الصحابة يتلقون الدين منهجا كاملا:
نهض رسول الله -ﷺ- بأعباء الدعوة، وصدع بها منذ أن أمره الله تعالى بذلك، حيث قال:
﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤] .
واستمر نزول الوحي عليه -ﷺ- في مكة المكرمة ثلاثة عشر عاما، لم يعرف لها التاريخ مثيلا في التجرد والإخلاص، والصبر والجهاد والمجاهدة، والتربية الإيمانية العميقة، فنشأت القاعدة الصلبة التي رباها النبي -ﷺ- على عينه، يقود خطاها الوحي الإلهي في كل لحظة من اللحظات، ويأخذ بيدها لتكون على الجادة من الطريق الطويل، ثم انتقل بها إلى حيث تجد التطبيق العملي لمبادئ الإسلام كاملة في المدينة، بعد أن أراد الله لهم الخير، فساقهم ليبايعوا النبي -ﷺ- بيعة العقبة، التي كانت حجر الأساس في بناء الدولة الإسلامية، التي عمل لها النبي -ﷺ- بوحي من ربه ﵎.
حتى إذا ما أكمل ﷺ البناء، وأتم البلاغ والتحق بالرفيق الأعلى كان لهذه القاعدة ولهذه الأمة شأن أي شأن في تاريخ البشرية كله.
كل هذا، والصحابة -رضوان الله عليهم- يتلقون من النبي -ﷺ- أحكام هذا الدين وتعاليمه وآدابه، فيما يتعلق بالإيمان ومعرفة الله سبحانه وما ينبغي له من الطاعة، وفي كيفية العبادة وأداء الشعائر، وفي شتى أنواع المعاملات في مناحي الحياة الفردية والاجتماعية، وفي الأخلاق والآداب والسلوك، ثم في علاقة الأمة بغيرها من الأمم والديانات الأخرى دون أن يكون هناك تفكير في تقسيم هذه
[ ٢٧ ]
الأحكام أو تصنيفها وتبويبها ليكون هذا عقيدة وذاك عبادة، والثالث اقتصادا أو سياسة إلى غير ذلك من هذه التقسيمات الحادثة التي اقتضتها ضرورة البحث والتأليف، ودون أن يكون هناك تفريق بينها في الالتزام والعمل بمقتضاها، فهي كلها أحكام منزلة من الله، ينبغي عليهم أن يتلقوها بالتسليم، وأن يسارعوا إلى الامتثال لها ليحققوا بذلك مقتضى إيمانهم بالله واستسلامهم لشرعه ودينه، وليدخلوا في الدين كافة.
ولذلك نجد الإسلام والإيمان والإحسان في سياق واحد، يعبِّر عن الدين كله، كما في حديث عمر بن الخطاب -﵁- قال:
بينما نحن عند رسول الله -ﷺ- ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرَى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، فأقبل حتى جلس إلى النبي -ﷺ- فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله ﷺ:
$"الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا" فقال: صدقت. قال: فعجبنا له، يسأله ويصدّقه!
قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: "أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره" قال: صدقت.
قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
قال: فأخبرني عن الساعة. قال: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل".
[ ٢٨ ]
قال: فأخبرني عن أماراتها. قال: "أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة، العالة، رعاء الشاء يتطاولون في البنيان".
قال: ثم انطلق فلبث مليا. ثم قال لي: "يا عمر، أتدري من السائل؟ " قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنه جبريل، أتاكم يعلمكم دينكم" ١.
فقد جعل النبي -ﷺ- في هذا الحديث الإسلام اسما لما ظهر من الأعمال، وجعل الإيمان اسما لما بطن من الاعتقاد، وليس ذلك لأن الأعمال ليست من الإيمان، أو التصديق بالقلب ليس من الإسلام، بل ذلك تفصيل لجملة هي كلها شيء واحد وجماعها الدين؛ ولذلك قال: "فإنه جبريل، أتاكم يعلمكم دينكم" ٢.
وقد كان النبي -ﷺ- يدعو الناس لهذا الدين بجملته؛ لأنه "لا يقوم بدين الله إلا من حاطه من جميع جوانبه"٣.
فقد جاء وفد ثقيف إلى النبي -ﷺ- ومكثوا أياما يغدون على النبي ﷺ، وهو يدعوهم إلى الإسلام فقال له عبد ياليل: هل أنت مقاضينا حتى نرجع إلى قومنا؟
فقال: "إن أنتم أقررتم بالإسلام أقاضيكم، وإلا فلا قضية ولا صلح بيني وبينكم".
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري: ١/ ١١٤، ومسلم: ١/ ٣٧، ٣٨، واللفظ له. ٢ "شرح السنة" للبغوي: ١/ ١١. ٣ نص جواب الرسول -ﷺ- لجماعة من شيبان، بعد أن عرض عليهم الإسلام وسمع منهم مقالتهم، في قصة طويلة أخرجها الحاكم وأبو نعيم في "الدلائل": ١/ ٩٩، والبيهقي في "الدلائل" أيضا: ٢/ ٤٢٦، وذكرها ابن كثير في "البداية والنهاية" "٣/ ١٤٣-١٤٥" وقال: هذا حديث غريب جدا، وقد ورد من طرق وحسّنه القسطلاني. وانظر: "الروض الأنف" للسهيلي: ١/ ٢٦٥.
[ ٢٩ ]
فقال عبد ياليل: أفرأيت الزنا؟ فإنا قوم نغترب ولا بد لنا منه؟
قال: "هو عليكم حرام؛ فإن الله تعالى يقول:
﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢] ".
قال: أفرأيت الربا؟
قال: "هو عليكم حرام".
قالوا: فإن أموالنا كلها ربا؟
قال: "لكم رءوس أموالكم؛ إن الله تعالى يقول:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] ".
قالوا: أفرأيت الخمر؟ فإنها عصير أعنابنا، ولا بد لنا منها؟
قال: "إن الله قد حرمها" وقرأ:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ١ [المائدة: ٩٠] .
وبعد إسلامهم سألوا النبي -ﷺ- أن يَدَع لهم الطاغية -وهي اللات- لا يهدمها، ثلاث سنين. فأبى رسول الله -ﷺ- أن يدعها لهم شيئا مسمى. وإنما كانوا يريدون بذلك -فيما يظهرون- أن يَسْلموا -بتركها- من سفهائهم ونسائهم وذراريهم، ويكرهون أن يروعوا قومهم بهدمها حتى يدخلهم الإسلام. وما زالوا يسألونه أن يتركها لهم سنة سنة، ويأبى عليهم، حتى سألوا شهرا واحدا، بعد مقدمهم، فأبى عليهم أن يدعها شيئا مسمى، فسألوه أن يعفيهم من هدمها بأيديهم، فأعطاهم ذلك.
وقد كانوا سألوه -مع ترك الطاغية- أن يعفيهم من الصلاة، فقال رسول الله ﷺ: "إنه لا خير في دين لا صلاة فيه" ١.
_________________
(١) ١ انظر: "زاد المعاد" لابن القيم: ٣/ ٥٩٦ بتحقيق الأرناءوط "إمتاع الأسماع" للمقريزي: ١/ ٤٩٢.
[ ٣٠ ]
علم العقيدة وعلم الشريعة:
إن الدين الإسلامي، بما أنه منهج إلهي للبشر ينبغي أن يصرِّف حياة الناس وينظمها، يشمل جانبين اثنين تتفرع عنهما سائر الجوانب الأخرى وتعود إليهما:
الجانب الأول:
الأصول العقدية، أو الأساس النظري للدين، الذي يشكل القاعدة الأساس في بنائه، ومنه ينطلق المؤمن، ويضبط كل حركته بضوابطه، ويوجه كل سلوكه وأعماله، ويفسر للإنسان طبيعة وجوده ونشأته وغايته، ويعرفه بدوره في الحياة، ويحدد مصيره الذي ينتهي إليه في الآخرة، ويرسم له معالم صلته بالله تعالى، وصلته بالحياة والأحياء والكون من حوله.
وهذا الجانب هو العقيدة التي تقوم على أصول نسميها: أصول الإيمان وأركانه، كما جاءت في حديث جبريل -آنفا- عن الإسلام والإيمان مما يجب أن يعتقده المؤمن ويصدق به. ولأهميتها ومكانتها في الدين فقد أولاها الإسلام عنايته الكبرى -على ما سنلمح إليه إن شاء الله تعالى- وتسمى الأحكام المتعلقة
_________________
(١) ١ انظر: "مسند الإمام أحمد": ٣/ ٣٤١، "سيرة ابن هشام"، مع "الروض الأنف": ٢/ ٣٢٦، "زاد المعاد": ٤/ ٤٩٩. وقارن بتخريج الألباني لأحاديث "فقه السيرة" للغزالي ص٤٥٠.
[ ٣١ ]
بهذه النواحي: أحكاما أصلية واعتقادية.
والعلم المتعلق بهذا الجانب يسمى "علم العقيدة" أو "علم الإيمان" أو "أصول الدين" أو "علم التوحيد والصفات"؛ لأن ذلك أشهر مباحثه وأشرف مقاصده.
والأصل في هذا النوع من العلم هو التمسك بالكتاب والسنة، ومجانبة الهوى والبدعة، ولزوم طريق السنة والجماعة، الذي كان عليه الصحابة والتابعون، ومضى عليه الصالحون من السلف ﵏.
والجانب الثاني:
هو النظام الذي ينبثق عن هذه الأصول العقدية ويقوم عليها، ويجعل لها صورة واقعية متمثلة في حياة البشر الواقعية؛ ولذا فهو يحدد للمكلفين حدودا في أقوالهم وأفعالهم -كما يقول الإمام الشاطبي ﵀- فيبين كيفية عمل المكلف وفعله والإتيان به على الوجه الذي أمر به الشرع، في الشعائر التعبدية، والنظام الاجتماعي، ونظام الأسرة، والنظام الاقتصادي، والنظام السياسي، وفي قواعد الأخلاق والسلوك والتربية والمعاملات الأدبية والمالية، وكل ما من شأنه تنظيم حياة الناس وارتباطاتهم وعلاقاتهم وتسمى الأحكام المتعلقة بهذه الجوانب كلها: أحكاما فرعية أو عملية.
والعلم المتعلق بهذا الجانب يسمى "علم الفروع" أو "فروع الدين" أو "علم الفقه" أو "علم الشرائع والأحكام"؛ لأنها لا تستفاد إلا من جهة الشرع، ولا يسبق الفهم عند الإطلاق إلا إليها١.
_________________
(١) ١ انظر: "مقدمة ابن خلدون": ٢/ ٧٨٠، "شرح العقائد النسفية" للتفتازاني ص١٢-١٥، "لوامع الأنوار البهية" للسفاريني: ١/ ٤، "أصول البزدوي مع شرحه كشف الأسرار" للبخاري: ١/ ٧-١٣، "المبسوط" للسرخسي: ١/ ٢.
[ ٣٢ ]
الصلة بين العقيدة والشريعة:
وإذا كانت العقيدة هي أصل البناء وأساسه، فإن الشريعة تنبثق عن هذا الأصل وتقوم عليه، بحيث يكون كل حكم من أحكام السلوك الإنساني في أي جانب من جوانب الحياة، متفرعا عن أصل من أصول العقيدة والإيمان، ومرتبطا به، فلا قيمة ولا استقرار لشريعة أو نظام لا يستند على أساس متين، كما أنه لا جدوى من أساس ما لم نرفع فوقه بناء قويا محكما.
وهكذا تتعانق العقيدة والشريعة لتكونا -معا- هذا الدين الذي أكرمنا الله تعالى به، وإن كان أحد الجانبين أعظم أهمية من الجانب الآخر، فإن العقيدة هي الجانب الأعظم الذي أولاه الإسلام عنايته الكبرى أولا في مكة المكرمة، وهي مرحلة الإعداد والتكوين والتربية للأمة التي أراد الله تعالى إخراجها للناس لتكون "خير أمة"، ولتكون "الأمة الوسط" التي تشهد على سائر الأمم. ثم استمر الحديث عن هذه العقيدة عندما بدأت الأحكام التفصيلية تتنزل على هذه الأمة في "المدينة"، بعد أن أصبح لها وجود فعلي وكيان مستقل، بل كانت العقيدة هي الروح الذي يسري في هذه الأحكام، فيهبها الحياة النابضة المتحركة١.
"ولهذا، فإن هذه الأحكام عرضت من خلال العقيدة، وفي سياق ما يتصل بها من شعب الإيمان ومستلزمات الطاعة والعبادة، حتى في أشد المسائل التصاقا بالبعد المادي عند الإنسان أو نزعته الحسية، كاللباس والطعام والشراب والتناسل مما يظهر أثره في حياة الإنسان وسلوكه، ويدخل في ثقافته في نهاية المطاف.
﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى
_________________
(١) ١ انظر: "خلاف الأمة في العبادات" لشيخ الإسلام ابن تيمية، المقدمة ص٦-٩.
[ ٣٣ ]
ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٦] .
وقال تعالى:
﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١] .
وقال تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥] .
وقال تعالى:
﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٣] .
وليس وراء هذه النزعة أو الشهوة في حياة الإنسان ما هو ألصق منها بالمتاع الحسي.. ومع ذلك فإن الأمر يُربط في القرآن الكريم بتقوى الله، والتذكير بالجنة ويوم الحساب.
وغني عن البيان -بعد هذا- أن نذكر أن أحكام الشريعة التي وردت في القرآن الكريم جاءت على هذا النحو مرتبطة بالإيمان بالله واليوم الآخر ومؤسسة على التقوى وعلى العلم بصفات الله ﷿، وأنه عليم حكيم، وسميع بصير، وحكيم خبير إلخ.
كما قامت على التذكير الدائب بعقد الإيمان الذي يعقده الإنسان مع ربه ﷿، منذ أن يدخل الإسلام ويرضى بحكم الله تعالى، سواء كان هذا التذكير بطريق مباشر، كقوله تعالى في أوائل سورة المائدة، بعد بيان حكم الله تعالى في العقود والصيد والطعام والزواج، وبعد الأمر بالوضوء والطهارة:
﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [المائدة: ٧] .
أو كان هذا التذكير بطريق غير مباشر، مثل جميع آيات التكليف التي جاءت مصدَّرة بهذا النداء الرباني: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، أو ربطت بالإيمان بوجه من الوجوه"١.
[ ٣٤ ]
ضرورة ومحاذير:
ولعله من نافلة القول، أن يأتي التأكيد -مرة أخرى- على أن هذه التقسيمات السالفة للدين إلى عقيدة وشريعة إنما هي تقسيمات فنية اصطلاحية من أجل الدراسة والمعرفة، اقتضتها ضرورة التأليف والتصنيف بعد نشأة العلوم واستقلالها بالتدوين.
وهذه الضرورة تنبه لها المفكر الإسلامي الكبير الأستاذ سيد قطب -﵀- وبيّن آثارها بعد ذلك، عند حديثه عن خاصية "الشمول" في التصور الإسلامي وأثرها في التوحيد بين الاعتقاد والتنظيم في الحياة، فقال:
"إن تقسيم النشاط الإنساني إلى "عبادات" و"معاملات" مسألة جاءت متأخرة عند التأليف في مادة "الفقه". ومع أنه كان المقصود به -في أول الأمر- مجرد التقسيم "الفني"، الذي هو طابع التأليف العلمي، إلا أنه -مع الأسف- أنشأ فيما بعد آثارا سيئة في التصور، تبعته -بعد فترة- آثار سيئة في الحياة الإسلامية كلها، إذ جعل يترسب في تصورات الناس أن صفة "العبادة" إنما هي خاصة بالنوع
_________________
(١) ١ عن "دراسات في الفكر الإسلامي"، لأستاذنا الدكتور عدنان محمد زرزور حفظه الله، ص٥٣، ٥٤.
[ ٣٥ ]
الأول من النشاط الذي يتناوله "فقه العبادات" بينما أخذت هذه الصفة تبهت بالقياس إلى النوع الثاني من النشاط الذي يتناوله "فقه المعاملات"! وهو انحراف بالتصور الإسلامي لا شك فيه. فلا جرم يتبعه انحراف في الحياة كلها في المجتمع الإسلامي "١.
وإذا كان تقسيم الإسلام إلى عقيدة وعبادة وشريعة وأخلاق مسألة فنية كذلك جاءت متأخرة عند التأليف في هذه العلوم، اقتضتها ضرورة البحث الفني والاختصاص، فإنها تركت آثارا في حس بعض الناس جعلتهم يظنون أنه يكفيهم أن يكونوا على عقيدة نظرية تستقر في قلوبهم دون أن يكون لذلك أثر في حياتهم، أو دون العمل بمقتضيات هذه العقيدة، ويحسبون أنهم متمسكون بهذا الدين حتى ولو كانوا يستمدون تشريعاتهم في جوانب الحياة الأخرى من مصادر بشرية أو مذاهب وأفكار أخرى لم يأذن بها الله، والله ﷾ يقول:
﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] .
وما كانت هذه الآثار نابعة عن التقسيم بحد ذاته، وإنما جاءت بعد أن بهت الدين في نفوس الناس والتبست عليهم الأمور واختلفت المفاهيم٢.
_________________
(١) ١ "خصائص التصور الإسلامي" ص١٣، وانظر: "مفاهيم ينبغي أن تصحح" للأستاذ محمد قطب، فصل: "لا إله إلا الله" وفصل: "العبادة"، وانظر فيما سيأتي ص٢٩١-٢٩٥. ٢ ولذلك كان من الغلو والإجحاف أن يجعل بعض الكاتبين هذا التقسيم مخالفا لحقيقة الدين حيث يقول: "إن ثنائية تقسيم الدين إلى عقيدة وشريعة من أخطر الأمور التي جرّت آثارا سيئة على ديننا الحنيف؛ وذلك لأن هذا التقسيم مخالف لحقيقة الدين التي تقوم على أمر واحد وهو تأليه الله -﷿- وحده " انظر: "في مجال العقيدة، نقد وعرض" تأليف غازي التوبة، ص٢٧، ٢٨.
[ ٣٦ ]
أهمية العقيدة وأثرها:
أما لماذا كان هذا الاهتمام بجانب العقيدة؟ ولماذا كانت هي الأصل الذي ينبثق عنه النظام؟ ولماذا ربطت بها سائر الأحكام؟ فهذا ما يجب أن نقف عنده وقفة نستجلي فيها الإجابة.
بعث الله تعالى محمدا -ﷺ- بعد فترة من الرسل، وبعد أن انحرفت البشرية عن دين الله تعالى ومنهجه، فضربت في بيداء التيه والضلال، وتجرّعت مرارة الضياع، وعبدت الشجر والحجر، والنجوم والدواب، واستعبدتْها الأهواء والشهوات، كما استعبدها الطغاة من الملأ، في كل مرة تمردت فيها على عبوديتها لله ﷾.
فكانت بعثة محمد -ﷺ- حياة ونورا، لا غنى للبشرية عنهما:
﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢] .
ووقف رسول الله -ﷺ- يصدع بكلمة الحق ويهتف بها في الناس قائلا: "أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا".
وظل القرآن الكريم في مكة المكرمة يتنزل على رسول الله -ﷺ- ثلاثة عشر عاما كاملة، يحدثه فيها عن قضية واحدة لا تتغير لقد كان يعالج القضية الأولى، والقضية الكبرى، والقضية الأساسية في هذا الدين قضية العقيدة والتوحيد، ممثلة في قاعدتها الرئيسية وأسّها الأول: الألوهية والعبودية، وما بينهما من علاقة.
وهذه القضية الكبرى، هي قضية كل إنسان؛ لأنها تفسر له سر وجوده في هذا الكون، وغايته التي يسعى من أجلها، وتفسر له نشأته، وتحدد له مصيره ونهايته،
[ ٣٧ ]
وتجيبه على الأسئلة التي يتوقف على الإجابة عليها تحديد كل ما من شأنه أن يرسم له المنهاج المستقيم لحياته في الدنيا والآخرة:
من أنت أيها الإنسان؟
ومن الذي أوجدك؟
ولماذا أوجدك في هذه الحياة؟
وما المصير والنهاية التي تنتهي إليها بعد هذه الحياة؟
ما هي علاقتك بهذا الكون الذي تعيش فيه؟ وما علاقتك بخالق هذا الكون، ﷾؟
وهذه هي الأسئلة التي تشغل بال الإنسان منذ أن أوجده الله تعالى في هذا الكون.
ولا يذهبَنَّ الظن بأحد من الناس ليقول: إنها كلمة سهلة، لا تحتاج إلى كل هذا الجهد والعناء، وإلى كل هذا الزمن المديد، الذي أنفقه الرسول ﷺ، من أجل تثبيتها في نفوس الناس وفي حياتهم!
لقد وجدنا كفار قريش، وكل الكفار من غير قريش، يُناصبون النبي -ﷺ- العداء؛ من أجل هذه الكلمة، ومن أجل هذه العقيدة، التي تزلزل كيانهم، وتجعل الأرض تميد تحت أقدامهم، ويشعرون أن السلطان الذي يستعبدون الناس باسمه سوف يُنزع من أيديهم ليُرَد إلى صاحبه الحقيقي، وهو الله ﷾.
فقد كانت عقيدة التوحيد هذه من أشد الأفكار غرابة على عقول الجاهليين وحسهم وشعورهم:
﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ
[ ٣٨ ]
أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٤، ٥] .
وبعد أن غرس النبي -ﷺ- تلك العقيدة في نفوس أصحابه، ورباهم عليها، وعرّفهم بربهم ﷾، وأن شأنهم هو شأن العبد مع الإله الخالق الرازق المشرِّع، وأنه لا إله إلا هو، وعرفهم تكاليف هذه العقيدة وأعباءها، وصبروا على الطريق الطويل الشاق، وخلصت نفوسهم لله عندئذ جاءت العناية بكل جوانب البناء الضخم لهذه الشريعة الخالدة، من عبادة وأخلاق وتشريع
فالعقيدة هي الأساس، الذي يقوم عليه البناء، وما لم يقم العمل على هذه العقيدة فإنه سيكون هباء منثورا، لا ينفع صاحبه:
﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] .
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور: ٣٩] .
وقضت إرادة الله ﷾ أن يقوم هذا الدين على قاعدة "الألوهية الواحدة" ".. كل تنظيماته، وكل تشريعاته، تنبثق من هذا الأصل الكبير وكما أن الشجرة الضخمة الباسقة، الوارفة، المديدة الظلال، المتشابكة الأغصان، الضاربة في الهواء.. لا بد لها من أن تضرب بجذورها في التربة على أعماق بعيدة، وفي مساحات واسعة تناسب ضخامتها وامتدادها في الهواء.. فكذلك هذا الدين".
"إن نظام هذا الدين يتناول الحياة كلها، ويتولى شئون البشرية، كبيرها وصغيرها، وينظم حياة الإنسان، لا في الحياة الدنيا وحدها، ولكن كذلك في الدار الآخرة، ولا في عالم الشهادة وحده، ولكن كذلك في عالم الغيب، ولا في المعاملات المادية الظاهرة وحدها، ولكن كذلك في أعماق الضمير ودنيا السرائر والنوايا، فلا بد إذن من جذور وأعماق بهذه السعة والضخامة
[ ٣٩ ]
والعمق والانتشار أيضا.
ومتى استقرت عقيدة "لا إله إلا الله" في أعماقها الغائرة البعيدة، استقر معها في الوقت نفسه النظام الذي تتمثل فيه: "لا إله إلا الله"، وتعين أنه النظام الوحيد، الذي ترتضيه النفوس التي استقرت فيها العقيدة، واستسلمت هذه النفوس ابتداء لهذا النظام"١.
ومن الأمثلة الكثيرة الرائعة، التي تدل على هذه الحقيقة، ما حدث عند نزول النهي عن الخمر، في مجلس شرب، ولم تكن الخمر قد حُرمت قبل ذلك، أي: في صدر الإسلام.
فعن ابن بريدة عن أبيه قال: بينما نحن قعود على شراب لنا، ونحن نشرب الخمر حِلًّا، إذ قمت حتى آتي رسول الله -ﷺ- فأسلّم عليه وقد نزل تحريم الخمر:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠، ٩١] .
فجئت إلى أصحابي، فقرأتها عليهم إلى قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ وبعض القوم شَرْبَتُه في يده، شرب منها بعضا وبقي بعض في الإناء، فقال بالإناء تحت شفته العليا كما يفعل الحجام، ثم صبوا ما في باطيتهم، فقالوا: انتهينا يا ربنا! انتهينا يا ربنا! ٢.
_________________
(١) ١ معالم في الطريق، ص٣١، ٣٢، طبعة دار الشروق، ١٣٩٩هـ. ٢ تفسير الطبري: ١٠/ ٥٧٢، تحقيق الشيخ محمود شاكر. وقوله: "فقال بالإناء " يعني: أماله ثم نزعه، كما ينزع الحجام كأس الحجامة. و"الباطية": إناء عظيم من زجاج يملأ من الشراب، يغرفون منها ويشربون.
[ ٤٠ ]
"ولم يزل الرسول -ﷺ- يربِّيهم تربية دقيقة عميقة، ولم يزل القرآن الكريم يسمو بنفوسهم ويذكي جمرة قلوبهم، ولم تزل مجالس الرسول -ﷺ- تزيدهم رسوخا في الدين، وعزوفا عن الشهوات، وتفانيا في سبيل المرضاة، وحنينا إلى الجنة، وحرصا على العلم، وفقها في الدين، ومحاسبة للنفس، يطيعون الرسول في المنشط والمكره، وينفرون في سبيل الله خفافا وثقالا ونزلت الآيات بكثير مما لم يألفوه ولم يتعودوه، وبكل ما يشق على النفس إتيانه، فنشطوا وخفوا لامتثال أمرها.
وانحلت العقدة الكبرى -عقدة الشرك والكفر- فانحلت العقد كلها، وجاهدهم الرسول -ﷺ- جهاده الأول، فلم يحتج إلى جهاد مستأنف لكل أمر ونهي. وانتصر الإسلام على الجاهلية في المعركة الأولى، فكان النصر حليفه في كل معركة.
رأينا كيف نزل تحريم الخمر، والكئوس المتدفقة على راحاتهم، فحال أمر الله بينها وبين الشفاه المتلمِّظة والأكباد المتَّقدة، كسرت دنان الخمر فسالت في سكك المدينة"١.
إن القلوب يجب أن تخلص أولا لدين الله تعالى، وتعلن عبوديتها له وحده، بقبول شرعه وحده، ورفض كل شرع آخر غيره، فإن نظام الله خير في ذاته؛ لأنه من شرع الله، ولن يكون شرع العبد يوما كشرع الله:
﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠] .
وما يزعم مسلم أبدا أن شرع العبد وحكم العبد كشرع الله وحكم الله، وإلا فهو الكفر:
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦] .
_________________
(١) ١ "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟ " لأبي الحسن الندوي، ص٩٨، ٩٩.
[ ٤١ ]
إن الاستسلام لله هو مقتضى الإيمان بالله وتوحيده؛ ولذلك تلقت تلك النفوس المؤمنة التي رباها رسول الله -ﷺ- أحكام الإسلام وتشريعاته بالرضى والقبول، لا تعترض على شيء منه فور صدورها إليها، ولا تتلكأ في تنفيذه بمجرد تلقيها له، وهكذا أبطلت الخمر.. وأبطل الربا.. وأبطل الميسر.. وأبطلت العادات الجاهلية كلها.. أبطلت بآيات من القرآن الكريم أو كلمات من الرسول، ﷺ.
بينما النظم الوضعية تجهد في هذا كله بقوانينها وتشريعاتها، ونظمها وأوضاعها، وجندها وسلطاتها، ودعايتها وإعلامها، فلا تبلغ إلا أن تضبط الظاهر من المخالفات، بينما المجتمع يعجّ بالمنهيات والمنكرات١.
ولعل في فشل دولة من أكبر الدول الغربية الجاهلية في منع الخمر، بعد أن سخّرت كل أجهزتها ووسائلها المتنوعة لتبشيعها وبيان أضرارها لعل في ذلك دليلا قاطعا وشاهدا صادقا على هذا.
هذا قانون البشر، وحكم البشر، وذاك حكم الله، وشريعة الله العليم الخبير:
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] .
_________________
(١) ١ يراجع كيف حرّم الله تعالى الخمر، في الجزء الخامس من كتاب "في ظلال القرآن"، ص٦٦٣-٦٦٧، طبعة دار الشروق، وكيف عجزت أمريكا عن ذلك، في كتاب "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟ " للسيد أبي الحسن الندوي، منقولا عن كتاب "تنقيحات" للسيد أبي الأعلى المودودي.
[ ٤٢ ]