لا منافاة بين الرؤية المثبتة وبين هاتين الآيتين، فإن الإدراك غير الرؤية، فالإدراك يعني الإحاطة، أما الله تعالى فلا تحيط به الرؤية كما لا يحيط به العلم ﴿ولا يحيطون به علمًا﴾ (٣)، وإن كان سبحانه يرى في الجنة. والبعض يجعل قوله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ بمعنى لا تراه، أي في الدنيا (٤) . أما قوله تعالى لموسى لما قَالَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تراني﴾ فهذا في الدنيا وإلا
_________________
(١) الأنعام: ١٠٣.
(٢) طه: ١١٠.
(٣) طه: ١١٠.
(٤) ولعلّ الأول أقرب، إذ أن سياق الآية أقرب إلى تقرير صفة لازمة له سبحانه، بخلاف قوله تعالى لموسى: ﴿لن تراني﴾، فلم يقل لن أرى أو لا أرى، كما قال هنا: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ وذلك لأن المقصود ليس تقرير أن الله لا يرى وإنما نفى ذلك في الدنيا: والله أعلم. ومن استخدام= = (لن) للنفي في الدنيا قوله تعالى: ﴿ولن يتمنوه أبدًا﴾ [البقرة: ٩٥] أي الموت مع أنه ﷿ قال: ﴿ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك﴾ [الزخرف:٧٧] فالمراد نفي ذلك في الدنيا. انظر شرح الواسطية للشيخ محمد خليل هراس ص٧٣.
[ ١ / ٦٧ ]
لقال إني لا أرى (١)
ولا يمكن حمل الآية على غير ذلك وإلا ضربنا القرآن بعضه بعض، فقد سبق قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا ناظرة﴾ وقوله ﷿: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ وتفسير النبي - ﷺ - وصحابته لها بالرؤية وقوله تَعَالَى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ وهذا بالإضافة إلى الأحاديث الصحيحة التي أثبتت الرؤية بعبارات صريحة لا تحتمل التأويل.
٢٦-إثبات كل ما أثبته الله تعالى لنفسه أو أثبته له رسوله - ﷺ - غير ما سبق كما في الأمثلة التالية من الآيات والأحاديث:
١-قوله تعالى: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ (٢)، وقوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذو الجلال والإكرام﴾ (٣) .
٢-قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا في نفسك إنك أنت علام الغيوب﴾ (٤) .
٣-قوله تعالى: ﴿ولتصنع على عيني﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿فاصبر لحكم
_________________
(١) ويضاف إلى هذا أن الله ﷿ علق الرؤية على استقرار الجيل ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فإن استقر مكانه فسوف تراني﴾ والمعلق على الممكن ممكن، أنه تعالى تجلى بالفعل للجبل ﴿فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًا﴾ فلا مانع أن يتجلى للإنسان وهو أولى بذلك من الجماد ولكن بعد أن يهيئه الله لذلك في الجنة، ولو كانت رؤية الإنسان لربه مستحيلة ما سألها موسى ﵇ وهو من الأنبياء الذين هم أعلم الخلق بربهم. انظر شرح محمد خليل هراس حفظه الله للعقيدة الواسطية ص٧٣، وتفصيله في حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح لابن القيم ﵀ ص١٩٦-١٩٨..
(٢) القصص:٨٨.
(٣) الرحمن: ٢٦، ٢٧.
(٤) المائدة: ١١٦.
(٥) طه: ٣٩.
[ ١ / ٦٨ ]
ربك فإنك بأعيننا﴾ (١) .
٤-قوله تَعَالَى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٢)، وقوله: ﴿بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء﴾ (٣) .
٥-قوله تعالى: ﴿إن الله يحب المتقين﴾ (٤)، وقوله: ﴿والله لا يحب الظالمين﴾ (٥) .
٦-قوله تعالى: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة..﴾ (٦) .
٧-قوله تعالى: ﴿ولكن كره الله انبعاثهم﴾ (٧) .
٨-قوله تعالى: ﴿وغضب الله عليه ولعنه﴾ (٨) .
٩-قوله تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شيء موعظة وتفصيلًا لكل شيء﴾ (٩)، والذي يبين أن المراد أنه ﷿ كتبها بيده قَوْلُهُ - ﷺ - فِي حَدِيثِ احْتِجَاجِ آدَمَ وَمُوسَى: (فَقَالَ آدَمُ: يَا مُوسَى اصطفاك الله بكلامه وخط له التوراة بيده) متفق عليه. وفي إثبات الكتابة أيضًا قوله - ﷺ -: (لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ بِيَدِهِ عَلَى نَفْسِهِ: إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁.
_________________
(١) الطور: ٤٨.
(٢) ص: ٧٥.
(٣) المائدة:٦٤.
(٤) التوبة: ٤، ٧.
(٥) آل عمران: ٥٧، ١٤٠.
(٦) الفتح: ١٨.
(٧) التوبة: ٤٦.
(٨) النساء: ٩٣.
(٩) الأعراف: ١٤٥.
[ ١ / ٦٩ ]
تأويلهم لآيات الرؤية
١٠-قوله - ﷺ -: (عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل) رواه البخاري وأحمد مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁.
١١-قَوْلُهُ - ﷺ - (يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ كِلَاهُمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ..) متفق عليه من حديث أبي هريرة.
١٢-قوله - ﷺ -: (مَا مِنْ قَلْبٍ إِلَّا وَهُوَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ فَإِذَا شَاءَ أَنْ يُقِيمَهُ أَقَامَهُ وَإِذَا شَاءَ أن يزيغه أزاغه) رواه الشيخان وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂.
١٣-قوله - ﷺ -: (أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ، وَاللَّهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي، وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ ما ظهر منها وما بطن ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ.
فكل ما ذكر من الآيات والأحاديث السالفة نثبته ونؤمن به دون تكييف ولا تأويل بل تمر كما جاءت معتقدين معناها ولا نقع في تلك التأويلات الباطلة التي لا يدل عليها دليل وليس للعقل فيها مجال.
١٠-أمثلة لبعض التأويلات المنحرفة التي لجأت إليها الفرق المخالفة لأهل السنة حين تعرضوا لأسماء الله تعالى وصفاته:
١-سبق الرد على زعمهم أن قوله تعالى: ﴿لاتدركه الأبصار﴾ أي لا تراه العيون في الدنيا ولا في الآخرة، وزعمهم أن قوله تعالى لموسى: ﴿لن تراني﴾ هو لنفي الرؤية في الدنيا والآخرة.
٢-كما سبق الرد على تأويلهم ﴿إلى ربها ناظرة﴾ أي إلى ما عنده، وبعضهم أولوه بالانتظار كقوله: ﴿انظرونا نقتبس من نوركم﴾ (١) فيقال لهم: إذا كان كذلك لم يحتج إلى أداة ولكنه ﷾ عداه بإلى
_________________
(١) الحديد: ١٣.
[ ١ / ٧٠ ]
تأويلهم النفس بالغير
الَّتِي تُفِيدُ الْمُعَايَنَةَ بِالْبَصَرِ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ اللغة، ويضاف إلى ذلك أنه ﷿ نسب النظر للوجوه التي فيها الأبصار.
٣-كما سبق
تأويلهم الاستواء بالاستيلاء والرد عليه.
٤
-تأويلهم قوله تعالى: ﴿وكلم الله موسى تكليمًا﴾ (١):
قال أحدهم: إن التكليم من موسى ﵇ وَأَنَّ لَفْظَ الْجَلَالِةِ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ فِرَارًا مِنْ إِثْبَاتِ الْكَلَامِ كَمَا فَعَلَهُ بَعْضُ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَقَدْ عُرض ذَلِكَ عَلَى أَبِي بَكْرِ بن عياش فقال: مَا قَرَأَ هَذَا إِلَّا كَافِرٌ، قَرَأْتُ عَلَى الْأَعْمَشِ، وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ عَلَى يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ، وَقَرَأَ يَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ عَلَى أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، وَقَرَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَقَرَأَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ يَعْنِي بِرَفْعِ لَفْظِ الْجَلَالَةِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ وَهُوَ مجمع عليه بين القراء. وَرَوَى ابْنُ كَثِيرٍ (٢) أَنَّ بَعْضَ الْمُعْتَزِلَةِ قَرَأَ عَلَى بَعْضِ الْمَشَايِخِ ﴿وَكَلَّمَ اللَّهَ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ فقال له: وكيف تَصْنَعُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾؟ الْأَعْرَافِ: ١٤٣. يَعْنِي أَنَّ هَذَا لَا يقبل التحريف ولا التأويل.
٥-تأويلهم نَفْسَهُ تَعَالَى بِالْغَيْرِ وَأَنَّ إِضَافَتَهَا إِلَيْهِ كَإِضَافَةِ ناقة الله وبيت اللَّهِ، فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ (٣) أي غيره، وقوله تعالى: ﴿كتب ربكم على نفسه الرحمة﴾ (٤) أي على غيره، وقوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا في نفسك﴾ (٥) أي
_________________
(١) النساء: ٦٤.
(٢) انظر تفسير ابن كثير ج١ص٥٠٤. دار القلم ط الثانية.
(٣) آل عمران: ٢٨، ٣٠.
(٤) الأنعام: ٥٤.
(٥) المائدة: ١١٦.
[ ١ / ٧١ ]
تأويلهم الوجه بالذات
تأويلهم اليد بالنعمة
ولا أعلم ما في غيرك، وقوله تعالى لموسى ﵇: ﴿واصطنعتك لنفسي﴾ (١) أي واصطنعتك لغيري، وهذا لا يقوله عاقل.
٦-تأويلهم وجهه تعالى بنفسه مع جحودهم لها كما تقدم، وهذا التناقض يكفي عن الرد عليهم، ولجأ بعضهم إلى القول بأن (وجه الله) من باب المجاز كقولك (وجه الكلام) و(وجه الدار)، فَيُقَالُ لَهُمْ: أَلَيْسَ الثَّوْبُ وَالدَّارُ وَالْكَلَامُ مَخْلُوقَاتٍ كُلَّهَا، وَقَدْ شَبَّهْتَمْ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى بِذَلِكَ؟ فأين الفكاك والخلاص.
٧
-تأويلهم اليد بالنعمة، واستشهدوا على ذلك بِقَوْلِ الْعَرَبِ: (لَكَ يَدٌ عِنْدِي) أَيْ نِعْمَةٌ، فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بَلْ يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء﴾ (٢) يَعْنِي نِعْمَتَاهُ، فَلَمْ يُثْبِتُوا لِلَّهِ إِلَّا نِعْمَتَيْنِ، والله تعالى يقول: ﴿وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة﴾ (٣) ويكون قوله تعالى: ﴿لما خلقت بيدي﴾ أي بنعمتي، فأي فضيلة لآدم ﵇ على غيره على هذا التأويل؟ ولم يقول له الناس في الموقف حين يطلبون منه أن يشفع لهم عند الله لفصل القضاء: (أَنْتَ آدَمُ أَبُو النَّاسِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ..) والحديث متفق عليه، وَهَلْ مِنْ أَحَدٍ لَمْ يَخْلُقْهُ اللَّهُ بِنِعْمَتِهِ. وماذا يقولون في قوله تعالى: ﴿والسماوات مطويات بيمينه﴾ (٤)؟ هل المراد مَطْوِيَّاتٌ بِنِعْمَتِهِ؟ فَهَلْ يَقُولُ هَذَا عَاقِلٌ؟ وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: بِقُوَّتِهِ، اسْتِشْهَادًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّمَاءَ بنيناها بأيد﴾ (٥) أَيْ بِقُوَّةٍ، فَيُقَالُ لَهُمْ: أَلَيْسَ كُلُّ مَخْلُوقٍ خَلَقَهُ اللَّهُ بِقُوَّةٍ؟ فَعَلَى هَذَا مَا مَعْنَى قوله عز
_________________
(١) طه: ٤١.
(٢) المائدة: ٦٤.
(٣) لقمان: ٢٠.
(٤) الزمر:٢٧.
(٥) الذاريات: ٤٧.
[ ١ / ٧٢ ]
تأويلهم نزوله تعالى بنزول أمره
تأويلهم مجيئه تعالى لفصل القضاء بمجيء أمره
وَجَلَّ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (١) وَأَيُّ فَضْلٍ لِآدَمَ عَلَى إِبْلِيسَ إِذْ كل منهما خلقه الله بقوته؟ كذلك ما معنى قوله: ﴿بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء﴾؟ هل معناه قوتان؟!! الخ.
٨-تأويلهم أَحَادِيثَ النُّزُولِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا بِأَنَّهُ يَنْزِلُ أَمْرُهُ، فَيُقَالُ لَهُمْ: أَلَيْسَ أَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى نَازِلًا فِي كُلِّ وَقْتٍ وَحِينٍ؟ فَمَاذَا يَخُصُّ السَّحَرَ بِذَلِكَ؟ وَقَالَ آخَرُونَ: يَنْزِلُ مَلَكٌ بِأَمْرِهِ، فَنَسَبَ النُّزُولَ إِلَيْهِ تَعَالَى مَجَازًا، فَيُقَالُ لَهُمْ: فَهَلْ يَجُوزُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُرْسِلَ من يدعي ربوبيته؟ وهل يمكن للملك أن يقول: (مَنْ ذَا الَّذِي يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ) وَهَلْ قَصُرَتْ عِبَارَةُ النَّبِيِّ - ﷺ - عَنْ أَنْ يَقُولَ: يَنْزِلُ مَلَكٌ بِأَمْرِ اللَّهِ فَيَقُولُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لَكُمْ كَذَا أَوْ أَمَرَنِي أَنْ أَقُولَ لَكُمْ كَذَا حَتَّى جَاءَ بِلَفْظٍ مجمل يوهم ربوبية الملك؟!! .
٩-تأويلهم الْمَجِيءَ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ بِالْمَجَازِ، فَقَالُوا: يَجِيءُ أَمْرُهُ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك﴾ (٢) فَقَالُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أن يأتيهم الله﴾ (٣) هذا مِنْ مَجَازِ الْحَذْفِ، وَالتَّقْدِيرُ يَأْتِي أَمْرُ اللَّهِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: أَلَيْسَ قَدِ اتَّضَحَ ذَلِكَ غَايَةَ الِاتِّضَاحِ، أَنَّ مَجِيءَ رَبِّنَا ﷿ غَيْرُ مَجِيءِ أَمْرِهِ وَمَلَائِكَتِهِ، وَأَنَّهُ يَجِيءُ حَقِيقَةً وَمَجِيءُ أَمْرِهِ حَقِيقَةٌ، وَمَجِيءُ مَلَائِكَتِهِ حَقِيقَةٌ، وَقَدْ فَصَلَ الله تَعَالَى ذَلِكَ وَقَسَّمَهُ وَنَوَّعَهُ تَنْوِيعًا يَمْتَنِعُ مَعَهُ الْحَمْلُ عَلَى الْمَجَازِ فَذَكَرَ تَعَالَى فِي آيَةِ الْبَقَرَةِ مَجِيئَهُ وَمَجِيءَ الْمَلَائِكَةِ (٤) وَكَذَا فِي آيَةٍ الفجر (٥)، وذكر في
_________________
(١) ص: ٧٥.
(٢) النحل: ٣٣.
(٣) البقرة: ٢١٠.
(٤) قال تَعَالَى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [البقرة ٢١٠] .
(٥) قال تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الْفَجْرِ:٢٢] .
[ ١ / ٧٣ ]
النَّحْلِ مَجِيءَ مَلَائِكَتِهِ وَمَجِيءَ أَمْرِهِ (١)، وَذَكَرَ فِي آيَةِ الْأَنْعَامِ إِتْيَانَهُ وَإِتْيَانَ مَلَائِكَتِهِ وَإِتْيَانَ بَعْضِ آيَاتِهِ الَّتِي هِيَ مِنْ أَمْرِهِ (٢) .
ثُمَّ يُقَالُ لهم: مَا الَّذِي يَخُصُّ إِتْيَانَ أَمْرِهِ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ؟ أليس أمره آتيًا في كل وقت، ومتنزلًا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ بِتَدْبِيرِ أُمُورِ خَلْقِهِ فِي كل نفس ولحظة؟!! .
١١-نبذة عن بعض الفرق الملحدة في توحيد المعرفة والإثبات:
أ-الجهمية:
ينسبون لجهم بن صفوان، ظهرت بدعته بترمذ وقتله سالم بن أحوز المزني بمرو في آخر أيام بني أمية، وهؤلاء يقولون بخلق القرآن، وغلوا في التعطيل حتى نفوا الأسماء والصفات جميعًا ولا يثبتون لله تعالى ذاتًا ولا اسمًا ولا صفة، هكذا يقول غلاتهم وقد كان قدماؤهم يتحاشون عن التصريح بذلك ويتسترون منه لكن كان أئمة الحديث يتفرسون فيهم فقالوا: إِنَّمَا يُحَاوِلُونَ أَنْ يَقُولُوا لَيْسَ فِي السَّمَاءِ إله يعبد. ولم يصرح بأن الإله الذي في السماء ليس بشيء إلا ابن سينا تِلْمِيذُ الْفَارَابِيِّ، وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى أَرِسْطُو الْيُونَانِيِّ، وَهُوَ يَرْجِعُ إِلَى مَذْهَبِ الدَّهْرِيَّةِ الطَّبَائِعِيَّةِ (٣) فِي الْمَعْنَى وَهُوَ الَّذِي نَصَرَهُ الْمُلْحِدُ الْكَبِيرُ نَصِيرُ الشرك الطوسي وأشباهه.
_________________
(١) قال تَعَالَى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أو يأتي أمر بك كذلك فعل الذين من قبلهم﴾ [النحل: ٣٣] .
(٢) قال تَعَالَى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ او يأتي أمر بك أو يأتي بعض آيات ربك﴾ [الأنعام: ١٥٨] .
(٣) أي إنكار الخالق، وسيأتي في البعث إن شاء الله أن الدهرية ثلاثة أصناف هذا أحدها، والثاني الدهرية الدورية وهم ينكرون أيضًا الخالق والمبدأ والمعاد لكن يقولون إن كل شيء يعود إلى ما كان عليه كل ستة وثلاثين ألف سنة، والثالث الدهرية من مشركي العرب، وأقروا بالخالق والمبدأ وأنكروا المعاد.
[ ١ / ٧٤ ]
ب- الحلولية:
يَزْعُمُونَ أَنَّ مَعْبُودَهُمْ فِي كُلِّ مَكَانٍ بِذَاتِهِ وينزهونه عن استوائه على العرش وَعُلُوِّهِ عَلَى خَلْقِهِ!! وَلَمْ يَصُونُوهُ عَنْ أَقْبَحِ الأماكن وأقذرها، ويشبهون حلوله في العالم بحلول السمن في اللبن، وهؤلاء قُدَمَاءُ الْجَهْمِيَّةِ الَّذِينَ تَصَدَّى لِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ أَئِمَّةُ الحديث كأحمد ابن حنبل وغيره، ولما حار الجهم حين سئل عن ربه قال: هو هذا الهواء في كل مكان. أما غلاة الجهمية بعد ذلك - كما قدمناه - فيقولون: ليس في داخل العالم ولا خارجه وليس على العرش ولا محايثًا الخ، أي أنهم يثبتون عدمًا ولا يثبتون له ذاتًا، تعالى الله عن باطلهم، أما الجهمية الأوائل فيجعلون له ذاتًا حالة بكل مكان والأولون والآخرون يشتركون في نفي الأسماء والصفات من السمع والبصر والكلام وغير ذلك من الأسماء والصفات.
جـ- الاتحادية:
وهم القائلون بأن الوجود بأسره هو الحق، وأن جميع الأضداد شيء واحد هو معبودهم وهم طائفة ابن عربي، وأصل هذا المذهب انْتَحَلَهُ ابْنُ سَبْعِينَ عَبْدُ الْحَقِّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الرقوطي نسبة إلى بلدة تدعى رقوطة، ولد سنة ٦١٤هـ وَجَاوَرَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ بِغَارِ حِرَاءَ يَرْتَجِي الوحي بناء على اعتقاده أن النبوة مكتسبة وأنها فيض من العقل الفعال حيث كان مشتغلًا بالفلسفة، لذا فهذا المذهب متولد من مذهب الفلاسفة، وكان إذا رأى الطائفتين حول البيت يقول كأنهم الحمير حوال الْمَدَارِ، وَأَنَّهُمْ لَوْ طَافُوا بِهِ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ طَوَافِهِمْ بِالْبَيْتِ، فَاللَّهُ يَحْكُمُ فِيهِ وَفِي أمثاله.
د-القدرية:
وهم نفاة القدر وهم قسمان قسم نفي تقدير الخير والشر بالكلية، وجعل العباد هم الخالقين لأفعالهم خيرها وشرها فأين هؤلاء من إثبات مشيئته وإرادته
[ ١ / ٧٥ ]
الفلاسفة
المعتزلة
الأشاعرة
﷿ وأنه لا يكون في ملكه إلا ما شاءه وقدره، وقسم نفوا تقدير الشر دون الخير، وَهَذَا رَاجِعٌ إِلَى مَذْهَبِ الْمَجُوسِ الثَّنَوِيَّةِ الَّذِينَ أثبتوا خالقين خالقًا للخير وخالقًا للشر، فحبهم الله تعالى.
هـ-الجبرية:
وهؤلاء يجعلون الإنسان مجبورًا على الخير والشر، فهم في الطرف المضاد للقدرية، وهم لا يثبتون الإرادة الشرعية ويجعلون المعاصي طاعات ويقولون: أطعنا مشيئة الله الكونية فينا، والعجب أن هذا المذهب موروث عن الجهم الذي لا يثبت لله فعلًا، ثم يجعل أفعال العبد هي أفعال الله (١) .
_________________
(١) ومن القرق الملحدة في توحيد المعرفة والإثبات:
(٢) الفلاسفة: وهم قوم نظروا في كتب فلاسفة اليونان كأرسطو وأفلاطون وأفلوطين وأخذوا خزعبلاتهم ليوفقوا بينها وبين عقائد الدين، فجعلوا الله تعالى موجودًا وجودًا مطلقًا لبلا تعين، أي جعلوا وجوده في الأذهان فقط كأمر تقديري صرف ونفوا جميع الصفات الوجودية. ومن جهة أخرى لا يقرون بتوحيد الربوبية فالله عندهم ليس خالقًا ولا مدبرًا لهذا الكون، ولا عالمًا بما فيه، وإنما ينسبون كل ذلك إلى ما يسمونه العقل الفعال أو عقل القمر فأثبتوا واسطة في الخلق.
(٣) المعتزلة: وهؤلاء يثبتون أسماء بلا معاني، فبينما ينكر الجهمية الأسماء ابتداءً فيقولون: ليس بسميع ولا بصير، فينكرون الأسماء والصفات جميعًا - كما قدمنا - فإن هؤلاء المعتزلة يقولون: سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، قدير بلا قدرة وهكذا ويقولون: بخلق القرآن، ولهم ضلالات في نواح متعددة لكن ما نذكره هنا عن هذه الفرق إنما هو فيما يتعلق بتوحيد المعرفة والإثبات. ومنشأ المعتزلة أن تلميذًا لحسن البصري هو واصل بن عطاء اعتزله لسبب ما وعمل له في حلقة في المسجد يقرر فيها آراءه فسمي هو وأصحابه بالمعتزلة، وكانوا يقدسون العقل ويجعلونه المصدر الأول للاعتقاد.
(٤) الأشاعرة: (نسبة لأبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، وقد رجع إلى مذهب أهل السنة في آخر أدوار حياته): وهؤلاء يثبتون لله سبع صفات يسمونها صفات المعاني، وهي العلم والقدرة والإرادة والحياة والسمع والبصر والكلام، ويأولون بقية الأسماء والصفات، أما قولهم في القرآن فسبق ذكره حيث قالوا: = =المعاني مسموعة حقيقة والألفاظ مخلوقة!! والأشاعرة يجعلون اهتمامهم كله في إثبات انفراد الله بالخلق والاختراع - إثبات الربوبية- ولا يهتمون بتوحيد الألوهية الذي هو أصل بعثة الرسل وقلما يذكرونه في كتبهم، لذا انخرط كثير منهم في بدع الصوفية والطرق الشركية. انظر دعوة التوحيد، الدكتور محمد خليل هراس ص ٢٧٠، ٢٧٤.
[ ١ / ٧٦ ]
بقيت فرق أخرى كالمرجئة والخوارج والشيعة والصوفية وغير ذلك وهذه الفرق سيأتي الحديث عن كثير منها إن شاء الله تعالى في موضعها في الكلام على الإيمان وغيره من أبواب الدين وسيأتي مزيد حديث عن الفرق السابق ذكرها، وإنما المقصد مما ذكرناه هنا - كما قلنا - كان فيما يتعلق بتوحيد المعرفة والإثبات وهناك أيضًا أسماء أخرى لفرق ملحدة في توحيد المعرفة والإثبات لكنها ترجع إلى هذه الفرق الكبيرة. وهذه الطوائف التي ذكرناها مرجعها إلى ثلاث:
-فالحلولية والاتحادية ومن في معناهما مَرْجِعُهُمْ إِلَى الطَّبَائِعِيَّةِ الدَّهْرِيَّةِ.
-وَالْقَدَرِيَّةُ النُّفَاةُ بِجَمِيعِ فرقهم مرجعهم إلى المجوس الثنوية، حيث نفى القدرية أن يكون الله هو المتصرف في ملكوته، وهذا راجع لمذهب المجوس الثنوية الذين أثبتوا خالقين للخير وخارقًا للشر قبحهم الله.
-وَالْجَبْرِيَّةُ الْغُلَاةُ مَرْجِعُهُمْ إِلَى النَّزْعَةِ الْجَهْمِيَّةِ الْإِبْلِيسِيَّةِ والله أعلم.
[ ١ / ٧٧ ]
وفيما يلي
الأبيات المتعلقة بما سبق:
حَيٌّ وَقَيُّومٌ فَلَا يَنَامُ وَجَلَّ أَنْ يُشْبِهَهُ الْأَنَامُ
لَا تَبْلُغُ الْأَوْهَامُ كُنْهَ ذَاتِهِ وَلَا يُكَيِّفُ الْحِجَا صِفَاتِهِ
بَاقٍ فَلَا يَفْنَى وَلَا يَبِيدُ وَلَا يَكُونُ غَيْرُ مَا يُرِيدُ
مُنْفَرِدٌ بِالْخَلْقِ وَالْإِرَادَهْ وَحَاكِمٌ -جَلَّ- بِمَا أَرَادَهْ
فَمَنْ يَشَأْ وَفَّقَهُ بِفَضْلِهِ وَمَنْ يَشَأْ أَضَلَّهُ بِعَدْلِهِ
فَمِنْهُمُ الشَّقِيُّ وَالسَّعِيدُ وَذَا مُقَرَّبٌ وَذَا طَرِيدُ
لِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ قَضَاهَا يَسْتَوْجِبُ الْحَمْدَ عَلَى اقْتِضَاهَا
وَهُوَ الَّذِي يَرَى دَبِيبَ الذَرِّ فِي الظُّلُمَاتِ فَوْقَ صُمِّ الصَّخْرِ
وَسَامِعٌ لِلْجَهْرِ وَالْإِخْفَاتِ بِسَمْعِهِ الواسع للأصوات
وعمله بِمَا بَدَا وَمَا خَفِيْ أَحَاطَ عِلْمًا بِالْجَلِيِّ وَالْخَفِيْ
وَهْوَ الْغَنِيُّ بِذَاتِهِ سُبْحَانَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ تَعَالَى شَانُهُ
وَكُلُّ شَيْءٍ رِزْقُهُ عَلَيْهِ وَكُلُّنَا مُفْتَقِرٌ إِلَيْهِ
كَلَّمَ مُوسَى عَبْدَهُ تَكْلِيمَا وَلَمْ يَزَلْ بِخَلْقِهِ عَلِيمَا
كَلَامُهُ جَلَّ عَنِ الْإِحْصَاءِ وَالْحَصْرِ وَالنَّفَادِ وَالْفَنَاءِ
لَوْ صَارَ أَقْلَامًا جَمِيعُ الشَّجَرِ وَالْبَحْرُ تُلْقَى فِيهِ سَبْعَةُ أَبْحُرِ
وَالْخَلْقُ تَكْتُبْهُ بِكُلِ آنِ فَنَتْ وَلَيْسَ الْقَوْلُ مِنْهُ فَانِ
وَالْقَوْلُ فِي كِتَابِهِ الْمُفَصَّلْ بِأَنَّهُ كَلَامُهُ الْمُنَزَّلْ
عَلَى الرَّسُولِ الْمُصْطَفَى خَيْرِ الْوَرَى لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ وَلَا بِمُفْتَرَى
يُحْفَظُ بِالْقَلْبِ وَبِاللِّسَانِ يُتْلَى كَمَا يُسْمَعُ بِالْآذَانِ
كَذَا بِالَابْصَارِ إِلَيْهِ يُنْظَرُ وَبِالْأَيَادِي خَطُّهُ يُسَطَّرُ
وَكُلُّ ذِي مَخْلُوقَةٌ حَقِيقَهْ دُونَ كَلَامِ بَارِئِ الْخَلِيقَهْ
جَلَّتْ صِفَاتُ رَبِّنَا الرَّحْمَنِ عَنْ وَصْفِهَا بِالْخَلْقِ وَالْحَدَثَانِ
فَالصَّوْتُ وَالْأَلْحَانُ صَوْتُ الْقَارِي لَكِنَّمَا الْمَتْلُوُّ قَوْلُ الْبَارِي
[ ١ / ٧٨ ]
مَا قَالَهُ لَا يَقْبَلُ التَّبْدِيلَا كَلَّا وَلَا أَصْدَقُ مِنْهُ قِيلًا
وَقَدْ رَوَى الثِّقَاتُ عَنْ خَيْرِ الْمَلَا بِأَنَّهُ ﷿ وَعَلَا
فِي ثُلُثِ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ يَنْزِلُ يَقُولُ هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَيُقْبِلُ
هَلْ مِنْ مُسِيءٍ طَالِبٍ لِلْمَغْفِرَهْ يَجِدْ كَرِيمًا قَابِلًا لِلْمَعْذِرَهْ
يَمُنُّ بِالْخَيْرَاتِ وَالْفَضَائِلْ وَيَسْتُرُ الْعَيْبَ وَيُعْطِي السَّائِلْ
وَأَنَّهُ يَجِيءُ يَوْمَ الْفَصْلِ كَمَا يَشَاءُ لِلْقَضَاءِ الْعَدْلِ
وَأَنَّهُ يُرَى بِلَا إِنْكَارِ فِي جَنَّةِ الْفِرْدَوْسِ بِالْأَبْصَارِ
كُلٌّ يَرَاهُ رُؤْيَةَ الْعِيَانِ كَمَا أَتَى فِي مُحْكَمِ الْقُرْآنِ
وَفِي حَدِيثِ سَيِّدِ الْأَنَامِ مِنْ غَيْرِ مَا شَكٍّ وَلَا إِبْهَامِ
رُؤْيَةَ حَقٍّ لَيْسَ يَمْتَرُونَهَا كَالشَّمْسِ صَحْوًا لَا سَحَابَ دُونَهَا
وَخُصَّ بِالرُّؤْيَةِ أَوْلِيَاؤُهُ فَضِيلَةً وَحُجِبُوا أَعْدَاؤُهُ
وَكُلُّ مَا لَهُ مِنَ الصِّفَاتِ أَثْبَتَهَا فِي مُحْكَمِ الْآيَاتِ
أَوْ صَحَّ فِيمَا قَالَهُ الرَّسُولُ فَحَقُّهُ التَّسْلِيمُ وَالْقَبُولُ
نُمِرُّهَا صَرِيحَةً كَمَا أَتَتْ مَعَ اعْتِقَادِنَا لِمَا لَهُ اقْتَضَتْ
مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلِ وَغَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلِ
بَلْ قَوْلُنَا قَوْلُ أَئِمَّةِ الْهُدَى طُوبَى لِمَنْ بِهَدْيِهِمْ قَدِ اهْتَدَى
وَسَمِّ ذَا النَّوْعَ مِنَ التَّوْحِيدِ تَوْحِيدَ إِثْبَاتٍ بِلَا تَرْدِيدِ
قَدْ أَفْصَحَ الْوَحْيُ الْمُبِينُ عَنْهُ فَالْتَمِسِ الْهُدَى الْمُنِيرَ مِنْهُ
لَا تَتَّبِعْ أَقْوَالَ كُلِّ مَارِدِ غَاوٍ مُضِلٍّ مَارِقٍ مُعَانِدِ
فَلَيْسَ بَعْدَ رَدِّ ذَا التِّبْيَانِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنَ الْإِيمَانِ
•
أسئلة:
١- ما معنى الحي القيوم وماذا تعرف عن فضل هذين الاسمين؟
٢- ما جوابك على قول القائل: إذا كان الله يكره السيئات فلم قدر وجودها؟ وهل يأتي المكروه بمحبوب؟
[ ١ / ٧٩ ]
٣- اذكر بعض الأدلة على إثبات صفتي السمع والبصر لله ﷿ وماذا يترتب على نفيهما من الباطل؟
٤- ما المراد بإثبات صفة الكلام لله ﷿ وما أدلة أهل السنة والجماعة على ذلك؟
٥- ما عقيدة أهل السنة والجماعة في القرآن؟ وما حكم من قال بخلق القرآن؟
٦- بين أصل القول بخلق القرآن؟
٧- عرف كلًا من اللفظية والواقفة، وما حكم كل منهما؟
٨- اذكر نبذة مختصرة عن الطوائف المخالفة لأهل السنة في كلام الله تعالى؟
٩- ما مذهب أهل السنة في نزوله ﵎ وما دليلهم على ذلك؟
١٠- اذكر بعض الأدلة من الكتاب والسنة وبعض أقوال الصحابة والعلماء في رؤية المؤمنين لله ﷿ في الآخرة؟
١١- اذكر بعض الآيات والأحاديث التي تتضمن نسبة بعض الصفات لله غير
ما ذكرنا مشيرًا إلى موضع الشاهد منها؟
١٢- اذكر أمثلة للتأويلات المنحرفة التي لجأت إليها الفرق المخالفة لأهل السنة والجماعة حين تعرضوا لأسماء الله تعالى وصفاته. مبينا الرد عليهم؟
١٣- اذكر نبذة مختصرة عن هذه الفرق فيما يتعلق بإلحادها في توحيد المعرفة والإثبات:
الجهمية-الحلولية-الاتحادية-الفلاسفة-المعتزلة-الأشاعرة-القدرية-الجبرية.
***
[ ١ / ٨٠ ]
الفصل الثاني
في
القسم الثاني من أقسام التوحيد: توحيد الطلب والقصد (توحيد الألوهية) وأنه معنى لا إله إلا الله
١-توحيد الإثبات أعظم حجة على توحيد الطلب والقصد:
إذا تبين لك أن الله تعالى واحد في ربوبيته وآمنت بذلك وجب عليك على الفور أن توحده وتفرده بالعبادة، فَإِنَّ تَوْحِيدَ الْإِثْبَاتِ هُوَ أَعْظَمُ حُجَّةٍ عَلَى توحيد الطلب والقصد الذي هو توحيد الألوهية، وَبِهِ احْتَجَّ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ فِي غير موضع على وجوب إفراده تعالى بالألوهية لِتَلَازُمِ التَّوْحِيدَيْنِ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَهًا مُسْتَحِقًّا لِلْعِبَادَةِ إِلَّا مَنْ كَانَ خَالِقًا رَازِقًا مَالِكًا مُتَصَرِّفًا مُدَبِّرًا لِجَمِيعِ الْأُمُورِ حَيًّا قَيُّومًا سَمِيعًا بَصِيرًا عَلِيمًا حَكِيمًا مَوْصُوفًا بِكُلِّ كَمَالٍ مُنَزَّهًا لِجَمِيعِ الْأُمُورِ حَيًّا قَيُّومًا سَمِيعًا بَصِيرًا عَلِيمًا حَكِيمًا مَوْصُوفًا بِكُلِّ كَمَالٍ مُنَزَّهًا عَنْ كُلِّ نَقْصٍ، غَنِيًّا عَمَّا سِوَاهُ، مُفْتَقِرًا إِلَيْهِ كُلُّ ما عداه، فاعلًا مخترًا لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَلَا رَادَّ لِقَضَائِهِ وَلَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ، وَلَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، وَهَذِهِ صِفَاتُ اللَّهِ ﷿، لَا تَنْبَغِي إِلَّا لَهُ، وَلَا يَشْرَكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ، فَكَذَلِكَ لَا يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ إِلَّا هُوَ وَلَا تَجُوزُ لِغَيْرِهِ، فَحَيْثُ كَانَ مُتَفَرِّدًا بِالْخَلْقِ وَالْإِنْشَاءِ وَالْبَدْءِ وَالْإِعَادَةِ لَا يَشْرَكُهُ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ وَجَبَ إِفْرَادُهُ بِالْعِبَادَةِ دُونَ سِوَاهُ لَا يُشْرَكُ مَعَهُ فِي عِبَادَتِهِ أَحَدٌ كما قال تعالى: ﴿يا أيها النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فراشًا والسماء بناءًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وانتم تعلمون﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿ألم تر أن الله يولج الليل
_________________
(١) البقرة: ٢١، ٢٢.
[ ١ / ٨٣ ]
فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (١) .
٢-الإقرار لله بالربوبية لا يكفي وحده للدخول في دين الإسلام:
وبيان ذلك أن المشركين كانوا مقرين لله بالربوبية وإنما لم يكونوا مسلمين لعدم إقرارهم له وحده ﷿ بالألوهية بل اتخذوا معه آلهة أخرى صرفوا لها أنواعًا من العبادة.
قال تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولون الله فأنى يؤفكون﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قل فأنى تسحرون﴾ (٣) .
فالله تعالى في هذه الآيات ينكر على المشركين إعراضهم عن توحيده تعالى بالعبادة مع إقرارهم له بصفات الربوبية، فعبّاد الأوثان يقرون أن الله هو المنفرد بِالْخَلْقِ وَالرِّزْقِ وَالضُّرِّ وَالنَّفْعِ وَالتَّقْدِيرِ وَالتَّدْبِيرِ وَأَنْوَاعِ التَّصَرُّفَاتِ لَيْسَ إِلَيْهِمْ وَلَا إِلَى أَوْثَانِهِمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ بَلْ هُوَ الْخَالِقُ وَمَا عَدَاهُ مَخْلُوقٌ، وَهُوَ الرَّبُّ وَمَا عَدَاهُ مَرْبُوبٌ غَيْرَ أَنَّهُمْ جَعَلُوا لَهُ مِنْ خَلْقِهِ شُرَكَاءَ سَوَّوْهُمْ بِهِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْعِبَادَةِ وَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ تَفَرَّدَ بِهَا، وَقَالُوا لِمَنْ قَالَ لَهُمْ قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا واحدًا إن هذا لشيء عجاب﴾ (٤) ومع ذلك كانوا يوحدون الله في
_________________
(١) لقمان: ٢٩، ٣٠.
(٢) الزخرف: ٨٧.
(٣) المؤمنون: ٨٤-٨٩.
(٤) ص: ٥.
[ ١ / ٨٤ ]
الربوبية والإلهية في الشدة. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البر إذا هم يشركون﴾ (١) وفي حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لِأَبِيهِ حُصَيْنٍ قَبْلَ إِسْلَامِهِ: (كَمْ تَعْبُدُ الْيَوْمَ مِنْ إِلَهٍ)؟ قَالَ: سَبْعَةَ آلِهَةٍ، سِتَّةً فِي الْأَرْضِ وَوَاحِدًا فِي السَّمَاءِ. قَالَ - ﷺ -: (فَمَنْ تُعِدُّ لِرَغْبَتِكَ وَرَهْبَتِكَ)؟ قَالَ: الذي في السماء) . قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب (٢) .
٣- تلازم أنواع التوحيد وفساده بفساد أحدها:
ما ذكرناه من أن عباد الأوثان مقرون لله بالربوبية وَشَاهِدُونَ بِتَفَرُّدِ اللَّهِ بِذَلِكَ وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا أَشْرَكُوا بالله في الإلهية حيث عبدوا معه غيره فهذا في الظاهر، وإلا فأنواع التوحيد متلازمة فمن صرف عبادة كالدعاء لوثن من الأوثان وطلب منه أن يختار له ما فيه مصلحته (يسافر أو لا يسافر، يفعل هذا الأمر أو لا يفعله، هل يضره ذلك الشيء أو لا يضره، إلى آخره مما كان يفعله المشركون وينتظرون فيه الجواب من الآلهة المدعاة) فمن فعل ذلك فقد نسب للوثن القدرة وعلم الغيب وما لا يقدر عليه إلا الله، وذلك من خصائص الربوبية، لذا فشركهم هذا في العبادة يتضمن شركًا في الربوبية، وهذا الأمر ظاهر كذلك في عبّاد القبور والأضرحة في كل مكان وزمان يطلبون من معبوداتهم
_________________
(١) العنكبوت: ٦٥.
(٢) وقال ابن القيم ﵀: (حديث صحيح، وزاد الحاكم وإسناده على شرط الصحيحين) اهـ. الوابل الصيب ص١٣٧. وحسنه الأرناؤوط حفظه الله في جامع الأصول ج٤ ص٣٤٢. وأما الألباني حفظه الله فذكره في ضعيف سنن الترمذي رقم ٦٩٠. وفي سند الحديث شبيب بن شيبة التيمي، صدوق يهم في الحديث. تقريب التهذيب، ش: ١٣. والحديث في سنن الترمذي، كتاب الدعوات، باب رقم ٧٠ وقال الترمذي: وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حصين من غير هذا الوجه.
[ ١ / ٨٥ ]
أمورًا لا يقدر عليها إلا الله فعبادتهم أو دعاؤهم لهم شرك في العبادة وكونهم يسألونهم أمورًا لا يسألها إلا من له القدرة المطلقة وعلم الغيب والسمع الذي وسع الأصوات كلها شرك في الربوبية.
ولما كان الشرك في العبادة ينظوي على الشرك في الربوبية ولابد كان الاتجاه بالعبادة لا ينبغي إلا لله وكان حقًا له تعالى على عباده، لذلك ورد في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ - ﷺ - عَلَى حِمَارٍ فَقَالَ لِي: (يَا مُعَاذُ أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ؟) قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: (حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ من لا يشرك به شيئًا ) .
٤-مكانة توحيد الألوهية وعلاقته بشهادة أن لا إله إلا الله وبيان معنى هذه الكلمة:
تظهر المكانة الرفيعة والمنزلة العالية لتوحيد الألوهية أو توحيد العبادة في الأمور التالية:
١-أن الدعوة إلى إفراد الله بالعبادة هي أصل دعوة الرسل جميعهم، فتوحيد الألوهية هو الذي أرسل الله به رسله جميعهم مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ يَدْعُونَ إِلَيْهِ أَوَّلًا قَبْلَ كُلِّ أَمْرٍ فَلَمْ يَدْعُوا إِلَى شَيْءٍ قَبْلَهُ، فَهُمْ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ شَرَائِعُهُمْ فِي تَحْدِيدِ بَعْضِ الْعِبَادَاتِ وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ إِفْرَادُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِتِلْكَ الْعِبَادَاتِ افْتَرَقَتْ أَوِ اتَّفَقَتْ لَا يُشْرَكُ مَعَهُ فِيهَا غَيْرُهُ، كَمَا قَالَ - ﷺ -: (نَحْنُ مُعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ أَوْلَادُ عَلاّت (١)، دِينُنَا واحد) (٢) .
_________________
(١) أولاد العلات: الذين أمهاتهم مختلفة وأبوهم واحد، أراد أن إيمانهم واحد وشرائعهم مختلفة. النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، وفي الفتح ٦/٥٦٤.: وقيل المراد أن أزمنتهم مختلفة.
(٢) رواه البخاري ومسلم وأبو داود وأحمد بنحوه، انظر فتح الباري ٦/٥٥٠، مسلم بشرح النووي ١٥/١١٩، عون المعبود ١٢/٤٣٢، والفتح الرباني: ٢٠/١٣٤.
[ ١ / ٨٦ ]
وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ ﷿ عَنِ اتِّفَاقِ دعوة الرسل في ذلك فقال ﷾: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فاعبدون﴾ (١)، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أمةٍ رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ (٢)، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يعبدون﴾ (٣)، وقال تَعَالَى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تتفرقوا فيه﴾ (٤) وهؤلاء المذكورون هم أولو العزم من الرسل وبقية الرسل مثلهم في ذلك.
٢-أن الدعوة إلى توحيد الله بالعبادة هي الدعوة التي من أجلها جردت سيوف الجهاد ودار الصراع بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، فقد كلف الله تعالى الرسول - ﷺ - وكذا أمته من بعده بقتال من رفض ذلك التوحيد وتولى عنه. قال تعالى: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فقاتلوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كل مرصد﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عليهم﴾ (٦)، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ * وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تكون فتنة ويكون الدين كله لله﴾ (٧)، وَقَالَ - ﷺ -: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ الناس حتى
_________________
(١) الأنبياء: ٢٥.
(٢) النحل: ٣٦.
(٣) الزخرف: ٤٥.
(٤) الشورى: ١٣.
(٥) التوبة: ٥.
(٦) التوبة: ٧٣، التحريم: ٩.
(٧) الأنفال: ٣٨، ٣٩.
[ ١ / ٨٧ ]
يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ ﷿) الحديث في الصحيح. وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ إِلَّا قَوْلُ الله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفوز العظيم﴾ (١) لَكَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ كَافِيَةً فِي نَعْشِ الْقُلُوبِ وَتَهْيِيجِ النُّفُوسِ وَتَشْوِيقِهَا وَحَمْلِهَا عَلَى تِلْكَ الْبَيْعَةِ الرَّابِحَةِ الَّتِي لَا خَطَرَ لَهَا وَلَا يُحَاطُ بعظم فضلها.
٣-أن توحيد الألوهية هو معنى ومضمون شهادة أن لا إله إلا الله، لأن معناها لا معبود بحق إلا الله. فالإله هو المألوه أي المعبود الذي يطاع ويتذلل إليه ويتحبب إليه وتتعلق به القلوب رغبًا ورهبًا (٢)،
فظهر بهذا أن هذه الشهادة تقتضي توحديه تعالى - اعتقادًا وقولًا وعملًا - بالألوهية، وأم معناها لا معبود بحق إلا الله، وأما تقدير خبر (لا) المحذوف بموجود
_________________
(١) التوبة: ١١.
(٢) قال في لسان العرب: الإله لله ﷿، وكل ما اتخذ من دونه معبودًا إله عند متخذه. وقال: قال أبو الهيثم: لا يكون إلهًا حتى يكون معبودًا، وحتى يكون لعابده خالقًا ورازقًا ومدبرًا، وعليه مقتدرًا، فمن لم يكن كذلك فليس بإله - أي حقيقة ولكنه إله عند متخذه حيث يعتقد فيه صفات الإله المذكورة مع خلوه منها فألوهيته باطلة - وإن عبد ظلمًا بل هو مخلوق متعبد. قال: وأصل الإله ولاه، فقلبت الواو همزة كما قالوا للوشاح إشاح وللوجاح - هو الستر - إجاح، ومعنى ولاه أن الخلق يَوْلَهُون إليه في حوائجهم، ويضرعون إليه فيما يصيبهم، ويفزعون إليه في كل ما ينوبهم كما يوله الطفل إلى أمه، وقد سمّت العرب الشمس لما عبدوها إلهة. وفي اللسان كذلك: أله يأله إلى كذا أي لجأ إليه: لأنه سبحانه المَفْزَع الذي يُلجأ إليه في كل أمر. وقال: قال ابن سِيدَه: والإلاهة والألوهية العبادة. وقال: والتألّه التنسك والتعبد..
[ ١ / ٨٨ ]
فَيُفْهَمُ مِنْهُ الِاتِّحَادُ، فَإِنَّ الْإِلَهَ هُوَ الْمَعْبُودُ، فَإِذَا قِيلَ لَا مَعْبُودَ مَوْجُودٌ إِلَّا اللَّهُ لَزِمَ مِنْهُ أَنَّ كُلَّ مَعْبُودٍ عُبِدَ بِحَقٍّ أَوْ بَاطِلٍ هُوَ اللَّهُ فَيَكُونُ مَا عَبَدَهُ الْمُشْرِكُونَ مِنَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ وَالْأَشْجَارِ وَالْأَحْجَارِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ هِيَ اللَّهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ كُلُّهُ تَوْحِيدًا، فَمَا عُبِدَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ إِلَّا اللَّهُ إِذْ هِيَ هُوَ وَهَذَا - وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ - أَعْظَمُ الْكُفْرِ وَأَقْبَحُهُ عَلَى الإطلاق، وفيه تزكية لِكُلِّ كَافِرٍ مِنْ أَنْ يَكُونَ كَافِرًا إِذْ كُلُّ مَا عَبَدَهُ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ هُوَ اللَّهُ فلم يكن عندهم مشركًا بل موحدًا، وفي ذلك إِبْطَالٌ لِرِسَالَاتِ جَمِيعِ الرُّسُلِ وَكُفْرٌ بِجَمِيعِ الْكُتُبِ وجحود لجميع الشرائع. فَإِذَا فَهِمْنَا هَذَا فَلَا يَجُوزُ تَقْدِيرُ الْخَبَرِ بموجود إِلَّا أَنْ يُنْعَتَ اسْمُ (لَا) بِحَقٍّ فَلَا بأس ويكون التقدير لا إله حقًا أو بحق موجود إلا الله - وهذا صحيح، فقد عرفنا معنى الإله الحق - فبقيد الاستحقاق ينتفي المحذور الذي ذكرنا.
٥-فَضْلُ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ:
كلمة لا إله إلا الله هي سبيل السعادة في الدارين فبالتزامها النجاة من النار وبعدم التزامها البقاء في النار، وبها تثقل الموازين وبدونها تخف الموازين وبها أخذ الله الميثاق ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون﴾ (١) ولأجلها خلقت الدنيا والآخرة والجنة والنار، لذا فقد اجتمعت لهذه الكلمة العظيمة كثير من الفضائل:
١-فهي أَعْظَمُ نِعْمَةٍ أَنْعَمَ اللَّهُ ﷿ بِهَا عَلَى عِبَادِهِ أَنْ هَدَاهُمْ إِلَيْهَا، وَلِهَذَا ذَكَرَهَا فِي سُورَةِ النَّحْلِ الَّتِي هِيَ سُورَةُ النِّعَمِ فَقَدَّمَهَا أَوَّلًا قَبْلَ كُلِّ نِعْمَةٍ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إله إلا أنا فاتقون﴾ (٢) .
_________________
(١) الزخرف: ٤٥.
(٢) النحل: ٢.
[ ١ / ٨٩ ]
٢-وهي العروة الوثقى: قال تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى لا انفصال لها﴾ (١) . قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالضَّحَّاكُ.
٣-وَهِيَ الْعَهْدُ الذي ذكره اللَّهُ ﷿ إِذْ يَقُولُ: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ (٢) . قال ابن عباس ﵄: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَالْبَرَاءَةُ مِنَ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ إِلَّا بِاللَّهِ وَأَنْ لَا يَرْجُوَ إِلَّا اللَّهَ ﷿.
٤-وَهِيَ الْحُسْنَى التي ذكرها تعالى في قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لليسرى﴾ (٣) . قَالَهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ وَالضَّحَّاكُ، وَرَوَاهُ عطية عن ابن عباس ﵄.
٥-وَهِيَ كَلِمَةُ الْحَقِّ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ ﷿ إذ يقول: ﴿إلا من شهد بالحق وهم يعلمون﴾ (٤) قاله البغوي.
٦-وهي كلمة التقوى التي ذكرها تعالى في قوله: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ (٥) رواه ابْنُ جَرِيرٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.
٧-وهي القول الثابت الذي ذكره تعالى في قوله: ﴿يثبت الله الاذين آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخرة﴾ (٦) وقد ثبت ذلك في الصحيحين عن البراء عن النبي - ﷺ -.
_________________
(١) البقرة: ٢٥٦.
(٢) مريم: ٧٨.
(٣) الليل: ٥-٧.
(٤) الزخرف: ٨٦.
(٥) الفتح: ٢٦.
(٦) إبراهيم: ٢٧.
[ ١ / ٩٠ ]
٨-وهي الكلمة الطيبة المضروبة مثلًا في قوله تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء﴾ (١) . وهو مروي عن علي بن طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، فأصلها ثابت في قلب المؤمن وفروعها الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِي السَّمَاءِ صَاعِدٌ إِلَى اللَّهِ ﷿، وكذا قال الضحاك وابن جبير وعكرمة ومجاهد وغيرهم.
٩-وهي سبب النجاة من النار، كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - سَمِعَ مُؤَذِّنًا يَقُولُ: أَشْهَدُ أن لا إله إلا الله، فقال: (خَرَجْتَ مِنَ النَّارِ) . وَفِيهِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: (مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّارَ) وفي حديث الشفاعة: (أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ من إيمان) (٢) .
١٠-وهي سبب دخول الجنة، ففي الصحيح أنه - ﷺ - قَالَ: (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، لَا يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ) .
١١-وهي أفضل ما ذكر الله به ﷿ كما يقول ﵊: (أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله) (٣) .
١٢-وهي أثقل شيء في الميزان كَمَا فِي الْمُسْنَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - إِنَّ نُوحًا ﵇ قال لابنه عند موتهه: آمرك
_________________
(١) إبراهيم: ٢٤.
(٢) حديث الشفاعة في الصحيحين وغيرهما بألفاظ متقاربة، انظر فتح الباري، ج١ ص٩١، ج١١ص٤٢٤، ج١٣ص٤٣١، شرح النووي على صحيح مسلم ج٣ ص١٧-٣٨ وانظر صحيح سنن الترمذي للألباني رقم ٢٠٩١.
(٣) حسنه الألباني في الصحيحة رقم ١٥٠٣، صحيح الجامع ١١١٣.
[ ١ / ٩١ ]
بِلَا إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ فَإِنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ لَوْ وُضِعْنَ فِي كِفَّةٍ وَوُضِعَتْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فِي كِفَّةٍ لَرَجَحَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَوْ أَنَّ السماوات السبع والأرضين السبع كن حَلْقَةٌ مُبْهَمَةٌ (١) لَفَصَمَتْهُنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (٢)
وفي الترمذي والنسائي والمسند عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ قال: سمعت رسول الهل - ﷺ - يَقُولُ: (إِنَّ اللَّهَ سَيُخَلِّصُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًّا كُلُّ سِجِلٍّ مِثْلُ مَدِّ الْبَصَرِ ثُمَّ يَقُولُ: أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا، أَظْلَمَكَ كَتَبَتِي الْحَافِظُونَ؟ فيقول: لا يارب. فيقول: أفلك عذر؟ فيقول: لا يارب. فَيَقُولُ: بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً، وَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ، فَيُخْرِجُ بِطَاقَةً فِيهَا أشهد أن لا إله اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولُ: احضر وزنك، فيقول: يارب مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ؟ فَقَالَ: فإنك لا تظلم، قال: فتوضع السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَتِ الْبِطَاقَةُ وَلَا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ الله تعالى شيء) (٣) .
١٣-ويكفي في فضلها إِخْبَارُ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهَا على جَمِيعِ شُعَبِ الْإِيمَانِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عن الطريق) وهذا لفظ مسلم. فمن قال هذه الكلمة عالمًا ومتيقنًا معناها وعاملًا بِمُقْتَضَاهَا عَلَى وَفْقِ مَا عَلِمَهُ مِنْهَا وَتَيَقَّنَهُ في
_________________
(١) أي مغلقة. لسان العرب ص٣٧٦.
(٢) سنده صحيح. قاله الألباني في الصحيحة رقم ١٣٤، ولم أذكر حديث: (يا موسى لو أن السموات السبع وعامرهن غيري ) الحديث، لضعف سنده. انظر شرح السنة للبغوي بتحقيق الشاويش والأرناؤوط رقم ١٢٧٣.
(٣) صحيح الجامع الصغير ١٧٧٢.
[ ١ / ٩٢ ]
١-العلم
٢-اليقين
القول والعمل - قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح - ومات على ذلك دخل الجنة.
٦-شروط (لا إله إلا الله) التي لا ينتفع قائلها إلا باستكمالها:
١-الْعِلْمُ: بِمَعْنَاهَا الْمُرَادِ مِنْهَا نَفْيًا وَإِثْبَاتًا الْمُنَافِي لِلْجَهْلِ بِذَلِكَ.
قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿فَاعْلَمْ أنه لا إله إلا الله﴾ (١)، وقال تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٢) أي من شهد بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ بِقُلُوبِهِمْ معنى ما نطقوا به بألسنتهم.
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عُثْمَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إله إلا الله دخل الجنة) .
٢-اليقين: المنافي للشك وذلك بِأَنْ يَكُونَ قَائِلُهَا مُسْتَيْقِنًا بِمَدْلُولِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ يقينًا جازمًا.
قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصادقون﴾ (٣) فَاشْتَرَطَ فِي صِدْقِ إِيمَانِهِمْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ كَوْنَهُمْ لَمْ يَرْتَابُوا، أَيْ لَمْ يَشُكُّوا، فَأَمَّا الْمُرْتَابُ فهو من المنافقين - والعياذ بالله - الذي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فهم في ريبهم يترددون﴾ (٤) . وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - بَعَثَهُ بِنَعْلَيْهِ فَقَالَ: (مَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ فبشره الجنة..) فَاشْتَرَطَ فِي دُخُولِ قَائِلِهَا الْجَنَّةَ أَنْ يَكُونَ مستيقنًا بها قلبه غير شاك فيها.
_________________
(١) محمد - ﷺ -: ١٩.
(٢) الزخرف: ٨٦.
(٣) الحجرات: ١٥.
(٤) التوبة: ٤٥.
[ ١ / ٩٣ ]
٣-القبول
٤-الانقياد
٣-القبول: - المنافي للرد- لما اقتضته هذه الكلمة بقلبه ولسانه.
فالمشركون لم ينفوا ما نفته هذه الكلمة وَلَمْ يُثْبِتُوا مَا أَثْبَتَتْهُ بَلْ قَالُوا إِنْكَارًا وَاسْتِكْبَارًا ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لشيء عجاب﴾ (١)، وقال تعالى فيهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لشاعر مجنون﴾ (٢) .
٤-الانقياد: - لما دلت عليه هذه الكلمة - المنافي للترك.
قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وأسلموا له﴾ (٣)، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وجهه لله وهو محسن﴾ (٤)، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾ - أَيْ بِلَا إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ - ﴿وَإِلَى اللَّهِ عاقبة الأمور﴾ (٥) ومعنى يسلم وجهه إلى الله وهو محسن ينقاد وهو محسن موحد (٦) . وتمام الانقياد وغايته ومعناه تقديم محاب الله وإن خالفت الهوى وبغض ما يبغضه الله وإن مال إليه الهوى.
-الصِّدْقُ: فِيهَا الْمُنَافِي لِلْكَذِبِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَهَا صدقًا من قلبه يواطيء قلبه لسانه (٧) .
_________________
(١) ص: ٥
(٢) الصافات: ٣٥، ٣٦.
(٣) أي الاستسلام التام بالقلب واللسان والجوارح. والآية في سورة الزمر: ٥٤.
(٤) النساء: ١٢٥.
(٥) لقمان: ٢٢.
(٦) وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النِّسَاءِ: ٦٥]، وهذا تمام الانقياد حين يجتمع الانقياد بالعمل مع الانقياد بالقلب ويكون هوى العبد تبعًا لشرع الله ﷿.
(٧) أما اليقين فمعناه استيقان أنها حق، وقد يستيقن ذلك ولكن لا يريده ولا يحبه كما ذكر الله عن المشركين ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم﴾ [النمل: ١٤]، وقد يقولها مع استيقان القلب بها لكن ليس صادقًا في إرادتها ورغبته الذاتية في قولها بل قد يقولها لدافع آخر دون الرغبة في أن يدين بها ويضحي من أجلها ويعمل لها، فالصدق منافٍ للكذب، واليقين منافٍ للشك، وقد يقول رجل كلمة الشهادة برغبته صادقًا في إرادة قولها لكن في قلبه شك منها، فلزم التنبيه على اكتمال جميع هذه المعاني الدقيقة في القلب.
[ ١ / ٩٤ ]
٦-الإخلاص
قال تعالى: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الكاذبين﴾ (١)، وَقَالَ تَعَالَى فِي شَأْنِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ قَالُوهَا كَذِبًا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ واليوم الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمنوا وما يخدعون إلا أنفهسم وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (٢) .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: (مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ) . فَاشْتَرَطَ فِي إِنْجَاءِ مَنْ قَالَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ مِنَ النَّارِ أَنْ يَقُولَهَا صِدْقًا مِنْ قلبه فلا ينفعه مجرد التلفظ بدون مواطأة القلب.
٦-الْإِخْلَاصُ: وَهُوَ تَصْفِيَةُ الْعَمَلِ بِصَالِحِ النِّيَّةِ عَنْ جميع شوائب الشرك، ولا يكون له من وراء الشهادتين غرض آخر غير قصده لربه، فتارك الإخلاص لم يستكمل شروط لا إله إلا الله ولو كان منقادًا صادقًا مستيقنًا.
قال تعالى: ﴿ألا لله الدين الخالص﴾ (٣)، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدين حنفاء﴾ (٤) . وفي الصحيح عن عتبان بن مالك
_________________
(١) العنكبوت: ١-٣.
(٢) البقرة: ٨-١٠.
(٣) الزمر: ٣.
(٤) البينة: ٥.
[ ١ / ٩٥ ]
٧-المحبة
﵁ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يبتغي بذلك وجه الله ﷿) .
٧-الْمَحَبَّةُ: لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ، وَلِمَا اقْتَضَتْهُ وَدَلَّتْ عَلَيْهِ، وَلِأَهْلِهَا الْعَامِلِينَ بِهَا الْمُلْتَزِمِينَ لِشُرُوطِهَا، وَبُغْضٍ مَا نَاقَضَ ذَلِكَ. قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لله﴾ (١) . فأخبر اللَّهُ ﷿ أَنَّ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ أَشَدُّ حُبًّا لَهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُشْرِكُوا مَعَهُ فِي مَحَبَّتِهِ أَحَدًا كَمَا فَعَلَ مُدَّعُو مَحَبَّتِهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَنْدَادًا يحبونهم كحبه.
*علامات محبة العبد لربه:
ومحبة العبد لربه لها علامات تعتبر شروطًا في المحبة لا يتصور وجودها مع عدم [وجود] شرط منها، وأظهرها:
١-تقديم محابِّ الله وإن خالفت هواه وبغض ما يبغضه ربه وإن مال إليه هواه. قَالَ تَعَالَى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أفأنت تكون عليه وكيلا﴾ (٢)، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وأضله الله على
_________________
(١) البقرة: ١٦٥، وهذه الآية لها تفسيران، الأول: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي غيره * أي غيره ﴿أندادًا يحبونهم كحب الله﴾ أي كالحب الذي ينبغي أن لا يكون إلا لله ﴿والذين آمنوا أشد حبًا لله﴾ أي من حب المشركين لآلهتهم، وذلك أن الحب الذي لا يكون إلا لله درجات. الثاني: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي غيره معه، فيصير المراد: ومن الناس من يتخذ مع الله ﴿أندادًا يحبونهم كحب الله﴾ أي يحبون شركاءهم كحبهم لله ﴿والذين آمنوا أشد = = حبًا لله﴾ أي من حب المشركين له. وذلك لأن حب المؤمنين لم ينقسم بين شريكين فحبهم كله لله وحده. انظر فتح المجيد ص٣٩٥، ٣٩٦ - دار الحديث.
(٢) الفرقان: ٤٣.
[ ١ / ٩٦ ]
عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ ﴾ (١)، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قال: (ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يكره أن يقذف في النار)، وَفِيهِمَا عَنْهُ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قال: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين) .
٢-موالاة من والى الله ورسوله - ﷺ -، ومعاداة من عادى الله ورسوله - ﷺ -. قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاء مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حتى تؤمنوا بالله وحده..﴾ (٢)، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ (٣) . وقال تعالى: ﴿يأيها الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ منهم ﴾ (٤)، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ على الإيمان ومن ييتولهم منكم فأولئك هم الظالمون﴾ (٥)، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم
_________________
(١) الجاثية: ٢٣.
(٢) الممتحنة: ٤.
(٣) المجادلة: ٢٢.
(٤) المائدة: ٥١
(٥) التوبة: ٢٣.
[ ١ / ٩٧ ]
من الحق..﴾ (١)، وسبق في حديث (ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الإيمان): (وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ)، وقال - ﷺ -: (أَوْثَقُ عُرَى الْإِيمَانِ الحب في الله والبغض في الله) (٢)، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: مَنْ أَحَبَّ فِي اللَّهِ وَأَبْغَضَ فِي اللَّهِ، وَوَالَى فِي اللَّهِ وَعَادَى فِي اللَّهِ، فَإِنَّمَا تُنال وِلَايَةُ اللَّهِ بِذَلِكَ، وَقَدْ أَصْبَحَ غَالِبُ مُؤَاخَاةِ النَّاسِ الْيَوْمَ عَلَى أَمْرِ الدُّنْيَا وَذَلِكَ لَا يجدي على أهل شيئًا.
٣-إتباع الرسول - ﷺ - وَاقْتِفَاءُ أَثَرِهِ وَقَبُولُ هداه.
قال تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ الله لا يحب الكافرين﴾ (٣) .
قال الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ السَّلَفِ: ادَّعَى قَوْمٌ مَحَبَّةَ اللَّهِ ﷿ فَابْتَلَاهُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ الله لا يحب الكافرين﴾ .
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى) قالوا: يا رسول الله، ومنت يَأْبَى؟ قَالَ: (مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ عصاني فقد أبى) رواه البخاري.
٧-بيان إِنَّ شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تتضمن أو لا تتم إِلَّا بِشَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -:
وذلك أنه إذا عُلِم أَنَّهُ لَا تَتِمُّ مَحَبَّةُ اللَّهِ ﷿ التي هي من شروط الشهادة
_________________
(١) الممتحنة: ١.
(٢) حديث حسن: انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ١٧٢٨.
(٣) آل عمران: ٣١، ٣٢.
[ ١ / ٩٨ ]
إِلَّا بِمَحَبَّةِ مَا يُحِبُّهُ وَكَرَاهَةِ مَا يَكْرَهُهُ فَلَا طَرِيقَ إِلَى مَعْرِفَةِ مَا يُحِبُّهُ تَعَالَى وَيَرْضَاهُ وَمَا يَكْرَهُهُ وَيَأْبَاهُ إِلَّا بِاتِّبَاعِ مَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَاجْتِنَابِ مَا نَهَى عَنْهُ فَصَارَتْ مَحَبَّتُهُ مستلزمة لمحبة الرسول - ﷺ - وتصديقه ومتابعته، ولهذا قرن محبته بمحبة الرسول - ﷺ - فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ ﷿: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يهدي القوم الفاسقين﴾ (١) .
٨-بيان أنه لا تناقض بين أحاديث أن الشهادتين سبب لدخول الجنة، وأحاديث الوعيد بالنار أو تحريم الجنة على من فعل بعض الذنوب، ونحو ذلك من أحاديث الوعد والوعيد:
ذكر ابن رجب ﵀ أن أظهر الأقوال في ذلك (٢) أن المراد من الأحاديث الدالة على أن الشهادتين تدخل صاحبهما الجنة (٣) وأن (من صلى البردين دخل الجنة) (٤) ونحو ذلك أن هذه الأعمال سبب لدخول الجنة ومقتضٍ لذلك، وكذا أحاديث الوعيد، التي مضمونها أن من فعل كذا من الأفعال دخل النار أو لم يدخل الجنة، فالمراد أن ذلك سبب مقتضٍ لدخول
_________________
(١) التوبة: ٢٤.
(٢) وكذا اختاره ابن تيمية ﵀ في أكثر من موضع في الفتاوى منها على سبيل المثال ج ٦ ص:٤٢٦-٤٢٨.
(٣) سبق ذكر بعضها في الكلام على شروط لا إله إلا الله، وفي صحيح الجامع رقم ٦٣١٠: (مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، نَفَعَتْهُ يومًا من دهره، يصيبه قبل ذلك ما أصابه) . وقد أورده الشيخ ﵀ في معارج القبول.
(٤) رواه البخاري في مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة الفجر، ومسلم في المساجد، باب فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما، انظر الفتح ج٢ حديث ٥٧٤، شرح النووي على صحيح مسلم ج٥ ص: ١٣٥.
[ ١ / ٩٩ ]
النار، وَلَكِنَّ الْمُقْتَضِي لَا يَعْمَلُ عَمَلَهُ إِلَّا بِاسْتِجْمَاعِ شُرُوطِهِ وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهِ، فَقَدْ يَتَخَلَّفُ عَنْهُ مُقْتَضَاهُ لِفَوَاتِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِهِ أَوْ لِوُجُودِ مَانِعٍ، وهذا قول الحسن ووهب بن منبه.
وقد ذكرنا فيما مضى بالأدلة أن لا إله إلا الله لها شروط لا تصح إلا بها وإنما ينتفع قائلها باستكمالها، وقد يذكر الرسول - ﷺ - مرة هذا الشرط ومرة أخرى يذكر ذلك الشرط، ومرة يذكر الوعد بالجنة دون الإشارة إلى تلك الشروط فتكون هذه نصوصًا مطلقة لها ما يقيدها في الأحاديث الأخرى، ولذلك لما تخلفت هذه الشروط عن قول المنافقين: لا إله إلا الله لم تنفعهم هذه الكلمة (١)، وكذلك الأعمال التي وعد عليها الرسول - ﷺ - بالجنة مقيدة بأشياء منها ترك الشرك وأعمال الكفر، فقد قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ (٢)، ولذلك لم ينتفع المنافقون بصلاة البردين، فظهر أن المراد أن هذه الأعمال الممدوحة من الأعمال المؤدية لدخول الجنة مع وجود الشروط وانتفاء الموانع، وقد قال وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ لِمَنْ سَأَلَهُ: أَلَيْسَ مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ مَا مِنْ مِفْتَاحٍ إِلَّا لَهُ أَسْنَانٌ، فَإِنْ أَتَيْتَ بِمِفْتَاحٍ لَهُ أَسْنَانٌ فُتِحَ لَكَ وإلا لم يفتح لك (٣) . وقال الحسن للفرزدق وهو يدفن امرأته: ماذا أَعْدَدْتَ لِهَذَا الْيَوْمِ؟ قَالَ: شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُنْذُ سَبْعِينَ سَنَةً. قَالَ الْحَسَنُ: نِعْمَ الْعُدَّةُ لَكِنْ لِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ شُرُوطًا فَإِيَّاكَ وَقَذْفَ الْمُحْصَنَاتِ. وَقِيلَ لِلْحَسَنِ: إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ: مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ. فَقَالَ: مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَأَدَّى حَقَّهَا وَفَرْضَهَا دخل الجنة.
وقد اشترط رسول الله - ﷺ - في أحاديث كثيرة أعمالًا أخرى غير الشهادتين
_________________
(١) قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النار﴾ [النساء: ١٤٥] .
(٢) الزمر: ٦٥.
(٣) ذكره البخاري في صحيحه. في أول الجنائز، وانظر فتح الباري ج٣ ص: ١٣١.
[ ١ / ١٠٠ ]
لدخول الجنة كقوله - ﷺ - في الصحيحين لمن سأله عن عمل يدخله الجنة: (تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمُ الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم) والرسول - ﷺ - لا يتناقض كلامه، فدل هذا على أن الأحاديث التي وعد فيها بالجنة على عمل واحد من الأعمال أو أكثر فالمراد أن هذه الأعمال أسباب لدخول الجنة: (تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمُ الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم) والرسول - ﷺ - لا يتناقض كلامه، فدل هذا على أن الأحاديث التي وعد فيها بالجنة على عمل واحد من الأعمال أو أكثر فالمراد أن هذه الأعمال أسباب لدخول الجنة مع وجود شروطها وانتفاء موانعها، فمثل هذه النصوص المطلقة ينبغي أن تقيد بما ذكر من زيادات في أحاديث أخر، ففي بعض أحاديث الوعد بالجنة على كلمة لا إله إلا الله (مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ الله..) وفي بعضها (مستيقنًا)، وفي هذا وغيره مما ذكرنا سابقًا إشارة إلى العمل بمقتضيات تلك الشهادة وضرورة تحقق القلب بمعناها، وذلك أن لا يأله العبد غير الهه حُبًّا وَرَجَاءً وَخَوْفًا وَطَمَعًا وَتَوَكُّلًا وَاسْتِعَانَةً وَخُضُوعًا وَإِنَابَةً وَطَلَبًا، وَتَحَقُّقُهُ بِشَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ لَا يعبد الله بِغَيْرِ مَا شَرَعَهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -.
فالمراد إذًا من قول: لا إله إلا الله الإتيان بهذه الكلمة بمقتضياتها وإلا كانت عبثًا، ومن قال هذه الكلمة العظيمة ملتزمًا بما تضمنته فلا شك أنه ممن يستحق الوعد بالجنة، وبيان ذلك أَنَّ قَوْلَ الْعَبْدِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يقتضي أن لا إله غيره، والإله هو الذي يطاع هَيْبَةً وَإِجْلَالًا وَمَحَبَّةً وَخَوْفًا وَرَجَاءً وَتَوَكُّلًا عَلَيْهِ وَسُؤَالًا مِنْهُ وَدُعَاءً لَهُ، وَلَا يَصْلُحُ ذَلِكَ كله لغير الله ﷿، ولا شك أَنَّ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ بمعناها هذا عاملًا به يدخل الجنة دون عقاب، وأما من أخل بشيء من مقتضياتها فإنه ينتقص من توحيده بقدر ما أخل به، وقد ينتقض توحيده بالكلية كما لو أشرك مع الله غيره في عبادة من العبادات فهذا عقوبته النار خالدًا فيها إن لم يتب، وقد يكون ما أخل به قادحًا في تمام التوحيد فيعذب بقدر ما أخل به قبل أن يدخل الجنة، وكل ما يأتي به العبد من أمور تخالف مقتضيات كلمة الشهادة فهو قدح في إخلاصه في قول لا إله إلا الله ونقص في توحيده، ويكون فيه من العبودية لغير الله بحسب ما تلبس به من تلك الأمور المخالفة لمقتضيات الشهادة وهذا كله من فروع الشرك.
[ ١ / ١٠١ ]
وكذلك اتِّبَاعُ هَوَى النَّفْسِ فِيمَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ قَادِحٌ فِي تَمَامِ التَّوْحِيدِ وَكَمَالِهِ، وَلِهَذَا أَطْلَقَ الشرع على كثير من الذنوب التي منشؤها هوى النفس أنها كفر وشرك، وكذا وَرَدَ إِطْلَاقُ الْإِلَهِ عَلَى الْهَوَى الْمُتَّبَعِ، قَالَ تعالى: ﴿أرأيت من اتخذ إلهه هواه﴾ (١) قال الحسن: هُوَ الَّذِي كُلَّمَا هَوِيَ شَيْئًا رَكِبَهَ، وَكُلَّمَا اشْتَهَى شَيْئًا أَتَاهُ، لَا يَحْجِزُهُ عَنْ ذَلِكَ ورع. ويشهد لهذا الحديث الصحيح: (تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الْقَطِيفَةِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ) (٢) فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ مَنْ أَحَبَّ شَيْئًا وَأَطَاعَهُ وَكَانَ مِنْ غاية مقصوده وَمَطْلُوبِهِ وَوَالَى لِأَجْلِهِ وَعَادَى لِأَجْلِهِ فَهُوَ عَبْدُهُ وكان ذلك الشيء معبوده وإلهه، وكان ذلك -بحسب قدره- إما منافيًا بالكلية لشهادة أن لا إله إلا الله، وإما قادحًا ومنافيًا لكمالها وتمامها، وفي الحالة الأولى لا يستحق صاحب تلك العبادة الباطلة ما جاء في أحاديث الوعد على الشهادتين لأنه لم يحققهما، وفي الحالة الثانية لا يستحق دخول الجنة دون سابقة عذاب، ومثله إنما يدخل الجنة بالشهادتين بعدما يطهره الله من ذنوبه في النار إن لم يغفر له. ويدل على ما ذكرنا أَيْضًا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى طَاعَةَ الشَّيْطَانِ في معصية الله عبادة للشيطان فقال تعالى: ﴿ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين﴾ (٣)، ولا يكون مخلصًا في قول لا إله إلا الله مخلصًا عبوديته للرحمن إلا من خلص من عبادة الشيطان وهم الذين قال الله فِيهِمْ: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ (٤)
فهم
_________________
(١) الفرقان: ٤٣.
(٢) رواه البخاري. في الجهاد والسير، باب فضل الحراسة في الغزو في سبيل الله، انظر فتح الباري ج٦ ص: ٩٥، رواه ابن ماجه، انظر صحيح سن ابن ماجه رقم ٣٣٣٦ وفيهما: (تعس عبد الدينار وعبد الدرهم) .
(٣) يس: ٦٠.
(٤) الحجر: ٤٢، الإسراء: ٦٥..
[ ١ / ١٠٢ ]
الذين حققوا قول لا غله إلا الله وأخلصوا في قَوْلَهُمْ بِفِعْلِهِمْ فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى غَيْرِ اللَّهِ مَحَبَّةً وَرَجَاءً وَخَشْيَةً وَطَاعَةً وَتَوَكُّلًا، وَهُمُ الَّذِينَ صَدَقُوا فِي قَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَهُمْ عِبَادُ اللَّهِ حَقًّا، فَأَمَّا مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ بِلِسَانِهِ ثُمَّ أَطَاعَ الشَّيْطَانَ وَهَوَاهُ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَمُخَالَفَتِهِ فَقَدْ كَذَّبَ قَوْلَهُ فِعْلُهُ وَنَقَصَ مِنْ كَمَالِ تَوْحِيدِهِ بقدر معصيته لله، ومما يشهد لذلك أيضًا أن من أخل بشيء من حقوق لا إله إلا الله في الدنيا لا ترتفع عنه العقوبة لمجرد تلفظه بالشهادتين، فكذا عقوبة الآخرة، وبيان ذلك أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - (١)، فَفَهِمَ عُمَرُ وجماعة من الصحابة - ﵃ جميعًا - أن من أتى بالشهادتين امْتَنَعَ مِنْ عُقُوبَةِ الدُّنْيَا بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ، فَتَوَقَّفُوا فِي قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ، وَفَهِمَ الصِّدِّيقُ ﵁، أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ قِتَالُهُ إِلَّا بِأَدَاءِ حُقُوقِهَا لِقَوْلِهِ - ﷺ - في نفس الحديث السابق: (فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلا بحقها، وحسابهم على الله) ولذا رأى قتال مانعي الزكاة، وهذا الذي فهمه الصديق ثبت عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ؛ (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله - ﷺ - وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ..) (٢)،
وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ قوله تعالى: ﴿فإن تابوا وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾ (٣)، فمن
_________________
(١) رواه البخاري في استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، ومسلم في كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ محمد رسول الله، انظر الفتح ج١٢ ص: ٨٨٢، شرح النووي ج١ ص: ٢٠١-٢١١.
(٢) رواه البخاري قي الإيمان، باب ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سبيلهم﴾، ومسلم في كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ محمد رسول الله، انظر الفتح ج١ص: ٩٤، ٩٥، شرح النووي ج ١ص: ٢١٢..
(٣) التوبة: ٥.
[ ١ / ١٠٣ ]
مقتضيات الشهادتين ومن حقوق التوحيد أداء الفرائض، وَلَمَّا قَرَّرَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ هذا للصحابة رجعوا إلى قوله ورأوا صَوَابًا، فَإِذَا عُلِمَ أَنَّ عُقُوبَةَ الدُّنْيَا لَا تَرْتَفِعُ عَمَّنْ أَدَّى الشَّهَادَتَيْنِ مُطْلَقًا بَلْ يُعَاقَبُ إذا أخل بِحَقٍّ مِنْ حُقُوقِ الْإِسْلَامِ فَكَذَلِكَ عُقُوبَةُ الْآخِرَةِ، فالذي شرع عقوبة الدنيا هو الذي سيعاقب في الآخرة ﷾.
وختامًا لهذا الموضوع نحب أن نثبت بالإضافة إلى ما سبق بقة الأقوال في أحاديث الوعد والوعيد، وملخص الأقوال في هذا الأمر أن أحاديث الوعد إما أن تكون وعدًا بالجنة أو تحريمًا على النار، وكذلك أحاديث الوعيد إما أن تكون وعيدًا بالنار أو تحريمًا على الجنة وفيما يلي بيان كل من هذه الأقسام بما يحصل به الجمع بين الأحاديث:
أولًا: أحاديث الوعد: (أي الوعد بالجنة لمن أتى بالشهادتين أو فعل بعض الطاعات، أو تحريم النار عليه) .
أ-أحاديث الوعد بالجنة:
-وهذه تحمل على أن المراد أن يدخلها إذا فعل الأمر الممدوح المذكور في الحديث بعد أن يطهر من ذنوبه في النار.
ب-أحاديث التحريم على النار:
-وهذه تحمل على أن المراد تحريمه عليها بعد خروجه منها بعد تطهيره من الذنوب الأخرى أو بالشفاعة ثم اغتساله في نهر الحياة ودخوله الجنة فحينئذ يحرم على النار فلا تمسه أبدًا.
-أو أن المراد تحريمه عَلَى النَّارِ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ الَّتِي لَا يخرج منها من دخلها وهي ماعدا الطبقة العليا من النار التي يدخلها عصاة الموحدين ممن شاء الله عقابه وتطهيره بها على قدر ذنبه.
[ ١ / ١٠٤ ]
-وأجاب بعض العلماء عن أحاديث الوعد عامة بأجوبة أخرى غير هذه منها أن هذه الأحاديث كانت قبل نزول الفرائض واستكمال الدين في حق من مات قبل هذه الفرائض فجعلها البعض منسوخة بالأحاديث الأخرى وجعلها البعض محكمة لكن ضمت إليها شرائط، وهذا راجع إلى الخلاف المشهور بين الأصوليين هل زيادة النص نسخ أم لا، وقد يزول الخلاف إذا التفتنا إلى أن بعض المتقدمين كانوا يسمون الإيضاح والبيان نسخًا. وهذا بعيد لصدور بعض أحاديث الوعد في وقت متأخر من حياته - ﷺ -.
ثانيًا: أحاديث الوعيد: (أي الوعيد بالنار أو تحريم الجنة على من فعل بعض الذنوب):
أ-أحاديث الوعيد بالنار:
-إما أن يقال إن المراد أن العبد يعذب فيها بقدر ذنبه ثم يدخل الجنة.
-أو يقال أن المقصود بالوعيد من استحل الذنب أو المعصية فهو مستحل للخلود في النار بكفره إن لم يتب، وكذا كل من كان فعله كفرًا مخرجًا من الملة.
ب-أحاديث التحريم على الجنة:
-وهذه يجاب عنها بأنها جنات كَثِيرَةٌ كَمَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَيَكُونُ فَاعِلُ هَذَا الذَّنْبِ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ التي أعدت لمن لم يرتكبه، فأهل الجنة متفاوتون في درجاتهم ومنازلهم.
-كما يجب أن يجاب بأن أهل الجنة متفاوتون في السبق في دخولها فَيَكُونُ فَاعِلُ هَذَا الذَّنْبِ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ في الوقت الذي يدخل فيه من لم يرتكب هذا الذنب.
[ ١ / ١٠٥ ]
-أو يكون تحريمها على من استحل ذلك الذنب.
ومع كل ما سبق فإن الوعد المذكور في الأحاديث لا يلزم إلا بموت الموعود على ذلك العمل الصالح، وكذلك الوعيد لا يلحق صاحبه إذا تاب قبل موته (١) .
٩
-تعريف العبادة (٢)، وشروطها، وبيان أَنْوَاعِهَا وَأَنَّ مَنْ صَرَفَ مِنْهَا شَيْئًا لِغَيْرِ الله فقد أشرك:
أ-تعريف العبادة:
-العبد إِنْ أُرِيدَ بِهِ الْمُعَبَّدُ أَيِ الْمُذَلَّلُ الْمُسَخَّرُ دخل فيه جميع المخلوقات، فالكل مَخْلُوقٌ لِلَّهِ ﷿ مُسَخَّرٌ بِتَسْخِيرِهِ مُدَبَّرٌ بِتَدْبِيرِهِ، وَلِكُلٍّ مِنْهَا رَسْمٌ يَقِفُ عَلَيْهِ وَحَدٌّ يَنْتَهِي إِلَيْهِ ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تدرك القمر ولا الليل سابق النهار﴾ (٣) كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى لَا يَتَجَاوَزُهُ مِثْقَالَ ذرة ﴿إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدًا / إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدًا﴾ (٤)، فذلك تَقْدِيرُ الْعَلِيمِ وَتَدْبِيرُ الْعَدْلِ الْحَكِيمِ.
-وَإِنْ أُرِيدَ به العابد خص ذلك بالمؤمنين كما في قوله تَعَالَى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هونًا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا﴾ (٥) .
_________________
(١) ونذكر مرة أخرى بالقول الجامع في ذلك الذي بدأنا به هذا الموضوع وهو أن ما في هذه الأحاديث من وعد أو وعيد فإنه مقيد باستجماع شروطه وانتفاء موانعه والله تعالى أعلم.
(٢) سبق الإشارة إلى ذلك باختصار في المقدمة.
(٣) يس: ٤٠.
(٤) مريم: ٩٣.
(٥) الفرقان: ٦٣.
[ ١ / ١٠٦ ]
-وأما العبادة فهي اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ تَعَالَى ويرضاه مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، فَالظَّاهِرَةُ كَالتَّلَفُّظِ بالشهادتين وإقامة الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَإِغَاثَةِ الْمَلْهُوفِ وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ وَتَعْلِيمِ النَّاسِ الْخَيْرَ والدعوة إلى الله ﷿ والمباحات مع تحسين النية فيها ومتابعة السنة، وَالْبَاطِنَةُ كَالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ وَخَشْيَةِ اللَّهِ وَخَوْفِهِ ورجائه والتوكل عليه والرغبة إِلَيْهِ وَالِاسْتِعَانَةِ بِهِ وَالْحُبِّ وَالْبُغْضِ فِي اللَّهِ والموالاة والمعاداة فيه وغير ذلك.
هذا من حيث أفراد العبادة وأنواعها أما من حيث مناطها الذي تدور حوله ولا تصح إلا به فهي كمال الحب ونهايته وكمال الذل له تعالى ونهايته، وَلَا تَنْفَعُ عِبَادَةٌ بِوَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، وَلِذَا قَالَ مَنْ قَالَ مِنَ السَّلَفِ: مَنْ عَبَدَ اللَّهَ بِالْحُبِّ وَحْدَهُ فَهُوَ زِنْدِيقٌ، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجيء، وَمَنْ عَبَدَهُ بِالْخَوْفِ وَحْدَهُ فَهُوَ حَرُورِيُّ (١) وَمَنْ عَبَدَهُ بِالْحُبِّ وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ مُوَحِّدٌ.
وبيان ذلك أَنَّ دَعْوَى الْحُبِّ لِلَّهِ بِلَا تَذَلُّلٍ وَلَا خَوْفٍ وَلَا رَجَاءٍ وَلَا خَشْيَةٍ وَلَا رَهْبَةٍ ولا خضوع دعوى كاذبة، ولذا نرى مَنْ يَدَّعِي ذَلِكَ كَثِيرًا مَا يَقَعُ فِي مَعَاصِي اللَّهِ ﷿ وَيَرْتَكِبُهَا وَلَا يُبَالِي ويحتج بِالْإِرَادَةِ الْكَوْنِيَّةِ وَأَنَّهُ مُطِيعٌ لَهَا وَهَذَا شَأْنُ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَالُوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ولا آباؤنا﴾ (٢) وإمامهم في ذلك إبليس إذ قال: ﴿رب بما أغويتني﴾ (٣)، وَإِنَّمَا الْمَحَبَّةُ نَفْسُ وِفَاقِ الْعَبْدِ رَبَّهُ فَيُحِبُّ مَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ وَيُبْغِضُ مَا يَكْرَهُهُ وَيَأْبَاهُ، وَإِنَّمَا تَتَلَقَّى مَعْرِفَةُ مَحَابِّ اللَّهِ وَمَعَاصِيهِ مِنْ طريق الشرع وإنما تحصل بمتابعة الشارع ﴿قل
_________________
(١) الحَرُورِية هم الخوارج نسبة إلى حَرُوراء انظر ص: ٣٨٢.
(٢) الأنعام: ١٤٨.
(٣) الحجر: ٣٩.
[ ١ / ١٠٧ ]
إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (١) فمن ادعى محبة الله ولم يكن متبعًا رسوله - ﷺ - فهو كاذب، وقال الشافعي ﵀: إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَمْشِي عَلَى الْمَاءِ أَوْ يَطِيرُ فِي الْهَوَاءِ فَلَا تُصَدِّقُوهُ حَتَّى تَعْلَمُوا مُتَابَعَتَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -.
وَكَذَلِكَ الرَّجَاءُ وَحْدَهُ إِذَا اسْتَرْسَلَ فِيهِ الْعَبْدُ تَجَرَّأَ عَلَى مَعَاصِي اللَّهِ وَأَمِنَ مَكْرَ اللَّهِ، وقد قال تَعَالَى: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الخاسرون﴾ (٢)
وَكَذَلِكَ الْخَوْفُ وَحْدَهُ إِذَا اسْتَرْسَلَ فِيهِ الْعَبْدُ سَاءَ ظَنُّهُ بِرَبِّهِ وَقَنَطَ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَئِسَ من روحه وقد قال الله تعالى: ﴿إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾ (٣)، وَقَالَ: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضالون﴾ (٤) .
فَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ خُسْرَانٌ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْحِهِ كُفْرَانٌ، وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ضَلَالٌ وَطُغْيَانٌ، وَعِبَادَةُ اللَّهِ ﷿ بِالْحُبِّ وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ تَوْحِيدٌ وَإِيمَانٌ، فَالْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عذابه﴾ (٥)، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ ساجدًا وقائمًا يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه﴾ (٦) وَبَيَّنَ الرَّغْبَةَ وَالرَّهْبَةَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي آل زكريا: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا ورهبًا وكانوا لنا خاشعين﴾ (٧)
فَتَارَةً يَمُدُّهُ الرَّجَاءُ وَالرَّغْبَةُ، فَيَكَادُ أَنْ يَطِيرَ شَوْقًا إِلَى اللَّهِ، وَطَوْرًا يَقْبِضُهُ الْخَوْفُ وَالرَّهْبَةُ فَيَكَادُ أَنْ يَذُوبَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَهُوَ دَائِبٌ فِي طَلَبِ مَرْضَاةِ رَبِّهِ مُقْبِلٌ عَلَيْهِ خَائِفٌ مِنْ عُقُوبَاتِهِ مُلْتَجِئٌ مِنْهُ إِلَيْهِ، عائذ به راغب فيما لديه (٨) .
_________________
(١) آل عمران: ٣١.
(٢) الأعراف: ٩٩.
(٣) يوسف: ٨٧.
(٤) الحجر: ٥٦.
(٥) الإسراء: ٥٧.
(٦) الزمر: ٩.
(٧) الأنبياء: ٩٠.
(٨) قد يكون الحب والخوف حبًا فطريًا وخوفًا فطريًا لا عبادة فيهما، فالمحبة التي ليست مَعَهَا خَوْفٌ وَلَا تَذَلُّلٌ كَمَحَبَّةِ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ وَالْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْوَلَدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ لَيْسَتْ بِعِبَادَةٍ ولكن إذا اقتضى ذلك تقديم مرادات المحبوب ومطالبه على مرادات الله كان في ذلك عبودية لها تنقص في توحيد العبد بقدرها كما قَالَ تَعَالَى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان: ٤٣]، فهو الذي لا يهوى شيئًا إلا ركبه مهما خالف مراد الله، وكذا قوله - ﷺ - في الصحيح: (تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم ) وهو من استرق المال قلبه وأصبح رضاه وسخطه من أجله، وكذلك الخوف بدون محبة كالخوف الفطري من الوحوش والحريق والعدو والغرق وغير ذلك فليس بعبادة لكن إذا وصل الأمر إلى حد الخشية بالغيب والنكوص عن الدين بسبب ذلك الخوف فذلك خوف كفري لا فطري. كما قال تعالى عن الذين نكصوا عن الدين وشر حوا بالكفر صدرًا: ﴿ذلك بأنهم استحبوا الحياة = =الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين﴾ [النحل: ١٠٧]، فخوفهم على دنياهم وحبهم لها ليس خوفًا طبيعيًا ولا حبًا طبيعيًا بل كان خوفًا كفريًا وحبًا كفريًا. والله تعالى أعلم.
[ ١ / ١٠٨ ]
١-صدق العزيمة
ب-أركان العبادة وشروطها:
للعبادة ثلاثة أركان أو شروط:
الأول: صدق العزيمة. الثاني: الإخلاص. الثالث: متابعة الرسول - ﷺ -.
فالأول شرط في صدور العبادة ووقوعها، والآخران شرطان في قبولها.
١-صدق العزيمة: وهو أن يبذل الْعَبْدِ جُهْدَهُ فِي امْتِثَالِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَاجْتِنَابِ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَالِاسْتِعْدَادُ لِلِقَاءِ اللَّهِ وَتَرْكُ الْعَجْزِ وَتَرْكُ التَّكَاسُلِ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَإِمْسَاكُ النَّفْسِ بِلِجَامِ التَّقْوَى عَنْ محارم الله وطرد الشيطان عنه بالمداومة عن ذِكْرِ اللَّهِ وَالِاسْتِقَامَةُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ مَا استطاع، قال تَعَالَى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا الله عليه﴾ (١)، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿ألم* أحسب
_________________
(١) الأحزاب: ٢٣.
(٢) التوبة: ١١٩.
[ ١ / ١٠٩ ]
٢-الإخلاص
النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ*وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين﴾ (١)، وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ. احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ وَإِنْ أصابك شيء فلا تقل ولو أَنِّي فَعَلْتُ [كَانَ] كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ) .
٢-الإخلاص: وحقيقته أَنْ يَكُونَ قَصْدُ الْعَبْدِ وَجْهَ اللَّهِ ﷿ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى* الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى *وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى* إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ ربه الأعلى*ولسوف يرضى﴾ (٢)، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا *وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فأولئك كان سعيهم مشكورًا﴾ (٣)، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم لَا يُبْخَسُونَ*أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وباطل ما كانوا يعملون﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين﴾ (٥) .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قال: سمعت رسول الله
_________________
(١) العنكبوت: ١-٣.
(٢) الليل: ١٧-٢١.
(٣) الإسراء: ١٨، ١٩.
(٤) هود: ١٥، ١٦.
(٥) البقرة: ١٦٥، وكذا قوله تعالى: ﴿لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا﴾ [النساء: ١١٤]
[ ١ / ١١٠ ]
٣-المتابعة
- ﷺ - يَقُولُ: (إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ)، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَامِكُمْ وَلَا إِلَى صُوَرِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ)، وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنِ الرَّجُلِ يُقَاتِلُ شُجَاعَةً وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً وَيُقَاتِلُ رِيَاءً، أَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ - ﷺ -: (مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فهو في سبيل الله) متفق عليه.
٣-المتابعة: أي متابعة الرسول - ﷺ -، وهو شرط لازم لقبول العبادة من العبد، فيعبد الله تعالى وفق مَا شَرَعَ وَهُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ الَّذِي لَا يقبل الله من أحد دينًا سِوَاهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخرة من الخاسرين﴾ (١) .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ)، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: (مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمَرُنَا فَهُوَ رد) فهذه الأركان الثلاثة شُرُوطٌ فِي الْعِبَادَةِ لَا قِوَامَ لَهَا إِلَّا بِهَا فَالْعَزِيمَةُ الصَّادِقَةُ شَرْطٌ فِي صُدُورِهَا، وَالنِّيَّةُ الخالصة وموافقة السنة شرطان فِي قَبُولِهَا، فَلَا تَكُونُ عِبَادَةً مَقْبُولَةً إِلَّا بِاجْتِمَاعِهَا، فَإِخْلَاصُ النِّيَّةِ بِدُونِ صِدْقِ الْعَزِيمَةِ هَوَسٌ وَتَطْوِيلُ أَمَلٍ وتمنٍ عَلَى اللَّهِ وَتَسْوِيفٌ فِي الْعَمَلِ وَتَفْرِيطٌ فِيهِ، وَصِدْقُ الْعَزِيمَةِ بِدُونِ إِخْلَاصٍ يَكُونُ شِرْكًا أَكْبَرَ أَوْ أَصْغَرَ بِحَسَبِ مَا نقص من الإخلاص، وإخلاص النية إن لم يكن العمل وفق السنة كان بدعًا وحدثًا في الدين وشرع ما لَمْ يَكُنِ الْعَمَلُ عَلَى وَفْقِ السُّنَّةِ كَانَ بدعًا وَحَدَثًا فِي الدِّينِ وَشَرْعَ مَا لَمْ يَأْذَنِ به الله فَيَكُونُ رَدًّا عَلَى صَاحِبِهِ وَوَبَالًا عَلَيْهِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، فَلَا يَصْدُرُ الْعَمَلُ مِنَ الْعَبْدِ إِلَّا بصدق العزيمة
_________________
(١) آل عمران: ٨٥.
[ ١ / ١١١ ]
١-الدعاء
٢-الخوف
وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ إِلَّا بِإِخْلَاصِ النِّيَّةِ وَإِتْبَاعِ السُّنَّةِ، وَلِذَا قَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ ﵀ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (١) قَالَ: أَخْلَصُهُ وَأَصْوَبُهُ، يَعْنِي خَالِصًا مِنْ شَوَائِبِ الشرك موافقًا للسنة.
جـ - بعض أنواع العبادة:
١-الدعاء: وهو أعظمها ولبها، قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سيدخلون جهنم داخرين﴾ (٢)، وقال - ﷺ -: (الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ) ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾ رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح (٣) وَلَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مرفوعًا: (إذا سألت فسأل الله) (٤)، وله أيضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (إِنَّهُ مَنْ لَمْ يسأل الله يغضب عليه) (٥) .
٢-الخوف: قال تَعَالَى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٦)، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ (٧)، وقال ﵎: ﴿والذي يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ (٨)، وَقَالَ ﷿: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويخافون عذابه﴾ (٩)، وقال تعالى: ﴿أمّن هو
_________________
(١) الملك: ٢.
(٢) غافر: ٦٠.
(٣) وانظر صحيح سنن الترمذي للألباني، رقم ٢٥٩٠، ٢٦٨٥.
(٤) صحيح سنن الترمذي رقم ٢٠٤٣.
(٥) حديث حسن، انظر سنن الترمذي، رقم ٢٦٨٦.
(٦) آل عمران: ١٧٥.
(٧) الرحمن: ٤٦.
(٨) المؤمنون: ٦٠.
(٩) الإسراء: ٥٧.
[ ١ / ١١٢ ]
قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ ويرجوا رحمة ربه﴾ (١) .
وقال النبي - ﷺ -: (لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشَاتِ وَلَخَرَجْتُمْ إلى الصعدات (٢) يجأرون (٣) إلى الله) رواه الترمذي عن أبي ذر ﵁ وحسنه ورواه عنه أيضًا ابن ماجه وأحمد (٤)، وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أُمِّ الْعَلَاءِ الْأَنْصَارِيَّةِ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (وَاللَّهِ لَا أَدْرِي -وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بكم)، وفي التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (مَا رَأَيْتُ مِثْلَ النَّارِ نَامَ هَارِبُهَا، وَلَا مِثْلَ الْجَنَّةِ نَامَ طَالِبُهَا) (٥)، وَفِيهِ عَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (مَنْ خَافَ أَدْلَجَ، وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ) (٦)، وله وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَائِشِةَ ﵂ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتوا وقلوبهم وجلة﴾ هُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟ قَالَ: لَا يا ابنة الصديق، ولكنهم الذين يصومون وَيَتَصَدَّقُونَ وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُمْ) (٧)، وفيه من حديث أبي جحيفة ﵁ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ شِبْتَ، قَالَ: (شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا) (٨) .
_________________
(١) الزمر: ٩.
(٢) الطرق، النهاية لابن الأثير.
(٣) الجأر: رفع الصوت والاستغاثة، النهاية ١/٤٣٢.
(٤) حسنه الألباني، صحيح سنن الترمذي ١٨٨٢، صحيح سنن ابن ماجه (٣٣٧٨)، وأخرج الشيخان بعضه عن أنس ﵁.
(٥) حسنه الألباني، صحيح الجامع الصغير ٥٤٩٨.
(٦) صحيح، صحيح الجامع الصغير ٦٠٩٨.
(٧) حسنه الألباني، وقال تعالى وقال تعالى وقال تعالى وقال تعالى صحيح سنن ابن ماجة ٣٣٨٤، الصحيحة ١٦٢.
(٨) صحيح، صحيح الجامع الصغير ٣٦١٤.
[ ١ / ١١٣ ]
٣-التوكل
٣-التوكل: وهو اعتماد القلب على الله تعالى وثقته به وأنه كافية.
قال تعالى: ﴿وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين﴾ (١) فجعله الله تَعَالَى شَرْطًا فِي الْإِيمَانِ، كَمَا وَصَفَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُمْ أَهْلُهُ إِذْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فليتوكل المؤمنون﴾ (٢)، وقال موسى ﵇ لِقَوْمِهِ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إن كنتم مسلمين﴾ (٣) وَقَالَ تَعَالَى عَنْ رُسُلِهِ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ. ﴿وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ *وَمَا لنا أن لا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (٤)، وَقَالَ تَعَالَى عَنْ نَبِيِّهِ هُودٍ ﵇: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا من دابة إلا هو آخذ بناصيتها..﴾ (٥) وقال تعالى عن نبيه نوح ﵇: ﴿يا قوم إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثم لا يكن أمركم عليكم غمة..﴾ (٦) وقال تعالى عن نبيه شعيب ﵇: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أنيب﴾ (٧) وَقَالَ تَعَالَى لِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - ﷺ - ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ المبين﴾ (٨)
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون﴾ (٩)، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إله إلاّ هو
_________________
(١) المائدة: ٢٣.
(٢) المائدة: ١١، إبراهيم ١١.
(٣) يونس: ٨٤.
(٤) إبراهيم: ١١، ١٢.
(٥) هود: ٥٦.
(٦) يونس: ٧١.
(٧) هود ٨٨.
(٨) النمل: ٧٩.
(٩) هود: ١٢٣.
[ ١ / ١١٤ ]
٤-الرجاء
عليه توكلت وهو رب العرش العظيم﴾ (١) .
وَقَالَ تَعَالَى فِي مَدْحِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ ونعم الوكيل﴾ (٢)، وَقَالَ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياته زادتهم إيمانًا وعلى ربهم يتوكلون﴾ (٣) .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ فِي هذه الآية: ﴿حسبنا الله ونعم الوكيل﴾ قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ ﵇ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ - ﷺ - وَأَصْحَابُهُ حِينَ ﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حسبنا الله ونعم الوكيل﴾، وَفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِلَا حساب، هم الذين يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون)، وروى الترمذي عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يقول: (لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بطانًا) (٤)، وفي حديث القدر: (فتعلم أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ وَمَا أخطأك لم يكن ليصيبك) (٥) .
٤-الرجاء: قال تعالى: ﴿ويرجون رحمته ويخافون عذابه﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿أولئك يرجون رحمة الله﴾ (٧)، وفي الحديث القدسي: (أنا عند
_________________
(١) التوبة: ١٢٩.
(٢) آل عمران: ١٧٣.
(٣) الأنفال: ٢.
(٤) صحيح. صحيح سن الترمذي، حديث رقم ١٩١١.
(٥) صحيح. صحيح سنن ابن ماجه رقم ٦٢.
(٦) الإسراء: ٥٧.
(٧) البقرة: ٢١٨.
[ ١ / ١١٥ ]
٥-الرغبة والرهبة والخشوع
ظن عبدي بي) (١)، وفي دُعَاءِ الْمَكْرُوبِ: (اللِّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو فَلَا تَكِلْنِي إلى نفسي ولا أحد من خلقك طرفة عين) (٢)، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ فأمسك عنده تسعة وَتِسْعِينَ رَحْمَةً وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً وَاحِدَةً، فَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ لَمْ يَيْأَسْ مِنَ الْجَنَّةِ وَلَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ من العذاب لم يأمن النار) .
٥-الرغبة والرهبة والخشوع: أما الرغبة فيما عند الله من الثواب فهي راجعة إلى معنى الرَّجَاءِ، وَالرَّهْبَةِ مِمَّا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعِقَابِ وَهِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى مَعْنَى الْخَوْفِ، وَالْخُشُوعُ هُوَ التَّذَلُّلُ لِلَّهِ ﷿.
قَالَ تَعَالَى فِي آلِ زَكَرِيَّا ﵈: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خاشعين﴾ (٣)، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (٤) وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ*الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو ربهم وأنهم إليه راجعون﴾ (٥) وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ *الَّذِينَ هُمْ في صلاتهم خاشعون﴾ (٦)، وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ دُعَاءِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (خَشَعَ لك سمعي وبصري ومخي وعظمي) .
_________________
(١) صحيح. صحيح الجامع الصغير ٤١٩٢.
(٢) حسنه الألباني. صحيح الجامع الصغير ٣٣٨٢، وليس فيه (ولا أحد من خلقك) .
(٣) الأنبياء: ٩٠.
(٤) الإسراء: ١٠٩.
(٥) البقرة: ٤٥، ٤٦.
(٦) المؤمنون: ١، ٢.
[ ١ / ١١٦ ]
٦-الخشية
٦-الخشية: وهي مرادفة للخوف، وقيل يغلب في الخشية اقترانها بالمحبة، قال تعالى: ﴿فلا تخشوهم واخشوني﴾ (١)، وَقَالَ تَعَالَى فِي مَدْحِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿إِنَّ الذين هم من خشية ربهم مشفقون﴾ (٢) وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مشفقون﴾ (٣)، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وخشي الرحمن بالغيب﴾ (٤) وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ الله﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿هذا ما توعدون لكل أوّب حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ منيب﴾ (٦)، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ (٧)، وَلِلتِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (لَا يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ في منخري مسلم أبدًا) (٨)، وعن أَبِي أُمَامَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: (لَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ قَطْرَتَيْنِ وَأَثَرَيْنِ: قَطْرَةِ دُمُوعٍ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَقَطْرَةِ دم تراق فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَمَّا الْأَثَرَانِ فَأَثَرٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَثَرُ فَرِيضَةٍ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ تعالى) . رواه الترمذي وقال حديث حسن (٩) .
_________________
(١) البقرة: ١٥٠.
(٢) المؤمنون: ٥٧.
(٣) المعارج: ٢٧.
(٤) يس: ١١.
(٥) الزمر: ٢٣.
(٦) ق: ٣٢، ٣٣.
(٧) لقمان: ٣٣.
(٨) صحيح. صحيح الجامع الصغير ٧٦٥٥.
(٩) وحسنه الألباني..تخريج المشكاة ٣٨٣٧، قال ابن العربي: الأثر ما يبقى بعده من عمل يجري عليه أجره من بعده ومنه قوله تعالى: ﴿ونكتب ما قدموا وآثارهم﴾ وقال غيره: ما يبقى من رسوم الشيء، وحقيقته ما يدل على وجود الشيء، والمراد خطوة الماشي وخطوة الساعي في فريضة من فرائض الله أو ما بقي على المجاهد من أثر الجراحات وعلى الساعي المتعب نفسه في أداء الفرائض والقيام بها والكد فيها كاحتراق الجبهة من حر الرمضاء التي يسجد عليها وانفطار الأقدام من برد ماء الوضوء ونحو ذلك. (فيض القدير ٥/٣٦٥) .
[ ١ / ١١٧ ]
٧-الإنابة
٨-الخضوع والاستعاذة
٧-الْإِنَابَةُ: وَهِيَ التَّوْبَةُ النَّصُوحُ وَالرُّجُوعُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.
قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى ربكم وأسلموا﴾ (١)، وقال تعالى عن إبراهيم ﵇ وَالَّذِينَ مَعَهُ: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وإليك المصير﴾ (٢)، وَقَالَ تَعَالَى فِي شَأْنِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لهم البشرى فبشر عباد ﴾ (٣)، وقال تعالى عَنْ عَبْدِهِ دَاوُدَ ﵇: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وخر راكعًا وأناب﴾ (٤) .
٨-الخضوع والاستعاذة: أما الخضوع فهو بمعنى الخشوع والتذلل، وأما الاستعاذة فهي الِامْتِنَاعُ بِاللَّهِ ﷿ وَالِالْتِجَاءُ إِلَيْهِ، قَالَ الله ﷿: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ من الشيطان الرجيم﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿إما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ (٦)، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شر ما خلق ﴾ (٧) إلى آخر السُّورَةَ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ﴾ (٨) إلى آخر السُّورَةَ، وَقَالَ عَنْ كَلِيمِهِ مُوسَى ﵇: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب﴾ (٩) .
_________________
(١) الزمر: ٥٤.
(٢) الممتحنة: ٤.
(٣) الزمر: ١٧.
(٤) ص: ٢٤.
(٥) النحل: ٩٨.
(٦) فصلت: ٣٦.
(٧) الفلق: ١، ٢.
(٨) الناس: ١.
(٩) غافر: ٢٧.
[ ١ / ١١٨ ]
٩-الاستعانة
وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: (أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ وَبِسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ مِنَ الشيطان الرجيم) (١)، وقال - ﷺ -: (أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ) (٢)، وَقَالَ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك وبك منك) (٣) وتعوَّذ ﵊ من الفتن -وأمر بذلك -كفتنة القبر وعذابه وفتنة المسيح الدجال وغير ذلك (٤) .
٩-الِاسْتِعَانَةُ: وَهِيَ طَلَبُ الْعَوْنِ مِنَ اللَّهِ ﷿. قال تعالى: *. قال تعالى: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ (٥) أَيْ لَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاكَ وَلَا نَسْتَعِينُ إِلَّا بِكَ، وَنَبْرَأُ مِنْ كُلِّ مَعْبُودٍ دُونَكَ ومن عابديه، ونبر مِنَ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ إِلَّا بِكَ، فَلَا حَوْلَ لِأَحَدٍ عَنْ مَعْصِيَتِكَ، وَلَا قُوَّةَ عَلَى طَاعَتِكَ إِلَّا بِتَوْفِيقِكَ وَمَعُونَتِكَ. وَقَالَ عَنْ نَبِيِّهِ يَعْقُوبَ ﵇: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى ما تصفون﴾ (٦) . وللترمذي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَرْفُوعًا: (إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ) (٧)، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: ( احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ )، وَفِي التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: (اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عبادتك) (٨) .
_________________
(١) صحيح. صحيح الكلم الطيب ٥٢.
(٢) رواه مسلم في كتاب الذكر والدعاء، باب الدعوات والتعوذ، وانظر صحيح مسلم بشرح النووي ج ٧ ص: ٣١.
(٣) رواه مسلم في كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، وانظر صحيح مسلم بشرح النووي ج٤ ص: ٢٠٣.
(٤) انظر فتح الباري، كتاب الصلاة باب الدعاء قبل السلام ج٢ ص: ٨٣٢، وصحيح مسلم بشرح النووي، كتاب الصلاة، باب التعوذ من عذاب القبر ج٥ ص: ٨٥.
(٥) الفاتحة: ٥.
(٦) يوسف: ١٨.
(٧) صحيح. . صحيح سنن الترمذي ٢٠٤٣.
(٨) إسناده صحيح. الكلم الطيب بتحقيق الألباني، حديث ١١٤.
[ ١ / ١١٩ ]
١٠-الاستغاثة
١١-الذبح
١٢-النذر
١٠-الاستغاثة: وَهِيَ طَلَبُ الْغَوْثِ مِنْهُ تَعَالَى مِنْ جَلْبِ خَيْرٍ أَوْ دَفْعِ شَرٍّ، قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿إذ تستغيثوا رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الملائكة مردفين﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله﴾ (٢)، وَمِنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ - ﷺ -: (يا حي يا قيوم برحمتك استغيث) (٣)، وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ فِي الِاسْتِسْقَاءِ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: (اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا) .
١١-الذبح: وهو الذبح نسكًا لله تعالى وتقربًا مِنْ هَدْيٍ وَأُضْحِيَةٍ وَعَقِيقَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، قَالَ الله ﷿: ﴿فصل لربك وانحر﴾ (٤)، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *لَا شَرِيكَ لَهُ وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين﴾ (٥)، وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾ (٦) .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ مرفوعًا: (لعن الله من ذبح لغير الله) .
١٢-النذر: قال تعالى: ﴿ثم ليقضوا تفثهم (٧) وليوفوا نذرهم..﴾ (٨)،
_________________
(١) الأنفال: ٩.
(٢) النمل: ٦٢.
(٣) حسنه الألباني، الكلم الطيب بتحقيق الألباني، حديث ١١٨.
(٤) الكوثر: ٢.
(٥) الأنعام: ١٦٢، ١٦٣.
(٦) الحج: ٣٦.
(٧) عن ابن عباس قال: التفث المناسك. ابن كثير ٣/٢١١.
(٨) الحج: ٢٩.
[ ١ / ١٢٠ ]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شره مستطيرًا﴾ (١)، وقال: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نذر فإن الله يعلمه..﴾ (٢) .
وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: (مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ) رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا مسلمًا.
وروى البخاري عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: (خَيْرُكُمْ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يلونهم) قال عمران: لا أدري ذكر أو اثنين أو ثلاثًا بعد قرنه (ثم يجئ قَوْمٌ يَنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، ويشهدون ولا يستشهدون، ويظهر فيهم السمن) .
شروط النذر لله تعالى:
١-أن يكون طاعة، للحديث السابق.
٢-أن يكون مما يطيقه العبد، لما في الصحيحين عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ فَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فاستفتيه فقال: (لتمشي ولتركب)، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ - ﷺ - يَخْطُبُ إِذْ هُوَ بَرَجُلٍ قَائِمٍ، فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا: أَبُو إِسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ فَلَا يَقْعُدُ وَلَا يَسْتَظِلَّ وَلَا يَتَكَلَّمَ وَيَصُومَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - (مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ) (٣) فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - بِتَرْكِ مَا لَمْ يكن مطيقه وَلَمْ يَكُنْ مَشْرُوعًا وَأَمَرَهُ بِإِتْمَامِ الصَّوْمِ لِكَوْنِهِ يطيقه ولكنه مشروعًا.
٣-أن يكون فيما يملك، لقوله - ﷺ -: (لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابن آدم) (٤) .
٤-أن لَا يَكُونَ فِي مَوْضِعٍ كَانَ يُعْبَدُ فِيهِ غير الله تعالى، لئلا يكون ذريعة لعبادة غير الله تعالى لحديث ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: إِنِّي نَذَرْتُ أن أنحر إبلًا ببوانة، فقال: (أكان فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟) فَقَالُوا: لَا، قَالَ: (فَهَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟) قَالُوا لَا، قَالَ: (أَوْفِ بِنَذْرِكَ، فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا فيما
_________________
(١) الإنسان: ٧.
(٢) البقرة: ٢٧٠.
(٣) رواه البخاري، كتاب الإيمان والنذور، باب النذر فيما لا يملك وفي معصية، وانظر الفتح ج١١ ص: ٥٩٤.
(٤) انظر الحديث التالي له.
[ ١ / ١٢١ ]
لا يملك ابن آدم) (١) .
٥-عدم اعتقاد الناذر تأثير النذر في حصوله -لمن كان معلقًا نذره بحصول شيء معين -لما في الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النبي - ﷺ - قال: (إن النذر لا يقدم شيئًا ولا يؤخر، وإنما يستخرج بالنذر من البخيل) .
كانت تلك بعض أنواع العبادة، وهناك كثير غيرها من العبادات الظاهرة والباطنة كالتسبيح والتحميد وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَتَدَبُّرِهِ وَتَعَلُّمِهِ وَتَعْلِيمِهِ، وَسَائِرِ الْأَذْكَارِ الْمَشْرُوعَةِ، وَمَحَبَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْحُبِّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضِ فِيهِ وَالْمُوَالَاةِ وَالْمُعَادَاةِ لأجله، وغير ذلك من العبادات (٢) .
د-حكم صرف نوع من أنواع العبادة لغير الله تعالى:
صرف شيء من العبادة قَلَّ أَوْ كَثُرَ لِغَيْرِ اللَّهِ كَائِنًا مَنْ كان من ملك أو نبي أو
_________________
(١) صحيح. صحيح الجامع الصغير ٢٥٤٨.
(٢) وكذا المباحات مع تحسين النية والمتابعة للرسول - ﷺ -، كالطعام والشراب مع نية إعطاء البدن حقه طاعة للرسول - ﷺ -، والتقوى على العبادة، مع المتابعة للرسول - ﷺ - من التسمية والأكل باليمين وعدم الإسراف وغير ذلك.
[ ١ / ١٢٢ ]
وَلِيٍّ أَوْ قَبْرٍ أَوْ جِنِّيٍّ أَوْ شَجَرٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ غَيْرِهِ كُلُّ ذَلِكَ شِرْكٌ أكبر وسيأتي بيانه إنشاء الله تعالى، وبيان الشرك الأصغر كذلك فيما تبقى من هذا الجزء من الكتاب.
والشرك هو أعظم ظلم وأعظم ذنب، قال تعالى: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ (١)، وذلك لِأَنَّ الظُّلْمَ هُوَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ موضعه، لا أَعْظَمَ ظُلْمًا مِنْ شِكَايَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ الَّذِي هُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فِيمَا أَصَابَهُ مِنْ ضُرٍّ أو فاته من خير إلا مَنْ لَا يَرْحَمُهُ وَلَا يَسْمَعُهُ وَلَا يُبْصِرُهُ وَلَا يَعْلَمُهُ وَلَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ وَلَا لِدَاعِيهِ مِنْ ضُرٍّ وَلَا نَفْعٍ وَلَا مَوْتٍ وَلَا حَيَاةٍ وَلَا نُشُورٍ، وَلَا يُغْنِي عَنْهُ مِثْقَالَ ذرة، عدوله عَمَّنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ، وَيَفْزَعُ فِي قَضَاءِ حَوَائِجِهِ إِلَى مَنْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى شَيْءٍ ألبته، وَصَرْفُهُ عِبَادَةَ خَالِقِهِ -الَّذِي خَلَقَهُ لِعِبَادَتِهِ وَتَوْحِيدِهِ وَرَبَّاهُ بِنِعَمِهِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ وَحَفِظَهُ وَكَلَأَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَحَمَاهُ مِنْ جَمِيعِ الْمَخَاوِفِ وَالْأَخْطَارِ -لِمَخْلُوقٍ مثله خلقه اللَّهُ تَعَالَى بِمَا شَاءَ مِنْ أَنْوَاعِ التَّصَرُّفِ، لَا يُبْدِي حَرَاكًا وَلَا يَنْفَكُّ مِنْ قَبْضَةِ الله ﷿ بل هو خلقه معبودًا، وهذا رسول الله - ﷺ - يأمره ربه جلا وعلا فيقول له: ﴿قل لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا *قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أجد من دونه ملتحدًا﴾ (٢) .
وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قال: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ: قَالَ: (أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ) .
_________________
(١) لقمان: ١٣.
(٢) الجن: ٢١، ٢٢.
[ ١ / ١٢٣ ]
وفيما يلي
الأبيات المتعلقة بما سبق:
هَذَا وَثَانِي نَوْعَيِ التَّوْحِيدِ إِفْرَادُ رَبِّ الْعَرْشِ عَنْ نَدِيدِ
أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ إِلَهًا وَاحِدَا مُعْتَرِفًا بِحَقِّهِ لَا جَاحِدَا
وَهُوَ الَّذِي بِهِ الْإِلَهُ أَرْسَلَا رُسْلَهُ يَدْعُونَ إِلَيْهِ أَوَّلَا
وَأَنْزَلَ الْكِتَابَ وَالتِّبْيَانَا مِنْ أَجْلِهِ وَفَرَقَ الْفُرْقَانَا
وَكَلَّفَ اللَّهُ الرَّسُولَ الْمُجْتَبَى قِتَالَ مَنْ عَنْهُ تَوَلَّى وَأَبَى
حَتَّى يَكُونَ الدِّينُ خَالِصًا لَهُ سِرًّا وَجَهْرًا دِقُّهُ وَجِلُّهُ
وَهَكَذَا أُمَّتُهُ قَدْ كُلِّفُوا بِذَا وَفِي نَصِ الْكِتَابِ وُصِفُوا
وَقَدْ حَوَتْهُ لَفْظَةُ الشَّهَادَهْ فَهِيَ سَبِيلُ الْفَوْزِ وَالسَّعَادَهْ
مَنْ قَالَهَا مُعْتَقِدًا مَعْنَاهَا وَكَانَ عَامِلًا بِمُقْتَضَاهَا
فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَمَاتَ مُؤْمِنًا يُبْعَثُ يَوْمَ الْحَشْرِ نَاجٍ آمِنَا
فَإِنَّ مَعْنَاهَا الَّذِي عَلَيْهِ دَلَّتْ يَقِينًا وَهَدَتْ إِلَيْهِ
أَنْ لَيْسَ بِالْحَقِّ إِلَهٌ يُعْبَدُ إِلَا الْإِلَهُ الْوَاحِدُ الْمُنْفَرِدُ
بِالْخَلْقِ وَالرِّزْقِ وَبِالتَّدْبِيرِ جَلَّ عَنِ الشَّرِيكِ وَالنَّظِيرِ
وَبِشُرُوطٍ سَبْعَةٍ قَدْ قُيِّدَتْ وَفِي نُصُوصِ الْوَحْيِ حَقًّا وَرَدَتْ
فَإِنَّهُ لَمْ يَنْتَفِعْ قَائِلُهَا بِالنُّطْقِ إِلَّا حَيْثُ يَسْتَكْمِلُهَا
الْعِلْمُ وَالْيَقِينُ وَالْقَبُولُ وَالِانْقِيَادُ فَادْرِ مَا أَقُولُ
وَالصِّدْقُ وَالْإِخْلَاصُ وَالْمَحَبَّهْ وَفَّقَكَ اللَّهُ لِمَا أَحَبَّهْ
ثُمَّ الْعِبَادَةُ هِيَ اسْمٌ جَامِعُ لِكُلِ مَا يَرْضَى الْإِلَهُ السَّامِعُ
وَفِي الْحَدِيثِ مُخُّهَا الدُّعَاءُ خَوْفٌ تَوَكُّلٌ كَذَا الرَّجَاءُ
وَرَغْبَةٌ وَرَهْبَةٌ خُشُوعُ وَخَشْيَةٌ إِنَابَةٌ خُضُوعُ
[ ١ / ١٢٤ ]
وَالِاسْتِعَاذَةُ وَالَاسْتِعَانَهْ كَذَا اسْتِغَاثَةٌ بِهِ سُبْحَانَهْ
وَالذَّبْحُ وَالنَّذْرُ وَغَيْرُ ذَلِكْ فَافْهَمْ هُدِيتَ أَوْضَحَ الْمَسَالِكْ
وَصَرْفُ بَعْضِهَا لِغَيْرِ اللَّهِ شِرْكٌ وَذَاكَ أَقْبَحُ الْمَنَاهِي
•
أسئلة:
١- بين أن توحيد الإثبات أعظم حجة على توحيد الطلب والقصد مع ذكر بعض الأدلة؟
٢- هل كان المشركون يقرون لله بالربوبية؟ وما الدليل؟
٣- هل يمكن أن يوجد التوحيد الحق للربوبية دون توحيد الألوهية؟ وضح ما تقول بمثال.
٤- بين معنى توحيد الألوهية ومكانته وعلاقته بمعنى كلمة لا إله إلا الله؟
٥- بين ما يصح تقديره وما لا يصح بعد كلمة (إله) في قولنا "لا إله إلا الله"؟ واذكر معنى هذه الكلمة العظيمة، وفضلها، وشروطها!
٦- اذكر علامات محبة العبد لربه، مع الأدلة!
٧- لماذا كانت شهادة أن لا إله إلا الله تتضمن أو لا تتم إِلَّا بِشَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -؟
٨- بين أنه لا تناقض بين أحاديث أن الشهادتين سبب لدخول الجنة وأحاديث الوعيد بالنار أو تحريم الجنة على من فعل بعض الذنوب ونحو ذلك من أحاديث الوعد والوعيد!
٩- اذكر معنى العبادة، وشروطها (أو أركانها)، وبعض أنواعها، وحكم من صرف شيئًا منها لغير الله ﷿!
١٠- اذكر الأدلة من الكتاب والسنة على أن الدعاء عبادة!
[ ١ / ١٢٥ ]
أ-ضد توحيد الربوبية
الباب الثاني
الشرك وأنواعه
الباب الثاني: ضِدِّ التَّوْحِيدِ وَهُوَ الشِّرْكُ
وَكَوْنِهِ يَنْقَسِمُ إِلَى أكبر وأصغر وبيان كل منهما
١-تعريف (ضد التوحيد وهو الشرك):
أ-ضد توحيد الربوبية: هُوَ اعْتِقَادُ الْعَبْدِ وُجُودَ مُتَصَرِّفٍ مَعَ اللَّهِ فِيمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا اللَّهُ ﷿.
ب-ضد توحيد الأسماء والصفات (الإلحاد): وسبق أنه ثلاث أنواع (١):
١- نفي الأسماء والصفات عن الله تعالى وتعطيله عن صفات كماله ونعوت جلاله، وهو إلحاد النفاة.
٢-تشبيه صفات الله تعالى بصفات خلقه، وهو إلحاد المشبه.
٣-تنزيل المخلوق بمنزلة الخالق وهو إلحاد المشركين الذين سموا أصنامهم آلهة واشتقوا أسماء لها من أسماء الله ﷿.
جـ-ضد توحيد الألوهية:
وهو صَرْفُ شَيْءٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ لِغَيْرِ اللَّهِ ﷿ (٢) وهو الْغَالِبُ عَلَى عَامَّةِ الْمُشْرِكِينَ وَفِيهِ الْخُصُومَةُ بَيْنَ جميع الرسل وأقوامهم.
٢-بدء ظهور الشرك في بني آدم:
كان ذلك في قوم نوح وذلك أن الشيطان منذ أن خلق الله آدم وأمر إبليس بالسجود له فأبى وأهبطه الله إلى الأرض وهو قد أضمر العداوة لآدم وذريته
_________________
(١) سبق تقسيمه في أول الكتاب في الإلحاد في الأسماء والصفات.
(٢) وهذا شرك أكبر، أما ما يؤدي لصرف ذلك لغير الله فهو الشرك الأصغر. انظر القول السديد ص: ٢٤.
[ ١ / ١٢٩ ]
بدءًا بتحريضهم على الأكل من الشجرة ومخالفة أمر الله ثم في تحريشه بين أبناء آدم الذين كانوا أمة واحدة حتى ألقى بينهم الخلاف، كل ذلك تنفيذًا لمقالته إذ ذاك ﴿فبعزتك لأغوينهم أجمعين *إلا عبادك منهم المخلصين﴾ (١)، ثم كان شر عمل عمله إيقاعه لهم في الشرك، وبيان ذلك ما رواه الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أنه قَالَ فِي وَدٍّ وَسُوَاعٍ وَيَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرٍ: هَذِهِ أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ (٢) فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ أَنْ أَنْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ فَفَعَلُوا وَلَمْ تُعْبَدْ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتُنُوسِيَ الْعِلْمُ عُبِدَتْ. اهـ (٣) فَلَوْ جَاءَهُمُ اللَّعِينُ وَأَمَرَهُمْ مِنْ أَوَّلِ مَرَّةٍ بِعِبَادَتِهِمْ لم يقبلوا ولم يطيعوا، بَلْ أَمَرَ الْأَوَّلِينَ بِنَصْبِ الصُّوَرِ لِتَكُونَ ذَرِيعَةً لِلصَّلَاةِ عِنْدَهَا مِمَّنْ بَعْدَهُمْ، ثُمَّ تَكُونَ عِبَادَةُ الله عندها ذريعة لعبادتها ممن يخالفهم.
٣-أول من دعا العرب إلى عبادة الأصنام في الجزيرة العربية:
هو عمرو بن لحي، وبيان ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْكَلْبِيُّ حَيْثُ قَالَ: وَكَانَ عمر ابن لُحَيّ كَاهِنًا وَلَهُ رَئِيٌّ مِنَ الْجِنِّ فَقَالَ له: عجل السير والظغن مِنْ تِهَامَةَ، بِالسَّعْدِ وَالسَّلَامَةِ، إِئْتِ جُدَّةَ، تَجِدْ فِيهَا أَصْنَامًا مُعَدَّةً، فَأَوْرِدْهَا تِهَامَةَ وَلَا تَهَبْ، ثُمَّ ادْعُ الْعَرَبَ إِلَى عِبَادَتِهَا تُجَب. فَأَتَى نهر جدة فاستشارها ثُمَّ حَمَلَهَا حَتَّى وَرَدَ تِهَامَةَ وَحَضَرَ الْحَجَّ فَدَعَا الْعَرَبَ إِلَى عِبَادَتِهَا قَاطِبَةً فَأَجَابَهُ عَوْفُ بْنُ عَدْنِ بْنِ زَيْدِ اللَّاتِ فَدَفَعَ إِلَيْهِ ودًا فحمله. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (أيت عمرو بن لحي الخزاعي يجر
_________________
(١) ص: ٨٢، ٨٣.
(٢) أي القوم الذين أرسل إليهم فيما بعد.
(٣) الحديث رواه البخاري في التفسير باب ودًا ولا سواعًا ولا يغوث ويعوق وفيه ( وتَنسَّخ العلم ) ولم أجده في البخاري بلفظ: (تنوسي) الفتح ٨ / ٥٣٥.
[ ١ / ١٣٠ ]
قصبه (١) في النار وكان من أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ) (٢) وَفِي لَفْظٍ: (وَغَيَّرَ دين إبراهيم) (٣) .
ومن وقتها انتشرت عبادة الأصنام بين العرب. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَاتَّخَذَ أَهْلُ كُلِّ دَارٍ فِي دَارِهِمْ صَنَمًا يَعْبُدُونَهُ فَإِذَا أَرَادَ رَجُلٌ مِنْهُمْ سَفَرًا تَمَسَّحَ بِهِ فَيَكُونُ آخِرَ عَهْدِهِ وَأَوَّلَ عَهْدِهِ، فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - ﷺ - بِالتَّوْحِيدِ قَالَتْ قُرَيْشٌ: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (٤) وَكَانَتِ الْعَرَبُ قَدِ اتَّخَذَتْ مَعَ الْكَعْبَةِ طَوَاغِيتَ، وَهِيَ بُيُوتٌ تُعَظِّمُهَا كَتَعْظِيمِ الْكَعْبَةِ، لَهَا سَدَنَةٌ وَحُجَّابٌ وَيُهْدَى لَهَا كَمَا يُهْدَى لِلْكَعْبَةِ وَيُطَافُ بِهَا كَمَا يُطَافُ بِالْكَعْبَةِ وَيُنْحَرُ عِنْدَهَا كَمَا يُنْحَرُ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا سَافَرَ فَنَزَلَ مَنْزِلًا أَخَذَ أَرْبَعَةَ أَحْجَارٍ فَنَظَرَ إِلَى أَحْسَنِهَا فَاتَّخَذَهُ رَبًّا وَجَعَلَ الثَّلَاثَةَ أَثَافِيَّ لِقِدْرِهِ فَإِذَا ارْتَحَلَ تَرَكَهُ فَإِذَا نَزَلَ مَنْزِلًا آخَرَ فعل مثل ذلك (٥) .
٤-أَسْبَابُ تَلَاعُبِ الشَّيْطَانِ بِالْمُشْرِكِينَ فِي عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ:
١-طائفة دَعَاهُمْ إِلَى عِبَادَتِهَا مِنْ جِهَةِ تَعْظِيمِ الْمَوْتَى الَّذِينَ صَوَّرُوا تِلْكَ الْأَصْنَامَ عَلَى صُوَرِهِمْ كَمَا تقدم عن قوم نوح ﵇.
_________________
(١) القُصب بالضم المِعَى وجمعه أقصاب، وقيل القصب اسم للأمعاء كلها، وقيل هو ما كان أسفل البطن من الأمعاء، النهاية لابن الأثير.
(٢) كان الرجل إذا نذر لقدوم من سفر أو برء من مرض أو غير ذلك قال: ناقتي سائبة، فلا تمنع من ماء ولا مرعى ولا تحلب ولا تركب وأصله من تسييب الدواب وهو إرسالها تذهب وتجيء كيف شاءت، النهاية.
(٣) ليس هذا اللفظ في الصحيحين ولا أحدهما وقال عمر بن محمود مخرج أحاديث المعارج (دار ابن القيم ط١٤١٠هـ) ومعناه عند أحمد في المسند ٣/٣٥٣ من رواية جابر ﵁ أ. هـ.
(٤) ص: ٥.
(٥) وروى البخاري في المغازي، باب وفد بني حنيفة: عن أبي رجاء العطاردي: كنا نعبد الحجر، فإذا وجدنا حجرًا هو أخير منه ألقيناه وأخذنا الآخر، فإذا لم نجد حجرًا جمعنا جُثوة من تراب، ثم جئنا بالشاة نحلبها عليه، ثم طفنا به. انظر الفتح ج٧ ص: ٦٩٢.
[ ١ / ١٣١ ]
٢-وطائفة أخرى اتخذت القمر صَنَمًا وَزَعَمُوا أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ التَّعْظِيمَ وَالْعِبَادَةَ، وَإِلَيْهِ تدبير هذا العلم السفلي.
٣-الْغُلُوُّ فِي الْمَخْلُوقِ وَإِعْطَاؤُهُ فَوْقَ مَنْزِلَتِهِ حَتَّى جَعَلُوا فِيهِ حَظًّا مِنَ الْإِلَهِيَّةِ وَشَبَّهُوهُ بِاللَّهِ تعالى.
٥- بيان قبح الشرك ووعيد فاعله وأنه أعظم ذنب عصي الله به:
قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ (١)، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النار) (٢) .. وقد سبق الكلام في ذلك في نهاية الباب السابق في الحديث عن حكم صرف نوع من أنواع العبادة لغير الله تعالى فراجعه.
٦
-انقسام الشرك إلى أكبر وأصغر (٣) وبيان كل منهما:
أ-الشرك الأكبر:
-معنى الشرك الأكبر وبيان شرك المشركين الذين أرسل إليهم محمد - ﷺ -:
هو اتِّخَاذُ الْعَبْدِ غَيْرَ اللَّهِ مِنْ نَبِيٍّ أَوْ ولي أو جماد أو حيوان ندًا مساويًا لله يحبه كحبه ويخافه ويخشاه كخشيته إلخ.
وفي آيات الكتاب العزيز - كقوله تعالى على سبيل المثال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أندادًا يحبونهم كحب الله ﴾ (٤) - ما يدل أن المشركين لم يسووا أندادهم بالله في الخلق والتدبير والإحياء والإماتة، ولكن
_________________
(١) النساء: ٤٨.
(٢) رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب من مات لا يشرك بالله شيئًا ، وانظر صحيح مسلم بشرح النووي ج٢ص: ٩٣.
(٣) هذا التقسيم يذكره العلماء دائمًا فيما يتعلق بالشرك في الألوهية أو العبادة.
(٤) البقرة: ١٦٥.
[ ١ / ١٣٢ ]
سووهم به في الحب والخشية، وَلَمْ يُفْرِدُوا اللَّهَ بِالْعِبَادَةِ دُونَ مَنْ سِوَاهُ مع إنهم لم يعبدوا الأصنام استقلالًا بل زعموا أنها تقربهم إلى الله فجمعوا بين شركين:
عبادتهم إياهم من دون الله، وجعلهم شفعاء بدون إذنه تعالى.
كذلك كان شركهم في الرخاء دون الشدة كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إلى البر إذا هم يشركون﴾ (١) .
-بيان ما زاده مشركوا زماننا على شرك الأولين:
١-الشرك في الشدة والرخاء، بل في الشدة أضعاف الرخاء بما يزيدونه من عدد الذبائح للوليّ في الشدة ونحو ذلك.
٢-اعتقادهم متصرفين مع الله فيما لا يقدر عليه إلا هو وإعطاؤهم وإعطاؤهم لمعبوداتهم كثيرًا من صفات الربوبية حتى يزعم بعضهم أن الكون لا تتحرك فيه ذرة إلا بإذن فلان. تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.
-أقسام المعبودين من دون الله وعاقبتهم:
المعبود من دون الله إما أن يكون عاقلًا أو غير عاقل، والأول إما أن يكون راضيًا بأن يعبد وإما أن لا يكون راضيًا، فأما غير العاقل والعاقل الراضي بالعبادة فهؤلاء حصب جهنم، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حصب جهنم أنتم لها واردون﴾ (٢)، وأما العاقل الذي لم يرض بالعبادة فهو بريء ممن عبده يوم القيامة، قال تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أكثرهم بهم مؤمنون﴾ (٣) وغير ذلك من الآيات في عيسى ﵇ وغيره.
_________________
(١) العنكبوت: ٦٥.
(٢) الأنبياء: ٩٨.
(٣) سبأ: ٤٠، ٤١.
[ ١ / ١٣٣ ]
١-الرياء
ب-الشرك الأصغر:
وهذا النوع لا يخرج من الملة (١) . ومن أمثلته:
١-الرياء: وهذا الرياء هو شرك أصغر يختلف عن الرياء المذكور عن المنافقين في القرآن الذي هو شرك أكبر، والفارق في ذلك النية، فإذا كَانَ الْبَاعِثُ عَلَى الْعَمَلِ هُوَ إِرَادَةُ غَيْرِ الله ﷿ فذلك النفاق الأكبر (٢)، وَإِنْ كَانَ الْبَاعِثُ عَلَى الْعَمَلِ هُوَ إِرَادَةُ اللَّهِ ﷿ وَالدَّارِ الْآخِرَةِ، وَلَكِنْ دَخَلَ الرياء في تزيينه وتحسينه فذلك هو الشرك الأصغر المفسر بالرياء العملي (٣) (يَقُومُ الرَّجُلُ فَيُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ إِلَيْهِ) (٤)، وَهَذَا لَا يُخْرِجُ مِنَ الْمِلَّةِ وَلَكِنَّهُ يُنْقِصُ مِنَ الْعَمَلِ بِقَدْرِهِ، وَقَدْ يَغْلِبُ عَلَى الْعَمَلِ فَيُحْبِطُهُ كُلَّهُ وَالْعِيَاذُ بالله.
والمراد أن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له
_________________
(١) وقد سبق الإشارة إلى معناه أو تعريفه وهو كل قول أو عمل يؤدي إلى صرف نوع مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ لِغَيْرِ اللَّهِ ﷿.
(٢) كذا قال صاحب كتاب معارج القبول ﵀، وسماه في مختصر منهاج القاصدين: الرياء المحض، وكذا في جامع العلوم والحكم وقال: إنه لا يكاد يصدر من مؤمن في الصلاة والصوم، وقد يصدر منه في حج أو نحوه، وحينئذ فالعمل حابط ولا شك والعقوبة شديدة. انظر جامع العلوم ص:١٨، ومختصر القاصدين ص: ٢١٨.
(٣) وبيان ذلك أن الرياء إذا شارك العمل من بدايته فهو حابط ولا شك، وإن طرأ عليه أثناء عمله: فإن كان خاطرًا فدفعه لم يضره، وإن استرسل معه فإن كان العمل مما لا يتصل أوله بآخره كتعليم العلم وقراءة القرآن وجب قطع العمل وتجديد النية، وإلا حبط ما استرسل فيه، وإن كان مما يتصل أوله بآخره كالصلاة وحضور القتال فقال قوم: يحبط، وقال آخرون: لا يحبط، ولعله - والله أعلم - لا يحبط ولكن ينقص من ثوابه بقدره. وهذا كله في حالة ما إذا قصد الرياء قصدًا خفيفًا، وكان غالب قصده وجه الله، أما إذا تساوى قصد الثواب وقصد الرياء أو غلب الأخير فالعمل حابط وصاحبه معرض للعقوبة. وهذا الكلام مستفاد من جامع العلوم والحكم ص: ٢٠، ومختصر منهاج القاصدين ص: ٢١٨.
(٤) من حديث مرفوع لابن ماجه وحسنه الألباني صحيح سنن ابن ماجه ٣٣٨٩.
[ ١ / ١٣٤ ]
٢-الحلف بغير الله
خالصًا وابتغى به وجهه كما ثبت ذلك عنه - ﷺ - في الصحيح. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ نَادَى منادٍ: مَنْ كَانَ أَشْرَكَ في عمل عمله لله فليطلب ثوابه من عند غير الله ﷿ فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك) (١) .
٢-الحلف بغير الله: ففي الصحيح أنه - ﷺ - قال: (مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ)، وفي الحديث: (من حلف بغير الله فقد أشرك) (٢) .
وكفارة الحلف بغير الله كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: (مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)، والحديث واضح في أن الحلف بغيره تعالى من الشرك، لذا فكفارته قول لا إله إلا الله.
ومثل الحلف بغير الله قول: ما شاء الله وشئت، ولولا الله وفلان. لكن الصواب أن يقال: ما شاء الله ثم شئت، فالفرق بَيْنَ الْوَاوِ وَثُمَّ أَنَّهُ إِذَا عَطَفَ بِالْوَاوِ كَانَ مُضَاهِيًا مَشِيئَةَ اللَّهِ بِمَشِيئَةِ الْعَبْدِ إِذْ قَرَنَ بَيْنَهُمَا، وَإِذَا عَطَفَ بِثُمَّ فَقَدْ جَعَلَ مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يشاء الله﴾ (٣) .
٧-أمثلة لبعض أمور شركية يفعلها العامة، وفيه حكم الرقى والتمائم:
هذه الأمور غَالِبُهَا مِنَ الشِّرْكِ الْأَصْغَرِ لَكِنْ إِذَا اعْتَمَدَ العبد عليها بحيث يثق بها ويضيف إليها النفع والضر كَانَ ذَلِكَ شِرْكًا أَكْبَرَ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، لِأَنَّهُ حينئذ يصير متوكلًا على سوى الله ﷿ ملتجئًا إلى غيره. وفيما يلي ذكر أمثلة لهذه الأمور:
_________________
(١) حسنه الألباني. صحيح الجامع الصغير ٤٩٦.
(٢) صحيح: صحيح الجامع الصغير. ٦٠٨٠.
(٣) الإنسان: ٣٠، التكوير: ٢٩.
[ ١ / ١٣٥ ]
أ-التعاليق
١-الودعة
٣-الحلقة
٤-أعين الذئاب
٥-الخيط
٦-العضو من النسور
٧-الوتر
٨-التمائم
أ-التعاليق: قال - ﷺ -: (من علق تميمة فقد أشرك) (١)، وفي الصحيح أن الرسول - ﷺ - فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ أرسل رَسُولًا أَنْ لَا يُبْقِيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةً مِنْ وَتَرٍ أَوْ قِلَادَةً إِلَّا قُطِعَتْ.
ومن التعاليق:
١-الودعة: وهي شَيْءٌ أَبْيَضُ يُجْلَبُ مِنَ الْبَحْرِ يُعَلَّقُ فِي حلوق الصبيان وغيرهم لرد العين.
٢-الناب: وهو ناب الضبع يؤخذ ويعلق من العين.
٣-الحلقة: يلبسونها من العين والواهنة (مرض العضد) .
٤-أعين الذئاب: يعلقونها إذا مات الذئب على الصبيان ونحوهم زعمًا أن الجن تفر منها.
٥-الخيط: كثيرًا ما يعلقونه على المحموم ويعقدون فيه عقدًا بحسب اصطلاحاتهم ويربطونه بيد المحموم أو عنقه طلبًا للشفاء.
٦-العضو من النسور: كالعظم ونحوه ويجعلونه خَرَزًا وَيُعَلِّقُونَهَا عَلَى الصِّبْيَانِ يَزْعُمُونَ أَنَّهَا تَدْفَعُ العين.
٧-الوتر: كانوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا عَتَقَ وَتَرُ الْقَوْسِ أَخَذُوهُ وعلقوه على الصبيان والدواب لدفع العين.
٨-التمائم: وهي شيء يعلقونه على الأولاد لدفع العين وحكمها كحكم التعاليق سواء كانت كتابة أو غير كتابة إلا إذا كانت كتابة من خالص الوحيين فبعض السلف أجازها والبعض كرهها ومنعها والأحوط البعد عن ذلك.
_________________
(١) صحيح. صحيح الجامع الصغير ٦٢٧٠.
[ ١ / ١٣٦ ]
ب-الرقى:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (إن الرقى والتمائم والتولة شرك) (١) وَالتِّوَلَةُ شَيْءٌ يَصْنَعُونَهُ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ يُحَبِّبُ الْمَرْأَةَ إلى زوجها والرجل إلى امرأته وحملت الرقى المذكورة في الحديث على الرقى الممنوعة.
وفي السنة ما يدل على جواز بعض الرقى بشروط ثلاثة:
١-أن تكون من الكتاب والسنة، لقوله - ﷺ - فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ لما قال له آل عمرو بن حزم: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ عِنْدَنَا رُقْيَةٌ نَرْقِي بِهَا مِنَ الْعَقْرَبِ، وَإِنَّكَ نَهَيْتَ عَنِ الرقى فَقَالَ: (مَا أَرَى بَأْسًا، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أن ينفع أخاه فليفعل) وفيه: (لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شرك)، وكان - ﷺ - إذا زار مريضًا رقاه، وفي ذلك أذكار كثيرة في صحيح البخاري وغيره مثل: (اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ مُذْهِبَ الْبَاسِ اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي لَا شَافِيَ إِلَّا أَنْتَ، شِفَاءً لَا يغادر سقمًا)، وفي صحيح مسلم: رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - في الرقية من العين والحمة والنملة.
والجمة تُطْلَقُ عَلَى لَدْغِ ذَوَاتِ السُّمُومِ كَالْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ ونحوها، والنملة قروح تخرج في الجنب.
٢-أَنْ تَكُونَ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، مَحْفُوظَةً أَلْفَاظُهَا، مَفْهُومَةً مَعَانِيهَا، فَلَا يَجُوزُ تَغْيِيرُهَا إِلَى لِسَانٍ آخَرَ فإن في ذلك فرصة للشياطين في إيقاع الناس في الشرك والكفر وهم يقولون ما لا يدرون معناه.
٣-أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهَا سَبَبٌ مِنَ الْأَسْبَابِ لَا تأثير لها إلا بإذن الله، فلا يعتقد فيها نفعًا بذاتها.
_________________
(١) صحيح. صحيح الجامع الصغير ١٦٢٨.
[ ١ / ١٣٧ ]
١-الاستشفاء بتربة القبور:
٢-التبرك بالأشجار والأحجار والبقاع والقبور واتخاذها أعيادا
جـ-التبرك بالأشجار والأحجار والبقاع والقبور وما يحصل عندها من الشركيات والبدع، وفيه أقسام الزيارة:
ويدخل في ذلك عدة أمور منها:
١-الاستشفاء بتربة القبور: ويقع ذلك من الجاهلين على أنواع مثل أخذها ومسح الجلد بها، أو التمرغ على القبور أو الاغتسال بها مع الماء أو شرها.. الخ، وهذا كله ناشيء من اعتقادهم في صاحب الْقَبْرِ أَنَّهُ يَنْفَعُ وَيَضُرُّ حَتَّى عَدُّوا ذَلِكَ إلى تربته التي دفن فيها وبعضهم يعديه إلى التربة التي وضعت عليه جنازته.
٢-التبرك بالأشجار والأحجار والبقاع والقبور واتخاذها أعيادًا: وقد نهى رسول الله - ﷺ - عن كل هذه الأعمال الشركية وما يوصل إليها فمن ذلك قوله - ﷺ -: (لا تجعلوا قبري عيدًا) (١)، وقوله - ﷺ -: (اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أنبيائهم مساجد) (٢)، رواه مالك في الموطأ. وقال - ﷺ -: (لَا تُصَلُّوا إِلَى القبور ولا تجلسوا عليها) (٣)، ولما قال له الصحابة رضوان الله عليهم: اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أنواط - أي كما للمشركين ذات أنواط أي شجرة يعكفون عندها ويضعون عليها أسلحتهم - قال: (اللَّهُ أَكْبَرُ، إِنَّهَا السَّنَنُ، قُلْتُمْ وَالَّذِي نَفْسِي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﵇: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ، قَالَ: إنكم قوم تجهلون، لتركبن سنن من كان قبلكم) (٤) .
أما استلام الحجر الأسود ونحوه فذلك تعظيم لأمر الله لا للحجر، وأما
_________________
(١) صحيح. صحيح الجامع الصغير ٧١٠٣.
(٢) سنده صحيح. انظر تحذير الساجد للألباني ص: ٢٥، ٢٦، في التعليق على حديث ١١.
(٣) رواه مسلم في الجنائز، انظر صحيح مسلم بشرح النووي ج٧ ص: ٣٨.
(٤) صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي ١٧٧١، وظلال الجنة في تخريج السنة ٧٦.
[ ١ / ١٣٨ ]
٣-تعلية القبور والبناء عليها وإيقادها
تعظيم الرسول - ﷺ - وما أمر بتعظيمه فذلك من التعظيم المشروع إذا تم وفق الشرع، وهو راجع إلى تعظيم الله تعالى وأمره.
٣-تعلية القبور والبناء عليها وإيقادها: وهذا مع ما فيه من الذريعة للشرك ففيه تشبه باليهود والنصارى الذين شيدوا المساجد على القبور، وقد حذر المصطفى - ﷺ - من ذلك، فقال ﵊: (لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وذراعًا بذراع حتى لو سلكوا حجر ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ) قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: (فمن)؟ أخرجاه، وفي الصحيح أيضًا قال - ﷺ -: (قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مساجد) (١) . ولمسلم عن جابر ﵁: نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ وَأَنْ يبني عليه (٢)
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عيدًا، وصلوا عليّ فإن صلاتي تبلغني حيث كنتم) (٣) رواه أبو داود، ولمسلم عَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ الْأَسْدِي قَالَ: قَالَ لِي علي بن أبي طالب ﵁: أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (أَلَّا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ، وَلَا قَبْرًا مُشْرَفًا إِلَّا سويته) .
_________________
(١) رواه البخاري في الصلاة باب ٥٥، ومسلم في المساجد باب النهي عن بناء المساجد على القبور كلاهما عن أبي هريرة وليس عندهما (والنصارى) (الفتح ١/٦٣٤، وشرح النووي ٥/١٢) . ولم أجد لفظ (قاتل) في الصحيحين غلا مع (اليهود) وأتى لفظ: (لعن) أو (لعنة الله) مع (اليهود والنصارى) .
(٢) ويروى أنه - ﷺ - لعن المتخذين على القبور المساجد والسرج. ولَعْنُ متخذي المساجد على القبور تشهد له الأحاديث الصحيحة، وأما لعن متخذي السرج فلم يصح فيه شيء ولكن يؤخذ النهي من عمومات الشريعة كقوله - ﷺ -: (كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ) ونهيه عن إضاعة المال والتشبه بالكفار وغير ذلك. (أفاده الألباني حفظه الله في سلسلة الأحاديث الصحيحة ج ٣ ص: ٢٥٨-٢٦٠) .
(٣) صحيح. صحيح الجامع الصغير ٧١٠٣.
[ ١ / ١٣٩ ]