الحمد لله يخلق ما يشاء ويختار، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على رسوله المصطفى المختار، وعلى آله وصحبه الخيار الأبرار.
أما بعد:
فإن الله بعث رسوله بالهدى ودين الحق؛ فأنزل عليه أشرف كتبه واصطفى لصحبته خيار أمته، فقاموا بدين الله خير قيامٍ نصرةً لنبيهم وجهادًا معه، حتى توفاه الله وهو راضٍ عنهم، ثم جدوا في نشر دين الله من بعده حتى لقوا الله على خير حال وأحسن مآل.
قال عبد الله بن مسعود ﵁: «إن الله اطلع على قلوب العباد فاختار محمدًا ﷺ، فبعثه برسالته، وانتجبه بعلمه، ثم نظر في قلوب الناس بعدُ؛ فاختار له أصحابًا فجعلهم أنصار دينه ووزراء نبيه» (^١).
ولأصحاب النبي ﷺ من علو المنزلة في دين الله والسبق إلى كل خير وفضلٍ ما شهدت به نصوص الوحيين من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
يقول الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠].
_________________
(١) أخرجه البغوي في شرح السنة (١/ ١٨٧).
[ ٥ ]
اتفاق أهل السنة والجماعة على وجوب محبتهم وموالاتهم
وقال ﷿: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩].
ويقول النبي ﷺ: «لا تسبوا أصحابي؛ فلو أن أحدكم أنفق مثل أحدٍ ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه» (^١).
وقد اتفق أهل السنة والجماعة على وجوب محبتهم وموالاتهم جميعًا، ولم يخالف في ذلك إلا أهل البدع.
يقول الإمام الطحاوي: «ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ولا نفرط في حب أحدٍ منهم، ولا نتبرأ من أحدٍ منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخيرٍ، وحبهم دينٌ وإيمانٌ وإحسانٌ، وبغضهم كفرٌ ونفاقٌ وطغيانٌ» (^٢).
ويقول الإمام أبو بكر الحميدي: «والترحم على أصحاب محمد ﷺ كلهم؛ فإن الله ﷿ قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]؛ فلم نؤمر إلا بالاستغفار لهم؛ فمن يسبهم أو ينتقصهم أو أحدًا
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه مع الفتح، (٧/ ٢١) (ح ٣٦٧٣)، ومسلم (٤/ ١٩٦٧)، (ح ٢٥٤٠).
(٢) العقيدة الطحاوية مع شرحها لابن أبي العز (ص ٦٨٩).
[ ٦ ]
خطة البحث
منهم فليس على السنة، وليس له في الفيء حق» (^١).
ويقول الإمام ابن بطة: «ويحب جميع أصحاب رسول الله ﷺ، على مراتبهم ومنازلهم، أولًا فأولًا، من أهل بدرٍ والحديبية وبيعة الرضوان وأحد؛ فهؤلاء أهل الفضائل الشريفة، والمنازل المنيفة، الذين سبقت لهم السوابق، ﵏ أجمعين» (^٢).
ونظرًا لأهمية موالاة أصحاب النبي ﷺ ومحبتهم ومنزلتها العظيمة من الدين، والبراءة ممن يبغضهم وانحرف عنهم، وما يرجى لمن حقق ذلك من الثواب العظيم والأجر الجزيل عند الله.
ولكون هذا الأمر مداره وقوامه على سلامة الاعتقاد فيهم؛ فإني أتقدم للقراء بهذه الرسالة المختصرة فيما يجب اعتقاده في أصحاب النبي ﷺ المتمثل في عقيدة أهل السنة والجماعة، مع ذكر أبرز وجوه الانحراف عنها من قِبَل أهل البدع، إما بالغلو تارة، وإما بالجفاء والتقصير تارة أخرى، وهذا بقصد أن يعرف الحق في هذا الباب العظيم فيتبع ويمتثل، ويعرف الضلال فيجتنب ويبطل.
وقد سميتها:
وقد قسمت البحث إلى: مقدمة، وفصلين، وخاتمة.
أما المقدمة: ففي بيان مكانة الصحابة من الدين، واتفاق أهل السنة على وجوب محبتهم وموالاتهم جميعًا.
_________________
(١) أصول السنة للإمام أبي بكر الحميدي (ص ٤٣).
(٢) الإبانة الصغرى (ص ٢٧١).
[ ٧ ]
وأما الفصل الأول: ففي عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة، ويشتمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: محبة أهل السنة والجماعة للصحابة.
المبحث الثاني: التمشي مع مقتضيات النصوص في ترتيب منازل الصحابة وإثبات فضائلهم.
المبحث الثالث: وجوب الإمساك عما شجر بين الصحابة.
وأما الفصل الثاني: ففي عقائد أهل البدع في الصحابة، ويشتمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: عقيدة الشيعة في الصحابة.
المبحث الثاني: عقيدة النواصب في الصحابة.
المبحث الثالث: شمول النصب إذا أريد به الإيذاء الحقيقي للخوارج ولكثيرٍ من مدعي الولاية لأهل البيت.
وأما الخاتمة: ففي نتائج البحث.
والله تعالى أسأل، وإليه أرغب أن يتقبل مني هذا العمل، وأن ينفع به من يطلع عليه من المسلمين؛ إنه سميعٌ قريبٌ.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد
[ ٨ ]