.
وقوم نالوا العلم، وولوا به المناصب، فظلموا، وتركوا التقيد بالعلم، وركبوا الكبائر والفواحش، فتبا لهم فما هؤلاء بعلماء!! وبعضهم لم يتق الله في علمه، بل ركب الحيل، وأفتى بالرخص، وروى الشاذ من الأخبار. وبعضهم أجترأ على الله، ووضع الأحاديث فهتكه الله وذهب علمه، وصار زاده إلى النار.
وهؤلاء الأقسام كلهم رووا من العلم شيئًا كبيرًا، وتضلعوا منه في الجملة، فخلف من بعدهم خلف بَان نقصهم في العلم والعمل، وتلاهم قوم انتموا إلى العلم في الظاهر، ولم يتقنوا منه سوى نزر يسير، أوهموا به أنهم علماء فضلاء، ولم يدر في أذهانهم قط أنهم يتقربون به إلى الله؛ لأنهم ما رأوا شيخًا يُقتدى به في العلم، فصاروا همجًا رعاعًا، غاية المدرس منهم أن يحصل كتبا مُثَمَّنة، يَخْزُنُها، وينظر فيها يومًا ما، فيصحف ما يورده، ولا يقرره. فنسأل الله النجاة والعفو، كما قال بعضهم: ما أنا عالم، ولا رأيت عالمًا" (^١).
• قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: "لا تجد شيئا أدخل في الإخلاص من موالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه، بل هو عين الإخلاص، ومن جنح إلى منحرف عن دينه أو داهن مبتدعا في عقده نزع الله نور التوحيد من قلبه" (^٢).
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (٧/ ١٥٢ - ١٥٣).
(٢) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ١٩/ ٣٩٩.
[ ٣٤١ ]
المطلب الخامس والثمانون: التوحيد منزلته بمنزلة الماء في الدنيا.
• عن سفيان الثوري (ت: ١٦١ هـ) ﵀: أنه قال: "منزلة لا إله إلا الله في العبد بمنزلة الماء في الدنيا، قال الله تعالى: ﴿وجعلنا من الماء كل شيء حي﴾ [الأنبياء: الآية: ٣٠] فمن لم ينفعه اعتقاد لا إله إلا الله والاقتداء بسنة رسول الله ﷺ فهو ميت" (^١).
• قال سهل التستري (ت: ٢٨٣ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ [محمد: الآية: ١٩] قال: الخلق كلهم موتى إلا العلماء، ولذلك دعا نبيه ﷺ إلى محل الحياة بالعلم بقوله: فاعلم" (^٢).
المطلب السادس والثمانون: التوحيد منة من الله على عباده الموحدين.
• قال تعالى: ﴿لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم﴾ [آل عمران: الآية: ١٦٤].
• قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجزات: الآية: ١٧].
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "فإن الله هو الذي منّ عليكم بأن هداكم له، فلا تمنوا عليّ بإسلامكم" (^٣).
_________________
(١) تفسير التستري: ص ٤٨.
(٢) تفسير التستري: ص ١٤٥.
(٣) تفسير الطبري (سورة الحجرات الآية: ١٧).
[ ٣٤٢ ]
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "المنة تقع بالهداية إلى الإيمان" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والله سبحانه بعث محمدا بالكتاب والسنة، وبهما أتم على أمته المنة. قال تعالى: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: الآية: ١٥٠]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: الآية: ١٦٤] " (^٢).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "فكما أنه تعالى يمن عليهم، بالخلق والرزق، والنعم الظاهرة والباطنة، فمنته عليهم بهدايتهم إلى الإسلام، ومنته عليهم بالإيمان، أعظم من كل شيء" (^٣).
• قال عبد العزيز بن باز (ت: ١٤٢٠ هـ) ﵀: "المنة لله سبحانه في كل شيء، كما قال تعالى في آخر سورة الحجرات: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: الآية: ١٧] فالمنة لله وحده في كل شيء من نعم الدنيا والآخرة" (^٤).
• وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٧/ ٣٧٦.
(٢) مجموع الفتاوى ١/ ٦.
(٣) تفسير السعدي (سورة الحجرات الآية: ١٧).
(٤) مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز (٩/ ٣٠٦).
[ ٣٤٣ ]
اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: الآية: ٩٤].
• عن أنس بن مالك (ت: ٩٠ هـ) ﵁، قال: سمع النبي ﷺ رجلا يقول: «اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك المنان يا بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار فقال النبي ﷺ: لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب» (^١).
• وقال أبو بكر الأنباري (ت: ٣٢٨ هـ) ﵀: في شرح المنان: "معناه: المعطي ابتداء ولله المنة على عباده، ولا منة لأحد منهم عليه، تعالى الله علوا كبيرا" (^٢).
• وقال الخطابي (ت: ٣٨٨ هـ) ﵀: "وأما (المنان) فهو كثير العطاء" (^٣).
المطلب السادس والثمانون: التوحيد ينال به الموحد أبوة الأنبياء وأمومة أزواج النبي وأخوة المؤمنين.
• قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ): "وجد المؤمن بهذه الشهادة أبوة إبراهيم، وهو قوله: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: الآية: ٧٨]، وأمومة
_________________
(١) رواه أبو داود (١٤٩٥)، والترمذي (٣٥٤٤)، والنسائي (٣/ ٥٢)، وابن ماجه (٣٨٥٨) واللفظ له، وأحمد (٣/ ١٢٠) (١٢٢٢٦)، والحاكم (١/ ٦٨٣). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذي: حديث غريب. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجة»: حسن صحيح.
(٢) «اللسان» (٦/ ٤٢٧٩).
(٣) «شأن الدعاء» (ص: ١٠٠)، وبنحوه قال البيهقي في «الاعتقاد» (ص: ٦٧).
[ ٣٤٤ ]
أزواج النبي ﷺ ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: الآية: ٦]، وأخوة المؤمنين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: الآية: ١٠] " (^١).
المطلب السابع والثمانون: التوحيد ينال به الموحد استغفار الأنبياء والملائكة وشفاعتهم.
• قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "وجد المؤمن بهذه الشهادة استغفار الأنبياء: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: الآية: ١٩]، واستغفار الملائكة: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: الآية: ٧]. وشفيعًا مثل محمد-ﷺ: "شفاعتي لأهل الكبائر من أُمتي " (^٢) " (^٣).
الموحد اشتق الله له من اسمه "المؤمن".
• قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: الآية: ١].
• قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: الآية: ١٠].
• قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "وجد المؤمن بهذه الشهادة ومشاركة (^٤). الله تعالى في الاسم "المؤمن" (^٥). يعني بذلك اسمه ﷿ (المؤمن) كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ
_________________
(١) عجائب القرآن للرازي ص ٣٦.
(٢) أخرجه أبو داود (٤٧٣٩)، والترمذي (٢٤٣٥)، وأحمد (١٣٢٢٢)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم (٤٧٣٩).
(٣) عجائب القرآن للرازي ص ٣٦ - ٣٧.
(٤) لعل الأنسب استعمال كلمة اشتقاق بدل كلمة مشاركة ويشهد لهذا قول حسان بن ثابت: وشق له من اسمه كي يجله … فذو العرش محمود، وهذا محمد.
(٥) عجائب القرآن للرازي ص ٣٧.
[ ٣٤٥ ]
الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: الآية: ٢٣].
المطلب الثامن والثمانون: أهل التوحيد اشتق لهم اسم من التوحيد فسموا الموحدين.
• ﴿إلا عبادك منهم المخلصين﴾ [الحجر: الآية: ٤٠].
• عن فروة بن نوفل أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله علمني شيئا أقوله إذا أويت إلى فراشي، فقال: «اقرأ: قل يا أيها الكافرون فإنها براءة من الشرك» (^١).
• قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: ﴿إلا عبادك منهم المخلصين﴾ [الحجر: الآية: ٤٠]، الموحدين" (^٢).
• قال الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ) ﵀: " ﴿إلا عبادك منهم المخلصين﴾ أي الموحدين المؤمنين الذي أخلصوا دينهم عن الشرك" (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀-عن سورة الكافرون: "فمقصودها الأعظم هو البراءة المطلقة بين الموحدين والمشركين، ولهذا أتى بالنفي في الجانبين تحقيقا للبراءة المطلوبة، هذا مع أنها متضمنة
_________________
(١) أخرجه أبو داود رقم (٥٠٥٥)، والترمذي (٣٤٠٣)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" رقم (٨٠١)، وابن حبان "الإحسان": (٣/ ٦٩ - ٧٠)، والحاكم: (٢/ ٥٣٨) وغيرهم من حديث نوفل الأشجعي -والحديث صححه الحاكم وابن حبان، وله شواهد عن غير واحد من الصحابة. انظر: "لمحات الأنوار": (٣/ ١٠٧١ - ١٠٧٩)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي برقم (٣٤٠٤).
(٢) تفسير ابن أبي زمنين (سورة الحجر: الآية: ٤٠).
(٣) تفسير الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي (سورة الحجر: الآية: ٤٠).
[ ٣٤٦ ]
للإثبات صريحا فقوله: ﴿لا أعبد ما تعبدون﴾ [الكافرون: الآية: ٢]، براءة محضة، ﴿ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾ [الكافرون: الآية: ٣]، إثبات أن له معبودا يعبده وأنهم بريئون من عبادته، فتضمنت النفي والإثبات وطابقت قول إمام الحنفاء: ﴿إنني براء مما تعبدون (٢٦) إلا الذي فطرني﴾ [الزخرف: الآيات: ٢٦ - ٢٧]، وطابقت قول الفتية الموحدين: ﴿وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله﴾ [الكهف: الآية: ١٦] فانتظمت حقيقة لا إله إلا الله، ولهذا كان النبي ﷺ يقرأ بها وب ﴿قل هو الله أحد (١)﴾ [الإخلاص: الآية: ١]، في سنة الفجر وسنة المغرب (^١)، فإن هاتين السورتين سورتا الإخلاص، وقد اشتملتا على نوعي التوحيد، الذي لا نجاة للعبد ولا فلاح إلا بهما، وهما توحيد العلم والاعتقاد" (^٢).
المطلب التاسع والثمانون: التوحيد يورث الثبات في قلب المؤمن.
• قال تعالى: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء﴾ [إبراهيم: الآية: ٢٧].
• قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "القول الثابت في الحياة الدنيا، كلمة الإخلاص، والنجاة من النار: لا إله إلا الله، والإقرار بالنبوة
_________________
(١) أما قراءتهما في سنة الفجر؛ فعند مسلم رقم (٧٢٦) من حديث أبي هريرة ﵁ وكذا عن جماعة من الصحابة في السنن وغيرها، انظر: "فتح الباري": (٣/ ٥٧). أما قراءتهما في سنة المغرب؛ فعند الترمذي (٤٣١)، وقال: غريب، وابن ماجه (١١٦٦) من حديث ابن مسعود ﵁ وسنده فيه ضعف
(٢) بدائع الفوائد ١/ ٢٤٣.
[ ٣٤٧ ]
وهذه الآية تعم العالم من لدن آدم ﵇ إلى يوم القيامة، وقال طاووس (ت: ١٠٦ هـ) وقتادة (ت: ١١٨ هـ)، وجمهور العلماء: الحياة الدنيا هي مدة حياة الإنسان.
﴿وفي الآخرة﴾ هي وقت سؤاله في قبره. وقال البراء بن عازب (ت: ٧٢ هـ)، وجماعة في الحياة الدنيا هي وقت سؤاله في قبره- ورواه البراء عن النبي ﵇ في لفظ متأول.
ووجه القول لأن ذلك في مدة وجود الدنيا.
وقوله في الآخرة هو يوم القيامة عند العرض.
والأول أحسن، ورجحه الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀" (^١).
• قال سهل التستري (ت: ٢٨٣ هـ) ﵀: " ﴿كلمة طيبة﴾، يعني كلمة الإخلاص ﴿كشجرة طيبة﴾، يعني النخلة ﴿أصلها ثابت وفرعها في السماء﴾، يعني أغصانها مرفوعة إلى السماء، فكذلك أصل عمل المؤمن كلمة التوحيد، وهو أصل ثابت، وفرعه وهو عمله مرفوع إلى السماء مقبول، إلا أن فيه خللا وإحداثا، ولكن لا يزول أصل عمله، وهو كلمة التوحيد، كما أن الرياح تزعزع أغصان النخلة، ولا يزول أصلها، وشبه عمل الكافر كشجرة خبيثة فقال: ﴿ومثل كلمة خبيثة﴾، يعني شجرة الحنظل أخبث ما فوق الأرض ليس لها أصل في الأرض، كذلك الكفر والنفاق ليس له في الآخرة من ثبات، وليس في خزائن الله أكبر من التوحيد" (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "الكلمة الطيبة لها أصل ثابت
_________________
(١) تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ٣/ ٣٣٧.
(٢) تفسير التستري ص ٨٧؛ وحلية الأولياء ١/ ١٩٦.
[ ٣٤٨ ]
في قلب المؤمن ولها فرع عال وهي ثابتة في قلب ثابت كما قال ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ [إبراهيم: الآية: ٢٧]، فالمؤمن عنده يقين وطمأنينة والإيمان في قلبه ثابت مستقر وهو في نفسه ثابت على الإيمان مستقر لا يتحول عنه والكلمة الخبيثة ﴿كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض﴾ [إبراهيم: الآية: ٢٦]، استؤصلت واجتثت كما يقطع الشيء يجتث من فوق الأرض ﴿مَا لَهَا مِنْ قَرَار﴾ لا مكان تستقر فيه ولا استقرار في المكان؛ فإن القرار يراد به مكان الاستقرار كما قال تعالى: ﴿وبئس القرار﴾ [إبراهيم: الآية: ٢٦]، وقال: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارا﴾ [غافر: الآية: ٦٤].
ويقال: فلان ما له قرار أي ثبات وقد فسر القرار في الآية بهذا وهذا فالمبطل ليس قوله ثابتا في قلبه ولا هو ثابت فيه ولا يستقر كما قال تعالى في المثل الآخر: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد: الآية: ١٧]، فإنه وإن اعتقده مدة فإنه عند الحقيقة يخونه كالذي يشرك بالله فعند الحقيقة يضل عنه ما كان يدعو من دون الله. وكذلك الأفعال الباطلة التي يعتقدها الإنسان عند الحقيقة تخونه ولا تنفعه بل هي كالشجرة الخبيثة التي اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار فمن كان معه كلمة طيبة أصلها ثابت كان له فرع في السماء يوصله إلى الله فإنه سبحانه ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: الآية: ١٠]، ومن لم يكن معه أصل ثابت فإنه يحرم الوصول؛ لأنه ضيع الأصول؛ ولهذا تجد أهل البدع والشبهات لا يصلون إلى غاية محمودة كما قال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَال﴾ [الرعد: الآية: ١٤] " (^١).
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٣/ ١٥٩ - ١٦٠.
[ ٣٤٩ ]
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "العبد لا يستغني عن تثبيت الله له طرفة عين. فإن لم يثبته الله، وإلا زالت سماء إيمانه وأرضه عن مكانهما. وقد قال تعالى لأكرم خلقه عليه عبده ورسوله ﴿ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا﴾ [الإسراء: الآية: ٧٤] " (^١).
• قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى: الآية: ١٣].
قال منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (ت ٤٨٩ هـ) ﵀: وقوله: ﴿أن أقيموا الدين﴾ أي: اثبتوا على التوحيد، وقيل: أقيموا الدين أي: استقيموا على الدين. ويقال: أقيموا الدين هو فعل الطاعات وامتثال الأوامر" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الدِّين مداره على أصلين: العزم والثبات، وهما الأصلان المذكوران في الحديث: «اللهمَّ إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد» (^٣) " (^٤).
_________________
(١) التفسير القيم ٣٤٦.
(٢) تفسير السمعاني ٥/ ٦٧.
(٣) رواه الإمام أحمد (١٧١٥٥)، من حديث شداد بن أوس ﵁، قال مُحقِّقُو المسند: حديث حَسَن بِطُرُقِه، والترمذي (٣٤٠٧)، والنسائي (١٣٠٤)، والحاكم في المستدرك على الصحيحين برقم: (١٨٩٦)، وصحَّحه الألباني في السلسة الصحيحة، رقم: (٣٢٢٨)
(٤) عدة الصابرين ص ١٧٨. صحَّحه الألباني في السلسة الصحيحة، رقم:
[ ٣٥٠ ]
المطلب التسعون: التوحيد يوجب على المؤمن أن يقدر الله حق قدره.
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والله سبحانه بعث الرسل وأنزل الكتب؛ بأن يكون هو المعبود وحده لا شريك له وإنما يعبد بما أمر به على ألسن رسله. وأصل عبادته معرفته بما وصف به نفسه في كتابه وما وصفه به رسله؛ ولهذا كان مذهب السلف أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه وما وصفه به رسله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل والذين ينكرون بعض ذلك ما قدروا الله حق قدره وما عرفوه حق معرفته ولا وصفوه حق صفته ولا عبدوه حق عبادته. والله سبحانه قد ذكر هذه الكلمة ﴿ما قدروا الله حق قدره﴾ في ثلاث مواضع [الأنعام: الآية: ٩١]، [الحج: الآية: ٧٤]، [الزمر: الآية: ٦٤]؛ ليثبت عظمته في نفسه وما يستحقه من الصفات وليثبت وحدانيته وأنه لا يستحق العبادة إلا هو وليثبت ما أنزله على رسله فقال في الزمر: ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة﴾ الآية [الزمر: الآية: ٦٤]. وقال في الحج: ﴿ضعف الطالب والمطلوب﴾ [الحج: الآية: ٧٣]، ﴿ما قدروا الله حق قدره﴾ [الحج: الآية: ٧٤]، وقال في الأنعام: ﴿وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء﴾ [الأنعام: الآية: ٩١].
وفي المواضع الثلاثة ذم الذين ما قدروه حق قدره من الكفار فدل ذلك على أنه يجب على المؤمن أن يقدر الله حق قدره كما يجب عليه أن يتقيه حق تقاته وأن يجاهد فيه حق جهاده قال تعالى: ﴿وجاهدوا في الله حق جهاده﴾ [الحج: الآية: ٧٨]، وقال: ﴿اتقوا الله حق تقاته﴾ [آل عمران: الآية: ١٠٢]، والمصدر هنا مضاف إلى المفعول والفاعل مراد أي حق جهاده
[ ٣٥١ ]
الذي أمركم به وحق تقاته التي أمركم بها واقدروه قدره الذي بينه لكم وأمركم به فصدقوا الرسول فيما أخبر وأطيعوه فيما أوجب وأمر.
ودلت الآية على أن له قدرا عظيما؛ لا سيما قوله: ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه﴾ [الزمر: الآية: ٦٧]، وفي تفسير ابن أبي طلحة عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) قال: من آمن بأن الله على كل شيء قدير فقد قدر الله حق قدره" (^١).
المطلب الواحد والتسعون: لا إله إلا الله معناها التوحيد.
• لما بعث معاذا (ت: ١٨ هـ) ﵁، إلى اليمن قال له: إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوا لك بذلك فأعلمهم أن الله تعالى قد فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة فإن هم أطاعوا لك بذلك فأعلمهم أن الله تعالى افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» (^٢).
و"لا إله إلا الله" معناها التوحيد؛ ولهذا في الأحاديث تارة يُعبر عن هذه الكلمات بالتوحيد، وتارة تُذكر هذه الكلمة.
• ومن ذلك: ما جاء في بعض رويات الحديث من قوله-ﷺ-لمعاذ
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٣/ ١٦٠ - ١٦١.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي أمته إلى توحيد الله ﵎ ٤/ ٣٧٨، ح ٧٣٧٢.
[ ٣٥٢ ]
(ت: ١٨ هـ) ﵁، لما بعثه إلى اليمن: "إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله-تعالى-" (^١).
• ولفظ مصنف عبد الرزاق (ت: ٢١١ هـ) ﵀: "إنك ستأتي على ناس من أهل الكتاب فادعهم إلى التوحيد" (^٢).
• عن ابن عمر (ت: ٧٣ هـ) ﵄-عن النبي-ﷺ: "بني الإسلام على خمسة على أن يوحدوا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان والحج" أخرجه مسلم (^٣).
• وعنه ﷺ-أنه قال: "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله" (^٤).
• وفي رواية: "من وحد الله وكفر بما يعبد من دون الله .. " (^٥).
• فعن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄ في قوله: لا إله إلا هو قال: توحيد" (^٦).
• قال عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (ت: ١٢٨٥ هـ) ﵀: "قوله: "وفي رواية: «إلى أن يوحدوا الله» " هذه الرواية ثابتة في كتاب
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي أمته إلى توحيد الله ﵎ ٤/ ٣٧٨، ح ٧٣٧٢.
(٢) مصنف عبد الرزاق، باب دعاء العدو ٥/ ٢١٥ (ح ٩٤٢٠).
(٣) رواه مسلم (١/ ٣٤) (ح ١٢٠).
(٤) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان باب ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾ [التوبة: ٥] ١/ ٢٤، ح ٢٥، ومسلم في كتاب الإيمان باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله. ١/ ٥٣، ح ٣٧.
(٥) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. ١/ ٥٣، ح ٣٨.
(٦) تفسير ابن أبي حاتم ٣/ ١٠٢٢.
[ ٣٥٣ ]
التوحيد من صحيح البخاري. وأشار المصنف بذكر هذه الرواية إلى التنبيه على معنى "شهادة أن لا إله إلا الله"؛ فإن معناها توحيد الله بالعبادة ونفي عبادة ما سواه. وفي رواية: " «فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله» وذلك هو الكفر بالطاغوت والإيمان بالله" (^١).
• قال عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (ت: ١٢٨٥ هـ) ﵀: " فإن التوحيد أن لا يدعى إلا الله وحده" (^٢).
المطلب الثاني والتسعون: النعم داعية إلى التوحيد وذاك داع إلى شكرها.
• ﴿وَمَا بِكُمْ مِّن نِّعْمَة فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ﴾.
• قال صالح الدمشقي (من القرن الثاني من الهجرة) ﵀، لا بنه: "يا بني، إذا مرَّ بك يوم وليلة قد سلم فيهما دينك، وجسمك، ومالك، وعيالك فأكثِر الشكر للَّه تعالى" (^٣).
• وقال الحسن البصري (ت: ١١٠ هـ) ﵀: "كلما شكرت نعمة؛ تجدد لك بالشكر أعظم منها" (^٤).
• وقال الجنيد (ت: ٢٩٨ هـ) ﵀: "الشكر: أن لا يعصى الله ﷿ بنعمه" (^٥).
_________________
(١) فتح المجيد شرح كتاب التوحيد ص ٨٣.
(٢) فتح المجيد شرح كتاب التوحيد ص ٩٧.
(٣) سير أعلا م النبلا ء (٣/ ٢٢٢).
(٤) سراج الملوك ١/ ٢١٩.
(٥) سراج الملوك ١/ ٢١٨.
[ ٣٥٤ ]
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: "ذكرهم النعم، فقال سبحانه: ﴿وما بكم من نعمة فمن الله﴾، ليوحدوا رب هذه النعم، يعني بالنعم الخير والعافية، ﴿ثم إذا مسكم الضر﴾، يعني الشدة، وهو الجوع، والبلاء، وهو قحط المطر بمكة سبع سنين، ﴿فإليه تجئرون﴾ [آية: ٥٣]، يعني تضرعون بالدعاء، لا تدعون غيره أن يكشف عنكم ما نزل بكم من البلاء والدعاء حين قالوا في حم الدخان: ﴿ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون﴾ [الدخان: الآية: ١٢]، يعني مصدقين بالتوحيد" (^١).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "شكر العبد هو: إقراره بأن ذلك من الله دون غيره، وإقرار الحقيقة: الفعل، ويصدقه العمل، فأما الإقرار الذي يكذبه العمل، فإن صاحبه لا يستحق اسم الشاكر بالإطلاق، ولكنه يقال شكر باللسان، والدليل على صحة ذلك: قوله تعالى: ﴿اعملوا آل داوود شكرا﴾ [سبأ: الآية: ١٣]، ومعلوم أنه لم يأمرهم، إذ قال لهم ذلك، بالإقرار بنعمه؛ لأنهم كانوا لا يجحدون أن يكون ذلك تفضلا منه عليهم، وإنما أمرهم بالشكر على نعمه بالطاعة له بالعمل، وكذلك قال ﷺ حين تفطرت قدماه في قيام الليل: «أفلا أكون عبدا شكورا» (^٢) " (^٣).
• قال أبو عبد الله الحسن بن الحسين الحليمي (ت: ٤٠٤ هـ) ﵀: "فمعلوم أن النعم متفاوتة في مراتبها فأولاها بالشكر نعمة الله تعالى على العبد بالإيمان، والإرشاد إلى الحق، والتوفيق لقوله، لأنه هو الغرض الذي ليس بتابع لما سواه، وكل فرض سواه، فهو تابع له،
_________________
(١) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة النحل: الآية: ٥٣).
(٢) أخرجه البخاري (٤٨٣٦)، ومسلم (٢٨١٩).
(٣) شرح صحيح البخارى لابن بطال (١٠/ ١٨٣، ١٨٤).
[ ٣٥٥ ]
فهو ممن جاء به، وثبت عليه شكره لفقره من النعم، والتيسير له نعمة عظيمة يقتضي الشكر لها بالإنهاء على المعاصي، وإتباع الإيمان حقوقه، لأن الإيمان بالله عهد بينه وبين العبد ولكل عهد وفاء. فالوفاء بالإيمان إتباعه ما بعده.
فإن قيل: إلا قلتم إن أولي النعم أولاها بالشكر، هو الحياة ثم العقل والبيان.
قيل: لأن هذه النعم كلها لتكون من المنعم عليه بها الإيمان، فصح إن أفضل النعم الإيمان، فمن شكر لله تعالى تيسيره للإيمان، فقد شكر عامة ما كان الإيمان به، فصارت هذه النعم التي ذكرتها ذا صلة في الشكر والله أعلم" (^١).
• قال ابن عطية (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "ومعنى الآية: التذكير بأن الإنسان في جليل أمره ودقيقه، إنما هو في نعمة الله وأفضاله، إيجاده داخل في ذلك فما بعده، ثم ذكر تعالى بأوقات المرض، لكون الإنسان الجاهل يحس فيها قدر الحاجة إلى لطف الله تعالى" (^٢).
• وقال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "والمعنى: أنه تعالى بين أن جميع النعم من الله تعالى، ثم إذا اتفق لأحد مضرة توجب زوال شيء من تلك النعم فإلى الله يجأر، أي لا يستغيث أحدا إلا الله تعالى لعلمه بأنه لا مفزع للخلق إلا هو، فكأنه تعالى قال لهم فأين أنتم عن هذه الطريقة في حال الرخاء والسلامة؟ " (^٣).
• ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀-شارحًا حديث: «سلوا الله العفو
_________________
(١) المنهاج في شعب الإيمان للحليمي ٢/ ٥٥٤.
(٢) تفسير ابن عطية (سورة النحل: الآية: ٥٣).
(٣) تفسير الرازي (سورة النحل: الآية: ٥٣).
[ ٣٥٦ ]
والعافية والمعافاة» (^١). قال ﵀: "وهذا السؤال متضمن للعفو عما مضى، والعافية في الحال، والمعافاة في المستقبل بدوام العافية واستمرارها" (^٢).
• قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾ [النجم: الآية: ٥٥].
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "الْآلَاءُ: هِيَ النِّعَمُ؛ وَالنِّعَمُ كُلُّهَا مِنْ آيَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى نَفْسِهِ الْمُقَدَّسَةِ وَوَحْدَانِيِّتِهِ" (^٣).
• قال تعالى: ﴿وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد﴾ [إبراهيم: الآية: ٧].
• قال تعالى: ﴿ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما﴾ [النساء: الآية: ١٤٧].
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فَإِنَّ الْعَبْدَ يَدْعُوهُ إلَى عِبَادَةِ اللَّهِ
دَاعِي الشُّكْرِ
وَدَاعِي الْعِلْمِ
فَإِنَّهُ يَشْهَدُ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَذَاكَ دَاعٍ إلَى شُكْرِهَا" (^٤).
_________________
(١) أخرجه الترمذي في سننه برقم: (٣٥١٤)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي والسلسلة الصحيحة ٤/ ٢٩. وأورده الشوكاني في الفتح الرباني ١١/ ٥٥١٦ وقال: "روي بأسانيد ورجال بعضها رجال الصحيح غير يزيد بن أبي زياد وهو حسن الحديث؛ وأخرجه أحمد (٥) و(١٧)، والنسائي في الكبرى (١٠٧١٧)، وابن ماجة (٣٨٤٩).
(٢) عدة الصابرين ص ٢٧١.
(٣) مجموع الفتاوى ٨/ ٣١.
(٤) مجموع الفتاوى ٨/ ٣١.
[ ٣٥٧ ]
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وشكر العامة؛ على المطعم والمشرب والملبس وقوت الأبدان، وشكر الخاصة؛ على التوحيد والإيمان وقوت القلوب" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الشكر يكون بالقلب خضوعًا واستكانة، وباللسان ثناء واعترافًا، وبالجوارح طاعة وانقيادًا" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "إنعام الرب تعالى على عبده: فإحسان إليه، وتفضل عليه، ومجرد امتنان. لا لحاجة منه إليه، ولا لمعاوضة، ولا لاستعانة به، ولا ليتكثر به من قلة، ولا ليتعزز به من ذلة، ولا ليقوى به من ضعف. سبحانه وبحمده.
وأمره له بالشكر أيضا: إنعام آخر عليه. وإحسان منه إليه. إذ منفعة الشكر ترجع إلى العبد دنيا وآخرة. لا إلى الله. والعبد هو الذي ينتفع بشكره. كما قال تعالى: ﴿ومن شكر فإنما يشكر لنفسه﴾ [النمل: الآية: ٤٠] فشكر العبد إحسان منه إلى نفسه دنيا وأخرى. فلا يذم ما أتى به من ذلك، وإن كان لا يحسن مقابلة المنعم به. ولا يستطيع شكره. فإنه إنما هو محسن إلى نفسه بالشكر. لا أنه مكافئ به لنعم الرب. فالرب تعالى لا يستطيع أحد أن يكافئ نعمه أبدا، ولا أقلها، ولا أدنى نعمة من نعمه. فإنه تعالى هو المنعم المتفضل، الخالق للشكر والشاكر، وما يشكر عليه. فلا يستطيع أحد أن يحصي ثناء عليه. فإنه هو المحسن إلى عبده بنعمه، وأحسن إليه بأن أوزعه شكرها. فشكره نعمة من الله أنعم بها عليه. تحتاج إلى شكر آخر. وهلم جرا" (^٣).
_________________
(١) مدارج السالكين ٢/ ٢٣٥.
(٢) مدارج السالكين ٢/ ٢٣٧.
(٣) مدارج السالكين ٢/ ٢٤١ - ٢٤٢.
[ ٣٥٨ ]
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "نجاسة الزنا واللواط أغلظ من غيرهما من النجاسات، من جهة أنها تفسد القلب، وتضعف توحيده جدا، ولهذا أحظى الناس بهذه النجاسة أكثرهم شركا؛ فكلما كان الشرك في العبد أغلب كانت هذه النجاسة والخبائث فيه أكثر، وكلما كان أعظم إخلاصا كان منها أبعد، كما قال تعالى عن يوسف الصديق: ﴿كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين﴾ [يوسف: الآية: ٢٤] " (^١).
• قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "قال بعض السلف: "الشكر أن لا يُستعان بشيءٍ من النعَم على معصيته" (^٢).
• قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "الشكر على درجتين:
إحداهما: واجب، وهو أن يأتي بالواجبات، ويتجنب المحرمات، فهذا لا بد منه، ويكفي في شكر هذه النعم،
ومن هنا قال بعض السلف: "الشكر: ترك المعاصي".
وقال بعضهم: "الشكر أن لا يستعان بشيء من النعم على معصيته".
وذكر أبو حازم الزاهد شكر الجوارح كلها: "أن تكف عن المعاصي، وتستعمل في الطاعات "، ثم قال: "وأما من شكر بلسانه ولم يشكر بجميع أعضائه: فمثله كمثل رجل له كساء فأخذ بطرفه، فلم يلبسه، فلم ينفعه ذلك من البرد، والحر، والثلج، والمطر".
الدرجة الثانية من الشكر: الشكر المستحب، وهو أن يعمل العبد
_________________
(١) إغاثة اللهفان ١/ ١٠٦.
(٢) جامع العلوم والحكم (٢٤٥).
[ ٣٥٩ ]
بعد أداء الفرائض، واجتناب المحارم: بنوافل الطاعات، وهذه درجة السابقين المقربين" (^١).
• وقال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: "فكل عطاء الله فضل، فإنه لا واجب عليه، فكان لذلك واجبا على كل أحد إخلاص التوحيد له شكرا على فضله لما تظافر عليه دليلا العقل والنقل من أن شكر المنعم واجب" (^٢).
المطلب الثالث والتسعون: التوحيد يعزز مكارم الأخلاق.
• عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁-عن رسول الله ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليصمُتْ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليُكرِمْ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه». وفي رواية: «فلا يؤذِ جاره»، وللبخاري: «فليصِلْ رحمه» (^٣).
"وهذا الحديث عظيم تتفرع منه آداب الخير، وقيل فيه: إنه نصف
_________________
(١) جامع العلوم والحكم " (ص ٢٤٥، ٢٤٦).
(٢) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ١٥/ ٨٦.
(٣) أخرجه مسلم، حديث (٤٧)، وأخرجه البخاري في "كتاب الأدب" "باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذِ جاره" حديث (٦٠١٨)، وأخرجه ابن ماجه في "كتاب الفتن" "باب كف اللسان في الفتنة" حديث (٣٩٧١). وحديث أبي شريح أخرجه مسلم، حديث (٤٨)، وأخرجه البخاري في نفس الباب السابق حديث (٦٠١٩)، وأخرجه أبو داود في "كتاب الأطعمة" "باب ما جاء في الضيافة" حديث (٣٧٤٨)، وأخرجه الترمذي في "كتاب البر والصلة" "باب ما جاء في الضيافة كم هو" حديث (١٩٦٧)، وأخرجه ابن ماجه في "كتاب الأدب" "باب حق الجوار" حديث (٣٦٧٢).
[ ٣٦٠ ]
الإسلام؛ لأن الأحكام تتعلق بالحق، أو الخلق، وهذا أفاد الثاني" (^١).
• قال ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ) ﵀: "وقوله: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر» المراد بقوله: «يؤمن» الإيمان الكامل، وخصه بالله واليوم الآخر إشارة إلى المبدأ أو المعاد؛ أي: من آمن بالله الذي خلَقه، وآمن بأنه سيجازيه بعمله، فليفعل الخصال المذكورات" (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فالذي شرعه الله ورسوله توحيد وعدل وإحسان وإخلاص وصلاح للعباد في المعاش والمعاد وما لم يشرعه الله ورسوله من العبادات المبتدعة فيه شرك وظلم وإساءة وفساد العباد في المعاش والمعاد. فإن الله تعالى أمر المؤمنين بعبادته والإحسان إلى عباده كما قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا﴾ [النساء: الآية: ٣٦]، وهذا أمر بمعالي الأخلاق وهو سبحانه يحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها. وقد روي عنه ﷺ أنه قال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» رواه الحاكم في صحيحه" (^٣).
المطلب الرابع والتسعون: بالتوحيد تحرم الدماء والأعراض ويدخل المرء الإسلام.
• عن ابن عمر (ت: ٧٣ هـ) ﵄-قال: قال رسول الله-ﷺ: «أمرت
_________________
(١) الجواهر اللؤلؤية شرح الأربعين النووية (١٤٩).
(٢) فتح الباري (١٠/ ٤٦٠ ح ٦٠١٩).
(٣) مجموع الفتاوى ١/ ١٩٥ ..
[ ٣٦١ ]
أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله» (^١).
• قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ) ﵀: "دين الإسلام يحكم بشهادة أن لا إله إلا الله في الظاهر، فالله-جل وعلا-يقبل من المنافقين كلمة (لا إله إلا الله) ظاهرا، كما أرادوا أن يخدعوه فهو يخدعهم حيث يقبلها منهم ظاهرا في الدنيا، وهو يعد لهم في الآخرة الدرك الأسفل من النار، كما في قوله: ﴿إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم﴾ [النساء: الآية ١٤٢] " (^٢).
المطلب الخامس والتسعون: أن الكافر إذا رجع إلى التوحيد هدم التوحيد كفره.
• قال تعالى ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال: الآية: ٣٨].
• عن عمرو بن العاص ﵁-قال: "فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي ﷺ، فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه، قال: فقبضت يدي، قال: «ما لك يا عمرو؟» قال: قلت: أردت أن أشترط، قال: «تشترط بماذا؟» قلت: أن يغفر لي، قال: «أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟ وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها؟ وأن الحج يهدم ما كان قبله؟» (^٣).
_________________
(١) رواه البخاري (٢٥) ومسلم (٢٢).
(٢) العذب المنير من مجالس الشنقيطي في التفسير ١/ ٢٨٨.
(٣) أخرجه مسلم (١٢١).
[ ٣٦٢ ]
• عن عبد الله بن مسعود (ت: ٣٢ هـ) ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: «من أحْسَن في الإسلام، لم يُؤاخَذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام، أخذ بالأول والآخر» (^١).
• قال مقاتل بن سليمان (ت:: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿قل﴾ يا محمد ﴿للذين كفروا﴾ بالتوحيد، ﴿إن ينتهوا﴾ عن الشرك ويتوبوا، ﴿يغفر لهم ما قد سلف﴾ من شركهم قبل الإسلام" (^٢).
• عن مالك بن أنس (ت: ١٧٩ هـ) ﵀-قال: "لا يؤخذ الكافر بشيء صنعه في كفره إذا أسلم، وذلك أن الله تعالى يقول ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ " (^٣).
• قال يحيى بن معاذ الرازي (ت: ٢٥٨ هـ) ﵀: "توحيد لم يعجز عن هدم ما قبله من كفر، أرجو أن لا يعجز عن هدم ما بعده من ذنب" (^٤).
• قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا﴾، عن الشرك.
قوله تعالى: ﴿يغفر لهم ما قد سلف﴾، أي: ما مضى من ذنوبهم قبل الإسلام.
قوله تعالى: ﴿وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين﴾، في
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم (٦٩٢١) وأخرجه مسلم برقم (١٢١).
(٢) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة الأنفال: الآية: ٣٨).
(٣) تفسير ابن أبي حاتم (سورة الأنفال: الآية: ٣٨)، وتفسير الدر المنثور للسيوطي (سورة الأنفال: الآية: ٣٨).
(٤) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الأنفال: الآية: ٣٨).
[ ٣٦٣ ]
نصر الله أنبياءه، وأوليائه، وإهلاك أعدائه (^١).
• قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "التوحيد مؤثر في إزالة الذنب، فالكافر وإن عظم كفره إذا رجع من الكفر إلى التوحيد هدم التوحيد كفره" (^٢).
• قال أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد، الشهير بابن قدامة المقدسي (ت: ٦٢٠ هـ) ﵀: " وقال الله-تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: الآية: ٦٨]. لأنه نص في مضاعفة العذاب في حق من جمع بين المحظورات وفائدة الوجوب: أنه لو مات عوقب على تركه، وإن أسلم سقط عنه؛ لأن الإسلام يجب ما قبله" (^٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "إنَّ الكفَّار إذا أسلموا أو عاهدوا لم يضمَّنوا ما أتلفوه للمسلمين من الدَّماء والأموال بل لو أسلموا وبأيديهم ما غنموه من أموال المسلمين كان لهم عند جمهور العلماء كمالك وأبي حنيفة وأحمد وهو الذي مضت به سنَّة رسول الله وسنَّة خلفائه الرَّشدين" (^٤).
• قال ابن جزي (ت: ٧٤١ هـ) ﵀: " ﴿إن ينتهوا﴾ يعني: عن الكفر إلى الإسلام لأن الإسلام يجب ما قبله، ولا تصح المغفرة إلا به" (^٥).
_________________
(١) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الأنفال: الآية: ٣٨).
(٢) عجائب القرآن ص ٥٨.
(٣) روضة الناظر وجنة المناظر ١/ ١٦٥.
(٤) مجموع الفتاوى ١٥/ ١٧٠.
(٥) تفسير ابن جزي (سورة الأنفال: الآية: ٣٨) ..
[ ٣٦٤ ]
• قال زين الدين بن إبراهيم بن محمد، الشهير بابن نجيم (ت ٩٧٠ هـ) ﵀: "الإسلام يجب ما قبله من حقوق الله تعالى دون حقوق الآدميين، كالقصاص وضمان الأموال إلا في مسائل: لو أجنب الكافر ثم أسلم لم تسقط ومنها لو زنى ثم أسلم وكان زناه ثابتا ببينة مسلمين لم يسقط الحد بإسلامه وإلا سقط" (^١).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: " ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا﴾ عن كفرهم وذلك بالإسلام للّه وحده لا شريك له. ﴿يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ منهم من الجرائم وَإِنْ يَعُودُوا إلى كفرهم وعنادهم فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ بإهلاك الأمم المكذبة، فلينتظروا ما حل بالمعاندين، فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون، فهذا خطابه للمكذبين" (^٢).
المطلب السادس والتسعون: التوحيد شرط لقبول العمل.
• قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: الآية: ١١٠].
• عن عبد الله بن عمرو بن العاص (ت: ٦٥ هـ) ﵄-قال: إن الرجل إذا قال: لا إله إلا الله، فهي كلمة الإخلاص التى لا يقبل الله من أحد عملا حتى يقولها، فإذا قال: الحمد لله، فهى كلمة الشكر التى لم
_________________
(١) كتاب الأشباه والنظائر ص: ٢٨١.
(٢) تفسير بن سعدي (سورة الأنفال: الآية ٣٨).
[ ٣٦٥ ]
يشكر الله أحد حتى يقولها، فإذا قال: الله أكبر فهى كلمة تملأ ما بين السماء والأرض، فإذا قال: سبحان الله فهى صلاة الخلائق التي لم يدع الله أحدا حتى قرره بالصلاة والتسبيح، وإذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. قال: استسلم عبدى" (^١).
• قال أبو محمد عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي (ت: ١٩٤ هـ) ﵀: "لا يقبل الله من الأعمال إلا ما كان صوابًا، ومن صوابها إلا ما كان خالصًا، ومن خالصها إلا ما وافق السنة" (^٢).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "يقول تعالى ذكره: قل لهؤلاء المشركين يا محمد: إنما أنا بشر مثلكم من بني آدم لا علم لي إلا ما علمني الله وإن الله يوحي إليّ أن معبودكم الذي يجب عليكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، معبود واحد لا ثاني له، ولا شريك ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ يقول: فمن يخاف ربه يوم لقائه، ويراقبه على معاصيه، ويرجو ثوابه على طاعته ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا﴾ يقول: فليخلص له العبادة، وليفرد له الربوبية" (^٣).
• قال أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، (ت ٤٢٧ هـ) ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: الآية: ١٠]: "العمل الصالح هو الخالص، يعني أن الإخلاص سبب قبول الخيرات من الأقوال والأعمال، دليله قوله تعالى: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا﴾ [الكهف: الآية: ١١٠]، أي: خالصا، ثم قال: ﴿ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾ [الكهف: الآية: ١١٠]، فجعل نقيض الصالح الشرك والرياء، وقال
_________________
(١) شرح صحيح البخاري لابن بطال ١٠/ ١٣٩ - ١٤٠ ..
(٢) الاعتصام للشاطبي ١/ ٦٦.
(٣) تفسير الطبري (سورة الكهف: الآية: ١١٠).
[ ٣٦٦ ]
قوم: هذه الكناية راجعة إلى العمل، يعني أن الكلم الطيب يرفع العمل، فلا يرفع ولا يقبل عمل إلا أن يكون صادرا عن التوحيد" (^١).
• قال علي بن خلف بن عبد الملك ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) ﵀: "الرياء ينقسم قسمين: فإن كان الرياء فى عقد الإيمان فهو كفر ونفاق، وصاحبه فى الدرك الأسفل من النار. وإن كان الرياء لمن سلم له عقد الإيمان من الشرك، ولحقه شاء من الرياء في بعض أعماله، فليس ذلك بمخرج من الإيمان إلا أنه مذموم فاعله، لأنه أشرك في بعض أعماله حمد المخلوقين مع حمد ربه، فحرم ثواب عمله ذلك" (^٢).
• قال علي بن خلف بن عبد الملك ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) ﵀: "قال بعض السلف في قوله تعالى: ﴿وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون﴾ [الزمر: الآية: ٤٧] قال: أعمال كانوا يحسبونها حسنات بدت لهم سيئات، وإنما لحقهم ذلك لعدم المراعاة وقلة الإخلاص، أو لتعديهم السنة وركوبهم بالتأويل وجوه الفتنة" (^٣)
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فإن الله جعل الإخلاص والمتابعة سَبَبَا لقبول الأعمال، فإذا فقدا لم تُقبل الأعمال" (^٤).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: " وقوله: «فإن الله لا يقبل من العباد إلا ما كان له خالصا». والأعمال أربعة: واحد مقبول، وثلاثة مردودة. فالمقبول ما كان لله خالصا وللسنة موافقا، والمردود ما فقد منه الوصفان أو أحدهما. وذلك أن العمل المقبول هو ما أحبه الله ورضيه،
_________________
(١) تفسير الكشف والبيان عن تفسير القرآن للثعلبي (سورة فاطر: الآية: ١٠).
(٢) شرح صحيح البخاري لابن بطال ١/ ١١٣.
(٣) شرح صحيح البخاري لابن بطال ١/ ١١٠.
(٤) الروح (ص ١٣٥).
[ ٣٦٧ ]
وهو سبحانه إنما يحب ما أمر به وما عمل لوجهه. وما عدا ذلك من الأعمال فإنه لا يحبها، بل يمقتها ويمقت أهلها.
• قال تعالى: ﴿الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا﴾ [الملك: ٢]. قال الفضيل [٣٥٠/ ب] بن عياض: هو أخلص العمل وأصوبه. فسئل عن معنى ذلك، فقال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا. فالخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة. ثم قرأ قوله: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾ [الكهف: الآية: ١١٠] (^١).
فإن قيل: فقد بان بهذا أن العمل لغير الله مردود غير مقبول، والعمل لله وحده مقبول. فبقي قسم آخر، وهو أن يعمل العمل لله ولغيره، فلا يكون لله محضا ولا للناس محضا، فما حكم هذا القسم؟ هل يبطل العمل كله أم يبطل ما كان لغير الله، ويصح ما كان لله؟
قيل: هذا القسم تحته أنواع ثلاثة:
أحدها: أن يكون الباعث الأول على العمل هو الإخلاص، ثم يعرض له الرياء وإرادة غير الله في أثنائه. فهذا المعول فيه على الباعث الأول، ما لم يفسخه بإرادة جازمة لغير الله؟ فيكون حكمه حكم قطع النية في أثناء العبادة وفسخها، أعني قطع ترك استصحاب حكمها.
الثاني عكس هذا، وهو أن يكون الباعث الأول لغير الله، ثم يعرض له قلب النية لله، فهذا لا يحتسب له بما مضى من العمل، ويحتسب له من حين قلب نيته. ثم إن كانت العبادة لا يصح آخرها إلا
_________________
(١) رواه ابن أبي الدنيا في «الإخلاص والنية» (٢٢)، وأبو نعيم في «الحلية» (٨/ ٩٥) دون الآية الأخيرة.
[ ٣٦٨ ]
بصحة أولها وجبت الإعادة، كالصلاة، وإلا لم تجب كمن أحرم لغير الله، ثم قلب نيته لله عند الوقوف والطواف.
الثالث: أن يبتدئها مريدا بها الله والناس، فيريد أداء فرضه، والجزاء والشكور من الناس. وهذا كمن يصلي بالأجرة، فهو لو لم يأخذ الأجرة صلى، ولكنه يصلي لله وللأجرة؛ وكمن يحج ليسقط الفرض عنه، ويقال: فلان حج؛ أو يعطي الزكاة لذلك؛ فهذا لا يقبل منه العمل.
وإن كانت النية شرطا في سقوط الفرض وجبت عليه الإعادة. فإن حقيقة الإخلاص التي هي شرط في صحة العمل والثواب عليه لم توجد، والحكم المعلق بالشرط عدم عند عدمه، فإن الإخلاص هو تجريد القصد طاعة للمعبود، ولم يؤمر إلا بهذا. وإذا كان هذا هو المأمور به فلم يأت به بقي في عهدة الأمر.
وقد دلت السنة الصريحة على ذلك، كما في قوله ﷺ: «يقول الله ﷿ يوم القيامة: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملا أشرك فيه غيري فهو كله للذي أشرك به» (^١)، وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾ [الكهف: الآية: ١١٠] " (^٢).
• قال عمر بن علي الأنصاري المعروف ب ابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) ﵀: "الإخلاص شرط في العبادة، فمن غلب باعثه الدنيوي، فقد خسر ومن غلب الديني ففائز عند الجمهور خلافا للحارث المحاسبي" (^٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٩٨٥).
(٢) إعلام الموقعين ٢/ ٥١٦ - ٥١٨.
(٣) كتاب التوضيح لشرح الجامع الصحيح لابن الملقن ٣/ ٦٣٤.
[ ٣٦٩ ]
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "أي: فضلت عليكم بالوحي، الذي يوحيه الله إلي، الذي أجله الإخبار لكم: أنما إلهكم إله واحد، أي: لا شريك له، ولا أحد يستحق من العبادة مثقال ذرة غيره، وأدعوكم إلى العمل الذي يقربكم منه، وينيلكم ثوابه، ويدفع عنكم عقابه. ولهذا قال: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ وهو الموافق لشرع الله، من واجب ومستحب، ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ أي: لا يرائي بعمله بل يعمله خالصا لوجه الله تعالى، فهذا الذي جمع بين الإخلاص والمتابعة، هو الذي ينال ما يرجو ويطلب، وأما من عدا ذلك، فإنه خاسر في دنياه وأخراه، وقد فاته القرب من مولاه، ونيل رضاه" (^١).
• قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِن فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَّشْكُورا﴾ [الإسراء: الآية: ١٩]. في الآية الدليل على أن الأعمال الصالحة لا تنفع إلا مع الإيمان بالله. لأن الكفر سيئة لا تنفع معها حسنة، لأنه شرط في ذلك قوله: ﴿وهو مؤمن﴾ " (^٢).
المطلب السابع والتسعون: التوحيد هو العدل وعليه مدار الأمور كلها.
• قال تعالى: ﴿قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد﴾ [الأعراف: الآية: ٢٩]. ولهذا أمر الله رسوله أن يقول لأهل الكتاب:
_________________
(١) تفسير السعدي (سورة الكهف: الآية: ١١٠).
(٢) أضواء البيان ٣/ ٨١.
[ ٣٧٠ ]
﴿تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله﴾ الآية [آل عمران: الآية: ٦٤].
• قال تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ [النحل: الآية: ٩٠]
• قال سهل التستري (ت: ٢٨٣ هـ) ﵀: "العدل قول لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والاقتداء بسنة نبيه ﷺ" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وإذا كان التوحيد أصل صلاح الناس والإشراك أصل فسادهم والقسط مقرون بالتوحيد؛ إذ التوحيد أصل العدل؛ وإرادة العلو مقرونة بالفساد؛ إذ هو أصل الظلم فهذا مع هذا وهذا مع هذا كالملزوزين في قرن فالتوحيد وما يتبعه من الحسنات هو صلاح وعدل؛ ولهذا كان الرجل الصالح هو القائم بالواجبات؛ وهو البر؛ وهو العدل. والذنوب التي فيها تفريط أو عدوان في حقوق الله تعالى وحقوق عباده هي فساد وظلم؛ ولهذا سمي قطاع الطريق مفسدين وكانت عقوبتهم حقا لله تعالى لاجتماع الوصفين والذي يريد العلو على غيره من أبناء جنسه هو ظالم له باغ؛ إذ ليس كونك عاليا عليه بأولى من كونه عاليا عليك وكلاكما من جنس واحد فالقسط والعدل أن يكونوا إخوة كما وصف الله المؤمنين بذلك. والتوحيد وإن كان أصل الصلاح فهو أعظم العدل؛ ولهذا قال تعالى: ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون﴾ [آل عمران: الآية: ٦٤]، ولهذا كان تخصيصه بالذكر في مثل قوله: ﴿قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين﴾ [الأعراف: الآية: ٢٩]، لا يمنع أن يكون داخلا في القسط كما أن ذكر العمل الصالح
_________________
(١) تفسير التستري ص ٩٢.
[ ٣٧١ ]
بعد الإيمان لا يمنع أن يكون داخلا في الإيمان كما في قوله: ﴿وملائكته ورسله وجبريل وميكال﴾ [البقرة: الآية: ٩٨]، و﴿من النبيين ميثاقهم ومنك﴾ [الأحزاب: الآية: ٧]، هذا إذا قيل: إن اسم الإيمان يتناوله. سواء قيل: إنه في مثل هذا يكون داخلا في الأول فيكون مذكورا مرتين أو قيل: بل عطفه عليه يقتضي أنه ليس داخلا فيه هنا وإن كان داخلا فيه منفردا كما قيل مثل ذلك في لفظ الفقراء والمساكين وأمثال ذلك مما تتنوع دلالته بالإفراد والاقتران. لكن المقصود: أن كل خير فهو داخل في القسط والعدل وكل شر فهو داخل في الظلم. ولهذا كان العدل أمرا واجبا في كل شيء وعلى كل أحد والظلم محرما في كل شيء ولكل أحد فلا يحل ظلم أحد أصلا سواء كان مسلما أو كافرا أو كان ظالما بل الظلم إنما يباح أو يجب فيه العدل عليه أيضا قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن﴾ [المائدة: الآية: ٢]، أي: لا يحملنكم شنآن أي: بغض قوم - وهم الكفار - على عدم العدل؛ ﴿قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ [المائدة: الآية: ٨]، وقال تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ [البقرة: الآية: ١٩٤]، وقال تعالى: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ [النحل: الآية: ١٢٦]، وقال تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ [الشورى: الآية: ٤٠]. وقد دل على هذا قوله في الحديث: " ﴿يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا﴾ " فإن هذا خطاب لجميع العباد أن لا يظلم أحد أحدا وأمر العالم في الشريعة مبني على هذا وهو العدل في الدماء والأموال؛ والأبضاع والأنساب؛ والأعراض" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فلا أعدل من توحيد الرسل،
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٨/ ١٦٥ - ١٦٦.
[ ٣٧٢ ]
ولا أظلم من الشرك. فهو سبحانه قائم بالعدل في هذه الشهادة قولا وفعلا، حيث شهد بها وأخبر، وأعلم عباده وبين لهم تحقيقها وصحتها، وألزمهم بمقتضاها، وحكم به، وجعل الثواب والعقاب عليها، وجعل الأمر والنهي من حقوقها وواجباتها.
فالدين كله من حقوقها. والثواب كله عليها. والعقاب كله على تركها. وهذا هو العدل الذي قام به الرب تعالى في هذه الشهادة.
فأوامره كلها تكميل لها. وأمر بأداء حقوقها. ونواهيه كلها صيانة لها عما يهدمها ويضادها.
وثوابه كلها عليها. وعقابه على تركها، وترك حقوقها.
وخلقه السموات والأرض وما بينهما كان بها ولأجلها.
وهي الحق الذي خلقت به المخلوقات. وضدها: هو الباطل والعبث الذي نزه الله نفسه عنه، وأخبر أنه لم يخلق به السموات والأرض.
قال تعالى ردا على المشركين المنكرين لهذه الشهادة ﴿وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا. ذلك ظن الذين كفروا. فويل للذين كفروا من النار﴾ [ص: الآية: ٢٧]، وقال تعالى: ﴿حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم. ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى. والذين كفروا عما أنذروا معرضون﴾ [الأحقاف: الآيات: ١ - ٣]، وقال تعالى: ﴿هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا. وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب. ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون﴾ [يونس: الآية: ٥]، وقال تعالى: ﴿أولم يتفكروا في أنفسهم؟ ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى، وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون﴾ [الروم: الآية: ٨]، وقال تعالى: ﴿وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين. ما خلقناهما إلا بالحق﴾ [الدخان: الآيات: ٣٨ - ٣٩]، وهذا كثير في القرآن.
[ ٣٧٣ ]
والحق الذي خلقت به السموات والأرض، ولأجله: هو التوحيد وحقوقه: من الأمر والنهي. والثواب والعقاب، والشرع والقدر، والخلق، والثواب والعقاب: قائم بالعدل. والتوحيد صادر عنهما. وهذا هو الصراط المستقيم الذي عليه الرب ﷾. قال تعالى حكاية عن نبيه هود أنه قال: ﴿إني توكلت على الله ربي وربكم، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها. إن ربي على صراط مستقيم﴾ [هود: الآية: ٥٦].
فهو سبحانه على صراط مستقيم في قوله وفعله. فهو يقول الحق ويفعل العدل: ٦: ١١٥ ﴿وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا، لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم﴾ [الأنعام: الآية: ١١٥]، ﴿والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل﴾ [الأحزاب: الآية: ٤].
فالصراط المستقيم الذي عليه ربنا ﵎: هو مقتضي التوحيد والعدل. قال تعالى: ﴿وضرب الله مثلا: رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء، وهو كل على مولاه، أينما يوجهه لا يأت بخير، هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم﴾ [النحل: الآية: ٧٦] " (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: الآية: ١٨].
تضمنت الآية توحيده وعدله، وعزته وحكمته، فالتوحيد: يتضمن ثبوت صفات كماله، ونعوت جلاله، وعدم المماثل له فيها وعبادته وحده لا شريك له، والعدل يتضمن وضعه الأشياء موضعها، وتنزيلها منازلها، وأنه لم يخص شيئًا منها إلا بمخصص اقتضى ذلك، وأنه لا يعاقب من لا يستحق العقوبة، ولا يمنع من يستحق العطاء، وإن كان هو الذي جعله
_________________
(١) التفسير القيم ص: ١٨٢ - ١٨٣.
[ ٣٧٤ ]
مستحقا، والعزة تتضمن كمال قدرته وقوته وقهره، والحكمة تتضمن كمال علمه، وخبرته، وأنه أمر ونهى، وخلق وقدر، لما له في ذلك من الحكم والغايات الحميدة التي يستحق عليها كمال الحمد.
فاسمه العزيز يتضمن الملك، واسمه الحكيم يتضمن الحمد، وأول الآية يتضمن التوحيد، وذلك حقيقة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وذلك أفضل ما قاله رسول الله ﷺ والنبيون من قبله، والحكيم الذي إذا أمر بأمر كان حسنا في نفسه وإذا نهى عن شيء كان قبيحا في نفسه، وإذا أخبر بخبر كان صدقا، وإذا فعل فعلا كان صوابا، وإذا أراد شيئا كان أولى بالإرادة من غيره، وهذا الوصف على الكمال لا يكون إلا لله وحده.
فتضمنت هذه الآية وهذه الشهادة: الدلالة على وحدانيته المنافية للشرك، وعدله المنافي للظلم، وعزته المنافية للعجز، وحكمته المنافية للجهل والعيب، ففيها الشهادة له بالتوحيد، والعدل، والقدرة والعلم والحكمة، ولهذا كانت أعظم شهادة" (^١).
• قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀، عند تفسير قوله تعالى: ﴿وصدق بالحسنى﴾ [الليل: الآية: ٦]: " ﴿وصدق﴾ أي أوقع التصديق للمخبر ﴿بالحسنى﴾ أي وهي كلمة العدل التي هي أحسن الكلام من التوحيد وما يتفرع عنه" (^٢).
فالإسلام يتضمن العدل، وهو التسوية بين المتماثلين والتفريق بين المتفاضلين من المخلوقات، إذ ذلك من الإسلام لله رب العالمين وحده، فإنه إذا كان الدين كله لله وكانت كلمة الله هي العليا كان الله يأمر بالعدل
_________________
(١) مدارج السالكين ٣/ ٤٢٧ ..
(٢) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور (سورة الليل: الآية: ٦).
[ ٣٧٥ ]
وينهى عن الظلم. وأصل العدل هو القسط، والقسط هو الإقساط في حق الله تعالى بأن لا يعدل به غيره ولا يجعل له شريك، كما قال النبي ﷺ لمعاذ (ت: ١٨ هـ): «حق الله على عباده أن يعبدوه لا يشركون به شيئا» فإذا لم يسلموا له بل عدلوا به غيره كان ذلك ظلما عظيما، وإذا فعلوا هذا الظلم في حق الله فهم في حقوق العباد أظلم" (^١).
• وقيل في بعض المواعظ: "عجبا لمن يخاف العقاب كيف لا يكف عن المعاصي، وعجبا لمن يرجو الثواب كيف لا يعمل" (^٢).
المطلب الثامن والتسعون: التوحيد مركوزٌ في الفِطَر والشرك طارئ ودخيل عليها.
• قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: "ولكن لا عبرة بالإيمان الفطري في أحكام الدنيا، وإنَّما يعتبر الإيمان الشرعي المأمور به المكتسَب بالإرادة والفعل، ألَا ترى أنه يقول: «فأبواه يهوِّدانه»؟ فهو مع وجود الإيمان الفطري فيه محكومٌ له بحكم أبويه الكافرين، وهذا معنى قوله-ﷺ: «يقول الله-تعالى-: إني خلقتُ عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم»، ويحكى معنى هذا عن الأوزاعي (ت: ١٥٧ هـ)، وحماد بن سلمة (ت: ١٦٧ هـ)، وحُكِي عن عبد الله بن المبارك (ت: ١٨١ هـ)، أنه قال: معنى الحديث: أن كل مولود يولد على فطرته؛ أي: على خلقته التي جُبِل عليها في علم الله-تعالى-من السعادة أو الشقاوة، فكلٌّ منهم صائرٌ في العاقبة إلى ما فطر عليها، وعامل في الدنيا بالعمل
_________________
(١) الداء والدواء ص: ١٨٢.
(٢) أدب الدنيا والدين ١/ ١٢١.
[ ٣٧٦ ]
المُشَاكِل لها، فمن أمارات الشقاوة للطفل أن يولد بين يهوديَّين أو نصرانيَّين، فيحملانه - لشقائه - على اعتقاد دينهما، وقيل: معناه: أن كل مولودٍ يولد في مبدأ الخلقة على الفطرة؛ أي: على الجبلَّة السليمة والطبع المتهيِّئ لقبول الدين، فلو ترك عليها لاستمرَّ على لزومها؛ لأن هذا الدين موجودٌ حسنُه في العقول، وإنَّما يعدل عنه مَنْ يعدل إلى غيره؛ لآفةٍ من آفات النشوء والتقليد، فلو سَلِم من تلك الآفات لم يعتقد غيره" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فإن النفس خلقت بفطرتها تقتضي معرفة الله ومحبته. وقد هديت إلى علوم وأعمال تعينها على ذلك. وهذا كله من فضل الله وإحسانه" (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فأخبر أنه فطر عباده على إقامة الوجه حنيفًا، وهي عبادة اللّه وحده لا شريك له، فهذه من الحركة الفطرية الطبيعية المستقيمة المعتدلة للقلب، وتركها ظلم عظيم اتَّبع أهلُه أهواءَهم بغير علم، ولا بُدَّ لهذه الفطرة والخلقة-وهي صحة الخلقة-من قوت وغذاء يمدُّها بنظير ما فيها مما فطرت عليه علمًا وعملًا؛ ولهذا كان تمام الدين بالفطرة المكمَّلة بالشريعة المنزَّلة، وهي مأدُبة الله كما قال النبي ﷺ في حديث ابن مسعود (ت: ٣٢ هـ): «إنَّ كل آدبٍ يحبُّ أن تُؤتى مأدُبته، وإن مأدُبَة الله هي القرآن»، ومثله كماءٍ أنزله الله من السماء، كما جرى تمثيله بذلك في الكتاب والسُّنَّة، والمحرِّفون للفطرة المغيِّرون للقلب عن استقامته، هم ممرضون القلوبَ مسقمون لها، وقد أنزل الله كتابه شفاءً لما في الصدور " (^٣).
_________________
(١) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (الروم: ٣٠).
(٢) مجموع الفتاوى ١٤/ ٣١٦.
(٣) "مجموع الفتاوى": (١٠/ ١٤٦).
[ ٣٧٧ ]
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فإن صعب عليهم ترك الذنوب فاجتهد أن تحبب الله إليهم بذكر آلائه وإنعامه وإحسانه وصفات كماله ونعوت جلاله، فإن القلوب مفطورة على محبته فإذا تعلقت بحبه هان عليها ترك الذنوب والاستقلال منها والإصرار عليها" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فإن الله فَطَرَ القلوب على قبول الحق والانقياد له والطمأنينة به، والسكون إليه ومحبته، وفطرها على بغض الكذب والباطل والنفور عنه والريبة به وعدم السكون إليه، ولو بقيت الفِطَر على حالها لما آثرت على الحقِّ سواه، ولما سكنت إلاَّ إليه، ولا اطمأنَّت إلا به، ولا أحبَّت غيره" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ولهذا كان بطلان الشرك وقبحه معلومًا بالفطرة السليمة والعقول الصحيحة، والعلم بقبحه أظهر من العلم بقبح سائر القبائح" (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١) ﵀: "معرفة الله والشهادة له بالتوحيد، وإثبات أسمائه وصفاته، ورسالة رسله، والبعث للجزاء مسطورة مثبتة في الفطرة" (^٤).
• قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: "فسدِّد وجهك واستمِرَّ على الدين الذي شرعه الله لك من الحنيفية ملة إبراهيم الذي هداك الله لها، وكمَّلها لك غاية الكمال، وأنت مع ذلك لازم فطرتك السليمة التي فطر الله الخلق عليها، فإنه-تعالى-فطر خلقه على معرفته وتوحيده،
_________________
(١) كتاب الفوائد ص: ١٦٩.
(٢) "مدارج السالكين": ٣/ ٤٧١.
(٣) "إغاثة اللهفان"؛ لابن القيم: ٢/ ٢٧١، ط دار إحياء الكتب العربية
(٤) مفتاح دار السعادة: ٢/ ٧٩٨.
[ ٣٧٨ ]
وأنه لا إله غيره؛ كما تقدَّم عند قوله-تعالى-: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: الآية: ١٧٢]، وفي الحديث: «إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم» (^١).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "التوحيد فطرة الله التي فطر الناس عليها: قال-تعالى-: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: الآية: ٣٠]؛ " ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾؛ أي: انصبه ووجِّهه ﴿لِلدِّينِ﴾ الذي هو الإسلام والإيمان والإحسان؛ بأن تتوجَّه بقلبك وقصدك وبدنك إلى إقامة شرائع الدين الظاهرة؛ كالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، ونحوها، وشرائعه الباطنة؛ كالمحبة، والخوف، والرجاء، والإنابة، والإحسان في الشرائع الظاهرة والباطنة، بأن تعبد الله فيها كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك، وخصَّ الله إقامة الوجه؛ لأن إقبال الوجه تبعٌ لإقبال القلب، ويترتَّب على الأمرين سعيُ البدن، ولهذا قال: ﴿حَنِيفًا﴾؛ أي: مُقْبِلًا على الله في ذلك، معرِضًا عمَّا سواه، وهذا الأمر الذي أمرناك به هو ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾، ووضع في عقولهم حسنها، واستقباح غيرها. فإن جميع أحكام الشرع، الظاهرة والباطنة، قد وضع الله في قلوب الخلق كلهم الميلَ إليها، فوضع في قلوبهم محبة الحق وإيثار الحق، وهذه حقيقة الفِطَر، ومَن خرج عن هذا الأصل، فلِعارِضٍ عرض لفطرته أفسدها؛ كما قال النبي ﷺ: «كل مولود يُولَد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه». ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾؛ أي: لا أحد يبدِّل خلق الله، فيجعل المخلوق على غير الوضع الذي وضعه الله ﴿ذَلِكَ﴾ الذي أمرناك به
_________________
(١) "تفسير ابن كثير": (الروم: ٣٠).
[ ٣٧٩ ]
﴿الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾؛ أي: الطريق المستقيم الموصل إلى الله، وإلى دار كرامته، فإنَّ مَنْ أقام وجهه للدين حنيفًا فإنه سالك الصراط المستقيم في جميع شرائعه وطرقه؛ ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾، فلا يتعرَّفون الدين القيم، وإن عرفوه لم يسلكوه" (^١).
• قال الشيخ صالح الفوزان: "والنفس بفطرتها إذا تُرِكت كانت مُقِرَّة لله بالإلهية، مُحبَّةً لله، تعبدُه لا تُشرك به شيئًا، ولكن يفسدها وينحرف بها عن ذلك ما يُزيِّنُ لها شياطين الإنس والجن بما يوحي بعضُهم إلى بعضٍ زخرف القول غرورًا، فالتوحيد مركوزٌ في الفِطَر والشرك طارئ ودخيل عليها" (^٢).
المطلب التاسع والتسعون: العبادة لا تُسمَّى عبادةً إلا مع التوحيد.
• قال تعالى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: الآية: ١٤].
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: " ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ﴾ يقول تعالى ذكره: إنني أنا المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له، لا إلَهَ إلا أنا فلا تعبد غيري، فإنه لا معبود تجوز أو تصلح له العبادة سواي ﴿فاعْبُدْنِي﴾ يقول: فأخلص العبادة لي دون كلّ ما عبد من دوني ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ " (^٣).
_________________
(١) "تفسير السعدي": (الروم: ٣٠).
(٢) "كتاب التوحيد": ص ٧، وانظر: "مجموعة رسائل في التوحيد"، ص ٢١٧، ط دار العقيدة.
(٣) تفسير الطبري (سورة طه: الآية: ١٤).
[ ٣٨٠ ]
• قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: الآية: ٦٥].
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: أي: أوحي إليك وإلى الأنبياء قبلك بالتوحيد، والتوحيد محذوف" (^١).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "وقوله: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يقول تعالى ذكره: ولقد أوحي إليك يا محمد ربك، وإلى الذين من قبلك من الرسل ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ يقول: لئن أشركت بالله شيئًا يا محمد، ليبطل عملك، ولا تنال به ثوابًا، ولا تدرك جزاء إلا جزاء من أشرك بالله" (^٢).
• قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: " ﴿ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين﴾ وهذه كقوله: ﴿ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون﴾ [الأنعام: الآية: ٨٨] " (^٣).
• قال محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي (ت ١٢٠٦ هـ) ﵀: "فإذا عرفت أن الله خلقك لعبادته، فاعلم أن العبادة لا تُسمَّى عبادةً إلا مع التوحيد، كما أن الصلاة لا تُسمى صلاة إلا مع الطهارة، فإذا دخل الشرك في العبادة فسدت، كالحدث إذا دخل في الطهارة" (^٤).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "جميع الأعمال متوقفة في صحتها وقبولها على التوحيد" (^٥).
_________________
(١) تفسير القرطبي (سورة الزمر: الآية: ٦٥).
(٢) تفسير الطبري (سورة الزمر: الآية: ٦٥).
(٣) تفسير ابن كثير (سورة الزمر: الآية: ٦٥).
(٤) رسالة "القواعد الأربعة" من: "متون العقيدة": ص ٨٥، ط دار الآثار.
(٥) القول السديد شرح كتاب التوحيد ص: ٣٦.
[ ٣٨١ ]
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: " ومن أعظم فضائله: أن جميع الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة متوقفة في قبولها وفي كمالها، وفي ترتب الثواب عليها على التوحيد، فكلما قوي التوحيد والإخلاص لله كملت هذه الأمور وتمت" (^١).
المطلب المائة: التوحيد إحسان للظن بالله.
• قال تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت: الآية: ٢٣].
• عن قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀-قال: "الظنّ ظنان، فظنّ منج، وظنّ مُرْدٍ قال: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: الآية: ٤٦]، قال ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: الآية: ٢٠]، وهذا الظنّ المنجي ظنا يقينا، وقال ها هنا: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ [فصلت: الآية: ٢٣]، هذا ظنّ مُرْدٍ" (^٢).
• سئل الإمام الشافعي (ت: ٢٠٤ هـ) ﵀، كيف يكون سوء الظن بالله؟ قال: الوسوسة، والخوف الدائم من وقوع مصيبة، وترقب زوال النعمة كلها من سوء الظن بالرحمن الرحيم" (^٣).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "قال الحسن: إنما عمل الناس على قدر ظنونهم بربهم؛ فأما المؤمن فأحسن بالله
_________________
(١) القول السديد شرح كتاب التوحيد ص: ٢٤.
(٢) تفسير الطبري (سورة فصلت الآية: ٢٣).
(٣) حلية الأولياء ٩/ ١٢٣ ..
[ ٣٨٢ ]
الظن، فأحسن العمل؛ وأما الكافر والمنافق، فأساءا الظن فأساءا العمل" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فالشرك والتعطيل مبنيان على سوء الظن بالله، ولهذا قال إمام الحنفاء ﵇ لخصمائه من المشركين: ﴿أئفكا آلهة دون الله تريدون (٨٦) فما ظنكم برب العالمين﴾ [الصافات: الآيات: ٨٦، ٨٧]، وإن كان المعنى: ما ظنكم به أن يعاملكم ويجازيكم به، وقد عبدتم معه غيره، وجعلتم له ندا؟ فأنت تجد تحت هذا التهديد: ما ظننتم بربكم من السوء حتى عبدتم معه غيره؟
فإن المشرك إما أن يظن أن الله سبحانه يحتاج إلى من يدبر أمر العالم معه من وزير أو ظهير أو عون، وهذا أعظم التنقيص لمن هو غني عن كل ما سواه بذاته، وكل ما سواه فقير إليه بذاته، وإما أن يظن أنه سبحانه إنما تتم قدرته بقدرة الشريك، وإما أن يظن بأنه لا يعلم حتى يعلمه الواسطة، أو لا يرحم حتى تجعله الواسطة يرحم، أو لا يكفي وحده، أو لا يفعل ما يريد بالعبد حتى يشفع عنده الواسطة، كما يشفع المخلوق عند المخلوق، فيحتاج أن يقبل شفاعته لحاجته إلى الشافع وانتفاعه به، وتكثره به من القلة، وتعززه به من الذلة، أو لا يجيب دعاء عباده، حتى يسألوا الواسطة أن ترفع تلك الحاجات إليه، كما هو حال ملوك الدنيا، وهذا أصل شرك الخلق، أو يظن أنه لا يسمع دعاءهم لبعده عنهم، حتى ترفع الوسائط إليه ذلك، أو يظن أن للمخلوق عليه حقا؛ فهو يقسم عليه بحق ذلك المخلوق عليه، ويتوسل إليه بذلك المخلوق، كما يتوسل الناس إلى الأكابر والملوك بمن يعز عليهم ولا يمكنهم مخالفته.
_________________
(١) تفسير الطبري (سورة فصلت الآية: ٢٣).
[ ٣٨٣ ]
وكل هذا تنقص للربوبية، وهضم لحقها، ولو لم يكن فيه إلا نقص محبة الله وخوفه ورجائه والتوكل عليه والإنابة إليه من قلب المشرك؛ بسبب قسمة ذلك بينه سبحانه وبين من أشرك به، فينقص ويضعف أو يضمحل ذلك التعظيم والمحبة والخوف والرجاء؛ بسبب صرف أكثره أو بعضه إلى من عبده من دونه.
فالشرك ملزوم لتنقص الرب سبحانه، والتنقص لازم له ضرورة، شاء المشرك أم أبى، ولهذا اقتضى حمده سبحانه وكمال ربوبيته ألا يغفره، وأن يخلد صاحبه في العذاب الأليم، ويجعله أشقى البرية، فلا تجد مشركا قط إلا وهو متنقص لله سبحانه، وإن زعم أنه يعظمه بذلك" (^١).
• وقال تعالى: ﴿ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا﴾ [الفتح: الآية: ٦].
• قال الإمام ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فلم يجمع على أحد من الوعيد والعقوبة ما جمع على أهل الإشراك، فإنهم ظنوا به ظن السوء حتى أشركوا به، ولو أحسنوا الظن به لوحدوه حق التوحيد" (^٢).
المطلب الواحد بعد المائة: التوحيد سببٌ في منع وقوع النفوس في العلو وحب الرئاسة.
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "قال بعض العارفين: ما من نفس إلا وفيها ما في نفس فرعون غير أن فرعون قدر فأظهر. وغيره عجز
_________________
(١) إغاثة اللهفان ١/ ١٠٣ - ١٠٤.
(٢) إغاثة اللهفان ١/ ١٠٣.
[ ٣٨٤ ]
فأضمر. وذلك: أن الإنسان إذا اعتبر وتعرف نفسه والناس وسمع أخبارهم: رأى الواحد منهم يريد لنفسه أن تطاع وتعلو بحسب قدرته. فالنفس مشحونة بحب العلو والرياسة بحسب إمكانها فتجد أحدهم يوالي من يوافقه على هواه ويعادي من يخالفه في هواه. وإنما معبوده: ما يهواه ويريده. قال تعالى ﴿أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا﴾ [الفرقان: الآية: ٤٣] " (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فمن كان من المطاعين-من العلماء والمشايخ والأمراء والملوك-متبعا للرسل: أمر بما أمروا به. ودعا إلى ما دعوا إليه. وأحب من دعا إلى مثل ما دعا إليه. فإن الله يحب ذلك. فيحب ما يحبه الله تعالى. وهذا قصده في نفس الأمر: أن تكون العبادة لله تعالى وحده وأن يكون الدين كله لله.
وأما من كان يكره أن يكون له نظير يدعو إلى ذلك: فهذا يطلب أن يكون هو المطاع المعبود. فله نصيب من حال فرعون وأشباهه. فمن طلب أن يطاع دون الله: فهذا حال فرعون. ومن طلب أن يطاع مع الله: فهذا يريد من الناس أن يتخذوا من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله. والله ﷾ أمر: أن لا يعبد إلا إياه وأن لا يكون الدين إلا له وأن تكون الموالاة فيه والمعاداة فيه. وأن لا يتوكل إلا عليه ولا يستعان إلا به.
فالمؤمن المتبع للرسل: يأمر الناس بما أمرتهم به الرسل ليكون الدين كله لله لا له. وإذا أمر أحد غيره بمثل ذلك: أحبه وأعانه وسر بوجود مطلوبه. وإذا أحسن إلى الناس فإنما يحسن إليهم: ابتغاء وجه ربه الأعلى. ويعلم أن الله قد من عليه بأن جعله محسنا ولم يجعله مسيئا
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٤/ ٣٢٧.
[ ٣٨٥ ]
فيرى أن عمله لله وأنه بالله. وهذا مذكور في فاتحة الكتاب التي ذكرنا أن جميع الخلق محتاجون إليها أعظم من حاجتهم إلى أي شيء. ولهذا فرضت عليهم قراءتها في كل صلاة دون غيرها من السور ولم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها. فإن فيها ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ [الفاتحة: الآية: ٥]. فالمؤمن يرى: أن عمله لله لأنه إياه يعبد وأنه بالله. لأنه إياه يستعين. فلا يطلب ممن أحسن إليه جزاء ولا شكورا. لأنه إنما عمل له ما عمل لله كما قال الأبرار ﴿إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا﴾ [الإنسان: الآية: ٩]، ولا يمن عليه بذلك ولا يؤذيه. فإنه قد علم أن الله هو المان عليه إذ استعمله في الإحسان. وأن المنة لله عليه وعلى ذلك الشخص. فعليه هو: أن يشكر الله. إذ يسره لليسرى. وعلى ذلك: أن يشكر الله. إذ يسر له من يقدم له ما ينفعه من رزق أو علم أو نصر أو غير ذلك. ومن الناس: من يحسن إلى غيره ليمن عليه أو يرد الإحسان له بطاعته إليه وتعظيمه أو نفع آخر. وقد يمن عليه. فيقول: أنا فعلت بك كذا. فهذا لم يعبد الله ولم يستعنه. ولا عمل لله ولا عمل بالله. فهو المرائي. وقد أبطل الله صدقة المنان وصدقة المرائي. قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَاب فَأَصَابَهُ وَابِل فَتَرَكَهُ صَلْدا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْء مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: الآية: ٢٦٤]، ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِل فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِل فَطَلّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: الآية: ٢٦٥] " (^١).
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٤/ ٣٢٨ - ٣٣٠.
[ ٣٨٦ ]
المطلب الثاني بعد المائة: التوحيد جزاؤه الإحسان من الله تعالى.
• قال تعالى: ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ [الرحمن: الآية: ٦٠].
• قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄-والمفسرون: هل جزاء من قال لا إله إلا الله وعمل بما جاء به محمد ﷺ إلا الجنة" (^١).
• قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "وحكى النقاش أن النبي-ﷺ-فسر هذه الآية: «هل جزاء التوحيد إلا الجنة» " (^٢).
المطلب الثالث بعد المائة: التوحيد مقرون بالعدل والعزة والحكمة في منهج السلف.
• قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "الحمد معناه الثناء الكامل، والألف واللام فيه لاستغراق الجنس من المحامد، وهو أعم من الشكر، لأن الشكر إنما يكون على فعل جميل يسدى إلى الشاكر، وشكره حمد ما، والحمد المجرد هو ثناء بصفات المحمود من غير أن يسدي شيئا، فالحامد من الناس قسمان: الشاكر والمثني بالصفات" (^٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وعلى مذهب السلف: له
_________________
(١) بصائر ذوي التمييز ٢/ ٤٦٦؛ تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الرحمن الآية: ٦٠).
(٢) تفسير ابن عطية (سورة الرحمن الآية: ٦٠)، ٥/ ٢٣٤.
(٣) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ١/ ٦٦.
[ ٣٨٧ ]
الملك وله الحمد تامين. وهو محمود على حكمته كما هو محمود على قدرته ورحمته.
وقد قال ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم﴾ [آل عمران: الآية: ١٨]، فله الوحدانية في إلهيته وله العدل وله العزة والحكمة. وهذه الأربعة إنما يثبتها السلف وأتباعهم. فمن قصر عن معرفة السنة فقد نقص الرب بعض حقه. والجهمي الجبري لا يثبت عدلا ولا حكمة ولا توحيد إلهية. بل توحيد ربوبيته. والمعتزلي أيضا لا يثبت في الحقيقة توحيد إلهية ولا عدلا في الحسنات والسيئات ولا عزة ولا حكمة في الحقيقة وإن قال: إنه يثبت الحكمة بما معناها يعود إلى غيره. وتلك لا يصلح أن تكون حكمة من فعل لا لأمر يرجع إليه بل لغيره هو عند العقلاء قاطبة بها ليس بحكيم بل سفيه. وإذا كان الحمد لا يقع إلا على نعمة فقد ثبت: أنه رأس الشكر. فهو أول الشكر. والحمد-وإن كان على نعمته وعلى حكمته-فالشكر بالأعمال هو على نعمته. وهو عبادة له لإلهيته التي تتضمن حكمته. فقد صار مجموع الأمور داخلا في الشكر. ولهذا عظم القرآن أمر الشكر. ولم يعظم أمر الحمد مجردا إذ كان نوعا من الشكر. وشرع الحمد-الذي هو الشكر المقول-أمام كل خطاب مع التوحيد. ففي الفاتحة: الشكر والتوحيد. والخطب الشرعية لا بد فيها من الشكر والتوحيد. والباقيات الصالحات نوعان. فسبحان الله وبحمده: فيها الشكر والتنزيه والتعظيم. ولا إله إلا الله. والله أكبر: فيها التوحيد والتكبير. وقد قال تعالى: ﴿فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين﴾ [غافر: الآية: ٦٥] " (^١).
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٤/ ٣٠٩ - ٣١١.
[ ٣٨٨ ]
المطلب الرابع بعد المائة: التوحيد مقترن ذكره بأعظم المخلوقات وأرفعها.
• قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: الآية: ٢٦].
• قال تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: الآية: ١١٦].
• جاء في الحديث أن النبي-ﷺ-قال لجويرية: "لقد قلت بعدك أربع كلمات مرات، لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه ومداد كلماته " (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فهذا يبين أن زنة العرش أثقل الأوزان" (^٢).
فالعرش يمتاز مع كبر حجمه وسعته، بكونه أثقل المخلوقات، وزنته أثقل الأوزان، ويعتبر استواء الله- ﷾ على العرش أعظم الخصائص التي اختص بها العرش، بل إن ما سواها من الخصائص الأخرى التي تميز بها العرش إنما جعلت له لأجل استواء الله- ﷿ عليه، وذلك أن الله - تعالى- لما اختصه بهذا الأمر جعل له من الخصائص والصفات، كارتفاعه، وعظم خلقه، وكبره، وثقل وزنه، لكي يتناسب مع ما ميز وشرف به من الاستواء عليه.
ومما خص به الخالق-﷾-العرش مع استوائه عليه كونه أعلى
_________________
(١) الرسالة العرشية ص ٦١.
[ ٣٨٩ ]
المخلوقات، وأرفعها، وأقربها إلى الله تعالى، فقد ثبت أن العرش أعلى من السموات والأرض والجنة، وأنه كالسقف عليها، والأدلة على هذا الأمر كثيرة.
والقول بأن العرش أعلى المخلوقات هو قول السلف الذي قالوا به وذهبوا إليه، قال محمد بن عبد الله بن أبي زمنين في كتابه "أصول السنة": "ومن قول أهل السنة أن الله ﷿ خلق العرش، واختصه بالعلو والارتفاع فوق جميع ما خلق، ثم استوى عليه كيف شاء" (^١).
وكون العرش أعلى المخلوقات يدل على أنه أقربها إلى الله- تعالى- وهذه ميزة أخرى تضاف إلى الخصائص التي انفرد بها العرش، ويدل على هذا الأمر ما جاء في حديث الأوعال: "ثم فوق ظهورهم العرش، بين أعلاه وأسفله مثل ما بين السماء إلى سماء، والله-تعالى-فوق ذلك " (^٢).
• وكذلك ما جاء. ابن مسعود (ت: ٣٢ هـ) ﵁: "بين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي إلى الماء خمسمائة عام، والعرش على الماء، والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه " (^٣).
_________________
(١) أصول السنة ص ٢٨٢.
(٢) أخرجه ابن ماجه في "سننه"، المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية: (١/ ٦٩)، والإمام أحمد في "مسنده": (١/ ٢٥٧)، وأبو داود في "سننه"، كتاب السنة، باب في الجهمية: (٥/ ٩٣، حديث ٤٧٢٣)، والدارمي في "الرد على بشر المريسي": ص ٤٤٨، والآجري في "الشريعة": ص ٢٩٢، واللالكائي في "السنة": (٣/ ٣٩٠)، وقال الترمذي: "حديث حسن غريب".
(٣) أثر صحيح وافر الطرق: أخرجه ابن خزيمة في "التوحيد": ص ١٠٥، والدارمي في "الرد على الجهمية": ص ٢٦، ٢٧، وأبو الشيخ في "العظمة": (ت ٣٤/ أ)، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة": (٣/ ٣٩٦)، وأورده ابن القيم في "اجتماع الجيوش الإسلامية: ص ١٠٠، وقال: رواه سنيد بن داود بإسناد صحيح.
[ ٣٩٠ ]
وعرش الرحمن-﵎-يعتبر أكبر مخلوقات الله، وأوسعها، وأعظمها على الإطلاق، فقد خص الله ﷿ العرش بهذه الميزة العظيمة، وشرفه بها مع غيرها من الميزات، لكي يتناسب مع ذلك الشرف العظيم ألا وهو استواء البارئ-﷿-عليه.
وعظم العرش وسعة خلقه قد دل عليهما القرآن والسنة، فالله-﷾-يقول في محكم التنزيل: ﴿وهو رب العرش العظيم﴾ [التوبة: الآية: ١٢٩]، فالله-سبحانه-وصف العرش في هذه الآية وغيرها بكونه عظيما في خلقه وسعته.
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "والله سبحانه إنما يدعو عباده إلى النظر والفكر في مخلوقاته العظام لظهور أثر الدلالة فيها، وبديع عجائب الصنعة، والحكمة فيها، واتساع مجال الفكر والنظر في أرجائها وإلَّا:
ففي كل شيء له آيةٌ .. تدل على أنه واحدُ" (^١).
• قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀، في تفسير هذه الآية: "أي هو مالك كل شيء، وخالقه، لأنه رب العرش العظيم الذي هو سقف المخلوقات، وجميع الخلائق من السموات والأرضين وما فيهما تحت العرش مقهورين بقدرة الله تعالى" (^٢).
ومما يشهد لعظم العرش وسعة خلقه الأحاديث والآثار التي تتحدث عن كبر حجمه وسعته، فقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال:
_________________
(١) مفتاح دار السعادة ٢/ ١٩٨
(٢) تفسير ابن كثير (سورة التوبة).
[ ٣٩١ ]
"إن عرشه على سمواته وأرضه هكذا" وأشار بأصابعه مثل القبة، فالنبي ﷺ يشبه العرش بأنه كالقبة على هذا العالم المكون من السموات والأرض وما فيها، وكالسقف عليهما، وفي هذا بيان واضح على عظم العرش، وكبر مساحته، وفي حديث آخر يبين لنا مدى عظم العرش، وكبر ومساحته، فليس العرش بأكبر من السموات والأرض فقط، بل هو من الكبر وسعة الحجم بحيث لا تعدل السموات والأرض على سعة حجمهما بجانبه شيئا يذكر، فعن أبي ذر (ت: ٣٠ أو ٣١ هـ) ﵁-أن رسول الله ﷺ قال: "يا أبا ذر ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة"، وفي رواية: "ما السموات السبع والأرضون السبع وما بينهن وما فيهن
في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وإن الكرسي بما فيه بالنسبة إلى العرش كتلك الحلقة في تلك الفلاة" (^١).
_________________
(١) أخرجه من طريق إسماعيل بن مسلم ابن أبي شيبة في كتاب العرش برقم (٥٨)، أخرجه ابن بطة في "الإبانة": (ق ١٩٦/ أ) بسنده من طريق ابن أبي شيبة. قال الألباني: "هذا سند ضعيف، إسماعيل بن سلم لم أعرفه، وغالب الظن أنه إسماعيل بن مسلم، فقد ذكروه في شيوخ المختار بن عبيد، وهو المكي البصري، وهو ضعيف". والمختار روى عنه ثلاثة، ولم يوثقه أحد، وفي "التقريب" أنه مقبول. وكذلك فيه الحسن بن عبد الرحمن، وقد اشترط ابن حبان في توثيقه ألا يكون في إسناد خبره ضعيف. لكن الحديث لم يتفرد به إسماعيل بن مسلم بل تابعه يحيى بن يحيى الغساني. أخرجه أبو الشيخ في "العظمة": (ق ١٥/ أ). وأبو نعيم في "الحلية": (١/ ١٦٦) في، سياق طويل، والبيهقي في "الأسماء والصفات": ص ٥١١، من قوله: قلت يا رسول الله أيما أنزل عليك أعظم؟ وكلاهما بإسنادهما عن إبراهيم بن هشام الغساني به. وقال الألباني عن هذا الإسناد: "هذا سند واه جدا، إبراهيم هذا متروك، كما قال الذهبي، وقد كذبه أبو حاتم". "سلسلة الأحاديث الصحيحة": رقم ١٠٩. وأيضا، تابعه القاسم بن محمد الثقفي ولكنه مجهول كما في "التقريب". أخرجه ابن مردويه كما في "تفسير ابن كثير": (٢/ ١٣)، طبع المنار، من طريق محمد بن أبي السري العسقلاني أخبرنا محمد بن عبد الله التميمي عن القاسم به. وقال الألباني: العسقلاني والتميمي كلاهما ضعيف، والحديث أيضا في "البداية" لابن كثير: (١/ ١٣). وللحديث- أيضا- طرق أخرى ذكرها الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة": رقم ١٠٩، وقال: وجملة القول أن الحديث بهذه الطرق صحيح. وقد نقل الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": (١٣/ ٤١١) عن ابن حبان تصحيح الحديث، وقال: وله شاهد عن مجاهد أخرجه سعيد بن منصور في "تفسيره" بسند صحيح عنه.
[ ٣٩٢ ]
فالحديث كما أسلفنا دليل واضح على سعة العرش وعظم خلقه.
وأما مقدار ذلك وتلك السعة لا يعلمها إلا الله- تعالى-.
• قال عبد الله بن عباس- ﵄: "الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدره إلا الله-تعالى-" (^١).
_________________
(١) أخرجه الدارمي في "الرد على بشر المريسي": ص ٧١، ٧٣، ٧٤، وعبد الله بن أحمد في "السنة": ص ٧٠، ١٤٢، وابن خزيمة في "التوحيد": ص ١٠٧، ١٠٨، وأبو الشيخ في "العظمة": (ق ٣٥/ ب)، وابن جرير الطبري في "تفسيره": (٣/ ١٠)، وابن أبي حاتم في "تفسيره": (١/ ١٩٤/ أآيا صوفيا) مختصرا، والطبراني في "المعجم الكبير": (١٢/ ٣٩، حديث ١٢٤٠٤)، والدارقطني في "الصفات":، ص ٣٠، تحقيق: الشيخ الغنيمان، والحاكم في "المستدرك": (٢/ ٢٨٢)، - البيهقي في "الأسماء والصفات": ص ٣٥٤، والخطيب البغدادي في "تاريخه": (٩/ ٢٥١ - ٢٥٢) من أوجه، والهروي في "الأربعين": ص ١٢٥. كلهم من طريق سفيان الثوري عن عمار الذهني عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفا. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٦/ ٣١٢٣): "رجاله رجال الصحيح". وذكره الذهبي في "العلو": ص ٦١، وقال: "رواته ثقات". وقال الألباني: هذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات، وتابعه يوسف بن أبي إسحاق عن عمار الذهني، أخرجه أبو الشيخ في "العظمة": (٣٣/ أ) وله عنده (٣٦/ ٢) شاهد من حديث أبي ذر مرفوعا.
[ ٣٩٣ ]
المطلب الخامس بعد المائة: كلمة التوحيد يوصى المؤمن بأن يكثر من ذكرها.
قال الربيع بن خيثم-﵀: أقلوا الكلام إلا من تسع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وقراءة القرآن، وأمر بالمعروف، ونهي عن المنكر، ومسألة خير، وتعوذ من شر" (^١).
قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "من أسباب دواعي الإيمان: الإكثار من ذكر الله كل وقت، ومن الدعاء الذي هو مخ العبادة؛ فإن الذكر لله يغرس شجرة الإيمان في القلب، ويغذيها وينميها" (^٢).
المطلب السادس بعد المائة: التوحيد إظهار لكمال سلطان الله وغلبته وقهره وهيمنته على. كل شيء.
• قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ [مريم: الآيتان: ٩٣ - ٩٤].
_________________
(١) حلية الأولياء ٢/ ١٠٩.
(٢) التوضيح والبيان لشجرة الإيمان ص ٧٨.
[ ٣٩٤ ]
• قال تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: الآية: ٨٣].
• قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: الآية: ٨٢].
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ولا شك أن من عرف هذه الصفات وغيرها من صفات الكمال والعظمة، فإنه سيعبد الله وحده؛ لأنه الإله المستحق للعبادة. فالذي يستحق العبادة وحده من يملك القدرة على كل شيء، والإحاطة بكل شيءٍ، وكمال السلطان والغلبة والقهر والهيمنة على كل شيءٍ، والعلم بكل شيء، ويملك الدنيا والآخرة، والنفع والضر، والعطاء والمنع بيده وحده، فمن كان هذا شأنه فإنه حقيق بأن يُذكَر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر، ويُطاع فلا يُعصى، ولا يُشرك معه غيره" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀:: "فتأمل آيات التوحيد والصفات في القرآن على كثرتها وتفننها واتساعها وتنوعها كيف تجدها كلها قد أثبتت الكمال للموصوف بها وأنه المتفرد بذلك الكمال فليس له فيه شبه ولا مثال" (^٢).
_________________
(١) انظر: تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي.، ١/ ٢٣٧، ٣/ ٧١، ٢/ ٨٨، ٣٧٢، وتفسير ابن كثير، ١/ ٣٠٩، ٢/ ٥٧٢، ٣/ ٤٢، ٢/ ١٢٧، ٤٣٥، ٥٧٠، ١/ ٣٤٤، ٢/ ١٣٨، وتفسير السعدي، ١/ ٣١٣، ٧/ ٦٨٦، ٢/ ٣٨١، ٣/ ٣٩٧، ٤/ ٢٠٤، ٦/ ٣٦٤، ١/ ٣٥٦، ٢/ ٣٧٢، وأضواء البيان، ٢/ ١٨٧، ٣/ ٢٧١.
(٢) الصواعق المرسلة ٣/ ٩١٦.
[ ٣٩٥ ]
المطلب الثامن بعد المائة: التوحيد دعوة للإقرار بنعم الله العظيمة: الظاهرة والباطنة، والدينية والدنيوية.
• قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِّعْمَةٍ فَمِنَ الله﴾ [النحل: الآية: ٥٣]، قال الله-﷿: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: الآية: ٢٩].
• وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ الله سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: الآية: ٢٠].
• وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: الآية: ١٣].
• وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ * أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ الله لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الله لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: الآيات: ١٤ - ١٨].
فقد أسبغ على عباده جميع النعم وسخر هذا الكون وما فيه من مخلوقات لهذا الإنسان.
وقد بيّن سبحانه هذه النعم، وامتنَّ بها على عباده، وأنه المستحق للعبادة وحده، فقد شمل هذا الامتنان جميع النعم: الظاهرة والباطنة، الحسّيّة والمعنوية، فجميع ما في السموات والأرض قد سُخِّر لهذا الإنسان، وهو شامل لأجرام السموات والأرض، وما أودع فيهما من:
[ ٣٩٦ ]
الشمس والقمر، والكواكب، والثوابت، والسيارات، والجبال، والبحار، والأنهار، وأنواع الحيوانات، وأصناف الأشجار والثمار، وأجناس المعادن، وغير ذلك مما هو من مصالح بني آدم، ومصالح ما هو من ضروراتهم للانتفاع والاستمتاع والاعتبار.
وكل ذلك دالّ على أن الله وحده هو المعبود الذي لا تنبغي العبادة والذلّ والمحبة إلا له، وهذه أدلّة عقلية لا تقبل ريبًا ولا شكًا على أن الله هو الحق، وأن ما يُدعَى من دونه هو الباطل" (^١).
"ومن المعلوم قطعًا أنه لا يستطيع فرد من أفراد العباد أن يُحصيما أنعم الله به عليه في خلق عضو من أعضائه، أو حاسّة من حواسّه، فكيف بما عدا ذلك من النعم في جميع ما خلقه في بدنه، وكيف بما عدا ذلك من النعم الواصلة إليه في كل وقت على تنوّعها واختلاف أجناسها؟ " (^٢).
ولا يسع العاقل بعد ذلك إلا أن يعبد الله الذي أسدى لعباده هذه النعم ولا يشرك به شيئًا؛ لأنه المستحق للعبادة وحده سبحانه.
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الله هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ الله هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: الآية: ٦٢].
• قال الشيخ صالح آل الشيخ: "الواجب على العبد أن يعلم أنَّ كل النعم من الله-جل وعلا-وأنَّ كمال التوحيد لايكون إلا بإضافة كل نعمة إلى الله-جل وعلا-وأنَّ إضافة النعم إلى غير الله نقص في
_________________
(١) انظر: تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي، ١/ ٥٩، ٣/ ٧٢، وابن كثير، ٣/ ٤٥١، ٤/ ١٤٩، والشوكاني، ١/ ٦٠، ٤/ ٤٢٠، والسعدي، ١/ ٦٩، ٦/ ١٦١، ٧/ ٢١، وأضواء البيان للشنقيطي، ٣/ ٢٢٥ - ٢٥٣.
(٢) انظر: تفسير فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم التفسير للشوكاني، ٣/ ١٥٤، ٣/ ١١٠، وأضواء البيان، ٣/ ٢٥٣.
[ ٣٩٧ ]
كمال التوحيد" (^١).
المطلب التاسع بعد المائة: التوحيد خاتمة عمل الليل والنهار.
• فعَنْ أبي بن كعب (ت: ٣٠ هـ تقريبًا) ﵄-قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوتِرُ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» (^٢).
• عَنِ ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ: بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» (^٣).
• عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁ أن رسول الله ﷺ «قَرَأَ فِي رَكعَتَي الفَجرِ "قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ " و" قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ "» (^٤).
ومما يدل على أهمية التوحيد أن المصطفى ﵊ كان يستفتح يومه بالتوحيد حيث يقرأ في ركعتي الفجر بسورتي الكافرون والإخلاص، ويختم أيضا بالتوحيد حيث كان يقرأ في الشفع والوتر بسورة الكافرون والإخلاص.
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀-عن سورة قل يا أيها الكافرون: " كان النبي ﷺ يقرنها بسورة قل هو الله أحد في سنة الفجر وسنة
_________________
(١) التمهيد لشرح كتاب التوحيد/ ٤٤٦.
(٢) رواه النسائي (١٧٣٠)، ورواه ابن ماجة (١١٧١)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة.
(٣) رواه أحمد (٢٧١٥)، ورواه الترمذي (٤٦٢)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ورواه أبو داود (٤/ ٢٩٩)، ورواه ابن ماجة (١١٧٣) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة، وانظر صفة صلاة النبي ﷺ (٩٧).
(٤) رواه مسلم (١/ ٥٠٢) برقم (٧٢٦) ورواه ابن عمر الترمذي (٢/ ٤٧٠).
[ ٣٩٨ ]
المغرب. فإن هذين السورتين سورتا الإخلاص، وقد اشتملتا على نوعي التوحيد الذي لا نجاة للعبد ولا فلاح له إلا بهما، وهما توحيد العلم والاعتقاد المتضمن تنزيه الله عما لا يليق به من الشرك والكفر والولد والوالد، وأنه إله أحد صمد لم يلد فيكون له فرع ولم يولد فيكون له أصل ولم يكن له كفوا أحد فيكون له نظير. ومع هذا فهو الصمد الذي اجتمعت له صفات الكمال كلها. فتضمنت السورة إثبات ما يليق بجلاله من صفات الكمال، ونفي ما لا يليق به من الشريك أصلا وفرعا ونظيرا. فهذا توحيد العلم والاعتقاد. والثاني: توحيد القصد والإرادة وهو: ألا يعبد إلا إياه، فلا يشرك به في عبادته سواه، بل يكون وحده هو المعبود. وسورة قل يا أيها الكافرون مشتملة على هذا التوحيد. فانتظمت السورتان نوعي التوحيد وأخلصتا له، فكان ﷺ يفتتح بهما النهار في سنة الفجر، ويختتمه بهما في سنة المغرب. وفي السنن «أنه كان يوتر بهما» فيكونان خاتمة عمل الليل كما كانا خاتمة عمل النهار" (^١).
المطلب العاشر بعد المائة: التوحيد قسمة الله للمؤمنين.
• قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ [الكافرون: الآيات: ١ - ٦].
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فهذا من أسرار الكلام، وبديع الخطاب الذي لا يدركه إلا فحول البلاغة وفرسانها، فإن السورة ما اقتضت
_________________
(١) التفسير القيم ص ٥٩٤.
[ ٣٩٩ ]
البراءة واقتسام ديني التوحيد والشرك بينه وبينهم، ورضى كل بقسمه، وكان المحق هو صاحب القسمة، وقد أبرز النصيبين وميز القسمين، وعلم أنهم راضون بقسمهم الدون، الذي لا أردأ منه ولا أدون، وأنه هو قد استولى على القسم الأشرف والحظ الأعظم، بمنزلة من اقتسم هو وغيره سما وشفاء، فرضي مقاسمة بالسم، فإنه يقول له: لا تشاركني في قسمي، ولا أشاركك في قسمك، لك قسمك، ولي قسمي.
فتقدم ذكر قسمه هنا أحسن وأبلغ، كأنه يقول: هذا هو قسمك الذي آثرته بالتقدم وزعمت أنه أشرف القسمين، وأحقهما بالتقديم، فكان في تقديم ذكر قسمه من التهكم بهم، والنداء على سوء اختيارهم، وقبح ما رضوه لأنفسهم من الحسن والبيان، ما لا يوجد في ذكر تقديم قسم نفسه، والحاكم في هذا هو الذوق. والفطن يكتفي بأدنى إشارة، وأما غليظ الفهم فلا ينجع فيه كثرة البيان" (^١).
المطلب الحادي عشر بعد المائة: أهل التوحيد هم خير البرية.
• قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: الآية: ٧].
• عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁-قال: أتعجبون من منزلة الملائكة من الله؟ والذي نفسي بيده لمنزلة العبد المؤمن عند الله يوم القيامة أعظم من منزلة ملك، واقرءوا إن شئتم ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية﴾ [البينة: الآية: ٧].
_________________
(١) التفسير القيم ص ٥٩٦.
[ ٤٠٠ ]
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: ثم ذكر مستقر من صدق بالنبي-ﷺ، فقال: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية﴾، يعني: خير الخليقة من أهل الأرض، كل شيء خلق من التراب فإنه يسمى: البرية" (^١).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "وقوله: ﴿إنّ الّذِينَ آمَنُوا وَعمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ البَرِيّةِ﴾ يقول تعالى ذكره: إن الذين آمنوا بالله ورسوله محمد، وعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء، وأقاموا الصلاة، وآتُوا الزكاة، وأطاعوا الله فيما أمر ونهى. ﴿أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ البَرِيّةِ﴾ يقول: من فعل ذلك من الناس فهم خير البرية" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ولا تحسبن أن قوله تعالى: ﴿إن الأبرار لفي نعيم* وإن الفجار لفي جحيم﴾ مقصور على نعيم الآخرة وجحيمها فقط، بل في دورهم الثلاثة: دار الدنيا، والبرزخ، والقرار، فهؤلاء في نعيم، وهؤلاء في جحيم، وهل النعيم إلا نعيم القلب، وهل العذاب إلا عذاب القلب؟ " (^٣).
• قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: "وقد استدل بهذه الآية وطائفة من العلماء، على تفضيل المؤمنين من البرية على الملائكة؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ " (^٤).
• قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: " ﴿إن الذين آمنوا﴾ أي أقروا بالإيمان من الخلق كلهم الملائكة وغيرهم ﴿وعملوا﴾ أي تصديقًا لإيمانهم ﴿الصالحات﴾ أي هذا النوع، ولما كان نعيم القلب أعظم، قدمه على نعيم البدن إبلاغًا في مدحهم فقال: ﴿أولئك﴾ أي العالو الدرجات ﴿هم﴾ أي خاصة ﴿خير البرية﴾ " (^٥).
• قال أبو السعود العمادي محمد بن محمد بن مصطفى (ت: ٨٩٨ هـ) ﵀: " ﴿إِنَّ الذين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالحات﴾ بيانٌ لمحاسن
_________________
(١) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة البينة: الآية: ٧).
(٢) تفسير الطبري (سورة البينة: الآية: ٧).
(٣) الجواب الكافي، ص ١٤٧.
(٤) تفسير ابن كثير (سورة البينة: الآية: ٧).
(٥) تفسير البقاعي (سورة البينة: الآية: ٧).
[ ٤٠١ ]
أحوالِ المؤمنينَ إثرَ بيانِ سوءِ حالِ الكفرةِ جريًا على السنةِ القرآنيةِ من شفعِ الترهيبِ بالترغيبِ ﴿أولئك﴾ المنعوتونَ بَما هُو في الغايةِ القاصيةِ من الشرفِ والفضيلةِ من الإيمان والطاعة، ﴿هُمْ خَيْرُ البرية﴾ " (^١).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: " ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ لأنهم عبدوا الله وعرفوه، وفازوا بنعيم الدنيا والآخرة" (^٢).
_________________
(١) تفسير أبي السعود (سورة البينة: الآية: ٧).
(٢) تفسير ابن سعدي (سورة البينة: الآية: ٧).
[ ٤٠٢ ]
المبحث الثالث: محاسن التوحيد وتعلقها بالدعاء بنوعيه.
المطلب الأول: كلمة التوحيد تخرق لها الحجب وتفتح لها أبواب السماء.
كلمة التوحيد تخرق الحُجب؛ حتى تصل إلى الله ﷿، وليس دونه حجاب
عن معاذ بن جبل (ت: ١٨ هـ) ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كلمتان إحداهما ليس لها ناهية دون العرش، وألاخرى تملأ ما بين السماء وألارض، لا اله إلا الله، والله أكبر» (^١).
عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁-عن النبي-ﷺ: «ما قال عبدٌ لا إلهَ إلَّا اللهُ قطُّ مخلِصًا، إلَّا فُتِحَتْ له أبوابُ السماءِ، حتى تُفْضِيَ إلى العرشِ، ما اجتُنِبَتِ الكبائرُ» (^٢).
_________________
(١) قال الهيثمي في المجمع - كتاب الأذكار، باب ما جاء في لا اله إلا الله والله أكبر- (١٠/ ٧١): رواه الطبراني ومعاذ بن عبد الله بن رافع: لم أعرفه، وابن لهيعة: حديثه حسن، وبقية رجاله ثقات.
(٢) أخرجه الترمذي (٣٥٩٠)، والنسائي في «السنن الكبرى» (١٠٦٦٩)، والبزار (٩٧٦٢)، وحسنه الألباني في كلمة الإخلاص ص ٦٠.
[ ٤٠٣ ]
عن عبد الله بن عمرو (ت: ٦٥ هـ) ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: «التسبيح نصف الميزان، والحمد لله يملؤه، ولا اله إلا الله ليس لها دون الله حجاب حتى تخلص إليه»» (^١).
عن أنس (ت: ٩٠ هـ) ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس شيء إلا بينه وبين الله حجاب إلا قول: لا اله إلا الله، ودعاء الوالد» (^٢).
المطلب الثاني: التوحيد سبب لإجابة الدعاء.
• عن فضالة بن عبيد (ت: ٥٣ هـ) ﵁-قال: سمعَ النبيُّ-ﷺ-رجلًا يَدْعُو في صلاتِهِ فلمْ يُصَلِّ على النبيِّ-ﷺ-فقال النبِيُّ ﷺ «عَجِلَ هذا» ثُمَّ دعاهُ فقال لهُ أوْ لغيرِهِ «إذا صلَّى أحدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ اللهِ والثَّناءِ عليهِ ثُمَّ لَيُصَلِّ على النبيِّ ﷺ ثُمَّ لَيَدْعُ بَعْدُ بِما شاءَ» (^٣).
• قال رجلٌ لعامر بن عبد قيس (ت: في زمن معاوية) ﵀: ادعُ لي.
فقال عامر: "أطعِ الله، ثم ادعه؛ يستجب لك" (^٤).
• قال علي بن عقيل بن محمد بن عقيل بن عبد الله البغدادي الظفري الحنبلي (المتوفى: ٥١٣ هـ) ﵀: "يقال: لا يستجاب الدعاء بسرعة
_________________
(١) أخرجه الترمذي، ح (٣٥١٨).
(٢) أخرجه ابن مردويه عن أنس كما في الدر المنثور، (ج ٦/ ص ٤٦). وقال عنه الألباني "ضعيف"، انظر: ضعيف الجامع (رقم: ٤٢٣١).
(٣) أخرجه أبو داود (١٤٨١)، وأحمد (٢٣٩٣٧) باختلاف يسير، والترمذي (٣٤٧٧) واللفظ له، والنسائي (١٢٨٤) بنحوه.
(٤) حلية الأولياء ٢/ ٩٣.
[ ٤٠٤ ]
إلا لمخلص أو مظلوم" (^١).
• قَالَ ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "إذَا أرادَ الله بِعَبدٍ خيرًا، أَلهَمَهُ دُعاءَهُ والاستِعَانَةُ بِه، وَجَعَلَ استِعانَتَهُ وَدُعاءَهُ سَببًا للخَيرِ الذي قَضَاهَ لَه" (^٢).
• قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي عند تفسير قوله تعالى: ﴿وما دعاء الكافرين إلا في ضلال﴾ [الرعد: الآية: ١٤]، أي: باطل لاغ، لأن الكفر محبط لجميع الأعمال صاد لإجابة الدعاء" (^٣).
المطلب الثالث: التوحيد خاتمة الدعاء في الصلاة.
• عن علي بن أبي طالب (ت: ٤٠ هـ) ﵁-عن رسول الله-ﷺ-أنه يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: «اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت» (^٤).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "كان النبي ﷺ يختم الصلاة كما في الحديث الصحيح أنه كان يقول في آخر صلاته: «اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني؛ أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت»، وهنا قدم الدعاء وختمه بالتوحيد؛
_________________
(١) الفنون لابن عقيل ٢/ ٧٥٠.
(٢) اقتِضَاءُ الصِّراط المُستَقِيم (٢٢٩/ ٢).
(٣) تفسير تيسير الكريم الرحمن لابن سعدي (سورة الرعد: الآية: ١٤).
(٤) أخرجه مسلم برقم: (٧٧١).
[ ٤٠٥ ]
لأن الدعاء مأمور به في آخر الصلاة، وختم بالتوحيد ليختم الصلاة بأفضل الأمرين وهو التوحيد" (^١).
المطلب الرابع: التوحيد يدعوك للافتقار والتذلل بين يدي الله.
• قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: الآية: ١٥].
فإن من أخص خصائص العبودية: الافتقار المطلق لله تعالى، فهو: حقيقة العبودية ولبُّها.
• وقال سهل التستري (ت: ٢٨٣ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا﴾ [الجن: الآية: ٢٢] قال: "أمره بالافتقار واللجوء إليه، ثم بإظهارهما بقوله، ليزيد بذلك للكافرين ضلالا وللمؤمنين إرشادا، وهي كلمة الإخلاص في التوحيد. إذ حقيقة التوحيد هو النظر للحق لا غير، والإقبال عليه، والاعتماد، ولا يتم ذلك إلا بالإعراض عما سواه، وبإظهار الافتقار واللجوء إليه" (^٢).
• قال محمد بن علي بن الحسن بن بشر، أبو عبد الله، الحكيم الترمذي (ت: نحو ٣٢٠ هـ) ﵀: "من شرط التوحيد ألا تطمع للعباد فيما توحد الله تعالى به وتفرد" (^٣).
• قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: "الإعجاب ضرب
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٥/ ٢٦٣.
(٢) تفسير التستري ص ١٧٩.
(٣) الأمثال من الكتاب والسنة ص: ٢٠٧.
[ ٤٠٦ ]
من التكبر، والتكبر يُحْبِط الأعمال" (^١).
• سئل محمد بن عبد الله الفرغاني (لم أقف على تأريخ وفاته) ﵀-عن الافتقار إلى الله تعالى والاستغناء به أيهما أكمل؟ فقال: "إذا صح الافتقار إلى الله تعالى صح الاستغناء به، واذا صح الاستغناء به صح الافتقار إليه، فلا يقال أيهما أكمل لأنه لا يتم أحدهما إلا بالآخر" (^٢).
• قال سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي الصرصري الحنبلي (ت ٧١٦ هـ) ﵀: "قال تعالى: ﴿ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون﴾ [النحل: الآية: ٧٥] دليل آخر على التوحيد، وتقريره أن الله-﷿-غني له ملك السماوات والأرض، وآلهتكم عبيد فقراء، فلا يساوونه في رتبة الإلهية، ولا يستحقون معه صفة المعبودية، كما لا يستوي العبد الفقير منكم والموسر الذي ينفق من يساره سرا وجهرا.
ويحتج بهذه على أن العبد لا يملك بالتمليك، لأن الفقر جعل وصفا له لازما في دليل التوحيد؛ فلا يجوز زواله، كما لا يزول التوحيد" (^٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والعبد كلما كان أذل لله وأعظم افتقارا إليه وخضوعا له: كان أقرب إليه، وأعز له، وأعظم لقدره، فأسعد الخلق: أعظمهم عبودية لله. وأما المخلوق فكما قيل: احتج إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره، وأحسن
_________________
(١) الهداية إلى بلوغ النهاية (سورة الأنفال: الآية: ٤).
(٢) طريق الهجرتين ١/ ٩٧.
(٣) كتاب الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية ص: ٣٨٢.
[ ٤٠٧ ]
إلى من شئت تكن أميره" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "واعلم أن فقر العبد إلى الله أن يعبد الله لا يشرك به شيئًا، ليس له نظير فيقاس به؛ لكن يشبه من بعض الوجوه حاجة الجسد إلى الطعام والشراب، وبينهما فروق كثيرة فإن حقيقة العبد قلبه، وروحه، وهى لا صلاح لها إلا بإلهها الله الذى لا إله إلا هو، فلا تطمئن فى الدنيا إلا بذكره، وهى كادحة إليه كدحا فملاقيته، ولابد لها من لقائه، ولا صلاح لها إلا بلقائه.
ولو حصل للعبد لذات أو سرور بغير الله فلا يدوم ذلك، بل ينتقل من نوع إلى نوع، ومن شخص إلى شخص، ويتنعم بهذا فى وقت وفى بعض الأحوال، وتارة أخرى يكون ذلك الذى يتنعم به والتذ غير منعم له ولا ملتذ له، بل قد يؤذيه اتصاله به ووجوده عنده، ويضره ذلك. وأما إلهه فلابد له منه فى كل حال وكل وقت، وأينما كان فهو معه؛ ولهذا قال إمامنا [إبراهيم] الخليل ﷺ: ﴿لا أحب الآفلين﴾ [الأنعام: الآية: ٧٦]. وكان أعظم آية فى القرآن الكريم: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ [البقرة: الآية: ٢٥٥] وقد بسطت الكلام فى معنى [القيوم] فى موضع آخر، وبينا أنه الدائم الباقى الذى لا يزول ولا يعدم، ولا يفنى بوجه من الوجوه" (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "إذا توجه العبد إلى الله بصدق الافتقار إليه، واستغاث به مخلصا له الدين؛ أجاب دعاءه، وأزال ضرره، وفتح له أبواب الرحمة. فمثل هذا قد ذاق من حقيقة التوكل والدعاء لله ما لم يذق غيره" (^٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١/ ٣٩).
(٢) قاعدة جامعة في توحيد الله ص ٣٥.
(٣) قاعدة جامعة في توحيد الله ص ٣٥.
[ ٤٠٨ ]
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وَكُلُّ عَمَلٍ لَا يُعِينُ اللَّهُ الْعَبْدَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ وَلَا يَنْفَعُ. فَمَا لَا يَكُونُ بِهِ لَا يَكُونُ وَمَا لَا يَكُونُ لَهُ لَا يَنْفَعُ وَلَا يَدُومُ فَلِذَلِكَ أَمَرَ الْعَبْدَ أَنْ يَقُولَ: ﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ " (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "كثيرا ما كنت أسمع شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀-يقول: ﴿إياك نعبد﴾ تدفع الرياء، ﴿وإياك نستعين﴾ تدفع الكبرياء، فإذا عوفي من مرض الرياء ب ﴿إياك نعبد﴾، ومن مرض الكبرياء والعجب ب ﴿إياك نستعين﴾، ومن مرض الضلال والجهل ب ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾؛ عوفي من أمراضه وأسقامه" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فإن الدعاء عبودية لله وافتقار إليه وتذلل بين يديه فكلما كثره العبد وطوله وأعاده وأبداه ونوع جمله كان ذلك أبلغ في عبوديته وإظهار فقره وتذلله وحاجته وكان ذلك أقرب له من ربه وأعظم لثوابه.
فالله يغضب إن تركت سؤاله … وبني آدم حين يسأل يغضب" (^٣).
قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وحق الله تعالى في الطاعة ستة أمور؛ وهي:
١ - الإخلاص في العمل.
٢ - والنصيحة لله فيه.
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٨/ ٧٦.
(٢) مدارج السالكين ١/ ٧٨.
(٣) جلاء الأفهام ص ٢٩٨ - ٢٩٩.
[ ٤٠٩ ]
٣ - ومتابعة الرسول فيه.
٤ - وشهود مشهد الإحسان فيه.
٥ - وشهود منة الله عليه.
٦ - وشهود تقصيره فيه بعد ذلك كله" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ليس العجب من مملوك يتذلل لله .. مع حاجته وفقره إليه.
إنما العجب من مالك يتحبب إلى مملوكه بصنوف إنعامه .. مع غناه عنه! " (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "إذا استغنى الناس بالدنيا فاستغن أنت بالله، وإذا فرحوا بالدنيا فافرح أنت بالله، وإذا أنسوا بأحبابهم فاجعل أنسك بالله، وإذا تعرفوا إلى ملوكهم وكبرائهم وتقربوا إليهم لينالوا بهم العزة والرفعة فتعرف أنت إلى الله وتودد إليه تنل بذلك غاية العز والرفعة" (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "مَنْ عرف نَفسَه اشتغل بإصلاحها عن عُيوب الناس، ومَن عرف رَبَّه اشتغل به عن هَوى نَفسِه" (^٤).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الافتقار إلى الله تعالى يتخلى بفقره أن يتأله غير مولاه الحق، وأن يضيع أنفاسه في غير مرضاته، وأن يفرق همومه في غير محابه، وأن يؤثر عليه في حال من الأحوال،
_________________
(١) إغاثة اللهفان (١/ ٨٢).
(٢) الفوائد لابن القيم ٣٧.
(٣) الفوائد لابن القيم ١١٨.
(٤) الفوائد لابن القيم (ص: ٥٧).
[ ٤١٠ ]
فيوجب له هذا الخلق وهذه المعاملة صفاء العبودية، وعمارة السر بينه وبين الله، وخلوص الود، فيصبح ويمسي ولا هم له غير ربه، فقد قطع همه بربه عنه جميع الهموم، وعطلت إرادته جميع الإرادات، ونسخت محبته له من قلبه كل محبة لسواه" (^١). [٢١].
• قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: "يخبر تعالى بغنائه عما سواه، وبافتقار المخلوقات كلها إليه، وتذللها بين يديه، فقال: ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله﴾ [فاطر: الآية: ١٥]، أي: هم محتاجون إليه في جميع الحركات والسكنات، وهو الغني عنهم بالذات؛ ولهذا قال: ﴿والله هو الغني الحميد﴾ أي: هو المنفرد بالغنى وحده لا شريك له، وهو الحميد في جميع ما يفعله ويقوله، ويقدره ويشرعه" (^٢).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "إذا فالناس فقراء بالذات إليه، بكل معنى، وبكل اعتبار، سواء شعروا ببعض أنواع الفقر أم لم يشعروا، ولكن الموفق منهم، الذي لا يزال يشاهد فقره في كل حال من أمور دينه ودنياه، ويتضرع له، ويسأله أن لا يكله إلى نفسه طرفة عين، وأن يعينه على جميع أموره، ويستصحب هذا المعنى في كل وقت، فهذا أحرى بالإعانة التامة من ربه وإلهه، الذي هو أرحم به من الوالدة بولدها" (^٣).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) -رحمة الله-: "في قصة أصحاب الكهف دليلٌ على أن من فر بدينه من الفتن سلمه الله منها، وأن من حرص على العافية عافاه الله ومن أوى إلى الله،
_________________
(١) طريق الهجرتين، (ص ١٨).
(٢) تفسير ابن كثير (سورة فاطر الآية ١٥).
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص ٤٣٦.
[ ٤١١ ]
آواه الله، وجعله هداية لغيره. ومن تحمل الذل في سبيله وابتغاء مرضاته، كان آخر أمره وعاقبته العز العظيم من حيث لا يحتسب ﴿وما عند الله خير للأبرار﴾ [آل عمران: الآية: ١٩٨] " (^١).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀-عند تفسير قال تعالى: ﴿ولن تجد من دونه ملتحدًا﴾ [الكهف: الآية: ٢٧]: "لن تجد من دون ربك ملجأً تلجأ إليه، ولا معاذًا تعوذ به، فإذا تعيّن أنه وحده الملجأ في كل الأمور؛ تعيّن أن يكون هو المألوه المرغوب إليه في السراء والضراء، المفتقر إليه في جميع الأحوال، المسؤول في جميع المطالب" (^٢).
• قال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀: "يجب على الإنسان اللجوء إلى الله ﷿؛ لأنه هو الذي بيده ملكوت السموات والأرض، فلا تعتمد على ما في قلبك من رسوخ الإيمان مثلًا، وتعتقد أنه لن يتسلط عليك الشيطان ولن يتسرب إليك هوى النفس الأمارة بالسوء، بل كن دائمًا لاجئًا إلى الله سائلًا الثبات" (^٣).
المطلب الخامس: التوحيد يدعوك للانكسار بين يدي الله.
• قال تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: الآية: ٨٧].
_________________
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص ٤٧٣.
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص ٤٧٥.
(٣) تفسير سورة يس ص ٢٦.
[ ٤١٢ ]
• عَنْ سَعْد بن أبي وقاص (ت: ٥٥ هـ) ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الحُوتِ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ» (^١).
• قيل لسعيد بن جبير (ت: ٩٥ هـ) ﵀: من أعبد الناس؟ فقال: رجل اقترف ذنبًا فكلما ذكر ذنبه احتقر عمله وانكسر لربه" (^٢).
• قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فصاحب الحوت ومن أشبهه، لماذا ناسب حالهم صيغة الوصف والخبر دون صيغة الطلب؟
فيقال: لأن المقام مقام اعتراف بأن ما أصابني من الشر كان بذنبي، فأصل الشر هو الذنب، والمقصود دفع الضر، والاستغفار جاء بالقصد الثاني، فلم يذكر صيغة طلب كشف الضر لاستشعاره أنه مسيء ظالم، وهو الذي أدخل الضر على نفسه، فناسب حاله أن يذكر ما يرفع سببه من الاعتراف بظلمه، ولم يذكر صيغة طلب المغفرة؛ لأنه مقصود للعبد المكروب بالقصد الثاني؛ بخلاف كشف الكرب فإنه مقصود له في حال وجوده بالقصد الأول، إذ النفس بطبعها تطلب ما هي محتاجة إليه من زوال الضرر الحاصل في الحال، قبل طلبها زوال ما تخاف وجوده من الضرر في المستقبل بالقصد الثاني، والمقصود الأول في هذا المقام هو المغفرة، وطلب كشف الضر، فهذا مقدم في قصده وإرادته، وأبلغ ما ينال به: رفع سببه، فجاء بما يحصل مقصوده … " (^٣).
_________________
(١) رواه الترمذي (٣٥٠٥)، والإمام أحمد في "المسند" (٣/ ٦٥)، وحسنه محققو المسند، وصححه الشيخ الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (٢/ ٢٨٢).
(٢) البداية والنهاية: ٩/ ٩٩.
(٣) مجموع الفتاوى (١/ ٢٤٧ - ٢٤٨).
[ ٤١٣ ]
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فما أقرب الجبر من هذا القلب المكسور! وما أدنى النصر والرحمة والرزق منه! وما أنفع هذا المشهد وأجداه عليه! وذرة من هذا ونفس منه أحب إلى الله من طاعات أمثال الجبال من المدلين المعجبين بأعمالهم وعلومهم وأحوالهم. وأحب القلوب إلى الله سبحانه: قلب قد تمكنت منه هذه الكسرة، وملكته هذه الذلة، فهو ناكس الرأس بين يدي ربه، لا يرفع رأسه إليه حياء وخجلا من الله" (^١).
• قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: " أن المؤمن إذا استبطأ الفرج ويئس منه ولا سيما بعد كثرة الدعاء وتضرعه ولم يظهر له أثر الإجابة، رجع إلى نفسه باللائمة ويقول لها: إنما أتيت من قبلك ولو كان فيك خير لأجبت!.
وهذا اللوم أحب إلى الله من كثير من الطاعات؛ فإن يوجب انكسار العبد لمولاه، واعترافه له بأنه ليس بأهل لإجابة دعائه فلذلك يسرع إليه حينئذ إجابة الدعاء وتفريج الكرب، فإنه تعالى عند المنكسرة قلوبهم من أجله، على قدر الكسر يكون الجبر" (^٢).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "فأقر لله تعالى بكمال الألوهية، ونزهه عن كل نقص، وعيب وآفة، واعترف بظلم نفسه وجنايته" (^٣).
• قال تعالى: ﴿إني لما أنزلت إلي من خير فقير﴾ [القصص: الآية: ٢٤].
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فيه الوصف المتضمن
_________________
(١) مدارج السالكين، (١/ ٤٢٨ - ٤٢٩)، وانظر: الوابل الصيب (ص ٢٠ - ٢٣).
(٢) نور الاقتباس في مشكاة وصية النبي ﷺ لابن عباس ص: ١٧٤.
(٣) تفسير ابن سعدي (سورة الأنبياء الآية: ٨٧).
[ ٤١٤ ]
للسؤال بالحال" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "السرُّ في استجابة دعوة المظلوم، والمسافر، والصائم؛ للكسْرة التي في قلب كُلِّ واحدٍ منهم" (^٢).
• قال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀: "ينبغي للإنسان أن يستتر بستر الله ﷿ وأن يحمد الله على العافية وأن يتوب فيما بينه وبين ربه من المعاصي التي قام بها وإذا تاب إلى الله وأناب إلى الله ستره الله في الدنيا والآخرة" (^٣).
المطلب السادس: التوحيد موجب لحمد الله والثناء عليه.
• قال تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: الآية: ٧٠].
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "وقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ يقول تعالى ذكره: وربك يا محمد، المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له، ولا معبود تجوز عبادته غيره ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الأولَى﴾ يعني: في الدنيا ﴿وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ﴾ يقول: وله القضاء بين خلقه ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ يقول: وإليه تردون من بعد مماتكم، فيقضي بينكم بالحقّ" (^٤).
• وقال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: " ﴿وهو الله لا إله إلا هو له
_________________
(١) الفتاوى الكبرى (٥/ ٢٢٥).
(٢) مدارج السالكين" (١/ ٣٠٧).
(٣) شرح رياض الصالحين ٣/ ١٧.
(٤) تفسير الطبري (سورة القصص. الآية: ٧٠).
[ ٤١٥ ]
الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون﴾ تقدم معناه، وأنه المنفرد بالوحدانية، لأن جميع المحامد، إنما تجب له وأن لا حكم إلا له وإليه المصير" (^١).
• وقال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: "وقوله: ﴿وهو الله لا إله إلا هو﴾ أي: هو المنفرد بالإلهية، فلا معبود سواه، كما لا رب يخلق ويختار سواه ﴿له الحمد في الأولى والآخرة﴾ أي: في جميع ما يفعله هو المحمود عليه، لعدله وحكمته ﴿وله الحكم﴾ أي: الذي لا معقب له، لقهره وغلبته وحكمته ورحمته، ﴿وإليه ترجعون﴾ أي: جميعكم يوم القيامة فيجازي كل عامل بعمله، من خير وشر، ولا يخفى عليه منهم خافية في سائر الأعمال" (^٢).
• قال تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: الآية: ٦٥].
• عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄-قال: من قال: "لا إله إلا الله" فليقل على أثرها: "الحمد لله رب العالمين" فذلك قوله تعالى: ﴿فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين﴾ " (^٣).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: كان جماعة من أهل العلم يأمرون من قال: "لا إله إلا الله" أن يتبعها ب "الحمد لله رب العالمين"، عملا بهذه الآية" (^٤).
_________________
(١) تفسير القرطبي (سورة القصص. الآية: ٧٠).
(٢) تفسير ابن كثير (سورة القصص. الآية: ٧٠).
(٣) تفسير ابن كثير (سورة غافر الآية: ٦٥)، تفسير ابن عطية (سورة غافر. الآية: ٦٥)؛ ٤/ ٥٦٧.
(٤) تفسير الطبري (سورة غافر الآية: ٦٥).
[ ٤١٦ ]
• قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "وقال نحو هذا سعيد بن جبير (ت: ٩٥ هـ) ثم قرأ هذه الآية" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "ففي لا إله إلا الله إثبات محامده، فإنها كلها داخلة في إثبات إلهيته" (^٢).
• قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: " ﴿هو الحي لا إله إلا هو﴾ أي: هو الحي أزلا وأبد، لم يزل ولا يزال، وهو الأول والآخر، والظاهر والباطن، ﴿لا إله إلا هو﴾ أي: لا نظير له ولا عديل له، ﴿فادعوه مخلصين له الدين﴾ أي: موحدين له مقرين بأنه لا إله إلا هو ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ (^٣).
• قال محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفورى (ت ١٣٥٣ هـ) ﵀: "اعلم أن لإجابة الدعاء شروطا منها الإخلاص لقوله تعالى ﴿فادعوا الله مخلصين له الدين﴾ [غافر: الآية: ٦٥] " (^٤).
المطلب السابع: التوحيد تثبيت لإلهية الحق في قلب المؤمن.
• قال-تعالى-: ﴿قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم﴾ [الأنعام: الآية: ١٤].
_________________
(١) تفسير ابن عطية (سورة غافر. الآية: ٦٥)؛ ٤/ ٥٦٧.
(٢) الفتاوى الكبرى ٥/ ٢٢٩ - ٢٣٠؛ مجموع الفتاوى ١٥/ ٢٥٣.
(٣) تفسير ابن كثير (سورة غافر الآية: ٦٥).
(٤) تحفة الأحوذي في شرح سنن الترمذي ٩/ ٢٢٨.
[ ٤١٧ ]
• قال-تعالى-: ﴿أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا﴾ [الأنعام: الآية: ١١٤].
• قال-تعالى-: ﴿أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون-ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين - بل الله فاعبد وكن من الشاكرين﴾ [الزمر: الآيات: ٦٤ - ٦٦].
• قال-تعالى-: ﴿قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين - قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين - لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين - قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها﴾ [الأنعام: الآيات: ١٦١ - ١٦٤]
• وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه كان يقول: إذا قام يصلي من الليل، وقد روي أنه كان يقوله بعد التكبير: «اللهم لك الحمد أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق، وقولك الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت; فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "التوحيد مقرون بالبقاء، وهو أن تثبت إلهية الحق في قلبك، وتنفي إلهية ما سواه، فتجمع بين النفي والإثبات، فتقول: لا إله إلا الله، فالنفي هو الفناء، والإثبات هو البقاء. وحقيقته أن تفنى بعبادته عما سواه، ومحبته عن محبة ما سواه، وبخشيته عن خشية ما سواه، وبطاعته عن طاعة ما سواه، وبموالاته عن موالاة ما سواه، وبسؤاله عن سؤال ما سواه، وبالاستعاذة به عن الاستعاذة بما سواه، وبالتوكل عليه عن التوكل على ما سواه، وبالتفويض إليه عن التفويض إلى ما سواه، وبالإنابة إليه عن الإنابة إلى ما سواه، وبالتحاكم إليه
_________________
(١) البخاري ٢/ ٤٨ - ٤٩. مسلم ١/ ٥٣٢ - ٥٣٤.
[ ٤١٨ ]
عن التحاكم إلى ما سواه، وبالتخاصم إليه عن التخاصم إلى ما سواه" (^١).
المطلب الثامن: كلمة التوحيد من الباقيات الصالحات.
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والباقيات الصالحات نوعان:
فسبحان الله وبحمده فيها الشكر والتنزيه والتعظيم، ولا إله إلا الله والله أكبر فيها التوحيد والتكبير" (^٢).
المطلب التاسع: كلمة التوحيد كان النبي ﷺ يدعو بها عند الكرب.
• عن عبد الله بن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄-قال: "إنَّ نبيَّ اللهِ-ﷺ-كان يقولُ عند الكربِ: «لا إله إلا الله العظيمُ الحليمُ، لا إله إلا الله ربُّ العرشِ العظيمُ، لا إله إلا اللهُ ربُّ السمواتِ وربُّ الأرضِ وربُّ العرشِ الكريمُ» " (^٣).
المطلب العاشر: التوحيد مقرون بالتكبير.
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وأما التهليل فهو قرين التكبير كما في كلمات الأذان: الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد
_________________
(١) منهاج السنة ٥/ ٣٤٧ - ٣٤٩.
(٢) مجموع الفتاوى ٨/ ٢١٢.
(٣) صحيح مسلم: ٢٧٣٠.
[ ٤١٩ ]
أن محمدا رسول الله ثم بعد دعاء العباد إلى الصلاة: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله فهو مشتمل على التكبير والتشهد أوله وآخره. وهو ذكر لله تعالى وفي وسطه دعاء الخلق إلى الصلاة والفلاح. فالصلاة هي العمل. والفلاح هو ثواب العمل لكن جعل التكبير شفعا والتشهد وترا فمع كل تكبيرتين شهادة؛ وجعل أوله مضاعفا على آخره ففي أول الأذان يكبر أربعا ويتشهد مرتين والشهادتان جميعا باسم الشهادة وفي آخره التكبير مرتان فقط مع التهليل الذي لم يقترن به لفظ الشهادة ولا الشهادة الأخرى. وهذا والله أعلم بمنزلة الركعتين الأوليين من الصلاة مع الركعتين الأخريين فإن الأوليين فضلتا بقراءة السورة وبالجهر في القراءة فحصل الفضل في قدر القراءة ووصفها كما أن الشطر الأول من الأذان فضل في قدر الذكر وفي وصفه لكن الوصف هنا كون التوحيد قرن به لفظ أشهد ولهذا حذف في الإقامة عند من يختار إيتارها وهي إقامة بلال ما فضل به من القدر كما يخفض من صوت الإقامة لأن هذا المزيد من جنس الأصل فأشبه حذف الركعتين الأخريين في صلاة المسافر. وأما الكلمات الأصول فلم يحذف منها شيء. وهكذا سنة النبي ﷺ في قيام الليل وصلاة الكسوف وغيرهما تطويل أول العبادة على آخرها؛ لأسباب تقتضي ذلك. وكما جمع بين التكبير والتهليل في الأذان جمع بينهما في تكبير الأشراف فكان على الصفا والمروة وإذا علا شرفا في غزوة أو حجة أو عمرة يكبر ثلاثا. ويقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده» (^١)، يفعل ذلك ثلاثا. وهذا في الصحاح وكذلك على الدابة كبر ثلاثا وهلل
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤٥٤٩)، والنسائي (٤٧٩٩)، وابن ماجه (٢٦٢٨).
[ ٤٢٠ ]
ثلاثا فجمع بين التكبير والتهليل. وكذلك حديث عدي بن حاتم (ت: بين ٦٦ - ٦٩ هـ) ﵁ الذي رواه أحمد والترمذي فيه أن النبي ﷺ قال له: «يا عدي ما يفرك؟ أيفرك أن يقال: لا إله إلا الله فهل تعلم من لا إله إلا الله؟ يا عدي ما يفرك أيفرك أن يقال: الله أكبر؟ فهل من شيء أكبر من الله» (^١)، فقرن النبي ﷺ بين التهليل والتكبير.
وفي صحيح مسلم حديث أبي مالك الأشعري (ت: ١٨ هـ) ﵁-عن النبي-ﷺ-أنه قال: «الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله والحمد لله تملآن أو قال تملأ ما بين السماء والأرض والصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء والقرآن حجة لك أو عليك كل الناس يغدو: فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها» (^٢)، فأخبر أنه يملأ ما بين السماء والأرض وهذا أعظم من ملئه للميزان. وفي الحديث الذي في الموطأ حديث طلحة بن عبد الله بن كريز (ت: ٣٦ هـ) ﵁-أن النبي-ﷺ-قال: «أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» (^٣). فجمع في هذا الحديث بين " أفضل الدعاء وأفضل الثناء فإن الذكر نوعان: دعاء وثناء فقال: أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة. وأفضل ما قلت هذا الكلام ". ولم يقل أفضل ما قلت يوم عرفة هذا الكلام. وإنما هو أفضل ما قلت مطلقا.
وكذلك في حديث رواه ابن أبي الدنيا (ت: ٢٨١ هـ) ﵀ «أفضل
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٩٥٣).
(٢) صحيح مسلم: (٢٢٣).
(٣) أخرجه الترمذي (٥٠٠)، وأحمد (٦٩٦١)، ومالك في الموطأ (٩٤٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨٤٧٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٠٧٢).
[ ٤٢١ ]
الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله» (^١).
وأيضا ففي الصحيح عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁-عن النبي-ﷺ-أنه قال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة: أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» (^٢)، فقد صرح بأن أعلى شعب الإيمان هي هذه الكلمة. وأيضا ففي صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: «يا أبي: أتدري أي آية في كتاب الله أعظم؟»، قال: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ [البقرة: الآية: ٢٥٥]، فقال رسول الله-ﷺ: «ليهنك العلم أبا المنذر» (^٣)، فأخبر في هذا الحديث الصحيح أنها أعظم آية في القرآن وفي ذاك أنها أعلى شعب الإيمان وهذا غاية الفضل فإن الأمر كله مجتمع في القرآن والإيمان فإذا كانت أعظم القرآن وأعلى الإيمان ثبت لها غاية الرجحان. وأيضا فإن التوحيد أصل الإيمان وهو الكلام الفارق بين أهل الجنة وأهل النار وهو ثمن الجنة ولا يصح إسلام أحد إلا به ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة وكل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء فمنزلته منزلة الأصل ومنزلة التحميد والتسبيح منزلة الفرع. وأيضا فإنه مشروع على وجه التعظيم والجهر وعند الأمور العظيمة مثل الأذان الذي ترفع به الأصوات وعند الصعود على الأماكن العالية لما في ذلك من العلو والرفعة ويجهر بالتكبير في الصلوات وهو المشروع في الأعياد" (^٤).
_________________
(١) سنن الترمذي (٣٣٨٣) وحسنه، وابن ماجة (٣٨٠٠)، وابن حبان (٨٤٦)، والحاكم (١٨٣٤)، والنسائي في "السنن الكبرى" (١٠٥٩٩)، وحسنه الألباني في "صحيح الترمذي".
(٢) أخرجه البخاري (٩) ومسلم (٣٥) (٥٨) واللفظ له من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) أخرجه مسلم (٨١٠).
(٤) مجموع الفتاوى ٢٤/ ٢٣٢ - ٢٣٥.
[ ٤٢٢ ]
المطلب الحادي عشر: التوحيد مقرون بالتحميد.
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وفي حديث أبي سعيد «الحمد رأس الشكر والتوحيد»، كما جمع بينهما في أم القرآن. فأولها تحميد وأوسطها: توحيد وآخرها: دعاء. وكما في قوله: ﴿هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين﴾ [غافر: الآية: ٦٥]. وفي حديث الموطأ «أفضل ما قلت. أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد. وهو على كل شيء قدير. من قالها: كتب الله له ألف حسنة. وحط عنه ألف سيئة وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك. ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل قال مثلها أو زاد عليه. ومن قال في يوم مائة مرة: سبحان الله وبحمده حطت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر» (^١). وفضائل هذه الكلمات في أحاديث كثيرة: وفيها: التوحيد والتحميد. فقوله ﴿لا إله إلا الله وحده لا شريك له﴾ توحيد. وقوله ﴿له الملك وله الحمد﴾ تحميد. وفيها معان أخرى شريفة. وقد جاء الجمع بين التوحيد والتحميد والاستغفار في مواضع مثل حديث كفارة المجلس «سبحانك اللهم وبحمدك. أشهد أن لا إله إلا أنت. أستغفرك وأتوب إليك» فيه: التسبيح والتحميد والتوحيد والاستغفار. من قالها في مجلس إن كان مجلس لغط كانت كفارة له وإن كان مجلس ذكر: كانت كالطابع له. وفي حديث أيضا "إن هذا يقال
_________________
(١) رواه مالك في الموطأ ١/ ٤٢٢ وقال الألباني: وهذا إسناد مرسل صحيح، وقد وصله ابن عدي والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة مرفوعا. انظر الصحيحة (١٥٠٣).
[ ٤٢٣ ]
عقب الوضوء". ففي الحديث الصحيح في مسلم وغيره من حديث عقبة عن عمر بن الخطّاب (ت: ٢٣ هـ) ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ «ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية. يدخل من أيها شاء»، وفي حديث آخر أنه يقول «سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك». وقد روي عن طائفة من السلف في الكلمات التي تلقاها آدم من ربه نحو هذه الكلمات. روى ابن جرير (ت: ٣١٠ هـ) ﵀، عن مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀، أنه قال "اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك. رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي. إنك خير الغافرين. اللهم لا إله إلا أنت. سبحانك وبحمدك. رب إني ظلمت نفسي فارحمني. فأنت خير الراحمين. لا إله إلا أنت. سبحانك وبحمدك. رب إني ظلمت نفسي فتب علي. إنك أنت التواب الرحيم" فهذه الكلمات من جنس خاتمة الوضوء. وخاتمة الوضوء: فيها التسبيح والتحميد والتوحيد والاستغفار. فالتسبيح والتحميد والتوحيد لله. فإنه لا يأتي بالحسنات إلا هو. والاستغفار من ذنوب النفس التي منها تأتي السيئات" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والحمد إنما يتم بالتوحيد، وهو مناط للتوحيد، ومقدمة له ولهذا يفتتح به الكلام، ويثنى بالتشهد، وكل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم، وكل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء" (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فإذا قيل: "لا إله إلا الله"؛
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٤/ ٤١٨ - ٤٢٠.
(٢) قاعدة حسنة في الباقيات الصالحات. ص ٤١.
[ ٤٢٤ ]
تضمنت هذه الكلمة إثبات جميع المحامد، وأنه ليس له فيها نظير؛ إذ هو إله، لا إله إلا هو، والشرك كله: إثبات نظير لله ﷿" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ولما كان حمده والثناء عليه وتمجيده هو مقصود الصلاة التي هي عماد اإسلام ورأس الطاعات شرع في أولها ووسطها وآخرها وجميع أركانها؛ ففي دعاء الاستفتاح يحمد ويثنى عليه ويمجد، وفي ركن القراءة يحمد ويثنى عليه ويمجد، وفي الركوع يثنى عليه بالتسبيح والتعظيم، وبعد رفع الرأس منه يحمد ويثنى عليه ويمجد كما كان النبي ﷺ يقول: "ربنا ولك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد" (^٢)، وفي السجود يثنى عليه بالتسبيح المتضمن لكماله المقدس والعلو المتضمن لمباينته لخلقه وفي التشهد يثنى عليه بأطيب الثناء من التحيات ويختم ذلك بذكر حمده ومجده" (^٣).
المطلب الثاني عشر: التوحيد والاستغفار بهما يكمل الدين.
• قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَم انه لاإله إِلَّا الله واستغفر لذنبك وَلِلْمُؤْمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات﴾ [محمد: الآية: ١٩].
• قال تعالى: ﴿وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه﴾ [هود: الآية: ٣].
_________________
(١) قاعدة حسنة في الباقيات الصالحات. ص ٤٧.
(٢) أخرجه مسلم (٤٧٨).
(٣) الصواعق المرسلة ٤/ ١٤٧٤ - ١٤٧٥.
[ ٤٢٥ ]
• قال تعالى: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه﴾ [فصلت: الآية: ٦].
• قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ. وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ. أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: الآيات: ١٣٣ - ١٣٦].
• عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄ أن رسول الله-ﷺ-كان يقول: «اللهم لك أسلمت، وبك آمنت وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت. اللهم إني أعوذ بعزتك، لا إله إلا أنت؛ أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون» (^١).
• عن عمر بن الخطّاب (ت: ٢٣ هـ) ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما منكم من أحدٍ يتوضَّأُ، فيُحسنُ الوضوءَ، ثم يقولُ: أشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريكَ له، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه اللهم اجعلْني من التوابين، واجعلني من المتطهِّرين، إلا فُتِحَتْ له أبوابُ الجنَّةِ الثمانيةُ، يدخلُ من أيِّها شاء» (^٢).
• عن أبي برزة الأسلمي (ت: ٦٤ هـ) ﵁: كان رسول الله ﷺ بآخرة إذا طال المجلس فقام قال: «سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٧١٧).
(٢) أخرجه مسلم (٢٣٤)، وأبو داود (١٦٩)، والترمذي (٥٥) واللفظ له، والنسائي (١٤٨)، وابن ماجه (٤٧٠)، وأحمد (١٢١)
[ ٤٢٦ ]
أنت، أستغفرك وأتوب إليك»، فقال له بعضنا: إن هذا قول ما كنا نسمعه منك فيما خلا، فقال رسول الله ﷺ: «هو كفارة ما يكون في المجلس» (^١).
• عن شداد بن أوس (ت: ٥٨ هـ) ﵁، أن النبي ﷺ قال: «سيد الاستغفار: اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء لك بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، أعوذ بك من شر ما صنعت. إذا قال حين يمسي فمات دخل الجنة - أو: كان من أهل الجنة - وإذا قال حين يصبح فمات من يومه مثله» (^٢).
• قال شعيب بن أبي حمزة (ت: ١٦٢ هـ) ﵀: "جمع ﷺ في هذا الحديث من بديع المعاني وحسن الألفاظ، ما يحق له أن يسمى "سيد الاستغفار" ففيه الإقرار لله وحده بالإلهية والعبودية، والاعتراف بأنه الخالق، والإقرار بالعهد الذي أخذه عليه، والرجاء بما وعده به، والاستعاذة من شر ما جنى العبد على نفسه وإضافة النعماء إلى موجدها، وإضافة الذنب إلى نفسه، ورغبته في المغفرة، واعترافه بأنه لا يقدر أحد على ذلك إلا هو.
وقال أيضا: ويظهر أن اللفظ المذكور إنما يكون " سيد الاستغفار "، إذا جمع صحة النية والتوجه والأدب" (^٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀"التوحيد هو جماع الدين الذي هو أصله وفرعه ولبه، وهو الخير كله، والاستغفار يزيل الشر كله، فأبلغ
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤٨٥٩)، والنسائي في «السنن الكبرى» (١٠٢٥٩)، وأحمد (١٩٧٦٩) واللفظ له.
(٢) أخرجه البخاري (٦٣٢٣).
(٣) فيض القدير ٤/ ١٢٠.
[ ٤٢٧ ]
الثناء قول لا إله إلا الله، وأبلغ الدعاء استغفر الله" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "الاسْتِغْفَار والتوحيد بهما يكمل الدَّين كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَم انه لاإله إِلَّا الله واستغفر لذنبك وَلِلْمُؤْمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات﴾ [محمد: الآية: ١٩] " (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وقد قرن الله في كتابه بين التوحيد والاستغفار في غير موضع كقوله ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾ [محمد: الآية: ١٩]، وفي قوله ﴿ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير - وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه﴾ [هود: الآيات: ٢ - ٣]، وفي قوله: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه﴾ [فصلت: الآية: ٦] " (^٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "رتب اقتران الاستغفار بالتوحيد في غير موضع كقوله: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك﴾ [محمد: الآية: ١٩]، وقوله: ﴿ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير وأن استغفروا ربكم﴾ [هود: الآيات: ٢ - ٣]، وقوله: ﴿فاستقيموا إليه واستغفروه﴾ [فصلت: الآية: ٦] " (^٤).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "إذا اجتهد الإنسان، واستعان بالله، ولازم الاستغفار والاجتهاد، فلابُدَّ أن يُؤتيه الله من فضله ما لم يخطر ببال " (^٥).
_________________
(١) جامع المسائل ١/ ٢٧٤.
(٢) جامع الرسائل لابن تيمية ٢/ ٢٨٦.
(٣) مجموع الفتاوى ١٤/ ٤٢٠.
(٤) مجموع الفتاوى ٢٤/ ٢٤١.
(٥) مجموع الفتاوى ١١/ ٣٩٠.
[ ٤٢٨ ]
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فمن أحس بتقصير في قوله أو عمله أو حاله أو رزقه أو تقلب قلب؛ فعليه بالتوحيد والاستغفار ففيهما الشفاء إذا كانا بصدق وإخلاص" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "الاستغفار يخرج العبد من الفعل المكروه، إلى الفعل المحبوب من العمل الناقص إلى العمل التام ويرفع العبد من المقام الأدنى إلى الأعلى منه والأكمل؛ فإن العابد لله والعارف بالله في كل يوم بل في كل ساعة بل في كل لحظة يزداد علما بالله. وبصيرة في دينه وعبوديته بحيث يجد ذلك في طعامه وشرابه ونومه ويقظته وقوله وفعله ويرى تقصيره في حضور قلبه في المقامات العالية وإعطائها حقها فهو يحتاج إلى الاستغفار آناء الليل وأطراف النهار؛ بل هو مضطر إليه دائما في الأقوال والأحوال في الغوائب والمشاهد لما فيه من المصالح وجلب الخيرات ودفع المضرات وطلب الزيادة في القوة في الأعمال القلبية والبدنية اليقينية الإيمانية. وقد ثبتت: دائرة الاستغفار بين أهل التوحيد واقترانها بشهادة أن لا إله إلا الله من أولهم إلى آخرهم ومن آخرهم إلى أولهم ومن الأعلى إلى الأدنى. وشمول دائرة التوحيد والاستغفار للخلق كلهم وهم فيها درجات عند الله ولكل عامل مقام معلوم. فشهادة أن لا إله إلا الله بصدق ويقين تذهب الشرك كله دقه وجله خطأه وعمده أوله وآخره؛ سره وعلانيته وتأتي على جميع صفاته وخفاياه ودقائقه. والاستغفار يمحو ما بقي من عثراته ويمحو الذنب الذي هو من شعب الشرك فإن الذنوب كلها من شعب الشرك. فالتوحيد يذهب أصل الشرك والاستغفار يمحو فروعه فأبلغ الثناء قول: لا إله إلا الله وأبلغ
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١١/ ٦٩٨).
[ ٤٢٩ ]
الدعاء قول: أستغفر الله. فأمره بالتوحيد والاستغفار لنفسه ولإخوانه من المؤمنين" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀-في التعليق على حديث سيد الاستغفار: "تضمن هذا الاستغفار الاعتراف من العبد بربوبية الله وإلهيته وتوحيده، والاعتراف بأن خالفه العالم به، إذ أنشأه نشأة تستلزم عجزه عن أداء حقه وتقصيره فيه، والاعتراف بأنه عبده، الذي ناصيته بيده وفي قبضته، لا مهرب له منه، ولا ولي له سواه، ثم التزام الدخول تحت عهده، وهو أمره ونهيه، الذي عهده إليه على لسان رسوله، وأن ذلك بحسب استطاعتي، لا بحسب اداء حقك، فإنه غير مقدور للبشر، وإنما هو جهد المقل، وقدر الاستطاعة، ومع ذلك فأنا مصدقٌ لوعدك الذي وعدته لأهل طاعتك بالثواب، ولأهل معصيتك بالعقاب، فأنا مقيمٌ على عهدك، مصدقٌ بوعدك.
ثم أفزع إلى الاستعاذة والاعتصام بك من شر ما فرطت فيه من أمرك ونهيك، فإنك إن لم تعذني من شره، وإلا أحاطت بي الهالكة، فإن إضاعة حقك سبب الهلاك، وأنا أقر لك وألتزم بنعمتك علي، وأقر وألتزم وأبخع (^٢)، بذنبي، فمنك النعمة والإحسان والفضل، ومني الذنب والإساءة، فأسألك أن تغفر لي، بمحو ذنبي، وأن تعفيني من شره، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فلهذا كان هذا الدعاء، سيد الاستغفار، وهو متضمنٌ لمعنى العبودية " (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ما يحتاج العبد إلى الاستغفار
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١١/ ٦٩٦ - ٦٩٧ ..
(٢) (بَخَعَ له بَخعًا وبُخُوعًا وبَخَاعَةً): تذلل له وأطاع وأقر.
(٣) مدارج السالكين ١/ ٢٢١ - ٢٢٢.
[ ٤٣٠ ]
منه مما لا يعلمه أضعاف أضعاف ما يعلمه فما سلط عليه مؤذ إلا بذنب" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فالتوحيد يدخل العبد على الله-عزوجل-، والاستغفار والتوبة يرفع المانع ويزيل الحجاب الذي يحجب القلب عن الوصول إليه، فإذا وصل القلب إليه، زال همه وغمه وحزنه" (^٢).
• قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "التوحيد أعظم الأسباب التي يستجلب بها المغفرة وعدمه مانع من المغفرة بالكلية وفي الحديث: «ابن آدم إن جئتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لقيتك بقرابها مغفرة» (^٣) " (^٤).
المطلب الثالث عشر: التوحيد شرط في قبول الاستغفار.
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "من خصائص التوحيد، فإن المكلف لا ينفعه توحيد غيره عنه، ولا ينجيه ذلك من عذاب الله ﷿، بل لا ينجيه إلا توحيد نفسه، ولا ينفعه مع عدم التوحيد الاستغفار عنه، بل لا ينفعه إلا استغفاره الذي تضمن توحيده وتوبته من الشرك. فصار الاستغفار مقرونا بالتوحيد من بداية، لا تقبل النيابة فيه ولا يهدى إلى الغير إلا إذا أتى هو به، فإذا كان هو من أهل ذلك نفعه حينئذ ما يريده
_________________
(١) بدائع الفوائد ٢/ ٢٤١.
(٢) شفاء العليل ص ٤٥٤.
(٣) أخرجه الترمذي (٣٥٤٠) واللفظ له، وأحمد (١٣٤٩٣) مختصرًا بمعناه.
(٤) كتاب شرح حديث لبيك اللهم لبيك لابن رجب ص: ١٣٤.
[ ٤٣١ ]
غيره من ذلك، بخلاف الأعمال والأدعية التي تفعل عن الغير وتهدى له وإن لم يأت بأصلها.
وإنما كان الاستغفار هو النهاية من العبد لأن الذنب لازم لجميع بني آدم، وإنما كمال المؤمنين من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في التوبة من الذنب والاستغفار، كما قال تعالى: ﴿إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الأنسان إنه كان ظلوما جهولا﴾ [الأحزاب: الآية: ٧٢] إلى آخر السورة. وقد أخبر تعالى أنه يبدل سيئات التائب حسنات، وأنه يفرح بتوبة العبد أشد فرح يقدر" (^١).
المطلب الرابع عشر: كلمة التوحيد من أحب الكلام إلى الله.
• عن سمرةَ بن جندب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أحبُّ الكلامِ إلى اللهِ أربعٌ: سبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إله إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ، لا يضرُّك بأيِّهنَّ بدأتَ» (^٢).
_________________
(١) جامع المسائل ١/ ٢٧٧ - ٢٧٨.
(٢) (صحيح مسلم: ٢١٣٧).
[ ٤٣٢ ]
المبحث الرابع: محاسن التوحيد على الموحد من جهة ما ينعكس عليه.
المطلب الأول: إن الله يدفع عن الموحدين أهل الإيمان شرور الدنيا والآخرة.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج: الآية: ٣٨].
قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: "يخبر تعالى أنه يدفع عن عباده الذين توكلوا عليه وأنابوا إليه شر الأشرار وكيد الفجار، ويحفظهم ويكلؤهم وينصرهم، كما قال تعالى: ﴿أليس الله بكاف عبده﴾ [الزمر: الآية: ٣٦] وقال: ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا﴾ [الطلاق: الآية: ٣] " (^١).
قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: "يدفع غائلة المشركين عن المؤمنين ويمنعهم عن المؤمنين. ﴿إن الله لا يحب كل خوان كفور﴾ أي: خوان في أمانة الله كفور لنعمته، قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: "خانوا الله فجعلوا معه شريكا وكفروا نعمه" (^٢).
_________________
(١) تفسير ابن كثير (سورة الحج: الآية: ٣٨).
(٢) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الحج: الآية: ٣٨).
[ ٤٣٣ ]
المطلب الثاني: تحقيق كلمة التوحيد يوجب عتق الرقاب، وعتق الرقاب يوجب العتق من النار.
• عَنْ أَبِي أَيُّوبٍ الأَنْصَارِيّ (ت: ٥٠ هـ) ﵁، عَنْ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، عَشْرَ مِرَارٍ كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ» (^١).
• عن أنس (ت: ٩٠ هـ) ﵁، عن النبي ﷺ قال: «من قال حين يصبح أو يمسي: اللهم أني أصبحت أشهدك وأشهد حملة عرشك وملائكتك وجميع خلقك أنك أنت الله لا إله إلا أنت وأن محمدا عبدك ورسولك أعتق الله ربعه من النار ومن قالها مرتين أعتق الله نصفه من النار ومن قالها ثلاث مرات أعتق الله ثلاثة أرباعه ومن قالها أربع مرار أعتقه الله من النار» (^٢) " (^٣).
_________________
(١) رواه البخاري (٦٤٠٤)، ومسلم (٢٦٩٣).
(٢) رواه أبو داود (٥٠٦٩)، وضعفه الألباني في "ضعيف أبي داود". وقد روي الحديث بلفظ: «مَنْ قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أُشْهِدُكَ وَأُشْهِدُ مَلَائِكَتَكَ وَحَمَلَةَ عَرْشِكَ، وَأُشْهِدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ، أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، مَنْ قَالَهَا مَرَّةً أَعْتَقَ اللَّهُ ثُلُثَهُ مِنَ النَّارِ، وَمَنْ قَالَهَا مَرَّتَيْنِ أَعْتَقَ اللَّهُ ثُلُثَيْهِ مِنَ النَّارِ، وَمَنْ قَالَهَا ثَلَاثًا أَعْتَقَ اللَّهُ كُلَّهُ مِنَ النَّارِ» رواه الحاكم (١٩٢٠) وصححه بهذا اللفظ، وبدون التقييد بالصباح والمساء؛ وينظر: "السلسلة الصحيحة" (٢٦٧).
(٣) انتهى من "لطائف المعارف" (ص ٢٨٣).
[ ٤٣٤ ]
• عن سلمان الفارسي (ت: ٣٣ هـ) ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «من قال: اللهم إني أشهدك، وأشهد ملائكتك وحملة عرشك، وأشهد من في السماوات ومن في الأرض، أنك أنت الله لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأشهد أن محمدا عبدك ورسولك. من قالها مرة أعتق الله ثلثه من النار، ومن قالها مرتين أعتق ثلثيه من النار، ومن قالها ثلاثا أعتقه الله كله من النار» (^١).
• عن أبي الدرداء (ت: مابين ٣٢ - ٣٨ هـ) ﵁، عن النبي ﷺ قال: «من قال: لا اله إلا الله، والله أكبر، أعتق الله ربعه من النار، ولا يقولها اثنتين إلا عتق الله شطره من النار، وإن قالها أربعا أعتقه الله من النار» (^٢).
• قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "فمن طمع في العتق من النار ومغفرة ذنوبه في يوم عرفة فليحافظ على الأسباب التى يرجى بها العتق والمغفرة فمنها الإكثار من شهادة التوحيد بإخلاص وصدق فإنها أصل دين الإسلام الذي أكلمه الله تعالى في ذلك اليوم وأساسه، فتحقيق كلمة التوحيد يوجب عتق الرقاب، وعتق الرقاب يوجب العتق من النار، كما ثبت في الصحيح: أن «من قالها مائة مرة كان له عدل عشر رقاب» (^٣) " (^٤).
_________________
(١) رواه الحاكم في المستدرك، كتاب الدعاء والتكبير والتهليل والتسبيح والذكر، (١/ ٧٠٤) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في التلخيص.
(٢) قال الهيثمي في المجمع - كتاب الأذكار، باب ما جاء في لا اله إلا الله والله أكبر- (١٠/ ٧٢): رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيهما: أبو بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف.
(٣) رواه البخاري (٣٢٩٣) ومسلم (٢٦٩١).
(٤) لطائف المعارف لابن رجب ص ٢٨٣.
[ ٤٣٥ ]
المطلب الثالث: توحيد الله مكتوب في قلب المؤمن لا يتطرق إليه محو ولا إزالة.
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "قلب المؤمن توحيد الله وذكر رسوله مكتوبان فيه لا يتطرق إليهما محو ولا إزالة ولما كانت كثرة ذكر الشيء موجبة لدوام محبته ونسيانه سببا لزوال محبته أو اضعافها وكان سبحانه هو المستحق من عباده نهاية الحب مع نهاية التعظيم بل الشرك الذي لا يغفره الله تعالى هو أن يشرك به في الحب والتعظيم فيحب غيره ويعظم من المخلوقات غيره كما يحب الله تعالى ويعظمه قال تعالى ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله﴾ [البقرة: الآية: ١٦٥] فأخبر سبحانه أن المشرك يحب الند كما يحب الله تعالى وأن المؤمن أشد حبا لله من كل شيء وقال أهل النار في النار ﴿تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين﴾ [الشعراء: الآيات: ٩٧ - ٩٨] ومن المعلوم أنهم إنما سووهم به سبحانه في الحب والتأله والعبادة وإلا فلم يقل أحد قط إن الصنم أو غيره من الأنداد مساو لرب العالمين في صفاته وفي أفعاله وفي خلق السماوات والأرض وفي خلق عباده أيضا وإنما كانت السوية في المحبة والعبادة" (^١).
• قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "رقة القلوب تنشأ عن الذكر فإن ذكر الله يوجب خشوع القلب وصلاحه ورقته ويذهب الغفلة عنه" (^٢).
• قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "كانت مجالس النبي ﷺ مع
_________________
(١) جلاء الأفهام ص: ٤٤٨ - ٤٤٩.
(٢) لطائف المعارف ١/ ١٣.
[ ٤٣٦ ]
أصحابه عامتها مجالس تذكير بالله وترغيب وترهيب إما بتلاوة القرآن أو بما آتاه الله من الحكمة" (^١).
• قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "خلفاء الرسل هم الذين قال فيهم علي ﵁: "صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالملأ الأعلى" (^٢).
المطلب الرابع: التوحيد سبب لامتحان الإنسان للدخول في أحكام الإسلام الدنيوية.
• قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَا أَنفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الممتحنة: الآية: ١٠].
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ)، قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ … إلى قوله: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ كان امتحانهن أن يشهدن أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله" (^٣).
• قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "قال ابن عباس
_________________
(١) لطائف المعارف ١/ ١٣.
(٢) لطائف المعارف ١/ ١٦.
(٣) تفسير الطبري (سورة الممتحنة الآية ١٠).
[ ٤٣٧ ]
(ت: ٦٨ هـ) ﵄: الامتحان أن تطلب بأن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإذا فعلت ذلك لم ترد، فقال فريق منهم عائشة أم المؤمنين: الامتحان هو أن تعرض عليها الشروط التي في الآية بعد هذا من ترك الزنا والسرقة والبهتان والعصيان، فإذا أقرت بذلك فهو امتحان" (^١).
• قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: "واختلف فيما كان يمتحنهن به على ثلاثة أقوال:
الأول: قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: كانت المحنة أن تستحلف بالله أنها ما خرجت من بغض زوجها، ولا رغبة من أرض إلى أرض، ولا التماس دنيا، ولا عشقا لرجل منا؛ بل حبا لله ولرسوله. فإذا حلفت بالله الذي لا إله إلا هو على ذلك، أعطى النبي ﷺ زوجها مهرها وما أنفق عليها ولم يردها؛ فذلك قوله تعالى: ﴿فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن﴾.
الثاني: أن المحنة كانت أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؛ قاله ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) أيضا.
الثالث: بما بينه في السورة بعد من قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات﴾ قالت عائشة (ت: ٥٨ هـ) ﵂: ما كان رسول الله ﷺ يمتحن إلا بالآية التي قال الله: ﴿إذا جاءك المؤمنات يبايعنك﴾ رواه معمر عن الزهري عن عائشة. خرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح" (^٢).
_________________
(١) تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ٥/ ٢٩٧.
(٢) تفسير القرطبي (سورة الممتحنة الآية ١٠).
[ ٤٣٨ ]
المطلب الخامس: التوحيد يدعو الموحد لقبول الحق من كائن من كان.
كان معاذ بن جبل (ت: ١٨ هـ)، ﵁ يقول: "اقبلوا الحق من كل من جاء به، وإن كان كافرًا -أو قال فاجرًا-واحذروا زيغة الحكيم، قالوا: كيف نعلم أن الكافر يقول كلمة الحق؟
قال: إن على الحق نورًا" (^١).
المطلب السادس: أهل التوحيد هم المختصون بالدفاع عن كلمة التوحيد.
• قال علي بن خلف بن عبد الملك ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) ﵀: " إذا نزلت بأهل ذلك البلد مخافة. وفيه: أن وجوب ذلك لا يتعدى المسلمين، وليس على أهل الذمة بواجب؛ لأن المسلمين إنما يدافعون عن كلمة التوحيد، وليس على أهل الذمة بواجب؛ لأن المسلمين يدافعون عن أموالهم وذراريهم، ولصيانتها بذلوا لنا الجزية فعلينا حمايتهم والدفع عنهم" (^٢).
المطلب السابع: التوحيد أحد الهجرتين المتوجبتين على كل قلب.
قال محمد بن يعقوب الفيروزأبادي (ت: ٨١٧ هـ): "ولله على كل قلب هجرتان فرضا لازما:
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٦١١).
(٢) شرح صحيح البخاري لابن بطال ٥/ ٢٢١.
[ ٤٣٩ ]
هجرة إلى الله بالتوحيد والإخلاص والتوبة والحب والخوف والرجاء والعبودية.
وهجرة إلى رسوله بالتسليم له والتفويض والانقياد لحكمه، وتلقى أحكام الظاهر والباطن من مشكاته.
ومن لم يكن لقلبه هاتان الهجرتان فليحث على رأسه التراب، وليراجع الإيمان من أصله" (^١).
المطلب الثامن: التوحيد أهله قائمون به.
قال تعالى: ﴿والذين هم بشهاداتهم قائمون﴾ [المعارج: الآية: ٣٣].
قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ): "وقال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ): شهادتهم في هذه الآية: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له" (^٢).
وقال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ): "وقال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ): بشهاداتهم أن الله واحد لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله" (^٣).
وقال سهل التستري (ت: ٢٨٣ هـ): "قائمون بحفظ ما شهدوا به من شهادة أن لا إله إلا الله، فلا يقعدون عنها في شيء من الأفعال والأقوال والأحوال ولا يفترون" (^٤).
_________________
(١) بصائر ذوي التمييز ٢/ ٤٦٧.
(٢) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ٥/ ٣٦٩.
(٣) تفسير القرطبي (سورة المعارج: الآية: ٣٣).
(٤) تفسير التستري ص ١٧٨.
[ ٤٤٠ ]
المطلب التاسع: كلمة التوحيد ركن في شعار الإسلام الذي هو الأذان والإقامة وفي تشهد الصلاة وفي الخطب جميعها.
• قال علي بن خلف بن عبد الملك ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) ﵀: "فاختلف العلماء فى معنى هروبه-أي الشيطان-عند الأذان ولا يهرب من الصلاة وفيها قراءة القرآن، فقال المهلب: إنما يهرب، والله أعلم، من اتفاق الكل على الإعلان بشهادة التوحيد وإقامة الشريعة" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "الشهادتان ركنا في شعار الإسلام الذي هو الأذان والإقامة، وفي تشهد الصلاة التي هي عماد الدين، وفي الخطب جميعها قال-ﷺ-في الحديث الذي رواه أبو داود (^٢)، عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁، قال: قال رسول الله-ﷺ: «كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء». قال الترمذي: حديث حسن غريب.
وفي المسند (^٣)، في حديث الأسود أن الله قال له «﴿ورفعنا لك ذكرك﴾، فلا أذكر إلا ذكرت معي، ولا يصح لأمتك الخطبة والصلاة إلا بشهادة أنك عبدي ورسولي"»
_________________
(١) شرح صحيح البخاري لابن بطال ٢/ ٢٣٤.
(٢) أخرجه أبو داود برقم (٤٨٤١). وأخرجه أيضا أحمد (٢/ ٣٠٢، ٣٤٣) والترمذي (١١٠٦) وقال: هذا حديث حسن غريب. وصححه الألباني (٢٧٩٦، ٢٧٩٧).
(٣) لم أقف عليه في المسند، وأخرج الطبري في تفسيره (٢٤/ ٤٩٤، ٤٩٥) وابن حبان (٣٣٨٢) عن أبي سعيد الخدري نحوه، وإسناده ضعيف. وانظر الأحاديث والآثار الواردة في هذا الباب في: الدر المنثور (١٥/ ٤٩٧ - ٥٠٠).
[ ٤٤١ ]
وهي مشروعة عند انقضاء الطهارة، فمن قالها فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيهما شاء (^١).
والخطبة تعم خطب الجمع التي هي أعياد أهل الإسلام الأسبوعية، وتعم خطب الأعياد الحولية كعيد الفطر والأضحى، وخطب الحج، والخطب العارضة، مقرونة بالصلاة كخطبة الاستسقاء، أو مفردة عن الصلاة كخطب الأئمة والعلماء وذوي الحاجات في مخاطبة بعضهم بعضا في أمور الدين والدنيا، كما قال ابن مسعود (ت: ٣٢ هـ) ﵁-في الحديث الذي رواه أبو داود (^٢)، عن ابن مسعود (ت: ٣٢ هـ) ﵁-أن رسول الله ﷺ كان إذا تشهد قال: «الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئا».
وروى أحمد وأهل السنن (^٣)، عن رسول الله-ﷺ-خطبة الحاجة: «الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أني محمدا عبده ورسوله» ويقرأ ثلاث آيات ﴿اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ [آل عمران: الآية: ١٠٢].
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٣٤) عن عقبة بن عامر.
(٢) برقم (١٠٩٧). وفي إسناده عبد ربه بن أبي يزيد وأبو عياض المدني، وهما مجهولان. ولكن للحديث طرق يقوى بها. انظر "خطبة الحاجة" للألباني.
(٣) أخرجه أحمد (١/ ٣٩٢، ٣٩٣) والترمذي (١١٠٥) والنسائي (٣/ ١٠٤، ١٠٥، ٦/ ٨٩) وابن ماجه (١٨٩٢) عن ابن مسعود. وقال الترمذي: حديث حسن، وصححه الحاكم (٢/ ١٨٢، ١٨٣)، وهو كما قال.
[ ٤٤٢ ]
وهذه خطبة رسول الله ﷺ التي كان يخطب بها في الجمعة" (^١).
• قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "فأما رأس الأمر، ويعني بالأمر الدين الذي بعث به وهو الإسلام، وقد جاء تفسيره في الرواية الأخرى بالشهادتين، فمن لم يقر بهما ظاهرا وباطنا، فليس من الإسلام في شيء" (^٢).
المطلب العاشر: التوحيد إذا تم وكمل في القلب وتحقق تحققا كاملا بالإخلاص التام، فإنه يصير القليل من عمله كثيرًا
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "ومن فضائله التي لا يلحقه فيها شيء: أن التوحيد إذا تم وكمل في القلب وتحقق تحققا كاملا بالإخلاص التام، فإنه يصير القليل من عمله كثيرًا، وتضاعف أعماله وأقواله بغير حصر ولا حساب، ورجحت كلمة الإخلاص في ميزان العبد بحيث لا تقابلها السماوات والأرض وعمارها من جميع خلق الله، كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «قال موسى ﵇: يا رب علمني شيئا أذكرك وأدعوك به. قال: قل ياموسى لا إله إلا الله. قال: يا رب كل عبادك يقولون هذا. قال: يا موسى لو أنالسماوات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله فيكفة، مالت بهن لا إله إلا الله» " (^٣).
_________________
(١) جامع المسائل ٨/ ١٦٤ - ١٦٦.
(٢) جامع العلوم والحكم لابن رجب ٢/ ١٤٥.
(٣) رواه ابن حبان (موارد الظمآن) ص ٥٧٧ حديث رقم (٢٣٢٤). والحاكم (المستدرك) ١/ ٥٢٨ وقال: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه). وقالالذهبي: (صحيح وفي تصحيح إسناده نظر؛ لأنه من رواية دراج عن أبي الهيثموهي رواية متكلم فيها). قال ابن حجر (تقريب التهذيب) ١/ ٢٣٥: (صدوق فيحديثه عن أبي الهيثم ضعيف. اه.
[ ٤٤٣ ]
وفي حديث البطاقة التي فيها لا إله إلا الله التي وزنت تسعة وتسعين سجلا من الذنوب، كل سجل يبلغ مد البصر، وذلك لكمال إخلاص قائلها، وكم ممن يقولها لا تبلغ هذا المبلغ؛ لأنه لم يكن في قلبه من التوحيد والإخلاص الكامل مثل ولا قريب مما قام بقلب هذا العبد" (^١).
المطلب الحادي عشر: التوحيد أول ما يتم البدء به مع الأطفال في تعليمهم.
قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فإذا كان وقت نطقهم فليلقّنوا لا إله إلا الله محمد رسول الله وليكن أول ما يقرع مسامعهم معرفة الله سبحانه، وتوحيده، وأنه سبحانه فوق عرشه، ينظر إليهم، ويسمع كلامهم، وهو معهم أينما كانوا" (^٢).
قال ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ) ﵀: "كان السلف إذا نشأ لأحدهم ولد؛ شغلوه بحفظ القرآن وسماع الحديث، فيثبت الإيمان في قلبه" (^٣).
المطلب الثاني عشر: التوحيد مورث لخشية الله تعالى.
• قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: الآية: ٢٨]
_________________
(١) القول السديد شرح كتاب التوحيد. ص: ٢٤ - ٢٥.
(٢) تحفة المولود ص: ٢٣١.
(٣) صيد الخاطر ص ٤٩١.
[ ٤٤٤ ]
• قال مطرف بن عبد الله الشخير (ت: ٩٥ هـ) ﵀: "لأن أبيت نائمًا وأصبح نادمًا؛ أحب إلي من أن أبيت قائمًا فأصبح معجبًا" (^١).
• قال أحمد بن صالح الأنطاكي-﵀: "من كان بالله أعرف؛ كان له أخوف" (^٢).
• قال عبد الله بن المبارك (ت: ١٨١ هـ) ﵀: "إن البُصَرَاء لا يأمنون من أربع: ذنبٍ قد مضى؛ لا يُدرَى ما يصنع فيه الربُّ عزَّوجل، وعمرٍ قد بقي؛ لا يُدرى ما فيه من الهَلَكةِ، وفضل قد أُعطي العبدُ؛ لعله مكرٌ واستدراجٌ، وضلالة قد زُيِّنت؛ يراها هدىً، وزيغِ قلب ساعة؛ فقد يُسلب المرءُ دينه ولا يشعر" (^٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ): ﵀ "ولن يخاف الرجل غير الله إلا لمرض في قلبه، كما ذكروا أن رجلًا شكى إلى الإمام أحمد بن حنبل (ت: ٢٤١ هـ) ﵀-خوفه من بعض الولاة، فقال: لو صححت لم تخف أحدًا، أي: خوفك من أجل زوال الصحة من قلبك" (^٤).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ): ﵀: "المشرك يخاف المخلوقين، ويرجوهم، فيحصل له رعب كما قال تعالى: ﴿سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا﴾ [آل عمران: الآية: ١٥١] والخالص من الشرك يحصل له الأمن كما قال تعالى: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾ [الأنعام: الآية: ٨٢] وقد فسر النبي ﷺ الظلم هنا بالشرك" (^٥).
_________________
(١) الزهد، لعبد الله بن المبارك، (ص ١٥١).
(٢) بغية الطالب ٢/ ٨٥٠.
(٣) سير أعلام النبلاء ٨/ ٤٠٦.
(٤) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٤٤٨.
(٥) الفتاوى الكبرى ٥/ ٢٣٢.
[ ٤٤٥ ]
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "من خاف من الله خاف منه كل شيء، ومن خاف من غير الله خاف من كل شيء" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فإذا جرد العبد التوحيد فقد خرج من قلبه خوف ما سواه، وكان عدوه أهون عليه من أن يخافه مع الله، بل يفرد الله بالمخافة وقد أمنه منه. وخرج من قلبه اهتمامه به، واشتغاله به وفكره فيه، وتجرد لله محبة وخشية وإنابة وتوكلا، واشتغالا به عن غيره" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "إنك إن تبيت نائما وتصبح نادما؛ خير من أن تبيت قائما وتصبح معجبا، فإن المعجب لا يصعد له عمل. وإنك إن تضحك وأنت معترف خير من أن تبكي وأنت مدل. وأنين المذنبين أحب إلى الله من زجل المسبحين المدلين. ولعل الله سقاه بهذا الذنب دواء استخرج به داء قاتلا هو فيك ولا تشعر" (^٣).
المطلب الثاني عشر: التوحيد سبب لنيل رضا الله.
• قال الله -تعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ* جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: الآيات: ٧ - ٨].
• قال تعالى: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين﴾ [الفتح: الآية: ١٨]،
_________________
(١) بدائع الفوائد ٢/ ٢٧٤.
(٢) التفسير القيم ص: ٦٥٦.
(٣) مدارج السالكين، (١/ ١٧٧).
[ ٤٤٦ ]
• قال تعالى: ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾ [التوبة: الآية: ١٠٠].
• قال تعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: الآية: ٢٢].
• قال تعالى: ﴿لا يرضى لعباده الكفر﴾ [الزمر: الآية: ٧].
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "تضمنت هذه الآيات: جزاءهم على صدقهم وإيمانهم وأعمالهم الصالحة ومجاهدة أعدائه وعدم ولايتهم بأن ﵃ فأرضاهم فرضوا عنه وإنما حصل لهم هذا بعد الرضا به ربا وبمحمد نبيًا وبالإسلام دينًا قوله: وهو الرضا عنه في كل ما قضى فهنا ثلاثة أمور: الرضا بالله والرضا عن الله والرضا بقضاء الله" (^١).
فمن حقّق التوحيد كما أراده الله -تعالى-، فقد أرضى الله -تعالى- بهذا الفعل، ونال رضوانه، ولم يسخط عليه، وجعل الجنة هي مثواه ومأواه، ولكن هذا المثوى والمأوى لا يمكن نواله إلا إذا حقق العبد شيئين؛ الإيمان بالله تعالى وتوحيده، ثم العمل الصالح قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: الآية: ١١٠].
• فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: «إن الله يقول لأهل الجنة يا أهل الجنة فيقولون لبيك ربنا وسعديك فيقول هل رضيتم فيقولون وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك فيقول أنا أعطيكم أفضل من ذلك قالوا يا رب وأي شيء أفضل من
_________________
(١) مدارج السالكين ٢/ ١٨٧.
[ ٤٤٧ ]
ذلك قال أجل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا» (^١).
• وعن عائشة (ت: ٥٨ هـ) ﵂-قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللَّهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ، وَمَنْ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى النَّاسِ.» (^٢).
• وعن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال رسول الله ﷺ: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا» (^٣).
تضمن هذا الحديث الرضا بربوبيته سبحانه وألوهيته، وتضمن الرضا برسوله الكريم والسمع والطاعة له، وتضمن الرضا بدينه والتسليم مع كمال الانقياد.
• قال النووي (ت: ٦٧٦ هـ) ﵀: "رضيت بالشيء أي قنعت به، واكتفيت به ولم أطلب معه غيره فمعنى الحديث لم يطلب غير الله تعالى ولم يسع في غير طريق الإسلام ولم يسلك إلا ما يوافق شريعة محمد ﷺ" (^٤).
• عن سعد بن أبي وقاص (ت: ٥٥ هـ) ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «مَنْ قال حين يسمع المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، رضيت بالله ربا، وبمحمد رسولا، وبالإسلام دينًا؛ غُفِرَ له ذنبه» (^٥).
_________________
(١) رواه البخاري: ٥/ ٢٣٩٨، ومسلم: ٤/ ٢١٧٦.
(٢) أخرجه الترمذي: ٤/ ٦٠٩، وقال الألباني في (صحيح الترغيب والترهيب) ٢/ ٢٧١: صحيح لغيره.
(٣) رواه مسلم (١/ ٦٢) برقم: ٣٤.
(٤) شرح النووي على مسلم ٢/ ٢.
(٥) رواه مسلم ١/ ٢٩٠
[ ٤٤٨ ]
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: (وهذان الحديثان عليهما مدار مقامات الدين وإليهما ينتهي.
فالرضا بإلهيته يتضمن الرضا بمحبته وحده وخوفه ورجائه والإنابة إليه والتبتل إليه وانجذاب قوى الإرادة والحب كلها إليه فعل الراضي بمحبوبه كل الرضا وذلك يتضمن عبادته والإخلاص له.
والرضا بربوبيته: يتضمن الرضا بتدبيره لعبده، ويتضمن إفراده بالتوكل عليه، والاستعانة به، والثقة به والاعتماد عليه، وأن يكون راضيًا بكل ما يفعل به.
وأما الرضا بنبيه رسولًا: فيتضمن كمال الانقياد له والتسليم المطلق إليه بحيث يكون أولى به من نفسه فلا يتلقى الهدى إلا من مواقع كلماته، ولا يحاكم إلا إليه، ولا يحكم عليه غيره، ولا يرضى بحكم غيره في أي أمر من الأمور.
وأما الرضا بدينه: فإذا قال أو حكم أو أمر أو نهى: رضي كل الرضا ولم يبق في قلبه حرج من حكمه وسلم له تسليما، ولو كان مخالفا لمراد نفسه، أو هواها، أو قول مقلده وشيخه وطائفته" (^١).
• كتب عمر بن الخطّاب (ت: ٢٣ هـ) ﵁-إلى أبي موسى (ت: ٤٤ هـ) ﵄: "أما بعد، فإن الخير كله في الرضا، فإن استطعت أن ترضى وإلا فاصبر" (^٢).
• قال الفضيل بن عياض (ت: ١٨٧ هـ) ﵀: "أحق الناس بالرضا عن الله، أهل المعرفة بالله" (^٣).
_________________
(١) مدارج السالكين ٢/ ١٧٢.
(٢) مدارج السالكين ٢/ ١٧٥.
(٣) حلية الأولياء ٨/ ١٠٤.
[ ٤٤٩ ]
• قيل ليحيى بن معاذ الرازي (ت: ٢٥٨ هـ) ﵀: متى يبلغ العبد إلى مقام الرضا؟
فقال: "إذا أقام نفسه على أربعة أصول فيما يعامل به ربه، فيقول: إن أعطيتني قبلت. وإن منعتني رضيت. وإن تركتني عبدت. وإن دعوتني أجبت" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وممَّا ينبغي أنْ يُعرَف أنَّ الله ليس رضاه أو محبَّته في مجرَّد عَذاب النفس وحملها على المشاقِّ؛ حتى يكون العمل كلَّما كان أشقَّ كان أفضل! كما يحسبُ كثيرٌ من الجهال أنَّ الأجر على قدر المشقَّة في كلِّ شيء! لا! ولكن الأجر على قدر منفعة العمل، ومصلحته، وفائدته، وعلى قدر طاعة أمر الله ورسوله، فأي العملين كان أحسن، وصاحبه أطوع، وأتبع - كان أفضل؛ فإنَّ الأعمال لا تتفاضَلُ بالكثرة، وإنما تتفاضَلُ بما يحصل في القلوب حالَ العمل" (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "الرِّضَا نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: الرِّضَا بِفِعْلِ مَا أُمِرَ بِهِ وَتَرْكِ مَا نُهِيَ عَنْهُ. وَيَتَنَاوَلُ مَا أَبَاحَهُ اللَّهُ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ إلَى الْمَحْظُورِ. وَالنَّوْعُ الثَّانِي: الرِّضَا بِالْمَصَائِبِ: كَالْفَقْرِ وَالْمَرَضِ وَالذُّلِّ فَهَذَا الرِّضَا مُسْتَحَبٌّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ وَلَيْسَ بِوَاجِبِ وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ وَاجِبٌ" (^٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والعبد إذا اعترف وأقر بأن الله خالق أفعاله كلها فهو على وجهين.
_________________
(١) مدارج السالكين ٢/ ١٧٢.
(٢) مجموع الفتاوى ٢٥/ ٢٨١ - ٢٨٢.
(٣) مجموع الفتاوى ١٠/ ٦٨٢.
[ ٤٥٠ ]
إن اعترف به إقرارا بخلق الله كل شيء بقدرته ونفوذ مشيئته وإقرارا بكلماته التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر واعترافا بفقره وحاجته إلى الله وأنه إن لم يهده فهو ضال. وإن لم يتب عليه فهو مصر.
وإن لم يغفر له فهو هالك خضع لعزته وحكمته. فهذا حالزالمؤمنين الذين يرحمهم الله ويهديهم ويوفقهم لطاعته. وإن قال ذلك احتجاجا على الرب ودفعا للأمر والنهي عنه وإقامة لعذر نفسه فهذا ذنب أعظم من الأول. وهذا من أتباع الشيطان. ولا يزيده ذلك إلا شرا. وقد ذكرنا أن الرب سبحانه محمود لنفسه ولإحسانه إلى خلقه. ولذلك هو يستحق المحبة لنفسه ولإحسانه إلى عباده. ويستحق أن يرضى العبد بقضائه. لأن حكمه عدل لا يفعل إلا خيرا وعدلا. ولأنه لا يقضي للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له إن أصابته سراء شكر. فكان خيرا له. وإن أصابته ضراء صبر. فكان خيرا له. فالمؤمن يرضى بقضائه لما يستحقه الرب لنفسه من الحمد والثنا- ولأنه محسن إلى المؤمن" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "ومَن ﵁ لم يسخط عليه أبدًا" (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "خير الخلق: الذين يصبرون على المصائب، ويستغفرون من المعايب، كما قال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾ [غافر: الآية: ٥٥] " (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وطريق الرضا طريق مختصرة
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٤/ ٣١٦ - ٣١٧.
(٢) الصارم المسلول (٥٧٢).
(٣) مجموع الفتاوى ٨/ ١٠٧ ..
[ ٤٥١ ]
قريبة جدًا، موصلة إلى أجل غاية، ولكن فيها مشقة. ومع هذا فليست مشقتها بأصعب من مشقة طريق المجاهدة ولا فيها من العقبات والمفاوز ما فيها. وإنما عقبتها همة عالية، ونفس زكية، وتوطين النفس على كل ما يرد عليها من الله. ويسهل ذلك على العبد: علمه بضعفه وعجزه ورحمته به، وشفقته عليه، وبره به، فإذا شهد هذا وهذا، ولم يطرح نفسه بين يديه، ويرضى به وعنه، وتنجذب دواعي حبه ورضاه كلها إليه: فنفسه نفس مطرودة عن الله، بعيدة عنه. ليست مؤهلة لقربه وموالاته، أو نفس ممتحنة مبتلاة بأصناف البلايا والمحن" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "متى خالط القلب بشاشة الإيمان واكتحلت بصيرته بحقيقة اليقين انقلبت النفس الأمارة مطمئنة راضية وتلقى أحكام الرب تعالى بصدر واسع منشرح مسلم" (^٢).
• قال ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ) ﵀: "إن صاحب الصدق مع الله، لا تضرُّه الفتنُ، وإن الله يجعل لأوليائه عند ابتلائهم مخارج، وإنما يتأخر ذلك عن بعضهم في بعض الأ وقات تهذيبًا وزيادةً لهم في الثواب" (^٣).
المطلب الثالث عشر: توحيد الله موجب لنيل حلاوة الإيمان.
• قال محمد بن علي بن الحسن بن بشر، أبو عبد الله، الحكيم الترمذي (ت: ٣٢٠ هـ) ﵀: "إذا استقر في قلب المؤمن توحيد رب كريم
_________________
(١) مدارج السالكين ٢/ ١٧٣.
(٢) مدارج السالكين ٢/ ١٤٤.
(٣) فتح الباري ٦/ ٥٥٧.
[ ٤٥٢ ]
ودود ظهر له وداده وكرمه وبره فقد وجد حلاوة التوحيد ونزاهته؛ فإذا جاءت شهوات النفس سبيلا إلى القلب فخالطته وكدرته ومازجت حلاوته فدنست وكدرت فأي خسران أعظم من هذا" (^١).
• قال النووي (ت: ٦٧٦ هـ) ﵀: "ولا شك في أن من كانت هذه صفته فقد خلصت حلاوة الإيمان إلى قلبه وذاق طعمه، وقال القاضي عياض (ت: ٥٤٤ هـ): معنى الحديث (ذاق حلاوة الإيمان): أي صح إيمانه واطمأنت به نفسه وخامر باطنه لأن رضاه بالمذكورات دليل لثبوت معرفته ونفاذ بصيرته ومخالطة بشاشته قلبه لأن من رضي أمرا سهل عليه فكذا المؤمن إذا دخل قلبه الإيمان سهل عليه طاعات الله تعالى ولذت له" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وفي الصحيح عنه-ﷺ «ذاق طعم الإيمان: من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا. وبمحمد-ﷺ-رسولا» فأخبر: أن للإيمان طعما، وأن القلب يذوقه كما يذوق الفم طعم الطعام والشراب.
وقد عبر النبي ﷺ عن إدراك حقيقة الإيمان، والإحسان، وحصوله للقلب ومباشرته له: بالذوق تارة، وبالطعام والشراب تارة، وبوجود الحلاوة تارة، كما قال «ذاق طعم الإيمان» وقال «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله. ومن كان يكره أن يرجع في الكفر - بعد إذ أنقذه الله منه - كما يكره أن يلقى في النار».
والمقصود: أن ذوق حلاوة الإيمان والإحسان، أمر يجده القلب. تكون نسبته إليه كنسبة ذوق حلاوة الطعام إلى الفم، وذوق حلاوة الجماع
_________________
(١) نوادر الأصول في أحاديث الرسول ٣/ ٥١.
(٢) شرح النووي على مسلم ٢/ ٢.
[ ٤٥٣ ]
إلى إلفة النفس. كما قال النبي ﷺ «حتى تذوقي عسيلته. ويذوق عسيلتك» فللإيمان طعم وحلاوة يتعلق بهما ذوق ووجد. ولا تزول الشبه والشكوك عن القلب إلا إذا وصل العبد إلى هذه الحال. فباشر الإيمان قلبه حقيقة المباشرة. فيذوق طعمه ويجد حلاوته" (^١).
• قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "عن أنس، عن النبي ﷺ قال: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار» (^٢). وقد خرجه مسلم وعنده في رواية: «فقد وجد طعم الإيمان» (^٣)، وجاء في رواية: «وجد طعم الإيمان وحلاوته».
فهذه الثلاث خصال من أعلى خصال الإيمان، فمن كملها فقد وجد حلاوة الإيمان وطعم طعمه، فالإيمان له حلاوة وطعم يذاق بالقلوب كما يذاق حلاوة الطعام والشراب بالفم، فإن الإيمان هو غذاء القلوب وقوتها كما أن الطعام والشراب غذاء الأبدان وقوتها، وكما أن الجسد لا يجد حلاوة الطعام والشراب إلا عند صحته فإذا سقم لم يجد حلاوة ما ينفعه من ذلك، بل قد يستحلي ما يضره وما ليس فيه حلاوة لغلبة السقم عليه، فكذلك القلب إنما يجد حلاوة الإيمان من أسقامه وآفاته، فإذا سلم من مرض الأهواء المضلة والشهوات المحرمة وجد حلاوة الإيمان حينئذ، ومتى مرض وسقم لم يجد حلاوة الإيمان، بل يستحلي ما فيه هلاكه من الأهواء والمعاصي" (^٤).
_________________
(١) بغية الملتمس ص: ٥١٣.
(٢) أخرجه البخاري (١٦)، ومسلم (٤٣).
(٣) أخرجه مسلم ٤٣/ ٦٨.
(٤) فتح الباري لابن رجب ١/ ٥٠.
[ ٤٥٤ ]
• قال ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ) ﵀: "وثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ..»، وذكر منهم: «رجل قلبه معلق في المساجد» (^١)، إشارة إلى طول الملازمة بقلبه وإن كان جسده خارجا عنه" (^٢).
• قال عبد الرؤوف بن علي المناوي (ت ١٠٣١ هـ) ﵀ "المؤمن الكامل قد وضع الله في قلبه حلاوة التوحيد بحلاوته فإذا جاءت الشهوة ضرب بتلك الحلاوة وجهها وردها بقوة هذه الحلاوة" (^٣).
المطلب الرابع عشر: توحيد الله موجب للأنس بالله.
• قال ابن الصفار القرطبي. (ت: ٤٤٩ هـ).
"فررت إليك من ظلمي لنفسي … وأوحشني العباد فأنت أنسى
رضاك هو المنى وبك افتخاري … وذكرك في الدجى قمري وشمسي
صرت إليك منقطعا غريبا … لتؤنس وحدتي في قعر رمسي
وللعظمى من الحاجات عندي … قصدت وأنت عالم سر نفسي" (^٤).
• قال ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ) ﵀: "انظر إلى حالك الذي أنت عليه، إن كان يصلح للموت والقبر، فاستمر عليه، وإن كان لا يصلح لهذين، فتب إلى الله منها، وارجع إلى ما يصلح" (^٥).
_________________
(١) أخرجه: البخاري رقم (٦٦٠)، ومسلم رقم (١٠٣١).
(٢) فتح الباري، ١/ ١٤٥.
(٣) فيض القدير شرح الجامع الصغير ٤/ ٥٢٥.
(٤) مدارج السالكين ٣/ ٨٧ - ٨٨.
(٥) بستان الواعظين ورياض السامعين ١/ ١٩٢ - ١٩٣.
[ ٤٥٥ ]
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فإذا كان القلب مشغولًا بالله، عاقلًا للحق، متفكرًا في العلم، فقد وُضِع في موضعه" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "والأنس بالله: حالة وجدانية. وهي من مقامات الإحسان، تقوى بثلاثة أشياء: دوام الذكر، وصدق المحبة، وإحسان العمل.
وقوة الأنس وضعفه: على حسب قوة القرب. فكلما كان القلب من ربه أقرب، كان أنسه به أقوى. وكلما كان منه أبعد، كانت الوحشة بينه وبين ربه أشد" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وَمَنْ قَرَّتْ عَيْنُهُ بِهِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا قَرَّتْ عَيْنُهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعِنْدَ الْمَوْتِ وَيَوْمَ الْبَعْثِ فَيَمُوتُ الْعَبْدُ عَلَى مَا عَاشَ عَلَيْهِ، وَيُبْعَثُ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ" (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "من اشتغل بالله عن نفسه كفاء الله مؤونة نفسه، ومن اشتغل بالله عن الناس كفاه الله مؤونة الناس، ومن اشتغل بنفسه عن الله وكله الله إلى نفسه، ومن اشتغل بالناس عن الله وكله الله إليهم" (^٤).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "إذا زهدت القلوب في موائد الدنيا قعدت على موائد الآخرة بين أهل تلك الدعوة، وإذا رضيت بموائد الدنيا فاتتها تلك الموائد" (^٥).
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٩/ ٣١٢ ..
(٢) مدارج السالكين ٣/ ٩٥.
(٣) اجتماع الجيوش الإسلامية ٢/ ٨٢.
(٤) الفوائد ص: ١٠٧.
(٥) الفوائد لابن القيم ص ٩٨.
[ ٤٥٦ ]
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وَالْخَارِجُونَ عَنْ طَاعَةِ الرُّسُلِ-صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ-وَمُتَابَعَتِهِمْ يَتَقَلَّبُونَ فِي عَشْرِ ظُلُمَاتٍ:
ظُلْمَةُ الطَّبْعِ، وَظُلْمَةُ الْجَهْلِ، وَظُلْمَةُ الْهَوَى، وَظُلْمَةُ الْقَوْلِ، وَظُلْمَةُ الْعَمَلِ، وَظُلْمَةُ الْمُدْخَلِ، وَظُلْمَةُ الْمُخْرَجِ، وَظُلْمَةُ الْقَبْرِ، وَظُلْمَةُ الْقِيَامَةِ، وَظُلْمَةُ دَارِ الْقَرَارِ. فَالظُّلْمَةُ لَازِمَةٌ لَهُمْ فِي دُورِهِمُ الثَّلَاثِ" (^١).
• قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "ومن الأنس بالله ﷿، الأنس بكلامه وذكره، والأنس بالعلم النافع، الَّذِي بلغه رسوله ﷺ عنه" (^٢).
المطلب الخامس عشر: التوحيد سبب للفلاح.
• قال تعالى: ﴿واتقوا الله لعلكم ترحمون﴾ [الحجرات: الآية: ١٠].
• وقال تعالى: ﴿فاتقوا الله ياأولي الألباب لعلكم تفلحون﴾ [المائدة الآية: ١٠٠].
• عن ربيعة بن عباد (ت: ٩٠ هـ تقريبًا) ﵁-قال رسول الله-ﷺ: "قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا" (^٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والقرآن كله مملوء من تحقيق هذا التوحيد والدعوة إليه، وتعليق النجاة والفلاح، واقتضاء السعادة في
_________________
(١) اجتماع الجيوش الإسلامية ٢/ ٤٢.
(٢) مجموع الرسائل ٣/ ٣٣٩.
(٣) رواه أحمد، (٣/ ٤٩٢).
[ ٤٥٧ ]
الآخرة به" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وما يتَّبع وجوه الحق ويؤمن بالكتاب كلّه إلا أولو الألباب، وقليل ما هم! " (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فالقلب لا يُفلح، ولا يصلح، ولا يتنعم، ولا يبتهج، ولا يلتَذُّ، ولا يطمئن، ولا يسكن؛ إلا بعبادة ربه، وحبه، والإنابة إليه" (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ومعلوم أن حاجتهم إلى معرفة ربهم وفاطرهم فوق مراتب هذه الحاجات كلها، فإنه لا سعادة لهم ولا فلاح ولا صلاح ولانعيم إلا بأن يعرفوه ويعتقدوه، ويكون هو وحده غاية مطلوبهم، والتقرب إليه قرة عيونهم، فمتى فقدوا ذلك كانوا أسوأ حالا من الأنعام، وكانت الأنعام أطيب عيشا منهم في العاجل وأسلم عاقبة في الآجل.
وإذا علم أن ضرورة العبد إلى معرفة ربه فوق كل ضرورة كانت العناية ببيانها أيسر الطرق وأهداها وأبينها" (^٤).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: " كان النبي ﷺ يقرنها بسورة قل هو الله أحد في سنة الفجر وسنة المغرب.
فإن هذين السورتين سورتا الإخلاص، وقد اشتملتا على نوعي التوحيد الذي لا نجاة للعبد ولا فلاح له إلا بهما، وهما توحيد العلم والاعتقاد المتضمن تنزيه الله عما لا يليق به من الشرك والكفر والولد
_________________
(١) منهاج السنة ٥/ ٣٤٧.
(٢) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٠١).
(٣) إغاثة اللهفان: (٢/ ٩٤٧).
(٤) انظر: "الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة"١/ ٣٦٥ - ٣٦٧.
[ ٤٥٨ ]
والوالد، وأنه إله أحد صمد لم يلد فيكون له فرع ولم يولد فيكون له أصل ولم يكن له كفوا أحد فيكون له نظير. ومع هذا فهو الصمد الذي اجتمعت له صفات الكمال كلها.
فتضمنت السورة إثبات ما يليق بجلاله من صفات الكمال، ونفي ما لا يليق به من الشريك أصلا وفرعا ونظيرا. فهذا توحيد العلم والاعتقاد.
والثاني: توحيد القصد والإرادة وهو: ألا يعبد إلا إياه، فلا يشرك به في عبادته سواه، بل يكون وحده هو المعبود.
وسورة قل يا أيها الكافرون مشتملة على هذا التوحيد.
فانتظمت السورتان نوعي التوحيد وأخلصتا له، فكان ﷺ يفتتح بهما النهار في سنة الفجر، ويختتمه بهما في سنة المغرب.
وفي السنن «أنه كان يوتر بهما»
فيكونان خاتمة عمل الليل كما كانا خاتمة عمل النهار" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "لا سعادة لهم ولا فلاح ولا صلاح ولا نعيم إلا بأن يعرفوه ويعتقدوه، ويكون هو وحده غاية مطلوبهم، والتقرب إليه قرة عيونهم، فمتى فقدوا ذلك كانوا أسوأ حالا من الأنعام، وكانت الأنعام أطيب عيشا منهم في العاجل وأسلم عاقبة في الآجل" (^٢).
• قال الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀: "بين أن تقواه وطاعته سبب للفلاح والرحمة" (^٣).
_________________
(١) التفسير القيم ص ٥٩٤.
(٢) الصواعق المرسلة "١/ ٣٦٥ - ٣٦٧.
(٣) كتاب المداينة ص ٢٦ - ٢٧.
[ ٤٥٩ ]
المطلب السادس عشر: التوحيد سببٌ في حلول البركة:
• قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: الآية: ٩٦].
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "لمَّا ذكر-تعالى-أنَّ المكذِّبين للرسل يبتلون بالضَّرَّاء موعظة وإنذارًا، وبالسَّرَّاء استدراجًا ومكرًا، ذكر أن أهل القرى لو آمنوا بقلوبهم إيمانًا صادقًا صدقته الأعمال، واستعملوا تقوى اللّه-تعالى-ظاهرًا وباطنًا بترك جميع ما حرِّم الله-لفتح عليهم بركات السماء والأرض، فأرسل السماء عليهم مدرارًا، وأنبت لهم من الأرض ما به يعيشون وتعيش بهائمُهم، في أخصب عيش وأغزر رزق، من غير عناء ولا تعب، ولا كدٍّ ولا نَصَب، ولكنَّهم لم يؤمنوا ويتقوا: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ بالعقوبات والبلايا ونزع البركات، وكثرة الآفات، وهي بعض جزاء أعمالهم، وإلاَّ فلو آخذهم بجميع ما كسبوا، ما ترك عليها من دابة: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: الآية: ٤١] (^١).
المطلب السابع عشر: التوحيد سبب لتحقق الإيمان.
• قال-تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: الآية: ٧٤].
_________________
(١) "تفسير السعدي": ص ٢٩٨.
[ ٤٦٠ ]
• قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: "برئوا من الكفر" (^١).
• عن سعيد بن جبير (ت: ٩٥ هـ) ﵀-قوله: ﴿درجات﴾ "يعني: فضائل ورحمة" (^٢).
• عن مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀: ﴿لهم درجات عند ربهم﴾ قال: "أعمال رفيعة" (^٣).
• عن قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀: ﴿أولئك هم المؤمنون حقا﴾ قال: "استحقوا الإيمان بحق، فأحقه الله لهم" (^٤).
• قال مقاتل (ت: ١٥٠) ﵀: "حقًا لا شك في إيمانهم" (^٥).
• قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿أولئك هم المؤمنون حقًا﴾، يعني يقينًا، وفيه دليل على أنه ليس لكل أحد أن يصف نفسه بكونه مؤمنًا حقًا، لأن الله تعالى إنما وصف بذلك قومًا مخصوصين على أوصاف مخصوصة، وكل أحد لا يتحقق وجود تلك الأوصاف فيه" (^٦).
قال أبو حيان الأندلسي (ت: ٧٤٥ هـ) ﵀: قوله-تعالى-: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: الآية: ٢ - ٤].
لما تقدمت ثلاث صفات
قلبية وهي الوجل وزيادة الإيمان والتوكل.
وبدنية.
ومالية.
_________________
(١) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الأنفال: الآية: ٤)؛ وتفسير مكي بن أبي طالب (سورة الأنفال: الآية: ٤).
(٢) تفسير ابن أبي حاتم (سورة الأنفال: الآية: ٤).
(٣) تفسير ابن أبي حاتم (سورة الأنفال: الآية: ٤).
(٤) تفسير ابن أبي حاتم (سورة الأنفال: الآية: ٤).
(٥) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الأنفال: الآية: ٤).
(٦) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الأنفال: الآية: ٤).
[ ٤٦١ ]
ترتب عليها ثلاثة أشياء،
فقوبلت الأعمال القلبية بالدرجات
والبدنية بالغفران، وقوبلت المالية بالرزق الكريم، وهذا النوع من المقابلة من بديع علم البديع-انتهى" (^١).
المطلب الثامن عشر: التوحيد يجعل النفوس سماوية علوية.
• قال عبد الله بن محمد بن مغيث بن عبد الله الأنصاري: (ت: ٣٥٢ هـ) ﵀: "أوثق عملي في نفسي ملامة صدري، إني آوي إلى فراشي ولا يأوي إلى صدري غائلة لمسلم" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "النفوس ثلاثة:
نفس سماوية علوية: فمحبتها منصرفة إلى المعارف واكتساب الفضائل والكمالات الممكنة للإنسان، واجتناب الرذائل، وهي مشغوفة بما يقربها من الرفيق الأعلى وذلك قوتها وغذاؤها ودواؤها فاشتغالها بغيره هو داؤها.
_________________
(١) النهر من البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي (سورة الأنفال: الآيات: ٢ - ٤).
(٢) الصلة لابن بشكوال ١/ ٢٣٧.
[ ٤٦٢ ]
ونفس سبعية غضبية: فمحبتها منصرفة إلى القهر والبغي والعلو في الأرض والتكبر والرئاسة على الناس بالباطل فلذتها في ذلك وشغفها به.
ونفس حيوانية شهوانية: فمحبتها منصرفة إلى المأكل والمشرب والمنكح وربما جمعت الأمرين فانصرفت محبتها إلى العلو في الأرض والفساد كما قال الله تعالى ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: الآية: ٤].
والحب في هذا العالم دائر بين هذه النفوس الثلاثة، فأي نفس منها صادفت ما يلائم طبعها استحسنته ومالت إليه ولم تصغ فيه لعاذل ولم تأخذها فيه لومة لائم" (^١).
• قال الإمام ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فالقلب الطاهر لكمال حياته ونوره وتخلصه من الأدران والخبائث لا يشبع من القرآن، ولا يتغذَّى إلا بحقائقه، ولايتداوى إلا بأدويته" (^٢).
المطلب التاسع عشر: التوحيد لا يقبل من قلب الموحد أن يكون لغير الله.
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وكما أن السماوات والأرض لو كان فيهما آلهة غيره سبحانه لفسدتا كما قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: الآية: ٢٢] فكذلك القلب إذا كان فيه معبود غير الله تعالى فسد فسادًا لا يرجى صلاحه إلا بأن يخرج ذلك المعبود
_________________
(١) روضة المحبين ١/ ٢٥٨.
(٢) إغاثة اللهفان ١/ ٥٥.
[ ٤٦٣ ]
منه، ويكون الله تعالى وحده إلهه ومعبوده الذي يحبه ويرجوه ويخافه ويتوكل عليه وينيب إليه" (^١).
المطلب العشرون: التوحيد زينة لصاحبه.
• قال تعالى: ﴿وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا﴾
• قال الإمام أبو عبد الله الحسن بن الحسين الحليمي (ت: ٤٠٤ هـ) ﵀: "العبد كلما ازداد تأملًا للآيات؛ زادته هداية ودلالة، تقرَّبت بصيرته، وخلصت من الخواطر والهواجس عقيدته" (^٢).
• قال ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ) ﵀: "فمن أصلح سريرته فاح عبير فضله، وعبقت القلوب بنشر طيبه؛ فالله الله في إصلاح السرائر فإنه ما ينفع مع فسادها صلاح الظاهر" (^٣).
• قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحجرات: الآيات: ٧ - ٨].
• قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: " ﴿ولكن الله حبب إليكم الإيمان﴾ فجعله أحب الأديان إليكم، ﴿وزينه﴾ حسنه، ﴿في قلوبكم﴾ حتى اخترتموه، وتطيعون رسول الله-ﷺ ﴿وكره إليكم الكفر والفسوق﴾. قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ): يريد الكذب ﴿والعصيان﴾ جميع
_________________
(١) إغاثة اللهفان ١/ ٤٩.
(٢) المنهاج في شعب الإيمان ٢/ ٥٥١.
(٣) صيد الخاطر ص: ٢٨٧.
[ ٤٦٤ ]
معاصي الله. ثم عاد من الخطاب إلى الخبر، وقال: ﴿أولئك هم الراشدون﴾ المهتدون" (^١).
• قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: "هذا خطاب للمؤمنين المخلصين الذين لا يكذبون النبي-ﷺ-ولا يخبرون بالباطل، أي: جعل الإيمان أحب الأديان إليكم. وزينه بتوفيقه. في قلوبكم أي: حسنه إليكم حتى اخترتموه" (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وَهَذَا الْحسن وَالْجمال الَّذِي يكون عَنْ الْأَعْمَال الصَّالِحَة فِي الْقلب يسري إِلَى الْوَجْه، والقبح والشين الَّذِي يكون عَنْ الْأَعْمَال الْفَاسِدَة فِي الْقلب يسري إِلَى الْوَجْه كَمَا تقدم، ثمَّ إِنْ ذَلِك يقوى بِقُوَّة الْأَعْمَال الصَّالِحَة والأعمال الْفَاسِدَة، فَكلما كثر الْبر وَالتَّقوى قوى الْحسن وَالْجمال وَكلما قوى الْإِثْم والعدوان قوى الْقبْح والشين، حَتَّى ينْسَخ ذَلِك مَا كَانَ للصورة من حسن وقبح، فكم مِمَّنْ لم تكن صورته حَسَنَة وَلَكِن من الْأَعْمَال الصَّالِحَة مَا عظم بِهِ جماله وبهاؤه حَتَّى ظهر ذَلِك على صورته، وَلِهَذَا ظهر ذَلِك ظهورا بَينا عِنْد الْإِصْرَار على القبائح فِي آخر الْعُمر عِنْد قرب الْمَوْت فنرى وُجُوه أهل السّنة وَالطَّاعَة كلما كبروا ازْدَادَ حسنها وبهاؤها حَتَّى يكون أحدهم فِي كبره أحسن واجمل مِنْهُ فِي صغره، ونجد وُجُوه أهل الْبِدْعَة وَالْمَعْصِيَة كلما كبروا عظم قبحها وشينها حَتَّى لَا يَسْتَطِيع النّظر إِلَيْهَا من كَانَ منبهرا بهَا فِي حَال الصغر لجمال صورتهَا، وَهَذَا ظَاهر لكل اُحْدُ فِيمَن يعظم بدعته وفجوره مثل الرافضة وَأهل الْمَظَالِم وَالْفَوَاحِش من التّرْك وَنَحْوهم،
_________________
(١) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الحجرات الآية: ٧).
(٢) تفسير القرطبي (سورة الحجرات الآية: ٧).
[ ٤٦٥ ]
فَإِنْ الرافضي كلما كبر قبح وَجهه وَعظم شينه حَتَّى يقوى شبهه بالخنزير وَرُبمَا مسخ خنزيرا وقردا كَمَا قد تَوَاتر ذَلِك عَنْهُ" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: قال بعض السلف: "قوة المؤمن في قلبه، وضعفه في جسده، وقوة المنافق في جسمه، وضعفه في قلبه" (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "الجمال الذي للخُلُق، من العلم والإيمان والتقوى أعظم من الجمال الذي للخَلْق، وهو الصورة الظاهرة" (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "خير الْقُلُوب مَا كَانَ واعيا للخير ضابطا لَهُ. وَلَيْسَ كالقلب القاسي الَّذِي لا يقبله" (^٤).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ومما يدل على أن الجمال الباطن أحسن من الظاهر أن القلوب لا تنفك عن تعظيم صاحبه ومحبته والميل إليه" (^٥).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الذِكر نورٌ للذاكر في الدنيا، ونورٌ له في قبره، ونورٌ له في معاده يسعى بين يديه على الصراط، فما استنارت القلوب والقبور بمثل ذكر الله، قال الله تعالى: ﴿أومن كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في النّاس كمن مثله في الظُّلمات ليس بخارجٍ منها﴾ " (^٦).
_________________
(١) الاستقامة ١/ ٣٦٥.
(٢) مجموع الفتاوى ٢/ ٣٩٤.
(٣) الاستقامة، لابن تيمية ١/ ٤٤١.
(٤) مفتاح دار السعادة ١/ ١٢٤.
(٥) روضة المحبين ١/ ٢٢٠.
(٦) الوابل الصيب ص ٧٢.
[ ٤٦٦ ]
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "والله تعالى يحبب إليكم الإيمان، ويزينه في قلوبكم، بما أودع الله في قلوبكم من محبة الحق وإيثاره، وبما ينصب على الحق من الشواهد، والأدلة الدالة على صحته، وقبول القلوب والفطر له، وبما يفعله تعالى بكم، من توفيقه للإنابة إليه" (^١).
• قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ) ﵀: "ويهمنا هنا: أنه لا يتم تحقيق الإيمان وحبه في القلب حتى يخلو القلب من شوائب الكفر؛ لأن الكفر والإيمان لا يجتمعان أبدا" (^٢).
• قال الشيخ أبو بكر الجزائري (ت: ١٤٣٩ هـ) ﵀: "من أكبر النعم على المؤمنين تحبيب الله تعالى الإيمان إليه وتزيينه في قلبه، وتكريه الكفر إليه والفسوق والعصيان وبذلك أصبح المؤمن أرشد الخلق بعد أصحاب رسول الله ﷺ" (^٣).
• وفي الحديث صلَّى عمَّارُ بنُ ياسرٍ بالقومِ صلاةً أخفَّها، فَكأنَّهم أنْكروها! فقالَ: ألم أُتمَّ الرُّكوعَ والسُّجودَ؟ قالوا: بلى، قالَ أمَّا أنِّي دعوتُ فيها بدعاءٍ كانَ النَّبيُّ ﷺ يدعو بِهِ «اللَّهمَّ بعِلمِكَ الغيبَ وقدرتِكَ على الخلقِ أحيني ما علمتَ الحياةَ خيرًا لي وتوفَّني إذا علمتَ الوفاةَ خيرًا لي، وأسألُكَ خشيتَكَ في الغيبِ والشَّهادةِ، وَكلمةَ الإخلاصِ في الرِّضا والغضبِ، وأسألُكَ نعيمًا لَا ينفدُ، وقرَّةَ عينٍ لَا تنقطعُ، وأسألُكَ الرِّضاءَ بالقضاءِ، وبردَ العيشِ بعدَ الموتِ، ولذَّةَ النَّظرِ إلى وجْهِكَ، والشَّوقَ إلى لقائِكَ، وأعوذُ بِكَ من ضرَّاءٍ مُضرَّةٍ وفتنةٍ مضلَّةٍ؛ اللَّهمَّ زيِّنَّا
_________________
(١) تفسير ابن سعدي (سورة الحجرات الآية: ٧).
(٢) تفسير أضواء البيان (سورة الحجرات الآية: ٧).
(٣) أيسر التفاسير (سورة الحجرات الآية: ٧).
[ ٤٦٧ ]
بزينةِ الإيمانِ واجعَلنا هداةً مُهتدين» (^١).
• قال عبد الله بن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄-في بيان معانٍ من هذه الزينة: "إن للحسنة ضياءً في الوجه، ونورًا في القلب، وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الخلق" (^٢).
• قال بعض الحكماء: "ينبغي للعبد أن ينظر كل يوم في المرآة، فإن رأى صورته حسنة؛ لم يشنها بقبيح فعله، وإن رآها قبيحة؛ لم يجمع بين قبح الصورة، وقبح الفعل" (^٣).
• قال الإمام ابن رجب الحنبلي (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀ في شرح حديث النبي ﷺ: «اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهديين»: "أما زينة الإيمان؛ فالإيمان قول وعمل ونية؛ فزينة الإيمان تشمل زينة القلب بتحقيق الإيمان له، وزينة اللسان بأقوال الإيمان، وزينة الجوارح بأعمال الإيمان" (^٤).
فللإيمان زينة جميلة لصاحبه في الدنيا والآخرة، ولن يبدو صاحبه جميلًا بدونه، وهذه الزينة يهبها الله-تعالى-لمن يشاء من عباده، ويضاعفها عليهم، ويقذفها في قلوبهم.
والزينة زينتان: زينة البدن وزينة القلب "وهي أعظمها"، وإذا حصلتْ فيرد به مَنْ يعاملهم مِنْ الناس، فيعظم ما عظَّمه الله
_________________
(١) أخرجه النسائي (١٣٠٥)، وأحمد (١٨٣٥١) باختلاف يسير.
(٢) روضة المحبين لابن القيم ص: ٤٤١. ونسبه ابن القيم في روضة المحبين ص ٤٤١ لأنس بن مالك، وابن عباس ﵃، وجاء مسندًا عند ابن أبي شيبة في المصنف ٧/ ١٨٧ عن الحسن البصري، وفي حلية الأولياء ٦/ ٢٨٧ عن مالك بن دينار ﵏.
(٣) روضة المحبين لابن القيم ص: ٤٤١. ونسبه ابن القيم في روضة المحبين ص ٤٤١ لأنس بن مالك، وابن عباس ﵃، وجاء مسندًا عند ابن أبي شيبة في المصنف ٧/ ١٨٧ عن الحسن البصري، وفي حلية الأولياء ٦/ ٢٨٧ عن مالك بن دينار ﵏.
(٤) شرح حديث عمار بن ياسر ص ٤٨.
[ ٤٦٨ ]
ومَن يعظمه الله، ويحقِّر ما حقره الله ومَن حقره الله.
فمن زينة الإيمان ما يجعله الله ﷿ في القلب، وهي البصيرة التي يلقيها الله ﷿ في قلب العبد حتى يبصر حقائق الوجود، ويعرف ما تئول إليه هذه الحياة ويتعظ بمن مضى، ويتذكر ما هو مقبل عليه من الآخرة.
المطلب الواحد والعشرون: التوحيد طهر لصاحبه.
• قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: الآية: ٢٢٢]
• قال سعيد بن جبير (ت: ٩٥ هـ): "التوابين من الشرك والمتطهرين من الذنوب" (^١).
• قال مقاتل بن حيان (ت: في حدود ١٥٠ هـ) ﵀: "يحب التوابين من الذنوب والمتطهرين من الشرك" (^٢).
• وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِى كِتَابٍ مَّكْنُونٍ، لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: الآيات: ٧٧ - ٧٩].
• قال طلق بن حبيب (ت: قبل سنة ١٠٠ هـ) ﵀: "إن حقوق الله تعالى أعظم من أن يقوم بها العباد، وإن نعم الله أكثر من أن تحصى،
_________________
(١) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة البقرة. الآية: ٢٢٢).
(٢) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة البقرة. الآية: ٢٢٢).
[ ٤٦٩ ]
ولكن أصبحوا تائبين وأمسوا تائبين" (^١).
• قال ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ) ﵀: "المؤمن على طهارة التوحيد من يوم ﴿ألست بربكم﴾ [الآعراف: الآية: ١٧٢]، غير أنه لما خالط أوساخ الهوى تدنست ثياب، وليس لها تنظف إلا بماء العلم في بيت العزلة" (^٢).
• قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ): "قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: الآية: ٧٠]، فإذا كان الأصل فيه كونه مكرمًا، كان كونه مطهرًا على وفق الأصل، وكونه منسجما على خلاف الأصل، ثم إنا رأينا الإنسان متى أشرك صار نجسًا، بدليل قوله تعالى: ﴿آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: الآية: ٢٨]، فإذا كان الشرك يقتضي كونه نجسًا مع ذلك خلاف الأصل، فكونه موحدًا بأن يقتضي كونه طاهرًا أولى، لأنه على وفق الأصل. وإذا ثبت أن الموحد كامل في كونه طاهرًا وجب أن يكون من خواص الله تعالى، لقوله: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور: الآية: ٢٦) " (^٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فإذا كان ورقه لا يمسه إلا المطهرون فمعانيه لا يهتدي بها إلا القلوب الطاهرة. وإذا كان المَلَك لا يدخل بيتًا فيه كلب، فالمعاني التي تحبها الملائكة لا تدخل قلبًا فيه أخلاق الكلاب المذمومة" (^٤).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فنجد كثيرًا من المتفقهة
_________________
(١) حلية الأولياء ٣/ ٦٥.
(٢) كتاب اللطائف ص. ٢٩
(٣) عجائب القرآن ص. ٤٤ - ٤٥.
(٤) مجموع الفتاوى (٥/ ٥٥٢).
[ ٤٧٠ ]
والمتعبدة، إنما همته طهارة البدن فقط، ويزيد فيها على المشروع اهتماما وعملا. ويترك من طهارة القلب ما أمر به؛ إيجابا، أو استحبابا، ولا يفهم من الطهارة إلا ذلك. ونجد كثيرا من المتصوفة والمتفقرة، إنما همته طهارة القلب فقط؛ حتى يزيد فيها على المشروع اهتماما وعملا؛ ويترك من طهارة البدن ما أمر به إيجابا، أو استحبابا.
فالأولون يخرجون إلى الوسوسة المذمومة في كثرة صب الماء، وتنجيس ما ليس بنجس، واجتناب ما لا يشرع اجتنابه مع اشتمال قلوبهم على أنواع من الحسد والكبر والغل لإخوانهم، وفي ذلك مشابهة بينة لليهود.
والآخرون يخرجون إلى الغفلة المذمومة، فيبالغون في سلامة الباطن حتى يجعلون الجهل بما تجب معرفته من الشر-الذي يجب اتقاؤه-من سلامة الباطن، ولا يفرقون بين سلامة الباطن من إرادة الشر المنهي عنه، وبين سلامة القلب من معرفة الشر المعرفة المأمور بها ثم مع هذا الجهل والغفلة قد لا يجتنبون النجاسات، ويقيمون الطهارة الواجبة مضاهاة للنصارى.
وتقع العداوة بين الطائفتين بسبب ترك حظ مما ذكروا به والبغي الذي هو مجاوزة الحد إما تفريطا وتضييعا للحق، وإما عدوانا وفعلا للظلم. والبغي تارة يكون من بعضهم على بعض وتارة يكون في حقوق الله، وهما متلازمان" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀ "دلت الآية بإشارتها وإيمائها على أنه لا يدرك معانيه ولا يفهمه إلا القلوب الطاهرة، وحرامٌ على
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١/ ١٥ - ١٦.
[ ٤٧١ ]
القلب المتلوث بنجاسة البدع والمخالفات أن ينال معانيَه، وأن يفهمه كما ينبغي" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "إن الطهر طهران: طهر بالماء من الأحداث والنجاسات، وطهر بالتوبة من الشرك والمعاصي" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "للمعاصي أعظم تأثير في محق بركة العمر والرزق والعلم والعمل. فكل وقت عصيت الله فيه، أو مال عصي الله به، أو بدن، أو جاه، أو علم، أو عمل، فهو على صاحبه، ليس له. فليس عمره وماله وقوته وجاهه وعلمه وعمله إلا ما أطاع الله به" (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ذِكرُ الله، والإقبالُ عليه، والإنابةُ إليه، والفزعُ إلى الصلاة، كم قد شُفِيَ به من عليلٍ، وكم قد عُوفِيَ به من مريض" (^٤).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ومن كانت شيمته التوبة والاستغفار؛ فقد هُدي لأعظم الشيم" (^٥).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "من أسباب دواعي الإيمان: الإكثار من ذكر الله كل وقت، ومن الدعاء الذي هو مخ العبادة؛ فإن الذكر لله يغرس شجرة الإيمان في القلب، ويغذيها وينميها" (^٦).
_________________
(١) التبيان في أيمان القرآن ٢٣.
(٢) بدائع الفوائد ١٣٥.
(٣) الجواب الكافي ١/ ٢٠٣.
(٤) مفتاح دارالسعادة ١/ ٢٥٠.
(٥) إغاثة اللهفان ٢/ ٩٥٤.
(٦) التوضيح والبيان لشجرة الإيمان ص ٧٨.
[ ٤٧٢ ]
المطلب الثاني والعشرون: أهل التوحيد أبعد الناس عن التلبس بالنجاسات.
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "نجاسة الزنا واللواط أغلظ من غيرهما من النجاسات، من جهة أنها تفسد القلب، وتضعف توحيده جدًا، ولهذا كان أحظى الناس بهذه النجاسة أكثرهم شركاء، فكلما كان الشرك في العبد أغلب كانت هذه النجاسة والخبائث فيه أكثر، وكلما كان أعظم إخلاصا كان منها أبعد، كما قال تعالى عن يوسف الصديق ﵇ ﴿كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين﴾ [يوسف: الآية: ٢٤] " (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "النجاسة تارة تكون محسوسة ظاهرة، وتارة تكون معنوية باطنة فيغلب على الروح والقلب الخبث والنجاسة، حتى إن صاحب القلب الحى ليشم من تلك الروح والقلب رائحة خبيثةيتأذى بها، كما يتأذى من يشم رائحة النتن، ويظهر ذلك كثيرا فى عرقه، حتى ليوجد لرائحة عرقه نتنا، فإن نتن الروح والقلب يتصل بباطن البدن أكثر من ظاهره. والعرق يفيض من الباطن" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فكلما قوى شرك العبد بلى بعشق الصور، وكلما قوى توحيده صرف ذلك عنه" (^٣).
_________________
(١) إغاثة اللهفان: ١/ ٦٤.
(٢) إغاثة اللهفان ١/ ٦٠.
(٣) إغاثة اللهفان: ١/ ٦٤.
[ ٤٧٣ ]
المطلب الثالث والعشرون: التوحيد سعادة لصاحبه.
• قال ابن حزم (ت: ٣٨٤ هـ) ﵀: "كل أملٍ ظفرت به فعقباه حزنٌ؛ إما بذهابه عنك وإما بذهابك عنه، ولابد من أحد هذين السبيلين.
إلا العمل لله ﷿، فعقباه على كل حال سرور في عاجل وآجل؛ أما في العاجل، فقلة الهم بما يهتم به الناس، وأنك به معظم من الصديق والعدو، وأما في الآجل فالجنة" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والقرآن كله مملوء من تحقيق هذا التوحيد والدعوة إليه، وتعليق النجاة والفلاح، واقتضاء السعادة في الآخرة به" (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "في القرآن في مواضع يبين أن الرسل أمروا بعبادة الله وحده لا شريك له ونهوا عن عبادة شيء من المخلوقات سواه وأن أهل السعادة هم أهل التوحيد وأن المشركين هم أهل الشقاوة ويبين أن الذين لم يؤمنوا بالرسل مشركون فعلم أن التوحيد والإيمان بالرسل متلازمان وكذلك الإيمان باليوم الآخر فالثلاثة متلازمة" (^٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وليس للقلوب سرور ولذة تامة إلا في محبة الله تعالى، والتقرب إليه بما يحبه، ولا تتم محبة الله إلا بالإعراض عن كل محبوب سواه، وهذا حقيقة لا إله إلا الله" (^٤).
_________________
(١) الأخلاق والسير ٧٥.
(٢) منهاج السنة ٥/ ٣٤٧.
(٣) مجموع الفتاوى (١٨/ ٥٥ - ٥٦).
(٤) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٣٢).
[ ٤٧٤ ]
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فالغاية الحميدة التي بها يحصل كمال بني آدم وسعادتهم ونجاتهم عبادة الله وحده، وهي حقيقة قول القائل: لا إله إلا الله، ولهذا بعث الله جميع الرسل، وأنزل جميع الكتب، ولا تصلح النفس وتزكو وتكمل إلا بهذا، كما قال تعالى: ﴿وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة﴾ [فصلت: الآية: ٦] أي لا يؤتون ما تزكو به نفوسهم من التوحيد، والإيمان. وكل من لم يحصل له هذا الإخلاص لم يكن من أهل النجاة والسعادة كما قال تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: الآية: ٤٨] " (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فلا حياة للقلوب ولا نعيم ولا سرور ولا أمان ولا طمأنينة إلا بأن تعرف ربها ومعبودها وفاطرها ويكون أحب إليها مما سواه، والإنسان بدون الإيمان بالله لا يمكنه أن ينال معرفة ولا هداية، وبدون اهتدائه إلى ربه لا يكون إلا شقيا معذبا كما هو حال الكافرين.
فالله تبارك خلق هذا الإنسان وركبه من الجسد والروح وشاء أن يكون خلق الجسد من التراب، قال تعالى: ﴿فإنا خلقناكم من تراب﴾ [الحج: الآية: ٥] وجعل قوام الجسد وحياته من التراب، فهو يأكل ويشرب ويكتسي من الأرض وما فيها، وجعل في هذا الجسد الروح، قال تعالى: ﴿فإذا سويته ونفخت فيه من روحي﴾ [الحجر: الآية: ٢٩] وشاء أن يكون قوام هذه الروح وحياتها في معرفة الله وعبادته، فلا شيء أطيب للعبد ولا ألذ ولا أهنأ ولا أنعم لقلبه وعيشه من محبة فاطره وباريه ودوام ذكره والسعي في مرضاته، لذلك فإن من في قلبه أدنى حياة أو محبة لربه وإرادة لوجهه وشوق إلى لقائه، فطلبه لهذا الباب وحرصه على معرفته
_________________
(١) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٦/ ٢٩.
[ ٤٧٥ ]
وازدياده من التبصر فيه، وسؤاله واستكشافه عنه هو أكبر مقاصده وأعظم مطالبه وأجل غاياته، فهذا هو الكمال الذي لا كمال للعبد بدونه، وله خلق الخلق، ولأجله نزل الوحي، وأرسلت الرسل وقامت السموات والأرض، ووجدت الجنة والنار، ولأجله شرعت الشرائع، وأسست الملة، ونصبت القبلة، وهو قطب رحى الخلق والأمر الذي مدارهما عليه.
وهو بحق أفضل ما اكتسبته القلوب وحصلته النفوس وأدركته العقول، وليست القلوب الصحيحة والنفوس المطمئنة إلى شيء من الأشياء أشوق منها إلى معرفة هذا الأمر ولا فرحها بشيء أعظم من فرحها بالظفر بمعرفة الحق فيه" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "السعادة في معاملة الخلق: أن تعاملهم لله فترجو الله فيهم، ولا ترجوهم في الله، وتخافه فيهم، ولا تخافهم في الله، وتحسن إليهم رجاء ثواب الله، لا لمكافأتهم، وتكف عن ظلمهم خوفًا من الله، لا منهم" (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "لا يزول فقر العبد وفاقته إلا بالتوحيد، وإذا حصل مع التوحيد الاستغفار؛ حصل للعبد غناه، وسعادته، وزال عنه ما يعذبه" (^٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "من أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية" (^٤).
_________________
(١) الفتوى الحموية ص: ٢٨ - ٢٩.
(٢) مجموع الفتاوى ١/ ٥١.
(٣) مجموع الفتاوي (١/ ٥٩).
(٤) مدارج السالكين ١/ ٤٣١.
[ ٤٧٦ ]
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وهو أكبر من كل شيء، وهو المستحق للتحميد والتنزيه، هو متصف بذلك كله في نفس الأمر. فالعباد لا يثبتون له بكلامهم شيئًا لم يكن ثابتا له، بل المقصود بكلامهم تحقيق ذلك في أنفسهم، فإنهم يسعدون السعادة التامة، إذا صار أحدهم ليس في نفسه إله إلا الله خلص من شرك المشركين" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وَأَمَّا الْحُزْنُ فَلَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ بِهِ وَلَا رَسُولُهُ بَلْ قَدْ نَهَى عَنْهُ فِي مَوَاضِعَ وَإِنْ تَعَلَّقَ بِأَمْرِ الدِّينِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾ [آل عمران: ١٣٩] ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ [يس: ٧٦] ﴿لِكَيْلا""تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣].
وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ لَا يَأْمُرُ اللَّهُ بِهِ، نَعَمْ وَلَا يَأْثَمُ بِهِ صَاحِبُهُ إذَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِحُزْنِهِ مُحَرَّمٌ
وَقَدْ يَقْتَرِنُ الْحُزْنُ بِمَا يُثَابُ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ وَيُحْمَدُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ مَحْمُودًا مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ لَا مِنْ جِهَةِ الْحُزْنِ، كَالْحَزِينِ عَلَى مُصِيبَةٍ فِي دِينِهِ وَعَلَى مَصَائِبِ الْمُسْلِمِينَ عُمُومًا، فَهَذَا يُثَابُ عَلَيْهِ عَلَى قَدْرِ مَا فِي قَلْبِهِ مِنْ حُبِّ الْخَيْرِ وَبُغْضِ الشَّرِّ وَتَوَابِعِ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ الْحُزْنَ عَلَى ذَلِكَ إذَا أَفْضَى إلَى تَرْكِ مَأْمُورٍ مِنْ الصَّبْرِ وَالْجِهَادِ وَجَلْبِ مَنْفَعَةٍ وَدَفْعِ مَضَرَّةٍ نُهِيَ عَنْهُ وَإِلَّا كَانَ حَسْبَ صَاحِبِهِ رُفِعَ الْإِثْمُ عَنْهُ مِنْ جِهَةِ الْحُزْنِ، وَأَمَّا إذَا أَفْضَى إلَى ضَعْفِ الْقَلْبِ وَاشْتِغَالِهِ بِهِ عَنْ فِعْلِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ كَانَ مَذْمُومًا وَمَرْدُودًا عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ وَإِنْ كَانَ مَحْمُودًا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى" (^٢).
_________________
(١) جامع المسائل لابن تيمية ٣/ ٢٧٨ - ٢٧٩.
(٢) الآداب الشرعية والمنح المرعية ٢/ ٢٧٧.
[ ٤٧٧ ]
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "سر عظيم من أسرار التوحيد، وهو أن القلب لا يستقر ولا يطمئن ويسكن إلا بالوصول إليه، وكل ما سواه مما يحب ويراد فمراد لغيره، وليس المراد المحبوب لذاته إلا واحدا إليه المنتهى، ويستحيل أن يكون المنتهى إلى اثنين كما يستحيل أن يكون ابتداء المخلوقات من اثنين، فمن كان انتهاء محبته ورغبته وإرادته وطاعته إلى غيره بطل عليه ذلك، وزال عنه وفارقه أحوج ما كان إليه، ومن كان انتهاء محبته ورغبته ورهبته وطلبه هو سبحانه ظفر بنعمه ولذته وبهجته وسعادته أبد الآباد. " (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وملاك النجاة والسعادة والفوز بتحقيق التوحيدين اللذين عليهما مدار كتب الله تعالى، وبتحقيقهما بعث الله ﷾ رسله عليهم الصلاة والسلام وإليهما رغب الرسل صلوات الله وسلامه عليهم كلهم، من أولهم إلى آخرهم.
أحدهما: التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي المتضمن إثبات صفات الكمال لله تعالى، وتنزيهه فيها عن التشبيه والتمثيل، وتنزيهه عن صفات النقص.
والتوحيد الثاني: عبادته وحده لا شريك له، وتجريد محبته والإخلاص له وخوفه ورجاؤه والتوكل عليه والرضى به ربا وإلها ووليا، وأن لا يجعل له عدلا في شيء من الأشياء.
وقد جمع ﷾ هذين النوعين من التوحيد في سورتي الإخلاص وهما: سورة ﴿قل ياأيها الكافرون﴾ المتضمنة للتوحيد العملي الإرادي، وسورة ﴿قل هو الله أحد﴾ المتضمنةللتوحيد الخبري العلمي.
_________________
(١) الفوائد ص: ٢٠٢.
[ ٤٧٨ ]
فسورة ﴿قل هو الله أحد﴾ فيها بيان ما يجب لله تعالى من صفات الكمال، وبيان ما يجب تنزيهه من النقائص والأمثال، وسورة ﴿قل ياأيها الكافرون﴾ فيها إيجاب عبادته وحده، والتبري من عبادة كل ما سواه.
ولا يتم أحد التوحيدين إلا بالآخر، ولهذا كان النبي ﷺ يقرأ بهاتين السورتين في سنة الفجر والوتر، اللتين هما فاتحة العملوخاتمته، ليكون مبدأ النهار توحيدا وخاتمته توحيدا" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فالنعمة المطلقة: هي المتصلة بسعادة الأبد، وهي نعمة الإسلام والسنة، وهي النعمة التي أمرنا الله سبحانه أن نسأله في صلواتنا؛ أن يهدينا صراط أهلها ومن خصهم بها وجعلهم أهل الرفيق الأعلى، حيث يقول تعالى: ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا﴾ [النساء: الآية: ٦٩]. فهؤلاء الأصناف الأربعة هم أهل هذه النعمة المطلقة، وأصحابها" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ومن كان انتهاء محبته ورغبته ورهبته وطلبه هو سبحانه ظفر بنعمه ولذته وبهجته وسعادته أبد الآباد" (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "لا سعادة لهم ولا فلاح ولا صلاح ولا نعيم إلا بأن يعرفوه ويعتقدوه، ويكون هو وحده غاية مطلوبهم، والتقرب إليه قرة عيونهم، فمتى فقدوا ذلك كانوا أسوأ حالا
_________________
(١) اجتماع الجيوش الإسلامية ١/ ٨٤ - ٨٦.
(٢) اجتماع الجيوش الإسلامية ١/ ٣.
(٣) الفوائد: ص: ٢٠٢.
[ ٤٧٩ ]
من الأنعام، وكانت الأنعام أطيب عيشا منهم في العاجل وأسلم عاقبة في الآجل" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فالغاية الحميدة التي يحصل بها كمال بني آدم وسعادتهم ونجاحهم هي معرفة الله ومحبته وعبادته وحده لا شريك له وهي حقيقة قول العبد لا اله إلا الله وبها بعث الرسل ونزلت جميع الكتب ولا تصلح النفس ولا تزكو ولا تكمل إلا بذلك" (^٢).
• قال حافظ بن أحمد حكمي (ت: ١٣٧٧ هـ) ﵀: "هي سبيل السعادة في الدارين أي طريقهما لا وصول إليهما إلا بهذه الكلمة" (^٣).
المطلب الرابع والعشرون: أهل التوحيد أحق الناس برحمته.
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وأحق الناس برحمته: هم أهل التوحيد والإخلاص له، فكل من كان أكمل في تحقيق إخلاص "لا إله إلا الله" علما وعقيدة وعملا وبراءة وموالاة ومعاداة: كان أحق بالرحمة" (^٤).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: عند قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ
_________________
(١) الصواعق المرسلة "١/ ٣٦٥ - ٣٦٧.
(٢) مفتاح دار السعادة ٢/ ١٢٠.
(٣) معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد لحافظ الحكمي. ص ٢٢١.
(٤) مجموع الفتاوى ١٤/ ٤١٤.
[ ٤٨٠ ]
يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: الآية: ١٨]، "بين إنما يعمرها من آمن بالله، واليوم الآخر، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، ولم يخش إلا الله، وهذه صفة أهل التوحيد وإخلاص الدين لله، الذين لا يخشون إلا الله، ولا يرجون سواه، ولا يستعينون إلا به، ولا يدعون إلا إياه" (^١).
المطلب الخامس والعشرون: التوحيد يجعل المؤمن ينطق بالحكمة.
• قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُور مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: الآية: ٢٢].
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "يقول تعالى ذكره: أفمن فَسَح الله قلبه لمعرفته، والإقرار بوحدانيته، والإذعان لربوبيته، والخضوع لطاعته ﴿فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبّهِ﴾ يقول: فهو على بصيرة مما هو عليه ويقين، بتنوير الحقّ في قلبه، فهو لذلك لأمر الله متبع، وعما نهاه عنه منته فيما يرضيه، كمن أقسى الله قلبه، وأخلاه من ذكره، وضيّقه عن استماع الحق، واتّباع الهدى، والعمل بالصواب؟ وترك ذكر الذي أقسى الله قلبه" (^٢).
• قال تعالى ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٧/ ٤٩٩).
(٢) تفسير جامع البيان عن تأويل القرآن للطبري (سورة الزمر: الآية: ٢٢).
[ ٤٨١ ]
لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: الآية: ٣٥]
• قال سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي الصرصري الحنبلي (ت ٧١٦ هـ) ﵀: "النفس إذا استعدت لقبول العيان، بالعلوم النظرية صارت كسراج فيه ذبالة مرواة بالزيت، فإذا أشرقت عليها أنوار المعرفة أوقدتها فعادت كمشكاة فيها مصباح" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "قال تعالى: ﴿نور على نور﴾ [النور: الآية: ٣٥]، قال بعض السلف في الآية: هو المؤمن ينطق بالحكمة وإن لم يسمع فيها بأثر فإذا سمع بالأثر كان نورا على نور. نور الإيمان الذي في قلبه يطابق نور القرآن كما أن الميزان العقلي يطابق الكتاب المنزل؛ فإن الله أنزل الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط. وقد يؤتى العبد أحدهما ولا يؤتى الآخر" (^٢).
• قال أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني (ت: ٨٨٠ هـ) ﵀: "ذكر الله-﷿-يوجب النور والهداية والاطمئنان في النفوس الطاهرة الروحانيَّة، ويوجب القَسْوَة والبعد عن الحقّ في النفوس الخبيثة الشَّيْطَانِيَّة" (^٣).
المطلب السادس والعشرون: التوحيد واعظ الله في قلب كل مؤمن.
• عن النواس عن النبي ﷺ أنه قال: " «ضرب الله مثلا صراطا
_________________
(١) الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية ص: ٣٨٥.
(٢) مجموع الفتاوى ١٥/ ٤٧٥.
(٣) اللباب في علوم الكتاب لابن عادل. (الزمر: ٢٢).
[ ٤٨٢ ]
مستقيما. وعلى جنبتي الصراط سوران وفي السورين أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة، وداع يدعو على رأس الصراط وداع يدعو من فوق الصراط. فالصراط المستقيم هو الإسلام، والستور حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله فإذا أراد العبد أن يفتح بابا من تلك الأبواب ناداه المنادي-أو كما قال-يا عبد الله لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه. والداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مؤمن».
• قال أبو العالية (ت: ٩٣ هـ) ﵀: "يأتي على الناس زمان تخرب صدورهم من القرآن، ولا يجدون له حلاوة ولا لذاذة، إن قصروا عما أمروا به قالوا: إن الله غفور رحيم! وإن عملوا بما نهوا عنه قالوا: سيغفر لنا؛ إنا لم نشرك بالله شيئا!! أمرهم كله طمع ليس معه صدق، يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب، أفضلهم في دينه المداهن" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فقد بين أن في قلب كل مؤمن واعظ والواعظ الأمر والنهي بترغيب وترهيب؛ فهذا الأمر والنهي الذي يقع في قلب المؤمن مطابق لأمر القرآن ونهيه ولهذا يقوى أحدهما بالآخر" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "القلبُ في سيره إلى الله ﷿ بمنزلة الطَّائر، فالمحبَّة رأسه، والخوف والرَّجاء جناحاه، فمتى سلِم الرَّأس والجناحان، فالطائر جيِّدُ الطيران، ومتى قطع الرأس، مات الطائر، ومتى فقد الجناحان، فهو عرضة لكل صائدٍ وكاسر" (^٣).
_________________
(١) الزهد للإمام أحمد الأثر (١٧١٤) ص ٢٤٥.
(٢) مجموع الفتاوى ١٥/ ٤٧٥.
(٣) مدارج السالكين ١/ ٥١٤.
[ ٤٨٣ ]
المطلب السابع والعشرون: التوحيد يدعو إلى محبة الله.
• عن عائشة (ت: ٥٨ هـ) ﵂؛ أن النبي ﷺ بعث رجلًا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاته، فيختم ب ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾، فلما رجعوا؛ ذكروا ذلك للنبي ﷺ، فقال: «سلوه: لأي شيء يصنع ذلك؟». فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها. فقال النبي ﷺ: «أخبروه أن الله يحبه» (^١).
• عن أنس بن مالك (ت: ٩٠ هـ) ﵁-قال: كانَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ يَؤُمُّهُمْ في مَسْجِدِ قُباءٍ، وكانَ كُلَّما افْتَتَحَ سُورَةً يَقْرَأُ بها لهمْ في الصَّلَاةِ ممَّا يَقْرَأُ به افْتَتَحَ: بقُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ حتَّى يَفْرُغَ مِنْها، ثُمَّ يَقْرَأُ سُورَةً أُخْرَى معها، وكانَ يَصْنَعُ ذلكَ في كُلِّ رَكْعَةٍ، فَكَلَّمَهُ أصْحابُهُ، فقالوا: إنَّكَ تَفْتَتِحُ بهذِه السُّورَةِ، ثُمَّ لَا تَرَى أنَّها تُجْزِئُكَ حتَّى تَقْرَأَ بأُخْرَى، فَإِمَّا تَقْرَأُ بها وإمَّا أنْ تَدَعَها، وتَقْرَأَ بأُخْرَى فقالَ: ما أنا بتارِكِها، إنْ أحْبَبْتُمْ أنْ أؤُمَّكُمْ بذلكَ فَعَلْتُ، وإنْ كَرِهْتُمْ تَرَكْتُكُمْ، وكانُوا يَرَوْنَ أنَّه مِنْ أفْضَلِهِمْ، وكَرِهُوا أنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ، فَلَمَّا أتاهُمُ النبيُّ ﷺ أخْبَرُوهُ الخَبَرَ، فقالَ: «يا فُلَانُ، ما يَمْنَعُكَ أنْ تَفْعَلَ ما يَأْمُرُكَ به أصْحابُكَ، وما يَحْمِلُكَ علَى لُزُومِ هذِه السُّورَةِ في كُلِّ رَكْعَةٍ» فقالَ: إنِّي أُحِبُّها، فقالَ: «حُبُّكَ إيَّاها أدْخَلَكَ الجَنَّةَ» (^٢).
_________________
(١) رواه البخاري (٧٣٧٥)، ومسلم (٨١٣).
(٢) أخرجه البخاري معلقًا بصيغة الجزم (٧٧٤)، وأخرجه موصولًا الترمذي (٢٩٠١).
[ ٤٨٤ ]
• قال الصحابي الجليل أبو الدرداء (ت: مابين ٣٢ - ٣٨ هـ) ﵁: "إن شئتم لأُقسمنَّ لكم؛ إنَّ أحب العباد إلى الله: الذين يحبُّون الله، ويحببون الله إلى عباده" (^١).
• قال الربيع بن أنس (ت: ١٣٩ هـ) ﵀: "علامة حب الله: كثرة ذكره، فإنك لا تحب شيئا إلا أكثرت من ذكره" (^٢).
• قال إبراهيم الحربي (ت: ٢٥٨ هـ) ﵀: سمعت أحمد بن حنبل (ت: ٢٤١ هـ) ﵀-يقول: "إن أحببت أن يدوم الله لك على ما تحب فدم له على ما يحب" (^٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وليس للقلوب سرور ولذة تامة إلا في محبة الله تعالى، والتقرب إليه بما يحبه، ولا تتم محبة الله إلا بالإعراض عن كل محبوب سواه، وهذا حقيقة لا إله إلا الله" (^٤).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فَمن كَانَ الله يُحِبهُ اسْتَعْملهُ فِيمَا يُحِبهُ، ومحبوبه لَا يفعل مَا يبغضه الْحق ويسخطه من الْكفْر والفسوق والعصيان" (^٥).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "العبادة تتضمن: كمال الحب، وكمال التعظيم، وكمال الرجاء، والخشية، والإجلال، والإكرام" (^٦).
_________________
(١) المصنف، لابن أبي شيبة (٣٤٦٠٣).
(٢) مدارج السالكين ٢/ ١٦٣.
(٣) البداية والنهاية ١٠/ ٣٦٣.
(٤) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٣٢.
(٥) العبودية (١/ ١١٣)
(٦) مجموع الفتاوى ١٠/ ٤٨٨.
[ ٤٨٥ ]
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "ومحبة التوحيد إنما تكون لله وحده على متابعة رسوله؛ كما قال تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم﴾ [آل عمران: الآية: ٣١]، فلهذا يكون أهل الاتباع فيهم جهاد ونية في محبتهم؛ يحبون لله ويبغضون له. وهم على ملة إبراهيم. والذين معه ﴿إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده﴾ [الممتحنة: الآية: ٤]، وأولئك محبتهم فيها شرك وليسوا متابعين للرسول ولا مجاهدين في سبيل الله فليست هي المحبة الإخلاصية. فإنها مقرونة بالتوحيد" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فالمحب الصادق: إن نطق نطق لله وبالله، وإن سكت سكت لله، وإن تحرك فبأمر الله، وإن سكن فسكونه استعانة على مرضاة الله، فهو لله وبالله ومع الله" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ومن كان انتهاء محبته ورغبته ورهبته وطلبه هو سبحانه ظفر بنعمه ولذته وبهجته وسعادته أبد الآباد" (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "إن الحديد إذا لم يستعمل غشيه الصدأ حتى يفسده كذلك القلب إذا عطل من حب الله والشوق إليه وذكره غلبه الجهل حتى يميته ويهلكه" (^٤).
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٥/ ٦١٤.
(٢) مفتاح دار السعادة ١/ ٤٥٣.
(٣) الفوائد: ص: ٢٠٢.
(٤) روضة المحبين ١/ ١٦٦.
[ ٤٨٦ ]
المطلب الثامن والعشرون: التوحيد حامل على تعظيم الله والحياء منه.
• قال تعالى: ﴿مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: الآية: ١٣].
• قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: "لا تعظمون الله حق عظمته، أي: لا تخافون من بأسه ونقمته" (^١).
• قال الحسن البصري (ت: ١١٠ هـ) ﵀: "ما لكم لا تعرفون لله حقا ولا تشكرون له نعمة (^٢).
• قال قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀: ما لكم لا ترجون لله عاقبة؛ كأن المعنى ما لكم لا ترجون لله عاقبة الإيمان.
• قال وهب بن كيسان (ت: ١٢٧ هـ) ﵀: "ما لكم لا ترجون في عبادة الله وطاعته أن يثيبكم على توقيركم خيرا" (^٣).
• قال ابن زيد (ت: ١٨٢ هـ) ﵀: "ما لكم لا تؤدون لله طاعة" (^٤).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ): "معنى ذلك: ما لكم لا تخافون لله عظمة" (^٥).
• قال أبو مسلم محمد بن بحر الأصفهاني (ت: ٣٢٢ هـ) ﵀: إن
_________________
(١) تفسير ابن كثير (سورة نوح الآية: ١٣).
(٢) تفسير القرطبي (سورة نوح الآية: ١٣).
(٣) تفسير القرطبي (سورة نوح الآية: ١٣).
(٤) تفسير القرطبي (سورة نوح الآية: ١٣).
(٥) تفسير الطبري (سورة نوح الآية: ١٣).
[ ٤٨٧ ]
الوقار الثبات لله ﷿؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وقرن في بيوتكن﴾ [الأحزاب: الآية: ٣٣]، أي اثبتن. ومعناه ما لكم لا تثبتون وحدانية الله تعالى وأنه إلهكم لا إله لكم سواه؛ " (^١).
• قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: "والوقار: العظمة. والتوقير: التعظيم، وقيل: ما لكم لا توحدون الله؛ لأن من عظمه فقد وحده" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فإن عظمة الله تعالى وجلاله في قلب العبد يقتضي تعظيم حرماته، وتعظيم حرماته يحول بينه وبين الذنوب والمتجرئون على معاصيه ما قدروه حق قدره" (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "من وقارهِ أن يستحي منه في الخلوة أعظم مما يستحي من أكابر النّاس" (^٤).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: قال بعض السلف: "أكبر الكبائر الأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله" (^٥).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "على قدر المعرفة يكون تعظيم الرب تعالى في القلب. وأعرف الناس به: أشدهم له تعظيما وإجلالا" (^٦).
_________________
(١) تفسير القرطبي (سورة نوح الآية: ١٣).
(٢) تفسير القرطبي (سورة نوح الآية: ١٣).
(٣) الجواب الكافي، لابن القيم، ص ١٣٤.
(٤) الفوائد ١٨٨.
(٥) الفوائد ص: ١٧٩.
(٦) مدارج السالكين ٣/ ٤٦٣.
[ ٤٨٨ ]
• قال محمد بن مفلح (ت: ٧٦٣ هـ) ﵀: "إِنَّ اللَّهَ بِحَمْدِهِ نَزَّهَ الْإِسْلَامَ عَنْ كُلِّ قَبِيحَةٍ، وَأَكْرَمَهُ عَنْ كُلِّ رَذِيلَةٍ وَرَفَعَهُ عَنْ كُلِّ دَنِيئَةٍ، وَشَرَّفَهُ بِكُلِّ فَضِيلَةٍ، وَجَعَلَ سِيمَا أَهْلِهِ الْوَقَارَ وَالسَّكِينَةَ" (^١).
• قال محمد بن أحمد السفاريني (ت: ١١٨٨ هـ) ﵀: "فإذا رأيت إنسانًا لا يبالي بما أصابه في دينه؛ من ارتكاب الذنوب، وفوات الجمعة والجماعة، وأوقات الطاعات؛ فاعلم أنه ميت لا يحس بألم المصيبة، فإنك لا تُسمع الموتى" (^٢).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀-عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: الآية: ١٣]: " أي: لا تخافون لله عظمة، وليس لله عندكم قدر" (^٣).
المطلب التاسع والعشرون: التوحيد هو السبب الأعظم لتفريج كربات الدنيا والآخرة، يدفع الله به العقوبات في الدارين، ويبسط به النعم والخيرات.
• عن عبد الله بن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄-قال: إنَّ نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ عند الكربِ: «لا إله إلا الله العظيمُ الحليمُ، لا إله إلا الله ربُّ العرشِ العظيمُ، لا إله إلا اللهُ ربُّ السمواتِ وربُّ الأرضِ وربُّ العرشِ الكريمُ» (^٤).
_________________
(١) الآداب الشرعية ١/ ٣٥٩.
(٢) غذاء الألباب ٢/ ٣٣٤.
(٣) تفسير السعدي (سورة نوح الآية: ١٣).
(٤) صحيح مسلم: ٢٧٣٠.
[ ٤٨٩ ]
• عن أسماء بنت عميس ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ: «ألَا أُعلِّمُكِ كلماتٍ تقولينَهُنَّ عندَ الكَرْبِ، أو في الكَرْبِ؟ اللهُ اللهُ ربِّي، لا أُشرِكُ به شيئًا» (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فما دُفعت شدائد الدنيا بمثل التوحيد، ولذلك كان دعاء الكرب بالتوحيد، ودعوة ذي النون التي ما دعا بها مكروب إلا فرج الله كربه بالتوحيد، فلا يلقي في الكُرب العظام إلا الشرك، ولا ينجي منها إلا التوحيد، فهو مفزع الخليقة وملجؤها وحصنها وغياثها" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "التَّوْحِيد مفزع أعدائه وأوليائه، فأما اعداؤه فينجيهم من كرب الدنيا وشدائدها ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْك دَعَوْا اللَّه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: الآية: ٦٥].
وَأما أولياؤه فينجيهم به من كربات الدنيا والآخرة وشدائدها؛ ولذلك فزع إليه يونس فنجاه الله من تلك الظلمات وفزع إليه أتباع الرسل فنجوا به مما عذب به المشركون في الدنيا وما أعد لهم في الآخرة، ولما فزع إليه فرعون عند معاينة الهلاك وإدراك الغرق له لم ينفعه لأن الإيمان عند المعاينة لا يقبل، هذه سنة الله في عباده، فما دفعت شدائد الدنيا بمثل التوحيد؛ ولذلك كان دعاء الكرب بالتوحيد ودعوة ذي النون التي ما دعا بها مكروب إلا فرج الله كربه بالتوحيد. فلا يلقي في الكرب العظام إلا الشرك ولا ينجي منها إلا التوحيد، فهو مفزع الخليقة وملجؤها وحصنها وغياثها" (^٣).
• قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ) ﵀: "قول الله تعالى: ﴿فَنادى في الظُّلُماتِ أن لا إلهَ إلّا أنت سُبحانك إني كُنْتُ من الظّالِمين﴾ [الأنبياء: الآية: ٨٧]، يدل على أنه ما من مؤمن يصيبه الكرب والغم فيبتهل إلى الله داعيًا بإخلاص، إلا نجاه الله من ذلك الغم، ولا سيما إذا دعا بدعاء يونس هذا" (^٤).
_________________
(١) رواه أبو داود (١٥٢٥).
(٢) الفوائد ص: ٥٣.
(٣) الفوائد ص ٥٣ ..
(٤) أضواء البيان للشنقيطي ٤/ ٢٤٤.
[ ٤٩٠ ]
المطلب الثلاثون: التوحيد شرط في الأمن والاهتداء التام.
• قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه: «وَمَنْ لَقِيَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطِيئَةً لَا يُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَقِيتُهُ بِمِثْلِهَا مَغْفِرَةً» (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فمن سلم من أجناس الظلم الثلاثة؛ كان له الأمن التام والاهتداء التام.
ومن لم يسلم من ظلمه نفسه؛ كان له الأمن والاهتداء مطلقا بمعنى أنه لا بد أن يدخل الجنة كما وعد بذلك في الآية الأخرى وقد هداه إلى الصراط المستقيم الذي تكون عاقبته فيه إلى الجنة ويحصل له من نقص الأمن والاهتداء بحسب ما نقص من إيمانه بظلمه نفسه.
وليس مراد النبي ﷺ بقوله: «إنما هو الشرك» أن من لم يشرك الشرك الأكبر يكون له الأمن التام والاهتداء التام. فإن أحاديثه الكثيرة مع نصوص القرآن تبين أن أهل الكبائر معرضون للخوف لم يحصل لهم الأمن التام ولا الاهتداء التام الذي يكونون به مهتدين إلى الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين من غير عذاب يحصل لهم؛ بل معهم أصل الاهتداء إلى هذا الصراط ومعهم أصل نعمة الله عليهم ولا بد لهم من دخول الجنة. وقول النبي ﷺ «إنما هو الشرك» إن أراد به الشرك الأكبر فمقصوده أن من لم يكن من أهله فهو آمن مما وعد به المشركون من عذاب الدنيا والآخرة وهو مهتد إلى ذلك.
_________________
(١) رواه مسلم (٢٦٨٧).
[ ٤٩١ ]
وإن كان مراده جنس الشرك؛ فيقال: ظلم العبد نفسه كبخله-لحب المال-ببعض الواجب هو شرك أصغر، وحبه ما يبغضه الله حتى يكون يقدم هواه على محبة الله شرك أصغر ونحو ذلك. فهذا صاحبه قد فاته من الأمن والاهتداء بحسبه ولهذا كان السلف يدخلون الذنوب في هذا الظلم بهذا الاعتبار" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "الأمن من عذاب الله وحصول السعادة إنما هو بطاعته تعالى لقوله: ﴿ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم﴾ [النساء: الآية: ١٤٧]، وقال تعالى: ﴿قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم﴾ [الفرقان: الآية: ٧٧]، أي لو لم تدعوه كما أمر فتطيعوه فتعبدوه وتطيعوا رسله فإنه لا يعبأ بكم شيئا. وهذه الوسيلة التي أمر الله أن تبتغى إليه فقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة﴾ [المائدة: الآية: ٣٥]، قال عامة المفسرين كابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ومجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) وعطاء بن أبي رباح (ت: ١١٤ هـ) والفراء (ت: ٢٠٧ هـ): الوسيلة القربة. قال قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ): تقربوا إلى الله بما يرضيه. قال أبو عبيدة: توسلت إليه أي تقربت. وقال عبد الرحمن بن زيد (ت: ١٨٢ هـ): تحببوا إلى الله. والتحبب والتقرب إليه إنما هو بطاعة رسوله. فالإيمان بالرسول وطاعته هو وسيلة الخلق إلى الله ليس لهم وسيلة يتوسلون بها ألبتة إلا الإيمان برسوله وطاعته" (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والخالص من الشرك يحصل له الأمن كما قال تعالى: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٧/ ٨١ - ٨٢).
(٢) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٤٣٣).
[ ٤٩٢ ]
لهم الأمن وهم مهتدون﴾ [الأنعام: الآية: ٨٢] وقد فسر النبي ﷺ الظلم هنا بالشرك" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "إن الإيمان الكامل بالله -تعالى- غير المتلبس بأي شيء من الشرك يكون جزاؤه وأجره عظيمًا، ومصير من أخلص لله -تعالى- بالتوحيد الجنة، والمفازة من النار، والتوحيد يكفّر الذنوب، ويمحو الخطايا، وأما الكفار فالشرك محبط لحسناتهم" (^٢).
المطلب الواحد والثلاثون: التوحيد يحقق في قلب العبد أن الله أكبر من كل شيء.
• قال تعالى: ﴿ولذكر الله أكبر﴾ [العنكبوت: الآية: ٤٥]
• قال تعالى: ﴿قل أي شيء أكبر شهادة﴾ [الأنعام: الآية: ١٩].
• عن عدي بن حاتم: أن النبي ﷺ قال له: "ما يفرك؟ أيفرك أن يقال: الله أكبر، فهل تعلم شيئًا أكبر من الله؟ " (^٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فكلما قال العبد: الله أكبر؛ تحقق قلبه بأن يكون الله في قلبه أكبر من كل شيء، فلا يبقى
_________________
(١) الفتاوى الكبرى ٥/ ٢٣٢.
(٢) هداية الحيارى لى أجوبة اليهود والنصاري ٢/ ٤٦٣.
(٣) أخرجه الترمذي (٢٩٥٣)، وأحمد (١٩٣٨١)، وابن حبان (٧٢٠٦). قال الترمذي: "حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث سماك بن حرب". وفي سنده عباد بن حبيش، قال الذهبي: لا يعرف، وذكره ابن حبان في "الثقات": (٥/ ١٤٢). وسماك في حفظه مقال، ولبعض ألفاظ الحديث شواهد.
[ ٤٩٣ ]
لمخلوق على القلب ربّانية تساوي ربّانية الرب، فضلًا عن أن تكون مثلها" (^١).
• قال ابن القيم: (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿قل أي شيء أكبر شهادة﴾ [الأنعام: الآية: ١٩]، وهذا يقتضي جوابا: لا شيء أكبر شهادة من الله، فالله أكبر شهادة من كل شيء. كما أن قوله لعدي: "هل تعلم شيئا أكبر من الله؟ " يقتضي جواب (١): لا شيء أكبر من الله، فالله أكبر من كل شيء" (^٢).
• قال ابن القيم: (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فالله سبحانه أكبر من كل شيء ذاتا وقدرا ومعنى وعزة وجلالة فهو أكبر من كل شيء في ذاته وصفاته وأفعاله كما هو فوق كل شيء وعال على كل شيء وأعظم من كل شيء وأجل من كل شيء في ذاته وصفاته وأفعاله" (^٣).
المطلب الثاني والثلاثون: التوحيد يورث المحبة والإجلال والتعظيم، والخوف والرجاء وتوابع ذلك.
• قال عمر (ت: ٢٣ هـ) ﵁-في وصيته: "وشاور في أمورك الذين يخشون الله تعالى" (^٤).
• قال الحافظ عبيد الله بن أبي جعفر (ت: ١٣٤ هـ) ﵀: "ما
_________________
(١) قاعدة حسنة في الباقيات الصالحات ص ٣٥، وجامع المسائل ٣/ ٢٨١.
(٢) تهذيب سنن أبي داود لابن القيم ١/ ٢٩.
(٣) الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة. لابن القيم ٤/ ١٣٧٩.
(٤) قوت القلوب ١/ ٣٤٥، مجمع الأمثال للميداني ١/ ٣٧٤.
[ ٤٩٤ ]
استعان عبد على دينه بمثل الخشية من الله" (^١).
• قال أبو علي الجوزجاني (ت: في القرن الرابع للهجرة) ﵀: "ثلاثة أشياء من عقد التوحيد: الخوف، والرجاء، والمحبة" (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "التوحيد للخالق بالرغبة إليه والرجاء له، والتوكل عليه، والحب له … فالرسول ﷺ أمر بتلك الأنواع الثلاثة الفاضلة المحمودة التي تصلح أمور أصحابها في الدنيا والآخرة" (^٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وليس للقلوب سرور ولذة تامة إلا في محبة الله تعالى، والتقرّب إليه بما يحبّه، ولا تتمّ محبّة الله إلا بالإعراض عن كل محبوب سواه، وهذا حقيقة لا إله إلا الله" (^٤).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "قال تعالى: ﴿إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا﴾ [الأنبياء: الآية: ٩٠] وقال تعالى: ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا﴾ [السجدة: الآية: ١٦] ولا يتصور أن يخلو داع لله-دعاء عبادة أو دعاء مسألة-من الرغب والرهب من الخوف والطمع" (^٥).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فَمن كَانَ الله يُحِبهُ اسْتَعْملهُ فِيمَا يُحِبهُ ومحبوبه لَا يفعل مَا يبغضه الْحق ويسخطه من الْكفْر والفسوق
_________________
(١) سير أعلام النبلاء، (٦/ ٩).
(٢) شعب الإيمان للبيهقي (٢/ ٧٣).
(٣) مجموع الفتاوى ١/ ١٩٥.
(٤) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٣٢.
(٥) الفتاوى الكبرى ٥/ ٢٢٠.
[ ٤٩٥ ]
والعصيان" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "مرض القلب يكون بالحب والبغض الخارجين عن الاعتدال، وهي الأهواء التي قال اللّه فيها: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ﴾ [القصص: الآية: ٥٠]، وقال: ﴿بَلْ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الروم: الآية: ٢٩] " (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فَمن كَانَ الله يُحِبهُ اسْتَعْملهُ فِيمَا يُحِبهُ، ومحبوبه لَا يفعل مَا يبغضه الْحق ويسخطه من الْكفْر والفسوق والعصيان" (^٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وقال الخليل: ﴿إنني براء مما تعبدون﴾ [الزخرف: الآية: ٢٦]، ﴿إلا الذي فطرني فإنه سيهدين﴾ [الزخرف: الآية: ٢٧]، والبراءة ضد الولاية وأصل البراءة البغض وأصل الولاية الحب وهذا لأن حقيقة التوحيد ألا يحب إلا الله ويحب ما يحبه الله لله فلا يحب إلا لله ولا يبغض إلا لله. قال تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله﴾ [البقرة: الآية: ١٦٥] " (^٤).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "الحنيفية: هي الاستقامة بإخلاص الدين لله وذلك يتضمن حبه تعالى والذل له لا يشرك به شيئا لا في الحب ولا في الذل فإن العبادة تتضمن غاية الحب بغاية الذل وذلك لا يستحقه إلا الله وحده وكذلك الخشية والتقوى لله وحده والتوكل على الله وحده" (^٥).
• قال ابن القيم: (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وروح هذه الكلمة وسرها: إفراد الرب-جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه، وتبارك اسمه، وتعالى جده،
_________________
(١) العبودية (١/ ١١٣).
(٢) مجموع الفتاوى ١٠/ ١٤٣.
(٣) العبودية ١/ ١١٣.
(٤) مجموع الفتاوى ١٥/ ٤٦٥.
(٥) مجموع الفتاوى ١٥/ ٤٦٦.
[ ٤٩٦ ]
ولا إله غيره-بالمحبة والإجلال والتعظيم، والخوف والرجاء، وتوابع ذلك من التوكل والإنابة، والرغبة والرهبة، فلا يحب سواه، وكل ما يحب غيره فإنما يحب تبعا لمحبته، وكونه وسيلة إلى زيادة محبته، ولا يخاف سواه، ولا يرجي سواه، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يرغب إلا إليه، ولا يرهب إلا منه، ولا يحلف إلا بإسمه، ولا ينذر إلا له، ولا يتاب إلا إليه، ولا يسجد إلا له، ولا يذبح إلا له وباسمه، ويجتمع ذلك في حرف واحد، وهو: أن لا يعبد إلا إياه بجميع أنواع العبادة، فهذا هو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله؛ ولهذا حرم الله على النار من شهد أن لا إله إلا الله حقيقة الشهادة، ومحال أن يدخل النار من تحقق بحقيقة هذه الشهادة وقام بها، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ﴾ [المعارج: الآية: ٣٣] " (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "كلما ازدادت معرفة العبد بربه ازدادت هيبته له وخشيته إياه، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ﴾ [فاطر: الآية: ٢٨] أي العلماء به، وقال النبي ﷺ: «أنا أعرفكم بالله وأشدكم له خشية» (^٢) " (^٣).
• قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "إنّ تحقق القلب بمعنى لا إله إلا الله وصدقه فيها، وإخلاصه بها يقتضي أن يرسخ فيه تألّه الله وحده، إجلالًا، وهيبة، ومخافة، ومحبة، ورجاء، وتعظيمًا، وتوكلًا، ويمتلئ بذلك، وينتفي عنه تأله ما سواه من المخلوقين، ومتى كان كذلك، لم
_________________
(١) زاد المعاد ٢/ ٢٢.
(٢) رواه البخاري (٦١٠١)، ومسلم (٢٣٥٦). بلفظ: «إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية». من حديث عائشة ﵂.
(٣) روضة المحبين (ص: ٤٠٦).
[ ٤٩٧ ]
يبق فيه محبة، ولا إرادة، ولا طلب لغير ما يريده الله ويحبه ويطلبه، وينتفي بذلك من القلب جميع أهواء النفوس وإراداتها، ووساوس الشيطان، فمن أحبّ شيئًا وأطاعه، وأحبّ عليه وأبغض عليه فهو إلهه، فمن كان لا يحبّ ولا يبغض إلا لله، ولا يوالي ولا يعادي إلا له، فالله إلهه حقًّا، ومن أحبّ لهواه، وأبغض لهواه، ووالى عليه، وعادى عليه، فإلهه هواه" (^١).
• قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "رقة القلوب تنشأ عن الذكر فإن ذكر الله يوجب خشوع القلب وصلاحه ورقته ويذهب الغفلة عنه" (^٢).
• قال محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفورى (ت ١٣٥٣ هـ) ﵀:
"قوله «أفضل الذكر لا إله إلا الله» لأنها كلمة التوحيد والتوحيد لا يماثله شيء وهي الفارقة بين الكفر والإيمان ولأنها أجمع للقلب مع الله وأنفى للغير وأشد تزكية للنفس وتصفية للباطن وتنقية للخاطر من خبث النفس وأطرد للشيطان" (^٣).
المطلب الثالث والثلاثون: كلما قوي التوحيد في قلب العبد قوي إيمانه وطمأنينته وتوكله ويقينه.
• قال أبو الدرداء (ت: مابين ٣٢ - ٣٨ هـ) ﵁: "إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ
_________________
(١) جامع العلوم والحكم، ١/ ٥٢٤.
(٢) لطائف المعارف ١/ ١٣.
(٣) تحفة الأحوذي في شرح سنن الترمذي ٩/ ٢٢٩.
[ ٤٩٨ ]
جِلَاءً، وَإِنَّ جِلَاءَ الْقُلُوبِ ذِكْرُ اللهِ ﷿" (^١).
• وقيل لسهل التستري (ت: ٢٨٣ هـ): "ما حقيقة التوكل في الأصل؟ فقال: حقيقة التوكل في الأصل الإقرار بالتوحيد" (^٢).
• قال سهل التستري (ت: ٢٨٣ هـ) ﵀: "عند تفسير قوله تعالى: ﴿لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا﴾ [المزمل: الآية: ٩]. أي كفيلا بما وعدك من المعونة على الأمر، والعصمة عن النهي، والتوفيق للشكر، والصبر في البلوى، والخاتمة المحمودة. ثم قال: في الدنيا الجنة والنار، فالجنة والعافية أن تولي الله أمرك، والنار البلوى، والبلوى أن يكلك إلى نفسك. قيل: فما الفرج؟ قال: لا تطمع في الفرج وأنت ترى مخلوقا، وما من عبد أراد الله بعزم صحيح إلا زال عنه كل شيء دونه، وما من عبد زال عنه كل شيء دونه إلا حق عليه أن يقوم بأمره، وليس في الدنيا مطيع لله وهو يطيع نفسه، ولا يتباعد أحد عن الله إلا بالاشتغال بغير الله، وإنما تدخل الأشياء على الفارغ، وأما من كان مشغول القلب بالله لم تصل إليه الوسوسة وهو في المزيد أبدا، واحفظ نفسك بالأصل. قيل له: ما هو؟ قال: التسليم لأمر الله، والتبري ممن سواه" (^٣).
• قال أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد بن حبان، الدارمي، البُستي (ات: ٣٥٤ هـ): "الواجب على العاقل لزوم التوكل على من تكفل بالأرزاق؛ إذ التوكل هو نظام الإيمان، وهو قرين التوحيد، وهو السبب المؤدي إلى نفي الفقر ووجود الراحة، وما توكل أحد على الله جل وعلا
_________________
(١) شعب الإيمان للبيهقي (٥٢٠).
(٢) تفسير التستري (سورة النساء: الآية: ٨١).
(٣) تفسير التستري ص ١٨٠.
[ ٤٩٩ ]
من صحة قلبه - حتى كان الله جل وعلا بما تضمن من الكفالة أوثق عنده بما حوته يده، إلا لم يكله الله إلى عباده، وآتاه رزقه من حيث لم يحتسب" (^١).
• قال أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد بن حبان، الدارمي، البُستي (ت: ٣٥٤ هـ): "التوكل هو نظام الإيمان، وقرين التوحيد، وهو السبب المؤدي إلى نفي الفقر ووجود الراحة.
وما توكل أحد على اللَّه جل وعلا من صحة قلبه حتى كان اللَّه جل وعلا بما تضمن من الكفالة أوثق عنده بما حوته يده إلا لم يكله اللَّه إلى عباده وآتاه رزقه من حيث لم يحتسب" (^٢).
• قال سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي الصرصري الحنبلي (ت ٧١٦ هـ) ﵀: " قوله تعالى: ﴿الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ [التغابن: الآية: ١٣] فيه أن التوكل قرين التوحيد ونتيجته، ومن أكبر مقاماته، والتوكل هو التفويض إلى الله-﷿-مع ترك الاعتراض. " (^٣).
• قال الإمام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والعبد إذا أنعم الله عليه بالتوحيد فشهد أن لا إله إلا الله مخلصا من قلبه، والإله هو المعبود الذي يستحق غاية الحب والعبودية بالإجلال والإكرام والخوف والرجاء يفنى القلب بحب الله تعالى عن حب ما سواه ودعائه والتوكل عليه وسؤاله عما سواه وبطاعته عن طاعة ما سواه حلاه الله بالأمن والسرور والحبور والرحمة للخلق؛ والجهاد في سبيل الله؛ فهو يجاهد ويرحم. له الصبر والرحمة قال الله تعالى: ﴿وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة﴾ [البلد: الآية: ١٧]، وكلما قوي التوحيد في قلب العبد قوي إيمانه وطمأنينته وتوكله ويقينه.
والخوف الذي يحصل في قلوب الناس هو الشرك الذي في قلوبهم قال الله تعالى: ﴿سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله﴾ [آل عمران: الآية: ١٥]. وكما قال الله ﷻ في قصة الخليل ﵇ أتحاجونني في الله وقد هداني إلى قوله: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك
_________________
(١) روضة العقلاء - صفحة (٢٠٩).
(٢) روضة العقلاء ص ١٥٣.
(٣) كتاب الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية ص: ٦٤٣.
[ ٥٠٠ ]
لهم الأمن وهم مهتدون﴾ [الأنعام: الآية: ٨٢]. وفي الحديث الصحيح: "تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش".
فمن كان في قلبه رياسة لمخلوق ففيه من عبوديته بحسب ذلك. فلما خوفوا خليله بما يعبدونه ويشركون به-الشرك الأكبر كالعبادة-قال الخليل: ﴿وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون﴾ [الأنعام: الآية: ٨١]، يقول: إن تطيعوا غير الله وتعبدوا غيره وتكلمون في دينه ما لم ينزل به سلطانا: فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون؟ أي تشركون بالله ولا تخافونه وتخوفوني أنا بغير الله فمن ذا الذي يستحق الأمن إلى قوله: ﴿أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾ [الأنعام: الآية: ٨٢]، أي: هؤلاء الموحدون المخلصون؛ ولهذا قال الإمام أحمد لبعض الناس: لو صححت لم تخف أحدا" (^١).
• قال الإمام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فالتوحيد والإشراك يكون في أقوال القلب، ويكون في أعمال القلب؛ ولهذا قال الجنيد: التوحيد قول القلب، والتوكل عمل القلب أراد بذلك التوحيد الذي هو التصديق، فإنه لما قرنه بالتوكل جعله أصله، وإذا أفرد لفظ التوحيد فهو يتضمن قول القلب وعمله، والتوكل من تمام التوحيد" (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والتوكل معنى يلتئم من معنى التوحيد والعقل والشرع، فالموحد المتوكل لا يلتفت إلى الأسباب،
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٣٦).
(٢) الفتاوى الكبرى ٥/ ٢٤٠.
[ ٥٠١ ]
بمعنى أنه لا يطمئن إليها، ولا يثق بها، ولا يرجوها، ولا يخافها؛ فإنه ليس في الوجود سبب يستقل بحكم، بل كل سبب فهو مفتقر إلى أمور أخرى تضم إليه، وله موانع وعوائق تمنع موجبه، وما ثم سبب مستقل بالإحداث إلا مشيئة الله وحده، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وما شاء خلقه بالأسباب التي يحدثها ويصرف عنه الموانع، فلا يجوز التوكل إلا عليه" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "كلما قوي طمع العبد في فضل الله ورحمته ورجائه لقضاء حاجته ودفع ضرورته، قويت عبوديته له، وحريته مما سواه" (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: عند تفسير قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ كِدنا لِيوسُفَ﴾ [يوسف: الآية: ٧٦]. " … وفيها تنبيه على أن المؤمنَ المتوكّلَ على الله إذا كاده الخلقُ فإنّ اللهَ سبحانه يَكيِدُ له وينتصِرُ له بغير حول منه ولا قوة" (^٣).
• قال الإمام ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فالتوحيد يفتح للعبد باب الخير والسرور واللذة والفرج والابتهاج" (^٤).
• قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "والتوكل من أعظم الأسباب التي تطلب بها الحوائج، فإن الله يكفي من توكل عليه، كما قال: ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾ [الطلاق: الآية: ٣] " (^٥).
_________________
(١) منهاج السنة ٥/ ٣٦٦ - ٣٦٧.
(٢) مجموع الفتاوى ١٠/ ١٨٤.
(٣) الفتاوى الكبرى (٦/ ١٣٢).
(٤) زاد المعاد ٤/ ١٨٦.
(٥) نور الاقتباس ص ١٥١ ط ٤. دار البشائر ١٤٢٤.
[ ٥٠٢ ]
• قال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀: عند شرح قول النبي ﷺ: «من سرته حسنته، وساءته سيئته فذلك المؤمن» (^١). "فإذا رأيت من نفسك أن صدرك ينشرح بالطاعة، وأنه يضيق بالمعصية فهذه بشرى لك، أنك من عباد الله المؤمنين ومن أوليائه المتقين" (^٢).
المطلب الرابع والثلاثون: التوحيد يحقق الرجاء بالله وحده.
• قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: الآية: ٥٧].
• عن أنس بن مالك (ت: ٩٠ هـ) ﵁، أنَّ النَّبيَّ ﷺ دخلَ على شابٍّ وَهوَ في الموتِ فقالَ: «كيفَ تجدُكَ» قالَ واللَّهِ يا رسولَ اللَّهِ إنِّي أرجو اللَّهَ وإنِّي أخافُ ذنوبي فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يجتَمِعانِ في قلبِ عبدٍ في مثلِ هذا الموطِنِ إلَّا أعطاهُ اللَّهُ ما يرجو وآمنَهُ ممَّا يخافُ» (^٣).
_________________
(١) رواه الترمذي (٢١٦٥)، وأحمد (١/ ١٨) (١٤)، والحاكم (١/ ١٩٧). من حديث عمر بن الخطاب ﵁. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي، وقال الألباني في «إرواء الغليل» (٦/ ٢١٥).
(٢) شرح رياض الصالحين ٦/ ٧٨.
(٣) انظر: صحيح الترمذي برقم (٩٨٣) وحسنه الألباني.
[ ٥٠٣ ]
وقوله: "لا يَجتمِعان"، أي: الرَّجاءُ والخوفُ مِنْ اللهِ، "في قلبِ عبدٍ في مثلِ هذا الموطنِ"، أي: عندَ قُربِ موتِه، "إلَّا أعطاه اللهُ ما يَرْجو وآمَنه ممَّا يَخافُ"، أي: إنَّ اللهَ يُعطيه ما يَرْجوه مِنْ عَفْوِه ودخولِ الجنَّةِ، ويُؤمِّنُه ممَّا يَخافُه؛ مِنْ النَّارِ.
وفي الحديث: بيانُ فَضلِ الخوفِ والرَّجاءِ مِنْ اللهِ تعالى، وأنَّهما سببٌ للنَّجاةِ من النارِ ودُخولِ الجنَّةِ؛ لأنَّهما يحثَّانِ الإنسانِ على حُسنِ العَملِ مع حُسنِ الاعتقادِ في اللهِ.
قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فالرجاء ينبغي أن يتعلق بالله، ولا يتعلق بمخلوق ولا بقوة العبد ولا عمله، فإن تعليق الرجاء بغير الله إشراك، وإن كان الله قد جعل لها أسبابا فالسبب لا يستقل بنفسه، بل لا بد له من معاون، ولا بد أن يمنع المعارض المعوق له وهو لا يحصل ويبقى إلا بمشيئة الله تعالى.
ولهذا قيل: الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابا نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع.
ولهذا قال الله تعالى: ﴿فإذا فرغت فانصب﴾ [الشرح: الآية: ٧] ﴿وإلى ربك فارغب﴾ [الشرح: الآية: ٨] فأمر بأن تكون الرغبة إليه وحده، وقال: ﴿وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين﴾ [المائدة: الآية: ٢٣] فالقلب لا يتوكل إلا على من يرجوه، فمن رجا قوته أو عمله أو علمه أو أو صديقه أو قرابته أو شيخه أو ملكه أو ماله غير ناظر إلى الله كان فيه نوع توكل على ذلك السبب، وما رجا أحد مخلوقا أو توكل عليه إلا خاب ظنه فيه فإنه مشرك: ﴿ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان
[ ٥٠٤ ]
سحيق﴾ [الحج: الآية: ٣١] " (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وروح هذه الكلمة وسرها: إفراد الرب-جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه، وتبارك اسمه، وتعالى جده، ولا إله غيره-بالمحبة والإجلال والتعظيم، والخوف والرجاء، وتوابع ذلك من التوكل والإنابة، والرغبة والرهبة، فلا يحب سواه، وكل ما يحب غيره فإنما يحب تبعا لمحبته، وكونه وسيلة إلى زيادة محبته، ولا يخاف سواه، ولا يرجي سواه، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يرغب إلا إليه، ولا يرهب إلا منه، ولا يحلف إلا بإسمه، ولا ينذر إلا له، ولا يتاب إلا إليه، ولا يسجد إلا له، ولا يذبح إلا له وباسمه، ويجتمع ذلك في حرف واحد، وهو: أن لا يعبد إلا إياه بجميع أنواع العبادة، فهذا هو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله؛ ولهذا حرم الله على النار من شهد أن لا إله إلا الله حقيقة الشهادة، ومحال أن يدخل النار من تحقق بحقيقة هذه الشهادة وقام بها، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ﴾ [المعارج: الآية: ٣٣] " (^٢).
المطلب الخامس والثلاثون: التوحيد يورث الهمة العالية.
• روي عن عمر بن الخطّاب (ت: ٢٣ هـ) ﵁-أنه قال: "لا تصغرنَّ همتكم؛ فإني لم أرَ أقعد عن المكرمات من صغر الهمم" (^٣).
_________________
(١) الفتاوى الكبرى ٥/ ٢٣٢.
(٢) الداء والدواء ص ١٩٨.
(٣) أدب الدنيا والدين للماوردي (ص ٣١٩).
[ ٥٠٥ ]
• قال سفيان الثوري (ت: ١٦١ هـ) ﵀: "إذا هممت بأمر من أمور الآخرة فشمر إليها وأسرع من قبل أن يحول بينها وبينك الشيطان" (^١).
• قال الإمام مالك بن أنس (ت: ١٧٩ هـ) ﵀: "عليك بمعالي الأمور وكرائمها، واتقِ رذائلها وما سفَّ منها؛ فإنَّ الله تعالى يحبُّ معالي الأمور، ويكره سفسافها" (^٢).
• قال ممشاد الدينوري (ت ٢٩٩) ﵀: "الهِمَّة مقدمة الأشياء؛ فمن صلحت له همته وصدق فيها صلح له ما وراءها من الأعمال والأحوال" (^٣).
• قال أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد بن حبان، الدارمي، البُستي (ات: ٣٥٤ هـ): ﵀"لن تصفو القلوب من وجود الدرن فيها حتى تكون الهمم في اللَّه هما واحدا، فإذا كان كذلك كفي الهم في الهموم إلا الهم الذي يؤول متعقبه إلى رضا الباري جل وعز بلزوم تقوى الله في الخلوة والملاء" (^٤).
• قال ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ) ﵀: "ولله أقوام ما رضوا من الفضائل إلا بتحصيل جميعها؛ فهم يبالغون في كل علم ويجتهدون في كل عمل يثابرون على كل فضيلة فإذا ضعفت أبدانهم عن بعض ذلك قامت النيات نائبة وهم لها سابقون" (^٥).
• قال النووي (ت: ٦٧٦ هـ) ﵀: "وليس بعاقل من أمكنه درجة
_________________
(١) حلية الأولياء (٧/ ٨٣).
(٢) ترتيب المدارك للقاص عياض ٢/ ٦٥.
(٣) حلية الأولياء ١٠/ ٣٥٣.
(٤) روضة العقلاء ونزهة الفضلاء ١/ ٣٢.
(٥) صيد الخاطر ١/ ٩٠.
[ ٥٠٦ ]
وِراثة الأنبياء، ثم فَوَّتها! " (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ضعف الإرادة والطلب: من ضعف حياة القلب وكلما كان القلب أتم حياة كانت همته أعلى وإرادته ومحبته أقوى" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الهمة العلية لا تزال حائمة حول ثلاثة أشياء، تعرف لصفة من الصفات العليا تزداد بمعرفتها محبة وإرادة؛ وملاحظة لمنة تزداد بملاحظتها شكر أو طاعة؛ وتذكر لذنب تزداد بتذكره توبة وخشية" (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "شغلوا قلوبهم بالدنيا! ولو شغلوها بالله والدّار الآخرة؛ لجالت في معاني كلامه وآياته المشهودة، ورجعت إلى أصحابها بغرائب الحِكم وطرف الفوائد" (^٤).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "لا تكون الروح الصافية إلا في بدن معتدل، ولا الهمة العالية إلا في نفس نفيسة" (^٥).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "لابد للسالك من همَّة تسيِّره وترقِّيه، وعلم يبصِّره ويهديه، فلابد لكل طالب علم بجانب علمه من همة تسيره وترقيه في مدارج الطلب، بها يستعلي طالب العلم على سفاسف الأمور، ويتحلى بإرادة من حديد؛ إذ هو مقدم على أمر عظيم حاله، خطير شأنه، ألا وهو وراثة النبي ﷺ في التعليم والدعوة
_________________
(١) المجموع ١/ ٣٧.
(٢) مدارج السالكين ٣/ ٢٦٣.
(٣) روضة العقلاء ونزهة الفضلاء ١/ ٣٢.
(٤) الفوائد ص ٩٨.
(٥) بدائع الفوائد ص: ٧٥٠.
[ ٥٠٧ ]
والبلاغ. فلا يصلح لهذه المنزلة من سفلت همته؛ فحامت حول الدنايا، أو ضعفت إرادته؛ فانكسرت أمام الصعاب والبلايا … وصاحب الهمة العالية أمانيه حائمة حول العلم والإيمان، والعلم الذي يقربه إلى الله ويدنيه من جواره، فأماني هذا إيمان ونور وحكمة، وأماني أولئك خدع وغرور" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الهمة إذا كانت عالية تعلقت به وحده دون غيره. وإذا كانت النية صحيحة سلك العبد الطريق الموصلة إليه. فالنية تفرد له الطريق والهمة تفرد له المطلوب" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وكمال كل إنسان إنما يتم بهذين النوعين "همة ترقيه" و"علم يبصره، ويهديه"، فإن مراتب السعادة والفلاح إنما تفوت العبد من هاتين الجهتين، أو من إحداهما: إما أن لا يكون له علم بها، فلا يتحرك في طلبها، أو يكون عالما بها، ولا تنهض همته إليها فلا يزال في حضيض طبعه محبوسا، وقلبه عن كماله الذي خلق له مصدودا منكوسا" (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "القلوب المتعلقة بالشهوات محجوبة عن الله بقدر تعلقهَا بهَا،. فالقلوب آنِية الله فِي أرضه فأحبها إلَيه أرقها وأصلبها وأصفاها" (^٤).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "بين العبد وبين السعادة والفلاح قوة عزيمة وصبر ساعة وشجاعة نفس وثبات قلب. والفضل
_________________
(١) مدارج السالكين ١/ ٤٥٧.
(٢) الفوائد ص: ١٤٤.
(٣) مفتاح دار السعادة ١/ ٥٩.
(٤) الفوائد ص ٢٦٢.
[ ٥٠٨ ]
بيد الله يؤتيه من يشاء. والله ذو الفضل العظيم" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فمن علت همته، وخشعت نفسه، اتصف بكلِّ خلق جميل، ومن دنت همته، وطغت نفسه، اتصف بكلِّ خلق رذيل" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "جميعُ المصالحِ إنما تنشأُ من الوقتِ، فإنْ أضاعَه ضاعَتْ عليه مصالِحُه كلُّها، ومتى أضاعَ الوقتَ لم يستدركْه" (^٣).
• قال محمد بن مفلح (ت: ٧٦٣ هـ) ﵀: "إنَّ مِنْ صِغَرِ الْهِمَّةِ، الْحَسَدُ لِلصِّدِّيقِ عَلَى النِّعْمَةِ" (^٤).
• قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "فمن كانت نفسه شريفة، وهِمَّته عالية لم يرض لها بالمعاصي؛ فإنها خيانةٌ، ولايرضى بالخيانة إلا من لا نفس له" (^٥).
• قال سعيد بن المسيّب (ت: ٩٤ هـ) ﵀: "ما أذن المؤذن منذ ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد" (^٦).
• قال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀: "فلا يلحقك العجز والكسل إذا رأيت أن الأمور لم تتمَّ لك بأول مرة، بل اصبر، وكرِّر مرَّة بعد أخرى، واصبر على ما يقال فيك من استهزاء
_________________
(١) مدارج السالكين ٢/ ٨.
(٢) الفوائد ص: ٩٧.
(٣) الداء والدواء ص: ٣٥٨.
(٤) الآداب الشرعية ١/ ٣٥٩.
(٥) شرح حديث (مثل الإسلام) - مجموع رسائل ابن رجب ١/ ٢٠٣.
(٦) سير أعلام النبلاء (٤/ ٢٢١).
[ ٥٠٩ ]
وسخرية؛ لأن أعداء الدين كثيرون. ولا يثني عزمك أن ترى نفسك وحيدًا في الميدان، فأنت الجماعة وإن كنت واحدًا ما دمت على الحق، ولهذا ثِقْ بأنك منصور؛ إمَّا في الدنيا، وإمَّا في الآخرة" (^١).
المطلب السادس والثلاثون: التوحيد عمارة للعالم.
• قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "الشرك سبب لخراب العالم بدليل قوله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١)﴾ [مريم: الآيات: ٩٠ - ٩١].
وإذا كان الشرك سببًا لخراب العالم، وجب أن يكون التوحيد سببًا لعمارة العالم، ضرورة كون الضدين مختلفين في الحكم، فإذا ثبت أن كلمة التوحيد سبب لعمارة العالم فأولى أن تكون سببًا لعمارة القلب الذي هو محل الوحدانية، ولعمارة اللسان الذي هو محل ذكر الوحدانية، وذلك يناسب عفو الله عن أهل التوحيد" (^٢).
المطلب السابع والثلاثون: التوحيد نجاة من شتات الأمر والحيرة.
• قال تعالى: ﴿ضَرَبَ الله مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: الآية: ٢٩].
_________________
(١) "شرح العقيدة الواسطية"؛ لابن عثيمين، ص ٥٣٧.
(٢) عجائب القرآن ٤٥.
[ ٥١٠ ]
فلاآبية من أبلغ الأمثال التي تُبيّن أن المشرك قد تشتّت شمله، واحتارفي أمره.
• قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "لما ذكر ﷿ أنه ضرب للناس في هذا القرآن من كل مثل مجملا جاء بعد ذلك بمثل في أهم الأمور وأعظمها خطرا وهو التوحيد، فمثل تعالى الكافر والعابد للأوثان والشياطين لرجال عدة في أخلاقهم شكاسة ونقص وعدم مسامحة، فهم لذلك يعذبون ذلك العبد بأنهم يتضايقون في أوقاتهم ويضايقون العبد في كثرة العمل، فهو أبدا ناصب، فكذلك عابد الأوثان الذي يعتقد أن ضره ونفعه عندها هو معذب الفكر بها وبحراسة حاله منها، ومتى أرضى صنما منها بالذبح له في زعمه تفكر فيما يصنع مع الآخر، فهو أبدا تعب في ضلال، وكذلك هو المصانع للناس الممتحن بخدمة الملوك، ومثل تعالى المؤمن بالله وحده بعبد لرجل واحد يكلفه شغله فهو يعمله على تؤدته وقد ساس مولاه، فالمولى يغفر زلته ويشكره على إعادة عمله" (^١).
• قال سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي الصرصري الحنبلي (ت ٧١٦ هـ) ﵀: "قال تعالى: ﴿ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون﴾ [الزمر: الآية: ٢٩]، هو من أدلة التوحيد؛ وبيانه أن التوحيد أصلح للموحد، كما أن المالك الواحد للعبد أصلح له من تعدد الملاك؛ لأن كثرة الأرباب والملاك تتنازع الواحد؛ فيهلك، أو يشقى ويتعب؛ بخلاف الرب الواحد؛ والمالك الواحد، إذ لا تنازع مع الوحدة وهذه المادة شبيهة بمادة ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش
_________________
(١) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ٤/ ٥٢٩.
[ ٥١١ ]
عما يصفون﴾ [الأنبياء: الآية: ٢٢] " (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "والمقصود أن الطريق إلى الله تعالي واحد، فإنه الحق المبين، والحق واحد، مرجعه إلى واحد، وأما الباطل والضلال فلا ينحصر، بل كل ما سواه باطل، وكل طريق إلى الباطل فهو باطل، فالباطل متعدد وطرقه متعددة" (^٢).
• قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: "وقد صح بالتجربة أن الراحة في حصبة [مطاوعة] الواحد، وأن التعب في اتباع العدد لاختصاص كل واحد بقصد في التابع يتشاكس عليه لذلك حال اتباعهم فكان أعظم دعوة إلى جمع الخلق دعوتهم إلى جمع توحيد الإلهية انتظاما بما دعوا إليه من الاجتماع في اسم الربوبية في قوله تعالى متقدما ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم﴾ [البقرة: الآية: ٢١] " (^٣).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "فهذا مثل ضربه الله تعالى للمشرك والموحِّد، فالمشرك لمّا كان يعبد آلهة شتى شُبِّهَ بعبد يملكه جماعة متنازعون مختلفون، سيئة أخلاقهم، يتنافسون في خدمته، لا يمكنه أن يبلغ رضاهم أجمعين، فهو في عذاب.
والموحِّد لمّا كان يعبد الله وحده لا شريك له، فمثله كمثل عبد لرجل واحد، قد سلم له، وعلم مقاصده، وعرف الطريق إلى رضاه، فهو في راحة من تشاحن الخلطاء فيه واختلافهم، بل هو سالم لمالكه من غير تنازع فيه، مع رأفة مالكه به، ورحمته له، وشفقته عليه، وإحسانه إليه، وتوليه لمصالحه، فهل يستوي هذان العبدان؟ والجواب: كلا،
_________________
(١) كتاب الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية ص: ٥٤١.
(٢) طريق الهجرتين ص ١٦٢.
(٣) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ٢/ ٢٨٥.
[ ٥١٢ ]
لا يستويان أبدًا" (^١).
المطلب الثامن والثلاثون: التوحيد سبب للثبات والاستقامة.
• قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: الآية: ٣٠].
• عن الحسن (ت: ١١٠ هـ) ﵀-قال: "ما أيقن عبد بالجنة والنار حق يقينهما إلا خشع ووجل، وذل واستقام، واقتصد حتى يأتيه الموت" (^٢).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "يقول تعالى ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ وحده لا شريك له، وبرئوا من الآلهة والأنداد، ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ على توحيد الله، ولم يخلطوا توحيد الله بشرك غيره به، وانتهوا إلى طاعته فيما أمر ونهى" (^٣).
• قال محمد بن علي بن الحسن بن بشر، أبو عبد الله، الحكيم الترمذي (ت: ٣٢٠ هـ) ﵀: "فمن نور الله قلبه بالإيمان قويت معرفته، واستنارت بنور اليقين، فاستقام به قلبه، واطمأنت به نفسه، وسكنت ووثقت وأيقنت، وأتمنته على نفسها، فرضيت لها به وكيلا، وتركت
_________________
(١) انظر: تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. ٤/ ٧٨، وابن كثير ٤/ ٥٢، والتفسير القيم، لابن القيم، ص ٤٢٣، وتفسير فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم التفسير للشوكاني، ٤/ ٤٦٢، وتفسير السعدي، ٦/ ٤٦٨، وتفسير الجزائري، ٤/ ٤٣.
(٢) موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٧.
(٣) تفسير الطبري (سورة. فصلت الآية: ٣٠).
[ ٥١٣ ]
التدبير عليه، فإن وسوس له عدو بالرزق والمعايش، لم يضطرب قلبه ولم يتحير، لأنه قد عرف ربه معرفة أنه قريب، وأنه لا يغفل ولا ينسى، وأنه رءوف رحيم، وأنه رب غفور رحيم، وأنه عدل لا يجور، وأنه عزيز لا تمتنع منه الأشياء، وأنه يجير ولا يجار عليه، فكما خلقه محتاجا مضطرا، فإنه سيوصله إليه من حيث يريد الرب ﵎، لا من حيث يريد العبد، على الهيئة التي يريد الرب، لا على الهيئة التي يريد العبد، وبمقدار ما يريد الرب، لا بمقدار ما يريد العبد، وفي الوقت الذي يريد الرب، لا في الوقت الذي يريد العبد؛ فعامة أهل التوحيد قد أيقنوا بهذا، إيمانا به، وقبولا له، ولم يستقر ذلك الإيمان في قلوبهم، حتى إذا كان وقت، الحاجة اضطربت قلوبهم وتحيرت، واشتغلت عن خالق الأشياء، ومالك الملوك، وأهل اليقين الذين قد استنار الإيمان في قلوبهم، سكنت القلوب، واطمأنت النفوس إلى ضمان ربها، وقربه منهم، وقدرته عليهم. فهذا شأن الرزق والمعاش.
وفوضوا أمورهم فيما سوى المعاش إليه، واتخذوه وكيلا، لأنهم لما عرفوا بأنه رءوف رحيم منهم بأنفسهم، وأحق وأولى بأنفسهم من العبيد بأنفسهم، لأنه خلقهم فصورهم، وركبهم وأحسن تقويمهم، وسوى تعديلهم، فلم يكن لهم بأنفسهم من العلم والتدبير ما دبر لهم، وعرفه ملكا قادرا قاهرا، يفعل ما يشاء، قد سبق علمه فيهم، بما يكون فيهم ولهم وعليهم، وجرى مع سابق العلم لهم بذلك قلمه في اللوح المحفوظ، ليكون أوكد في قلوب العباد، لأن سابق العلم غائب عن القلوب لا يدري كنفسه، واللوح قد خط بالقلم فيه أمر محدود، وشخص مخلوق، ويدرك بالقلوب معاينة، فما عاين القلب وأدركه أثبت عندهم مما لا تعاينه القلوب، ولا يمكن توهمه، فخلق اللوح وأثبت مقاديرهم فيه، لا لحاجة به إلى ذلك، وليكون أثبت على القلوب، لتسكن النفوس
[ ٥١٤ ]
وتستقر على ما جرى القلم به، فإذا سكنت النفوس، تفرغت القلوب لعبادته، وحفظ حدوده، وإقامة أموره، وسقطت أشغال النفوس عن القلوب فيما يراد بها، وما يكون وما يحدث، لأنها قد أيست عن أن يكون غير ما جرى به القلم، وعند الإياس تسكن النفوس، وإنما دعانا إلى أن بعبده، ونقيم حدوده، ونقيم فرائضه، ونتجنب مساخطه، ولنا قلب واحد، فأثبت في اللوح أرزاقنا وسعينا، وآثارنا وأحداثنا، ومدة آجالنا، وعامة أمورنا، لتطمئن النفوس، وتخلص القلوب من وساوسها، فتبده بفراغ، وكل ذلك منه رحمة علينا، وبين ذلك في تنزيله، فقال تعالى: ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها﴾ [الحديد: الآية: ٢٢]، أي من قبل أن نخلق تلك المصيبة، ثم بين لم فعل ذلك، فقال: ﴿لكيلا تأسوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما آتاكم﴾ [الحديد: الآية: ٢٣]. فإن التأسي على الشيء الذي لم يقدر لك في اللوح هو استبداد وطلب ما ليس لك، والفرح بما آتاك يلهيك ويشغلك عن المعطي، حتى تأشر وتبطر بما تعطى، فتهلك، وإنما المبتغى منك في ذلك أن تلهو عن الغائب، وتفرح في الوجود الذي
أتاك بالأهل الذي أتاك، ثم بفضله ورحمته عليك، وإلى هذا ندبك فقال: ﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا، هو خير مما يجمعون﴾ [يونس: الآية: ٥٨]. وقال تعالى في شأن الرزق: ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها، كل في كتاب مبين﴾ [هود: الآية: ٦]. ثم قال تعالى: ﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو، ويعلم ما في البر والبحر، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾ [الأنعام: الآية: ٥٩]. أي من يأكل تلك الحبة ومن يرزقها" (^١).
_________________
(١) كتاب آداب النفس للحكيم الترمذي ص: ١٦ - ٢٠
[ ٥١٥ ]
• قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "وذهب أبو بكر الصديق ﵁ وجماعة معه إلى أن المعنى ﴿ثم استقاموا﴾ على قولهم: ﴿ربنا الله﴾، فلم يختل توحيدهم ولا اضطرب إيمانهم" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "الكامل: هُوَ من كَانَ لله أطوع وعَلى مَا يُصِيبهُ أَصْبِر. فَكلما كَانَ أتبع لما يَأْمر الله بِهِ وَرَسُوله وَأعظم مُوَافقَة لله فِيمَا يُحِبهُ ويرضاه وصبرا على مَا قدره وقضاه كَانَ أكمل وَأفضل. وكل من نقص عَنْ هذَيْن كَانَ فِيهِ من النَّقْص بِحَسب ذَلِك" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "استقامة القلب بشئيين:
أحدهما: أن تكون محبة الله تعالى تتقدم عنده على جميع المحاب …
الأمر الثاني: تعظيم الأمر والنهي، وهو ناشئ عن تعظيم الآمر الناهي، فإن الله تعالى ذم من لا يعظمه ولا يعظم أمره ونهيه، قال الله ﷾: ﴿ما لكم لا ترجون لله وقارا﴾ [نوح: الآية: ١٣]، قالوا في تفسيرها: ما لكم لا ترجون لله تعالى عظمة". ثم قال: " .. فعلامة التعظيم للأوامر: رعاية أوقاتها وحدودها، والتفتيش على أركانها وواجباتها وكمالها، والحرص على تحسينها وفعلها في أوقاتها، والمسارعة إليها عند وجوبها، والحزن والكآبة والأسف عند فوت حق من حقوقها .. ".
ثم ذكر عددا من علامات تعظيم المناهي، وهي على وجه الاختصار:
_________________
(١) تفسير المحرر الوجيز (سورة الزمر: الآية: ١٧).
(٢) دقائق التفسير ٢/ ٢٩٩.
[ ٥١٦ ]
١ - الحرص على التباعد عن مظانها وأسبابها وما يدعو إليها، ومجانبة كل وسيلة تقرب إليها.
٢ - أن يغضب لله ﷿ إذا انتهكت محارمه، وأن يجد في قلبه حزنا وكسرة إذا عصي الله تعالى في أرضه، ولم يطع بإقامة حدوده وأوامره، ولم يستطع هو أن يغير ذلك.
٣ - أن لا يسترسل مع الرخصة إلى حد يكون فيه جافيا غير مستقيم على المنهج الوسط.
٤ - أن لا يحمل الأمر على علة تضعف الانقياد والتسليم لأمر الله ﷿، بل يسلم لأمر الله تعالى وحكمه، متمثلا ما أمر به، سواء ظهرت له حكمة الشرع في أمره ونهيه أو لم تظهر .. " (^١).
• قال محمد بن يعقوب الفيروزأبادي (ت: ٨١٧ هـ) ﵀: "بمعنى الثبات على التوحيد والشهادة" (^٢).
• قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "الاِستِقامَةُ والثَّبات لا قُدرَةَ للعبدِ عليهِ بنَفسِه، ولِذلِك يحتاجُ أن يسألَ ربَّهُ الثّبات، كَمْ مِنْ عامِلٍ يَعملُ الخَيْر، إذا بقِيَ بيْنهُ وبيْنَ الجنَّة ذِراع، وشارَفَ مَركَبهُ ساحِلَ النَّجاة، ضرَبهُ مَوجُ الهَوَى فغَرِق" (^٣).
• قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀-عند تفسير قوله
_________________
(١) الوابل الصيب، (ص ٢٤ - ٣٩) باختصار.
(٢) بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز ٢/ ١٤٦.
(٣) انظر: تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. ٤/ ٧٨، وابن كثير ٤/ ٥٢، والتفسير القيم، لابن القيم، ص ٤٢٣، وتفسير فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم التفسير للشوكاني، ٤/ ٤٦٢، وتفسير السعدي، ٦/ ٤٦٨، وتفسير الجزائري، ٤/ ٤٣.
[ ٥١٧ ]
تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: الآية: ٣٠]، " ﴿قالوا﴾ أي قولا حقيقيًا مذعنين به بالجنان وناطقين باللسان تصديقا لداعي الله في دار الدنيا متذللين حيث ينفع الذل جامعين بين الأس الذي هو المعرفة والاعتقاد، والبناء الذي هو العمل الصالح بالقول والفعل على السداد، فإن أصل الكمالات النفسانية يقين مصلح وعمل صالح، تعرف الحق لذاته والخير لتعمل له، ورأس المعارف اليقينية ورئيسها معرفة الله، ورأس الأعمال الصالحة الاستقامة على حد الاعتدال من غير ميل إلى طرف إفراط أو تفريط: ﴿ربنا﴾ أي المحسن إلينا ﴿الله﴾ المختص بالجلال والإكرام وحده لا شريك له.
ولما كان الثبات على التوحيد ومصححاته إلى الممات أمرا في علو رتبته لا يرام إلا بتوفيق ذي الجلال والإكرام، أشار إليه بأداة التراخي فقال: ﴿ثم استقاموا﴾ طلبوا وأوجدوا القوام بالإيمان بجميع الرسل وجميع الكتب ولم يشركوا به صنما ولا ثنا ولا آدميا ولا ملكا ولا كوكبا ولا غير بعبادة ولا رياء، وعملوا بما يرضيه وتجنبوا كل ما يسخطه وإن طال الزمان، امتثالا لما أمر به أول السورة في قوله ﴿إنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه﴾ [فصلت: الآية: ٦]، فمن كان له أصل الاستقامة في التوحيد أمن من النار بالخلود، ومن كان له كمال الاستقامة في الأصول والفروع أمن الوعيد.
﴿تتنزل﴾ على سبيل التدريج المتصل ﴿عليهم﴾ من حين نفخ الروح فيهم إلى أن يموتوا ثم إلى أن يدخلوا الجنة باطنا فظاهرا ﴿الملائكة﴾ بالتأييد في جميع ما ينوبهم فتستعلي الأحوال الملكية على صفاتهم البشرية وشهواتهم الحيوانية فتضمحل عندها، وتشرق مرائيهم،
[ ٥١٨ ]
ثم شرح ما يؤيدونهم به وفسره فقال: ﴿ألا تخافوا﴾ أي من شي مثله يخيف، وكأنهم يثبتون ذلك في قلوبهم ﴿ولا تحزنوا﴾ أي على شيء فاتكم، فإن ما حصل لكم أفضل منه، فأوقاتكم الأخراوية فيها بل هي كلها روح وراحة، فلا يفوتهم لذلك محبوب ولا يلحقهم مكروه ﴿وابشروا﴾ أي املأوا صدوركم سرورا يظهر أثره على بشرتكم بتهلل الوجه ونعمة سائر الجسد ﴿بالجنة التي كنتم﴾ أي كونا عظيما على ألسنة الرسل ﴿توعدون﴾ أي يتجدد لكم ذلك كل حين بالكتب والرسل" (^١).
المطلب التاسع والثلاثون: التوحيد تكفل الله لأهله بالفتح والنصر في الدنيا، والعز والشرف.
• قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: الآية: ٥٥].
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿يعبدونني﴾ يعنى يوحدونني ﴿لا يشركون بي شيئا﴾ من الآلهة" (^٢).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "وقوله: ﴿يعبدونني﴾ يقول: يخضعون لي بالطاعة ويتذللون لأمري ونهيي ﴿لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ يقول: لا يشركون في عبادتهم إياي الأوثان والأصنام
_________________
(١) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ١٧/ ١٨٢ - ١٨٤.
(٢) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة النور الآية: ٥٥).
[ ٥١٩ ]
ولا شيئا غيرها، بل يخلصون لي العبادة فيفردونها إليَّ دون كل ما عبد من شيء غيري" (^١).
• قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "وروي أن سبب هذه الآية أن أحد أصحاب النبي ﷺ شكا جهد مكافحة العدو وما كانوا فيه من الخوف على أنفسهم وأنهم لا يضعون أسلحتهم فنزلت هذه الآية عامة لأمة محمد ﵇" (^٢).
• قال علي بن محمد الماوردي (ت: ٤٥٠ هـ) ﵀: " ﴿ويعبدونني لا يشركون بي شيئا﴾ فيه أربعة أوجه:
أحدهما: لا يعبدون إلها غيري، حكاه النقاش.
الثاني: لا يراءون بعبادتي أحدا.
الثالث: لا يخافون غيري، قاله ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄.
الرابع: لا يحبون غيري، قاله مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀" (^٣).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "ومن فضائل التوحيد: أن الله تكفل لأهله بالفتح والنصر في الدنيا، والعز والشرف وحصول الهداية والتيسير لليسرى وإصلاح الأحوال والتسديد في الأقوال والأفعال" (^٤).
• قال. ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وكذلك الدفع عن العبد هو بحسب إيمانه، قال تعالى: ﴿إن الله يدافع عن الذين آمنوا﴾ [الحج: الآية: ٣٨] فإذا ضعف الدفع عنه فهو من نقص إيمانه، والله سبحانه إنما ضمن
_________________
(١) تفسير الطبري (سورة النور الآية: ٥٥).
(٢) تفسير المحرر الوجيز لابن عطية (سورة النور الآية: ٥٥).
(٣) تفسير النكت والعيون للماوردي (سورة النور الآية: ٥٥).
(٤) القول السديد شرح. كتاب التوحيد ص: ٢٥ ..
[ ٥٢٠ ]
نصر دينه وحزبه وأوليائه بدينه علما وعملا، لم يضمن نصر الباطل، ولو اعتقد صاحبه أنه محق" (^١).
المطلب الأربعون: التوحيد يحرر العبد من رق المخلوقين.
• قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال: الآية: ٢٦].
• قال قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀، قوله: ﴿واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض﴾ [الأنفال: الآية: ٢٦]، قال: "كان هذا الحي من العرب أذلَّ الناس ذلًا وأشقاهُ عيشًا، وأجوعَه بطونًا، وأعراه جلودًا، وأبينَه ضلالا مكعومين (^٢).، على رأس حجر، بين الأسدين فارس والروم، ولا والله ما في بلادهم يومئذ من شيء يحسدون عليه، من عاش منهم عاش شقيًّا، ومن مات منهم رُدِّي في الناس، يوكلون ولا يأكلون، والله ما نعلم قبيلًا من حاضر أهل الأرض يومئذ كانوا أشرَّ منهم منزلًا حتى جاء الله بالإسلام، فمكن به في البلاد، ووسَّع به في الرزق، وجعلكم به ملوكًا على رقاب الناس. فبالإسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا الله على نعمه، فإن ربكم منعمٌ يحب الشكر، وأهل الشكر في مزيد من الله ﵎" (^٣).
_________________
(١) إغاثة اللهفان ٢/ ١٨١.
(٢) هو شيء يجعل على فم البعير يمنعه لئلا يعض أو يأكل.
(٣) تفسير الطبري (سورة الأنفال: الآية: ٢٦).
[ ٥٢١ ]
• قال محمد بن إدريس بن القاسم-﵀:
"مثل الرزق الذي تطلبه … مثل الظل الذي يمشي معك.
أنت لا تدركه متبعًا فإذا وليت عنه اتبعك" (^١).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "ومن أعظم فضائله: أنه يحرر العبد من رق المخلوقين والتعلق بهم وخوفهم ورجائهم والعمل لأجلهم، وهذا هو العز الحقيقي والشرف العالي.
ويكون مع ذلك متألها متعبدا لله، لا يرجو سواه ولا يخشى إلا إياه، ولا ينيب إلا إليه، وبذلك يتم فلاحه ويتحقق نجاحه" (^٢).
• قال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀: "فكل إنسان يفر من عبادة الله فإنه سيبقى في رق الشيطان" (^٣).
• قال عبد الله الغنيمان: "والتوحيد الخالص هو الذي يرفع نفوس معتقديه ويخلصها من رق الاغيار ويفك إرادتهم من أسر الرؤساء الروحانيين كما يسمون، وشيوخ الطرق الباطلة والدجل، والضلال والتعلقات بالأحياء والأموات، ويخلصها كذلك من إله المادة والتعلق بالطواغيت الماديين وكل مخلوق، فيطلق عزائمهم من قيود العبودية لغير الله والتعلقات بالأحياء والأموات، فيكون المؤمن مع الناس حرا عزيزا كريما، ومع الله عبدا خاضعا ذليلا خائفا، فهذا الذي يجب على العبد أن يعتني به أشد الاعتناء، ويحذر أشد الحذر أن ينحرف عنه؛ لأن الانحراف عنه هو الهلاك المحتم والخسران الأكبر والخلود
_________________
(١) تكملة الصِّلة ٢/ ١٣٨.
(٢) القول السديد شرح كتاب التوحيد. ص: ٢٤.
(٣) شرح الأربعين النووية ص ٢٨٥.
[ ٥٢٢ ]
في جهنم" (^١).
المسلم المؤمن بربه يتحرر من عبودية كل شيء سوى الله -تعالى-، فهو لا يرى لأحد عليه نعمة ولا فضل إلا للذي خلقه، فيرتبط قلبه بربه بعرى وثيقة، فلا يسجد ولا يخضع إلا للذي خلقه، ويتوكل على الله -تعالى- في كل شؤونه، فلا يطلب الرزق إلا من الله -تعالى-، ولا يخشى أحدًا إلا الله -تعالى.
المطلب الواحد والأربعون: كلمة التوحيد تثمر لقائلها عملًا صالحًا كل وقت
• قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦)﴾ [إبراهيم: الآيات: ٢٤ - ٢٦].
• قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: "الكلمة الطيبة لاإله إلا الله، والكلمة الخبيثة الشرك" (^٢).
• قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة﴾ هي: لا إله إلا الله" (^٣).
• قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: "والحكمة
_________________
(١) بحث بعنوان أول واجب على المكلف عبادة الله-مجلة الجامعة الإسلامية-العدد ٦٢
(٢) تفسير ابن أبي حاتم ٦/ ٢٩.
(٣) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين ٢/ ٣٦٨.
[ ٥٢٣ ]
في تمثيل الإيمان بالشجرة؛ هي: أنّ الشجرة لا تكون شجرة إلا بثلاثة أشياء: عرقٌ راسخٌ، وأصلٌ قائمٌ، وفرعٌ عالٍ، كذلك الإيمان لا يتم إلا بثلاثة أشياء: تصديقٌ بالقلب، وقولٌ باللسان، وعملٌ بالأبدان" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فَكُلُّ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ الْعَبْدُ وَلَا يَكُونُ طَاعَةً لِلَّهِ وَعِبَادَةً وَعَمَلًا صَالِحًا فَهُوَ بَاطِلٌ فَإِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إلَّا مَا كَانَ لِلَّهِ وَإِنْ نَالَ بِذَلِكَ الْعَمَلِ رِئَاسَةً وَمَالًا فَغَايَةُ الْمُتَرَئِّسِ أَنْ يَكُونَ كَفِرْعَوْنَ وَغَايَةُ الْمُتَمَوِّلِ أَنْ يَكُونَ كقارون" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "والمقصود أن كلمة التوحيد إذا شهد بها المؤمن عارفا بمعناها وحقيقتها نفيا وإثباتا متصفا بموجبها قائما قلبه ولسانه وجوارحه بشهادته، فهذه الكلمة الطيبة هي التي رفعت هذا العمل من هذا الشاهد، أصلها ثابت راسخ في قلبه، وفروعها متصلة بالسماء، وهي مخرجة لثمرتها كل وقت" (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "شبه سبحانه الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة. لأن الكلمة الطيبة تثمر العمل الصالح، والشجرة الطيبة تثمر الثمر النافع. وهذا ظاهر على قول جمهور المفسرين الذين يقولون: الكلمة الطيبة: هي شهادة أن لا إله إلا الله. فإنها تثمر جميع الأعمال الصالحة، الظاهرة والباطنة. فكل عمل صالح مرض لله فهو ثمرة هذه الكلمة.
وفي تفسير علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄ قال: ﴿كلمة طيبة﴾: شهادة أن لا إله إلا الله ﴿كشجرة طيبة﴾: وهو
_________________
(١) معالم التنزيل ٤/ ٣٤٧.
(٢) مجموع الفتاوى ٨/ ٧٦.
(٣) إعلام الموقعين ١/ ١٣٣.
[ ٥٢٤ ]
المؤمن. أصلها ثابت قول: لا إله إلا الله في قلب المؤمن وفرعها في السماء يقول: يرفع بها عمل المؤمن إلى السماء.
قال الربيع بن أنس (ت: ١٣٩ هـ) ﵀: ﴿كلمة طيبة﴾: هذا مثل الإيمان. فإن الإيمان الشجرة الطيبة، وأصلها الثابت الذي لا يزول: الإخلاص فيه. وفرعها في السماء: خشية الله. والتشبيه على هذا القول أصح وأظهر وأحسن. فإنه سبحانه شبه شجرة التوحيد في القلب بالشجرة الطيبة الثابتة الأصل، الباسقة الفرع في السماء علوا، التي لا تزال تؤتي ثمرتها كل حين.
وإذا تأملت هذا التشبيه رأيته مطابقا لشجرة التوحيد الثابتة الراسخة في القلب التي فروعها من الأعمال الصالحة صاعدة إلى السماء. ولا تزال هذه الشجرة تثمر الأعمال الصالحة كل وقت، بحسب ثباتها في القلب، ومحبة القلب لها، وإخلاصه فيها، ومعرفته بحقيقتها، وقيامه بحقوقها، ومراعاتها حق رعايتها. فمن رسخت هذه الكلمة في قلبه بحقيقتها التي هي حقيقتها، واتصف قلبه بها، وانصبغ بها بصبغة الله التي لا أحسن صبغة منها. فعرف حقيقة إلهيته التي يثبتها قلبه لله، ويشهد بها لسانه، وتصدقها جوارحه، ونفي تلك الحقيقة ولوازمها عن كل ما سوى الله وواطأ قلبه لسانه في هذا النفي والإثبات، وانقادت جوارحه لمن شهد له بالوحدانية طائعة سالكة سبل ربه ذللا غير ناكبة عنها ولا باغية سواها بدلا. كما لا يبتغي القلب سوى معبوده الحق بدلا. فلا ريب أن هذه الكلمة من هذا القلب على هذا اللسان لا تزال تؤتي ثمرتها من العمل الصالح الصاعد إلى الله كل وقت. فهذه الكلمة الطيبة هي التي رفعت هذا العمل الصالح إلى الرب تعالى.
وهذه الكلمة الطيبة تثمر كلما كثيرا طيبا، يقارنه عمل صالح، فيرفع
[ ٥٢٥ ]
العمل الصالح الكلم الطيب، كما قال تعالى: ٣٥: ١٠ ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ [فاطر: الآية: ١٠]، فأخبر سبحانه، أن العمل الصالح يرفع الكلم الطيب. وأخبر أن الكلمة الطيبة تثمر لقائلها عملا صالحا كل وقت.
والمقصود: أن كلمة التوحيد إذا شهد بها المؤمن عارفا بمعناها وحقيقتها نفيا وإثباتا، ومتصفا بموجبها، قائما قلبه ولسانه وجوارحه بشهادته.
فهذه الكلمة الطيبة هي التي رفعت هذا العمل من هذا الشاهد أصلها ثابت راسخ في قلبه. وفروعها متصلة بالسماء. وهي مخرجة ثمرتها كل وقت …
والشجرة لا تبقى حية إلا بمادة تسقيها وتنميها. فإذا قطع عنها السقي أوشك أن تيبس.
فهكذا شجرة الإسلام في القلب، إن لم يتعاهدها صاحبها بسقيها كل وقت بالعلم النافع والعمل الصالح، والعود بالتذكر على التفكر، وبالتفكر على التذكر، وإلا أوشك أن تيبس.
ومن ها هنا تعلم شدة حاجة العباد إلى ما أمر الله به من العبادات على تعاقب الأوقات، ومن عظيم رحمته، وتمام نعمته وإحسانه إلى عباده: أن وظفها عليها وجعلها مادة لسقي غراس التوحيد الذي غرسه في قلوبهم" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "والإخلاص والتوحيد شجرة في القلب، فروعها الأعمال، وثمرها طيب الحياة في الدنيا والنعيم
_________________
(١) التفسير القيم ص ٣٤٠ - ٣٤١.
[ ٥٢٦ ]
المقيم في الآخرة. وكما أن ثمار الجنة لا مقطوعةٍ ولا ممنوعةٍ فثمرة التوحيد والإخلاص في الدنيا كذلك" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "شجرة الإسلام في القلب، إن لم يتعاهدها صاحبها بسقيها كل وقت بالعلم النافع والعمل الصالح، والعود بالتذكر على التفكر، وبالتفكر على التذكر، وإلا أوشك أن تيبس" (^٢).
المطلب الثاني والأربعون: التوحيد يصحح عمل القلب.
• عن عبد الله بن عمرو (ت: ٦٥ هـ) ﵄-قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ الْإِيمَانَ لَيَخْلَقُ فِي جَوْفِ أَحَدِكُمْ كَمَا يَخْلَقُ الثَّوْبُ الْخَلِقُ، فَاسْأَلُوا اللَّهَ أَنْ يُجَدِّدَ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِكُمْ» (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فالقلب الصحيح: هو الذى همه كله فى الله، وحبه كله له، وقصده له، وبدنه له وأعماله له، ونومه له، ويقظته له، وحديثه والحديث عنه أشهى إليه من كل حديث، وأفكاره تحوم على مراضيه ومحابه، والخلوة به آثر عنده من الخلطة إلا حيث تكون الخلطة أحب إليه وأرضى له .. قرة عينه به، وطمأنينته وسكونه إليه، فهو كلما وجد من نفسه التفاتا إلى غيره تلا عليها: ﴿يَا أَيَّتُهَا النّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِى إلى رَبِّكِ رَاضِيَة مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: الآيات: ٢٧ - ٢٨] " (^٤).
_________________
(١) الفوائد ص ١٦٤ ط دار الكتب العلمية.
(٢) التفسير القيم ص: ٣٤١.
(٣) رواه الحاكم النيسابوري، في المستدرك على الصحيحين، عن عبد الله بن عمرو، الصفحة أو الرقم: ٥، صحيح.
(٤) إغاثة اللهفان ١/ ٧٣.
[ ٥٢٧ ]
• قال علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال (ت: ٤٤٩ هـ) ﵀: "فينبغي للمؤمن أن لا يزهد في قليلٍ من الخير يأتيه، ولا يستقل قليلًا من الشرِّ يجتنبُه فيحسبه هينًا؛ وهو عند الله عظيمٌ، فإنّ المؤمن لا يعلم الحسنةَ التي يرحمه الله بها، ولا يعلم السيئة التي يسخط الله عليه بها" (^١).
المطلب الثالث والأربعون: التوحيد إذا كمل في القلب حبب الله لصاحبه الإيمان وزينه في قلبه، وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان.
• قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: الآية: ٧].
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀-في تفسيره لهذه الآية: "هؤلاء الذين حبَّب الله إليهم الإيمان، وزيَّنه في قلوبهم، وكرّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون السالكون طريق الحق" (^٢).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "ومن فضائل التوحيد: أنه يسهل على العبد فعل الخير وترك المنكرات ويسليه عن المصيبات، فالمخلص لله في إيمانه وتوحيده تخف عليه الطاعات لما يرجو من ثواب ربه ورضوانه، ويهون عليه ترك ما تهواه النفس من المعاصي، لما يخشى من سخطه وعقابه، فالتوحيد إذا كمل في القلب حبب الله لصاحبه الإيمان وزينه في قلبه، وكره إليه الكفر
_________________
(١) شرح البخاري لابن بطال ١٠/ ١٩٨.
(٢) تفسير الطبري (سورة الحجرات: الآية: ٧).
[ ٥٢٨ ]
والفسوق والعصيان، وجعله من الراشدين" (^١).
• قال ابن أبي زيد القيرواني (المتوفى: ٣٨٥ هـ) ﵀: "تفضل الله على من أطاعه فوفقه، وحبب الإيمان إليه فيسره له، وشرح له صدره فهداه، و﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ [الكهف: الآية: ١٧]. وخذل من عصاه وكفر به فأسلمه ويسره لذلك فحجبه وأضله، ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: الآية: ١٧] " (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "كلما قوي التوحيد في قلب العبد قوي إيمانه وطمأنينته وتوكله ويقينه" (^٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والقرآن يعطي العلم المفصل فيزيد الإيمان كما قال جندب بن عبد الله (ت: ٧٠ هـ تقريبًا) ﵁، وغيره من الصحابة: "تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا" (^٤).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وكمال العبد بحسب هاتين القوتين العلم والحب، وأفضل العلم العلم بالله، وأعلى الحب الحب له، وأكمل اللذة بحسبهما والله المستعان" (^٥).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "علامة موت القلب أنه لا تؤلمه جراحات القبائح" (^٦).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "القلب المعلق بالشهوات
_________________
(١) القول السديد شرح كتاب التوحيد ص: ٢٤.
(٢) كتاب الجامع ص: ١١٠.
(٣) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٣٥.
(٤) مجموع الفتاوى ٤/ ٣٨.
(٥) كتاب الفوائد ص: ٥٣.
(٦) إغاثة اللهفان: (١/ ١١٣).
[ ٥٢٩ ]
لا يصح له زهد ولا ورع" (^١).
المطلب الرابع والأربعون: التوحيد يحيط الله صاحبه بما يؤدبه ويهذبه.
• قوله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ [الأنعام: الآية: ٤٢].
• قال تعالى: ﴿ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون﴾ [المؤمنون: الآية: ٧٦]
• قال ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ) ﵀: "تّأمّلتُ وقوعَ الشّدائد بالمُؤمنِ، ووجه الحكمة في ذلك؛ فوجدتُ المُرادَ إقَامَةَ القَلْبِ على بابِ الرّبِّ ﷾" (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "من الخير الذي يحصل بالمصيبة: دعاء الله والتضرع إليه؛ كما قال تعالى: ﴿ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون﴾ [الأنعام: الآية: ٤٢]، وقال تعالى: ﴿ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون﴾ [المؤمنون: الآية: ٧٦]، ودعاء الله والتضرع إليه من أعظم النعم" (^٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "كل من حدثته نفسُه بذنبٍ فكرهه ونفاه عن نفسه وتركه لله، ازداد صلاحًا وبِّرًا وتقوى" (^٤).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "لا يستقيم لأحد قط الأدب
_________________
(١) الفوائد ص: ١١٨.
(٢) صيد الخاطر (٤٠٢).
(٣) جامع المسائل ٩/ ٤٠٨.
(٤) مجموع الفتاوى ١٠/ ٧٦٧ ..
[ ٥٣٠ ]
مع الله إلا بثلاثة أشياء: معرفته بأسمائه وصفاته؛ ومعرفته بدينه وشرعه، وما يحب وما يكره؛ ونفس مستعدة قابلة لينة، متهيئة لقبول الحق علمًا وعملًا وحالًا" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "يؤدب الله عبده المؤمن الذي يحبه وهو كريم عنده بأدنى زلة أو هفوة، فلا يزال مستيقظا حذرا، وأما من سقط من عينه وهان عليه فإنه يخلي بينه وبين معاصيه، وكلما أحدث ذنبا أحدث له نعمة، والمغرور يظن أن ذلك من كرامته عليه ولا يعلم أن ذلك عين الإهانة، وأنه يريد به العذاب الشديد، والعقوبة التي لا عاقبة معها " (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "إذا ابتلى الله عبده بشيء من أَنواع البلايا والمحن؛ فإن ردّه ذلك الابتلاء والمحن إلى ربه وطرحه ببابه فهو علامة سعادته وإرادة الخير به.
وإِن لم يردّه ذلك البلاء إليه بل شرد قلبه عنه وأنساه ذكر ربه والرجوع إليه فهو علامة شقاوته وإرادة الشر به" (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀"أنواع الأدب مع الله:
أحدها: صيانة معاملته أن يشوبها بنقيصة.
الثاني: صيانة قلبه أن يلتفت إلى غيره.
الثالث: صيانة إرادته أن تتعلق بما يمقتك عليه" (^٤).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "لولا محن الدنيا ومصائبها
_________________
(١) مدارج السالكين ٢/ ٣٦٥.
(٢) زاد المعاد ٣/ ٥٠٦.
(٣) طريق الهجرتين ١/ ٢٥٩.
(٤) مدارج السالكين ٢/ ٣٧٦.
[ ٥٣١ ]
لأصاب العبد من أدواء الكبر والعجب والفرعنة وقسوة القلب ما هو سبب هلاكه عاجلا وآجلًا" (^١).
• قال الإمام ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الشوق إلى الله ولقائه نسيمٌ يهب على القلب؛ يروح عنه وهج الدنيا" (^٢).
المطلب الخامس والأربعون: التوحيد يفتح أبواب الخير.
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وقوله: ﴿لا إله إلا أنت﴾ [الأنبياء: الآية: ٨٧] تحقيق لتوحيد الإلهية، فإن الخير لا موجب له إلا مشيئة الله، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، والمعوق له من العبد هو ذنوبه، وما كان خارجا عن قدرة العبد فهو من الله، وإن كانت أفعال العباد بقدر الله تعالى، لكن الله جعل فعل المأمور وترك المحظور سببا للنجاة، والسعادة، فشهادة التوحيد تفتح باب الخير، والاستغفار من الذنوب يغلق باب الشر.
ولهذا ينبغي للعبد أن لا يعلق رجاءه إلا بالله ولا يخاف من الله أن يظلمه؛ فإن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون؛ بل يخاف أن يجزيه بذنوبه، وهذا معنى ما روي عن علي-﵁-أنه قال: لا يرجون عبد إلا ربه ولا يخافن إلا ذنبه.
وفي الحديث المرفوع: إلى النبي-ﷺ «أنه دخل على مريض فقال: كيف تجدك؟ فقال أرجو الله وأخاف ذنوبي، فقال: ما اجتمعا في قلب
_________________
(١) زاد المعاد ٤/ ١٧٩.
(٢) الفوائد ص ٩٨.
[ ٥٣٢ ]
عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وآمنه مما يخاف».
فالرجاء ينبغي أن يتعلق بالله، ولا يتعلق بمخلوق ولا بقوة العبد ولا عمله، فإن تعليق الرجاء بغير الله إشراك، وإن كان الله قد جعل لها أسبابا فالسبب لا يستقل بنفسه، بل لا بد له من معاون، ولا بد أن يمنع المعارض المعوق له وهو لا يحصل ويبقى إلا بمشيئة الله تعالى" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "المسلم الصادق إذا عبد الله بما شرع فتح الله عليه أنوار الهداية في مدة قريبة" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀-عند تعليقه على قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ "وهل تركت الشريعة خيرا ومصلحة إلا جاءت به وأمرت به وندبت إليه وهل تركت شرا ومفسدة إلا نهت عنه" (^٣).
• قال محمد بن عبد الرؤف المناوي (ت: ١٠٣١ هـ) ﵀: "أشرف العِبادات ولب الطّاعات: أن يتوجه القلب بهمومه كُلّها إلى مولاه، فإذا نزل به ضيق انتظر فرجه منه؛ لا من سواه" (^٤).
المطلب السادس والأربعون: أهل التوحيد هم المستحقون لرحمة الله.
قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ
_________________
(١) الفتاوى الكبرى ٥/ ٢٣١ - ٢٣٢.
(٢) الاستقامة (١/ ١٠٠٧).
(٣) شفاء العليل ١/ ١٢٦.
(٤) فيض القدير ٢/ ٤٤.
[ ٥٣٣ ]
يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: الآية: ١٥٦].
عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: ﴿فسأكتبها للذين يتقون﴾، يعني الشرك" (^١).
وقال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: " ﴿فسأكتبها﴾ يعني: فسأجعلها ﴿للذين يتقون﴾ الشرك ﴿ويؤتون الزكاة﴾ التوحيد" (^٢).
قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀"فإن الله إنما يرحم أهل توحيده المؤمنين به وإنما كتب رحمته: للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون والذين يتبعون رسوله فهؤلاء هم أهل الرحمة، كما أنهم هم المحسنون، وكما أحسنوا جوزوا بالإحسان. وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ يعني هل جزاء من أحسن عبادة ربه إلا أن يحسن ربه إليه؟ قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ): هل جزاء من قال لا إله إلا الله وعمل بما جاء به محمد ﷺ إلا الجنة؟ " (^٣).
قال ابن أبي حاتم (ت: ٣٢٧ هـ) ﵀: "فأهل التوحيد يرجى لهم ولا يرجى للآخرين أبدًا" (^٤).
المطلب السابع والأربعون: التوحيد صفاء للعيش وطيب للحياة.
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وليس في الكائنات ما يسكن
_________________
(١) تفسير الطبري (سورة الأعراف: الآية: ١٥٦).
(٢) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين (سورة الأعراف: الآية: ١٥٦) ٢/ ١٤٦.
(٣) التفسير القيم ص ٢٦٧.
(٤) تفسير ابن أبي حاتم ٧/ ٢٦٥.
[ ٥٣٤ ]
العبد إليه ويطمئن به، ويتنعم بالتوجه إليه؛ الا الله سبحانه؛ ومن عبد غير الله وإن أحبه وحصل له به مودة في الحياة الدنيا ونوع من اللذة فهو مفسدة لصاحبه أعظم من مفسدة أكل الطعام المسموم" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "ينبغي للإنسان أن تكون له ساعات يناجي فيها ربه، ويخلو فيها بنفسه ويحاسبها، ويكون فعله ذلك أفضل من اجتماعه بالناس ونفعهم، ولهذا كانت خلوة الإنسان في الليل بربه أفضل من اجتماعه بالناس" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀-نقلًا عن بعض الصالحين: "من عرف الله تعالى صفا له العيش، فطابت له الحياة، وهابه كل شيء، وذهب عنه خوف المخلوقين، وأنس بالله " (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وكما أن ثمار الجنة لا مقطوعة ولا ممنوعة، فثمرة التوحيد والإخلاص في الدنيا كذلك" (^٤).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الإخلاص: استواء أعمال العبد في الظاهر والباطن. والرياء: أن يكون ظاهره خيرا من باطنه. والصدق في الإخلاص: أن يكون باطنه أعمر من ظاهره" (^٥).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الذكر: هو قوت قلوب القوم، وهو سلاحهم الذي يقاتلون به، وماؤهم الذي يطفئون به التهاب الطريق، ودواء أسقامهم، يستدفعون الآفات، ويستكشفون الكربات،
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١/ ٢٣.
(٢) شرح العمدة لابن تيمية ٢/ ٦٥٠.
(٣) مدارج السالكين ٣/ ٣١٧.
(٤) الفوائد ص ١٦٤.
(٥) مدارج السالكين ٢/ ٩١.
[ ٥٣٥ ]
وتهون عليهم به المصيبات، إذا أظلهم البلاء فإليه ملجؤهم، وإذا نزلت بهم النوازل فإليه مفزعهم" (^١).
• قال الإمام ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "فمن أنس باللَّه في الدنيا، واشتاق إِلَى لقائه، فقد فاز بأعظم لذّة يمكن لبشر الوصول إليها في هذه الدار" (^٢).
المطلب الثامن والأربعون: صاحب التوحيد له من العزة بحسب ما معه من التوحيد.
• قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: الآية: ٨].
• قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: الآية: ١٣٩].
• قال الله تعالى: ﴿من كان يُرِيدُ العزَّة فللَّه العزَّة جميعًا﴾ [فاطر: الآية: ١٠].
• قال الإمام قتادة (ت ١١٧ هـ) ﵀: "من كان يريد العزة فليتعزز بطاعة الله". أخرجه الطبري واختاره" (^٣).
• كان داود الطائي (ت: ١٦٥ هـ) ﵀-يقول: "ما أخرج الله عبدًا من ذل المعاصي إلى عز التقوى إلا أغناه بلا مال، وأعزه بلا عشيرة، وآنسه بلا أنيس" (^٤).
• قال سفيان بن عيينة (ت: ١٩٨ هـ) ﵀: "ليس في الأرض
_________________
(١) مدارج السالكين (٢/ ٣٩٦)
(٢) مجموع الرسائل ١/ ١٨١.
(٣) تفسير جامع البيان للطبري (تفسير سورة فاطر: الآية: ١٠).
(٤) حلية الأولياء (٣/ ٣٢٤).
[ ٥٣٦ ]
صاحب بدعة إلاَّ وهو يجد ذلَّة تغشاه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الأعراف: الآية: ١٥٢] " (^١).
• قال يحيى بن معاذ الرازي (ت: ٢٥٨ هـ) ﵀ "على قَدرِ إعزازِ المَرءِ لله يُلبسُه الله من عِزه ويُقيم له العِزَّ في قُلوبِ المُؤمِنين، وعلى قَدر خَوفِك من الله يهابك الخلق" (^٢).
• قال أبو حاتم محمد بن حبَّان البستي (ت: ٣٥٤ هـ) ﵀: "من استغنى بالله أغناه الله، ومن تعزز بالله لم يفقره، كما أن من أعتز بالعبيد أذله" (^٣).
• قال أبو حاتم محمد بن حبَّان البستي (ت: ٣٥٤ هـ) ﵀: "القناعة تكون بالقلب؛ فمن غني قلبه غنيت يداه، ومن افتقر قلبه لم ينفعه غناه، ومن قنع لم يتسخط وعاش آمنا مطمئنًا، ومن لم يقنع لم يكن له في الفوائت نهاية لرغبته، والجَدُّ والحرمان كأنهما يصطرعان بين العباد" (^٤).
• قال ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ) ﵀: عند قوله ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ "التقوى سبب للمخرج من كل غم. فلا ينبغي لمخلوق أن يتوكل أو يتسبب أو يتفكر إلا في طاعة الله تعالى، وامتثال أمره، فإن ذلك سبب لفتح كل مرتج" (^٥).
• قال ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ) ﵀: "من لم يعتز بطاعة الله لم
_________________
(١) حلية الأولياء ٧/ ٢٨٠.
(٢) صفوة الصفوة ٤/ ٩٥.
(٣) روضة العقلاء ونزهة الفضلاء ١/ ١٤٧.
(٤) روضة العقلاء ص ١٥٠.
(٥) صيد الخاطر ١/ ٦٣.
[ ٥٣٧ ]
يزل ذليلًا، ومن لم يَستشفِ بكتاب الله لم يزل عليلًا" (^١)،
• قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ ﵀: "وجد المؤمن بهذه الشهادة أبوة إبراهيم، وهو قوله: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: الآية: ٧٨]. وأمومة أزواج النبي-ﷺ ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: الآية: ٦]. وأخوة المؤمنين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: الآية: ١٠]. واستغفار الأنبياء: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [مجمد: الآية: ١٩]. واستغفار الملائكة: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: الآية: ٧]. وشفيعًا مثل محمد-ﷺ: «شفاعتي لأهل الكبائر من أُمتي» (^٢). " (^٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "من كان إيمانه أقوى من غيره، كان جنده من الملائكة أقوى" (^٤).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "الحرية حرية القلب، والعبودية عبودية القلب" (^٥).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "والله سبحانه إنما ضمن نصر دينه وحزبه وأوليائه بدينه علما وعملا، لم يضمن نصر الباطل، ولو اعتقد صاحبه أنه محق، وكذلك العزة والعلو إنما هما لأهل الإيمان الذى بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، وهو علم وعمل وحال، قال تعالى: ﴿وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾ [آل عمران: الآية: ١٣٩]. فللعبد من العلو بحسب ما معه من الإيمان، وقال تعالى: ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين﴾
_________________
(١) التذكرة في الوعظ (ص ٣٨).
(٢) أخرجه أبو داود (٤٧٣٩)، والترمذي (٢٤٣٥)، وأحمد (١٣٢٢٢).
(٣) عجائب القرآن ص ٣٦ - ٣٧.
(٤) النبوات (ص ٤١٦).
(٥) مجموع الفتاوى ١٠/ ١٨٦.
[ ٥٣٨ ]
[المنافقون: الآية: ٨]. فله من العزة بحسب ما معه من الإيمان وحقائقه، فإذا فاته حظ من العلو والعزة، ففى مقابلة ما فاته من حقائق الإيمان، علما وعملا ظاهرا وباطنا" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "العزة والعلو إنما هما لأهل الإيمان الذى بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، وهو علم وعمل وحال، قال تعالى: ﴿وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾ [آل عمران: الآية: ١٣٩] " (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "إِذا اسْتغنى النَّاس بالدنيا فاستغن أَنْت بِاللَّه، وَإِذا فرحوا بالدنيا فافرح أَنْت بِاللَّه، وَإِذا أنسوا بأحبابهم فَاجْعَلْ أنسك بِاللَّه؛ تنَلْ بذلك غَايَة الْعِزّ والرفعة" (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "لا تسأل سوى مولاك فسؤال العبد غير سيده تشنيع عليه" (^٤).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀ "فللعبد من العلو بحسب ما معه من الإيمان، وقال تعالى: ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين﴾ [المنافقون: الآية: ٨] " (^٥).
• قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "فالأيام خزائن للناس ممتلئة بما خزنوه فيها من خير وشر، وفي يوم القيامة تفتح هذه الخزائن لأهلها؛ فالمتقون يجدون في خزائنهم العز والكرامة، والمذنبون يجدون
_________________
(١) إغاثة اللهفان ٢/ ١٨١.
(٢) إغاثة اللهفان ٢/ ١٨١.
(٣) الفوائد ص: ١١٨.
(٤) الفوائد ص: ٥٠.
(٥) إغاثة اللهفان ٢/ ١٨١.
[ ٥٣٩ ]
في خزائنهم الحسرة والندامة" (^١).
• قال محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٥ هـ) ﵀: "جرت عادة الله سبحانه كما يدل عليه الاستقراء برفع شأن من عودي لسبب علمه وتصريحه بالحق، وانتشار محاسنه بعد موته، وارتفاع ذكره، وانتفاع الناس بعلمه" (^٢).
• قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ) ﵀: عند تفسير قوله تعالى ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: الآية: ١٠] "من كان يريد العِزَّة، فإنَّها جميعها لله وحده، فليطلبها منه، وليتسبَّب لنيلها بطاعته-جلَّ وعلا-فإنَّ مَنْ أطاعه، أعطاه العِزَّة في الدُّنْيا والآخرة" (^٣).
• قال الشيخ عبد العزيز السلمان (ت: ١٤٢٢ هـ): "
إذا المرء لم يلبس ثيابا من التقى … تقلب عريانا وإن كان كاسيا
"ولباس التقوى يستمر مع العبد لا يبلى ولا يبيد. وهو جمال القلب والروح. ولباس الثياب إنما يستر العورة الظاهرة في وقت من الأوقات ثم يبلي ويبيد" (^٤).
المطلب التاسع والأربعون: التوحيد يُسَهِّل على العبد فعل الخيرات، وترك المنكرات.
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀:
_________________
(١) لطائف المعارف ص ١٩٦.
(٢) البدر الطالع ١/ ٢٣٣.
(٣) أضواء البيان ٦/ ٢٨٠
(٤) مفتاح الأفكار ٢/ ٣٠٤.
[ ٥٤٠ ]
"التوحيد إذا كَمُل في القلب حبّب الله لصاحبه الإيمان، وزيّنه في قلبه، وكرَّه إليه الكفر والفسوق والعصيان، وجعله من الراشدين" (^١).
"فالموحِّد المخلص لله في توحيده تخفُّ عليه الطاعات؛ لِمَا يرجو من ثواب ربه ورضوانه، ويهوِّن عليه ترك ما تهواه النفس من المعاصي؛ لِمَا يخشى من سخط الله وعقابه" (^٢).
المطلب الخمسون: التوحيد يشرح الصدر ويخفف عن العبد المكاره، ويهوِّن عليه الآلام، ويسلِّيه عن المصائب.
• قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام الآية: ١٢٥].
• قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام﴾ يقول: "يوسع قلبه للتوحيد والإيمان به" (^٣).
• عن ابن جريج (ت: ١٥٠ هـ) ﵀، قوله: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام﴾، ب " لا إله إلا الله" (^٤).
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿فمن يرد الله أن يهديه﴾ لدينه، ﴿يشرح صدره للإسلام﴾، نزلت في النبي ﷺ، يعني
_________________
(١) القول السديد شرح كتاب التوحيد لابن سعدي ص: ٢٤.
(٢) الموسوعة العقدية من الدرر السنية ١/ ٢٨.
(٣) تفسير ابن كثير (سورة الأنعام الآية: ١٢٥) ..
(٤) تفسير الطبري (سورة الأنعام الآية: ١٢٥) ..
[ ٥٤١ ]
يوسع قلبه، ﴿ومن يرد أن يضله﴾ عن دينه، ﴿يجعل صدره ضيقا﴾ بالتوحيد، يعني أبا جهل، حتى لا يجد التوحيد من الضيق مجازا، ثم قال: ﴿حرجا﴾ شكا، ﴿كأنما يصعد في السماء ﴿، يقول: هو بمنزلة المتكلف الصعود إلى السماء لا يقدر عليه، ﴿كذلك﴾، يعني هكذا، ﴿يجعل الله الرجس﴾، يقول: الشر، ﴿على الذين لا يؤمنون﴾ بالتوحيد" (^١).
• قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: عند تفسير قوله تعالى: ﴿قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد﴾ [سبأ: الآية: ٤٦]، "ومن وحد الله حق التوحيد يشرح الله صدره ويرفع في الآخرة قدره" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ): "التوحيد، وعلى حسب كماله وقوته وزيادته يكون انشراح صدر صاحبه. قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ﴾ [الزمر: الآية: ٢٢] " (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "من وطَّن قلبه عند ربه سكن واستراح، ومن أرسله في الناس اضطرب، واشتد به القلق" (^٤).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فأتبع الناس لرسوله-ﷺ-أشرحهم صدرا، وأوضعهم وزرا، وأرفعهم ذكرا، وكلما قويت متابعته علما وعملا وحالا وجهادا، قويت هذه الثلاثة حتى يصير صاحبها أشرح الناس صدرا، وأرفعهم في العالمين ذكرا. وأما وضع وزره فكيف لا يوضع عنه ومن في السماوات والأرض ودواب البر والبحر يستغفرون
_________________
(١) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة الأنعام الآية: ١٢٥).
(٢) تفسير مفاتيح الغيب للرازي (سورة سبأ الآية: ٤٦).
(٣) زاد المعاد ٢/ ٢٢.
(٤) الكلام على مسألة السماع ١/ ٣٩٧.
[ ٥٤٢ ]
له؟ وهذه الأمور الثلاثة متلازمة، كما أضدادها متلازمة، فالأوزار والخطايا تقبض الصدر وتضيقه، وتخمل الذكر وتضعه، وكذلك ضيق الصدر يضع الذكر ويجلب الوزر، فما وقع أحد في الذنوب والأوزار إلا من ضيق صدره وعدم انشراحه، وكلما ازداد الصدر ضيقا كان أدعى إلى الذنوب والأوزار، لأن مرتكبها إنما يقصد بها شرح صدره، ودفع ما هو فيه من الضيق والحرج، وإلا فلو اتسع بالتوحيد والإيمان ومحبة الله ومعرفته وانشرح بذلك لاستغنى عن شرحه بالأوزار" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀ عن انشراح الصدر، ووضع الوزر، ورفع الذكر "لا يزال المطيع لله ورسوله الذي باشر قلبه روح التوحيد وتجريده ومحبة الله ورسوله وامتثال أمره دائرا بين تلك المنازل الثلاث" (^٢).
• قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: "يقول تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ﴾ أي: ييسره له وينشطه ويسهله لذلك، فهذه علامة على الخير، كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: الآية: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: الآية ٧] " (^٣).
• قال محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الإيجي (ت: ٩٠٥ هـ تقريبًا) ﵀: " ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره﴾: يوسع قلبه، ﴿للإسلام﴾: للتوحيد" (^٤).
_________________
(١) الكلام على مسألة السماع ١/ ٣٩٧.
(٢) الكلام على مسألة السماع ١/ ٣٩٨.
(٣) تفسير القرآن العظيم لابن كثير. (سورة الأنعام الآية: ١٢٥).
(٤) تفسير جامع البيان في تفسير القرآن للإيجي. (سورة الأنعام الآية: ١٢٥).
[ ٥٤٣ ]
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "يقول تعالى -مبينا لعباده علامة سعادة العبد وهدايته، وعلامة شقاوته وضلاله-: إن من انشرح صدره للإسلام، أي: اتسع وانفسح، فاستنار بنور الإيمان، وحيي بضوء اليقين، فاطمأنت بذلك نفسه، وأحب الخير، وطوعت له نفسه فعله، متلذذا به غير مستثقل، فإن هذا علامة على أن الله قد هداه، ومَنَّ عليه بالتوفيق، وسلوك أقوم الطريق" (^١).
فبحسب كمال التوحيد في قلب العبد يتلقَّى المكاره والآلام بقلب منشرح ونفس مطمئنة، وتسليمٍ ورضًا بأقدار الله المؤلمة، وهو من أعظم أسباب انشراح الصدر.
قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "فبحسب تكميل العبد للتوحيد والإيمان، يتلقى المكاره والآلام بقلب منشرح ونفس مطمئنة وتسليم ورضا بأقدار الله المؤلمة" (^٢).
قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "ومن فضائله: أنه السبب الأعظم لتفريج كربات الدنيا والآخرة ودفع عقوبتهما" (^٣).
• قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "ومن فضائله: أنه يسهل على العبد فعل الخير وترك المنكرات ويسليه عن المصيبات، فالمخلص لله في إيمانه وتوحيده تخف عليه الطاعات لما يرجو من ثواب ربه ورضوانه، ويهون عليه ترك ما تهواه النفس من المعاصي، لما يخشى من سخطه وعقابه" (^٤).
_________________
(١) تفسير السعدي (سورة الأنعام الآية: ١٢٥) ..
(٢) القول السديد شرح كتاب التوحيد. ص: ٢٤.
(٣) القول السديد شرح كتاب التوحيد. ص: ٢٣.
(٤) القول السديد شرح كتاب التوحيد. ص: ٢٤.
[ ٥٤٤ ]
• قال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀: "فإذا رأيت من نفسك أن صدرك ينشرح بالطاعة، وأنه يضيق بالمعصية، فهذه بشرى بشرى لك أنك من عباد الله المؤمنين وأوليائه المتقين، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (جعلت قرة عيني في الصلاة) " (^١).
• قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُور مِنْ رَبِّهِ فَوَيْل لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَال مُبِينٍ﴾ [الزمر: الآية: ٢٢].
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿أفمن شرح الله صدره للإسلام﴾ يقول: أفمن وسع الله قلبه للتوحيد ﴿فهو على نور﴾ يعني على هدى ﴿من ربه﴾ يعني النبي ﷺ ﴿فويل للقاسية﴾ يعني الجافية ﴿قلوبهم﴾ فلم تلن، يعني أبا جهل ﴿من ذكر الله﴾ يعني عن توحيد الله ﴿أولئك في ضلال مبين﴾ آية يعني أبا جهل يقول الله تعالى للنبي ﷺ: ليس المشرح صدره بتوحيد الله كالقاسي قلبه ليسا بسواء" (^٢).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "يقول تعالى ذكره: أفمن فَسَح الله قلبه لمعرفته، والإقرار بوحدانيته، والإذعان لربوبيته، والخضوع لطاعته ﴿فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبّهِ﴾ يقول: فهو على بصيرة مما هو عليه ويقين، بتنوير الحقّ في قلبه، فهو لذلك لأمر الله متبع، وعما نهاه عنه منته فيما يرضيه، كمن أقسى الله قلبه، وأخلاه من ذكره، وضيّقه عن استماع الحق، واتّباع الهدى، والعمل بالصواب؟ وترك ذكر الذي أقسى الله قلبه" (^٣).
• قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: " ﴿أفمن شرح الله صدره
_________________
(١) شرح رياض الصالحين ٦/ ٦١.
(٢) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة الزمر: الآية: ٢٢).
(٣) تفسير جامع البيان عن تأويل القرآن للطبري (سورة الزمر: الآية: ٢٢).
[ ٥٤٥ ]
للإسلام﴾ أي: وسع ﴿فهو على نور من ربه﴾ أي: ذلك النور في قلبه ﴿فويل للقاسية قلوبهم﴾ الآية: أي: أن الذي شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ليس كالقاسي قلبه الذي هو في ضلال مبين عن الهدى؛ يعني: المشرك" (^١).
• قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: " وقوله: ﴿فهو على نور من ربه﴾ معناه: على بصيرة ويقين من توحيد ربه" (^٢).
• قال علي بن يحيى السمرقندي (ت: ٨٨٠ هـ تقريبًا) ﵀: " ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ الله صَدْرَهُ للإسلام﴾ يعني: وسع الله قلبه للإسلام. ويقال: لين الله قلبه لقبول التوحيد، ﴿فَهُوَ على نُورٍ مّن رَّبّهِ﴾ يعني: على هدى من الله تعالى" (^٣).
• قال أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني (ت: ٨٨٠ هـ) ﵀: "ذكر الله-﷿ يوجب النور والهداية والاطمئنان في النفوس الطاهرة الروحانيَّة، ويوجب القَسْوَة والبعد عن الحقّ في النفوس الخبيثة الشَّيْطَانِيَّة" (^٤).
• قال يحيى بن معاذ الرازي (ت: ٢٥٨ هـ) ﵀: "ما جفت الدموع إلا لقساوة القلوب، وما قست القلوب إلا لكثرة الذنوب، وما كثرت الذنوب إلا من كثرة العيوب" (^٥).
_________________
(١) تفسير ابن أبي زمنين (سورة الزمر: الآية: ٢٢).
(٢) تفسير الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن أبي طالب (سورة الزمر: الآية: ٢٢).
(٣) تفسير بحر العلوم للسمرقندي (سورة الزمر: الآية: ٢٢).
(٤) اللباب في علوم الكتاب لابن عادل. (الزمر: ٢٢).
(٥) شعب الإيمان للبيهقي الأثر (٦٨٢٨).
[ ٥٤٦ ]
المطلب الواحد والخمسون: أن الله يمن على أهل التوحيد بالحياة الطيبة والطمأنينة إليه والطمأنينة بذكره.
• قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: الآية: ١٢٢].
• قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: "والنور عبارة عن الهدى والإيمان" (^١).
• قال تعالى: ﴿من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾ [النحل: الآية: ٩٧].
• عن علي بن أبي طالب (ت: ٤٠ هـ) ﵁-أنه فسرها بالقناعة. وكذا قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ)، وعكرمة (ت: ١٠٥ هـ)، ووهب بن منبه (ت: ١١٤ هـ) " (^٢).
• قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄ "إنها السعادة" (^٣).
• عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄، وجماعة أنهم فسروها: "بالرزق الحلال الطيب" (^٤).
_________________
(١) تفسير القرطبي (سورة الأنعام: الآية: ١٢٢).
(٢) تفسير ابن كثير (سورة النحل: الآية: ٩٧).
(٣) تفسير القرطبي (سورة النحل: الآية: ٩٧)، تفسير ابن كثير (سورة النحل: الآية: ٩٧).
(٤) تفسير ابن كثير (سورة النحل: الآية: ٩٧).
[ ٥٤٧ ]
• قال الضحاك بن مزاحم (ت: ١٠٢ هـ) ﵀: "هي الرزق الحلال والعبادة في الدنيا" (^١).
• قال الضحاك بن مزاحم (ت: ١٠٢ هـ) ﵀-أيضا: "هي العمل بالطاعة والانشراح بها" (^٢).
• قال الحسن البصري (ت: ١١٠ هـ) ﵀: "تفقدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء: في الصلاة وفي الذكر وقراءة القرآن فإن وجدتم وإلا فاعلموا أن الباب مغلق" (^٣).
• قال الحسن البصري (ت: ١١٠ هـ) ﵀، ومجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀، وقتادة (ت: ١١٨ هـ) ﵀: "لا يطيب لأحد حياة إلا في الجنة" (^٤).
• قالوا للخليل بن أحمد الفراهيدي (ت: ١٧٠ هـ) ﵀: ما الإيمان؟ قال: الطمأنينة" (^٥).
• قال جعفر الصادق (ت: ١٤٨ هـ): "هي المعرفة بالله، وصدق المقام بين يدي الله" (^٦).
• قال أبو بكر الوراق (ت: ٢٤٠ هـ) ﵀: "هي حلاوة الطاعة" (^٧).
• قال سهل بن عبد الله التستري (ت: ٢٨٣ هـ) ﵀: "هي أن
_________________
(١) تفسير ابن كثير (سورة النحل: الآية: ٩٧).
(٢) تفسير ابن كثير (سورة النحل: الآية: ٩٧).
(٣) حلية الأولياء ٦/ ١٧١.
(٤) تفسير ابن كثير (سورة النحل: الآية: ٩٧).
(٥) تهذيب اللغة ١٥/ ٣٧٠.
(٦) تفسير القرطبي (سورة النحل: الآية: ٩٧).
(٧) تفسير القرطبي (سورة النحل: الآية: ٩٧).
[ ٥٤٨ ]
ينزع عن العبد تدبيره ويرد تدبيره إلى الحق" (^١).
• قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: "وقيل هي السعادة، وقيل: الاستغناء عن الخلق والافتقار إلى الحق. وقيل: الرضا بالقضاء" (^٢).
• قال ابن تيمية: (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: " قال ابن تيمية: "الْعَبْدَ لَا يَطْمَئِنُّ إلَى نَفْسِهِ؛ فَإِنَّ الشَّرَّ لَا يَجِيءُ إلَّا مِنْهَا؛ وَلَا يَشْتَغِلُ بِمَلَامِ النَّاسِ وَذَمِّهِمْ، وَلَكِنْ يَرْجِعُ إلَى الذُّنُوبِ فَيَتُوبُ مِنْهَا وَيَسْتَعِيذُ بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّ نَفْسِهِ وَسَيِّئَاتِ عَمَلِهِ، وَيَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُعِينَهُ عَلَى طَاعَتِهِ؛ فَبِذَلِكَ يَحْصُلُ لَهُ الْخَيْرُ وَيُدْفَعُ عَنْهُ الشَّرُّ" (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "سر عظيم من أسرار التوحيد، وهو أن القلب لا يستقر ولا يطمئن ويسكن إلا بالوصول إليه، وكل ما سواه مما يحب ويراد فمراد لغيره، وليس المراد المحبوب لذاته إلا واحدا إليه المنتهى، ويستحيل أن يكون المنتهى إلى اثنين كما يستحيل أن يكون ابتداء المخلوقات من اثنين، فمن كان انتهاء محبته ورغبته وإرادته وطاعته إلى غيره بطل عليه ذلك، وزال عنه وفارقه أحوج ما كان إليه، ومن كان انتهاء محبته ورغبته ورهبته وطلبه هو سبحانه ظفر بنعمه ولذته وبهجته وسعادته أبد الآباد" (^٤).
• قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: "هذا وعد من الله تعالى لمن عمل صالحا-وهو العمل المتابع لكتاب الله تعالى وسنة نبيه من ذكر أو أنثى من بني آدم، وقلبه مؤمن بالله ورسوله، وإن هذا العمل المأمور به
_________________
(١) تفسير القرطبي (سورة النحل: الآية: ٩٧).
(٢) تفسير القرطبي (سورة النحل: الآية: ٩٧).
(٣) مجموع الفتاوى ٨/ ٢١٥
(٤) الفوائد ص ٢٠٢.
[ ٥٤٩ ]
مشروع من عند الله-بأن يحييه الله حياة طيبة في الدنيا وأن يجزيه بأحسن ما عمله في الدار الآخرة. والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت. والصحيح أن الحياة الطيبة تشمل هذا كله" (^١).
• قال تعالى عن يوسف ﵇: ﴿كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين﴾ [يوسف: الآية: ٢٤].
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "وذلك أن من أخلصه الله لنفسه فاختاره، فهو مُخْلِصٌ لله التوحيدَ والعبادة،، ومن أخلص توحيدَ الله وعبادته فلم يشرك بالله شيئًا، فهو ممن أخلصه الله" (^٢).
المطلب الثاني والخمسون: التوحيد غذاء الإنسان وقوته وصلاحه وقوامه.
• قال قتادة (ت: ١١٨ هـ) ﵀-وغيره من السلف: "إن الله سبحانه لم يأمر العباد بما أمرهم به لحاجته إليه، ولا نهاهم عنه بخلًا منه، بل أمرهم بما فيه صلاحهم، ونهاهم عما فيه فسادهم" (^٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "الإيمان بالله وعبادته ومحبته وإجلاله هو غذاء الإنسان وقوته وصلاحه وقوامه كما عليه أهل الإيمان، وكما دل عليه القرآن، لا كما يقول من يعتقد من أهل الكلام ونحوهم: إن عبادته تكليف ومشقة وخلاف مقصود القلب لمجرد الامتحان والاختبار، أو لأجل التعويض بالأجرة كما يقوله المعتزلة وغيرهم؛ فإنه
_________________
(١) تفسير ابن كثير (سورة النحل: الآية: ٩٧).
(٢) تفسير الطبري (سورة يوسف: الآية: ٢٤).
(٣) قاعدة في المحبة لابن تيمية (ص ٢٥٥) ..
[ ٥٥٠ ]
وإن كان فى الأعمال الصالحة ما هو على خلاف هوى النفس، والله سبحانه يأجر العبد على الأعمال المأمور بها مع المشقة، كما قال تعالى: ﴿ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب﴾ الآية [التوبة: الآية: ١٢٠]، وقال-ﷺ-لعائشة (ت: ٥٨ هـ) ﵂: «أجرك على قدر نصبك» فليس ذلك هو المقصود الأول بالأمر الشرعى، وإنما وقع ضمنا وتبعا لأسباب ليس هذا موضعها، وهذا يفسر فى موضعه.
ولهذا لم يجئ فى الكتاب والسنة وكلام السلف إطلاق القول على الإيمان والعمل الصالح: أنه تكليف، كما يطلق ذلك كثير من المتكلمة والمتفقهة، وإنما جاء ذكر التكليف فى موضع النفى، كقوله: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ [البقرة: الآية: ٢٨٦]، ﴿لا تكلف إلا نفسك﴾ [النساء: الآية: ٨٤]، ﴿لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها﴾ [الطلاق: الآية: ٧] أى: وإن وقع فى الأمر تكليف، فلا يكلف إلا قدر الوسع، لا أنه يسمى جميع الشريعة تكليفا، مع أن غالبها قرة العيون وسرور القلوب؛ ولذات الأرواح وكمال النعيم، وذلك لإرادة وجه الله والإنابة إليه، وذكره وتوجه الوجه إليه، فهو الإله الحق الذى تطمئن إليه القلوب، ولا يقوم غيره مقامه فى ذلك أبدا. قال الله تعالى: ﴿فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا﴾ [مريم: الآية: ٦٥] " (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فالذي شرعه الله ورسوله توحيد وعدل وإحسان وإخلاص وصلاح للعباد في المعاش والمعاد، وما لم يشرعه الله ورسوله من العبادات المبتدعة فيه شرك وظلم وإساءة وفساد العباد في المعاش والمعاد" (^٢).
_________________
(١) قاعدة جامعة في توحيد الله وإخلاص الوجه والعمل له عبادة واستعانة ص ٣٦ - ٣٧.
(٢) مجموع الفتاوى ١/ ١٩٥.
[ ٥٥١ ]
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "إنّ الشيطان إنما يمنعه من الدخول إلى قلب ابن آدم؛ ما فيه من ذكر الله الذي أرسل به رسله، فإذا خلا من ذلك تولّاه الشيطان، قال الله تعالى: ﴿ومن يعش عن ذكر الرحمن نُقيِّض له شيطانًا فهو له قرين * وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون﴾ [الزخرف: الآية: ٣٦] " (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ولا ريب أن القلب يصدأ كما يصدأ النحاس والفضة وغيرهما؛ وجلاؤه بالذكر فإنه يجلوه حتى يدعه كالمرآة البيضاء فإذا تُرك الذكر صدئ فإذا ذكر جلاه" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الذكر روح الأعمال الصالحة فإذا خلا العمل عن الذكر كان كالجسد الذي لا روح فيه" (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "لا ريب أن أبدان الغافلين قبور لقلوبهم وقلوبهم فيها كالأموات في القبور وقيل:
فنسيان ذكر الله موت قلوبهم … وأجسامهم قبل القبور قبور" (^٤).
• قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: "وهذا أمر مجرب أن العبادة تنشط البدن وتلينه، وأن النوم يكسل البدن فيقسيه" (^٥).
• قال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀: "أهلُ الطّاعةِ عندهم إستقرار وعندهم طمأنينة، ولو كان الواحد منهم فقيرًا،
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٣٩٩/ ١٠.
(٢) الوابل الصيب (ص ٩٢).
(٣) مدارج السالكين ٢/ ٤٧٦.
(٤) مدارج السالكين ٢/ ٤٣٠.
(٥) البداية والنهاية ٩/ ٢٩٤.
[ ٥٥٢ ]
فإنّ الله يُعطيه سَعَةَ بالٍ وقناعَةً" (^١).
• قال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀-في قصة زكريا ﵇: " قال تعالى: ﴿وَاذكُر رَبَّكَ كَثيرًا﴾ [آل عمران: الآية: ٤١]، أمره الله تعالى بأن يذكر ربّه كثيرًا؛ لأنه بذكر الله تطمئن القلوب، ويزداد الإيمان، ويستنير القلب فلهذا أمره الله أن يذكر ربه كثيرا .. وبشره بأنه لن يمتنع من ذكر الله الذي هو أجلّ وأشرف من مخاطبة الناس وكلامهم" (^٢).
قال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀: "ينبغي للإنسان إذا انقطع عن الناس أن يشغل وقته بذكر الله ﷿" (^٣).
المطلب الثالث والخمسون: التوحيد هو الطريق إلى الفوز بمحبة الله ﷿.
• قال تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا﴾ [مريم: الآية: ٩٦].
• عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا أحب الله العبد قال لجبرائيل: قد أحببت فلانًا فأحبه، فيحبه جبرائيل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله ﷿ قد أحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض»، وإذا أبغض العبد. قال مالك: لا أحسبه إلا قال في البغض مثل ذلك.
_________________
(١) تفسير سورة المائدة ٢/ ٩٠.
(٢) تفسير سورة آل عمران ١/ ٢٤٨.
(٣) تفسير سورة آل عمران ١/ ٢٥٣.
[ ٥٥٣ ]
• عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄، قوله: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرّحْمَنُ وُدّا قال: "الودّ من المسلمين في الدنيا، والرزق الحسن. واللسان الصادق" (^١).
• عن مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀، في قوله سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرّحْمَنُ وُدّا قال: محبة في المسلمين في الدنيا" (^٢).
• عن مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀، في قوله: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرّحْمَنُ وُدّا﴾ قال: يحبهم ويحببهم إلى خلقه" (^٣).
• عن مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀ ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرّحْمَنُ وُدّا﴾ قال: "يحبهم ويحببهم إلى المؤمنين" (^٤).
• عن قتادة (ت: ١١٨ هـ) ﵀، في قوله: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرّحْمَنُ وُدّا﴾ قال: "ما أقبل عبد الله إلا أقبل الله بقلوب العباد إليه، وزاده من عنده" (^٥).
• قال هرم بن حيان (ت: في أوائل القرن الثاني من الهجرة) ﵀: "ما أقبل عبد بقلبه إلى الله ﷿ إلا أقبل الله بقلوب أهل الإيمان إليه حتى يرزقه مودتهم" (^٦).
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا﴾ الآية، يقول: "يجعل
_________________
(١) تفسير الطبري (سورة مريم: الآية: ٩٦).
(٢) تفسير الطبري (سورة مريم: الآية: ٩٦).
(٣) تفسير الطبري (سورة مريم: الآية: ٩٦).
(٤) تفسير الطبري (سورة مريم: الآية: ٩٦).
(٥) تفسير الطبري (سورة مريم: الآية: ٩٦).
(٦) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة مريم: الآية: ٩٦).
[ ٥٥٤ ]
محبتهم في قلوب المؤمنين فيحبونهم" (^١).
• قال الفراء (ت: ٢٠٧ هـ) ﵀: " وقوله: ﴿وُدًّا﴾ يقول: "يجعل الله لهم وُدّا في صدور المؤمنين" (^٢).
• قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: "لحبهم لله وتمام معرفتهم به، وتوقيرهم وتوحيدهم له، لا يشركون به شيئًا، بل يعبدونه وحده ويتوكلون عليه، ويلجؤون في جميع أمورهم إليه" (^٣).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "هذا من نعمه على عباده، الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح، أن وعدهم أنه يجعل لهم ودا، أي: محبة وودادا في قلوب أوليائه، وأهل السماء والأرض، وإذا كان لهم في القلوب ود تيسر لهم كثير من أمورهم وحصل لهم من الخيرات والدعوات والإرشاد والقبول والإمامة ما حصل" (^٤).
المطلب الربع والخمسون: التوحيد سبب لنيل ولاية الله.
• قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ [يونس: الآيات ٦٢ - ٦٣].
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "يقول تعالى
_________________
(١) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة مريم: الآية: ٩٦).
(٢) تفسير معاني القرآن للفراء (سورة مريم: الآية: ٩٦).
(٣) تفسير ابن كثير (سورة مريم: الآية: ٩٦).
(٤) تفسير ابن سعدي (سورة مريم: الآية: ٩٦).
[ ٥٥٥ ]
ذكره: الذين صدقوا لله ورسوله، وما جاء به من عند الله، وكانوا يتَّقون الله بأداء فرائضه واجتناب معاصيه" (^١).
• قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: " قال تعالى: ﴿الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾: أي: هم الذين آمنوا بالله ﷿ ورسوله، وبما جاء من عند الله سبحانه ﴿وكانوا يتقون﴾: محارمه" (^٢).
• قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: "أي يتقون الشرك والمعاصي" (^٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "العبد حبه لله هو محبة عبودية وافتقار، ليست كمحبة الرب لعبده، فإنها محبة استغناء وإحسان.
ولهذا قال - تعالى -: ﴿وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا﴾ [الإسراء: الآية: ١١١].
فالرب لا يوالي عبده من ذل، كما يوالي المخلوق لغيره، بل يواليه إحسانا إليه، والولي من الولاية، والولاية ضد العداوة. وأصل الولاية الحب، وأصل العداوة البغض" (^٤).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: عند قوله تعالى: ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم﴾ [آل عمران: الآية: ١٧٥].
"أي يخوفكم بأوليائه ويعظمهم في صدوركم فلا تخافوهم
_________________
(١) تفسير الطبري (سورة يونس الآية: ٦٣).
(٢) تفسير مكي بن أبي طالب (سورة يونس الآية: ٦٣).
(٣) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة يونس الآية: ٦٣).
(٤) منهاج السنة ٥/ ٣٥٢ ..
[ ٥٥٦ ]
وأفردوني بالمخافة أكفكم إياهم" (^١).
قال عمر بن الخطّاب (ت: ٢٣ هـ) ﵁: "اقتربوا من أفواه المطيعين؛ واسمعوا منهم ما يقولون فإنه تتجلى لهم أمور صادقة.
فالله-﷾ فطر عباده على الحنيفية: وهو حب المعروف وبغض المنكر فإذا لم تستحل الفطرة فالقلوب مفطورة على الحق فإذا كانت الفطرة مقومة بحقيقة الإيمان منورة بنور القرآن وخفي عليها دلالة الأدلة السمعية الظاهرة ورأى قلبه يرجح أحد الأمرين كان هذا من أقوى الأمارات عند مثله وذلك أن الله علم القرآن والإيمان. قال الله تعالى: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا﴾ [الشورى: الآية: ٥١]. ثم قال: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا﴾ [الشورى: الآية: ٥٢]، وقال جندب بن عبد الله (ت: ٧٠ هـ تقريبًا) ﵁، وعبد الله بن عمر (ت: ٧٣ هـ): تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا. وفي الصحيحين عن حذيفة (ت: ٣٦ هـ)، عن النبي ﷺ أنه قال: " «إن الله أنزل الأمانة في جذر قلوب الرجال فعلموا من القرآن، وعلموا من السنة» " (^٢).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: " ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، وصدقوا إيمانهم، باستعمال التقوى، بامتثال الأوامر، واجتناب النواهي " (^٣).
_________________
(١) بدائع الفوائد ٢/ ٢٣٧.
(٢) مجموع الفتاوى ١٥/ ٤٧٤.
(٣) تفسير ابن سعدي (سورة يونس الآية: ٦٣).
[ ٥٥٧ ]
المطلب الخامس والخمسون: إن الله تكفل لأهل التوحيد بحصول الهداية والتيسير لليسرى وإصلاح الأحوال والتسديد في الأقوال والأفعال.
• قال-تعالى-: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: الآية: ٥٥].
• قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: "هذا وعدٌ من الله-تعالى-لرسوله-صلوات الله وسلامه عليه-بأنه سيجعل أمَّته خلفاء الأرض؛ أي: أئمَّة الناس والولاة عليهم، وبهم تصلح البلاد، وتخضع لهم العباد، ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ﴾ من الناس ﴿أَمْنًا﴾ وحكمًا فيهم، وقد فعله-﵎-وله الحمد والمنَّة؛ فإنه-ﷺ-لم يمت حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين وسائر جزيرة العرب وأرض اليمن بكمالها، وأخذ الجزية من مجوس هجر ومن بعض أطراف الشام، وهاداه هرقل ملك الروم، وصاحب مصر وإسكندرية وهو المقوقس، وملوك عمان، والنجاشي ملك الحبشة الذي تملك بعد أصحمة ﵀ وأكرمه" (^١).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "ومنها: أن الله يدافع عن الموحدين أهل الإيمان شرور الدنيا والآخرة، ويمن عليهم بالحياة الطيبة والطمأنينة إليه والطمأنينة بذكره" (^٢).
• قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ) ﵀: "ذكر
_________________
(١) "تفسير ابن كثير": (النور: ٥٥).
(٢) القول السديد شرح. كتاب التوحيد ص: ٢٥.
[ ٥٥٨ ]
-جلَّ وعلا-في هذه الآية الكريمة أنه وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات من هذه الأُمّة: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ في الارْضِ﴾؛ أي: ليجعلنهم خلفاء الأرض، الذين لهم السيطرة فيها، ونفوذ الكلمة، والآيات تدلُّ على أن طاعة الله بالإيمان به، والعمل الصالح سبب للقوَّة والاستخلاف في الأرض ونفوذ الكلمة؛ كقوله-تعالى-: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾ [الأنفال: الآية: ٢٦]، وقوله-تعالى-: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: الآيتان: ٤٠ - ٤١]، وقوله-تعالى-: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: الآية: ٧]، إلى غير ذلك من الآيات، وقوله-تعالى-في هذه الآية الكريمة: ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ أي: كبني إسرائيل، ومن الآيات الموضحة لذلك قوله-تعالى-: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: الآيتان: ٥ - ٦]، وقوله-تعالى-عن موسى-عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام-: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: الآية: ١٢٩]، وقوله-تعالى-: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف: الآية: ١٣٧]، إلى غير ذلك من الآيات … " (^١).
• قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ) ﵀: "فالذين يرتكبون جميع المعاصي ممن يتسمون باسم المسلمين، ثم يقولون: إن الله سينصرنا مغررون؛ لأنهم ليسوا من حزب الله الموعودين بنصره كما
_________________
(١) "تفسير الشنقيطي": (النور: ٥٥).
[ ٥٥٩ ]
لا يخفى" (^١).
• قال الإمام الربيع بن أنس (ت: ١٣٩ هـ) ﵀-عند تفسير قوله تعالى: ﴿قل فلله الحجة البالغة﴾ [الأنعام: الآية: ١٤٩]، "لا حجة لأحد عصى الله، ولكن لله الحجة البالغة على عباده" (^٢).
المطلب السادس والخمسون: التوحيد يُعطى الموحد مهابة وحلاوة بحسب إيمانه.
• قال الحسن البصري (ت: ١١٠ هـ) ﵀: "إن المؤمن رزق حلاوة ومهابة" (^٣).
• قال وكيع بن الجراح (ت: ١٩٧ هـ) ﵀: "ما نعيش إلا في ستره ولو كشف الغطاء لكشف عن أمر عظيم" (^٤).
• قال القشيري (ت: ٤٦٥ هـ) ﵀: "والحق سبحانه يستر مثالِبَ العاصين ولا يفضحهم لئلا يحجبوا عن مأمول أفضالهم، ويستر مناقِبَ العارفين عليهم لئلا يُعْجَبُوا بأعمالهم وأحوالهم، وفَرْقٌ بين سَتْرٍ وَسَتْرٍ، وشَتَّان ما هما! " (^٥).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وأما التوحيد أن يكون الله أحب إليه من كل ما سواه، فلا يحب شيئا مثل ما يحب الله، ولا يخافه كما يخاف الله، ولا يرجوه كما يرجوه، ولا يجله ويكرمه مثل ما يجل الله
_________________
(١) أضواء البيان ٧/ ٢٥٢
(٢) تفسير ابن أبي حاتم ٦/ ٤٥٦.
(٣) جلاء الأفهام ص: ١٨٨.
(٤) الجرح والتّعديل (١/ ٢٢٣).
(٥) لطائف الإشارات للقشيري (تفسير سورة الأنفال: الآيات ٢ - ٤).
[ ٥٦٠ ]
ويكرمه" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "الجمال الذي للخُلُق، من العلم والإيمان والتقوى أعظم من الجمال الذي للخَلْق، وهو الصورة الظاهرة" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "يعني يحب ويهاب ويجل بما ألبسه الله سبحانه من ثوب الإيمان المقتضي لذلك ولهذا لم يكن بشر أحب إلى بشر ولا أهيب وأجل في صدره من رسول الله ﷺ في صدر الصحابة ﵃ قال عمرو بن العاص قبل إسلامه أنه لم يكن شخص أبغض إلي منه فلما أسلم لم يكن شخص أحب إليه منه ولا أجل في عينه منه قال ولو سئلت أن أصفه لكم لما أطقت لأني لم أكن أملأ عيني منه إجلالا له" (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "المؤمن يُعطى مهابة وحلاوة بحسب إيمانه؛ فمن رآه هابه، ومن خالطه أحبه، وهذا أمر مشهود بالعيان فإنك ترى الرجل الصالح المحسن ذا الأخلاق الجميلة من أحلى الناس صورة وإن كان أسود أو غير جميل ولا سيما إذا رُزِق حظا من صلاة الليل فإنها تنور الوجه وتحسنه.
وقد كان بعض النساء تكثر صلاة الليل فقيل لها في ذلك فقالت إنها تحسن الوجه وأنا أحب أن يحسن وجهي ومما يدل على أن الجمال الباطن أحسن من الظاهر أن القلوب لا تنفك عن تعظيم صاحبه ومحبته والميل إليه" (^٤).
_________________
(١) جامع المسائل ٣/ ٢٧٩.
(٢) الاستقامة، لابن تيمية ١/ ٤٤١.
(٣) جلاء الأفهام ص ١٨٨.
(٤) روضة المحبين ص ٢٢١.
[ ٥٦١ ]
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وكما أن الجمال الباطن من أعظم نعم الله تعالى على عبده فالجمال الظاهر نعمة منه أيضًا على عبده يوجب شكرًا فإن شكره بتقواه وصيانته ازداد جمالا على جماله وإن استعمل جماله في معاصيه سبحانه قلبه له شيئا ظاهرا في الدنيا قبل الآخرة فتعود تلك المحاسن وحشة وقبحا وشينا وينفر عنه من رآه فكل من لم يتق الله ﷿ في حسنه وجماله انقلب قبحا وشينا يشينه به بين الناس فحسن الباطن يعلو قبح الظاهر ويستره وقبح الباطن يعلو جمال الظاهر ويستره" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "زيادة الخلق التي قال الله تعالى فيها ﴿يزيد في الخلق ما يشاء﴾ [فاطر: الآية: ١]، قالوا هو الصوت الحسن والصورة الحسنة والقلوب كالمطبوعة على محبته كما هي مفطورة على استحسانه
وقد ثبت في الصحيح عنه أنه قال: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر" قالوا يا رسول الله ﷺ الرجل يحب أن تكون نعله حسنة وثوبه حسنا أفذلك من الكبر فقال: «لا إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس» (^٢)، فبطر الحق جحده ودفعه بعد معرفته، وغمط الناس النظر إليهم بعين الازدراء والاحتقار والاستصغار لهم ولا بأس بهذا إذا كان لله وعلامته أن يكون لنفسه أشد ازدراء واستصغارا منه لهم فأما إن احتقرهم لعظمة نفسه عنده فهو الذي لا يدخل صاحبه الجنة" (^٣).
_________________
(١) روضة المحبين ص ٢٢٢.
(٢) رواه مسلم (٩١).
(٣) روضة المحبين ص ٢٢٢.
[ ٥٦٢ ]
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فبطر الحق جحده ودفعه بعد معرفته، وغمط الناس النظر إليهم بعين الازدراء والاحتقار والاستصغار لهم ولا بأس بهذا إذا كان لله وعلامته أن يكون لنفسه أشد ازدراء واستصغارا منه لهم فأما إن احتقرهم لعظمة نفسه عنده فهو الذي لا يدخل صاحبه الجنة" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "النبي ﷺ ألقى الله عليه من المهابة والمحبة، ولكل مؤمن مخلص حض من ذلك" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "اعلم أن الجمال ينقسم قسمين: ظاهر وباطن، فالجمال الباطن هو المحبوب لذاته، وهو جمال العلم والعقل والجود والعفة والشجاعة، وهذا الجمال الباطن هو محل نظر الله من عبده وموضع محبته، كما في الحديث الصحيح: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (^٣). ومما يدل على أن الجمال الباطن أحسن من الظاهر أن القلوب لا تنفك عن تعظيم صاحبه ومحبته والميل إليه" (^٤).
_________________
(١) روضة المحبين ص ٢٢٢.
(٢) جلاء الأفهام ص: ٩٧.
(٣) أخرجه: مسلم ٨/ ١١ (٢٥٦٤) (٣٤) بلفظ: " إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم".
(٤) روضة المحبين ص ٢٣١.
[ ٥٦٣ ]
المبحث الخامس: محاسن كلمة التوحيد من جهة خصائصها.
المطلب الأول: كلمة التوحيد وإن كان ابتداؤها نفيًا فالمراد بها غاية الإثبات ونهاية التحقيق.
• قال محمد بن أبي الفتح البعلي (ت: ٧٠٩ هـ) ﵀: "وهذه الكلمة وإن كان ابتداؤها نفيًا، فالمراد بها غاية الإثبات، ونهاية التحقيق، فإن قول القائل: لا أخ لي سواك، ولا معين لي غيرك، آكد من قولهم: أنت أخي، وأنت معيني" (^١).
المطلب الثاني: كلمة التوحيد خفيفة على الجنان واللسان.
• قال العز بن عبد السلام (ت: ٦٣٩ هـ) ﵀: "التوحيد خفيف على الجنان واللسان، وهو أفضل ما أعطيه الإنسان، ومن به الرحمن، والتفوه به أفضل كل كلام، بدليل أنه يوجب الجنان ويدرأ غضب
_________________
(١) المطلع على أبواب المقنع، ص ١٠٢ لمحمد بن أبي الفتح البعلي.
[ ٥٦٤ ]
الديان" (^١).
المطلب الثالث: كلمة التوحيد حروفها غير منقوطة.
من خصائص كلمة التوحيد: أنها لا تشتمل على حرف منقوط.
• قال محمد بن أبي الفتح البعلي (ت: ٧٠٩ هـ) ﵀: "ومن خواصها أن حروفها كلها مهملة ليس فيها حرف معجم تنبيها على التجرد من كل معبود سوى الله" (^٢).
• قال يوسف بن حسن ابن عبد الهادي الحنبلي (ت: ٩٠٩ هـ) ﵀: "ومن خواصها أن حروفها كُلها مهملة ليس فيها حروف معجمة تنبيهًا على التجرد من كل معبود سوى الله تعالى" (^٣).
المطلب الرابع: كلمة التوحيد حروفها جوفية.
• قال محمد بن أبي الفتح البعلي (ت: ٧٠٩ هـ) ﵀: "ومن خواصها أن جميع حُروفها جوفية، ليس فيها شيء من الشفوية، إشارة إلى أنها تخرج من القلب" (^٤).
_________________
(١) قواعد الأحكام في مصالح الأنام ١/ ٣٤.
(٢) المطلع على أبواب المقنع، ص ١٠٢ لمحمد بن أبي الفتح البعلي.
(٣) الدرر النقي في شرح ألفاظ الخرقي ٢/ ٢١٢ ليوسف بن حسن بن عبد الهادي.
(٤) المطلع على أبواب المقنع، ص ١٠٢ لمحمد بن أبي الفتح البعلي.
[ ٥٦٥ ]
المطلب الخامس: كلمة التوحيد كل خطبة لا تكون فيها فهي جذماء.
• عن أبي هريرة-﵁-عن النبي-ﷺ-أنه قال: «كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء» (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وكل خطبة لا يكون فيها شهادة فهي جذماء، ولهذا كانت السنة في الخطب: أن تفتتح بالحمد، ويختم ذكر الله بالتشهد، ثم يتكلم الإنسان بحاجته" (^٢).
المطلب السادس: كلمة التوحيد جاء بها التشهد في الصلاة.
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وبها جاء التشهد في الصلاة؛ أوله: التحيات لله، وآخره: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله" (^٣).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤٨٤١) والترمذي (١١٠٦) وأحمد (٢/ ٣٤٣).
(٢) قاعدة حسنة في الباقيات الصالحات. لابن تيمية. ص ٢٩.
(٣) قاعدة حسنة في الباقيات الصالحات. لابن تيمية. ص ٢٩.
[ ٥٦٦ ]
المبحث السادس: محاسن التوحيد من جهة ما يضاده.
المطلب الأول: التوحيد سد لباب الغلو في الصالحين.
• قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى الله إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ الله وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ [النساء: الآية: ١٧١].
• قال رسول الله-ﷺ: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله» (^١).
المطلب الثاني: التوحيد ضد الشرك وهو أعظم ما نهي الله عنه.
• قال تعالى: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ [لقمان: الآية: ١٣].
• سُئِل النبي-ﷺ: أيُّ الذنب أعظم عند الله؟ فقال-ﷺ: «أن
_________________
(١) البخاري مع الفتح بلفظه، كتاب الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ ..﴾، ٦/ ٤٧٨، ١٢/ ١٤٤، وانظر: شرحه في الفتح، ١٢/ ١٤٩.
[ ٥٦٧ ]
تجعل لله ندًّا، وهو خلقك» (^١).
• عن ابن مسعود، قال: قال رجل، يا رسول الله، أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: «من أحسن فى الإسلام، لم يؤاخذ بما عمل فى الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر» (^٢).
• قال علي بن خلف بن عبد الملك ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) ﵀: "قال المهلب: وأما حديث ابن مسعود فمعناه: من أحسن في الإسلام بالتمادى عليه ومحافظته، والقيام بشروطه؛ لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، وأجمعت الأمة أن الإسلام يجب ما قبله. وأما قوله: «من أساء في الإسلام» فمعناه: من أساء في عقد الإسلام والتوحيد، بالكفر بالله، فهذا يؤخذ بكل كفر سلف له في الجاهلية والإسلام، فعرضت هذا القول على بعض العلماء فأجازوه، وقالوا: لا معنى لحديث ابن مسعود غير هذا، ولا تكون هذه الإساءة إلا الكفر؛ لأجماع الأمة أن المؤمنين لا يؤاخذون بما عملوا في الجاهلية" (^٣).
• قال علي بن خلف بن عبد الملك ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) ﵀: "لا إثم أعظم من إثم الإشراك بالله، ولا عقوبة أعظم من عقوبته في الدنيا والآخرة؛ لأن الخلود الأبدي في النار لا يكون في ذنب غير الشرك بالله تعالى ولا يحبط الإيمان غيره؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: الآية: ٤٨] " (^٤).
_________________
(١) رواه البخاري: (٤٣٨٩/ كتاب تفسير القرآن/ باب: قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨].
(٢) رواه البخاري: (٦٩٢١)، ومسلم (١٢٠).
(٣) شرح صحيح البخاري لابن بطال ٨/ ٥٧٠.
(٤) شرح صحيح البخاري لابن بطال ٨/ ٥٦٩.
[ ٥٦٨ ]
• قال منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (ت ٤٨٩ هـ) ﵀-في التوحيد: "من خالف أصله كان كافرا، وعلى المسلمين مفارقته والتبرء منه؛ وذلك لأن أدلة التوحيد كثيرة ظاهرة متواترة، قد طبقت العالم وعم وجودها في كل مصنوع، فلم يعذر أحد بالذهاب عنها" (^١).
• قال سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي الصرصري الحنبلي (ت ٧١٦ هـ) ﵀: " ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾ [يوسف: الآية: ١٠٦] يعني الكفار كانوا يؤمنون بالله أنه الخالق، ومع ذلك يشركون الأصنام في العبادة والإيمان وهو التصديق بالله-﷿-لا ينافي الشرك، إنما الذي ينافي الشرك هو التوحيد وهم كانوا يؤمنون بالله-﷿-وجودا وخلقا وغير ذلك، ولكن لا يوحدونه عبادة" (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فأعظم السيئات: جحود الخالق. والشرك به وطلب النفس أن تكون شريكة وندا له أو أن تكون إلها من دونه. وكلا هذين وقع فإن فرعون طلب أن يكون إلها معبودا دون الله تعالى. وقال ﴿ما علمت لكم من إله غيري﴾ [القصص: الآية: ٣٨]، وقال ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ [النازعات: الآية: ٢٤]، وقال لموسى ﴿لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين﴾ [الشعراء: الآية: ٢٩]، و﴿فاستخف قومه فأطاعوه﴾ [الزخرف: الآية: ٥٤]. وإبليس يطلب: أن يعبد ويطاع من دون الله. فيريد: أن يعبد ويطاع هو ولا يعبد الله ولا يطاع. وهذا الذي في فرعون وإبليس هو غاية الظلم والجهل. وفي نفوس سائر الإنس والجن: شعبة من هذا وهذا" (^٣).
_________________
(١) قواطع الأدلة: ٢/ ٣٠٨.
(٢) الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية ص: ٣٥٢.
(٣) مجموع الفتاوى ١٤/ ٣٢٣.
[ ٥٦٩ ]
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وأعظم الذنوب عند الله الشرك به وهو سبحانه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء والشرك منه جليل ودقيق وخفي وجلي كما في الحديث الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل فقال أبو بكر (ت: ١٣ هـ) ﵁-يا رسول الله إذا كان أخفى من دبيب النمل فكيف نصنع به؟ أو كما قال فقال: «ألا أعلمك كلمة إذا قلتها نجوت من قليله وكثيرة قل اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم» " (^١).
المطلب الثالث: التوحيد يمنع مضاهاة الله بالألفاظ.
• عن أبي هريرة يحدث عن النبي، ﷺ، أنه قال: «لا يقل أحدكم: أطعم ربك، وضئ ربك، اسق ربك، وليقل: سيدي مولاي. ولا يقل أحدكم: عبدي، أمتي، وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي» (^٢).
• قال الخطابي (ت: ٣٨٨ هـ) ﵀: "إنما منع ﷺ أن يقال: أطعم ربك، اسق ربك، لأن الإنسان مربوب متعبد، بإخلاص التوحيد لله ﷿، وترك الإشراك معه، فكره له المضاهاة بالاسم، لئلا يدخل/ في معنى الشرك، والحر والعبد في هذا بمنزلة واحدة، فأما مالا تعبد عليه من سائر الحيوان والجماد، فلا بأس بإطلاق هذا الاسم عليه عند الإضافة، كقولك: رب الدابة، ورب الدار، والثوب، ونحوها، ولم يمنع العبد أن يقول: سيدي، ومولاي، لأن مرجع السيادة إلى معنى الرئاسة على من
_________________
(١) قاعدة في المحبة ص. ٦٨.
(٢) أخرجه البخاري برقم (٢٥٥٢)، وأخرجه مسلم برقم (٢٢٤٩).
[ ٥٧٠ ]
تحت يده، والسياسة له، وحسن التدبير لأمره، ولذلك سمي الزوج سيدا. قال الله ﷿ ﴿وألفيا سيدها لدى الباب﴾. وقال النبي، ﷺ، في الحسن بن علي: (إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين) وكان ما جرى منه- رضوان الله عليه- في ذلك المقام حسن تدبير ونظر سياسة، وإن كان أحق بالأمر، وأولى به.
وقد قال بعض أهل اللغة: إنما سمي السيد سيدا لأنه يملك السواد الأعظم، أو يليهم، أو كما قال من هذا النحو.
وأما المولى فكثير التصرف في الوجوه المختلفة من ولي، وناصر، وابن عم، وحليف، ومعتق، وجماع ذلك كله في معنى الاشتقاق: ولاية أمر وإصلاحه، فلم يمنع أن يوصف بها الإنسان، ويضاف إليها، ولكن لا يقال السيد على الإطلاق، ولا المولى من غير إضافة إلا في صفة الله ﷿، وكذلك العبد يكره لمالك الرقبة أن يقول: عبدي، لأن هذا الاسم من باب المضاف ومقتضاه العبودية له، وصاحبه الذي هو مالكه عبد الله، متعبد بأمره ونهيه، فإدخال مملوكه تحت هذا الاسم يوهم الشرك، ويوجب معنى المضاهاة، فلذلك استحب له أن يقول: فتاي، وفتاتي، ونحو ذلك من القول، والمعنى في ذلك كله راجع إلى البراءة من الكبر، والتزام الذل والخشوع، وهو الذي يليق بسمة العبيدوبصفات المربوبين، لا يحسن بعبد أن يقول: فلان عبدي، وإن كان قد ملك قيادة في الاستخدام له، والاستخذاء لطاعته، امتحانا، وابتلاء من الله لخلقه. وقال تعالى: ﴿وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتبصرون﴾. وقد روى أبو عبد الله/ على أثر هذا الحديث حديثا حسنا ذكرته، ليكون من قارئ هذا الكتاب على بال" (^١).
_________________
(١) أعلام الحديث (شرح صحيح البخاري) للخطابي ٢/ ١٢٧١ - ١٢٧٣.
[ ٥٧١ ]
المطلب الرابع: التوحيد يحسم مواد الشرك.
• قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وقد كان النبي، ﷺ، يحقق هذا التوحيد لأمته ويحسم عنهم مواد الشرك إذ هذا تحقيق قولنا لا إله إلا الله فإن الإله هو الذي تألهه القلوب لكمال المحبة والتعظيم والإجلال والإكرام والرجاء والخوف" (^١).
• قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "عليك بالعناية بهذه الآية فقد سدت أبواب الشرك في الربوبية والألوهية.
قال تعالى ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ - وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٢ - ٢٣].
أما قوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: الآية: ٢٢]. فهذا سد لباب الشرك في ربوبيته: بأن يجعل لغيره معه تدبيرًا ما فبين سبحانه أنهم:
لا يملكون ذرة استقلالا،
ولا يشركونه في شيء من ذلك.
ولا يعينونه على ملكه.
ومن لم يكن مالكًا ولا شريكًا ولا عونًا، فقد انقطعت علاقته
وقوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: الآية: ٢٣].
_________________
(١) مجموع. الفتاوى ١/ ١٣٦.
[ ٥٧٢ ]
فهدا سد لباب الشرك في الألوهية: بأن يدعى غيره دعاء عبادة، أو دعاء مسألة.
إذ قد جعل الخير كله في أنا لا نعبد إلا إياه، ولا نسعتين إلا إياه.
وعامة آيات القرآن تثبت هذا الأصل حتى إنه سبحانه قطع أثر الشفاعة بدون إذنه،
كقوله سبحانه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: الآية: ٢٥٥] وكقوله سبحانه: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: الآية: ٥١]
وقوله تعالى: " ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: الآية: ٧٠]
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾ [الأنعام: الآية: ٧١].
وقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: الآية: ٩٤]
وسورة الأنعام سورة عظيمة مشتملة على أصول الإيمان.
وكذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ [السجدة: الآية: ٤] وقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: الآية: ٣] وقوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ - قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: الآيات: ٤٣ - ٤٤].
وسورة الزمر أصل عظيم في هذا. ومن هذا قوله سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ
[ ٥٧٣ ]
عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ - يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ - يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ [الحج: الآيات: ١١ - ١٣].
وكذلك قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: الآية: ٤١].
والقرآن عامته إنما هو في تقرير هذا الأصل العظيم الذي هو أصل الأصول. وهذا الذي ذكرناه كله من تحريم هذا الدعاء" (^١).
المطلب الخامس: التوحيد قرين السنة كما أن البدعة قرينة الشرك.
قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "البدعة قرينة الشرك فى كتاب الله تعالى، قال تعالى: ﴿قل إنما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغى بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [الأعراف: الآية: ٣٣]، فالإثم والبغى قرينان، والشرك والبدعة قرينان" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "تفاوت درجات الشهوة في الكبر والصغر بحسب تفاوت درجات المشتهى، فشهوة الكفر والشرك كفر، وشهوة البدعة فسق، وشهوة الكبائر معصية" (^٣).
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٢٢٦ - ٢٢٧.
(٢) إغاثة اللهفان ١/ ٦٣.
(٣) مدارج السالكين ١/ ١٣٣.
[ ٥٧٤ ]
المطلب السادس: التوحيد نور والشرك ظلمات.
• قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: الآية: ٢٥٧].
فالتوحيد نور يوفق الله له من يشاء من عباده وقد بيّن الله ﷿ أنه أنزل على محمد ﷺ الآيات الواضحات والدلائل الباهرات، وأعظمها القرآن الكريم؛ ليخرج الناس بإرسال الرسول ﷺ وبما أنزل عليه من الكتاب والحكمة: من ظلمات الضلالة والشرك، والجهل، إلى نور الإيمان والتوحيد، والعلم والهدى.
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀-في تفسيرها: "يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿الله ولي الذين آمنوا﴾، نصيرهم وظهيرهم، يتولاهم بعونه وتوفيقه ﴿يخرجهم من الظلمات﴾ يعني بذلك: يخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. وإنما عنى ب ﴿الظلمات﴾ في هذا الموضع، الكفر. وإنما جعل ﴿الظلمات﴾ للكفر مثلا لأن الظلمات حاجبة للأبصار عن إدراك الأشياء وإثباتها، وكذلك الكفر حاجب أبصار القلوب عن إدراك حقائق الإيمان والعلم بصحته وصحة أسبابه.
فأخبر تعالى ذكره عباده أنه ولي المؤمنين، ومبصرهم حقيقة الإيمان وسبله وشرائعه وحججه، وهاديهم، فموفقهم لأدلته المزيلة عنهم الشكوك، بكشفه عنهم دواعي الكفر، وظلم سواتر عن أبصار القلوب.
[ ٥٧٥ ]
ثم أخبر تعالى ذكره عن أهل الكفر به، فقال: ﴿والذين كفروا﴾، يعني الجاحدين وحدانيته ﴿أولياؤهم﴾، يعني نصراؤهم وظهراؤهم الذين يتولونهم ﴿الطاغوت﴾، يعني الأنداد والأوثان الذين يعبدونهم من دون الله ﴿يخرجونهم من النور إلى الظلمات﴾، يعني ب ﴿النور﴾ الإيمان، على نحو ما بينا ﴿إلى الظلمات﴾، ويعني ب ﴿الظلمات﴾ ظلمات الكفر وشكوكه، الحائلة دون أبصار القلوب ورؤية ضياء الإيمان وحقائق أدلته وسبله" (^١).
• قال محمد بن علي بن الحسن بن بشر، أبو عبد الله، الحكيم الترمذي (ت: ٣٢٠ هـ) ﵀: "ثم خص المؤمنين بنور العقل، فجعل مسكنه في الدماغ، وجعل له بابا من دماغه إلى صدره، ليشرق شعاعه بين عيني الفؤاد، ليدبر الفؤاد بذلك النور الأمور، فيميز بين الأمور ما حسن منها وما قبح، ووضع نور التوحيد في باطن هذه البضعة، وهي القلب، وفيه نور الحياة فحيي القلب بالله ﵎، وفتح عيني الفؤاد، فأشرق نور التوحيد إلى الصدر من باب القلب، فأبصر عينا الفؤاد بنور الحياة التي فيهما نور التوحيد، فوحد الله ﷿، وعرفه" (^٢).
• قال تعالى: ﴿الله نور السموات والأرض﴾ [النور: الآية: ٣٥].
• قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: "الله سبحانه هادي أهل السماء وأهل الأرض، فمثل هداه في قلب المؤمن كمثل الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسه النار، فإذا مسته النار ازداد ضوءا على ضوء، كذلك يكون قلب المؤمن يعمل فيه الهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاءه العلم ازداد
_________________
(١) تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري. (تفسير سورة البقرية الآية ٢٥٧).
(٢) كتاب رياضة النفس ص: ٣٢.
[ ٥٧٦ ]
هدى على هدى ونورا على نور" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "جاءت النصوص الإلهية في أنه بالإيمان يخرج الناس من الظلمات إلى النور" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ومن عقوبات المعاصي أنها توقع الوحشة العظيمة في القلب، فيجد المذنب نفسه مستوحشا، قد وقعت الوحشة بينه وبين ربه، وبينه وبين الخلق، وبينه وبين نفسه. وكلما كثرت الذنوب اشتدت الوحشة" (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "تعوق القلب عن سيره إلى الله وتقطع عليه طريقه ثلاثة أمور:
شرك، وبدعة، ومعصية؛ فيزول عائق الشرك بتجريد التوحيد. وعائق البدعة بتحقيق السنة. وعائق المعصية بتصحيح التوبة" (^٤).
• قال إسماعيل حقي (ت ١١٢٧ هـ) ﵀: "واعلم أن التوحيد أفضل الفضائل كما أن الشرك أكبر الكبائر، وللتوحيد نور كما أن للشرك نارًا وأن نور التوحيد أحرق لسيئات الموحدين كما أن نار الشرك أحرق لحسنات المشركين، ولكون التوحيد أفضل العبادات وذكر الله أقرب القربات لم يقيد بالزمان والأوقات بخلاف سائر الأعمال من الصيام والصلوات فالخلاص من الضلالة إنما هو بالهداية إلى التوحيد وإخلاص العبادة لله الحميد" (^٥).
_________________
(١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي ٢/ ٢٢٥.
(٢) مجموع لفتاوى ٢/ ١٦.
(٣) جامع الرسائل ١/ ٢٣٠ - ٢٣١.
(٤) الفوائد ص: ١٥٤.
(٥) كتاب روح البيان لإسماعيل حقي ٧/ ٧٢.
[ ٥٧٧ ]
المطلب السابع: التوحيد يمنع التسوية بين الله وبين غيره.
• قال تعالى: ﴿تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين﴾ [الشعراء: الآيات ٩٧ - ٩٨].
• قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀-في تفسيرها: "أي نجعل أمركم مطاعا كما يطاع أمر رب العالمين وعبدناكم مع رب العالمين" (^١).
• قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: الآية: ١].
• قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: "أي: ثم الذين كفروا بعد هذا البيان بربهم يعدلون، أي: يشركون، وأصله من مساواة الشيء بالشيء، ومنه العدل، أي: يعدلون بالله غير الله تعالى، يقال: عدلت هذا بهذا إذا ساويته، وبه قال النضر بن شميل، الباء بمعنى عن، أي: عن ربهم يعدلون، أي يميلون وينحرفون" (^٢).
• قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: "أي: ومع هذا كله كفر به بعض عباده، وجعلوا معه شريكا وعدلا واتخذوا له صاحبة وولدا، تعالى عن ذلك علوا كبيرا" (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فمن جعل هذا إلها مع القوي العزيز، فما قدر الله حق قدره، ولا عرفه حق معرفته ولا عظمه حق
_________________
(١) تفسير ابن كثير (سورة الشعراء الآية: ٩٨).
(٢) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة الأنعام الآية: ١).
(٣) تفسير ابن كثير (سورة الأنعام الآية: ١).
[ ٥٧٨ ]
تعظمه" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ونظير هذا قوله سبحانه: ﴿الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون﴾ [الأنعام: الآية: ١]، أي: يعدلون به غيره، فيجعلون له من خلقه عدلا وشبها.
قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: "يريد: عدلوا بي من خلقي الحجارة والأصنام، بعد أن أقروا بنعمتي وربوبيتي.
وقال الزجاج (ت: ٣١١ هـ) ﵀: "أعلم الله سبحانه أنه خالق ما ذكر في هذه الآية، وأن خالقها لا شيء مثله، وأعلم أن الكفار يجعلون له عديلا.
والعدل: التسوية، يقال: عدل الشيء بالشيء: إذا سواه، ومعنى يعدلون به: يشركون به غيره. قاله مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀.
قال الأحمر: يقال: عدل الكافر بربه عدلا وعدولا، إذا سوى به غيره فعبده.
وقال الكسائي (ت: ١٨٩ هـ) ﵀: عدلت الشيء بالشيء أعدله عدولا، إذا ساويته به.
ومثله قوله تعالى عن هؤلاء المشبهين إنهم يقولون في النار لآلهتهم: ﴿تالله إن كنا لفي ضلال مبين (٩٧) إذ نسويكم برب العالمين﴾ [الشعراء: الآيات: ٩٧، ٩٨]، فاعترفوا أنهم كانوا في أعظم الضلال وأبينه، إذ جعلوا لله شبها وعدلا من خلقه، سووهم به في العبادة والتعظيم" (^٢).
_________________
(١) التفسير القيم ص ٣٨٦
(٢) إغاثة اللهفان ٢/ ٢٣٠.
[ ٥٧٩ ]
• قال تعالى: ﴿رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا﴾ [مريم: الآية: ٦٥].
قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: "شبها ومثلا، وهو من يساميه. وذلك نفي عن المخلوق أن يكون مشابها للخالق ومماثلا له، بحيث يستحق العبادة والتعظيم، ولم يقل سبحانه: هل تعلمه سميا أو مشبها لغيره، فإن هذا لم يقله أحد، بل المشركون المشبهون جعلوا بعض المخلوقات مشابها له مساميا وندا وعدلا، فأنكر عليهم هذا التشبيه والتمثيل.
وكذلك قوله: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا ولا يستطيعون (٧٣) فلا تضربوا لله الأمثال﴾ [النحل: الآيات: ٧٣، ٧٤]، فنهاهم أن يضربوا له مثلا من خلقه، ولم ينههم أن يضربوه هو مثلا لخلقه، فإن هذا لم يقله أحد، ولم يكونوا يفعلونه، فإن الله سبحانه أجل وأعظم وأكبر من كل شيء في فطر الناس كلهم، ولكن المشبهون المشركون يغلون فيمن يعظمونه، فيشبهونهم بالخالق، والله تعالى أجل في صدور جميع الخلق من أن يجعلوا غيره أصلا، ثم يشبهونه سبحانه بغيره.
فإن الذي يشبهه بغيره: إن قصد تعظيمه لم يكن في هذا تعظيم، لأنه مثل أعظم العظماء بما هو دونه، بل بما ليس بينه نسبة في العظمة والجلالة، وعاقل لا يفعل ذلك.
وإن قصد التنقص شبهه بالناقصين المذمومين، لا بالكاملين الممدوحين.
ومن هنا يعلم أن إثبات صفات الكمال له لا يتضمن التشبيه والتمثيل، لا بالكاملين ولا بالناقصين، وأن نفي تلك الصفات يستلزم
[ ٥٨٠ ]
تشبيهه بأنقص الناقصين" (^١).
• قال الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ: "تسوية المشركين معبوديهم برب العالمين لم تكن في الخلق والإيجاد، بل سووهم برب العالمين في التوجه والعبادة.
فحق الله أن لا يتوجه بطلب الغفران ورفع الدرجات والعطاء والرحمة إلا منه. وهم توجهوا بطلب الغفران والعفو وطلب الخير من أصنامهم الممثلة على صور الصالحين، وكان شعارهم: ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ [الزمر: الآية: ٣]، وكذا قولهم: ﴿ويقولون هؤلاء شفعاؤناعند الله﴾ [يونس: الآية: ١٨].
فتبين باليقين القاطع أن تسويتهم معبوداتهم برب العالمين، إنما هي في المحبة والتعظيم والتوجه والقصد، وطلب الشفاعة والواسطة.
فالقرآن حق كله، وأحسن وأعلى وأغلى ما فسر به القرآن القرآن" (^٢).
المطلب الثامن: حسن التوحيد وقبح الشرك معلومان بالعقل.
• قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "التوحيد والشرك ضدان، وكلما كان أحد الضدين أشرف وأكمل كان الضد الثاني أخس وأرذل، ولما كان التوحيد أشرف الأسماء كان الشرك أخس الأشياء، والآتي بأحد الضدين يكون تاركا للضد الثاني، فالآتي بالتوحيد الذي هو
_________________
(١) إغاثة اللهفان ١/ ٩٨٣ - ٩٨٥.
(٢) هذه مفاهيمنا ص: ١٢٦.
[ ٥٨١ ]
أفضل الأشياء يكون تاركا للشرك الذي هو أخس الأشياء وأرذلها، فلهذا المعنى وصف المصدقين بكونهم متقين" (^١).
• قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "إن شرف الشيء قد يظهر بواسطة خساسة ضده، فكلما كان ضده شئيًا أخس، كان هو أشرف، ولا شك أن ضد علم الأصول هو الكفر والبدعة، وهما من أخس الأشياء، فوجب أن يكون علم الأصول من أشرف العلوم" (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "ذنوب المشركين في نوعين: أمر بما لم يأمر الله به كالشرك، ونهي عما لم ينه الله عنه كتحريم الطيبات. فالأول شرع من الدين لما لم يأذن الله به، والثاني تحريم لما لم يحرمه الله" (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "واعلم أنه إن لم يكن حسن التوحيد وقبح الشرك معلومان بالعقل، مستقرا في الفطر، فلا وثوق بشيء من قضايا العقل، فإن هذه القضية من أجل القضايا البديهيات، وأوضح ما ركب الله في العقول والفطر، ولهذا يقول سبحانه عقيب تقرير ذلك أفلا تعقلون أفلا تذكرون وينفي العقل عن أهل الشرك، ويخبر عنهم بأنهم يعترفون في النار: أنهم لم يكونوا يسمعون ولا يعقلون، وأنهم خرجوا عن موجب السمع والعقل، وأخبر عنهم أنهم ﴿صم بكم عمي فهم لا يعقلون﴾ [البقرة: الآية: ١٧١] وأخبر عنهم أن سمعهم وأبصارهم وأفئدتهم لم تغن عنهم شيئا، وهذا إنما يكون في حق من خرج عن موجب العقل الصريح والفطرة الصحيحة، ولو لم يكن في صريح العقل ما يدل على ذلك لم
_________________
(١) تفسير مفاتيح الغيب للرازي (سورة الزمر: الآية: ٣٣).
(٢) عجائب القرآن للرازي ص ١٦.
(٣) جامع المسائل ٨/ ٤٥.
[ ٥٨٢ ]
يكن في قوله تعالى " انظروا " و" اعتبروا " و" سيروا في الأرض فانظروا " فائدة، فإنهم يقولون: عقولنا لا تدل على ذلك، وإنما هو مجرد إخبارك، فما هذا النظر والتفكر والاعتبار والسير في الأرض؟ وما هذه الأمثال المضروبة، والأقيسة العقلية والشواهد العيانية؟ أفليس في ذلك أظهر دليل على حسن التوحيد والشكر؟
وقبح الشرك والكفر مستقر في العقول والفطر، معلوم لمن كان له قلب حي، وعقل سليم، وفطرة صحيحة؟ قال تعالى ﴿ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون﴾ [الزمر: الآية: ٢٧] وقال تعالى ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون﴾ [العنكبوت: الآية: ٤٣] وقال تعالى ﴿إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد﴾ [ق: الآية: ٣٧] وقال تعالى ﴿أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾ [الحج: الآية: ٤٦] " (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ولما كان المشرك خبيث العنصر خبيث الذات؛ لم تطهر النار خبثه، بل لو خرج منها لعاد خبيثًا كما كان، كالكلب إذا دخل البحر، ثم خرج منه، فلذلك حرم الله تعالى على المشرك الجنة" (^٢).
• قال ابن خلدون (ت: ٨٠٨ هـ) ﵀: "واتبعْ ما أمرك الشارع به في اعتقادك وعملك، فهو أحرص على سعادتك، وأعلم بما ينفعك، لأنه
_________________
(١) مدارج السالكين ٣/ ٤٥٥. وقال ابن القيم في مدارج السالكين (٣/ ٤٥٤) ما نصه: "وقد ذكرنا هذه المسألة مستوفاة من كتاب مفتاح دار السعادة وذكرنا هناك نحوا من ستين وجها، تبطل قول من نفى القبح العقلي".
(٢) زاد المعاد ١/ ٦٨.
[ ٥٨٣ ]
من طور فوق إدراكك، ومن نطاق أوسع من نطاق عقلك، وليس ذلك بقادح في العقل ومداركه، بل العقل ميزان صحيح، وأحكامه يقينية لا كذب فيها، غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد، والآخرة، وحقيقة النبوة، وحقائق الصفات الإلهية، وكل ما وراء طوره، فإن ذلك طمع في محال، ومثال ذلك رجلٌ رأى الميزان الذي يوزن به الذهب فطمع أن يزن به الجبال، وهذا لا على أن الميزان في أحكامه غير صادق، لكن للعقل حد يقف عنده ولا يتعدى طوره حتى يكون له أن يحيط بالله وبصفاته، فإنه ذرة من ذرات الوجود" (^١).
المطلب التاسع: بكمال التوحيد تكمل البراءة من الشرك والكبر.
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وبكمال عبوديته لله تكمل تبرئته من الْكبر والشرك" (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "الإسلام له ضدان: الإشراك والاستكبار، لأنه الاستسلام لله وحده كما يترجم فيه شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا عبده ورسوله، فمن استسلم لله ولغير الله فقد أشرك بالله وجعل له عدلا وندا وشريكا، ومن لم يستسلم بحال فقد استكبر كحال فرعون وغيره" (^٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "ولهذا قرن هذا في شعار
_________________
(١) مقدمة ابن خلدون ص ٦٨٨.
(٢) العبودية ١/ ١٠٢.
(٣) جامع المسائل ١/ ٢٢٣.
[ ٥٨٤ ]
الإسلام الذي هو الأذان بين التكبير والتهليل، فإن التكبير- وهو قول "الله أكبر"- يمنع كبر غير الله، وقول لا إله إلا الله يوجب التوحيد، وهاتان الكلمتان قرينتان" (^١).
• قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: "حضور القلب في التوحيد عند الأذان والإقامة، فإن من غفل قلبه عند الأذان والإقامة عن التوحيد نقص من صلاته روحها فلم يكن لها عمود قيام، من حضر قلبه عند الأذان والإقامة حضر قلبه في صلاته، ومن غفل قلبه عندهما غفل قلبه في صلاته" (^٢).
المطلب العاشر: كلمة التوحيد تجدد الإيمان في القلب.
• عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁، أن النبي ﷺ قال: «جددوا إيمانكم». قيل: يا رسول الله، وكيف نجدد إيماننا؟ قال: «أكثروا من قول لا اله إلا الله» (^٣).
_________________
(١) جامع المسائل ١/ ٢٢٤.
(٢) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ٣/ ٣٦٣.
(٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند-تتمة مسند أبي هريرة ﵁ (٣/ ٣٤٥) رقم: (٨٦٩٥) قال الهيثمي في المجمع- كتاب الأذكار، باب ما جاء في فضل لا اله إلا الله- (١٠/ ٦٤): رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد ثقات. ورواه المروزي في تعظيم قدر الصلاة رقم (٧٩٩)، وعبد بن حميد في المنتخب رقم (١٤٢٤) وأبو نعيم في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء ٢/ ٣٥٧، والحاكم في المستدرك ٤/ ٢٨٥ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي فيه صدقة بن موسى السلمي الدقيقي ضعفوه وضعفه الألباني في ضعيف الجامع رقم (٢٦٢٦)
[ ٥٨٥ ]
• عن عبد الله بن عمرو (ت: ٦٥ هـ) ﵁-قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ الْإِيمَانَ لَيَخْلَقُ فِي جَوْفِ أَحَدِكُمْ كَمَا يَخْلَقُ الثَّوْبُ الْخَلِقُ، فَاسْأَلُوا اللَّهَ أَنْ يُجَدِّدَ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِكُمْ» (^١).
• عن عمر بن الخطاب (ت: ٢٣ هـ) ﵁ أنه كان يأخذ بيد الرجل والرجلين من أصحابه فيقول: "قم بنا نزداد إيمانا" (^٢).
• قال أبو الدرداء (ت: مابين ٣٢ - ٣٨ هـ) ﵁: "إن من فقه العبد أن يتعاهد إيمانه وما نقص منه، ومن فقه العبد أن يعلم أيزداد هو أم يننتقص، وأن من فقه الرجل أن يعلم نزغات الشيطان أنى تأتيه" (^٣).
• عن عمير بن حبيب الخطمي (لم أقف على تاريخ وفاته) ﵁-قال: "الإيمان يزيد وينقص، قيل له: وما زيادته وما نقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فتلك زيادته وإذا غفلنا وضيعنا ونسينا فذلك نقصانه" (^٤).
• عن عطاء بن أبي رباح (ت: ١١٤ هـ) ﵀-قال: "ليس إيمان من أطاع الله كإيمان من عصى الله" (^٥).
_________________
(١) رواه الحاكم النيسابوري، في المستدرك على الصحيحين، عن عبد الله بن عمرو، الصفحة أو الرقم: ٥، وصححه، ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ١/ ٥٢: «رواه الطبراني في الكبير، وإسناده حسن»، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٤/ ١١٣، برقم ١٥٨٥.
(٢) الإيمان لابن أبي شيبة ص: ٣٥. وروى نحوه عن معاذ بن جبل وعبد الله بن رواحة.
(٣) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي: ١٧١٠.
(٤) الشريعة للآجري ١/ ٢٦١، وأخرجه ابن أبي شيبه في الإيمان (١٤)، والمصنف ٦/ ١٦٠ (٣٠٣٢٧)
(٥) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي: ٣/ ٩٥٦
[ ٥٨٦ ]
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "متى خالط القلب بشاشة الإيمان واكتحلت بصيرته بحقيقة اليقين انقلبت النفس الأمارة مطمئنة راضية وتلقى أحكام الرب تعالى بصدر واسع منشرح مسلم" (^١).
المطلب الحادي عشر: التوحيد حرز من الوقوع في ضلال الشرك.
• قال الله-﷿: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ الله مَنلاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُون* وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِين﴾ [الأحقاف: الآيتان: ٥ - ٦].
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿ومن أضل ممن يدعوا﴾ يقول: فلا أحد أضل ممن يعبد ﴿من دون الله﴾ من الآلهة ﴿من لا يستجيب له﴾ أبدا إذا دعاء يقول: لا تجيبهم الآلهة يعني الأصنام بشيء أبدا ﴿إلى يوم القيامة﴾.
ثم قال: ﴿وهم عن دعائهم غافلون﴾ آية يعني الآلهة غافلون عن من يعبدها، فأخبر الله عنها في الدنيا" (^٢).
• قال محمد بن جرير الطبري (٣١٠ هـ) ﵀: "يقول تعالى ذكره: وأيّ عبد أضلّ من عبد يدعو من دون الله آلهة لا تستجيب له إلى يوم القيامة: يقول: لا تُجيب دعاءه أبدا، لأنها حجر أو خشب أو نحو ذلك" (^٣).
_________________
(١) مدارج السالكين ٢/ ١٤٤.
(٢) تفسير مقاتل بن سليمان. (الأحقاف: الآية: ٥)
(٣) تفسير جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري. (الأحقاف: الآية: ٥)
[ ٥٨٧ ]
• قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿ومن أضل﴾ أي لا أحد أضل وأجهل ﴿ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة﴾ وهي الأوثان. ﴿وهم عن دعائهم غافلون﴾ يعني لا يسمعون ولا يفهمون" (^١).
قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "بطلان الشرك وقبحه معلومًا بالفطرة السليمة والعقول الصحيحة، والعلم بقبحه أظهر من العلم بقبح سائر القبائح" (^٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فعلم عدو الله أن من اعتصم بالله، ﷿، وأخلص له وتوكل عليه لا يقدر على إغوائه وإضلاله، وإنما يكون له السلطان على من تولاه وأشرك مع الله، فهؤلاء رعيته وهو وليهم وسلطانهم ومتبوعهم" (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "قال تعالى: ﴿قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين (٣٩) إلا عبادك منهم المخلصين (٤٠) قال هذا صراط علي مستقيم (٤١) إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين﴾ [الحجر: الآيات: ٣٩ - ٤٢].
_________________
(١) تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي. (الأحقاف: الآية: ٥)
(٢) إغاثة اللهفان: ٢/ ٢٧١.
(٣) إغاثة اللهفان ١/ ٩٩.
[ ٥٨٨ ]
وقال في سورة النحل: ﴿إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (٩٩) إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون﴾ [النحل: الآيات: ٩٩، ١٠٠].
فتضمن ذلك أمرين:
أحدهما: نفي سلطانه وإبطاله على أهل التوحيد والإخلاص.
والثاني: إثبات سلطانه على أهل الشرك وعلى من تولاه.
ولما علم عدو الله أن الله لا يسلطه على أهل التوحيد والإخلاص قال: ﴿فبعزتك لأغوينهم أجمعين (٨٢) إلا عبادك منهم المخلصين﴾ [ص: الآيات: ٨٢، ٨٣].
فعلم عدو الله أن من اعتصم بالله، وأخلص له، وتوكل عليه لا يقدر على إغوائه وإضلاله، وإنما يكون له السلطان على من تولاه وأشرك مع الله، فهؤلاء رعيته، وهو وليهم وسلطانهم ومتبوعهم" (^١).
_________________
(١) إغاثة اللهفان: ١/ ١٧٠.
[ ٥٨٩ ]
• قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: " وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ أي: لا أضل ممن يدعو أصناما، ويطلب منها ما لا تستطيعه إلى يوم القيامة، وهي غافلة عما يقول، لا تسمع ولا تبصر ولا تبطش؛ لأنها جماد حجَارة صُمّ" (^١).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: فهل هناك أضل من هؤلاء الذين يعبدون من لا يستجيب لهم مدة مقامهم في الدنيا، لا ينتفعون بهم مثقال ذرة، وهم لا يسمعون منهم دعاءً، ولا يجيبون لهم نداءً، وهذا حالهم في الدنيا، ويوم القيامة يكفرون بشركهم، ويكونون لهم أعداء يلعن بعضهم بعضًا، ويتبرأ بعضهم من بعض" (^٢).
المطلب الثاني عشر: المعرض عن التوحيد مشرك، شاء أم أبى.
• قال ابن تيمية [ت: ٧٢٨) ﵀: "كل من كان عن التوحيد والسنة أبعد، كان إلى الشرك والابتداع والافتراء أقرب كالرافضة الذين هم أكذب طوائف أهل الأهواء، وأعظمهم شركا، فلا يوجد في أهل الأهواء أكذب منهم، ولا أبعد عن التوحيد منهم" (^٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "كل من كان عن التوحيد والسنة أبعد، كان إلى الشرك والابتداع والافتراء أقرب كالرافضة الذين هم أكذب طوائف أهل الأهواء، وأعظمهم شركا، فلا يوجد في أهل الأهواء أكذب منهم، ولا أبعد عن التوحيد منهم" (^٤).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فالمعرض عن التوحيد مشرك، شاء أم أبى، والمعرض عن السنة مبتدع ضال، شاء أم أبى، والمعرض عن محبة الله وذكره عبد الصور، شاء أم أبى، والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم" (^٥).
• قال محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٥ هـ) ﵀: "لا خلاف بين المسلمين أن المشرك إذا مات على شركِه، لم يكن من أهل المغفرة التي تفضَّلَ اللهُ بها على غير أهلِ الشرك حسبما تقتضيه مشيئتُه، وأما غير أهل الشرك من عصاة المسلمين، فداخلون تحت المشيئة؛ يغفر لمن يشاء، ويعذِّب من يشاء" (^٦).
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (الأحقاف: الآية: ٥).
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي. (الأحقاف: الآية: ٥).
(٣) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٢٨١ - ٢٨٢).
(٤) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٢٨١ - ٢٨٢).
(٥) إغاثة اللهفان ١/ ٢١٤.
(٦) تفسير فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم التفسير للشوكاني: ١/ ٧١٧.
[ ٥٩٠ ]
المطلب الثالث عشر: كلمة التوحيد حرز من الشيطان.
• قال تعالى: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: الآيات ٨٢ - ٨٣].
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: "ثم استثنى إبليس، فقال: ﴿إلا عبادك منهم المخلصين﴾ أي بالتوحيد، فإني لا أستطيع أن أغويهم" (^١).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: " ﴿إلا عبادك منهم المخلصين﴾ يقول: إلا من أخلصته منهم لعبادتك، وعصمته من إضلالي، فلم تجعل لي عليه سبيلا، فإني لا أقدر على إضلاله وإغوائه" (^٢).
• قال أبو منصور الماتريدي (ت: ٣٣٣ هـ) ﵀: "قال بعضهم: المخلصين للتوحيد. فإن كان ذلك فيكون قوله: ﴿لأغوينهم﴾ لأهلكنهم. وقال بعضهم: ﴿المخلصين﴾ من كل ذنب وكل معصية. لكن الوجهين الأولين أشبه وأقرب، والله أعلم" (^٣).
• قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: " ﴿إلا عبادك﴾ فأضافهم إليه سبحانه تنبيهًا على أن غيرهم قد انسلخوا من التشرف بعبوديته بالنسبة إلى من أطاعوه. ولما كان يمكن أن يكون المستثنى، من
_________________
(١) تفسير مقاتل بن سليمان. (سورة: ص: الآية: ٨٣).
(٢) تفسير جامع البيان في تأويل آي القران للطبري. (سورة: ص: الآية: ٨٣).
(٣) تفسير تأويلات أهل السنة للماتريدي. (سورة: ص: الآية: ٨٣).
[ ٥٩١ ]
غير البشر قيد بقوله: ﴿منهم المخلصين﴾ أي الذين أخلصهم الله تعالى لطاعته فأخلصوا قصدهم لها، وعرف من الاستثناء أنهم قليل وأن الغواة هم الأصل" (^١).
• قال أبو السعود العمادي محمد بن محمد بن مصطفى (ت: ٨٩٨ هـ) ﵀: " ﴿إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين﴾ وهم الذين أخلصَهم الله تعالى لطاعتِه وعصمَهم من الغوايةِ. وقرئ المخلِصين على صيغةِ الفاعلِ أي الذينَ أخلصُوا قلوبَهم وأعمالَهم لله تعالى" (^٢).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: " ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ علم أن الله سيحفظهم من كيده. ويحتمل أن الباء للاستعانة، وأنه لما علم أنه عاجز من كل وجه، وأنه لا يضل أحدا إلا بمشيئة اللّه تعالى، فاستعان بعزة اللّه على إغواء ذرية آدم هذا، وهو عدو اللّه حقا" (^٣).
• قال تعالى: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين﴾ [الحجر: الآية: ٤٢]
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: " وقوله: ﴿إنّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلاّ مَنِ اتّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ يقول تعالى ذكره: إن عبادي ليس لك عليهم حجة، إلا من اتبعك على ما دعوته إليه
_________________
(١) تفسير نظم الدرر في تناسب الآيات والسور للبقاعي. (سورة: ص: الآية: ٨٣).
(٢) تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود. (سورة: ص: الآية: ٨٣).
(٣) تفسير تيسر الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي. (سورة: ص: الآية: ٨٣).
[ ٥٩٢ ]
من الضلالة ممن غوى وهلك" (^١).
• قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: " ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ أي: لا تستطيع أن تضل من هدى الله ﴿إلا من اتبعك من الغاوين﴾ " (^٢).
• قال الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ) ﵀: " ﴿إن عبادي﴾ يعني الذين هداهم واجتباهم ﴿ليس لك عليهم سلطان﴾ قوة وحجة في اغوائهم ودعائهم إلى الشرك والضلال" (^٣).
• قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: " وقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ أي: الذين قدرت لهم الهداية، فلا سبيل لك عليهم، ولا وصول لك إليهم" (^٤).
• قال محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٥ هـ) ﵀: " ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان﴾ المراد بالعباد هنا: هم المخلصون، والمراد أنه لا تسلط له عليهم بإيقاعهم في ذنب يهلكون به، ولا يتوبون منه، فلا ينافي هذا ما وقع من آدم وحواء ونحوهما، فإنه ذنب مغفور لوقوع التوبة عنه ﴿إِلاَّ مَنِ اتبعك مِنَ الغاوين﴾ استثنى سبحانه من عباده هؤلاء. وهم المتبعون لإبليس من الغاوين عن طريق الحقّ الواقعين في الضلال، وهو موافق لما قاله إبليس اللعين من قوله: ﴿وَلأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ
_________________
(١) تفسير جامع البيان في تأويل آي القران للطبري. (سورة: الحجر: الآية: ٤٢).
(٢) تفسير ابن أبي زمنين. (سورة: الحجر: الآية: ٤٢).
(٣) تفسير الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي. (سورة: الحجر: الآية: ٤٢).
(٤) تفسير القرآن العظيم لابن كثير. (سورة: الحجر: الآية: ٤٢).
[ ٥٩٣ ]
عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين﴾ [ص: الآيات ٨٢ - ٨٣]، ويمكن أن يقال: إن بين الكلامين فرقًا فكلام الله سبحانه فيه نفي سلطان إبليس على جميع عباده إلاّ من اتبعه من الغاوين، فيدخل في ذلك المخلصون وغيرهم ممن لم يتبع إبليس من الغاوين؛ وكلام إبليس اللعين يتضمن إغواء الجميع إلاّ المخلصين، فدخل فيهم من لم يكن مخلصًا ولا تابعًا لإبليس غاويًا. والحاصل أن بين المخلصين والغاوين التابعين لإبليس طائفة لم تكن مخلصة ولا غاوية تابعة لإبليس. وقد قيل: إن الغاوين المتبعين لإبليس هم المشركون. ويدلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا سلطانه على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ والذين هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: الآية: ١٠٠] " (^١).
• قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا﴾ [الإسراء: ٦٥].
• عن مجاهد (ت: ١٠٤ هـ) ﵀-في قوله: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ قال: عبادي الذين قضيت لهم بالجنة، ليس لك عليهم أن يذنبوا ذنبًا، إلا أغفر لهم" (^٢).
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿إن عبادي﴾ المخلصين، ﴿ليس لك عليهم سلطان﴾ ملك في الكفر والشرك أن تضلهم عن الهدى، ﴿وكفى بربك وكيلا﴾ آية، يعنى حرزا ومانعا، فلا أحد أمنع من الله ﷿، فلا يخلص إليهم إبليس" (^٣).
_________________
(١) تفسير فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم التفسير للشوكاني. (سورة: الحجر: الآية: ٤٢).
(٢) تفسير الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي. (سورة: الإسراء: الآية: ٦٥).
(٣) تفسير مقاتل بن سليمان. (سورة: الإسراء: الآية: ٦٥).
[ ٥٩٤ ]
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: قوله تعالى: ﴿إِنّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَىَ بِرَبّكَ وَكِيلًا﴾. يقول تعالى ذكره لإبلي: إن عبادي الذين أطاعوني. فاتبعوا أمري وعصوك يا إبليس. ليس لك عليهم حجة.
وقوله: ﴿وكَفَى بَرَبّكَ وَكِيلًا﴾ يقول جلّ ثناؤه لنبيه محمد ﷺ: وكفاك يا محمد ربك حفيظا، وقيما بأمرك. فانقَدْ لأمره. وبلغ رسالاته هؤلاء المشركين. ولا تخف أحدا، فإنه قد توكل بحفظك ونصرتك" (^١).
• قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: "قوله: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلًا﴾، أي حافظًا من يوكل الأمر إليه" (^٢).
• قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ قال ابن عباس: هم المؤمنون. ﴿وكفى بربك وكيلا﴾ أي عاصما من القبول من إبليس، وحافظا من كيده وسوء مكره" (^٣).
• قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: "وقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾: إخبار بتأييده تعالى عباده المؤمنين، وحفظه إياهم، وحراسته لهم من الشيطان الرجيم؛ ولهذا قال: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا﴾ أي: حافظًا ومؤيدًا وناصرًا" (^٤).
• عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁-قال النبي-ﷺ: «من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير
_________________
(١) تفسير جامع البيان في تأويل آي القران للطبري. (سورة: الإسراء: الآية: ٦٥).
(٢) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم. (سورة: الإسراء: الآية: ٦٥).
(٣) تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي. (سورة: الإسراء: الآية: ٦٥).
(٤) تفسير القرآن العظيم لابن كثير. (سورة: الإسراء: الآية: ٦٥).
[ ٥٩٥ ]
في يوم مئة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مئة حسنة، ومحيت عنه مئة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء إلا رجل عمل أكثر منه» (^١).
• عن أبي عياش الزرقي (ت: قيل بعد الأربعين من الهجرة) ﵁-قال قال رسول الله ﷺ: «من قال حين يصبح: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، كان له عدل رقبة من ولد إسماعيل، وحط عنه عشر خطيئات، ورفع له عشر درجات، وكان في حرز من الشيطان حتى يمسي، وإذا أمسى فمثل ذلك حتى يصبح» (^٢).
• قال النووي (ت: ٦٧٦ هـ) ﵀: "وَظَاهِرُ إِطْلَاقِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يُحَصِّلُ هَذَا الْأَجْرَ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَنْ قَالَ هَذَا التَّهْلِيلَ مِائَةَ مَرَّةٍ فِي يَوْمِهِ سَوَاءٌ قَالَهُ مُتَوَالِيَةً، أَوْ مُتَفَرِّقَةً فِي مَجَالِسَ، أَوْ بَعْضَهَا أَوَّلَ النَّهَارِ وَبَعْضَهَا آخِرَهُ.
لَكِنَّ الْأَفْضَلَ: أَنْ يَأْتِيَ بِهَا مُتَوَالِيَةً، فِي أَوَّلِ النَّهَارِ؛ لِيَكُونَ حِرْزًا لَهُ فِي جَمِيعِ نَهَارِهِ" (^٣).
المطلب الرابع عشر: كلمة التوحيد كفارة لمن حلف بغير الله.
• عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من حلف على يمين فقال في حلفه واللات فليقل لا إله إلا الله، ومن
_________________
(١) رواه البخاري (٣٢٩٣) ومسلم (٢٦٩١).
(٢) أخرجه أبو داود، وصححه الألباني، انظر: صحيح أبي داود برقم: ٥٠٧٧، وأخرجه ابن ماجة، وصححه الألباني، انظر: صحيح ابن ماجة برقم ٣١٣٢.
(٣) شرح النووي على مسلم" (١٧/ ١٧).
[ ٥٩٦ ]
قال لصاحبه تعال أقامرك فليتصدق، يعني بشيء» (^١)
• عن سعد بن أبي وقاص (ت: ٥٥ هـ) ﵁-أنه حلف باللات والعزى، فقال له النبي ﷺ: «قل لا إله إلا الله وحده ثلاثا، واتفل عن شمالك ثلاثا، وتعوذ بالله من الشيطان، ولا تعد» (^٢).
• قال الخطابي (ت: ٣٨٨ هـ) ﵀: "اليمين إنما تكون بالمعبود الذي يعظم، فإذا حلف بهما؛ فقد ضاهى الكفار في ذلك، فأمره أن يتداركه بكلمة التوحيد المبرئة من الشرك" (^٣).
• قال علي بن خلف بن عبد الملك ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) ﵀: "وليس فى قوله-ﷺ: «من حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله» إطلاق منه لهم على الحلف بذلك وكفارته بقول: لا إله إلا الله، فإنه علمهم ﵇ أنه من نسى أو جهل فحلف بذلك أن كفارته أن يشهد بشهادة التوحيد؛ لأنه قد تقدم إليهم ﵇ بالنهى عن أن يحلف أحد بغير الله، فعذر الناسى والجاهل، ولذلك سوى البخارى فى ترجمته الجاهل مع المتأول في سقوط الحرج عنه؛ لأن حديث أبى هريرة في الجاهل والناسى، والله أعلم" (^٤).
• قال علي بن خلف بن عبد الملك ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) ﵀: "وكذلك ندب من حلف باللات والعزى أن يشهد شهادة التوحيد والاخلاص، لينسج بذلك ماجرى على لسانه من كلمة الاشراك والتعظيم
_________________
(١) أخرجه البخاري برقم: (٤٨٦٠). وأخرجه مسلم (١٦٤٧)
(٢) أخرجه أحمد برقم (١٦٢٢)، وهذا لفظه، وقال الأرنؤوط: سنده صحيح. وأخرجه ابن ماجه برقم (٢٠٩٧).
(٣) أعلام الحديث (شرح صحيح البخارى) للخطاني ٣/ ١٩١٨.
(٤) شرح صحيح البخارى لابن بطال ٩/ ٢٩٢.
[ ٥٩٧ ]
لها، وإن كان غير معتقد لذلك. والدليل أن ذلك على الندب أن الله لا يؤاخذ العباد من الإيمان إلا بما انطوت الضمائر على اعتقاده وكانت به شريعة لها، وكل محلوف به باطل فلا كفارة فيه، وإنما الكفارات في الإيمان المشروعة" (^١).
المطلب الخامس عشر: التوحيد يذهب أصل الشرك.
• عن أم هانئ بنت أبي طالب-﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ: «لا اله إلا الله لا يسبقها عمل ولا تترك ذنبا» (^٢).
• عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁، أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من قال: لا اله إلا الله أنجته يوما من الدهر أصابه قبلها ما أصابه» (^٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فَالتَّوْحِيدُ يُذْهِبُ أَصْلَ الشِّرْكِ وَالِاسْتِغْفَارُ يَمْحُو فُرُوعَهُ" (^٤).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وَالِاسْتِغْفَارِ مِنْ أَكْبَرِ الْحَسَنَاتِ وَبَابُهُ وَاسِعٌ. فَمَنْ أَحَسَّ بِتَقْصِيرِ فِي قَوْلِهِ أَوْ عَمَلِهِ أَوْ حَالِهِ أَوْ رِزْقِهِ أَوْ تَقَلُّبِ قَلْبٍ: فَعَلَيْهِ بِالتَّوْحِيدِ وَالِاسْتِغْفَارِ" (^٥).
_________________
(١) شرح صحيح البخارى لابن بطال ٩/ ٧٣ - ٧٤.
(٢) رواه ابن ماجه، كتاب الأدب، باب فضل لا اله إلا الله، رقم (٣٧٩٧)، (٢/ ١٢٤٨).
(٣) أخرجه البيهقي كما في الدر المنثور - (ج ٦/ ص ٤٧).
(٤) مجموع الفتاوى (١١/ ٦٩٧).
(٥) مجموع الفتاوى (١١/ ٦٩٨).
[ ٥٩٨ ]
المطلب السادس عشر: كلمة التوحيد توجب البراءة من الشرك وأهله.
• قال الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: الآية: ٤].
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فإن أهل الملل متفقون على أن الرسل جميعهم نهوا من عبادة الأصنام، وكفروا من يفعل ذلك، وأن المؤمن لا يكون مؤمنا حتى يتبرأ من عبادة الأصنام وكل معبود سوى الله، كما قال الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: الآية: ٤].
وقال الخليل: ﴿أفرأيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآباؤكم الأقدمون * فإنهم عدو لي إلا رب العالمين﴾ [الشعراء: الآيات: ٧٥ - ٧٧] ..
وقال الخليل لأبيه وقومه: ﴿إنني براء مما تعبدون * إلا الذي فطرني فإنه سيهدين﴾ [الزخرف: الآيات: ٢٦، ٢٧].
وقال الخليل وهو إمام الحنفاء، الذي جعل الله في ذريته النبوة والكتاب، واتفق أهل الملل على تعظيمه لقوله: ﴿يا قوم إني بريء مما تشركون * إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين﴾ [الأنعام: الآيات: ٧٨، ٧٩] " (^١).
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٢/ ١٢٨.
[ ٥٩٩ ]
المطلب السابع عشر: كلمة التوحيد فيها تبرئة من الشرك الأصغر وتكفره.
• وجاء في الحديث: «الشركُ أخفَى في أمتي من دبيبِ النملِ على الصَّفا، فقال أبو بكرٍ: فكيف النجاةُ من ذلك؟ فقال: يا أبا بكرٍ ألا أُعلِمُكَ شيئًا إذا قلتَه برِئتَ من قليلِهِ وكثيرِهِ، قلِ: اللهمَّ إني أعوذُ بك أن أُشرِكَ وأنا أعلمُ، وأستغفرُك مما لا أعلم» (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "ظلم العبد نفسه كبخله-لحب المال-ببعض الواجب هو شرك أصغر، وحبه ما يبغضه الله حتى يكون يقدم هواه على محبة الله شرك أصغر ونحو ذلك. فهذا صاحبه قد فاته من الأمن والاهتداء بحسبه ولهذا كان السلف يدخلون الذنوب في هذا الظلم بهذا الاعتبار" (^٢).
المطلب الثامن عشر: إذا ظهر التوحيد في مكان هربت الشياطين.
فبالتوحيد يحفظ الله المرء من الشيطان
• قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ [النحل: الآيات: ٩٩ - ١٠٠].
_________________
(١) أخرجه أبو يعلى (٦٠)، وابن حبان في «المجروحين» (٣/ ١٣٠)، وابن السني في «عمل اليوم والليلة» (٢٨٦) وقال الذهبي ميزان الاعتدال (٤/ ٤٠٣): "فيه يحيى بن كثير صاحب البصري ذكر من جرحه".
(٢) مجموع الفتاوى ٧/ ٨٢.
[ ٦٠٠ ]
• عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁-له في قصته مع الشيطان ما نصه: قال -أي الشيطان؟: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي "الله لا إله إلا هو الحي القيوم" حتى تختم الآية فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح فخليت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله ﷺ ما فعل أسيرك البارحة؟ قلت يا رسول الله زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله قال: «ما هي؟» قال: قال لي إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ وقال لي لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح وكانوا أحرص شيء على الخير فقال النبي-ﷺ «أما إنه صدقك وهو كذوب تعلم من تخاطب من ثلات ليال يا أبا هريرة قلت لا قال: ذاك شيطان» (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والكهانةُ كانت ظاهرةً كثيرةً بأرضِ العَرب،. فلما ظهر التوحيد هربت الشياطين، وبطلت، أو قلّت، ثمّ إنها تظهر في المواضع التي يخفى فيها أثر التوحيد" (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فإن التوحيد يطرد الشيطان" (^٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فإن الشيطان إنما يمنعه من الدخول إلى قلب ابن آدم ما فيه من ذكر الله الذي أرسل به رسله، فإذا خلا من ذلك تولاه الشيطان. قال تعالى: ﴿ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين﴾ [الزخرف: الآية: ٣٦] " (^٤).
_________________
(١) رواه البخاري ٢٣١١.
(٢) النبوات ٢/ ١٠١٩.
(٣) مجموع الفتاوى ١١/ ٢٩٣.
(٤) مجموع الفتاوى ١٠/ ٣٩٩.
[ ٦٠١ ]
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وأنت ترى الأمكنة والأزمنة التي خفيت فيها آثار النبوة كيف حال أهلها وما دخل عليهم من الجهل والظلم والكفر بالخالق والشرك بالمخلوق واستحسان القبائح وفساد العقائد والأعمال فإن الشرائع بتنزيل الحكيم العليم أنزلها وشرعها الذي يعلم ما في ضمنها من مصالح العباد في المعاش والمعاد وأسباب سعادتهم الدنيوية والأخروية فجعلها غذاء ودواء وشفاء وعصمة وحصنا وملجأ وجنة ووقاية" (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "شرع ذكر اسم الله تعالى عند الأكل والشرب واللبس والركوب والجماع، لما في مقارنة اسم الله من البركة. وذكر اسمه يطرد الشيطان، فتحصل البركة، ولا معارض لها.
وكل شيء لا يكون لله، فبركته منزوعة، فإن الرب هو الذي تبارك وحده، والبركة كلها منه، وكل ما نسب إليه مبارك" (^٢).
المطلب التاسع عشر: التوحيد يدفع وساوس الشيطان.
• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (ت: ٥٨ هـ) ﵁-قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلُوهُ: إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ. قَالَ: "وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟ " قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: "ذَاكَ صَرِيحُ الإِيمَانِ" (^٣).
• وفي حديث عبد الله بن مسعود (ت: ٣٢ هـ) ﵁-قَالَ: سُئِلَ
_________________
(١) شفاء العليل ١/ ٢٢٥.
(٢) الجواب الكافي ١/ ٢٠٢.
(٣) أخرجه مسلم حديث (١٣٢) وانفرد به.
[ ٦٠٢ ]
النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْوَسْوَسَةِ. قَالَ: "تِلْكَ مَحْضُ الإِيمَانِ" (^١)
• وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (ت: ٥٨ هـ) ﵁-قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ: "لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يُقَالَ: هذَا، خَلَقَ الله الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللّهِ؟ فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذلِكَ شَيْئا فَلْيَقُلْ: آمَنْتُ بِاللّهِ" (^٢).
• وفي رواية: "آمَنْتُ بِاللّهِ وَرُسُلِه" رواه مسلم.
• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (ت: ٥٨ هـ) ﵁-قَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ: "يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا وَكَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ لَهُ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَ ذلِكَ فَلْيَسْتَعِذْ بِالله وَلِيَنْتَهِ " (^٣).
• عَنْ أنس بن مالك (ت: ٩٠ هـ) ﵁، عَنْ رَسُولِ اللّهِ ﷺ قال "قَالَ الله ﷿: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا يَزَالُونَ يَقُولُونَ: مَا كَذَا؟ مَا كَذَا؟ حَتَّى يَقُولُوا: هذَا اللّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ. فَمَنْ خَلَقَ اللّهَ؟ " (^٤).
• وأما رواية البخاري فمن قول النبي-ﷺ-بلفظ: "لن يَبرَحَ الناسُ يتساءَلون حتى يقولوا: " (^٥).
o واختلف أهل العلم في معنى قول النبي ﷺ «ذاك صريح الإيمان» وقوله «تلك محض الإيمان» والصريح والمحض من الإيمان هو الخالص، اختلفوا على قولين:
_________________
(١) أخرجه مسلم، حديث (١٣٣)، وانفرد به.
(٢) أخرجه مسلم حديث (١٣٤) وانفرد به
(٣) أخرجه مسلم، حديث (١٣٤)، وأخرجه البخاري في " كتاب بدء الخلق" "باب صفة إبليس وجنوده" حديث (٧٢٩٦).
(٤) أخرجه البخاري (٧٢٩٦)، ومسلم (١٣٦).
(٥) أخرجه البخاري (٧٢٩٦) وفي «الأدب المفرد» (١٢٨٦) واللفظ له، ومسلم (١٣٦)
[ ٦٠٣ ]
القول الأول: أن مجرد وجود الوسوسة دليل على صريح الإيمان
واستدلوا: بحديث ابن مسعود (ت: ٣٢ هـ) ﵁ في الباب حيث سئل النبي-ﷺ-عن مجرد الوسوسة دون المنازعة، فقال «تلك محض الإيمان»، وقالوا أيضًا لأن القلوب غير المؤمنة لا توسوس أصلًا لتمكن الشيطان منها، بخلاف القلوب المؤمنة، واختار هذا القول القاضي عياض (ت: ٥٤٤ هـ) ﵀ وهو اختيار محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀" (^١).
والقول الثاني: أن مدافعة المسلم لها ونفرته من هذه الوساوس هي دليل على صريح الإيمان.
واستدلوا: بحديث أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁-في الباب حيث إن الصحابة شكوا للنبي ﷺ ما يجدونه في أنفسهم ونفرتهم منه وتعاظمهم لما يجدونه، والنبي ﷺ -سألهم عنه فقال «وقد وجدتموه؟»، ثم قال لهم «ذاك صريح الإيمان»، وقالوا المنازعة وكراهة ذلك هي دليل الإيمان وأثره، الذي يردّ وساوس الشيطان، وأما حديث ابن مسعود (ت: ٣٢ هـ) ﵁-فهو محمول على حديث أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) -رضي الله تعالى عنه-، واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀، وهو الأظهر والله أعلم.
• قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: " «تلك محض الإيمان»، وفي حديث أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) -رضي الله تعالى عنه- «ذلك صريح الإيمان»، والصريح الخالص. وهذا ليس على ظاهره، إذ لا يصح أن تكون الوسوسة نفسها هي الإيمان، لأن الإيمان اليقين، وإنما الإشارة
_________________
(١) انظر شرح النووي لمسلم ٢/ ٣٣٣.
[ ٦٠٤ ]
إلى ما وجدوه من الخوف من الله تعالى أن يعاقبوا على ما وقع في أنفسهم، فكأنه قال: جزعكم من هذا هو محض الإيمان وخالصه، لصحة إيمانكم، وعلمكم بفسادها، فسمى الوسوسة إيمانا لما كان دفعها والإعراض عنها والرد لها وعدم قبولها" (^١).
• قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: " «قل آمنت بالله» أمر بتذكر الإيمان الشرعي، واشتغال القلب به لتمحي تلك الشبهات، وتضمحل تلك الترهات، وهذه كلها أدوية للقلوب السليمة الصحيحة المستقيمة التي تعرض الترهات ولا تمكث فيها" (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: أَيْ حُصُولِ هَذَا الْوَسْوَاسِ مَعَ هَذِهِ الْكَرَاهَةِ الْعَظِيمَةِ لَهُ وَدَفْعِهِ عَنْ الْقَلْبِ هُوَ مِنْ صَرِيحِ الْإِيمَانِ" (^٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وقالوا في الوسواس الخناس: هو الذي إذا ذكر الله خنس وإذا غفل عن ذكر الله وسوس" (^٤).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فَالشَّيْطَانُ لَمَّا قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ وَسُوسَةً مَذْمُومَةً تَحَرَّكَ الْإِيمَانُ الَّذِي فِي قُلُوبِهِمْ بِالْكَرَاهَةِ لِذَلِكَ وَالِاسْتِعْظَامِ لَهُ فَكَانَ ذَلِكَ صَرِيحَ الْإِيمَانِ فَهُنَا لَمَّا اقْتَرَنَ بِالْوَسْوَاسِ هَذَا الْبُغْضُ وَهَذِهِ الْكَرَاهَةُ كَانَ هُوَ صَرِيحَ الْإِيمَانِ وَهُوَ خَالِصُهُ وَمَحْضُهُ؛ لِأَنَّ الْمُنَافِقَ وَالْكَافِرَ لَا يَجِدُ هَذَا الْبُغْضَ وَهَذِهِ الْكَرَاهَةَ مَعَ الْوَسْوَسَةِ بِذَلِكَ" (^٥).
_________________
(١) تفسير القرطبي (سورة الأعراف: الآية: ٢٠٠).
(٢) المفهم ١/ ٣٤٥.
(٣) مجموع الفتاوى. ٧/ ٢٨٢
(٤) مجموع الفتاوى. ٢/ ١٦
(٥) مجموع الفتاوى. (١٠/ ٥٦٣ - ٥٦٥)
[ ٦٠٥ ]
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "ذكر الله أصل لدفع الوسواس الذي هو مبدأ كل كفر وجهل وفسق وظلم. وقال الله تعالى: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ وقال: ﴿إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون﴾ وقال: ﴿ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم﴾ ونحو ذلك من النصوص (^١).
المطلب العشرون: التوحيد مرتبط بالإشارة بأصبع السبابة لليد اليمنى دون الأخرى.
• عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁: "إن النبي ﷺ رأى رجلا يدعو هكذا بإصبعيه يشير، فقال: «أحد أحد» " (^٢).
• عن سعد بن أبي وقاص (ت: ٥٥ هـ) ﵁، قال: "مر علي النبي ﷺ وأنا أدعو بأصبعي فقال «أحد أحد» وأشار بالسبابة" (^٣).
• عن عمران بن أبي أنس، عن مقسم أبي القاسم قال: حدثني رجل من أهل المدينة قال: "صليت إلى جنب خفاف بن إيماء بن رحضة، فرآني أشير بأصبعي في الصلاة، فقال: ابن أخي، لم تفعل هذا؟ قلت: إني رأيت خيار الناس وفقهاءهم يفعلونه "قال: قد أصبت، رأيت رسول الله ﷺ كان "يشير بأصبعه، إذا جلس يتشهد في صلاته" وكان المشركون يقولون: "إنما يسحرنا، وإنما يريد النبي ﷺ التوحيد" (^٤).
_________________
(١) مجموع الفتاوى. ٢/ ١٧.
(٢) أخرجه الترمذي (٣٥٥٧)، والنسائي (١٢٧٢)، وأحمد (١٠٧٣٩) واللفظ له.
(٣) أخرجه أبو داود وصححه الألباني انظر: (صحيح أبي داود برقم (١٤٩٩).
(٤) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٢/ ١٩٠ برقم (٢٧٩٢).
[ ٦٠٦ ]
• عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "هكذا الإخلاص "يشير بأصبعه التي تلي الإبهام" وهذا الدعاء "فرفع يديه حذو منكبيه" وهذا الابتهال "فرفع يديه مدا" (^١).
• سئل ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵁، عن الرجل يدعو يشير بأصبعه، فقال ابن عباس: "هو الإخلاص" (^٢).
• قال مجاهد (ت: ١٠٤ هـ) ﵀: "مقمعة الشيطان" (^٣).
• قال القاضي عياض (ت: ٥٤٤ هـ) ﵀-في معرض حديثه عن رفع الأصبع السبابة-: "وقيل: بل المراد بها الإشارة للتوحيد" (^٤).
• قال النووي (ت: ٦٧٦ هـ) ﵀: "والسنة أن لا يجاوز بصره إشارته وفيه حديث صحيح في سنن أبي داود ويشير بها موجهة إلى القبلة وينوي بالإشارة التوحيد والإخلاص" (^٥).
• قال سراج الدين أبو حفص عمر بن علي الأنصاري المعروف ب ابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) ﵀: "ويرسل المسبحة، أي في كل التشهد، للاتباع، ويرفعها عند قوله: إلا الله، للاتباع أيضا، ويكون قصده بها التوحيد والاثبات والحكمة في ذلك هو إشارة إلى أن المعبود ﷾ واحد ليجمع في توحيده بين القول والفعل والاعتقاد، وأما الرفع عند الهمزة فلأنه حال إثبات الوحدانية لله تعالى، والحكمة في اختصاص السبابة بذلك، أن لها أتصالا بنياط القلب فكأنها سبب
_________________
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٢/ ١٩١ برقم (٢٧٩٦).
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٢/ ١٩١ برقم (٢٧٩٤).
(٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٢/ ١٩١ برقم (٢٧٩٥).
(٤) نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار للشوكاني ٢/ ٣٢٧.
(٥) شرح النووي على مسلم ٥/ ٨١ - ٨٢.
[ ٦٠٧ ]
لحضوره" (^١).
• قال شهاب الدين أبو العباس أحمد بن حسين ابن رسلان الشافعي (ت ٨٤٤ هـ) ﵀: "وتسمى المسبحة؛ لأنها يشار بها إلى التوحيد والتنزيه لله تعالى، وهي التي تلي الإبهام، والحكمة في الإشارة بها إلى أن المعبود-﷾-واحد؛ ليجمع في توحيده بين القول والفعل والاعتقاد" (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "ويراد ب"التسبيح": جنس ذكر الله تعالى. يقال: "فلان يسبح" إذا كان يذكر الله، ويدخل في ذلك التهليل والتحميد، ومنه سميت السباحة للأصبع التي يشير بها وإن كان يشير بها في التوحيد" (^٣).
المطلب الواحد والعشرون: التوحيد يمنع من تسلط الشيطان ومن ولاية الشيطان.
• قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ [النحل: الآيات: ٩٩ - ١٠٠].
• وقال تعالى ﴿إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون﴾ [الأعراف: الآية: ٢٠١].
• قال تعالى ﴿كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين﴾ [يوسف: الآية: ٢٤].
_________________
(١) عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاج لابن الملقن ١/ ٢١٤.
(٢) شرح سنن أبي داود لابن رسلان ٤/ ٣٠٥.
(٣) قاعدة حسنة في الباقيات الصالحات ص ٥٤.
[ ٦٠٨ ]
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿إنه ليس له سلطان﴾، يعني: ملك، ﴿على الذين ءامنوا﴾، في علم الله في الشرك، فيضلهم عن الهدى" (^١).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: " قوله: ﴿إنّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبّهِمْ يَتَوَكّلُونَ﴾، فإنه يعني بذلك: أن الشيطان ليست له حجة على الذين آمنوا بالله ورسوله وعملوا بما أمر الله به، وانتهوا عما نهاهم الله عنه. ﴿وَعَلى رَبّهِمْ يَتَوَكّلُونَ﴾، يقول: وعلى ربهم يتوكلون فيما نابهم من مهمات أمورهم. ﴿إنّمَا سُلْطَانُه عَلىَ الّذِينَ يتَولّونَهُ﴾، يقول: إنما حجته على الذين يعبدونه، ﴿وَالّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾، يقول: والذين هم بالله مشركون" (^٢).
• قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: "أي: ليس له حجة على المؤمنين المتوكلين على الله ﷿ في مهم أمورهم المتعوذين به من الشيطان" (^٣).
• قال علي بن محمد الماوردي (ت: ٤٥٠ هـ) ﵀: "فيه أربعة تأويلات:
أحدها: ليس له قدرة على أن يحملهم على ذنب لا يغفر، قاله سفيان.
الثاني: ليس له حجة على ما يدعوهم إليه من المعاصي، قاله مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ).
_________________
(١) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة النحل: الآية: ٩٩).
(٢) تفسير الطبري (سورة النحل: الآية: ٩٩).
(٣) تفسير الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي ابن أبي طالب المكي (سورة النحل: الآية: ٩٩).
[ ٦٠٩ ]
الثالث: ليس له عليهم سلطان لاستعاذتهم باللَّه منه، لقوله تعالى: ﴿وإمّا ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم﴾ [فصلت: الآية: ٣٦].
الرابع: أنه ليس له عليهم سلطان بحال؛ لأن الله تعالى صرف سلطانه عنهم حين قال عدو الله إبليس: ﴿ولأغوينهم أجميعن إلا عبادَك منهم المخلصين﴾ [ص: الآية: ٨٠]، فقال الله تعالى: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين﴾ [الحجر: الآية: ٤٢] " (^١).
• وقال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ): "قوله تعالى: ﴿إنه ليس له سلطان﴾، حجة وولاية، ﴿على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون﴾، قال سفيان: ليس له سلطان على أن يحملهم على ذنب ولا يغفر" (^٢).
• قال أبو الفرج ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ) ﵀: "إبليس إنما يتمكن من الإنسان على قدر قلة العلم فكلما قل علم الإنسان كثر تمكن إبليس منه وكلما كثر العلم قل تمكنه منه" (^٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "إخلاص الدين لله: يمنع من تسلط الشيطان ومن ولاية الشيطان التي توجب العذاب. كما قال تعالى: ﴿كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين﴾ [يوسف: الآية: ٢٤]. فإذا أخلص العبد لربه الدين: كان هذا مانعا له من فعل ضد ذلك ومن إيقاع الشيطان له في ضد ذلك. وإذا لم يخلص لربه الدين ولم يفعل ما خلق له وفطر عليه: عوقب على ذلك. وكان من عقابه:
_________________
(١) تفسير النكت والعيون للماوردي (سورة النحل: الآية: ٩٩).
(٢) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة النحل: الآية: ٩٩).
(٣) تلبيس إبليس ١/ ٣٣٤.
[ ٦١٠ ]
تسلط الشيطان عليه حتى يزين له فعل السيئات" (^١).
المطلب الثاني والعشرون: التوحيد سبب لزوال فقر العبد وفاقته.
• قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "لا يزول فقر العبد وفاقته إلا بالتوحيد، وإذا حصل مع التوحيد الاستغفار؛ حصل للعبد غِناه، وسعادته، وزال عنه ما يعذبه" (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فشهادة التوحيد تفتح باب الخير، والاستغفار من الذنوب يغلق باب الشر. " (^٣).
• قال أبو إسحاق أحمد الثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ) ﵀: "ويحكى أنّ رجلا أتى عمر بن الخطّاب (ت: ٢٣ هـ) ﵁-فقال: ولّني مما ولاّك اللّه قال أتقرأ القرآن؟ قال: لا. فقال: إنّا لا نولّي من لا يقرأ القرآن، فانصرف الرجل واجتهد في تعلّم القرآن رجاء أن يعود إلى عمر فيولّيه عملا، فلمّا تعلم القرآن تخلّف عن عمر، فرآه ذات يوم فقال: يا هذا هجرتنا، فقال: يا أمير المؤمنين لست ممّن يهجر، ولكنّي تعلّمت القرآن فأغناني اللّه تعالى عن عمر وعن باب عمر. فقال: أيُّ آية أغنتك، فقال: قول اللّه تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: الآيات:: ٢ - ٣] " (^٤).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٤/ ٣٣٢ - ٣٣٣).
(٢) مجموع الفتاوى: ١/ ٥٦.
(٣) الفتاوى برى ٥/ ٢٣١ - ٢٣٢.
(٤) تفسير الثعلبي -الكشف والبيان في تفسير القرآن- (سورة الطلاق: الآيات: ٢ - ٣).
[ ٦١١ ]
• وقال سهل بن عبد الله التستري (ت: ٢٨٣ هـ) ﵀: " ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ في اتّباع السُّنّة ﴿يَجْعَل لَهُ مَخْرَجًا﴾ من عقوبة أهل البدع، ويرزقه الجنّة من حيث لا يحتسب" (^١).
المطلب الثالث والعشرون: التوحيد يسد باب البدع.
• قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: الآية: ٢١]، فذمَّ الله من شرع في الدين ما لم يأذن به الله وأمر سبحانه باتباع صراطه قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: الآية: ١٥٣].
فالواجب على الموحد لزوم شرع الله الذي جاء به القرآن الكريم والسنة المطهرة، وعدم الخروج عن ذلك، لا بقولٍ، ولا بفعلٍ.
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "كل من كان إلى الرسول ﷺ وأصحابه والتابعين لهم بإحسان أقرب، كان أقرب إلى كمال التوحيد والإيمان والعقل والعرفان، وكل من كان عنهم أبعد كان عن ذلك أبعد" (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "إخلاص الدين لله: يمنع من تسلط الشيطان ومن ولاية الشيطان التي توجب العذاب. كما قال تعالى: ﴿كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا
_________________
(١) تفسير الثعلبي -الكشف والبيان في تفسير القرآن- (سورة الطلاق: الآيات: ٣).
(٢) منهاج السنة ٢/ ٢٩٣.
[ ٦١٢ ]
المخلصين﴾ [يوسف: الآية: ٢٤] " (^١).
المطلب الرابع والعشرون: أن صحة التوحيد مع وجود الذنوب خير من فساد التوحيد مع عدم الذنوب.
• عن أنس بن مالك (ت: ٩٠ هـ) ﵁-قال: قال النبيُّ-ﷺ: «قالَ اللَّهُ ﵎: يا بنَ آدمَ، إنَّكَ ما دعوتَني ورجوتَني غفَرتُ لَكَ على ما كانَ فيكَ ولا أُبالي، يا بنَ آدمَ، لو بلغتْ ذنوبُكَ عَنانَ السَّماءِ ثمَّ استغفرتَني غفرتُ لَكَ ولا أبالي، يا بنَ آدمَ، إنَّكَ لو أتيتَني بقُرابِ الأرضِ خطايا ثمَّ لقيتَني لا تُشرِكُ بي شيئًا لأتيتُكَ بقرابِها مغفرةً» (^٢).
• عن عبد الله بن مسعود-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ مات يُشرِكُ باللهِ شيئًا، دخَل النارَ» (^٣).
• عن جابر بن عبد الله (ت: ٧٨ هـ) ﵁-قال: أتى النَّبيَّ ﷺ رجلٌ فقالَ: يا رسولَ اللهِ، ما المُوجِبَتانِ؟ فقالَ: «من ماتَ لا يُشرِكُ باللَّهِ شيئًا دخلَ الجنَّةَ، ومن ماتَ يشركُ باللَّهِ شيئًا دخلَ النَّارَ» (^٤).
• عن أنس بن مالك (ت: ٩٠ هـ) ﵁، قال: قال رسول الله-ﷺ: «يخرجُ من النارِ من قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ، وكان في قلبِه مثقالُ شعيرةٍ من خيرٍ، ويخرجُ من النارِ من قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ، وكان في قلبِه مثقالُ برَّةٍ
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٤/ ٣٣٢ - ٣٣٣.
(٢) (الترمذي: ٣٥٤٠).
(٣) (البخاري: ١٢٣٨) و(مسلم: ٩٢).
(٤) (مسلم: ٩٣).
[ ٦١٣ ]
من خيرٍ، ويخرجُ من النارِ من قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ، وكان في قلبِه مثقالُ ذرَّةٍ من خيرٍ» (^١).
• عن أنس بن مالك (ت: ٩٠ هـ) ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ اللَّهَ لا يَظلِمُ مؤمنًا حسنةً، يُعطى بِها في الدُّنيا ويُجزى بِها في الآخرةِ، وأمَّا الكافرُ، فيُطعَمُ بحسناتِ ما عمِلَ بِها للَّهِ في الدُّنيا، حتَّى إذا أفضى إلى الآخرةِ، لم يَكُنْ لهُ حسنةٌ يُجزَى بِها» (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فَهَذِهِ الذُّنُوب مَعَ صِحَة التَّوْحِيد خير من فَسَاد التَّوْحِيد مَعَ عدم هَذِه الذُّنُوب" (^٣).
المطلب الخامس والعشرون: أن التوحيد إذا تم وكمل في القلب وتحقق تحققا كاملا بالإخلاص التام فإنه يصير القليل من عمل العبد كثيرًا ويضاعف أعماله وأقواله بغير حصر ولا حساب
• عن أبي سعيد الخدري (ت: ٧٤ هـ) ﵁، عن رسول الله-ﷺ-قال: «قال موسى يا رب علمني شيئًا أذكرك وأدعوك به. قال: قل يا موسى: لا إله إلا الله. قال: يا رب كل عبادك يقولون هذا. قال: يا موسى لو أن السموات السبع وعامرهم غيري والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله الله» (^٤).
_________________
(١) (ابن ماجه: ٣٤٩٩).
(٢) (مسلم: ٢٨٠٨)
(٣) الاستقامة (١/ ٤٦٦).
(٤) رواه ابن حبان والحاكم.
[ ٦١٤ ]
• عن الحسن البصري (ت: ١١٠ هـ) ﵀، قال: "إن المؤمن قوام على نفسه يحاسب نفسه لله، وإنما خُف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر عن غير محاسبة" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀"إنما دين الحق: تحقيق العبودية لله، بكل وجه، وهو تحقيق محبة الله بكل درجة، وبقدر تكميل العبودية؛ تكمل محبة العبد لربه ومحبة الرب لعبده، وبقدر نقص هذا، يكون نقص هذا" (^٢).
المطلب السادس والعشرون: التوحيد يحرر العبد من رق المخلوقين والتعلق به.
• قال تعالى:﴾ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين﴾ [المنافقون: الآية: ٤].
• قال بعض السَّلف: "النَّاس يطلبون العِزَّ بأبواب الملوك، ولا يجدونه إلَّا في طاعة الله" (^٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "من كان إيمانه أقوى من غيره، كان جنده من الملائكة أقوى" (^٤).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وَلنْ يَسْتَغْنِي الْقلب عَنْ جَمِيع
_________________
(١) رواه ابن المبارك في "الزهد" رقم (٣٠٧)، ومن طريقه ابن أبي شيبة "المصنف" رقم (٣٦٣٥٧).
(٢) العبودية ص ٤١.
(٣) إغاثة اللهفان لابن القيم (١/ ٤٨).
(٤) النبوات (ص ٤١٦).
[ ٦١٥ ]
الْمَخْلُوقَات إِلَّا بِأَنْ يكون الله هُوَ مَوْلَاهُ الَّذِي لَا يعبد إِلَّا إِيَّاه وَلَا يَسْتَعِين إِلَّا بِهِ وَلَا يتوكل إِلَّا عَلَيْهِ وَلَا يفرح إِلَّا بِمَا يُحِبهُ ويرضاه وَلَا يكره إِلَّا مَا يبغضه الرب ويكرهه وَلَا يوالى إِلَّا من وَالَاهُ الله وَلَا يعادي إِلَّا من عَادَاهُ الله وَلَا يحب إِلَّا لله وَلَا يبغض شَيْئا إِلَّا لله فَكلما قوي إخلاص دينه لله كملت عبوديته لله واستغناؤه عَنْ الْمَخْلُوقَات وبكمال عبوديته لله تكمل تبرئته من الْكبر والشرك" (^١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀"ومن الشرك أن يدعو العبد غير الله كمن يستغيث في المخاوف والأمراض والفاقات بالأموات والغائبين … فإن هذا من الشرك الذي حرمه الله ورسوله باتفاق المسلمين" (^٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "إذا ناجى العبد ربه في السحر واستغاث به، وقال: يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث، أعطاه الله من التمكين ما لا يعلمه إلا الله" (^٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ومثل المتعلق بغير الله كمثل المستظل من الحر والبرد ببيت العنكبوت أوهن البيوت" (^٤).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀ "فالتوحيد يحرِّر العبد من رِقّ المخلوقين والتعلُّقِ بهم، وخوفهم ورجائهم، والعمل لأجلهم، وهذا هو العزُّ الحقيقي، والشرف العالي،
_________________
(١) العبودية (١/ ١٠٢).
(٢) مجموع الفتاوى ١١/ ٦٦٤.
(٣) مجموع الفتاوي ٢٨/ ٢٤٢.
(٤) مدارج السالكين ١/ ٤٥٨.
[ ٦١٦ ]
ويكون مع ذلك متعبِّدًا لله لا يرجو سواه، ولا يخشى إلا إيَّاه، وبذلك يتمُّ فلاحه، ويتحقّق نجاحه" (^١).
المطلب السابع والعشرون: فقدان التوحيد وعدم تحصيل حقائق الإيمان يهوي بصاحبه في مقامات الظلم والحيرة والشرور ويبعده عن ولاية الله ونصره وتأييده.
• قال تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾. [الحج: الآيات: ٣٠ - ٣١].
• قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: "وقوله: ﴿حنفاء لله﴾ أي: مخلصين له الدين، منحرفين عن الباطل قصدا إلى الحق; ولهذا قال ﴿غير مشركين به﴾ ثم ضرب للمشرك مثلا في ضلاله وهلاكه وبعده عن الهدى فقال: ﴿ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء﴾ أي: سقط منها، ﴿فتخطفه الطير﴾، أي: تقطعه الطيور في الهواء، ﴿أو تهوي به الريح في مكان سحيق﴾ أي: بعيد مهلك لمن هوى فيه; ولهذا جاء في حديث البراء بن عازب (ت: ٧٢ هـ) ﵁: "إن الكافر إذا توفته ملائكة الموت، وصعدوا بروحه إلى السماء، فلا تفتح له أبواب السماء، بل تطرح روحه طرحا من هناك ". ثم قرأ هذه الآية.
وقد ضرب الله تعالى للمشرك مثلا آخر في سورة " الأنعام "، وهو قوله: ﴿قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ
_________________
(١) القول السديد شرح كتاب التوحيد ص: ٢٤.
[ ٦١٧ ]
هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين﴾ [الأنعام: الآية: ٧١] " (^١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وشبه تارك الايمان والتوحيد بالساقط من السماء إلى أسفل سافلين، من حيث التضييق الشديد والآلام المتراكمة. والطير التي تتخطف أعضاءه وتمزقه كل ممزق بالشياطين التي يرسلها ﷾ عليه تؤزه أزا وتزعجه وتدفعه إلى مظان هلاكه. فكل شيطان له مزعة من دينه وقلبه، كما أن لكل طير مزعة من لحمه وأعضائه والريح التي تهوى به في مكان سحيق: هو هواه الذي يحمله على إلقاء نفسه في أسفل مكان وأبعده من السماء" (^٢).
المطلب الثامن والعشرون: مخالف التوحيد جبار عنيد.
• قال تعالى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: الآية: ١٥].
• قال قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀: "العنيد الذي أبى أن يقول لا إله إلا الله. قلت: والجبار والعنيد في الآية بمعنى واحد" (^٣).
• قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "وعبر قتادة
_________________
(١) تفسير ابن كثير سورة الحج (٣٠ - ٣١).
(٢) التفسير القيم ص ٣٨٤ - ٣٨٥.
(٣) تفسير القرطبي (سورة إبراهيم الآية: ١٥).
[ ٦١٨ ]
(ت: ١١٨ هـ)، وغيره عن «الجبار» بأنه الذي يأبى أن يقول: لا إله إلا الله. و«العنيد» الذي يعاند ولا ينقاد" (^١).
• قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: " ﴿وخاب كل جبار عنيد﴾ أي: متجبر في نفسه معاند للحق، كما قال تعالى: ﴿ألقيا في جهنم كل كفار عنيد مناع للخير معتد مريب الذي جعل مع الله إلها آخر فألقياه في العذاب الشديد﴾ [ق: الآيات: ٢٤ - ٢٦] " (^٢).
_________________
(١) تفسير ابن عطية المحرر الوجيز (سورة إبراهيم الآية: ١٥)؛ ٣/ ٣٣٠.
(٢) تفسير ابن كثير (سورة إبراهيم الآية: ١٥).
[ ٦١٩ ]