الفصل الأول الوسائل التي توصل إلى الشرك الأكبر
لما كان الشرك الأكبر أعظم ذنب عُصي اللهُ به، حرَّم الله ورسوله ﷺ كل قول أو فعل يؤدي إليه، أو يكون سببًا في وقوع المسلم فيه.
فالرسول ﷺ كان حريصًا على هداية أمته، وسلامتها من كل ما يكون سببًا في هلاكها، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
وثبت عن ابن مسعود - ﵁ -، أنه قال: قال رسول الله ﷺ: "أيها الناس، إنه ليس من شيء يقربكم من الجنة ويبعدكم من النار إلا قد أمرتكم به، وليس لشيء يقربكم من النار ويبعدكم من الجنة إلا قد نهيتكم محنه، وإن الروح الأمين نفث في روعي أنه ليس من نفس تموت حتى تستوفي رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحصلكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعاصي الله، فإنه لا ينال ما عنده إلا بطاعته".
وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "إنما مثلي ومثل الناس كمثل
[ ١٤٥ ]
رجل استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها، فجعل الرجل يحجزهن، ويغلبنه، فيقتحمن فيها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار: هلم عن النار، هلم عن النار، فتغلبوني، تقحّمون فيها" رواه البخاري ومسلم.
فالرسول - ﷺ - حمى جناب التوحيد من كل ما يهدمه أو ينقصه حماية محكمة، وسد كل طريق يؤدي إلى الشرك ولو من بعيد؛ لأن من سار محلى الدرب وصل؛ ولأن الشيطان يزين للإنسان أعمال السوء، ويتدرج به من السيء إلى الأسوأ شيئًا فشيئًا يخرجه من دائرة الإسلام بالكلية - إن استطاع إلى ذلك سبيلًا - فمن انقاد له واتبع خطواته خسر الدنيا والآخرة.
ولذلك لما عصى كثيرٌ من المسلمين نبيَّهم محمد بن عبد الله ﷺ بفعل بعض الأمور التي نهاهم عنها وحذرهم منها، واتبعوا خطوات الشيطان الذي زين لهم الباطل ودعاهم إليه حتى ظنوا أنهم على الحق مع مخالفتهم ومعصيتهم الصريحة للنبي ﷺ أدى بهم ذلك إلى الوقوع في الشرك في الشرك الأكبر المخرج من الملة،
وسأبيِّن - إن شاء الله - ثلاثًا من أهم الوسائل التي توصل إلى الشرك وتوقع المسلم فيه، والتي حذر منها نبينا محمد ﷺ، في المباحث الآتية:
المبحث الأول: الغلو في الصالحين:
لقد حذر النبي ﵊ من الغلو في حقه ﷺ، فقد روى البخاري عن عمر ﵁، قال: سمعت النبي صلى الله
[ ١٤٦ ]
عليه وسلم يقول: "لا تطروني، كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله، ورسوله"، والإطراء هو الغلو، وإذا كان هذا في حقه ﷺ وهو أفضل البشر، فغيره ممن هو دونه في الفضل أولى أن ينهى عن الغلو فيه.
وثبت أن الغلو في الصالحين كان هو أول وأعظم سبب أوقع بني آدم في الشرك الأكبر، فقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس - ﵄ - أنه أخبر عن أصنام قوم نوح أنها صارت في العرب، ثم قال: "أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك، ونُسخ العلم، عُبدت".
ولذلك ينبغي للمسلم أن يحذر من التساهل في هذا الباب؛ لئلا يؤدي به أو يؤدي بمن يراه أو يقلده أو يأتي بعده إلى الوقوع في الشرك الأكبر.
ومن أنواع الغلو المحرم في حق الصالحين والذي يوصل إلى الشرك:
أولًا: المبالغة في مدحهم، كما يفعل كثير من الرافضة، وقلدهم في ذلك كثير من الصوفية، وقد أدت هذه المبالغة بكثير منهم في آخر الأمر إلى الوقوع في الشرك الأكبر في الربوبية، وذلك باعتقاد أن بعض الأولياء يتصرفون في الكون، وأنهم يسمعون كلام من دعاهم ولو من بعد، وأنهم يجيبون دعاءه، وأنهم ينفعون ويضرون، وأنهم يعلمون الغيب، أنه ليس لديهم دليل واحد يتمسكون به في هذا الغلو، سوى أحاديث مكذوبة أو واهية ومنامات، وما يزعمونه من الكشف إما كذبًا، وإما من أثر تلاعب الشيطان بهم، وقد أدى بهم
[ ١٤٧ ]
هذا الغلو إلى الشرك في الألوهية أيضًا، فدعوا الأموات من دون الله، واستغاثوا بهم، وهذا والعياذ بالله من أعظم الشرك.
وقد حذَّر النبيُّ ﷺ من الغلو في مدحه ﵊، فقال: "لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح بن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله" رواه البخاري، وإذا كان هذا في حقه ﷺ فغيره من البشر أولى أن لا يزاد في مدحهم، فمن زاد في مدحه ﷺ أو في مدح غيره من البشر فقد عصى الله تعالى، ومن دعا إلى هذا الغلو وأصر عليه بعد علمه بنهي النبي ﷺ فقد ردَّ سنته ﷺ، ودعا الناس إلى عدم اتباعه ﵊، وإلى اتباع وتقليد اليهود والنصارى في ضلالهم وغلوهم في أنبيائهم، والذي نهاهم الله تعالى عنه.
والنبيُّ ﷺ له فضائل كثيرة ثابتة في كتاب الله تعالى وفي صحيح سنته ﵊، فهو ﵊ ليس في حاجة إلى أن يكذِب ويزوِّر الناسُ له فضائل صلوات ربي وسلامه عليه.
ثانيًا: تصوير الأولياء والصالحين: من المعلوم أن أول شرك حدث في بني آدم سببه الغلو في الصالحين بنصب الأنصاب في مجالسهم، كما حصل من قوم نوح ﵇، وقد سبق ذكر قول ابن عباس - ﵄ - في ذلك مقدمة هذا المبحث، ولا شك أن تصوير العلماء ومشاهير الصالحين أعظم تسببًا في إيقاع الجهال في الشرك من وضع الأنصاب في مجالسهم، وبالأخص إذا نُصبت في أماكن العبادة.
ولخطر التصوير وعظم جرم فاعله وودت نصوص شرعية فيها تغليظ على
[ ١٤٨ ]
المصورين لذوات الأرواح (^١).
ومن النصوص الواردة في ذلك قوله ﷺ: "إنَّ أشدَّ الناس عذابًا يوم القيامة المصورون" رواه البخاري ومسلم، وروى البخاري ومسلم أيضًا عن ابن عباس - ﵄ - أنه أتاه رجل فقال: إني رجلٌ أصوّر هذه الصور، فأفتني فيها، فقال له: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفسًا فتعذبه في جهنم".
وقال: إن كنت لا بد فاعلًا فاصنع الشجر وما لا نفس له.
وثبت عن الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال لأبي الهياج الأسدي: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ؟ ألا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته". رواه مسلم
ولذلك فإنه ينبغى للمسلم ألا يتساهل في أمر التصوير بجميع أنواعه، سواء منه ما كان مجسمًا، كالتماثيل وغيرها مما له ظل - وهو أشد حرمة وأعظم إثمًا - أم ما كان على ورق أو جدار أو خرقة أو غيرها، ويعظم خطر التصوير إذا كان المصوَّر من كبار أهل العلم، أو ممن لهم منزلة كبيرة في قلوب الناس.
_________________
(١) وقد اختلف علماء هذا العصر في حكم التصوير الفوتوغرافي، وهو التصوير بالآلة (الكمرة)، وكثير من العلماء المعاصرين يرون تحريمه، ويرون أنه لا يجوز منه إلا ما له ضرورة أو حاجة، وذهب بعض أهل العلم إلى أن هذا النوع ليس من التصوير المحرم أصلًا، لأنه مجرد حبس لعكس الإنسان، قالوا: فليس فيه مضاهاة لخلق الله، فهو مثل ظهور عكس الإنسان في المرآة عند وقوفه أمامها، ويزيد عليه تثبيت هذا العكس لا غير. وذهب بعض أهل العلم إلى أن التصوير السينمائي - وهو التصوير الفلمي - والتصوير التلفزيوني ليسا من التصوير أيضًا، لما سبق ذكره في الفوتوغرافي، وذهب بعض العلماء إلى القول بتحريمهما لعموم النصوص، واستثنى بعضهم ما كان لمصلحة شرعية كبعض مسائل التعليم والدعوة ونحو ذلك.
[ ١٤٩ ]
قال الشيخ صالح بن فوزان الفوزان: "التصوير معناه نقل شكل الشيء وهيئته بواسطة الرسم أو الالتقاط بالآلة أو النحت، وإثبات هذا الشكل على لوحة أو ورقة أو تمثال، وكان العلماء يتعرضون للتصوير في مواضيع العقيدة؛ لأن التصوير وسيلة من وسائل الشرك، وادعاء المشاركة لله بالخلق أو المحاولة لذلك، وأول شرك حدث في الأرض كان بسبب التصوير ..، فالتصوير هو منشأ الوثنية؛ لأن تصوير المخلوق تعظيم له، وتعلق به في الغالب، خصوصًا إذا كان المصوّر له شأن من سلطة أو علم أو صلاح، وخصوصًا إذا عُظّمت الصورة بنصبها على حائط أو إقامتها في شارع أو ميدان، فإن ذلك يؤدي إلى التعلق بها من الجهال وأهل الضلال ولو بعد حين، ثم هذا فيه أيضًا فتح باب لنصب الأصنام والتماثيل التي تعبد من دون الله".
ثالثًا: التبرك الممنوع بالصالحين، وسيأتي الكلام عليه عند الكلام على التبرك الممنوع في المبحث الآتي إن شاء الله تعالى.
المبحث الثاني: التبرك الممنوع:
التبرك: طلب البركة، والبركة: كثرة الخير وزيادته واستمراره.
والتبرك ينقسم من جهة حكمه إلى قسمين:
أ - تبرك مشروع: وهو أن يفعل المسلم العبادات المشروعة طلبًا للثواب المترتب عليها، ومن ذلك أن يتبرك بقراءة القرآن والعمل بأحكامه، فالتبرك به هو ما يرجو المسلم من الأجور على قراءته له وعمله بأحكامه، ومنه التبرك بالمسجد الحرام بالصلاة فيه ليحصل على فضيلة مضاعفة الصلاة فيه، فهذا من بركة المسجد الحرام.
[ ١٥٠ ]
ب - تبرك ممنوع: وهو ينقسم من حيث حكمه إلى قسمين:
١ - تبرك شركي: وهو أن يعتقد المتبرِّك أن المتبرَّك به - وهو المخلوق - يهب البركة بنفسه، فيبارك في الأشياء بذاته إستقلالًا، لأن الله تعالى وحده موجد البركة وواهبها، فقد ثبت في صحيح البخاري عن النبي ﷺ أنه قال: "البركة من الله"، فطلبها من غيره، أو اعتقاد أن غيره يهبها بذاته شرك أكبر.
٢ - تبرك بدعي: وهو أن يتبرك بما يرد دليل شرعي يدل على جواز التبرك به، معتقدًا أن الله جعل فيه بركة أو يتبرك بالشيء الذي ورد التبرك به في غير ما ورد في الشرع التبرك به فيه.
وهذا بلا شك محرم؛ لأن فيه إحداث عبادة لا دليل عليها من كتاب أو سنة، ولأنه جعل ما ليس بسبب سببًا، فهو من الشرك الأصغر؛ ولأنه يؤدي إلى الوقوع في الشرك الأكبر كما سيأتي بيانه.
وهذا القسم من التبرك - وهو التبرك البدعي - ينقسم إلى ثلاثة أنواع:
النوع الأول: التبرك الممنوع بالأولياء والصالحين:
وردت أدلة كثيرة تدل على مشروعية التبرك وآثار النبي ﷺ، كشعرة وعرقه وثيابه وغير ذلك.
أما غير النبي ﷺ من الأولياء والصالحين يرد دليل صحيح صريح يدل على مشروعية التبرك بأجسادهم ولا بآثارهم، ولذلك لم يرد عن أحد من أصحاب النبي ﷺ، ولا عن أحد من التابعين أنهم تبركوا بجسد أو آثار أحد من الصالحين، فلم يتبركوا بأفضل هذه الأمة بعد
[ ١٥١ ]
نبيها، وهو أبو بكر الصديق ﵁ ولا بغيره من العشرة المبشرين بالجنة، ولا بأحد من أهل البيت ولا غيرهم، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، لحرصهم الشديد على فعل جميع أنواع البر والخير، فإجماعهم على ترك التبرك بجسد وآثار غيره ﷺ من الصالحين دليل صريح على عدم مشروعيته.
ومن أنواع التبرك المحرم بالصالحين:
أ) التمسح بهم ولبس ثيابهم أو الشرب بعد شربهم طلبًا للبركة.
ب) تقبيل قبورهم، والتمسح بها، وأخذ ترابها طلبًا للبركة.
النوع الثاني: التبرك بالأزمان والأماكن والأشياء التي لم يرد في الشرع ما يدلى على مشروعية التبرك بها.
ومن أمثلة هذه الأشياء:
١ - الأماكن التي مر بها النبي ﷺ، أو تعبد لله فيها اتفاقًا من غير قصد لها لذاتها، وإنما لأنه ﷺ كان موجودًا في هذه الأماكن وقت تعبده لله تعالى بهذه العبادة، ولم يرد دليل شرعي يدل على فضلها.
ومن هذه الأماكن: جبل ثور، وغار حراء، وجبل عرفات، والأماكن التي مر بها النبي ﷺ في أسفاره، والمساجد السبعة التي قرب الخندق، والمكان الذي يزعم بعضهم أن النبي ﷺ ولد فيه - مع أنه مختلف في مكان ولادته ﵊ اختلافًا كثيرًا - ومثل الأماكن التي قيل إنه ولد فيها نبي أو ولي أو عاشوا فيها ونحو ذلك - مع أن كثيرًا من ذلك لم يثبت -.
[ ١٥٢ ]
فلا يجوز للمسلم قصد زيارة هذه الأماكن للتعبد لله تعالى عندها، أو فوقها، بصلاة أو دعاء أو غيرهما، كما لا يجوز للمسلم مسح شيء من هذه الأماكن لطلب البركة، ولا يشرع صعود هذه الجبال لا في أيام الحج ولا غيرها، حتى جبل عرفات، لا يشرع صعوده في يوم عرفة، ولا غيره، ولا التمسح بالعمود التي فوقه، وإنما يشرع الوقوف عند الصخرات القريبة منه إن تيسر، وإلا وقف الحاج في أي مكان من عرفات.
ولذلك لم يثبت عن أحد من الصحابة أنه قصد شيئًا من هذه الأماكن للتبرك بها بتقبيل أو لمس أو غيرهما، ولا أن أحدًا منهم قصدها للتعبد لله فيها.
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، ومسجد الحرام، ومسحد الأقصى" رواه المخاري ومسلم، وثبت عن عمر بن الخطاب ﵁ الذي هو ثاني الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباع سنتهم أنه لما رأى الناس وهو راجع من الحج ينزلون فيصلون في مسجد، فسأل عنهم، فقالوا: مسجد صلى فيه النبي ﷺ، فقال: "إنما هلك من كان قبلكم أنهم اتخذوا آثار أنبيائهم بِيَعًا، من مر بشيء من هذه المساجد فحضرت الصلاة فليصل، وإلا فليمضِ".
٢ - التبرك ببعض الأشجار وبعض الأحجار وبعض الأعمدة وبعض الآبار والعيون التي يظن بعض العامة أن لها فضلًا، إما لظنهم أن أحد الأنبياء والأولياء وقف على ذلك الحجر، أو لاعتقادهم أن نبيًا نام تحت تلك الشجرة، أو يرى أحدهم رؤيا أن هذه الشجرة أو هذا الحجر مبارك، أو يعتقدون أن نبيًا
[ ١٥٣ ]
اغتسل في تلك البئر أو العين، أو أن شخصًا اغتسل فيها فشفي، ونحو ذلك، فيغلون فيها ويتبركون بها، فيتمسحون بالأشجار والأحجار، ويغتسلون بماء هذه البئر أو تلك العين طلبًا للبركة، ويعلقون بالشجرة الخرق والمسامير والثياب، فربما أدى بهم غلوهم هذا في آخر الأمر إلى عبادة هذه الأشياء، واعتقاد أنها تنفع وتضر بذاتها.
ولا شك أن التبرك بالأشجار والأحجار والعيون ونحوها، بأي نوع من أنواع التبرك، من مسح أو تقبيل، أو اغتسال، أو غيرها مما سبق ذكره محرم بإجماع أهل العلم، ولا يفعله إلا الجهال؛ لأنه إحداث عبادات ليس لها أصل في الشرع، ولأنه من أعظم أسباب الوقوع في الشرك الأكبر، ولما روى أبو واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ قبل حنين، ونحن حديثو عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون حولها وينوطون بها أسلحتهم وأمتعتهم، يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال ﷺ: "الله أكبر، هذا كما قالت بنو إسرائيل: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [سورة الأعراف: ١٣٨]، ثم قال: "إنكم قوم تجهلو، لتركبن سنن من كان قبلكم".
فلما طلب حدثاء العهد بالإسلام من الصحابة شجرة يتبركون بها تقليدًا للمشركين أنكر عليهم النبي ﷺ ذلك، وأخبرهم أن طلبهم هذا يشبه طلب بني إسرائيل من موسى ﵇ أن يجعل لهم آلهة تقليدًا لمشركي زمانهم، فطلبهم مشابه لطلب بني إسرائيل من جهة طلب التشبة بالمشركين فيما هو شرك، وإن كان ما طلبه هؤلاء الصحابة من الشرك الأصغر.
[ ١٥٤ ]
ومن المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أنه ليس هناك حجر أو غيره يشرع مسحه أو تقبيله تبركًا، حتى مقام إبراهيم الخليل - ﵇ - لا يشرع تقبيله مطلقًا مع أنه قد وقف عليه، وأثرت فيه قدماه - ﵇ -، وهذا كله قد أجمع عليه أهل العلم.
ومسح الحجر الأسود وتقبيله وكذلك مسح الركن اليماني في أثناء الطواف إنما هو من باب التعبد لله تعالى، واتباع سنة النبي ﷺ، ولذلك قال عمر ﵁ لما قبل الحجر الأسود: "إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبِّلك ما قبَّلتك" رواه البخاري ومسلم.
النوع الثالث: التبرك بالأماكن والأشياء الفاضلة:
وردت نصوص شرعية كثيرة تدل على فصل وبركة كثير من الأماكن كالكعبة المشرفة، والمساجد الثلاثة، وكثير من الأزمان كليلة القدر ويوم عرفة، وكثير من الأشياء الأخرى، كماء زمزم، والسحور للصائم، والتبكير في طلب الرزق ونحوه، وغير ذلك.
والتبرك بهذه الأشياء يكون بفعل العبادات وغيرها مما ورد في الشرع ما يدل على فضلها فيها، ولا يجوز التبرك بها بغير ما ورد، وعليه فمن تبرك بالأزمان أو الأماكن أو الأشياء التي وردت نصوص تدل على فضلها أو بركتها بتخصيصها بعبادات أو تبركات معينة لم يرد في الشرع ما يدل على تخصيصها بها، فقد خالف المشروع، وأحدث بدعة ليس لها أصل في الشرع، وذلك كمن يخص ليلة القدر بعمرة، وكمن يتبرك بجدران الكعبة بتقبيلها أو مسحها، أو يتمسح
[ ١٥٥ ]
بمقام إبراهيم أو بالحجر المسمى حجر إسماعيل، أو بأستار الكعبة، أو بجدران المسجد الحرام، أو المسجد النبوي وأعمدتهما ونحو ذلك، فهذا كله محرم، وهو من البدع المحدثة، وقد اتفق أصحاب النبي ﷺ وسلف هذه الأمة على عدم مشروعيته، ومثله: أن يتبرك بأحجار أو تراب شيء من المواضع الفاضلة بالتمرغ عليه، أو بجمعه والاحتفاظ به.
المبحث الثالث: رفع القبور وتجصيصها، وإسراجها، وبناء الغرف فوقها، وبناء المساجد عليها، وعبادة الله عندها.
وقد وردت أحاديث كثيرة في النهي عن هذه الأمور كلها، ومنها:
١ - ما رواه جندب بن عبد الله ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، إني أنهاكم عن ذلك "رواه مسلم.
٢ - ما رواه ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن من شرار الناس من تدركه الساعة وهم أحياء، ومن يتخذ القبور مساجد".
٣ - ما روته أم المؤمنين عائشة وابن عباس - ﵃ - قالا: "لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك: "لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر مثل ما صنعوا. قالت عائشة - ﵂ -: "ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي، أن يتخذ مسجدًا". رواه البخاري ومسلم.
[ ١٥٦ ]
٤ - ما رواه أبو الهياج الأسدي - ﵀ - قال: قال لي علي بن أبي طالب ﵁: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ؟ أنْ لا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته". رواه مسلم.
٥ - ما رواه - جابر بن عبد الله - ﵄ - قال: نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه. رواه مسلم.
ولهذه الأحاديث شواهد كثيرة من أحاديث جمع من الصحابة بلغت حد التواتر.
ومعنى اتخاذ القبور مساجد: بناء المساجد عليها، ويدخل فيه أيضًا جعلها مكانًا للصلاة ولو لم يبن عليها أو بينها مسجد، ويشمل السجود على القبر، ويشمل الصلاة إليه وجعله في قبلة المصلى، ويشمل قصد الصلاة والدعاء والذكر عنده.
وقد وودت أحاديث فيها النص على النهي عن هذه الأمور بخصوصها، ومنها:
١ - ما رواه أبو مرثد الغنوي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها" رواه مسلم.
٢ - ما رواه جابر، قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه" رواه مسلم.
وورد في الأحاديث أيضًا النهي عن اتخاذ قبره ﷺ عيدا،
[ ١٥٧ ]
والعيد المكاني هو المكان الذي يقصد الاجتماع فيه وانتيابه للعبادة.
ومن ذلك ما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم"، وإذا كان هذا في حق قبره ﷺ الذي هو أفضل قبر على وجه الأرض، فكيف بقبر غيره من البشر.
ولصحة هذه الأحاديث وتواترها عن النبي ﷺ وتنوع الوعيد الوارد فيها فقد أجمع أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم من سلف هذه الأمة وجميع من سار على طريقتهم على تحريم بناء المساجد أو الغرف أو القبب على القبور أو بينها.
كما أجمع أهل العلم على تحريم رفع القبور، سواء كان رفعها بجعل تراب القبر مرتفعًا أكثر من شبر، أم برفع جوانب القبر بطين أو بأحجار أو بغيرهما وعلى تحريم إيقاد المصابيح والأنوار عندها.
كما أجمعوا على تحريم الصلاة في المسجد الذي بني على قبر، وقال كثير منهم ببطلان هذه الصلاة، لأجل النهي عنها.
وأجمعوا على أنه لا يجوز دفن الميت في المسجد، وأجمعوا على وجوب إزالة المسجد المبني على القبر، أو إزالة صورة القبر من المسجد، وصرح كثير منهم بوجوب إزالة كل بناء على القبور أو رفع لها.
وأجمعوا أيضًا على أن الذهاب إلى القبور بقصد التعبد لله تعالى عندها، بالصلاة عندها أو إليها، أو للذبح لله عندها، أو دعاء الله تعالى عندها، أو لغير
[ ١٥٨ ]
ذلك من العبادات أن ذلك كله من البدع المنهي عنها.
وأجمعوا كذلك على أن الطواف بالقبور تقربًا إلى الله تعالى أو إلى غيره محرم.
وذكر بعض علماء الشافعية وبعض علماء الحنفية أن هذه الأمور كلها من كبائر الذنوب.
وحكى بعض العلماء من الحنفية وغيرهم الإجماع على أنه لا يستحب السفر من أجل زيارة القبر.
[ ١٥٩ ]
الفصل الثاني الشرك الأصغر
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: تعريفه وحكمه:
سبق تعريف الشرك في اللغة عند الكلام على تعريف الشرك الأكبر.
أما تعريف الشرك الأصغر في الاصطلاح، فهو: كل ما كان فيه نوع شرك لكنه لم يصل إلى درجة الشرك الأكبر.
أما حكمه فيتلخص فيما يأتي:
١ - أنه كبيرة من كبائر الذنوب، بل هو من أكبر الذنوب بعد نواقض التوحيد.
٢ - أن هذا الشرك قد يعظم حتى يؤول بصاحبه إلى الشرك الأكبر المخرج من ملة الإسلام، فصاحبه على خطر عظيم من أن يؤدي به الوقوع في الشرك الأصغر إلى الخروج من دين الإسلام.
٣ - أنه إذا صاحب العمل الصالح أبطل ثوابه كما في الرياء وإرادة الإنسان الدنيا وحدها بعمله الصالح، والدليل. قوله ﷺ فيما يرويه عن ربه جل وعلا: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه". رواه مسلم.
[ ١٦٠ ]
المبحث الثاني: أنواع الشرك الأصغر:
للشرك الأصغر أنوع كثيرة، أشهرها:
النوع الأول: الشرك الأصغر في العبادات القلبية:
ومن أمثلة هذا النوع:
المثال الأول: الرياء:
الرياء في اللغة مشتق من الرؤية، وهي: النظر، يقال: رائيتُه، مراءاة، ورياء، إذا أريتُه على خلاف ما أنا عليه.
وفي الاصطلاح: أن يظهر الإنسان العمل الصالح للآخرين أو يحسنه عندهم، أو يَظهر عندهم بمظهر مندوب إليه ليمدحوه ويعظم في أنفسهم.
فمن أراد وجه الله والرياء معًا فقد أشرك مع الله غيره في هذه العبادة، أما لو عمل العبادة وليس له مقصد في فعلها أصلًا سوى مدح الناس فهذا صاحبه على خطر عظيم، وقد قال بعض أهل العلم: إنه قد وقع في النفاق والشرك المخرج من الملة.
والرياء له صور عديدة، منها:
١ - الرياء بالعمل، كمراءاة المصلي بطول الركوع والسجود.
٢ - المراءاة بالقول، كسرد الأدلة إظهارًا لغزارة العلم، ليقال: عالِم.
٣ - المراءاة بالهيئة والزيِّ، كإبقاء أثر السجود على الجبهة رياءً.
[ ١٦١ ]
وقد وردت أدلة كثيرة تدل على تحريم الرياء وعظم عقوبة فاعله، وأنه يبطل العمل الذي يصاحبه، منها حديث محمود بن لبيد ﵁ مرفوعا: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر"، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: "الرياء، يقول الله ﷿ لهم يوم القيامة إذا جزي الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، هل تجدون عندهم جزاءً؟ ".
وحديث محمود بن لبيد ﵁ الآخر، قال: خرج النبي ﷺ فقال: "أيها الناس! إياكم وشرك السرائر" قالوا: يا رسول الله، وما شرك السرائر؟ . قال: "يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته جاهدًا لما يرى من نظر الناس إليه، فذلك شرك السرائر". وحديث أبي هريرة في خبر الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة، وهم رجل قاتل في الجهاد حتى قتل، ليقال: جرئ، ورجل تعلّم العلم وعلّمه أو قرأ القرآن ليقال: عالم أو قارئ، ورجل تصدَّق ليُقال: جواد. رواه مسلم.
ولهذا ينبغي للمسلم البعد عن الرياء والحذر من الوقوع فيه، وهناك أمور تعين على البعد عنه، أهمها:
١ - تقوية الإيمان في القلب، ليعظم رجاء العبد لربه، ويعرض عمن سواه، ولأن قوة الإيمان في القلب من أعظم الأسباب التي يعصم الله بها العبد من وساوس الشيطان، ومن الانقياد لشهوات النفس.
٢ - التزود من العلم الشرعي، وبالأخص علم العقيدة الإسلامية، ليكون ذلك حرزًا له بإذن الله من فتن الشبهات، وليعرف عظمة ربه جل وعلا وغناه، وضعف المخلوقين وفقرهم، فيحمله ذلك كله على مقت الرياء واحتقاره والبعد
[ ١٦٢ ]
عنه، وليعرف أيضًا مداخل الشيطان ووساوسه، فيحذرها.
٣ - الإكثار من الالتجاء إلى الله تعالى ودعائه أنه يعيذه من شر نفسه ومن شرور الشيطان ووساوسه، وأن يرزقه الإخلاص فيما يأتي وما يذر، والإكثار من الأذكار الشرعية التي هي حصن من شرور النفس والشيطان.
٤ - تذكر العقوبات الأخروية العظيمة التي تحصل للمرائي، ومن أعظمها أنه من أول من تسعر بهم النار يوم القيامة.
٥ - التفكر في حقارة المرائي وأنه من السفهاء والسَّفَلة، لأنه يعرض نفسه أن يكون أو من تسعر بهم النار يوم القيامة ويضيع ثواب عمله الذي هو سبب لفوزه بالجنة ونجاته من عذاب القبر وشدة القيامة وعذاب النار من أجل مدح الناس والحصول على منزلة عند المخلوقين، فهو يبحث عن رضا المخلوق بمعصية الخالق، ولهذا لما سُئل الإمام مالك ﵀: مَنِ السَّفَلة؟ قال: "من أكل بدينه".
٦ - الحرص على كل ما هو سبب في عدم الوقوع في الرياء، وذلك بالحرص على إخفاء العبادات المستحبة، وبمدافعة الرياء عندما يخطر بالقلب، وبالبعد عن مجالسة المدّاحين وأهل الرياء، ونحو ذلك.
وفي ختام الكلام على مسألة الرياء يحسن التنبيه إلى أنه لا يجوز للمسلم أن يرمي مسلمًا آخر بالرياء، فإن الرياء من أعمال القلوب ولا يعلمه إلا علّام الغيوب، واتهام المسلمين بالرياء هو من أعمال المنافقين، والأصل في المسلم السلامة، وأنه إنما أراد وجه الله، وأيضًا فإن المسلم يندب له في بعض المواضع أن يظهر عمله للناس، إذا أمن على نفسه من الرياء، كما إذا أراد أن يُقتدى به في الخير،
[ ١٦٣ ]
فليس كل من حرص على إظهار عمله للناس يعتبر مرائيًا.
المثال الثاني: من أمثلة الشرك الأصغر في العبادات القلبية: إرادة الإنسان بعبادته الدنيا:
المراد بهذا النوع: أن يعمل الإنسان العبادة المحضة ليحصل على مصلحة دنيوية مباشرة.
وإرادة الإنسان بعمله الدنيا ينقسم من حيث الأصل إلى أقسام كثيرة، أهمها:
١ - أن لا يريد بالعبادة إلا الدنيا وحدها، كمن يحج ليأخذ المال، وكمن يغزو من أجل الغنيمة وحدها، وكمن يطلب العلم الشرعي من أجل الشهادة والوظيفة ولا يريد بذلك كله وجه الله البتة، فلم يخطر بباله احتساب الأجر عند الله تعالى، وهذا القسم محرم، وكبيرة من كبائر الذنوب، وهو من الشرك الأصغر، ويبطل العمل الذي يصاحبه.
ومن الأدلة على تحريم هذا القسم وأنه يبطل العمل الذي يصاحبه:
أ - قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [هود: ١٥، ١٦].
ب - حديث عمر ﵁ مرفوعًا: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه". رواه البخاري ومسلم.
[ ١٦٤ ]
٢ - أن يريد بالعبادة وجه الله والدنيا معًا، كمن يحج لوجه الله وللتجارة، وكمن يقاتل ابتغاء وجه الله وللدنيا، وكمن يصوم لوجه الله وللعلاج، وكمن يتوضأ للصلاة وللتبرد، وكمن يطلب العلم لوجه الله وللوظيفة، فهذا الأقرب أنه مباح؛ لأن الوعيد إنما ورد في حق من طلب بالعبادة الدنيا وحدها، ولأن الله رتب على كثير من العبادات منافع دنيوية عاجلة، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣]، وكما في قوله تعال: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾ [نوح: ١٠ - ١٢]، والنصوص في هذا المعنى كثيرة، فهذه النصوص تدل على جواز إرادة وجه الله وهذه المنافع الدنيوية معًا بالعبادة؛ لأن هذه المنافع الدنيوية ذكرت على سبيل الترغيب في هذه العبادات.
وهذا القسم لا يبطل العمل الذي يصاحبه، ولكن أجر هذه العبادة يُنقص منه بقدر ما خالط نيته الصالحة من إرادة الدنيا.
المثال الثالث من أمثلة الشرك الأصغر في الأعمال القلبية: الاعتماد على الأسباب:
السبب لغة: الحبل، ويطلق على "كل شيء يُتوصل به إلى غيره" استعير من الحبل الذي يتوصل به إلى الماء.
وفي الاصطلاح هو: الأمور التي يفعلها الإنسان ليحصل له ما يريده من مطلوب، أو يندفع عنه ما يخشاه من مرهوب في الدنيا أو في الآخرة.
فمن الأسباب في أمور الدنيا: البيع والشراء أو العمل في وظيفة ليحصل
[ ١٦٥ ]
على المال، ومنها: أن يستشفع بذي جاه عند السلطان ليسلم من عقوبة دنيوية، أو ليدفع عنه ظلمًا، أو لتحصل له منفعة دنيوية كوظيفة أو مال أو غيرهما، ومنها: أن يذهب إلى طبيب ليعالجه من مرض، ونحو ذلك.
ومن الأسباب في أمور الآخرة: فعل العبادات رجاء ثواب الله تعالى والنجاة من عذابه، ومنها: أن يطلب من غيره أن يدعو الله له بالفوز بالجنة والنجاة من النار، ونحو ذلك.
والذي ينبغي للمسلم في هذا الباب هو أن يستعمل الأسباب المشروعة التي ثبت نفعها بالشرع أو بالتجربة الصحيحة مع توكل العبد الذي فعل السبب أو الأسباب على الله تعالى، واعتقاد أن هذا الأمر إنما هو مجرد سبب، وأنه لا أثر له إلا بمشيئة الله تعالى، إن شاء نفع بهذا السبب، وإن شاء أبطل أثره.
أما إن اعتمد الإنسان على السبب فقد وقع في الشرك، لكن إن اعتمد عليه اعتمادًا كليًا، مع اعتقاد أنه ينفعه من دون الله فقد وقع في الشرك الأكبر، وإن اعتمد على السبب مع اعتقاده أن الله هو النافع الضار فقد وقع في الشرك الأصغر، فالمؤمن مأمور بفعل السبب مع التوكل على مسبّب الأسباب جل وعلا.
المثال الرابع من أمثلة الشرك الأصغر في الأعمال القلبية: التَّطَيُّر:
التطيُّر هو: التشاؤم بمرئي أو مسموع أو غيرهما.
ومعنى ذلك أن يكون الإنسان قد عزم على أمر ما، فيرى أو يسمع أمرًا لا يعجبه فيحمله ذلك على ترك ما يريد فعله.
ويلحق بالتطيُّر في الحكم: عكسه، بأن يرى أو يسمع أمرًا يسر به، فيحمله على فعل أمر لم يكن عازمًا على فعله.
[ ١٦٦ ]
ومن أمثلة التطير: ما كان يفعله أهل الجاهلية من أن أحدهم إذا أراد سفرًا زجر أو أثار طيرًا، فإن اتجه ذات اليمين تفاءل، فعزم على السفر، وإن اتجه ذات الشمال تشاءم، وترك هذا السفر، وقد كثر استعمال أهل الجاهلية للطيور في هذا الأمر حتى قيل لكل من تشاءم "تطيَّر"، ومن أمثلة التشاؤم أيضًا: التشاؤم بسماع كلمة لا تعجبه كـ (يا هالك)، أو بملاقاة عجوز شمطاء، أو برؤية الغراب، أو البوم، أو صاحب عاهة في أول سفره، أو في أول نهاره، فيترك هذا السفر، أو يترك البيع والشراء في هذا اليوم، ومن أمثلته: التشاؤم ببعض الأشهر كصفر، والتشاؤم ببعض الأرقام كثلاثة عشر، كما يفعله كثير من أصحاب الفنادق والعمارات وغيرهم في هذا العصر، فتجد بعضهم لا يضع هذا الرقم في أدوار العمارة أو في المصعد أو في مقاعد الطائرات، ونحو ذلك تشاؤمًا.
والتطيّر محرم، وشرك أصغر. ومثله: الفعل الذي يقدم عليه العبد أو يعزم عليه لرؤيته أو سماعه ما يسر به - كما سبق -، فهو محرم أيضا، ويستثنى منه: الفأل الحسن، وهو: أن يكون الإنسان قد عزم على أمر معين فيرى أو يسمع أمرًا حسنًا من غير قصد له، فيسر به ويستبشر به، ويزيده ذلك اطمئنانًا بأن ما كان قد عزم على فعله سيكون فيه خير وبركة بمشيئة الله تعالى، ويعظم رجاؤه في الله تعالى في تحقيق هذا الأمر، من غير اعتماد على هذا الفأل، فهذا حسن، فالفأل حسن ظن بالله تعالى، ورجاء له، وباعث على الاستعانة به، والتوكل عليه، وعلى سرور النفس، وانشراح الصدر، وهو مسكن للخوف، باعث للآمال، والطيرة على النقيض من ذلك: فهي سوء ظن بالله، وتوكل على غيره، وقطع للرجاء، وتوقع للبلاء، وقنوط للنفس من الخير، وهي مذمومة وباطلة شرعًا وعقلًا.
وقد وردت أدلة كثيرة تدل على بطلان التطير، وتحريمه، ومن ذلك: ما
[ ١٦٧ ]
ثبت عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "الطيرة شرك".
ومما يدل على تحريم الطيرة أيضًا وإباحة الفأل: ما رواه عروة بن عامر، قال: ذكرت الطيرة عند رسول الله ﷺ، فقال: "أحسنها الفأل، ولا ترد مسلمًا، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتِ بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك".
وقوله ﷺ: "لا عدوى، ولا طيرة، ويعجبني الفأل الحسن"، قالوا: وما الفأل؟ قال: "الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم". رواه البخاري ومسلم.
قال الحافظ ابن رجب بعد ذكره أن التشاؤم باطل شرعًا وعقلًا، قال: "وفي الجملة فلا شؤم إلا المعاصى والذنوب، فإنها تسخط الله ﷿، فإذا سخط على عبده شقي في الدنيا والآخرة، كما أنه إذا رضي عن عبده سعد في الدنيا والآخرة، فالشؤم في الحقيقة هو معصية الله، واليُمن هو طاعة الله وتقواه، كما قيل:
إنَّ رأيًا دعا إلى طَاعةِ اللهِ لَرَأيٌ مُبارَكٌ مَيمُونُ
والعدوى التي تهلك من قاربها هي المعاصي، فمن قاربها وخالطها وأصر عليها هلك، وكذلك مخالطة أهل المعاصي ومن يحسِّن المعصية ويزيِّنها ويدعو إليها من شياطين الإنس، وهم أضر من شياطين الجن، قال بعض السلف: شيطان الجن تستعيذ بالله منه فينصرف، وشيطان الإنس لا يبرح حتى يوقعك في المعصية، وفي الحديث: "المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل"، وفي
[ ١٦٨ ]
حديث آخر: "لا تصحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقي"، فالعاصي مشؤوم على نفسه وعلى غيره فإنه لا يؤمن أن ينزل عليه عذاب فيعم الناس، خصوصًا من لم ينكر عليه عمله، فالبعد عنه متعين، فإذا كثر الخبث هلك الناس عموما".
النوع الثاني من أنواع الشرك الأصغر: الشرك في الأفعال:
ومن أمثلة هذا النوع:
المثال اللأول: الرقى الشركية.
الرُّقى هي: الأمور التي يعوَّذ بها لرفع البلاء أو دفعه.
والرقى التي يفعلها الناس تنقسم إلى نوعين:
النوع الأول: الرقية الشرعية، وهي الأذكار من القرآن والأدعية والتعويذات الثابتة في السنة أو الآدعية الآخرى المشروعة التي يقرؤها الإنسان على نفسه أو يقرؤها عليه غيره ليعيذه الله من الشرور بأنواعها، من الأمراض وشرور جميع مخلوقات الله الأخرى من السباع والهوام والجن والإنس وغيرها، فيعيذه منها بدفعها قبل وقوعها، بأن لا تصيبه، أو يعيذه منها بعد وقوعها بأن يرفعها ويزيلها عنه، وغالبًا يصحب قراءة هذه الأذكار نفث من الراقي، وقد تكون الرقية بالقراءة والنفث على بدن المرقي، أو ينفث في يديه ويمسح بهما جسده ومواضع الألم إن وجدت، وقد تكون الرقية بالقراءة في ماء ثم يشربه المرقي أو يُصبُّ على بدنه، وبعضهم يقوم بكتابة الأذكار بزعفران أو غيره على ورق أو في إناء، ثم يغسله بماء، ثم يسقيه المريض.
[ ١٦٩ ]
وهذه الرقية مجمع على مشروعيتها في الجملة.
ويشترط في هذه الرقية أن يعتقد الراقي والمرقي أن الرقية لا تؤثر بذاتها، وأن لا يعتمد عليها المرقي بقلبه، وأن يعتقد أن النفع إنما هو من الله تعالى، وأن هذه الرقية إنما هي سبب من الأسباب المشروعة، ويشترط أن لا تكون هذه الرقية من ساحر أو متهم بالسحر.
وحكم هذه الرقية على الصحيح عند اجتماع الشروط السابقة: أنها مستحبة، وهي من أعظم أسباب الشفاء من الأمراض بإذن الله تعالى.
والدليل على استحباب هذه الرقية في حق المرقي: ما رواه البخاري عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أوى إلى فراشه نفث في كفيه بـ: قل هو الله أحد، وبالمعوذتين جميعًا، ثم يمسح بهما وجهه وما بلغت يداه من جسده. قالت عائشة: فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك به.
والدليل على استحبابها في حق الراقى: ما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله - ﵄ - قال: كان لي خال يرقي من العقرب، فنهى رسول الله ﷺ عن الرقى، قال: فأتاه فقال: يا رسول الله، إنك نهيت عن الرقى، وأنا أرقي من العقرب؟ فقال: "من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل".
النوع الثاني: الرُّقى المحرمة:
ومنها: الرقى الشركية، وهي الرقى التي يعتمد فيها الراقي أو المرقي على الرقية، فإن اعتمد عليها مع اعتقاده أنها سبب من الأسباب، وأنها لا تستقل بالتأثير فهذا شرك أصغر، وإن اعتمد عليها اعتمادًا كليًا حتى اعتقد أنها تنفع من
[ ١٧٠ ]
دون الله، أو تضمنت الرقية صرف شيء من العبادة لغير الله، كالدعاء، أو الاستعاذة بمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله فهذا كله من الشرك الأكبر المخرج من الملة.
والدليل على تحريم جميع الرقى الشركية: قوله ﷺ: "إن الرقى والتمائم والتولة شرك"، وما روى عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله، كيف ترى في ذلك؟ فقال: "أعرضوا عليَّ رُقاكم، لا بأس بالرقى، ما لم يكن فيه شرك" رواه مسلم.
ومن الرقى المحرمة: أن تكون الرقية فيها طلاسم، أو ألفاظ غير مفهومة، والغالب أنها رقى شركية، وبالأخص إذا كانت من شخص غير معروف بالصلاح والاستقامة على دين الله تعالى، أو كانت من كافر كتابي أو غيره.
المثال الثاني من أمثلة الشرك الأصغر في الأفعال: التمائم الشركية:
التمائم في اللغة: جمع تميمة، وهي في الأصل خوزة كانت تُعلّق على الأطفال، يتقون بها من العين ونحوها، وكأنّ العرب سموها بهذا الاسم لأنهم يريدون أنها تمام الدواء والشفاء المطلوب.
وفي الاصطلاح: هي كل ما يعلق على المرضى أو الأطفال أو البهائم أو غيرها من تعاويذ لدفع البلاء أو رفعه.
ومن أنواع التمائم: الحجب والرقى التي يكتبها بعض المشعوذين ويكتبون فيها طلاسم وكتابات لا يفهم معناها وغالبها شرك، واستغاثات بالشياطين، وتعلق على الأطفال أو على البهائم، أو على بعض السلع أو أبواب البيوت يزعمون أنها سبب لدفع العين أو أنها سبب لشفاء المرضى من بني الإنسان أو من
[ ١٧١ ]
الحيوان، ومنها: الخلاخيل التي يجعلها بعض الجهّال على أولادهم يعتقدون أنها سبب لحفظهم من الموت، ومنها: لبس حلقة الفضة للبركة، ولبس خواتم لها فصوص معينة يعتقدون أنها تحفظ من الجن، ولبس أو تعليق خيوط عقد فيها شخص له اسم معين كـ "محمد" عقدًا للعلاج من بعض الأمراض، ومنها الحروز وجلود الحيوانات والخيوط وغيرها مما يعلق على الأطفال أو على أبواب البيوت ونحو ذلك، والتي يزعمون أنها تدفع العين أو المرض أو الجن أو أنها سبب للشفاء من الأمراض.
وهذه التمائم كلها محرمة، وهي من الشرك؛ لقوله ﷺ: "إن الرقى والتمائم والتولة شرك"، ولقوله ﷺ: "من علق تميمة فقد أشرك"، ولما ثبت عن ابن مسعود أنه رأى في عنق امرأته خرزا قد تعلقته من الحمرة، فقطعه، وقال: إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، فالتمائم من الشرك، لأنهم ظنوا أن لغير الله تأثيرًا في الشفاء، وطلبوا دفع الآذى من غيره تعالى مع أنه لا يدفعه أحد سواه جل وعلا.
لكن إن اعتقد متخذ هذه التمائم أنها تنفع بذاتها من دون الله فهو شرك أكبر، وإن اعتقد أن الله هو النافع وحده، لكن تعلّق قلبه بها في دفع الضر، فهو شرك أصغر، لاعتماده على الأسباب، ولأنه جعل ما ليس بسبب سببًا، فهذه التمائم السابق ذكرها كلها ليس فيها نفع بوجه من الوجوه، وهي من خرافات الجاهلية التي ينشرها السحرة والمشعوذون، ويدجلون بها على السذج والجهلة من الناس.
ومن عقوبة الله تعالى لمن يتعلق التمائم: أن الله تعالى يكله إلى هذه التمائم
[ ١٧٢ ]
التي لا نفع فيها، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "من تعلّق شيئًا وُكل إليه".
ويدخل في التمائم: أن تكتب آيات من القرآن أو بعض الأذكار الشرعية (الرقى) في ورقة ثم توضع في جلد أو غيره ثم تعلق على الأطفال أو على بعض المرضى، وقد اختلف في جواز تعليقها، والأحوط المنع من هذه التمائم، لعدة أمور، أهمها:
١ - أن الأحاديث جاءت عامة في النهي عن التمائم، ولم يأتِ حديث واحد في استثناء شيء منها.
٢ - أن تعليق التمائم من القرآن والأدعية والأذكار المشروعة نوع من الاستعاذة والدعاء، فهي على هذا عبادة، وهي بهذه الصفة لم ترد في القرآن ولا في السنة، والأصل في العبادات التوقيف، فلا يجوز إحداث عبادة لا دليل عليها.
٣ - أن في تعليقها تعريضًا للقرآن وكلام الله تعالى وعموم الأذكار الشرعية للإهانة، إذ قد يدخل بالتميمة أماكن الخلاء، وقد ينام عليها الأطفال أو غيرهم، وقد تصيبها بعض النجاسات، وفي منع تعليقها صيانة للقرآن ولذكر الله تعالى عن الإهانة.
٤ - سد الذريعة، لأن تعليق هذه التمائم يؤدي إلى تعلُّق القلوب بها من دون الله، ويؤدي إلى تعليق التمائم الأخرى المقطوع بتحريمها من التمائم الشركية وغير الشركية، كما هو الواقع عند كثير من المسلمين.
النوع الثالث: الشرك الأصغر في الأقوال:
ومن أمثلة هذا النوع:
المثال الأول: الحلف بغير الله:
[ ١٧٣ ]
الحلف في الأصل: توكيد الشيء بذكر معظَّم مصدَّرًا بحرف من حروف القسم.
وفي الاصطلاح: توكيد الشيء بذكر اسم أو صفة لله تعالى مصدرًا بحرف من حروف القسم.
وقد أجمع أهل العلم على أن اليمين المشروعة هي قول الرجل: والله، أو بالله، أو تالله، واختلفوا فيما عدا ذلك
واليمين عبادة من العبادات التي لا يجوز صرفها لغير الله فيحرم الحلف بغيره تعالى، لقوله ﷺ: "ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله، وإلا فليصمت" متفق عليه، فمن حلف بغير الله سواء أكان نبيًا أم وليًا أم الكعبة أم غيرها فقد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب، ووقع في الشرك، لقوله ﷺ: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" ولأن الحلف فيه تعظيم للمحلوف به، فمن حلف بغير الله كائنًا من كان، فقد جعله شريكًا لله ﷿ في هذا التعظيم الذي لا يليق إلا به ﷾.
وهذا الحلف يكون من الشرك الأصغر إن كان الحالف أشرك في لفظ القسم لا غير، أما إن قصد الحالف بحلفه تعظيم المخلوق الذي حلف به كتعظيم الله تعالى، كما يفعله كثير من المتصوفة الذين يحلفون بالأولياء والمشايخ أحياء وأمواتًا، حتى ربما بلغ تعظيمهم في قلوبهم أنهم لا يحلفون بهم كاذبين مع أنهم يحلفون بالله وهم كاذبون، فهذا شرك أكبر نحرج من الملة، لأن هذا المحلوف به أجل وأعظم وأخوف عندهم من الله تعالى.
المثال الثاني من أمثلة الشرك الأصغر في الأقوال: التشريك بين الله تعالى
[ ١٧٤ ]
وبين أحد من خلقه بـ "الواو".
العطف بالواو يقتضي مطلق الجمع بين المعطوف والمعطوف عليه، ولذلك فإنه يحرم العطف بها بين الله وبين أحد من خلقه في أي أمر من الأمور التي يكون للمخلوق فيها دخل في وقوعها كأن يقال: "ما شاء الله وشئت"، أو يقال: "هذا من بركات الله وبركاتك"، أو يقال: "ما لي إلا الله وأنت"، أو يقال: "أرجو الله وأرجوك"، ونحو ذلك، فمن تلفظ بأحد هذه الألفاظ أو ما يشبهها فقد وقع في الشرك، والدليل: قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢]، وما رواه الطفيل بن سخبرة - أخي عائشة لأمها - قال: قال رجل من المشركين لرجل من المسلمين: نعم القوم أنتم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله، وشاء محمد. فسمع النبي ﷺ، فقال: "لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن، قولوا: ما شاء الله، ثم شاء محمد"، وما رواه ابن عباس: أن رجلا، أتى النبي ﷺ فكلمه في بعض الأمر، فقال: ما شاء الله وشئت، فقال النبي ﷺ: "أجعلتني لله عدلا؟ قل: ما شاء الله وحده"، والعدل هو الند والمماثل والمشارك، فجعل النبي ﷺ هذا العطف بالواو نوعًا من الشرك، وعليه: فإن كان هذا القائل يعتقد أن ما نسبه إلى المخلوق الذي عطفه على اسم الله تعالى بـ "الواو "ليس على سبيل الاستقلال، ولكن نسبه إلى هذا المخلوق لأنه هو المباشر لهذا الأمر لا غير، مع اعتقاده أن الله هو الخالق المقدِّر، فهو شرك أصغر، من أجل هذا اللفظ الذي فيه تشريك. وإن كان يعتقد أن هذا المخلوق مشارك لله تعالى على سبيل الاستقلال، وأن تصرفه في ذلك بدون مشيئة الله تعالى فهو شرك أكبر.
[ ١٧٥ ]
المثال الثالث من أمثلة الشرك الأصغر في الأقوال: الاستسقاء بالأنواء:
الأنواء: جمع نوء، وهو النجم، وفي السنة الشمسية ثمانية وعشرون نجما، كنجم الثريا، ونجم الحوت فالاستسقاء بالأنواء: أن يُطلب من النجم أن ينزل الغيث، ويدخل فيه أن يُنسب الغيث إلى النجم، كما كان أهل الجاهلية يزعمون، فكانوا إذا نزل مطر في وقت نجم معين نسبوا المطر إلى ذلك النجم، فيقولون: (مطرنا بنوء كذا)، أو (هذا مطر الوسمي)، أو (هذا مطر الثريا)، ويزعمون أن النجم هو الذي أنزل هذا الغيث.
والاستسقاء بالأنواء ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن ينسب المطر إلى النجم معتقدًا أنه هو المنزل للغيث بدون مشيئة الله وفعله جلّ وعلا، فهذا شرك أكبر بالإحماع.
القسم الثاني: أن ينسب المطر إلى النوء معتقدًا أن الله جعل هذا النجم سببًا في نزول هذا الغيث، فهذا من الشرك الأصغر، لأنه جعل ما ليس بسبب سببًا، فالله تعالى لم يجعل شيئًا من النجوم سببًا في نزول الأمطار، ولا صلة للنجوم بنزولها بأي وجه، وإنما أجرى الله العادة بنزول بعض الأمطار في وقت بعض النجوم.
وقد وردت أدلة كثيرة تدل على تحريم الاستسقاء بالأنواء، ومنها:
١ - ما رواه مسلم في صحيحه عن ابن عباس ﵄ قال: مُطر الناس على عهد رسول الله ﷺ، فقال النبي ﷺ: "أصبح من الناس شاكر، ومنهم كافر. قالوا: هذه رحمة الله، وقال بعضهم: لقد
[ ١٧٦ ]
صدق نوء كذا وكذا". قال: فنزلت هذه الآية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥)﴾ [الواقعة: ٧٥]، حتى بلغ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ ومعنى الآية الأخيرة: أنكم تجعلون شكر ما أنعم الله به عليكم من الغيث أنكم تُكذّبون بذلك، وذلك بنسبة إنزال الغيث إلى غير الله تعالى.
٢ - ما رواه البخاري ومسلم عن زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: صلّى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية في إثر سماء كانت من الليل فلما انصرف أقبل على الناس، فقال: "هل تدرون ماذا قال ربكم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "أصبح من عبادي مؤمنٌ بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مُطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب". وهذا الحديث يشمل على الصحيح النوعين السابقين، فهذا القول كفر، لكن إن نسب الغيث إلى النجم من دون الله فهو كفر وشرك أكبر، وإن نسبه إليه نسبة تسبب فهو كفر نعمة وشرك أصغر.
٣ - ما رواه مسلم عن أبي مالك الأشعري مرفوعا: "أربعٌ في أمّتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة".
هذا وإذا قال المسلم: "مُطرنا بنوء كذا وكذا"، ومقصده أن الله أنزل المطر في وقت هذا النجم" معتقدًا أنه ليس للنجم أدنى تأثير لا استقلالًا ولا تسببًا فقد اختلف أهل العلم في حكم هذا اللفظ: فقيل: هو محرم
وقيل: مكروه. وقيل: مباح، ولا شك أن هذا اللفظ ينبغي تركه، واستبداله
[ ١٧٧ ]
بالألفاظ الأخرى التي لا إيهام فيها، فإما أن يقول: "مطرنا بفضل الله ورحمته"، أو يقول: "هذه رحمة الله"، وهذا هو الذي ورد الثناء على من قاله، كما سبق في النصوص، فهو أولى من غيره، وإما أن يقول: "هذا مطر أنزله الله في وقت نجم كذا"، أو يقول: "مطرنا في نوء كذا"، ونحو ذلك من العبارات الصريحة التي لا لبس ولا إشكال فيها، فقول "مطرنا بنوء كذا" أقل أحواله الكراهة الشديدة، والقول بالتحريم قول قوي، لما يلي:
١ - أنه قد جاء الحديث القدسي مطلقًا بعيب قائلي هذا اللفظ، وباعتبار قولهم كفرًا بالله تعالى، وإيمانًا بالكوكب.
٢ - أن هذا القول ذريعة إلى الوقوع في الاعتقاد الشركي، فاعتياد الناس عليه في عصر قد يُؤدي بجُهَّالهم أو بمن يأتي بعدهم إلى الوقوع في الاستسقاء الشركي بالأنواء.
٣ - أنه لفظ موهم لاعتقاد فاسد.
٤ - أن فيه استبدالًا للفظ المندوب إليه شرعًا في هذه الحال، وهو قول: "مطرنا بفضل الله ورحمته" بلفظ من ألفاظ المشركين، ففي هذا ترك للسنة وتشبّهٌ بالمشركين، وقد نُهينا عن التشبه بهم.
وقريب من لفظ "مطرنا بنوء كذا وكذا": ما يشبهه من الألفاظ الموهمة، كلفظ "هذا مطر الوسمي"، ونحو ذلك.
هذا وهناك أمثلة أخرى كثيرة للشرك الأصغر تركتها خشية الإطالة، ومن ذلك التسمي بالأسماء التي فيها تعظيم لا يليق إلا بالله تعالى، كملك الملوك، وقاضي القضاة، ونحوهما، ومنها التسمّى بأسماء الله تعالى، ومنها التسمِّي باسم
[ ١٧٨ ]
فيه تعبيد لغير الله تعالى، كعبد الرسول، وعبد الحسين، ونحوهما، ومنها بعض صور التبرك البدعي، ومنها التصوير لذوات الأرواح إذا كان فيه نوع تعظيم، ومنها سبّ الدهر، ومنها الحكم بغير ما أنزل الله، وبالأخص إذا كان في قضية واحدة.
[ ١٧٩ ]
الفصل الثالث الكفر الأصغر
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: تعريفه وحكمه:
الكفر الأصغر هو: كل معصية ورد في الشرع تسميتها كفرًا ولم تصل إلى حد الكفر الأكبر المخرج من الملة.
فكل معصية ورد في الشرع أنها كفر أو أن من فعلها كفر ولم تصل إلى درجة الكفر الأكبر المخرج من الملة فهى كفر أصغر، وبعض أهل العلم يطلق عليه اسم "كفر دون كفر"، وبعضهم يطلق عليه اسم "كفر النعمة"، وهو تسمية له بمثال من أشهر أمثلته.
وحكم هذا الكفر: أنه محرم، وكبيرة من كبائر الذنوب، لأنه من أعمال الكفار التي حرمها الإسلام، ولكنه لا يخرج صاحبه من ملة الإسلام.
المبحث الثاني: أمثلته:
للكفر الأصغر أمثلة كثيرة، أهمها:
١ - كفر النعمة والحقوق، وذلك بأن لا يعترف العبد بنعمة الله تعالى عليه، ومنه أن ينكر معروفًا أسداه إليه أحد المخلوقين، ومن أوضح الأدلة على هذا المثال: ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس - ﵄ - في ذكر صلاة الكسوف، وفيه أن النبي ﷺ قال: "وأُريت النار، فلم أرَ
[ ١٨٠ ]
منظرًا كاليوم قط أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء" قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: "بكفرهن"، قيل: يكفرن بالله؟ قال: "يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله، ثم رأت منك شيئا، قالت: ما رأيت منك خيرًا قط".
٢ - قتال المسلم لأخيه المسلم، ففي الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر".
٣ و٤ - الطعن في أنساب الآخرين "والنياحة على الميِّت" ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: "اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت".
٥ - إباق العبد - أي هروبه - عن سيده، ففي صحيح مسلم عن جرير قال: "أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم".
٦ - انتساب الإنسان لغير أبيه، ففي الصحيحين عن أبي ذر ﵁ مرفوعا: "ليس من رجل ادّعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر".
[ ١٨١ ]
الفصل الرابع النفاق الأصغر
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: تعريفه وحكمه:
النفاق الأصغر هو: أن يظهر الإنسان أمرًا مشروعًا ويبطن أمرًا محرمًا يخالف ما أظهره.
فكل من فعل أو قال قولًا مشروعًا واجبًا أو مستحبًا أو مباحًا، وقد أبطن ضد ما أظهره فقد فعل خصلة من النفاق الأصغر، ويسميه بعض أهل العلم "النفاق العملي" لأنه يتعلق بالأعمال، وليس في الاعتقاد، وأطلق عليه بعض أهل العلم أيضًا "نفاقًا دون نفاق". وحكم هذا النفاق أنه محرم، وكبيرة من كبائر الذنوب، ومن فعل خصلة من خصاله فقد تشبّه بالمنافقين، ولكنه لا يخرج من ملة الإسلام بإجماع أهل العلم.
المبحث الثاني: خصاله وأمثلته:
للنفاق الأصغر خصال كثيرة، أهمها:
١ - أن يكذب في كلامه متعمدًا، ومن يسمع كلامه مصدق له.
٢ - أن يعدَ وفى نيته وقت الوعد أن لا يفي بما وعد به، ثم لا يفي فعلًا بهذا الوعد.
٣ - أن يخاصم غيره، ويفجر في خصومته، بأن يعدل عن الحق إلى
[ ١٨٢ ]
الباطل متعمدًا، فيدّعي ويحتج بالباطل والكذب، ليأخذ ما لا يجوز له أخذه.
٤ - أن يعاهد غيره بعهد، وفي نيته وقت العهد أن لا يفي به، ثم لا يفي فعلًا بهذا العهد.
والدليل على كون هذه الخصال الأربع من النفاق الأصغر: ما رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو - ﵄ - عن النبي ﷺ قال: "أربعٌ من كنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، وإن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر".
٥ - الخيانة في الأمانة، وذلك بأن يأخذ الأمانات من الآخرين وفي نيته وقت أخذها أن يجحدها، ثم لا يؤدّيها إليهم فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي قال: "آية المنافق ثلاث، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان".
٦ - الرياء في الأعمال الصالحة، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "أكثر منافقي أمّتي قراؤها".
والمراد بنفاق القراء: الرياء
٧ - إعراض المسلم عن الجهاد، وعدم تحديث نفسه به، فقد روى مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: "من مات ولم يغز ولم يحدِّث به نفسه مات على شعبة من نفاق".
٨ - إظهار مودة الغير، والتقرب إليه بما يجب، مع إضمار بغضه، أو التكلّم فيه في غيبته بما لا يرضيه، فقد روى البخاري عن محمد بن زيد بن عبد الله بن
[ ١٨٣ ]
عمر، قال: قال أناس لابن عمر: إنا ندخل على سلطاننا، فنقول لهم بخلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عندهم، قال: كنا نَعُدُّ هذا نفاقًا.
٩ - بغض الأنصار - ﵃ - فقد روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "آية المنافق بغضُ الأنصار، وآية المؤمن حبُّ الأنصار".
١٠ - بغض الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ﵁، فقد روى مسلم في صحيحه عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: والذي فلَقَ الحبَّةَ وبَرَأ النسمة إنه لعهد النبيِّ الأميِّ ﷺ إليَّ: أن لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق.
وبالجملة فإن من اجتمعت فيه أكثر خصال هذا النفاق، واستمر عليها فهو على خطر عظيم، ويُخشى أن يقع في النفاق الأكبر، ولذلك خاف جماعات من أصحاب النبي ﷺ هذا النفاق على أنفسهم، فقد خافه الخليفة الراشد عمر بن الخطاب - ﵁ - على نفسه، وخافه الصحابي الجليل حنظلة الأسيدي - ﵁ - على نفسه، وخافه غيرهما من أصحاب النبي ﷺ على أنفسهم، وخافه بعدهم كثير من السلف الصالح - ﵏ ﷿ - على أنفسهم.
[ ١٨٤ ]
الفصل الخامس البدعة
البدعة في اللغة: مصدر "بدع"، وهو: ابتداء الشيء وصنعه لا عن مثال سابق، وإحداث شيء لم يكن له من قبل خلق ولا ذكر.
فالبدعة لغة: خلاف السنة، وهي اسم لما ابتدع في الدين وغيره.
والبدعة في الاصطلاح الشرعي: كل اعتقاد أو قول أو فعل أو ترك تعبّد به لله تعالى، وليس في الشرع ما يدل على مشروعيته.
والبدعة تنقسم بحسب متعلقها إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: البدعة الاعتقادية: وهي اعتقاد خلاف ما أخبر الله به وأخبر به رسوله ﷺ.
ومن أمثلة هذه البدعة: بدعة التمثيل أو التعطيل، وبدعة نفي القدر أو القول بالجبر، والابتداع باعتقاد ما يؤدي إليه استعمال علم الكلام والاعتماد على العقل البشري من التأويل الباطل، والابتداع باعتقاد أن الأولياء يتصرفون في الكون، ونحو ذلك.
القسم الثاني: البدعة العملية: وهي التعبد لله بغير ما شرع، وذلك بإحداث عبادة لم تُشرع، أو الزيادة أو النقص في عبادة مشروعة، أو الإتيان بالعبادة على صفة محدثة، أو المواظبة على عبادة مشروعة في وقت معين، مع أنه لم يرد دليل شرعي على مشروعيتها في هذ الوقت.
[ ١٨٥ ]
ومن أمثلة هذه البدعة: البناء على القبور، والدعاء عندها، وبناء المساجد عليها، والأعياد والاحتفالات المحدثة التي يتعبد لله تعالى بها، ونحو ذلك.
القسم الثالث: بدعة الترك: وهي ترك المباح أو ترك ما طلب فعله تعبدا.
ومن أمثلة هذه البدعة: ترك أكل اللحم تعبُّدًا، وترك الزواج تعبُّدا.
وقد وردت أدلة كثيرة تدل على تحريم البدع والتغليظ على مبتدعها وفاعلها، ومن أهمها: قول الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [سورة الشورى: ٢١]، وما رواه جابر بن عبد الله - ﵄ - قال: كان النبي ﷺ يقول في خطبته: أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة" رواه مسلم، وما رواه العرباض بن سارية ﵁ عن النبي أنه قال "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة".
وما روته أم المؤمنين عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". رواه البخاري ومسلم وفي رواية لمسلم: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد".
وما رواه أنس بن مالك ﵁ في قصة الثلاثة الذين أرادوا أن يزيدوا على عبادة النبي ﷺ، فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فقال رسول الله ﷺ: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد،
[ ١٨٦ ]
وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" رواه البخاري ومسلم.
والبدع كثيرة، وقد سبق ذكر كثير منها، وسأذكر بشيء من التفصيل بدعتين من أخطر البدع العملية، وأكثرها وقوعًا والتي لا تصل إلى حد الشرك الأكبر، ولكن أدى ابتداعها والتساهل بها إلى الوقوع فيه فيما يلي:
البدعة الأولى: التوسل البدعي:
التوسل في الاصطلاح له تعريفان:
الأول: تعريف عام: وهو التقرب إلى الله تعالى بفعل المأمورات وترك المحرمات.
الثاني: تعريف خاص بباب الدعاء: وهو أن يذكر الداعي في دعائه ما يرجو أن يكون سببًا في قبول دعائه، أو أن يطلب من عبد صالح أن يدعو له.
والتوسل في أصله ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: التوسل المشروع:
وهذا القسم يشمل أنواعًا كثيرة، يمكن إجمالها فيما يلي:
١ - التوسل إلى الله تعالى بأسمائه وصفاته، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [سورة الأعراف: ١٨٠].
وذلك بأن يدعو الله تعالى بأسمائه كلها، كأن يقول: اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى أن تغفر لي" أو أن يدعو الله تعالى باسم معين من أسمائه تعالى يناسب ما يدعو به، كأن يقول: "اللهم يا رحمن ارحمني"، أو أن يقول: "اللهم إني أسألك بأنك أنت الرحمن الرحيم أن ترحمني".
[ ١٨٧ ]
أو أن يدعو الله تعالى بجميع صفاته، كأن يقول: "اللهم إني أسألك بصفاتك العليا أن ترزقني رزقًا حلالًا"، أو أن يدعوه بصفة واحدة من صفاته تعالى تناسب ما يدعو به، كأن يقول مثلًا: "اللهم انصرنا على القوم الكافرين إنك قوي عزيز" وكأن يقول: "اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني"، كما ورد في السنة في دعاء ليلة القدر.
٢ - الثناء على الله تعالى، والصلاة على نبيه محمد ﷺ في بداية الدعاء، لما ثبت عن فضالة بن عبيد عن النبي ﷺ أنه سمع رجلًا يدعو في صلاته لم يحمد الله ولم يصل على نبيه ﷺ، فقال: "عجل هذا"، ثم دعاه فقال له: "إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه، ثم ليصل على النبي ﷺ، ثم ليدع بما شاء"، قال: وسمع رسول الله ﷺ رجلًا يصلي فمجَّد الله وحمده، وصلى على نبيه محمد ﷺ، فقال ﵊: "ادع تجب، وسل تعط".
ومن ذلك أن يثني على الله تعالى بكلمة التوحيد "لا إله إلا الله"، التي هي أعظم الثناء على الله تعالى، كما توسل بها يونس ﵇ في بطن الحوت، ثم يصلي على النبي ﷺ، فيقول في توسله مثلًا: "لا إله إلا الله، اللهم صل على محمد، اللهم اغفر لي".
ومن ذلك: سورة الفاتحة، فشطرها الأول ثناء على الله تعالى، وآخرها دعاء.
٣ - أن يتوسل العبد إلى الله تعالى بعباداته القلبية، أو الفعلية، أو القولية، أو غيرها، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩)﴾ [سورة المؤمنون: ١٠٩]، وكما في قصة الثلاثة
[ ١٨٨ ]
أصحاب الغار، فأحدهم توسل إلى الله تعالى ببره بوالديه، والثاني توسل إلى الله تعالى بإعطاء الأجير أجره كاملًا بعد تنميته له، والثالث توسل إلى الله تعالى بتركه الفاحشة، وقال كل واحد منهم في آخر دعائه: "اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه".
ومن ذلك أن يقول الداعي: اللهم إني أسألك بمحبتي لك ولنبيك محمد ﷺ ولجميع رسلك وأوليائك أن تنجيني من النار، أو يقول: اللهم إني صمت رمضان ابتغاء وجهك فارزقني السعادة في الدنيا والآخرة.
٤ - أن يتوسل إلى الله تعالى بذكر حاله، وأنه محتاج إلى رحمة الله وعونه، كما في دعاء موسى ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)﴾ [سورة القصص: ٢٤]، فهو ﵇ توسل إلى ربه جل وعلا باحتياجه للخير أن ينزل عليه خيرا.
ومن ذلك قول الداعي: اللهم إني ضعيف لا أتحمل عذاب القبر ولا عذاب جهنم فأنجني منهما، أو يقول: اللهم إني قد آلمني المرض فاشفني منه.
ويدخل في هذا: الاعتراف بالذنب وإظهار الحاجة لرحمة الله ومغفرته، كما في قوله تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣].
٥ - التوسل بدعاء الصالحين رجاء أن يستجيب الله دعاءهم. وذلك بأن يطلب من مسلم حي حاضر أن يدعو له.
كما في قول أبناء يعقوب ﵈ له: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧)﴾ [سورة يوسف: ٩٧]، وكما في قصة الأعرابي الذي طلب من
[ ١٨٩ ]
النبي ﷺ أن يدعو بنزول المطر، فدعا ﷺ، وكما في قصة المرأة التي طلبت منه ﵊ أن يدعو الله لها بأن لا تتكشف، وكما طلب عمر - ومعه الصحابة - في عهد عمر من العباس أن يستسقي لهم، أي أن يدعو الله أن يغيثهم بنزول المطر.
فهذه التوسلات كلها صحيحة، لأنه قد ثبت في النصوص ما يدل على مشروعيتها، وأجمع أهل العلم على ذلك
القسم الثاني: التوسل الممنوع:
لما كان التوسل جزءًا من الدعاء، والدعاء عبادة من العبادات، كما ثبت في الحديث: "الدعاء هو العبادة" وقد وردت النصوص الصحيحة الصريحة بتحريم إحداث عبادة لم ترد في النصوص الشرعية، فإن كل توسل لم يرد في النصوص ما يدل على مشروعيته فهو توسل بدعي محرم، ومن أمثلة هذه التوسلات المحرمة:
١ - أن يتوسل إلى الله تعالى بذات نبي أو عبد صالح، أو الكعبة، أو غيرها من الأشياء الفاضلة، كأن يقول: "اللهم إني أسألك بذات أبينا آدم ﵇ أن ترحمني".
٢ - أن يتوسل بحق نبي أو عبد صالح أو الكعبة أو غيرها.
٣ - أن يتوسل بجاه نبي أو عبد صالح أو بركته أو حرمته أو بحق قبره ونحو ذلك.
فلا يجوز للمسلم أن يدعو الله تعالى بشيء من هذه التوسلات، ولذلك لم يثبت في رواية صحيحة صريحة أن أحدًا من الصحابة أو التابعين توسل إلى الله تعالى بشيء منها، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، وقد نقلت عنهم أدعية كثيرة جدًّا،
[ ١٩٠ ]
وليس فيها شيء من هذه التوسلات، وهذا إجماع من أصحاب النبي ﷺ والتابعين على عدم مشروعية جميع هذه التوسلات.
البدعة الثانية: إقامة الأعياد والاحتفالات البدعية:
شرع الله تعالى لأهل الإسلام عيدين يفرحون فيهما بما أنعم الله به عليهم من إدراك المواسم الفاضلة، وهما عيد الفطر وعيد الأضحى، كما شرع لهم عيدًا ثالثًا وهو يوم الجمعة، وهو يتكرر في كل أسبوع يجتمع فيه المسلمون لصلاة الجمعة وسماع الذكر في خطبتها - وهو عيد نسبي - فلا يجوز للمسلمين التعبد لله تعالى بإحداث أعياد واحتفالات أخرى تتكرر بتكرر الأيام أو الشهور أو السنين.
فلا يجوز تخصيص شيء من الأزمنة، سواء من الليالي، أم الأيام، أم الشهور، أم السنين بعبادة أو عبادات معينة لم يرد في الشرع تخصيصها بها، سواء أكانت هذه الأزمان أزمانًا فاضلة أم لا؛ لأن ذلك من البدع المحدثة، ولذلك لم ينقل عن أحد من الصحابة، ولا عن أحد من سلف هذه الأمة تخصيص ليلة معينة بعبادة معينة، وهذا إجماع منهم على عدم مشروعيته، بل إنه قد جاء عن بعض الصحابة الإنكار على من خص بعض الشهور بعبادة معينة، ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم.
وقد أحدث كثير من المسلمين في العصور المتأخرة أعيادًا واحتفالات وعبادات في كثير من الأزمان، مع أنه لم يرد دليل صحيح يدل على مشروعيتها، وهذه الأزمنة ثلاثة أنواع:
النوع الأول: يوم لم تعظمه الشريعة أصلا، ولم يحدث فيه حادث له شأن، مثل أول خميس من رجب، وليلة الجمعة التي تليه، فهذا اليوم وهذه الليلة يعظمها بعض الجهال، بصيام نهار ذلك الخميس، وقيام هذه الليلة التي تليه، ويصلون فيها صلاة
[ ١٩١ ]
يسمونها صلاة الرغائب، وكل هذا لا دليل عليه، وهو من البدع المحرمة، وإنما أحدثت هذه الصلاة بعد الأربعمائة وقد وضع بعضهم حديثًا في فضلها، وهو حديث موضوع بإجماع أهل العلم، وقد وردت أيضًا أحاديث في فضل صيام بعض أيام رجب، ووردت كذلك أحاديث في فضل الصلاة في بعض أيام أو ليالي رجب، وكل هذه الأحاديث ضعيفة أو موضوعة، وقد ثبت عن بعض الصحابة النهي أو الكراهة لتعظيم رجب بصيام أو غيره، وثبت عن بعضهم أن تعظيم شهر رجب من عمل أهل الجاهلية فمن عظمه فقد اقتدى بهم.
النوع الثاني: الأيام والليالي التي جاء في الشرع ما يدل على فضلها، مثل يوم عرفة، ويومي العيدين، ويوم عاشوراء، وليلة القدر، وليلة النصف من شعبان، فهذه الأوقات يستحب أن يفعل فيها من العبادات ما ورد في الشرع ما يدل على مشروعيتها فيها، ولا يجوز فيها إحداث عبادات ليس لها أصل في الشرع، كصلاة الألفية ليلة النصف من شعبان التي أحدثت في القرن الخامس الهجري" وكالتعريف بالأمصار في يوم عرفة، وكالاحتفال في يوم عاشوراء، كما لا يجوز للمسلم تخصيص شيء من هذه الأوقات الفاضلة بعبادة يكررها كلما جاء هذا الوقت الفاضل مما لم يرد في الشرع ما يدل على تخصيصها بها، كتخصيص ليلة القدر بعمرة أو بذكر خاص غير الدعاء الوارد في السنة، أو بصلاة خاصة يكررها في كل عام.
النوع الثالث: الأيام والليالي التي حدثت فيها حوادث مهمة، ولكن لم يأت في الشرع ما يدل على فضلها أو على مشروعية التعبد لله أو الاحتفال فيها.
ومن هذه الأوقات: الليلة التي يقال: إنه حصل فيها الإسراء والمعراج لنبينا محمد ﷺ مع أنه لم يثبت في تحديد هذه الليلة شيء
[ ١٩٢ ]
ومن هذه الليالي أيضا: الليلة التي يقال: إن النبي ﷺ ولد فيها، مع أنه لم يثبت في تحديد شهر ولادته ولا يومها شيء يعتمد عليه، بل في ذلك خلاف مشهور، وقد جزم العبيديون الإسماعيليون الملاحدة في القرن الرابع الهجري أن مولده ﷺ في شهر ربيع الأول، مع أنه ليس هناك ما يرجح هذا القول.
وهذا الشهر قد أصيبت فيه الأمة الإسلامية بأعظم مصيبة، وهي وفاته ﷺ، فقد كانت وفاته ﵊ في شهر ربيع الأول بلا خلاف.
بل إن العبيديين اختاروا يوم الثاني عشر منه، فأقاموا فيه احتفالًا وقت حكمهم لمصر زعموا أنه من باب الفرح بولادته ﷺ، مع أن هذا اليوم هو اليوم الذي توفي فيه النبي ﷺ في قول عامة أهل العلم.
وكان كثير من هؤلاء العبيديين من الملاحدة الحاقدين على الإسلام وعلى رسول الله ﷺ، فقد ادعى بعضهم الألوهية، وعلى رأسهم الحاكم بأمر الله العبيدي الذي يؤلهه الدروز إلى الآن، ومنهم أو من أتباعهم: القرامطة، الذين قتلوا الحُجَّاج في عرفات وعند الكعبة المشرفة، وهدموا جزءًا من الكعبة، وأخذوا الحجر الأسود منها، ولم يعيدوه إلا بعد عدة سنوات.
والعبيديون هم أول من أقام الاحتفال بالمولد في القرن الرابع الهجري، وكان ذلك سنة ٣٦٣ هـ أثناء حكمهم لمصر.
فهؤلاء العبيديون الملاحدة الذين يبغضون النبي ﷺ قد اختاروا شهر ويوم وفاته ﷺ وقتًا لهذا الاحتفال، فرحًا بوفاته ﷺ، وأظهروا للناس أنه للفرح بولادته ﵊.
[ ١٩٣ ]
وقد اتفق أهل العلم على أن السلف الصالح من أهل القرون الثلاثة المفضلة، وفي مقدمتهم أصحاب النبي ﷺ لم يفعلوا هذا الاحتفال، ولذلك لم ينقل فعله ولا القول بمشروعيته عن أحد من أهل القرون الثلاثة المفضلة، مع شدة محبتهم للنبي ﷺ وحرصهم على الخير.
وهذا إجماع من أصحاب النبي ﷺ وجميع سلف هذه الأمة على عدم مشروعيته، وعلى عدم مشروعية جميع الاحتفالات المحدثة.
خاتمة فصل البدعة:
مما ينبغي أن يُعلم أنه يحرم على المسلم غير المتضلع في العلم مجالسة المبتدع الذي يتكلم عن بدعته ويحسنها، كما يحرم عليه سماع كلامه في مجلس أو محاضرة أو ضمن وسيلة إعلام، كما يحرم عليه مناظرته؛ لئلا يقع في قلبه شيء من ضلالاته أو الشبه التي يثيرها؛ لأن المبتدع يحتج بالمتشابه ويؤوله إلى ما تهواه نفسه، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [سورة آل عمران: ٧]. وروى البخاري في صحيحه أن النبي ﷺ تلا على عائشة - ﵂ - الآية السابقة، ثم قال: "إذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه فأولئك الذين سَمَّى الله فاحذروهم".
فالمبتدع يترك الآيات الصريحة المحكمة، والأحاديث الصحيحة الواضحة، ويخالفها ويعارضها بالأحاديث الضعيفة والموضوعة، أو بالنصوص المتشابهة، فيستدل بآية أو بحديث أو أثر صحيح فيفسره بغير تفسيره، ويؤوله إلى ما يوافق هواه، ويرد غيره من النصوص التي لم توافق عقله وهواه" والله أعلم.
[ ١٩٤ ]