مدخل
علم العقيدة:
لم يكن الجيل الأول من الصحابة -رضوان الله عليهم- بحاجة إلى تدوين العلوم في العقيدة والشريعة وغيرهما، فقد كانوا يتلقون من النبي -ﷺ- مباشرة كل ما يتعلق بأمر الدين والدنيا، والقرآن الكريم يتنزل على النبي -ﷺ- حسب الحاجات والوقائع، كما نجد ذلك واضحا صريحا في الآيات والسور التي أنزلت بعد الغزوات أو الحوادث التي كان لها أثرها في بناء المجتمع، أو في أعقاب سؤال أو استفتاء عن قضية معينة لمعرفة حكم الله فيها، ينزل القرآن فيصقل النفوس ويزكيها، ويربي الأمة، ويعالج ما يطرأ من مشكلات، ويجيب على ما ينشأ من تساؤلات، ويحمل المؤمن على الالتزام بالأوامر الإلهية دون تردد أو تلكؤ؛ ليحققوا بذلك مقتضى إيمانهم، فيتم التفاعل الكامل مع النصوص الشرعية، قرآنا ناطقا، وسنة حادثة.
وكان الجيل الأول على عقيدة نقية صافية، ببركة صحبة النبي -ﷺ- وقرب العهد بزمانه، ولِمَا فُطروا عليه من سليقة تمكنهم من الفهم بعد التلقي، فالقرآن الكريم يتنزل بلغتهم التي يفهمونها وتجري على ألسنتهم كما يجري الدم في عروقهم، مما جعلهم جميعهم على عقيدة واحدة لا يختلفون فيها، رغم ما قد يقع من خلاف في أحكام فرعية تشريعية.
[ ٤٥ ]
ويصف المقريزي -﵀- حالهم في ذلك فيقول:
"إن الله تعالى لما بعث من العرب نبيه محمدا -ﷺ- رسولا إلى الناس جميعا، وصف لهم ربهم ﷾ بما وصف به نفسه الكريمة في كتابه العزيز، وبما أوحى إليه ربه تعالى، فلم يسأله -ﷺ- أحد من العرب بأسرهم عن معنى شيء من ذلك، كما كانوا يسألونه عن أمر الصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك مما لله سبحانه فيه أمر ونهي، وكما سألوه -ﷺ- عن أحوال القيامة والجنة والنار، إذ لو سأله إنسان منهم عن شيء من الصفات الإلهية لنُقل كما نقلت الأحاديث الواردة عنه -ﷺ- في أحكام الحلال والحرام ونحو ذلك مما تضمنته كتب الحديث.
ومن أمعن النظر في كتب الحديث النبوي ووقف على الآثار السلفية، علم أنه لم يرد قط، من طريق صحيح ولا سقيم، عن أحد من الصحابة -﵃- على اختلاف طبقاتهم وكثرة عددهم أنه سأل رسول الله -ﷺ- عن معنى شيء مما وصف الرب سبحانه به نفسه الكريمة في القرآن الكريم وعلى لسان نبيه محمد -ﷺ- ولا فرّق أحد منهم بين كونها صفة ذات أو صفة فعل، وإنما أثبتوا له تعالى صفات أزلية، من العلم والقدرة، والحياة والإرادة، والسمع والبصر والكلام، والجلال والإكرام، والجود والإنعام، والعز والعظمة. وهكذا أطلقوا ما أطلقه الله تعالى على نفسه الكريمة من الوجه واليد ونحو ذلك، مع نفي مماثلة المخلوقين، فأثبتوا لله تعالى الصفات بلا تشبيه بخلقه، ونزّهوه عن صفات النقص من غير تعطيل وإنكار. ولم يتعرض أحد منهم إلى تأويل شيء من هذا، ورأوا -بأجمعهم- إجراء الصفات كما وردت.
ولم يكن عند أحد منهم ما يستدل به على وحدانية الله تعالى، وعلى إثبات نبوة محمد -ﷺ- سوى كتاب الله، فما عرف أحد منهم شيئا من الطرق الكلامية
[ ٤٦ ]
ولا المناهج الفلسفية"١.
ففي الدليل على معرفة الخالق ﷾، يستدلون بمثل قول الله تعالى:
﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس: ٣١] .
وقوله تعالى:
﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ، وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ، تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٦-٨] .
وأمثال ذلك من الآيات الكريمة الدالة على الخالق ﷾ دلالات ظاهرة قريبة من الأفهام، تنفع النفوس وتغرس في القلوب الاعتقادات الجازمة.
أما الدليل على وحدانية الله تعالى ووجوب عبادته وحده، فيستدلون بقوله تعالى:
﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] .
وبقوله تعالى:
﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا
_________________
(١) ١ "الخطط المقريزية": ٣/ ٣٠٩، ٣١٠ بتصرف يسير، وانظر: "إعلام الموقعين" لابن القيم ١/ ٤٩، "شرح العقائد النسفية" للتفتازاني ص١٥، "مفتاح السعادة ومصباح السيادة" تأليف أحمد مصطفى الشهير بطاش كبرى زاده: ٢/ ١٤٣، "التفكير الفلسفي في الإسلام" للدكتور عبد الحليم محمود ص١١٩-١٢٦.
[ ٤٧ ]
بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] .
وبقوله تعالى:
﴿لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢] .
أما صدق الرسول -ﷺ- فيستدل عليه بقوله تعالى:
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] .
وأما اليوم الآخر والإيمان بالبعث، فيستدل عليه بقوله تعالى:
﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ، أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ، إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٧٨-٨٢] .
وبقوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٥-٧] .
وأمثال ذلك في القرآن الكريم كثيرة
لهذا كله لم يكن الصحابة والتابعون -رضوان الله عليهم- بحاجة إلى تدوين علم العقيدة أو أصول الدين، وإلى ترتيب مباحثه كتبا وأبوابا وفصولا، كما نجد اليوم مثلا.
[ ٤٨ ]
أولًا: نشأة علم العقيدة
العوامل الداخلية
أولا: نشأة علم العقيدة:
ثم جدّت بعد ذلك أمور اقتضت تدوين مسائل العقيدة في علم مستقل. ونشير فيما يلي إلى أهم هذه الأسباب والعوامل، فيما نستخلصه من الوقائع، لعل باحثا يقوم بتتبع ذلك وتقديم دراسة متكاملة عن مراحل التدوين وأساليبه في مجال العقيدة الإسلامية.
العوامل الداخلية:
١- التحق رسول الله -ﷺ- بالرفيق الأعلى، بعد أن بلّغ رسالة ربه ﵎، وترك في هذه الأمة ما إن تمسكت به لن تضل بعده أبدا: كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، وكان كتاب الله تعالى محفوظا في صدور الصحابة، ومكتوبا في الصحف -على ما كان متيسرا من وسائل الكتابة- ليكون ذلك وسيلة لتحقيق وعد الله تعالى بحفظ الذكر، ثم جمع في مصحف واحد في عهد أبي بكر ﵁، ثم كان الجمع الثاني ونسخ المصاحف وتوزيعها في الأمصار في عهد عثمان ﵁، وقد توفر لهذا الكتاب ما لم يتوفر لكتاب آخر؛ سماوي أو غير سماوي١.
أما الحديث وسنة النبي -ﷺ- فلم تُدَوَّن رسميا تدوينا شاملا في عهد رسول الله ﷺ، كما دُوِّن القرآن الكريم، وإنما كانت محفوظة في الصدور، نقلها
_________________
(١) ١ انظر: "الموافقات في أصول الشريعة" للشاطبي: ٢/ ٥٨-٦١، "الإحكام في أصول الأحكام" لابن حزم: ٤/ ٤٥٣، ٤٥٤، "إظهار الحق" للشيخ ﵀ الهندي ص٢٠٧ وما بعدها.
[ ٤٩ ]
صحابة رسول الله -ﷺ- إلى من بعدهم من التابعين مشافهة وتلقينا، وإن كان عصر النبي -ﷺ- لم يخل من كتابة بعض الحديث، لا على سبيل التدوين الرسمي. ولقد انقضى عهد الصحابة ولم تدون فيه السنة إلا قليلا، وتكاد تجمع الروايات على أن أول من فكر بالجمع والتدوين للسنة من التابعين: عمر بن عبد العزيز، ﵁، إذ أرسل إلى أبي بكر بن حزم -عامله وقاضيه على المدينة-: "انظر ما كان من حديث رسول الله -ﷺ- فاكتبه؛ فإني خفت دروس العلم١ وذهاب العلماء". فكتب شيئا من السنة.. وقام محمد بن شهاب الزهري -وكان عَلَما خفَّاقا من أعلام السنة في عصره- بتدوين كل ما سمعه من أحاديث الصحابة غير مبوّب على أبواب العلم، وربما كان مختلطا بأقوال الصحابة والتابعين، وهذا ما تقتضيه طبيعة البداءة في كل أمر جديد٢.
ثم شاع التدوين في الجيل الذي يلي جيل الزهري، في النصف الأول من القرن الثاني الهجري، مع ضم الأبواب بعضها إلى بعض في كتاب واحد -على ما فعله الإمام مالك في "الموطأ" ثم من بعده البخاري ومسلم في "صحيحيهما"، وأصحاب السنن في "جوامعهم وسننهم"- فبعد أن كان أهل الحديث يجمعون الأحاديث المختلفة في الصحف والكراريس، أصبحوا يرتبون الأحاديث على الأبواب، مثل: باب الإيمان، باب العلم، باب الطهارة، باب الطلاق باب التوحيد باب السنة، وهكذا.
_________________
(١) ١ درس العلم، أي: عفا وخفيت آثاره. ٢ "السنة ومكانتها في التشريع" للدكتور مصطفى السباعي ص١٠٣-١٠٧، وانظر: "دراسات في الحديث النبوي" د. محمد مصطفى الأعظمي: ١/ ٧٧ وما بعدها، "قواعد التحديث" للشيخ جمال الدين القاسمي ص٧٠-٧٢ "السنة قبل التدوين" د. محمد عجاج الخطيب ص٢٩٠ وما بعدها، "تدوين السنة: نشأته وتطوره" د. محمد مطر الزهراني ص٦٥ وما بعدها.
[ ٥٠ ]
فكان هذا التبويب للأحاديث كان النواة الأولى في استقلال كل باب، فيما بعد، بالبحث والنظر والعناية بالبيان وبيان الأحكام، فعن أبواب الإيمان، والوحي، والسنة، والتوحيد.. نشأ علم العقيدة واستقل عن العلوم الأخرى المستنبطة من الكتاب والسنة، فكان هذا هو العامل الأول.
٢- وأما الثاني: فقد كان المسلمون عند وفاة رسول الله -ﷺ- على منهاج واحد في أصول الدين وفروعه، غير من أظهر وفاقا وأضمر نفاقا وكانوا على كلمة واحدة في أبواب العدل والتوحيد، والوعد والوعيد، وفي سائر أصول الدين، وإنما كانوا يختلفون في فروع في مسائل كثيرة، بل يمتد هذا الخلاف إلى عهد النبي -ﷺ- وكان اختلافهم هذا لا يورث تضليلا ولا تفسيقا١؛ لأنه في أمور لا تمس العقيدة، وإنما هي مسائل فرعية، ثم هي مما لم يرد بها نص صريح عن الله تعالى أو عن رسوله -ﷺ- أو جاءت في بعضها نصوص مختلفة، بعضها يعارض بعضا في ظاهر الأمر.
فلم يكن بد لأحدهم من أن يجتهد برأيه، فيستنبط من نصوص الشريعة العامة حكم بعض المسائل أو يقيس شيئا على شيء، ولم يكن بد لأحدهم -إذا جاءته نصوص مختلفة- من أن يوازن بين هذه النصوص فيرجح بعضها أو يخصص كل نص بحالة تغاير حالة النص الآخر، أو غير ذلك من وجوه الترجيح٢.
_________________
(١) ١ "الفَرْق بين الفِرَق" للبغدادي ص١٤. وعن الفرق بين ما يجوز من الاختلاف في الفروع وما لا يجوز من الاختلاف والتفرق في العقيدة، انظر: "الحجة في بيان المحجة" للأصبهاني: ٢/ ٢٨٨، ٢٢٩، "الإبانة" لابن بطة العكبري: ١/ ٥٥٧-٥٦٢، "أعلام الحديث" للخطابي: ١/ ٢١٨-٢٢١، "خلاف الأمة في العبادات" لابن تيمية ص٢٩ وما بعدها. ٢ من تعليقات الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد، على "مقالات الإسلاميين" للأشعري ص٣٧، ٣٨".
[ ٥١ ]
ثم اختلف الناس في أشياء اتخذها قوم من بعدهم تكأة؛ إما للطعن في بعض الصحابة، وإما جعلوها أساسا لنِحْلَتهم، أو استدلوا بها في مسألة من مسائلهم التي اتخذوها شعارا لهم، ثم تعمق الخلاف وأدى إلى نشوء جماعات متفرقة.
يقول الإمام أبو الحسن الأشعري، ﵀: "اختلف الناس بعد نبيهم -ﷺ- في أشياء كثيرة، ضلّل بعضهم بعضا، وبرئ بعضهم من بعض، فصاروا فرقا متباينين، وأحزابا متشتتين، إلا أن الإسلام يجمعهم ويشتمل عليهم. وأول ما حدث من الاختلاف بين المسلمين بعد نبيهم -ﷺ- اختلافهم في الإمامة وهذا اختلاف بين الناس إلى اليوم١.
وبعد هذا الاختلاف قامت كل فرقة تجادل عن رأيها وتؤيده بالأدلة، وتدفع رأي الآخرين وترد عليه، فوضعت في ذلك كتب ومؤلفات، فكان ذلك من عوامل نشأة الكتابة والتدوين في هذا الجانب.
٣- ونضيف هنا عاملا ثالثا هو: ما نجم وظهر من البدع والانحرافات عن العقيدة الصافية التي كان عليها الصحابة -رضوان الله عليهم- بعد سنوات من خلافة علي رضي الله عنه٢.
_________________
(١) ١ "مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين" للإمام أبي الحسن الأشعري ص٣٤. ٢ بل قد يقع شيء من الانحراف عن الإسلام والعقيدة حتى في حياة النبي -ﷺ- ولكنه بذاته لا يشكل فرقة أو مذهبا، إنما يشكل بذرة لمذهب أو أصلا، كما يشير إليه حديث أبي سعيد الخدري فيما أخرجه البخاري "٦/ ٦١٨" ومسلم: "٢/ ٧٤٠١"؛ قال: بينما نحن عند رسول الله -ﷺ- وهو يقسم قسما، إذ أتاه ذو الخويصرة، وهو رجل من بني تميم فقال: يا رسول الله، اعدل. فقال: "ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل؟! فقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل". فقال عمر: يا رسول الله، ائذن لي فيه فأضرب عنقه فقال: "دعه؛ فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّمِيَّة ".
[ ٥٢ ]
ونجتزئ هنا بما كتبه العلامة المقريزي في "الخطط" وهو يدرس عقائد أهل الإسلام منذ ابتداء الملة الإسلامية إلى أن انتشر مذهب الأشعري، ويرصد البدع التي ظهرت في المجتمع، ويرسم خطا لتطورها التاريخي، فيقول:
"مضى عصر الصحابة -﵃- على هذا، إلى أن حدث في زمنهم القول بالقدر، وأن الأمر أُنُف، أي: إن الله تعالى لم يقدّر على خلقه شيئا مما هم عليه.
وكان أول من قال بالقدر في الإسلام: معبد بن خالد الجهني. وكان يجالس الحسن البصري، فتكلم في القدر بالبصرة، وسلك بعض أهل البصرة مسلكه لما رأوا عمرو بن عبيد ينتحله، وأخذ معبد هذا الرأي عن رجل من الأساورة يقال له: يونس سنسويه، ويعرف بالأسوري، فلما عظمت الفتنة به عذبه الحجاج، وصلبه بأمر عبد الملك بن مروان سنة ثمانين، ولما بلغ عبد الله بن عمر بن الخطاب، ﵄، مقالة معبد في القدر تبرأ من القدرية، واقتدى بمعبد في بدعته هذه جماعة من الناس.
وأخذ السلف -﵏- في ذم القدرية، وحذَّروا منهم، كما هو معروف في كتب الحديث، وكان عطاء بن يسار قاضيا يرى القدر، وكان يأتي هو ومعبد الجهني إلى الحسن البصري فيقولان له: إن هؤلاء يسفكون الدماء، ويقولون: إنما تجري أعمالنا على قدر الله؟ فقال: كذب أعداء الله، فطُعن على الحسن بهذا ومثله.
_________________
(١) قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله -ﷺ- وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه "وهم الخوارج الذين خرجوا على علي ﵁".وانظر: "الوصية الكبرى" لشيخ الإسلام ابن تيمية ص٦٥-٦٨ بتحقيقنا، الطبعة الثانية.
[ ٥٣ ]
وحدث أيضا في زمن الصحابة -﵃- مذهب الخوارج، وصرحوا بالتكفير بالذنب، والخروج على الإمام وقتاله، فناظرهم عبد الله بن عباس -﵄- فلم يرجعوا إلى الحق١، وقاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁- وقتل منهم جماعة، كما هو معروف في كتب الأخبار، ودخل في دعوة الخوارج كثير، ورُمي جماعة من أئمة الإسلام بأنهم يذهبون إلى مذهبهم، وعُد منهم غير واحد من رواة الحديث، كما هو معروف عند أهله.
وحدث أيضا في زمن الصحابة -﵃- مذهب التشيع لعلي بن أبي طالب، ﵁، والغلو فيه، فلما بلغه ذلك أنكره وحرّق بالنار جماعة ممن غلا فيه٢، وأنشد:
لما رأيت الأمر أمرا منكرا أجّجت ناري ودعوت قَنْبَرا
وقام في زمنه -﵁- عبد الله بن وهب بن سبأ المعروف بابن السوداء السبئي، وأحدث القول بوصية رسول الله -ﷺ- لعلي بالإمامة من بعده، فهو وصي رسول الله -ﷺ- وخليفته على أمته من بعده بالنص، وأحدث القول برجعة علي بعد موته إلى الدنيا، وبرجعة رسول الله -ﷺ- أيضا، وزعم أن عليا لم يُقتَل،
_________________
(١) ١ بل رجع منهم عدد كبير بعد مناظرة ابن عباس -﵄- ففي الرواية نفسها: "فرجع منهم عشرون ألفا، وبقي منهم أربعة آلاف فقتلوا". انظر: "المصنف" للإمام عبد الرزاق: ١٠/ ١٦٠، "مجمع الزوائد": ٦/ ٢٤١. وفي "المستدرك" للحاكم: ٢/ ١٥٢: "فرجع من القوم ألفان، وقتل سائرهم على ضلالة" قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. ٢ أخرج البخاري ٦/ ١٤٩ عن عكرمة أن عليا -﵁- حرّق قوما، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم؛ لأن النبي -ﷺ- قال: "لا تعذبوا بعذاب الله"، ولقتلتهم كما قال النبي ﷺ: "من بدّل دينه فاقتلوه" وانظر: "فتح الباري": ٦/ ١٤٩-١٥١، ١٢/ ٢٦٩-٢٧٢.
[ ٥٤ ]
وأنه حي، وأن فيه الجزء الإلهي، وأنه هو الذي يجيء في السحاب، وأن الرعد صوته والبرق سوطه، وأنه لا بد أن ينزل إلى الأرض فيملأها عدلا كما ملئت جورا.
ومن ابن سبأ هذا تشعبت أصناف الغلاة من الرافضة، وصاروا يقولون بالوقف، يعنون أن الإمامة موقوفة على أناس معينين، كقول الإمامية بأنها في الأئمة الاثني عشر، وقول الإسماعيلية بأنها في ولد إسماعيل بن جعفر الصادق.
وعنه أيضا أخذوا القول بأن الجزء الإلهي يَحُلّ في الأئمة بعد علي بن أبي طالب، وأنهم بذلك استحقوا الإمامة بطريق الوجوب كما استحق آدم -﵇- سجود الملائكة. وعلى هذا الرأي كان اعتقاد الخلفاء الفاطميين ببلاد مصر١.
وابن سبأ هذا هو الذي أثار الفتنة على أمير المؤمنين عثمان بن عفان -﵁- حتى قُتل، وكان له عدة أتباع في عامة الأمصار "أي: أصحاب كثيرون في معظم الأقطار" فكثرت لذلك الشيعة وصاروا ضدا للخوارج، وما زال أمرهم يقوى وعددهم يكثر.
ثم حدث بعد عصر الصحابة -﵃- مذهب جهم بن صفوان "توفي ١٢٨هـ"، بالمشرق، فعظمت الفتنة به، فإنه نفى أن يكون لله تعالى صفة، وأورد على أهل الإسلام شكوكا أثرت في الملة الإسلامية آثارا قبيحة، تولد عنها بلاء كبير، وكان قبيل المائة من سِنِي الهجرة، فكثر أتباعه على أقواله التي تئول إلى التعطيل، فأنكر أهل الإسلام بدعته، وتعاونوا على إنكارها وتضليل أهلها، وحذروا
_________________
(١) ١ يميل القارئ إلى صحة نسب الفاطميين، وإلى ذلك يذهب ابن خلدون وابن الأثير، ولكن أدلة كثيرة تُثبت أنهم عبيديون من أصول مجوسية ولا يصح نسبهم لفاطمة -﵂- وإلى هذا ذهب عدد كبير من المؤرخين الثقات؛ كالحافظ ابن حجر والذهبي وابن حزم والسيوطي وابن خلكان. انظر: "تاريخ الخلفاء" للسيوطي "٥٢٤، ٥٢٥"، و"جاء دور المجوس" ص٧٥، و"قضية نسب الفاطميين"، و"الحاكم بأمر الله".
[ ٥٥ ]
من الجهمية وعادَوْهم في الله، وذموا من جلس إليهم، وكتبوا في الرد عليهم ما هو معروف عند أهله.
وفي أثناء ذلك حدث مذهب الاعتزال منذ زمن الحسن البصري المتوفى سنة ١١٠هـ -﵀- "على يد واصل بن عطاء المتوفى سنة ١٣١هـ"، وصنفوا فيه مسائل في العدل والتوحيد وإثبات أفعال العباد، وأن الله تعالى لا يخلق الشر، وجهروا بأن الله لا يُرَى في الآخرة، وأنكروا عذاب القبر على البدن، وأعلنوا أن القرآن مخلوق مُحْدَث إلى غير ذلك من مسائلهم، فتبعهم خلائق في بدعهم، وأكثروا من التصنيف في نصرة مذهبهم بالطرق الجدلية، فنهى أئمة الإسلام عن مذهبهم، وذموا علم الكلام، وهجروا من ينتحله، ولم يزل أمر المعتزلة يقوى، وأتباعهم تكثر، ومذهبهم ينتشر في الأرض.
ثم حدث مذهب التجسيم المضاد لمذهب الاعتزال، فظهر محمد بن كرّام بن عراق بن حزانة، أبو عبد الله السجستاني، زعيم الطائفة الكرّامية، بعد المائتين من سني الهجرة، وأثبت الصفات حتى انتهى فيها إلى التجسيم والتشبيه، وحج وقدم الشام، ومات بزغر في صفر سنة ست وخمسين ومائتين، فدفن بالقدس، وكان هناك من أصحابه زيادة على عشرين ألفا، على التعبد والتقشف، سوى من كان منهم ببلاد المشرق، وهم لا يحصون لكثرتهم
وكانت بين الكرامية بالمشرق، وبين المعتزلة مناظرات وفتن كثيرة، متعددة أزماتها.
هذا، وأمر الشيعة يفشو بين الناس، حتى حدث مذهب القرامطة المنسوبين إلى حمدان الأشعث -المعروف بقرمط- وكان ابتداء أمره في سنة أربع وستين ومائتين، وكان ظهوره بسواد الكوفة، فاشتهر مذهبه بالعراق. وقام أتباعه ببلاد
[ ٥٦ ]
الشام والعراق والبحرين بالدعوة إلى مذهبه الذي يقوم على القول بالباطن، وهو تأويل شرائع الإسلام وصرفها عن ظواهرها إلى أمور زعموها من عند أنفسهم، وتأويل آيات القرآن الكريم ودعواهم فيها تأويلا بعيدا، وانتحلوا بدعا ابتدعوها بأهوائهم فضلّوا وأضلوا عالما كثيرا ممن دخل في مذهبهم. وكان بينهم وبين خلفاء بني العباس حروب وفتن، فأوقعوا بعساكر بغداد، وأخافوا الخلفاء وفرضوا الأموال التي تُحمل إليهم كل سنة من تلك البلاد التي غزوها.
هذا، وقد كان المأمون، عبد الله بن هارون الرشيد، سابع خلفاء بني العباس، لما شغف بالعلوم القديمة بعث إلى بلاد الروم من عرّب له كتب الفلاسفة وأتاه بها في أعوام بضع عشرة سنة ومائتين من سني الهجرة. فانتشرت مذاهب الفلسفة في الناس، واشتهرت كتبهم بعامة الأمصار، وأقبلت المعتزلة والقرامطة والجهمية وغيرهم عليها، وأكثروا من النظر فيها والتصفح لها، فانجر على الإسلام وأهله من علوم الفلاسفة ما لا يوصف من البلاء والمحنة في الدين، وعظم بالفلسفة ضلال أهل البدع وزادتهم كفرا إلى كفرهم.
ولما قامت دولة بني بُوَيْه في بغداد سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، وأظهروا مذهب التشيع قويت بهم الشيعة وكثرت ببغداد الفتن بين الشيعة والسنة.
وفشا مذهب الاعتزال في العراق وخراسان وما وراء النهر وقوي أمر الخلفاء العبيديين بإفريقيا وبلاد المغرب وجهروا بمذهب الإسماعيلية، وبثّوا دعاتهم في البلاد وملكوها سنة ثمانٍ وخمسين وثلاثمائة وبعثوا بعساكرهم إلى الشام، فانتشرت مذاهب الرافضة في عامة بلاد المغرب ومصر والشام، وديار بكر، والكوفة، والبصرة، وبغداد، وجميع العراق، وبلاد خراسان وما وراء النهر خلا بلاد الحجاز واليمن والبحرين. وكانت بينهم وبين أهل السنة من الفتن والحروب والمقاتل ما لا يمكن حصره لكثرته. واشتهرت مذاهب الفِرَق، من القدرية، والجهمية، والمعتزلة،
[ ٥٧ ]
والكرامية، والخوارج، والروافض، والقرامطة، والباطنية، حتى ملأت الأرض. وما منهم إلا نظر في الفلسفة وسلك من طرقها ما وقع عليه اختياره، فلم يبق مصر من الأمصار، ولا قطر من الأقطار إلا وفيه طوائف كثيرة ممن ذكرنا.."١.
ولما ظهرت هذه البدع، وقف علماء السلف وأهل السنة يردون عليها ويحذرون منها، ويوضحون أصول العقيدة، ويدعون للتمسك بها. فكان ذلك واحدا من أهم العوامل التي ساعدت على تدوين علم العقيدة واستقلاله، في كتب ومؤلفات خاصة.
٤- هناك عامل رابع، كان له أثره في نشأة التدوين في العقيدة الإسلامية، وهو اختلاف طبيعة المنهج الذي سلكه المسلمون بعد عصر الصحابة في التفكير والفهم لمسائل الألوهية والعقيدة، نشأ عنه الانشغال ببعض المشكلات التي لم تظهر مبكرة، أو لم يكن هناك ما يدعو للانشغال بها أو التعمق في بحثها والتفكير فيها، ونشأ عن هذا ظهور مشكلات وقضايا شغلت الفكر الإسلامي، وكان لها أثرها في نشوء الفرق وبالتالي الكتابة حولها.
كان موضوع التفكير في عهد الرسول والصحابة هو موضوع الألوهية وما يتفرع عنها، إذ وصف الله تعالى نفسه في القرآن الكريم، وعرّفنا بدلائل قدرته كي نعبده ونسلم له، إذ وصف نفسه باعتبار ذاته بأنه الأول والآخر، والظاهر والباطن وغير ذلك من الصفات التي تعرّفنا بالله؛ غنيا بنفسه، أبديا، واسع القدرة والعلم، محيطا بكل شيء.
ووصف نفسه بأنه الخالق المبدئ المعيد، والبارئ والمصور، والمحيي والمميت..
_________________
(١) ١ "الخطط المقريزية": ٣/ ٣١٠-٣١٢ بتصرف يسير، وانظر: "منهاج السنة" لابن تيمية: ١/ ١٠٦-١١٦، "مختصر الصواعق المرسلة": ١/ ٢١، "تذكرة الحفاظ": ١/ ١٦٠ و٣٢٨، ٣٢٩.
[ ٥٨ ]
إلى غير ذلك من الصفات التي تبين أنه الخالق المطلق، المدير الحاكم الملِك، الذي لا قوة ولا سلطان غير سلطانه في الوجود.
وباعتبار علاقته بالإنسان، وصف نفسه بأنه: الرحمن الرحيم، غافر الذنب وقابل التوب، والعفوّ الحليم
كما وصف نفسه بأنه المهيمن والهادي والوكيل، والرازق والمعطي والمغني، يبسط الرزق لمن يشاء وغير ذلك من الأوصاف التي تدل على أن صلة العبد بالله تعالى هي صلة احتياج، فالعبد محتاج إلى عفوه وتدبيره، والله هو الرقيب والحسيب عليه
والله إذن هو الفاعل لكل شيء في الوجود، وإرادته هي سبب ما في الوجود كله يضل من يشاء ويهدي من يشاء.
والإنسان المؤمن، لا يستطيع إزاء ذلك غير أن يرجو الله ويدعوه الهداية، وأن يسأله أن لا يجعله من الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم، وكانوا في الآخرة من الخاسرين.
هذا الاعتقاد في "الله" ﷻ على هذا النحو، كان واضحا عند الرسول -ﷺ- وعند جماعته من المهاجرين والأنصار. وكانوا يبشرون به ويدفعون عنه، وإذا تليت عليهم آيات الذكر الحكيم قالوا: آمنا به، كلٌّ من عند ربنا. لم يلجئوا إلى تفتيش عن المتشابه فيه، ولم تكن بهم حاجة إلى تأويله.
كان ذلك عنوان الجماعة الإسلامية، ومظهر إيمانها على عهد رسول الله -ﷺ- وكان هو حال المؤمنين حقا.
ولكن لأمرٍ ما بعد وفاة الرسول -ﷺ- ابتدأت الجماعة الإسلامية تحاول فهم
[ ٥٩ ]
وهل يوصف الله تعالى بصفات سلبية، أم لا يوصف بها؟ إلخ.
وظهرت كذلك مسألة "القدر" التي نهى النبي -ﷺ- عن الخوض فيها١، فقد وردت في القرآن الكريم آيات تشعر للوهلة الأولى بأن الإنسان مجبور مقهور ولا إرادة له، كقوله تعالى:
﴿إِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُل كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨] .
﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] .
وجاءت آيات أخرى تشعر بالاختيار، كقوله تعالى:
﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] .
وقد تجد في آيات أخرى ما يشعر بالأمرين معا:
﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا، وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٢٩، ٣٠] .
_________________
(١) ١ أخرج الإمام أحمد في "المسند": "٢/ ١٧٨"، وابن ماجه في "السنن": "١/ ٢٠" "صحيح ابن ماجه"، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: خرج رسول الله -ﷺ- على أصحابه وهم يختصمون في القدر، فكأنما يفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب، فقال: "بهذا أمرتم أو لهذا خلقتم؟ تضربون القرآن بعضه بعض. بهذا هلكت الأمم قبلكم". وأخرج الإمام مسلم في "صحيحه": "٤/ ٢٠٥٣" عن عبد الله بن عمرو قال: هجّرت إلى رسول الله -ﷺ- يوما. قال: فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية، فخرج علينا رسول الله -ﷺ- يعرف في وجهه الغضب، فقال: "إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب".
[ ٦١ ]
فشغل المسلمون أنفسهم بذلك: هل الإنسان مسيَّر أم مخيَّر؟ وإذا كان كذلك فهل هو مسئول عن عمله؟ وما حدود هذه المسئولية؟ وغير ذلك من الأسئلة التي طرحت في أعقاب التعمق في هذه المسألة مع البعد عن منهج السلف في العمل والعبودية والخضوع لله، فإذا انضم إلى ذلك محاولة كل فريق أن يسند رأيه بآية أو حديث، يضعهما في غير موضعهما، أو يؤولهما ليؤيد رأيه بذلك، أو يأخذ بعض النصوص ليعارض بها نصوصا أخرى؛ إذا انضم هذا إلى ذاك علمنا مقدار الخسارة والجهد الذي أضاعه المسلمون في بحث هذه المشكلات والتعمق فيها والرد على أصحابها، وإن كان ذلك لا بد منه لرد الشبهات وإقامة الحجة١.
والمسألة الثالثة التي شغلت التفكير الإسلامي كذلك، هي مسألة "مرتكب الكبيرة"، وفي أول الأمر كانت ممثلة في أحداث جزئية، ثم بالتدريج أخذت تظهر في صورة عامة وتفرعت عن هذه المسألة مسائل أخرى؛ كمسألة الإمامة، وحقيقة الكفر، وحقيقة الإيمان، وزيادة الإيمان ونقصانه.
وعن البحث في هذه المسائل نشأت في الجماعة الإسلامية فرق وأحزاب: الخوارج، والشيعة، والمرجئة، والمعتزلة..٢ وذهبت كل فرقة تدافع عن رأيها ومعتقدها، فكان هذا من العوامل التي دفعت بأهل السنة إلى الرّدّ على هذه الفرق فنشأت الكتابة في العقيدة؛ لبيان الحق ورد الشبهات.
_________________
(١) ١ راجع: "التفكير الفلسفي في الإسلام"، "١٢٩-١٣٣"، "نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام": ١/ ٢٢٩-٢٣٣، "المذاهب الإسلامية" ص٩٩-١٠٢. وعن الإيمان بالقدر وموقف السلف والنهي عن التعمق فيه انظر: "شرح العقيدة الطحاوية" ص٢٥٠-٢٨٠، واقرأ ما كتبه الأستاذ سيد قطب -﵀- في "خصائص التصور الإسلامي ومقوماته" القسم الأول ص١٤٣-١٥٤ عن التوازن بين مجال المشيئة الإلهية الطليقة، ومجال المشيئة الإنسانية المحدودة. ٢ "الجانب الإلهي" للدكتور محمد البهي ص٦٧، ٦٨، "المذاهب الإسلامية" لأبي زهرة ص١٠٢.
[ ٦٢ ]
العوامل الخارجية:
كانت تلكم هي أهم العوامل والمؤثرات الداخلية في نشأة علم العقيدة واستقلاله عن العلوم الأخرى. وهنا نشير إلى العوامل الخارجية التي ساهمت في نشوء وتطور التدوين في الجانب العقائدي، وهي احتكاك المسلمين بغيرهم من أصحاب الديانات والمذاهب الفلسفية، عن طريق اللقاء المباشر والجدل مع أصحابها، أو عن طريق الترجمة التي بدأت في عهد الدولة الأموية، ثم اتسعت في عهد الدولة العباسية.
وكان للخليفة المأمون أثر كبير في هذا، حيث فعل ما لم يفعله السابقون، وهو أنه ترجم الكتب الخاصة بالإلهيات والأخلاق وأمثال ذلك مما سموه بـ "ما وراء الطبيعة".
وليس من غرضنا هنا أن نعرض بالتفصيل لحركة النقل والترجمة وأثرها والمنهج الذي سارت عليه والطريق الذي اتخذته. وحسبنا إشارة سريعة إلى الاحتكاك المباشر بين المسلمين وغيرهم عندما اتسعت رقعة الدولة الإسلامية وتهيأت الأسباب لهذا الاحتكاك المباشر بين المسلمين واليهود من جهة، وبين المسلمين والنصارى من جهة ثانية، وكذلك بين المسلمين والمجوس، ثم بينهم وبين الفلسفة اليونانية وغيرها.
فاليهود الذين عاصرهم النبي -ﷺ- في المدينة بعد الهجرة، وهم الذين كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج ببعثة نبي جديد، هم الذين كفروا بالنبي -ﷺ- وناصبوه العداء من اللحظة الأولى، وتنوّعت وسائلهم في الصد عن الدعوة، والمماطلة والجدال، وإلقاء الشبهات، والحرب الفكرية والنفسية.
وكان القرآن الكريم يتولى مناقشتهم والرد عليهم وبيان مؤامراتهم، كما أوضح
[ ٦٣ ]
تحريفهم لكتبهم، ورسم صورة صادقة لطبيعتهم ونفسيتهم.
وبعد أن خرج اليهود من الجزيرة العربية، قاموا بدور كبير في عدائهم لهذا الدين -ومنهم من دخل فيه ظاهرا وهم على حقد وضغينة- وقد بدأ اتصالهم بالمسلمين لإثارة الفتنة، فكان لعبد الله بن سبأ دوره في الفتنة في عهد عثمان -﵁- ثم تتابعت مظاهر الفتنة في نشر فكرة الإمام المعصوم والوصي والرجعة التي تلقفتها عنهم الفرق الباطنية، وأثاروا الجدل بين المسلمين حول الذات الإلهية والصفات، ومعروف عنهم التشبيه والتجسيم كما هو في كتبهم، وقد انتقلت هذه الأفكار إلى التراث الإسلامي مما عرف بـ "الإسرائيليات" في كتب التفسير والحديث.
وأثاروا أيضا بين المسلمين الجدل حول الجبر والاختيار وغير ذلك من أمور عقائدية، وعندئذ قام المسلمون بالرد على مفتريات اليهود وشبهاتهم وناقشوا عقائدهم، واصطنعوا لذلك منهجا يقوم على النظر والدليل، فكان بعد ذلك هذا التراث الإسلامي من كتب العقيدة والرد على اليهود.
وأما النصارى؛ فقد بدأ الجدال بينهم وبين المسلمين في الحبشة أولا، عند الهجرة الأولى للمسلمين، في حقيقة المسيح، وفي الكلمة وغيرها، وفي مسائل تدور حول العقيدة الإسلامية في المسيح. ثم وَفَدَ نصارى نجران إلى المدينة، وجادلوا النبي -ﷺ- في شأن عيسى -﵇- وقد دعاهم النبي -ﷺ- إلى المباهلة، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١] .
ثم وصل الإسلام إلى الشام والعراق ومصر، فبدأت النصرانية تنازعه نزاعا،
[ ٦٤ ]
فكريا شديدا١. وثار الجدل حول طبيعة المسيح، وحول مسائل الألوهية، وفكرة الجوهر والعَرَض، والأقانيم الثلاثة، والوحدانية، وفكرة الخطيئة والصلب. وبلغ الجدل ذروته من الشدة بعد "يوحنا الدمشقي" "طبيب الأمويين الذي وضع للنصارى أصول الجدل مع المسلمين" على يد "يوحنا النقيوسي" المصري الذي رحل إلى الحبشة وبدأ يرسل رسائله إلى أقباط مصر، يحاول فيها مناقشة العقائد الإسلامية، والحيلولة دون اعتناقهم الإسلام ثم تتابع النقاش في عهد العباسيين٢.
وساعد هذا الجدل على توجيه أنظار المسلمين إلى معالجة مسائل جديدة، ومشكلات عقائدية ظهرت على سطح المجتمع الفكري. وقد يكون علم الكلام أيضا -كما سمي في فترة من الزمن- نتيجة التأثر بالكلام النصراني أو اللاهوت.
وكان لترجمة كتب الفلسفة اليونانية والرومانية وإقبال بعض المسلمين عليها، أثر في بعض المسلمين الذين فتنوا بها، فحاولوا التفلسف في ضوئها وتأثروا بها منهجا وموضوعا حين راحوا يفسرون تعاليم الإسلام في ضوء هذه الفلسفة، وحاولوا التوفيق بينها وبين الإسلام، وفسّروا القرآن على ضوء الفكر اليوناني، على
_________________
(١) ١ انظر: "نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام" د. على سامي النشار: ١/ ٦٢. ٢ وكان لعلماء المسلمين مناقشات لمذاهب المسيحيين، وتركوا لنا تراثا ضخما في هذا المجال يتمثل فيما كتبه ابن حزم في كتابه "الفصل في الملل والأهواء والنحل" والجويني في "شفاء الغليل في بيان ما وقع في التوراة والإنجيل من التبديل" والغزالي في "الرد الجميل" والقرطبي في "الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام" وابن تيمية في "الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح" وابن قيم الجوزية في "هداية الحيارى" وأبو الفضل المالكي في "المنتخب الجليل" والميورقي في "تحفة الأريب" والبغدادي في "الفارق بين المخلوق والخالق" والقرافي في كتابه "الأجوبة الفاخرة" وأبو عبيدة الخزرجي في كتابه "بين الإسلام والمسيحية" وابن معمَّر في "منحة القريب المجيب في الرد على عُبَّاد الصليب" وكلها مطبوعة، وأمثالها كثير.
[ ٦٥ ]
حد تعبير العلامة المفكر محمد إقبال ﵀. ومع أن هذه الفلسفة وسَّعت آفاق النظر العقلي عند مفكري الإسلام، فإنها غشَّت على أبصارهم في فهم القرآن١.
وقام فريق من العلماء المسلمين يزيِّفون آراء الفلاسفة وتهافتهم، ويقيمون صرح التفكير الإسلامي على أسس مغايرة لما حاوله الفلاسفة، وكان نتيجة ذلك كثير من الكتب في الجانب العقائدي.
وليست هذه الفلسفة هي كل ما اتصل به المسلمون وردوا عليه، فهناك أيضا المذاهب الغنوصية الشرقية٢.
يقول الدكتور علي سامي النشار: "وقد قابل الإسلام هذه المذاهب في جميع البلاد التي دخلها بلا استثناء. فقابلها في العراق، وفي إيران، وقابلها في مصر في شكل الأفلاطونية المحدثة.
وقد بدأ غنوص تلك المذاهب يهدم الإسلام منذ قوّض الإسلام عقائد تلك المذاهب وطقوسها القديمة، وكانت من أخطر المذاهب الهدامة التي جالدت الإسلام حاربته بالسيف والقلم، وهاجمته بقوة وعنف. على أن هذه الدعوة ما زالت آثارها حتى الآن تتمثل في غلاة الشيعة وفي الإسماعيلية وفي البهائية"٣.
_________________
(١) ١ "تجديد الفكر الديني في الإسلام" ص٨، ٩. وقد أوضح المقريزي أثر ترجمة كتب الفلسفة على المسلمين فيما نقلناه عنه سابقا في ص٥٧. ٢ "الغنوص" أو "الغنوسيس" كلمة يونانية الأصل معناها: المعرفة، غير أنها أخذت بعد ذلك معنى آخر اصطلاحيا، هو التوصل بنوع من الكشف إلى المعارف العليا. أو هو تذوق تلك المعارف تذوقا مباشرا بأن تلقى في النفس، فلا تستند على الاستدلال أو البرهنة العقلية. انظر: "نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام": ١/ ١٨٦، ١٨٧، "المعجم الفلسفي" ص١٣٣. ٣ "نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام": ١/ ٦٢، ٦٣.
[ ٦٦ ]
واتصل المسلمون بهذه المذاهب وناقشوا أصحابها وردوا عليها، ومن خلال المناقشة والرد كانت تتضح كذلك الجوانب العقدية التي يدعو الإسلام إليها، فنشأت الكتابة في العقيدة الإسلامية.
نتائج وملاحظات:
ومن هذا العرض الموجز للعوامل المؤثرة في نشأة علم العقيدة وتدوينه يمكن أن نقول: إن هذه النشأة كانت "استجابة لضرورة طبيعية ملحة، تمثلت في مشكلات سياسية واجتماعية نجمت في حياة المسلمين، وباتت تهدد باستفحالها المطرد البناء الديني، الذي قام عليه المجتمع الإسلامي. كما تمثلت في تحديات دينية وفلسفية مع الأديان والفلسفات القديمة، باتت تروج بين المسلمين وتهدد بنية العقيدة الإسلامية. فهذه المشكلات والتحديات، دفعت الفكر الإسلامي في سبيل الدفاع عن مرجعيته العقدية إلى أن يتجه إلى معالجة تنظيرية، فكانت نشأة علم العقيدة بمنزلة الاستجابة لتحديات ناجمة من صميم واقع المسلمين"١.
وهذا مما يدعو إلى التأكيد على وجوب الالتفات إلى التحديات الفكرية والعقدية والمشكلات المعاصرة ومناقشتها وبيان ما فيها من خطورة على العقيدة الإسلامية، بدلا من الإغراق في دراسة أمور ومشكلات تاريخية لا وجود لها في حياتنا المعاصرة على الأعم الأغلب.
ونجد أمثلة على هذه الكتابات المعاصرة فيما قدمه الأستاذ سيد قطب -﵀- عن "خصائص التصور الإسلامي ومقوماته" والأستاذ محمد قطب -حفظه الله- في كتبه وبخاصة "مذاهب فكرية معاصرة"، وفي سلسلة الشيخ محمد سرور زين العابدين -حفظه الله- عن "قضايا العصر على ضوء عقيدة أهل السنة والجماعة"
_________________
(١) ١ "في فقه التدين؛ فقها وتنزيلا" للدكتور عبد المجيد النجار: ٢/ ٢٥، ٢٦.
[ ٦٧ ]
ولئن كانت مواجهة تلك العوامل أمرا ضروريا، فإن بعضها قد سبب انحرافا في المنهج الذي سلكه بعض العلماء، متمثلا في "علم الكلام"، الذي وقف منه علماء السلف موقفا متشددا، على ما سنلمح إليه فيما يأتي، إن شاء الله تعالى.
وفي هذا يقول الأستاذ سيد قطب ﵀:
"ولقد وقع -في طور من أطوار التاريخ الإسلامي- أن احتكت الحياة الإسلامية الأصيلة المنبثقة من التصور الإسلامي الصحيح، بألوان الحياة الأخرى التي وجدها الإسلام في البلاد المفتوحة، وفيما وراءها كذلك، ثم بالثقافات السائدة في تلك البلاد.
واشتغل الناس في الرقعة الإسلامية، وقد خلت حياتهم من هموم الجهاد، واستسلموا لموجات الرخاء وجدّت في الوقت ذاته في حياتهم من جراء الأحداث السياسية وغيرها مشكلات للتفكير والرأي والمذهبية، كان بعضها في وقت مبكر منذ الخلاف المشهور بين علي ومعاوية.
اشتغل الناس بالفلسفة الإغريقية والمباحث اللاهوتية التي تجمعت حول المسيحية، والتي ترجمت إلى اللغة العربية ونشأ عن هذا الاشتغال الذي لا يخلو من طابع الترف العقلي في عهد العباسيين، وفي الأندلس أيضا، انحرافات واتجاهات غريبة على التصور الإسلامي الأصيل، التصور الذي جاء ابتداء لإنقاذ البشرية من مثل هذه الانحرافات، ومن مثل هذه الاتجاهات وردها إلى التصور الإسلامي الإيجابي الواقعي، الذي يدفع بالطاقة كلها إلى مجال الحياة للبناء، والتعمير، والارتفاع والتطهير، ويصون الطاقة أن تنفق في الثرثرة، كما يصون الإدراك البشري أن يُزَجّ به في التيه بلا دليل.
ووجد جماعة من علماء المسلمين أن لا بد من مواجهة آثار هذا الاحتكاك،
[ ٦٨ ]
بردود وإيضاحات وجدل حول ذات الله -سبحانه- وصفاته، وحول القضاء والقدر، وحول عمل الإنسان وجزائه، وحول المعصية والتوبة إلى آخر المباحث التي ثار حولها الجدل في تاريخ الفكر الإسلامي، ووجدت الفرق المختلفة: خوارج وشيعة ومرجئة، قدرية وجبرية، سنية ومعتزلة إلى آخر هذه الأسماء.
كذلك وجد بين المفكرين المسلمين من فُتِن بالفلسفة الإغريقية -وبخاصة شروح فلسفة أرسطو، أو المعلم الأول كما كانوا يسمونه- والمباحث اللاهوتية "الميتافيزيقية" وظنوا أن "الفكر الإسلامي" لا يستكمل مظاهر نضوجه واكتماله؛ أو مظاهر أبهته وعظمته؛ إلا إذا ارتدى هذا الزي -زي التفلسف والفلسفة- وكانت له فيه مؤلفات!
وكما يفتن منا اليوم ناس بأزياء التفكير الغربية، فكذلك كانت فتنتهم بتلك الأزياء وقتها، فحاولوا إنشاء "فلسفة إسلامية" كالفلسفة الإغريقية، وحاولوا إنشاء "علم الكلام" على نسق المباحث اللاهوتية مبنية على منطق أرسطو! "١.
_________________
(١) ١ انظر: "خصائص التصور الإسلامي" للأستاذ سيد قطب ص١١، ١٢.
[ ٦٩ ]
ثانيًا: التطور التاريخي لتدوين العقيدة
مدخل
التطور التاريخي لتدوين العقيدة:
إجمال وبيان:
إن من أكثر الألفاظ دورانا على الألسنة، وتداولا بين الناس: لفظ "العقيدة" وما يقاربها ويتفق معها في الاشتقاق، كالاعتقاد، والعقائد، والعقدي وعلى كثرة استعمال هذه الكلمة التي غدت مصطلحا شائعا، فإننا لا نجد لها استعمالا في القرآن الكريم ولا في الحديث النبوي الشريف، وإن كانت المادة موجودة في القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وقوله: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] .
ولذلك يرى بعض الباحثين أنها مُستحدَثة في العصر العباسي للمعنى الذي استعملت فيه، وأن اللفظ المستعمل في القرآن الكريم والحديث الشريف: "الإيمان". وقد استعمل لفظ "العقيدة" أجيالٌ من أئمة المسلمين بمعنى: الأفكار الأساسية التي يجب على المؤمن بدين أن يصدقها ويقبلها، أي: يعتقدها. واستعمال السلف من العلماء والأئمة دليل على جواز استعمال هذه الكلمة لهذا الجانب من جوانب الدين١.
ولعل هذا يدعونا إلى استقراء المصطلحات الفنية بعد تدوين العلوم الإسلامية، التي بُحثت هذه الأفكار العقدية من خلالها، لنبين أصل استعمال كل
_________________
(١) ١ "الفكر الإسلامي الحديث في مواجهة الأفكار الغربية" للأستاذ محمد المبارك، ص٧٥.
[ ٧٣ ]
منها في اللغة، واستعماله في لسان الشرع بعامة، وفي الجيل الأول بخاصة. ثم كيف أصبح ذا مدلول خاص بعد ذلك. وقد يترتب على استعمال هذه المصطلحات آثار نلمع إلى شيء منها عَرَضا دون الدخول في التفصيلات١.
والاستقراء -وإن لم يكن تاما، بل على حسب الوسع والطاقة وما أتيح لي من اطلاع- يرشدنا إلى هذه المصطلحات الآتية التي رتبتها بحسب ظهورها واستعمالها تاريخيا، حيث أذكر أول من استعمل اللفظ أو كتب فيه، ثم أُتبعه بمن تابعه على ذلك ولو في عصور متأخرة، دون استقصاء أو استيعاب.
ففي القرن الثاني الهجري كان تدوين العقيدة الإسلامية تحت عنوان "الفقه الأكبر".
وفي القرن الثالث ظهر مصطلحا "الإيمان" و"السنة".
وفي نهاية هذا القرن وبداية القرن الرابع كان التدوين تحت مصطلح "التوحيد" ثم "الشريعة"، يليهما مصطلحا "العقيدة" و"أصول الدين".
واستقرت هذه المصطلحات أو الإطلاقات عند أهل السنة، فكان التدوين والتأليف في العقيدة الإسلامية تحت واحد من هذه العناوين.
فإذا وصلنا إلى عصرنا الحاضر وجدنا بعض التجديد في الكتابة وأسلوبها، ويمكن أن نرصد هنا مصطلحا جديدا هو "التصور الإسلامي".
وفيما يلي من صفحات عرض سريع لهذه المصطلحات، وأهم الكتب حسب الترتيب التاريخي، ومن الله نستمد العون والتوفيق:
_________________
(١) ١ أشار إلى ذلك الغزالي في "إحياء علوم الدين": ١/ ٣٢-٣٦، والأستاذ المبارك في المرجع السابق ص٧٥، وانظر كتاب الأستاذ أبي الحسن الندوي: "ربانية لا رهبانية".
[ ٧٤ ]
١- الفقه الأكبر:
تعريف الفقه في اللغة:
قال العلامة اللغوي ابن فارس في "معجم مقاييس اللغة" "٤/ ٢٤٢":
فَقِه: الفاء والقاف والهاء أصل واحد صحيح، يدل على إدراك الشيء والعلم به، تقول: فَقِهْتُ الحديث أفقهه.
وكل علم بشيء فهو فقه ثم اختص بذلك علم الشريعة، فقيل لكل عالم بالحلال والحرام: فقيه. وأفقهتُك الشيء، إذا بينتُه لك.
وقال ابن منظور في "لسان العرب" "١٣/ ٥٢٢":
"الفقه: العلم بالشيء والفهم له. وغلب على علم الدين؛ لسيادته وشرفه وفضله على سائر أنواع العلم كله ".
وقال الراغب الأصفهاني في "المفردات في غريب القرآن" ص٣٨٤:
الفقه: هو التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد١، فهو أخص من العلم، قال تعالى: ﴿فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨]، ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٧] إلى غير ذلك من الآيات.
والفقه: العلم بأحكام الشريعة، يقال: فَقُه الرجل فقاهة، إذا صار فقيها، وفَقِه، أي: فهم، فقها، وفَقِهه، أي: فهمه، وتفقّه؛ إذا طلبه فتخصص به، قال تعالى: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢] .
_________________
(١) ١ قال الكَفَوِيّ في "الكليات" "٣/ ٣٤٤": "الفقه في العرف: الوقوف على المعنى الخفي الذي يتعلق به الحكم. وإليه يشير قولهم: هو التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد. أعني: أنه تعقل وعثور يعقب الإحساس والشعور ".
[ ٧٥ ]
نتائج وملاحظات:
من هذه النصوص وغيرها نستنبط أمرين:
الأمر الأول: أن الفقه في اللغة هو الفهم والعلم بالشيء، أو هو فهم غرض المتكلم خاصة، ومنهم من يجعله خاصا بفهم وعلم الأمور الخفية الدقيقة التي تحتاج إلى النظر والاستدلال١.
والأمر الثاني: أن العرف قد خص الفقه بعلم الدين أو العلم بأحكام الشريعة كلها. وهذا المعنى الشرعي العام هو الذي كان معروفا عند السلف في العصر الأول قبل أن يخصصه المتأخرون بمعرفة الأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية، كما هو المشهور عند الفقهاء والأصوليين٢.
وقد أوضح الإمام الغزالي هذا في حديثه عما بُدِّل من ألفاظ العلوم إلى معانٍ غير ما أراده السلف الصالح والقرن الأول، فقال في حديثه عن "الفقه":
"فقد كان الفقه يطلق في العصر الأول على علم طريق الآخرة، ومعرفة دقائق آفات النفوس ومفسدات الأعمال، وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا -بالنسبة للآخرة- وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة، واستيلاء الخوف على القلب. ويدلك على هذا المعنى قول الله ﷿: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢] .
وما يحصل به الإنذار والتخويف هو هذا الفقه، دون تفريعات الطلاق
_________________
(١) ١ انظر "الصحاح" للجوهري: ٦/ ٢٢٤٣، "ترتيب القاموس المحيط": ٣/ ٥١٣، "التعريفات" للجرجاني ص٢١٦. ٢ انظر: "كشاف اصطلاحات الفنون" للتهانوي: ١/ ٤٢، "الكليات" للكفوي: ٣/ ٣٤٥، وعامة كتب الأصول.
[ ٧٦ ]
والعتاق واللعان والسَّلَم والإجارة فذلك لا يحصل به إنذار ولا تخويف. بل إن التجرد لهذه التفريعات والاشتغال بها على الدوام -دون ملحظ آخر- يقسِّي القلب وينزع الخشية منه، كما نشاهد من المتجردين له.
وقال تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩] وأراد به معاني الإيمان دون الفتاوى. ولعمري، إن الفقه والفهم في اللغة اسمان بمعنى واحد، وإنما يتكلم في عادة الاستعمال به قديما وحديثا. قال تعالى: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ [الحشر: ١٣] .
فأحال قلة خوفهم من الله واستعظامهم سطوة الخلق على قلة الفقه. وليس ذلك نتيجة عدم الحفظ لتفريعات الفتاوى، وإنما هو نتيجة عدم ما ذكرناه من العلوم، "أي: معرفة الآخرة ودقائق آفات النفوس ".
ولست أقول: إن اسم الفقه لم يكن متناولا للفتاوى في الأحكام الظاهرة، ولكن كان متناولا له بطريق العموم والشمول، أو بطريق الاستتباع، فكان إطلاقهم له على علم الآخرة أكثر.
ثم تصرف المتأخرون في اسم "الفقه" بالتخصيص، لا بالنقل والتحويل، إذ خصَّصوه بمعرفة الفروع الغريبة في الفتاوى والوقوف على دقائق عللها، واستكثار الكلام فيها، وحفظ المقالات المتعلقة بها.
وكان هذا التخصيص بعد أن انقرض السلف الصالحون، وذهب أهل القرون الفاضلة الأولون، وانقلبت العلوم كلها صناعات بعد أن كانت مقاصد وغايات"١.
وعلى هذا المنهج في عموم معنى كلمة "الفقه" جاء التعريف المنقول عن أبي
_________________
(١) ١ "إحياء علوم الدين" للغزالي: ١/ ٣٢، ٣٣ بتصرف يسير، وتقديم في بعض العبارات.
[ ٧٧ ]
حنيفة -﵀- بأنه: "معرفة النفس ما لها، وما عليها" أي: ما تنتفع به النفس وما تتضرر به في الآخرة، أو ما يجوز لها وما يجب عليها وما يحرم. وهذا يتناول الأحكام الاعتقادية كوجوب الإيمان ونحوه، والأحكام الوجدانية الأخلاقية مما حث عليه الإسلام؛ كالصدق والأمانة والوفاء ونحوها، ويشمل أيضا الأحكام العملية؛ كالصلاة والصوم والبيع ونحوها١.
ويُفَصَّل في هذا الاستخدام لكلمة "الفقه" بهذا المعنى، فإن كان للاعتقاديات سمي "الفقه الأكبر"؛ لأنه "أكبر" بالنسبة للأحكام العملية الفرعية التي تسمى "الفقه الأصغر"، ولأن شرف العلم وعظمته بحسب المعلوم، ولا معلوم أكبر من ذات الله تعالى وصفاته، الذي يبحث فيه هذا العلم؛ لذلك سمي "الفقه الأكبر"٢.
١- وأول من استخدم مصطلح "الفقه الأكبر" هو الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت "١٥٠هـ"؛ فقد روي عنه كتاب بهذا الاسم، وهو مشهور عند أصحابه، رووه بالإسناد عن أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي٣. وهو متن صغير، يقع مطبوعا في بضع ورقات، "حدد فيه عقائد أهل السنة تحديدا منهجيا"٤. ويرد فيه على المعتزلة والقدرية والجهمية والشيعة.
_________________
(١) ١ "التوضيح لمتن التنقيح" لصدر الشريعة ١/ ١٠، ١١، "كشف الأسرار شرح أصول البزدوي" للبخاري: ١/ ٨، "كشاف اصطلاحات الفنون" للتهانوي: ١/ ٤١، ٤٢. ٢ انظر: "كشف الأسرار على أصول البزدوي": ١/ ٨. ٣ انظر: "فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية": ٥/ ٤٦، "درء تعارض العقل والنقل": ٦/ ٢٦٣، ٢٦٤. وقال العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم عن "الفقه الأكبر": "شهرته معروفة، وثابت عن أبي حنيفة بالأسانيد الثابتة، ويوجد من هو دعيّ في الأحناف ليس منهم أشكل عليه نسبته إليه " انظر: فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: ١٣/ ١٤٣، وراجع بحثا جيدا عن هذا في أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة، د. محمد عبد الرحمن الخميس، ص١١٦-١٢٢. ٤ "نشأة الفكر الفلسفي" للنشار: ١/ ٢٣٤.
[ ٧٨ ]
ويشتمل على خمسة أبواب؛ الباب الأول في القدر، والبابان الثاني والثالث في المشيئة، والرابع في الرد على من يكفر بالذنب، والباب الخامس في الإيمان١.
قال أبو مطيع البلخي: سألت أبا حنيفة عن الفقه الأكبر؟ فقال: "لا تكفر أحدا بذنبه، ولا تنفِ أحدا من الإيمان، وأن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطاك لم يكن ليصيبك، ولا تتبرأ من أحد من أصحاب رسول الله ﷺ، ورضي عنهم، ولا توالِ أحدا دون أحد، وأن ترد أمر عثمان وعلي -﵄- إلى الله ﷿.
قال أبو حنيفة ﵀: الفقه الأكبر في الدين أفضل من الفقه في العلم، ولأن يتفقه الرجل كيف يعبد ربه خير له من أن يجمع العلم الكثير.
قال أبو مطيع: قلت: فأخبرني عن أفضل الفقه؟ قال: أن يتعلم الرجل الإيمان والشرائع والسنن والحدود واختلاف الأئمة.."٢.
ثم ذكر بقية المسائل والأبواب على هذه الطريقة بكلام حسن نفيس، مع استدلال بالقرآن الكريم والحديث الشريف ومقاصد الشريعة الإسلامية.
وقد نال كتاب "الفقه الأكبر" العناية من العلماء المتقدمين والمتأخرين؛ فشرحه أبو الليث السمرقندي "٣٧٣"، والبزدوي "٤٨٢"، وهناك روايات وشروح أخرى،٣ منها شرح منسوب للإمام أبي منصور الماتريدي، ونسبة هذا الشرح إلى الماتريدي موضع نظر؛ لأنه يحتج على الأشعرية ويحتج لهم، وذلك يشير -بلا ريب- إلى أنه متأخر عن أبي الحسن الأشعري، مع أنهما في الحقيقة متعاصران، إذ
_________________
(١) ١ انظر: "نظم الدرر في شرح الفقه الأكبر" للقاضي عبيد الله ص٢٨. ٢ المرجع السابق. وبعض الألفاظ صحّحتها مما نقله شيخ الإسلام ابن تيمية عنه. ٣ انظر: "كشف الظنون": ٢/ ١٢٨٧، "تاريخ الأدب العربي" لبروكلمان: ٣/ ٢٣٨-٢٤٠.
[ ٧٩ ]
الماتريدي توفي سنة "٣٣٢هـ"، والأشعري توفي سنة "٣٣٣" أو سنة "٣٣٤"١.
وينقل العلماء آراء أبي حنيفة واعتقاده من هذا الكتاب، كما فعل شيخ الإسلام ابن تيمية٢. وللفقه الأكبر روايات أخرى غير رواية أبي مطيع هذه، منها رواية حماد بن أبي حنيفة، وهي التي شرحها الملا علي القاري الهروي المكي "١٠١٤هـ" في كتابه "منح الروض الأزهر شرح الفقه الأكبر"٣، وهو مطبوع متداول. وكان قد شرحه آخرون قبله كالبزدوي "٤٨٢هـ"، وأكمل الدين البابرتي "٧٨٦هـ"، وأبي المنتهي المغنيساوي "القرن العاشر"، وغيرهم كثير٤.
وهذه الرواية تختلف عن رواية أبي مطيع، فهي أوسع مادة وأكثر مسائل، تبدأ بالكلام على "أصل التوحيد وما يصحّ الاعتقاد عليه؛ يجب أن يقول: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، والقدر خيره وشره من الله تعالى، والحساب والميزان، والجنة والنار".
ثم يتحدث عن الأسماء والصفات، ويقول: "فما ذكره الله تعالى في القرآن من ذكر الوجه واليد والنفس، فهو له صفات بلا كيف، ولا يقال: إن يده قدرته أو نعمته".
_________________
(١) ١ انظر: "أبو حنيفة"، للشيخ محمد أبي زهرة ص١٦٨. ويلاحظ أن الرد على الأشعرية وليس على أبي الحسن الأشعري ﵀، ففي حياته لم يكن هذا المذهب الذي انتسب إليه من جاء بعده ممن عرفوا بهذه النسبة. ٢ "فتاوى شيخ الإسلام": ٥/ ٤٦-٤٨، "درء تعارض العقل والنقل" ٦/ ٢٦٣، ٢٦٤. ٣ وهو تحت الطبع بتحقيقي، إن شاء الله تعالى. ٤ انظر: "أبو حنيفة" لأبي زهرة ص١٦٨، ١٦٩"، "كشف الظنون" لحاجي خليفة: ٢/ ١٢٨٧، "تاريخ الأدب العربي" لبروكلمان: ٣/ ٢٣٧-٢٤٠، "دائرة المعارف الإسلامية" للمستشرقين: ١/ ٤٥٦، ٥٤٧.
[ ٨٠ ]
ويرد هنا على القدرية والمعتزلة الذين يؤولون هذه الصفات بالقدرة أو النعمة؛ "لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدرة والاعتزال. ولكن يده صفته بلا كيف، وغضبه ورضاه صفتان من صفاته تعالى بلا كيف" إلخ.
ثم يعرض لمسائل: الفطرة والميثاق المأخوذ على بني آدم، وأفعال العباد، والطاعات والمعاصي، وعصمة الأنبياء، ومكانة الصحابة، ويذكر شعائر أهل السنة المخالفة للمبتدعة..
ويعقب ذلك بالكلام على الثواب والعقاب وآيات الأنبياء وكرامات الأولياء، ورؤية المؤمنين ربهم في الجنة، ويبين معنى الإيمان ووجهة نظره في زيادته من جهة اليقين والتصديق وعدم زيادته من جهة المؤمن به، ثم هل الإيمان والإسلام مترادفان أم متغايران؟ وما يتصل به من مباحث ومسائل.
ثم الكلام على الشفاعة، ووزن الأعمال يوم القيامة.. وسائر السمعيات.. ويختم بالكلام على أبناء النبي -ﷺ- وبناته وبعض علامات الساعة. ولعل بعض هذه المسائل التي لم تكن ظاهرة بين العلماء في عهدهم -كالكرامة وما يتعلق بها- جعلت بعض الباحثين يشككون في نسبة الكتاب إليه، وقد ينضم إلى ذلك أن بعض المسائل وردت في هذه الرواية، ولم ترد في الرواية السابقة عن أبي مطيع البلخي التي تقدمت.
ولكن شهرة الكتاب بين أصحابه قد تغني عن الإسناد، رغم أنه منقول بالإسناد، ولا عجب في اختلاف الروايات، فإننا نجد هذا في كتب كثيرة صحيحة النسبة لأصحابها١، كما أن ما جاء فيه من آراء يتفق مع ما هو مشهور عن أبي
_________________
(١) ١ ومن أمثلتها في كتب العقائد: "كتاب السنة" للإمام أحمد بن حنبل، فقد طبع في القاهرة مع "الرد على الجهمية" طبعة غير مؤرخة، ثم طبعت رواية أخرى لكتاب "السنة" في مكة المكرمة سنة "١٣٤٩هـ"، "دائرة المعارف الإسلامية للمستشرقين: ٢/ ٣٧٤" ثم أعيد طبعها مع "الرد على الجهمية" في الرياض بتصحيح الشيخ إسماعيل الأنصاري، دون تاريخ، نشر وتوزيع رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.
[ ٨١ ]
حنيفة ﵀، وما هو في الكتب التي صحت نسبتها إليه١، وإن كان هذا لا ينفي أن تكون بعض المسائل ألحقت في الكتاب على يد بعض الشراح، أو هي في أصلها من كلام الشارحين لم تتميز عن كلام الإمام، والله أعلم.
٢- وينسب كذلك للإمام الشافعي، محمد بن إدريس، ﵀، "٢٠٤هـ" كتاب باسم "الفقه الأكبر" يقول عنه حاجي خليفة في "كشف الظنون" "٢/ ١٢٨٧": "وهو جيد جدا، مشتمل على فصول، قرأه بعض أهل حلب على الشيخ زين الدين الشماع، لكن في نسبته إلى الشافعي شك، والظن الغالب أنه من تأليف بعض أكابر العلماء".
ويرجح بروكلمان "٢/ ٢٩٨" أنه يرجع إلى أوساط إسرائيلية، متأسيا في ذلك بالمستشرق اليهودي جولدزيهر الذي يرجع كل أثر إسلامي إلى أصول إسرائيلية!
وقد طبع الكتاب في القاهرة سنة "١٩٠٠م" وتقع مخطوطته في ثلاث وعشرين صفحة٢، أوله بعد الحمد: "هذا كتاب ذكرنا فيه ظواهر المسائل في أصول الدين التي لا بد للمكلف من معرفتها والوقوف عليها، وسميناه "الفقه الأكبر"، وأعرضنا عن بسط الأدلة؛ قصدا للتقريب على المبتدئ. وبالله التوفيق".
ثم عرض لمسائل العقيدة مسألة مسألة؛ فبدأ بما يجب على المكلف معرفته، وما يدخل في التكليف، ومعرفة الله تعالى، ووجوب النظر والاستدلال، ثم تحدث عن الصفات، وما يجوز على الله تعالى، وبحث في القرآن الكريم وأنه كلام الله قديم
_________________
(١) ١ مثل كتاب: "العالم والمتعلم" و"الوصية" و"الفقه الأبسط" وكلها في العقائد. ٢ وهي ضمن مجموع برقم "٥٠٩" مجاميع، بمركز البحث العلمي بمكة المكرمة.
[ ٨٢ ]
أزلي، ثم رؤية الله تعالى وكذلك يبحث في المشيئة ومسألة أفعال العباد وكسبهم والاستطاعة.
ثم يعرض لقدرة الله تعالى على البعث، وتنزهه -﷾- عن الظلم في مسائل عديدة تتصل بذلك، ويعرض للخلاف في مسألة الآجال والرزق.
وبعد ذلك يتحدث عن المعجزة التي يؤيد الله بها المرسلين، وأنها لا تظهر على أيدي الكاذبين، وأنه يجب الإيمان بجميع الأنبياء والرسل، ويبحث في دلائل نبوة نبينا محمد -ﷺ- وإعجاز القرآن الكريم.
ويقف وقفة أطول في بحث الإيمان وحقيقته، وأنه أصل وفرع، مبينا أن زيادته ونقصانه إنما يكونان في فرع الإيمان لا في أصله؛ لأن النقصان في أصله كفر، فلا يمكن فيه الزيادة١.
ثم يلي ذلك حديثه عن فُسّاق المؤمنين إذا ما ماتوا قبل التوبة وأنهم تحت المشيئة، وأن الذنوب كلها معاصٍ تستحق العقاب، وتختلف مقاديرها باختلاف الذنوب.
ويتحدث عن الشفاعة والجنة والنار وأنهما مخلوقتان وأن نعيم الجنة لا يزول، ويدخل في هذا: الحديث عن نعيم القبر وعذابه، والميزان والصراط، والحوض.
ويختم الكتاب بالحث على التمسك بالإجماع والجماعة ويحذر من الفرقة والخلاف، ويبين مسألة الإمامة وأن الإمام الحق بعد الرسول -ﷺ- هو أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵃ أجمعين.
ويشير إلى شروط الإمامة ومكانة الصحابة ﵃ أجمعين. وذلك كله بعبارة ناصعة قوية واضحة، تجد فيها، في مواضع كثيرة، روح الإمام الشافعي وأسلوبه، وفي بعضها تقف لتشك في أن هذا من كلام الإمام؛ لأنه يستعمل ألفاظا أو مصطلحات إنما نشأت متأخرة بعد عصر الشافعي رحمه الله١.
ولا تكاد تخلو مسألة من استدلال بالقرآن الكريم أو الحديث الشريف أو من دليل عقلي، وغالبا ما تكون إشارات موجزة تنبئ عما يريد.
وفي أثناء الكتاب ردود ومناقشات لآراء الفرق المخالفة لأهل السنة فيما ذكره من مسائل، فيرد على الخوارج والمعتزلة والكرامية.
وبعد؛ فلعلي أطلت قليلا، وخرجت عما كنت أريده من الإشارة إلى أن أول مصطلح استعمله العلماء في باب الاعتقاد هو "الفقه الأكبر"، فلننظر الآن في عنوان أو مصطلح آخر.
_________________
(١) ١ وهذا ما نجده في: "الفقه الأكبر" لأبي حنيفة، وفي "العقيدة الطحاوية". راجع: "شرح العقيدة الطحاوية" ص"٣٣١-٣٤٦".
[ ٨٣ ]
٢- الإيمان:
تعريف الإيمان في اللغة:
قال ابن فارس في "معجم مقاييس اللغة: "١/ ١٣٣-١٣٥":
"أمن؛ بالهمزة والميم والنون، أصلان متقاربان: أحدهما الأمانة، التي هي ضد الخيانة، ومعناها سكون القلب؛ والآخر التصديق، والمعنيان متدانيان..".
وبعد شرح الأصل الأول قال: وأما التصديق فقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧] أي: مصدق لنا، وقال بعض أهل العلم: إن "المؤمن"
_________________
(١) ١ يقول الدكتور علي سامي النشار عن "الفقه الأكبر" المنسوب للشافعي: "فيه أسلوب عصر فخر الدين الرازي، وإن كانت آراؤه تمتّ إلى كثير من آراء الشافعي في أصوله". انظر: "نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام": ١/ ٢٤٦، "كشف الظنون": ٢/ ١٢٨٨.
[ ٨٤ ]
في صفات الله تعالى هو أن يصدُق ما وعد عبده من الثواب. وقال آخرون: هو مؤمن لأوليائه يؤمنهم عذابه ولا يظلمهم، فهذا قد عاد إلى المعنى الأول.
وقال الأزهري في "تهذيب اللغة" "١٥/ ٥١٠":
"وأما الإيمان: فهو مصدر آمن إيمانا، فهو مؤمن. واتفق أهل العلم من اللغويين وغيرهم أن الإيمان معناه التصديق. قال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤] ".
ثم قال: "وهذا موضع يحتاج الناس إلى تفهيمه، وأين ينفصل المؤمن من المسلم؟ وأين يستويان؟
والإسلام: إظهار الخضوع والقبول لما أتى به النبي ﷺ، وبه يحقن الدم. فإن كان مع ذلك الإظهار اعتقاد وتصديق بالقلب، فذلك الإيمان الذي يقال للموصوف به: هو مؤمن مسلم، وهو المؤمن بالله ورسوله غير مرتاب ولا شاك، وهو الذي يرى أن أداء الفرائض واجب عليه، وأن الجهاد بنفسه وماله واجب عليه، لا يدخله في ذلك ريب، فهو المؤمن وهو المسلم حقا، كما قال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥]؛ أي: أولئك الذين قالوا: إنا مؤمنون، فهم الصادقون. فأما من أظهر قبول الشريعة واستسلم لدفع المكروه؛ فهو في الظاهر مسلم، وباطنه غير مصدق، فذلك الذي يقول: أسلمت؛ لأن الإيمان لا بد أن يكون صاحبه صديقا؛ لأن قولك: آمنت بالله، أو قولك: آمنت بكذا وكذا، فمعناه: صدّقت، فاخرج الله هؤلاء من الإيمان فقال: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي: لم تصدقوا، إنما أسلمتم تعوذا من القتل؛ فالمؤمن مبطن من التصديق مثل ما يظهر، والمسلم التامّ الإسلام مظهر للطاعة مؤمن بها، والمسلم الذي
[ ٨٥ ]
أظهر الإسلام تعوذا غير مؤمن في الحقيقة، إلا أن حكمه في الظاهر حكم المسلمين. وقال تعالى حكاية عن إخوة يوسف لأبيهم: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾، لم يختلف أهل التفسير أن معناه: ما أنت بمصدق لنا.
والأصل في الإيمان: الدخول في صدق الأمانة التي ائتمنه الله عليها، فإذا اعتقد التصديق بقلبه كما صدّق بلسانه فقد أدى الأمانة، وهو مؤمن. ومن لم يعتقد التصديق بقلبه فهو غير مؤدٍّ للأمانة التي ائتمنه الله عليها، وهو منافق".
والإيمان في لغة العرب يستعمل لازما ومتعديا؛ فإذا استعمل لازما كان معناه أنه صار ذا أمن. وإذا استعمل متعديا، فتارة يتعدى بنفسه فيكون معناه التأمين، أي: إعطاء الأمان، تقول: آمنت فلانا إيمانا، وأمنته تأمينا، بمعنى واحد. قال تعالى: ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤] ومنه اسمه تعالى: "المؤمن"؛ لأنه أمن عباده من أن يظلمهم، أو جعل لهم الأمن.
وتارة يتعدى بالباء أو اللام، فيكون معناه التصديق١، كقوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٦]، ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٧٥] .
_________________
(١) ١ انظر: "المفردات في غريب القرآن" للراغب ص٢٦، "المختار من كنوز السنة" د. محمد عبد الله دراز ص٩٦، "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" للعيني: ١/ ١٠٢.
[ ٨٦ ]
تعريف الإيمان في الاصطلاح الشرعي:
وفي الاصطلاح الشرعي كثيرا ما ترد كلمة الإيمان ويراد بها المعنى اللغوي نفسه، فتطلق على مطلق التصديق، سواء كان تصديقا بحق أو باطل. وكثيرا ما يراد بها معنى أخص صار في العرف الشرعي حقيقة جديدة، فيراد بها خصوص التصديق بخبر السماء المنزل على الأنبياء.
وضابط ذلك: أن ننظر في استعمالها، فإن كانت متعلقة بشيء بأن قيل: إيمان بكذا؛ كانت بمعناها اللغوي البحت، أي: مطلق التصديق١، وأما إذا ذكرت بدون متعلق فالمراد بها تلك الحقيقة الشرعية الخاصة، وهي التصديق بالحق والانقياد إليه.
وعندئذ، فالإيمان عبارة عن ثلاثة أشياء ٢:
الأول: هو الجزء الذي لا غنى عنه بحال -وإذا عدم عدمت حقيقة الإيمان- وهو "الاعتقاد" أي: العلم الجازم بكل ما ثبت بالضرورة أنه جاء من عند الله تعالى على لسان رسوله، ولا بد من اليقين الجازم من الرضا والارتياح النفسي لهذه العقيدة. فإذا تحقق هذا الجزء الأول فقد وجد أساس الإيمان.
الثاني: إعلان هذه العقيدة بالقول أو غيره من كل ما يدل عليها دلالة ظاهرة. وهذا الاعتراف الظاهري يعد ترجمة عن العقيدة يدل دلالة ظنية عليها.
والثالث: العمل بكل ما أمر الله به من فريضة أو نافلة، والانتهاء عما نهى الله عنه من حرام وشبهة صغيرة وكبيرة، في سره وعلانيته، بقلبه وجوارحه٣.
هذا، وكلمة "الإيمان" ومشتقاتها، من أكثر الكلمات استعمالا في القرآن الكريم والسنة النبوية، وفيهما نجد حديثا مستفيضا عن الإيمان بالله وما يتفرع عنه وعن الإيمان بالبعث والجزاء والحساب بأسلوب حي مؤثر يملك على الإنسان جوانب نفسه، ويحمله على الطاعة والالتزام، فيكون لهذا الإيمان أثره في نفس الفرد وفي استقامة سلوكه، وفي الجماعة ونظام حياتها. وهذا يختلف عن أسلوب المتأخرين لما بحثوا في الإيمان، وشغلوا أنفسهم بمباحث جدلية كثيرة حول حقيقة الإيمان وأجزائه، وحول ارتكاب الكبيرة وحكم مرتكبها وهل يكفي التصديق أو العلم والمعرفة.. إلخ.
_________________
(١) ١ ويقيد شيخ الإسلام ابن تيمية ذلك بقيد، وهو أن يكون تصديقا للخبر عن شيء مغيب، فيقول: "إن لفظ الإيمان ليس مرادفا للتصديق في المعنى، فإن كل مخبر عن مشاهدة أو غيب يقال له في اللغة: صدقت، كما يقال: كذبت. فمن قال: السماء فوقنا، قيل له: صدق، كما يقال: كذب، أما لفظ الإيمان فلا يستعمل إلا في الخبر عن غائب، لم يوجد في الكلام أن من أخبر عن مشاهدة -كقوله: طلعت الشمس وغربت- أنه يقال: آمناه، كما يقال صدقناه " انظر: "الإيمان" لابن تيمية ص٢٧٦. ٢ جاء التعبير بـ "أشياء" بدلا من "أجزاء"؛ ليشمل ما يمكن فهمه من كلام السلف من أن العمل جزء داخل في مسماه، وما يمكن أن يفسر به من أن العمل من مقتضيات الإيمان وواجباته، وهو مطلوب وإن لم يكن جزءا منه. راجع في هذا بحثا قيما للشيخ محمد أنور شاه الكشميري في "فيض الباري على صحيح البخاري": ١/ ٥٤، ٥٨. ٣ "المختار من كنوز السنة"، د. محمد عبد الله دراز، ص٧٣.
[ ٨٧ ]
المؤلفات في الإيمان:
وتحت هذا العنوان "الإيمان"، بحث علماؤنا -﵏- جوانب من العقيدة الإسلامية، كما نجد ذلك في أبواب الإيمان من كتب الحديث والسنة، وكما نجده أيضا في بعض كتب التفسير، وخصص بعضهم كتبا مفردة للإيمان، نذكر أهم ما وصل إلينا منها حسب الترتيب التاريخي لوفاة مؤلفيها:
١- "كتاب الإيمان، ومعالمه وسننه واستكمال درجاته" للإمام أبي عبيد، القاسم بن سلَّام البغدادي الهروي "٢٢٤هـ".
٢- "كتاب الإيمان" للحافظ أبي بكر، عبد الله بن محمد بن أبي شيبة العبسي "٢٢٥ أو ٢٣٥هـ"، وطبع كلا الكتابين بتحقيق الشيخ ناصر الدين الألباني.
٣- "كتاب الإيمان" للإمام أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني "٢٤١هـ" وهو غير كتاب "السنة" الذي سيأتي في فقرة تالية. وحُقق رسالة علمية في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية.
٤- "الإيمان" تأليف محمد بن أسلم الطوسي "٢٤٢هـ"، وهو في حكم المفقود.
٥- "كتاب الإيمان" للحافظ أبي عبد الله، محمد بن يحيى بن أبي عمر المكي العَدَني "٢٤٣هـ" تحقيق حمد بن حمدي الجابري.
٦- وللإمام أبي جعفر أحمد بن محمد الطحاوي، صاحب العقيدة الطحاوية، "٣٢١هـ" كذلك كتاب في "الإيمان".
٧- "كتاب الإيمان" للحافظ محمد بن إسحاق بن يحيى بن منده "ت: ٣٩٥هـ" حققه الدكتور علي بن محمد ناصر الفقيهي، وطبع في ثلاثة أجزاء.
٨- "كتاب الإيمان" للقاضي أبي يعلى، محمد بن الحسن الفرّاء الحنبلي "٤٥٨هـ".
٩- ولشيخ الإسلام ابن تيمية "٧٢٨هـ" كتابان في الإيمان: "الإيمان الأوسط"، و"الإيمان الكبير"، وطبع كلا الكتابين ضمن مجموعة الفتاوى، وطبع الإيمان الكبير طبعة مستقلة بالمكتب الإسلامي مع تخريج موجز للشيخ محمد ناصر الدين الألباني.
ومنهج هؤلاء في كتبهم هذه يتلخص في إيراد النصوص على مذهب أهل السلف تحت عناوين دالة على المعنى، وقد يتميز بعضها بالرد على المخالفين ومناقشتهم، وتوجيه الأدلة التي يسوقونها، ويتميز بعضها بحسن الترتيب والتبويب وجمع المسائل تحت أصول عامة كما نجد في كتاب أبي عبيد مثلا، وكتاب ابن منده. ويتميز كتاب ابن تيمية -﵀- ببسط الأدلة وإيراد المذهب المخالف مع أدلته ثم نقضها بصحيح المنقول، وصريح المعقول١.
وفي العصر الحديث وجدنا كتبا كثيرة تحت عنوان "الإيمان"؛ لبيان حقيقته وأركانه ومسائله وأثره في الحياة، أو لدراسة جوانب معينة من العقيدة تحت هذا العنوان.
_________________
(١) ١ انظر مقدمة "الإيمان" للعدني، تحقيق حمد الجابري الحربي، ومقدمة الدكتور الفقيهي لكتاب ابن منده.
[ ٨٩ ]
٣- السنة:
تعريف السنة في اللغة:
قال ابن فارس: "سن: السين والنون، أصل واحد مطَّرد، وهو جريان الشيء واطّراده في سهولة. والأصل قولهم: سننت الماء على وجهي أسنّه سنًّا، إذا أرسلته إرسالا ومما اشتق منه: السنة، وهي السيرة. وسنة رسول الله ﷺ: سيرته التي كان يتحراها. قال الهذلي:
فلا تجزعَنْ من سيرة أنت سرتها فأول راضٍ سنة من يسيرها ١
فالسنة في اللغة: هي الطريقة المسلوكة محمودة كانت أو مذمومة، ومنه قوله ﷺ: "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء" ٢.
والسنة أيضا: هي العادة قال تعالى: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ﴾ [الإسراء: ٧٧]، أي: هكذا عادتنا في الذين كفروا برسلنا وآذوْهم بخروج الرسول من بين أظهرهم؛ يأتيهم العذاب٣.
_________________
(١) ١ "معجم مقاييس اللغة": ٣/ ٦٠، ٦١. وراجع مادة "سنن" في "الصحاح" للجوهري: ٥/ ١٢٣٨-٢١٤٠ "ترتيب القاموس المحيط": ٢/ ٦٣٢-٦٣٤، "لسان العرب": ١٣/ ٢٢٠-٢٢٨، "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير: ٢/ ٤٠٩-٤١٣. ٢ أخرجه مسلم في الزكاة، باب الحث على الصدقة، برقم "١٠١٧": ٢/ ٧٠٥. ٣ انظر: "تعريفات الجرجاني" ص١٦١، "تفسير ابن كثير": ٣/ ٥٤.
[ ٩٠ ]
تعريف السنة في الاصطلاح الشرعي:
وفي الشرع تطلق على معانٍ:
١- منها: الشريعة، وبهذا المعنى جاء قولهم: الأوْلى بالإمامة الأعلم بالسنة، أي: بأحكام الشرع.
٢- ومنها: الطريقة المسلوكة في الدين، فتنتظم المستحب والمباح، بل الواجب والفرض أيضا.
٣- وعرفا -عند الفقهاء- تقيد بأنها الطريقة المسلوكة في الدين من غير افتراض ولا وجوب. والمراد بـ "الطريقة المسلوكة في الدين": ما سلكها رسول الله -ﷺ- وغيره ممن هم عَلَم في الدين، كأصحابه -﵃- لقوله ﵊:
"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، فتمسكوا بها وعضّوا عليها بالنواجذ" ١.
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود في السنة: ٧/ ١١، ١٢، والترمذي في العلم: ٧/ ٤٣٨-٤٤١، وقال: هذا "حديث حسن صحيح"، وابن ماجه في المقدمة: ١/ ١٦، والدارمي: ١/ ٤٤، ٤٥، وصححه الحاكم في "المستدرك": ١/ ٩٥، ووافقه الذهبي، وصححه ابن حبان ص٥٦ من "موارد الظمآن"، ورواه ابن أبي عاصم في "السنة": ١/ ١٧، ١٨، والإمام أحمد في "المسند": ٤/ ١٢٦، ١٢٧، واللالكائي في "شرح أصول الاعتقاد": ١/ ٨٥، وابن بطة في "الإبانة" ١/ ٣٠٥-٣٠٧، والبغوي في "شرح السنة": ١/ ٢٠٥، وفي "التفسير": ٣/ ٢٠٩، والآجري في "الشريعة" ص٤٦، ٤٧. وانظر: "جامع العلوم والحكم" لابن رجب ص٢٤٣، ٢٤٤.
[ ٩١ ]
ولذلك يطلق لفظ السنة أيضا على ما عمل عليه الصحابة -سواء عثرنا عليه، أو لم نعثر عليه فيها- لكونه اتباعا لسنة ثبتت عندهم.
٤- وتطلق السنة عند علماء أصول الفقه: على ما صدر عن النبي -ﷺ- من قول أو فعل أو تقرير.
فهي هنا مصدر من مصادر التشريع كالقرآن الكريم.
٥- وعلماء الحديث يريدون بالسنة: ما نقل عن النبي -ﷺ- من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خَلْقية أو خُلُقيه أو سيرة مطلقا. وهي بهذا مرادفة لمعنى الحديث.
٦- كما تطلق السنة أيضا على ما يقابل البدعة، كقولهم: طلاق السنة كذا، وطلاق البدعة كذا، وفلان على سنة، أي: موافق للتنزيل والأثر في الفعل والقول، وفلان على بدعة: إذا عمل على خلاف ذلك.
وهاتان الكلمتان "السنة والبدعة" تستعملان دائما كلمتين متضادتين -كما رأيت- لأن السنة هي الطريق الذي كان عليه الرسول -ﷺ- وأصحابه -رضوان الله عليهم-
والبدعة هي ترك ذلك الطريق والانحراف عنه، وسلوك طريق آخر مخترع. فلهذا كانت السنة هداية، والبدعة ضلالة١.
_________________
(١) ١ راجع في معاني وإطلاقات السنة: "الكليات" للكفوي: ٣/ ٩-١٢، "كشاف اصطلاحات الفنون" للتهانوي: ٤/ ٥٣-٥٧، "مجموع الفتاوى": ١٨/ ١٩١، ١٩٢، "الحجة في بيان المحجة" للأصبهاني: ٢/ ٣٨٤، ٣٨٥، "الموافقات" للشاطبي: ٤/ ٣-٧، "السنة ومكانتها في التشريع" للدكتور مصطفى السباعي ص٤٧-٤٩، "حجية السنة" لأستاذنا الشيخ عبد الغني عبد الخالق ﵀، ص٤٥ وما بعدها، "السنة قبل التدوين" د. عجاج الخطيب ص١٥-٢٠، "تحفة الأخيار بإحياء سنة سيد الأبرار" للكنوي ص٦٨-٨٦.
[ ٩٢ ]
ومما تجدر الإشارة إليه هنا: أن السنة تقتضي المواظبة، وهي أعم من الحديث؛ لأنها تتناول الفعل والقول والتقرير، والحديث لا يتناول إلا القول، فكان هذا فارق ما بينهما١.
ومن هذه الإطلاقات لكلمة "السنة" يظهر أنها تطلق بمعنى شرعي عام يشمل ما كان عليه الرسول -ﷺ- وخلفاؤه الراشدون، من الاعتقادات والأعمال والأقوال، وهذه هي السنة الكاملة. ولهذا كان السلف قديما لا يطلقون السنة إلا على ما يشمل ذلك كله٢.
السنة بمعنى الاعتقاد:
ثم إن كثيرا من العلماء المتأخرين يخص اسم السنة بما يتعلق بالاعتقاد فحسب؛
_________________
(١) ١ انظر: "الكليات" ٣/ ١٠، "تحقيق معنى السنة وبيان الحاجة إليها" للسيد سليمان الندوي ص٢٠-٢٢، "بصائر ذوي التمييز" للفيروزآبادي: ٣/ ٢٦٧. ٢ ومما ينبغي التنبه إليه ههنا أمران اثنان: أولهما: أن بعض الناس يقصرون التأسي بالنبي -ﷺ- على جانب واحد، وهو الجانب المظهري، ويغفلون سائر الجوانب الأخرى، فيقولون: "فلان سنيّ"؛ لأنه أطلق لحيته مثلا أو قصّر ثوبه -مع أننا لا نقلل من أهمية هذا الجانب أبدا، فإن هناك ارتباطا بين المظهر أو الشكل والمضمون- وينسون الجوانب الأخرى، وهي على غاية من الأهمية كالعقيدة السليمة والعلم الشرعي والأخلاق والسلوك إلخ. ثانيهما: أن بعضهم قد يتساهل بالمشروعات مما هو في مرتبة السنة -بالمعنى الفقهي- بحجة أنها سنة يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها. هكذا بإطلاق، مع أن العلماء قد نصوا -بناء على الأحاديث الكثيرة التي تحض على المتابعة والتمسك بالسنة- على أن من يعتاد على ترك السنة يعاقب، وأنه مسيء وآثم، وكان الصحابة يحرصون عليها حرصهم على الفرائض، وقد نقل اللكنوي -﵀- نصوصا كثيرة في هذا في كتابه "تحفة الأخيار" ص٨٧-٩٢. وأما تفرقة الفقهاء بين الفرض والسنة، فإنما هي في آحادها لا في تركها جملة. انظر: "كشاف اصطلاحات الفنون": ٤/ ٥٤، "المختار من كنوز السنة" ص٣٣٢.
[ ٩٣ ]
لأنها أصل الدين والمخالف فيها على خطر عظيم١.
وعلى هذا المعنى الخاص جاء استعمال علماء السلف لكلمة "السنة" عنوانا على جانب العقيدة وأصول الدين فيما كتبوه بيانا للعقيدة الإسلامية ابتداء أو ردا على الفرق المخالفة؛ ليميزوا بين عقيدة أهل السنة وعقيدة أهل البدعة٢، وهو ما نرمي إليه في هذه الفقرة من البحث.
وقد شرح ابن أبي عاصم -﵀- هذا المعنى للسنة، وذكر أهم مباحثها فقال:
"السنة: اسم جامع لمعانٍ كثيرة في الأحكام وغير ذلك. ومما اتفق أهل العلم على أن نسبوه إلى السنة: القول بإثبات القدر، وأن الاستطاعة مع الفعل للفعل، والإيمان بالقدر خيره وشره حلوه ومره، وكل طاعة من مطيع فبتوفيق الله له، وكل معصية من عاصٍ فبخذلان الله السابق منه وله، والسعيد من سبقت له السعادة، والشقي من سبقت له الشقاوة، والأشياء غير خارجة من مشيئة الله وإرادته، وأفعال العباد من الخير والشر فعل لهم خلق لخالقهم، والقرآن كلام الله ﵎، تكلم الله به، ليس بمخلوق، ومن قال: مخلوق -ممن قامت عليه الحجة- فكافر بالله العظيم، ومن قال من قبل أن تقوم عليه الحجة فلا شيء عليه، والإيمان قول وعمل يزيد وينقص، وإثبات رؤية الله ﷿، يراه أولياؤه في الآخرة عيانا، كما جاءت الأخبار.
وأبو بكر الصديق أفضل أصحاب رسول الله -ﷺ- بعده، وهو الخليفة خلافة
_________________
(١) ١ "جامع العلوم والحكم" ص٢٤٩. وانظر أيضا: "الوصية الكبرى" لابن تيمية ص٦٠ بتحقيقنا، "كشف الأسرار على أصول البزدوي" ١/ ٨، "دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين": ١/ ٤١٥. ٢ انظر: "مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية": ١٩/ ٣٠٧.
[ ٩٤ ]
النبوة، بُويع يوم بُويع وهو أفضلهم وهو أحقهم بها، ثم عمر بن الخطاب بعده على مثل ذلك، ثم عثمان بن عفان بعده على مثل ذلك، ثم علي بعدهم على مثل ذلك رحمة الله عليهم جميعا
ومما قد ينسب إلى السنة -وذلك عندي إيمان- نحو: عذاب القبر، ومنكر ونكير، والشفاعة، والحوض، والميزان، وحب أصحاب رسول الله -ﷺ- ومعرفة فضائلهم وترك سبهم والطعن عليهم، وولايتهم والصلاة على من مات من أهل التوحيد، والترحم على من أصاب ذنبا والرجاء للمذنبين، وترك الوعيد ورد العباد إلى مشيئة الله، والخروج من النار، يخرج الله من يشاء منها برحمته، والصلاة خلف كل أمير جائر، والصلاة في جماعة، والغزو مع كل أمير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون"١.
_________________
(١) ١ "كتاب السنة" لابن أبي عاصم: ٢/ ٦٤٥-٦٤٧. وانظر ما نقله الملطي في "التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع" ص١٥-١٧ عن محمد بن عكاشة في "بيان أصول السنة" مما اجتمع عليه الفقهاء والعلماء.
[ ٩٥ ]
اصطلاح السنة:
"وقد ساد هذا الاصطلاح في القرن الثالث الهجري في عصر الإمام أحمد بن حنبل حين ظهرت الفرق وراجت عقائد المعتزلة والرافضة والصوفية وأهل الكلام. فأخذ أئمة الإسلام -حينذاك- يطلقون على أصول الدين ومسائل العقيدة: "السنة"؛ تمييزا لها عن مقولات الفرق..
وهذا -أي: وصف العقيدة وأصول الدين بـ "السنة"- وإن كان معروفا في عصر الصحابة إلا أنه لم يكن مشهورا، إنما يدل عليه مثل قول عمر: "من ترك السنة كفر" فإن التكفير من الصحابة لا يكون إلا في أمر عظيم كأصول الدين وأمور الاعتقاد، كما يدل عليه قول علي ﵁: "الهوى عند من خالف السنة حق، وإن ضربت فيه عنقه" فإن مثل هذا الحكم إنما يتأتى في أصحاب العقائد والأهواء والفرق الضالة"١.
يقول الشيخ ابن تيمية ﵀:
وقد جمع طوائف من العلماء الأحاديث والآثار المروية في أبواب عقائد أهل السنة، مثل حماد بن سلمة "ت ١٦٧هـ"، وعبد الرحمن بن مهدي "١٩٨هـ"، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي "٢٥٥هـ"، وعثمان بن سعيد الدارمي "٢٨٠هـ"، وغيرهم في طبقتهم.
ومثلها ما بوّب عليه البخاري "٢٥٦هـ"، وأبو داود "٢٧٥هـ"، والنسائي "٣٠٣هـ"، وابن ماجه "٢٧٠هـ" وغيرهم في كتبهم، ومثل مصنفات أبي بكر الأثرم "٢٦١هـ"، وعبد الله بن أحمد "٢٩٠هـ" وأبي بكر الخلال "٣١٠هـ"، وأبي القاسم الطبراني "٣٦٠هـ"، وأبي الشيخ الأصفهاني "٣٦٩هـ".. ثم ذكر سائر أهل العلم الذين صنفوا في السنة مما سنذكره٢.
_________________
(١) ١ "مفهوم أهل السنة والجماعة" للدكتور ناصر العقل ص٤٢، ٤٣، راجع ايضا: "الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية" لابن بطة: ١/ ٣٣٨، ٣٥٩، ٣٦٢. ٢ انظر: "الوصية الكبرى" لشيخ الإسلام ابن تيمية ص٦٠-٦٣. وفيه تراجم العلماء الذين ذكرهم جميعا.
[ ٩٦ ]
مؤلفات في الاعتقاد تحت اسم السنة:
وأما المصنفات في الاعتقاد تحت اسم "السنة" فهذا ما سنذكره فيما يلي مرتبا حسب تاريخ وفاة المؤلف:
١- "السنة" لابن أبي شيبة، أبي بكر، عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عثمان العبسي "٢٣٥ههـ" وبعضهم يجعل وفاته سنة "٢٢٥هـ".
٢- "كتاب السنة" للإمام أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، إمام أهل السنة والجماعة "٢٤١هـ".
٣- "كتاب السنة" للأثرم، أبي بكر، أحمد بن محمد بن هانئ البغدادي، تلميذ الإمام أحمد "٢٧٣هـ".
٤- "السنة" لأبي علي، حنبل بن إسحاق بن حنبل بن هلال، تلميذ الإمام أحمد بن حنبل "٢٧٣هـ".
٥- "السنة" لأبي داود، سليمان بن الأشعث السجستاني، صاحب "السنن" "٢٧٥هـ".
٦- "كتاب السنة" لابن أبي عاصم، وهو الحافظ أبو بكر عمرو بن حزم بن أبي عاصم، الضحاك بن مخلد الشيباني "٢٨٧هـ".
٧- "كتاب السنة" لأبي عبد الرحمن عبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل "٢٩٠هـ".
٨- "كتاب السنة" لأبي بكر أحمد بن علي بن سعيد المروزي "٢٩٢هـ".
٩- "كتاب السنة" لأبي بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال "٣١١هـ".
١٠- "بيان السنة والجماعة" المعروف بعقيدة الطحاوي، للإمام أبي جعفر، أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي "٣٢١هـ".
١١- "كتاب السنة" للعسال، أبي أحمد، محمد بن أحمد بن إبراهيم الأصفهاني العسال "٣٤٩هـ".
[ ٩٧ ]
١٢- "السنة" لأبي القاسم، سليمان بن أحمد بن أيوب اللَّخْمي الطبراني "٣٦٠هـ".
١٣- "كتاب السنة" لأبي الشيخ الأصبهاني الحَيَّاني "٣٦٩هـ".
١٤- "كتاب السنة" لأبي جعفر، عمر بن أحمد بن عثمان البغدادي، المعروف بابن شاهين "٣٨٥هـ".
١٥- "كتاب السنة" لمحمد بن نصر المروزي "٣٩٤هـ".
١٦- "السنة" لأبي عبد الله، محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده العبدي الأصبهاني "٣٩٥ أو ٣٩٦هـ".
١٧- "كتاب السنن" أو "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" لأبي القاسم هبة الله بن حسن الرازي اللالكائي "٤١٨هـ".
١٨- "كتاب السنة" لأبي ذر، عبد بن أحمد بن محمد بن عبد الله الأنصاري الهروي "٤٣٤هـ"١.
١٩- "الرسالة في السنة" لأبي عثمان الصابوني "٤٤٩هـ"، سماها بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في "نقض التأسيس": "١/ ٥٢٩".
وهذه المصنفات أُلِّفت للحض على اتباع السنة والعمل بها وترك ما حدث بعد
_________________
(١) ١ استفدت في هذه النبذة من كتب الفهارس ومقدمات الكتب المطبوعة المحققة. وانظر: مقدمة الدكتور علي سامي النشار لكتاب "عقائد السلف" ص٥-٧، "مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" ٥/ ٢٤، ٢٥، "الوصية الكبرى" له أيضا ص٦٠-٦٣ بتحقيقي، "نموذج من الأعمال الخيرية" ص٢٥٨-٢٦٠، "كشف الظنون": ٢/ ١٤٢٥، ١٤٢٦.
[ ٩٨ ]
الصدر الأول من البدع والضلالة والأهواء١.
ولو أخذنا بعض ما وصلنا من هذه المؤلفات في "السنة" -ولنمثل بثلاثة منها، للإمام أحمد بن حنبل، ولابنه عبد الله، وابن أبي عاصم، وكلها مطبوعة- لوجدنا قاسما مشتركا في المسائل والأبحاث التي تشكل الركيزة فيها وقد ينفرد كتاب منها ببعض المسائل دون الآخرى، أو يتوسع فيها ببسط الأدلة من الأحاديث والآثار، بينما يختصر الآخرون أو يذكرون المسائل دون الأدلة. وفي بعضها قد نجد جملة من المسائل التي لا يرقى البحث فيها إلى درجة مسائل الاعتقاد.
منهج المصنفين في السنة:
والمنهج الذي سلكه المصنفون في السنة يكاد يكون منهجا متشابها، يتلخص في أنه يترجم للباب، ثم يسوق جملة من الأحاديث والآثار التي تتناسب مع العنوان٢. وقد يروي هذه الأحاديث من طرق متعددة، وقد يتكلم بعضهم على الروايات وينقدها، وغالبا ما نجد العناوين وفيها إشارة إلى الرد على
_________________
(١) ١ "نموذج من الأعمال الخيرية"، لمحمد منير الدمشقي ص٢٥٩. ويقول الحافظ قوّام السنة الأصفهاني في كتابه "الحجة في بيان المحجة" "١/ ٨٤، ٨٥": "وحين رأيت قوام الإسلام بالتمسك بالسنة، ورأيت البدعة قد كثرت، والوقيعة في أهل السنة قد فشت، ورأيت اتباع السنة عند قوم نقيصة، والخوض في الكلام درجة رفيعة، رأيت أن أملي كتابا في السنة، يعتمد عليه من قصد الاتباع وجانب الابتداع، وأبين فيه اعتقاد أئمة السلف وأهل السنة في الأمصار، والراسخين في العلم في الأقطار ليلزم المرء باتباع الأئمة الماضين، ويجانب طريقة المبتدعين، ويكون من صالحي الخلف لصالحي السلف". ٢ تقدمت الإشارة إلى جملة الأبواب والمسائل التي بحثت في هذه الكتب، فيها نقلناه عن ابن أبي عاصم ص٩٦، ٩٧.
[ ٩٩ ]
الفرق المخالفة، بل نجد ذلك صراحة أيضا. وأثناء الرد والمناقشة تتضح الفكرة التي عقد المصنف الباب من أجلها.
ولم يكن -فيما يبدو- من منهجهم أن يتحروا جمع الأحاديث الصحيحة في المسألة، وإنما يجمعون الروايات التي وصلت إليهم في المسألة؛ ولهذا وقع في بعض هذه المصنفات، أو في كثير منها، بعض الأحاديث الضعيفة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية، ﵀:
وقد يروي كثير من الناس في الصفات وسائر أبواب الاعتقادات وعامة أبواب الدين، أحاديث كثيرة، تكون مكذوبة موضوعة على رسول الله -ﷺ- وهي قسمان:
منها: ما يكون كلاما باطلا لا يجوز أن يقال، فضلا عن أن يضاف إلى النبي ﷺ.
والقسم الثاني من الكلام: ما يكون قد قاله بعض السلف أو بعض الناس، ويكون حقا أو مما يسوغ فيه الاجتهاد، أو مذهبا لقائله، فيعزى إلى النبي ﷺ، وهذا كثير عند من لا يعرف الحديث، مثل المسائل التي وضعها الشيخ أبو الفرج، عبد الواحد بن محمد بن علي الأنصاري "٤٨٦هـ"، وجعلها محنة يفرق فيها بين السني والبدعي. وهي مسائل معروفة عملها بعض الكذابين وجعل لها إسنادا إلى النبي -ﷺ- وجعلها من كلامه. وهذا يعلم من له أدنى معرفة أنه مكذوب مفترى.
وهذه المسائل، وإن كان غالبها موافقا لأصول السنة، ففيها ما إذا خالفه الإنسان لم يحكم بأنه مبتدع، مثل: أول نعمة أنعمها الله على عبده. فإن هذه المسألة فيها نزاع بين أهل السنة. والنزاع فيها لفظي؛ لأن مبناها على أن اللذة التي يعقبها ألم؛ هل تسمى نعمة أم لا؟ وفيها أيضا أشياء مرجوحة.
[ ١٠٠ ]
فالواجب أن يفرق بين الحديث الصحيح والحديث الكذب؛ فإن السنة هي الحق دون الباطل، وهي الأحاديث الصحيحة دون الموضوعة. فهذا أصل عظيم لأهل الإسلام، ولمن يدعي السنة خصوصا١.
_________________
(١) ١ "الوصية الكبرى" لشيخ الإسلام ابن تيمية ص٦٣، ٦٤ بتحقيقي.
[ ١٠١ ]
٤- علم التوحيد:
تعريف التوحيد في اللغة:
قال ابن فارس في "معجم مقاييس اللغة" "٦/ ٩٠، ٩١":
"وحد: الواو والحاء والدال، أصل واحد يدل على الانفراد، من ذلك: الوحدة، وهو واحد قبيلته، إذا لم يكن فيهم مثله. قال الشاعر:
يا واحد العُرْب الذي ما في الأنام له نظير
ولقيت القوم مَوْحَدَ مَوْحَدَ، ولقيته وحده. ولا يضاف إلا في قولهم: نسيجُ وحدِهِ، وعُيَيْرُ وحدِهِ والواحد: المنفرد"
وقال الراغب الأصفهاني في "المفردات" ص٥١٤، ٥١٥:
"الوحدة: الانفراد. والواحد في الحقيقة: هو الشيء الذي لا جزء له البتة. ثم يطلق على كل موجود، حتى إنه ما من عدد إلا ويصح أن يوصف به
فالواحد لفظ مشترك يستعمل على ستة أوجه:
الأول: ما كان واحدا في الجنس أو النوع، كقولنا: الإنسان والفرس واحد في الجنس، وزيد وعمرو واحد في النوع.
الثاني: ما كان واحدا بالاتصال إما من حيث الخلقة، كقولك: شخص واحد، وإما من حيث الصناعة، كقولك: حرفة واحدة.
الثالث: ما كان واحدا لعدم نظيره، كقولك: فلان واحد دهره، ونسيج وحده.
الرابع: ما كان واحدا لامتناع التجزؤ فيه، كالهباءة.
[ ١٠٢ ]
الخامس: للمبدأ، إما لمبدأ العدد، كقولك: واحد، اثنان، وإما لمبدأ الخط، كقولك: النقطة الواحدة، والوحدة فيها كلها عارضة.
وإذا وصف الله تعالى بـ "الواحد" فمعناه: هو الذي لا يصح عليه التجزؤ ولا التكثر. والواحد: المفرد، ويوصف به غير الله تعالى وأحد -مطلقا- لا يوصف به غير الله تعالى ".
وفي "لسان العرب" لابن منظور، "٣/ ٤٥٠، ٤٥١":
"قال ابن سيده: والله الأوحد والمتوحد وذو الوحدانية، ومن صفاته: الواحد الأحد. والفرق بينهما -كما قال أبو منصور الأزهري وغيره- أن "الأحد" بني لنفي ما يذكر معه من العدد، تقول: ما جاءني أحد. و"الواحد": اسم بني لمفتتح العدد، تقول: جاءني واحد من الناس، ولا تقول: جاءني أحد؛ فالواحد منفرد بالذات في عدم المثل والنظير، والأحد منفرد بالمعنى ولا يوصف شيء بالأحدية غير الله تعالى، فلا يقال: رجل أحد، كما يقال: رجل وَحَد، أي: فرد؛ لأن "أحدا" من صفات الله -﷿- التي استخلصها لنفسه ولا يشركه فيها شيء ولا يجمع هذين الوصفين إلا الله ﷿".
والتوحيد في اللغة: الحكم بأن الشيء واحد، والعلم بأنه واحد١.
وقال قوام السنة الأصفهاني:
"التوحيد على وزن التفعيل، وهو مصدر وحّدتُه توحيدا، كما تقول: كلمته تكليما، وهذا النوع من الفعل يأتي متعديا إلا أحرفا جاءت لازمة، هي قولهم: روّض الروض، إذا تم حسنة ونضارته، ودوّم الطائر؛ إذا حلّق في الهواء، وصرح
_________________
(١) ١ "التعريفات" للجرجاني ص٦٩.
[ ١٠٣ ]
الحق، أي: ظهر وانكشف، وبين الشيء بمعنى: تبين، وصوّح النبت: إذا هاج ويبس، وغلّس فلان: إذا جاء بغلس. ولهذا الفعل معنيان:
أحدهما: تكثير الفعل وتكريره، والمبالغة فيه كقولهم: كسّرت الإناء وغلّقت الأبواب وفتّحتها.
والوجه الثاني: وقوعه مرة واحدة كقوله: غدّيت فلانا، وعشيته، وكلمته.
ومعنى وحدته: جعلته١ منفردا عما يشاركه أو يشبهه في ذاته وصفاته، والتشديد فيه للمبالغة، أي: بالغت في وصفه بذلك.
وقيل: الواو فيه مبدلة من الهمزة، والعرب تبدل الهمزة من الواو، وتبدل الواو من الهمزة، كقولهم: وشاح وأشاح، وتقول العرب: أحِّدْهن لي وآحِدْهن لي، أي: اجعلهن لي أحد عشر، ويقال: جاءوا أُحَادَ أُحَادَ أي: واحد واحدا، فعلى هذا: الواو في "التوحيد" أصلها الهمزة. قال الهذلي:
ليث الصريمة أُحْدَان الرجال له صيد، ومجتزئ بالليل هجّاس
وتقول العرب: واحد، وأحد، ووحد، ووحيد، أي: منفرد، فالله تعالى واحد، أي: منفرد عن الأنداد والأشكال في جميع الأحوال.
فقولهم: وحّدت الله، من باب عظمت الله، وكبرته، أي: علمته عظيما وكبيرا. فكذلك وحدته أي: علمته واحدا، منزها عن المثل في الذات والصفات.
قال بعض العلماء: التوحيد: نفي التشبيه عن الله الواحد، وقيل: التوحيد نفي التشبيه عن ذات الموحد وصفاته، وقيل: التوحيد العلم بالموحِّد واحدا لا نظير له، فإذا ثبت هذا، فكل من لم يعرف الله هكذا فإنه غير موحد له"٢.
_________________
(١) ١ قال السفاريني في "لوامع الأنوار البهية" ١/ ٥٧: "فمعنى وحّدت الله: نسبت إليه الوحدانية، لا جعلته واحدا، فإن وحدانية الله تعالى ذاتيه ليست بجعل جاعل". ٢ "الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة": ١/ ٣٠٥، ٣٠٦.
[ ١٠٤ ]
المعنى الاصطلاحي للتوحيد:
وبعد هذا التعريف اللغوي للتوحيد، نشير إلى المعنى الاصطلاحي الشرعي، فإن التوحيد هو أساس دعوة الإسلام، وهو دين جميع الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام -على ما سيأتي معنا- وهو إفراد الله تعالى بالربوبية والطاعة أو العبادة، ويشمل ذلك أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية، توحيد الألوهية، توحيد الأسماء والصفات، وهي متلازمة مترابطة متكاملة، لا يصح إيمان المرء ولا توحيده ما لم يأت بها كاملة، فالله تعالى وحده المتفرد بالخلق والإحياء والرزق والإماتة والتدبير، وله صفات الكمال والعظمة والجلال، فهو المتفرد كذلك بالأمر والنهي والطاعة.
وتطلق كلمة "التوحيد" أيضا: على العلم الذي يدرس الجانب العقائدي من الدين، وعندئذ يعرفونه بأنه:
علم يبحث فيه عن وجود الله، وما يجب أن يثبت له من صفاته، وما يجوز أن يوصف به وما يجب أن يوصف به، وما يجب أن ينفى عنه، ويبحث عن الرسل؛ لإثبات رسالتهم وما يجب أن يكونوا عليه، وما يجوز أن ينسب إليهم، وما يمتنع أن يلحق بهم١.
وأصل معنى التوحيد: اعتقاد أن الله واحد لا شريك له، وسمي هذا العلم به تسمية له بأهم أجزائه -فهو من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل- وهو إثبات الوحدة لله في الذات والفعل في خلقه الأكوان، وأنه وحده مرجع كل كون ومنتهى كل قصد.
وهذا المطلب كان الغاية العظمى من بعثة النبي -ﷺ- كما تشهد به آيات الكتاب العزيز٢.
_________________
(١) ١ "رسالة التوحيد" للشيخ محمد عبده، ص٨، وانظر: "لوامع الأنوار البهية": ١/ ٥٧. ٢ المصدر السابق نفسه.
[ ١٠٥ ]
دلالة كلمة التوحيد على العقيدة:
ومن ثم أصبحت كلمة التوحيد، وهي شهادة "أن لا إله إلا الله" تشير إلى كل جوانب العقيدة ومسائلها؛ لأنه إذا حصل الإيمان بمضمونها على وجه صحيح استتبع ذلك -قطعا- الإيمان بسائر العقائد من إلهيات ونبوات وسمعيات؛ فإن الوحدانية تتضمن الاعتراف بالله بأنه المعبود بحق، وهو اعتراف ضمني بأنه جامع لكل كمال، منزَّه عن كل نقص، إذ لا يستحق العبادة -وهي نهاية التعظيم وغاية المحبة والخشية- إلا من كان كذلك.
وإنما كانت العناية بذكر الوحدانية؛ لأنها كانت أهم مقاصد الرسل جميعا؛ لأنها هي وحدها العقيدة التي كفرها أكثر الناس وهجروها، فهم يعرفون الله تعالى بقدرته وعلمه وإرادته وأنه خالق السموات والأرض إلخ، ولكنهم يؤمنون به وهم مشركون يتخذون له أندادا من دونه يحبونهم كحبه ويخشونهم كخشيته، وسيأتي مزيد بيان لهذا في بيان أنواع التوحيد، إن شاء الله تعالى.
وهي تدل أيضا على النبوات وما يتصل بها، فإن تكذيب الرسل هو عند التحقيق تكذيب لله تعالى وشرك به؛ لأنه لا يكذب الرسول إلا من أنكر معجزاته، ولا معنى لإنكار معجزاته إلا إنكار كونها من عند الله، وعندئذ يحصل الكفر؛ ولهذا حكم الله تعالى بالكفر على كل من يكفر برسول من الرسل فقال:
[ ١٠٦ ]
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا، أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٥٠، ١٥١] .
ثم إن تصديق الرسول في دعوى الرسالة يستلزم تصديقه في كل ما جاء به، فتدخل السمعيات وغيرها في التوحيد، فيكون التوحيد جماع الدين كله١.
وقد أدخل بعض علماء الكلام في التوحيد ما ليس منه، فهم يريدون بلفظ التوحيد والواحد في اصطلاحهم: ما لا صفة له، ولا يعلم منه شيء دون شيء ولا يُرَى.
وبعضهم يظن أن التوحيد يراد به مجرد توحيد الربوبية، وهو اعتقاد أن الله وحده خلق العالم، ويظنون أنهم إذا أثبتوا ذلك بالدليل فقد أثبتوا غاية التوحيد، وأنهم إذا شهدوا هذا فقد فَنُوا في غاية التوحيد.
وكثير منهم يقول: التوحيد له ثلاثة معانٍ، وهو أنه واحد في ذاته لا قسيم له؛ وواحد في صفاته لا شبيه له؛ وواحد في أفعاله لا شريك له.
وهذا الذي تقدم عنهم في معنى التوحيد وما يتضمنه، فيه ما هو حق مما هو ثابت، وفيه ما هو باطل ومخالف لما جاء به الرسول ﷺ.
فإن التوحيد الذي جاء به الرسول -ﷺ- لم يتضمن شيئا من النفي الذي أثبتوه حين قالوا: ما لا صفة له ولا يعلم منه شيء دون شيء لأن التوحيد الذي جاء به الرسول -ﷺ- تضمن إثبات الإلهية لله وحده، وذلك يتضمن إثبات ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات، والأدلة على ذلك كثيرة متظاهرة.
وكذلك فإن التوحيد الذي جاء به الرسول -ﷺ- ليس مقتصرا على إثبات الربوبية لله تعالى، ولا على أنه واحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له، فهذا مما يكاد لا يخالف فيه أحد.
بل يتضمن هذا، ويتضمن عبادة الله تعالى، فهو وحده المستحق للعبادة، فليس كل من أقر أن الله رب كل شيء وخالقه يكون عابدا له دون ما سواه٢.
_________________
(١) ١ انظر: "المختار من كنوز السنة" ص١٠٩ و١٤٢-١٤٤. ٢ انظر: "درء تعارض العقل والنقل": ١/ ٢٢٤-٢٢٨، "مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية": ٣/ ٩٧ وما بعدها.
[ ١٠٧ ]
تطور استعمال كلمة التوحيد:
وقد تلحظ من هذا تعدد استعمال هذه الكلمة "التوحيد"، وكيف نقلت من معنى إلى آخر، وتحولت على يد بعض العلماء -في وقت غلب فيه الجدل والبعد عن روح الدين والالتزام الكامل به- إلى صناعة من الصناعات، غير ما أراده السلف من هذه الكلمة. ولذلك يشرح الإمام الغزالي هذا التبديل في معنى التوحيد فيقول:
" وقد جعل الآن -في عصر الغزالي- عبارة عن صناعة الكلام ومعرفة طريق المجادلة، والإحاطة بطرق مناقضات الخصوم، والقدرة على التشدق فيها بتكثير الأسئلة وإثارة الشبهات وتأليف الإلزامات، حتى لقب طوائف من الناس أنفسهم بـ: أهل العدل والتوحيد، وسمي المتكلمون العلماء بالتوحيد١، مع أن جميع ما هو خاصة هذه الصناعة لم يكن يعرف منها شيء في العصر الأول، بل كان يشتد منهم النكير على من كان يفتح بابا من الجدل والمماراة. فأما ما يشتمل عليه القرآن من الأدلة الظاهرة التي تسبق الأذهان إلى قبولها في أول السماع؛ فلقد كان ذلك معلوما للكل. وكان العلم بالقرآن هو العلم كله، وكان التوحيد عندهم عبارة عن أمر آخر لا يفهمه أكثر المتكلمين، وإن فهموه لم يتصفوا به، وهو: أن يرى الأمور كلها من الله -﷿- رؤية تقطع التفاته عن الأسباب والوسائط، فلا يرى الخير والشر كله إلا منه ﷻ"٢.
_________________
(١) ١ وهو اسم قديم أطلقه المعتزلة على أنفسهم، واشتهروا به. ٢ ١ "إحياء علوم الدين" للغزالي: ١/ ٣٣.
[ ١٠٨ ]
مؤلفات في علم التوحيد:
ولما أصبح "التوحيد" لقبا لهذا العلم، كتب عدد من العلماء فيه كتبا، نشير إلى بعضها:
١- "كتاب التوحيد" لأبي العباس أحمد بن عمر بن سُرَيْج البغدادي "٣٠٦هـ".
٢- "كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب ﷿" التي وصف بها نفسه في تنزيله الذي أنزله على نبيه المصطفى ﷺ، وعلى لسان نبيه ﷺ، للإمام ابن خزيمة، أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري، صاحب "الصحيح" "ت ٣١١هـ"، وبحث في مسألتي "القضاء السابق والمقادير النافذة قبل حدوث كسب العباد، والإيمان بجميع صفات الرحمن الخالق جل وعلا، مما وصف به نفسه في تنزيله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ".
حيث يضع عنوانا مطولا للمسألة التي يبحثها وكأنه ملخص لها، ويسوق الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الدالة عليها، ويسوق الأحاديث بإسناده، مع تعليق موجز على بعض النصوص، والرد على المخالفين من الجهمية والمعطِّلة والقَدَرِية والمعتزلة. وقد طبع أكثر من مرة في الهند ومصر وبيروت، ثم حققه الدكتور
[ ١٠٩ ]
عبد العزيز الشهوان رسالة علمية في جامعة الإمام بالرياض، وطبع في مجلدين.
٣- "كتاب التوحيد ومعرفة أسماء الله -﷿- وصفاته على الاتفاق والتفرد" للإمام الحافظ أبي عبد الله، محمد بن إسحاق بن منده "٣٩٥هـ".
وقد طبع بتحقيق الدكتور علي ناصر الفقيهي، في ثلاثة أجزاء. وقسم المؤلف فيه التوحيد إلى أربعة أقسام: توحيد الربوبية، توحيد الألوهية -وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله- وتوحيد أسماء الله الحسنى ثم أتبعها بالقسم الرابع عن الصفات، "فيضع عنوانا للمسائل يشير إلى موضوعها ويسوق الآيات والأحاديث الدالة عليها"١، ومن خصائصه الاستشهاد الكثير بالآيات القرآنية على أنواع التوحيد ومسائله، مما يربط القارئ بكتاب الله تعالى، فيستمدّ منه التوحيد مباشرة، وهذا الكتاب كتاب جيد نفيس.
٤- "الحجة في بيان المَحَجَّة وشرح التوحيد ومذهب أهل السنة" للحافظ قوام السنة أبي القاسم، إسماعيل بن محمد التيمي الأصبهاني "٥٣٥هـ". والاسم المثبت للكتاب على غلافه "الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة" بينما قال هو في مقدمته: "وسميته كتاب: الحجة في بيان المحجة وشرح التوحيد " ولهذا سلكناه مع الكتب التي وضعت تحت هذا العنوان، وسنسلكه كذلك مع كتب "العقيدة"، فيما سيأتي، وهو يبحث في المسائل الاعتقادية على منهج أهل السنة، يبين فيه اعتقاد أئمة السلف وأهل السنة، وقد جعله "١٤" بابا في التوحيد والصفات، والقرآن، ومسائل الإيمان، والرد على الجهمية، والوعد والوعيد، والقدر، والاستواء، وكلام الرب ﷿، وفضائل الصحابة، والتمسك بالسنة واجتناب البدع
_________________
(١) ١ انظر مقدمة المحقق للكتاب.
[ ١١٠ ]
ومادة الكتاب هي الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والآثار عن الصحابة والتابعين، ولأنه متأخر بعد زمن التدوين الأول فقد استفاد ممن سبقه من العلماء ونقل عنهم، مع حسن تنظيم وتبويب١.
وقد حُقق هذا الكتاب رسالة جامعية وطبع في مجلدين، أحدهما بتحقيق محمد بن ربيع بن هادي، والثاني بتحقيق محمد أبي رحيم، في الرياض "١٤١١هـ".
٥- "التمهيد لقواعد التوحيد" للإمام أبي المعين النسفي المكحولي، ميمون بن محمد "٥٠٨هـ".
٦- "تجريد التوحيد المفيد" للإمام تقي الدين، أحمد بن علي المقريزي "٨٥٤هـ". وهو كتاب صغير الحجم كثير الفائدة، يجلو فيه صاحبه دعوة التوحيد، ويخلصها من شوائب البدع والخرافات التي قد تذهب بأصل التوحيد، مع مناقشة الشبهات، وبيان الطريق المستقيم الذي ينبغي أن يسلكه الموحد، وقد طبع أكثر من طبعة.
٧- "كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد" للإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب التميمي النجدي "١٢٠٦هـ".
وهو كتاب وحيد في بابه، جرى فيه مؤلفه على عنوان المسألة بـ "باب" ما يذكر فيه من العقيدة، ثم يورد من آيات التنزيل ما يشهد لها، ثم يتبع ذلك بذكر حديث صحيح أو أحاديث تؤيد ذلك، ويعزو الأحاديث إلى مخرّجيها من الكتب المعتمدة، ثم يستنبط من الآيات والأحاديث مسائل
_________________
(١) ١ انظر: مقدمة الجزء الأول من الكتاب.
[ ١١١ ]
اعتقادية يجب الإيمان بها، والعمل بمقتضاها١.
وجُلّ مباحث الكتاب في الدعوة إلى التوحيد وفضله، وبيان التوحيد، مع العناية بتوحيد الألوهية وتوحيد الصفات وما يناقضهما. وللكتاب شروح كثيرة من أجودها "تيسير العزيز الحميد" للشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ، و"فتح المجيد" للشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، ولكل منها طبعات كثيرة متعددة.
٨- وعلى غراره كتاب "رسالة التوحيد" للعلامة الشيخ إسماعيل بن عبد الغني الدهلوي الشهيد "١٢٤٦هـ"، نقله إلى العربية وعلّق عليه الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي.
والكتاب في أصله كُتب لتقوية الإيمان ورد الإشراك في العلم والتصرف والعبادة والعادات. وقد صدر الكتاب -كما يقول الندوي- "عن قلب جريح متقطع لمشاهدة ما كان عليه المسلمون في عهد المؤلف من بعد عن التعاليم الإسلامية، وخضوع للوثنية الهندية، وتمسك بالعادات الجاهلية. وقد زاد في تأثيره وقبوله دموع عين باكية على المسلمين ودم زكي أريق في سبيل إحياء هذا الدين، وإدالته من الجاهلية، وتأسيس حكومة شرعية تقام على منهاج الكتاب والسنة"٢.
٩- "الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد" للشيخ محمد بن علي الشوكاني، صاحب "نيل الأوطار"، وغيره من المؤلفات، "١٢٥٠هـ".
وهو جواب لسؤال سائل عن التوسل والاستغاثة بالأموات والتمرغ على القبور، وطلب قضاء الحاجة من الميت وغير ذلك، مما يتعلق بأهل القبر من الإحياء
_________________
(١) ١ "نموذج من الأعمال الخيرية" ص٢٨٦. ٢ من مقدمة الأستاذ الندوي للكتاب.
[ ١١٢ ]
فأجاب جوابا شافيا وفصل المقام وبسطه، وأتى بإيرادات كثيرة من الطرفين، وردّها بأفصح عبارة وأسهل لفظ، وتوسط في ذلك وأنصف، وجمع أطراف الكلام في ذلك بحيث لا تجده في غير هذا الكتاب مستوفيا كذلك١.
وقد طبع للمرة الأولى في مطبعة المنار بتعليق الشيخ محمد رشيد رضا، ثم طبع بالمطبعة المنيرية وتتابعت بعد ذلك طبعاته.
١٠- "دلائل التوحيد" لعلَّامة الشام الشيخ محمد جمال الدين القاسمي "١٣٣٢هـ".
وقد أقام كتابه هذا على البراهين الدالة على معرفة الله تعالى، باعث الرسل لإقامة الحجة على الخلق بمحكم آياته، والرد على الملحدين وإبطال شبهاتهم، ثم بيان آيات خاتم النبيين وكريم أخلاقه التي فضل بها العالمين. ولم يَأْلُ جهدا في تجويد أسلوبه وتجديد ترتيبه ليكون أقرب للإفادة، وأجذب للاستفادة٢.
١١- وتتابعت الكتابات المعاصرة عن التوحيد، بأساليب متعددة متباينة، وحسبنا أن نشير إلى كتابي الشيخ عبد المجيد الزنداني "توحيد الخالق" و"كتاب التوحيد" وكل منهما في ثلاثة أجزاء لطيفة.
وقد راعى المؤلف أن يكون كتابه "متمشيا مع أحوال زماننا، وحرص على ضرب الأمثلة حتى يتحقق الهدف المنشود الذي طالما حثنا عليه القرآن، وشدد عليه العلماء في هذا الزمان، وذلك هو ربط الحقائق الدينية بأدلتها المبثوثة في الكون لذلك يجد القارئ فيه بعض حقائق علمية جديدة، وأمثلة توضحها مع استخدام وسائل الإيضاح المختلفة. وفيه بساطة في التعبير ووضوح في الفكرة وسهولة في البرهان؛ وذلك لتثبيت العقيدة في القلوب"٣.
_________________
(١) ١ "نموذج من الأعمال الخيرية" ص٢٩٢. ٢ انظر مقدمة الكتاب ص١٠، ١١. ٣ من مقدمة المؤلف للكتابين.
[ ١١٣ ]
٥- الشريعة:
تعريف الشريعة في اللغة:
قال ابن فارس في "معجم مقاييس اللغة" "٣/ ٢٦٢":
"شرع: الشين والراء والعين أصل واحد، وهو شيء يُفْتَح في امتداد يكون فيه. من ذلك: الشريعة، وهي مورد الشاربة الماء. واشتق من ذلك: الشرعة في الدين، والشريعة. قال الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً﴾ [المائدة: ٤٨]، وقال سبحانه: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾ [الجاثية: ١٨] ".
وقال ابن منظور في اللسان "مادة شرع" "٨/ ١٧٦":
"الشريعة والشِّرْعة: ما سَنَّ الله من الدين وأمر به، كالصوم والصلاة والحج والزكاة وسائر أعمال البر. مشتق من شاطئ البحر، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾ وقوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾، وقيل في تفسيره: الشرعة: الدين، والمنهاج: الطريق.
وقيل: الشرعة والمنهاج جميعا: الطريق، والطريق هنا: الدين، ولكن اللفظ إذا اختلف أتى به بألفاظ يؤكد بها القصة والأمر وقال ابن عباس: "شرعة ومنهاجًا": سبيلا وسنة. وقال قتادة: "شرعة ومنهاجًا": الدين واحد والشريعة مختلفة ".
[ ١١٤ ]
وقال الراغب الأصفهاني في "المفردات" ص٢٥٨:
"شرع: الشرع: نهج الطريق الواضح، يقال: شرعت له طريقا، والشرع مصدر، ثم جعل اسما للطريق النهج، فقيل: شَرَع وشَرْع وشريعة. واستعير ذلك للطريقة الإلهية، قال تعالى: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ . فذلك إشارة إلى أمرين:
أحدهما: ما سخر الله تعالى عليه كل إنسان من طريق يتحراه، مما يعود إلى مصالح العباد وعمارة البلاد، وذلك المشار إليه بقوله: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: ٣٢] .
الثاني: ما قيض له من الدين وأمره به ليتحراه اختيارا مما تختلف فيه الشرائع، ويعترضه النسخ، ودل عليه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾ [الجاثية: ١٨] .
وقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ إشارة إلى الأصول التي تتساوى فيها الملل فلا يصح عليها النسخ، كمعرفة الله تعالى ونحو ذلك من نحو ما دل عليه قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ .
وفي "الكليات" لأبي البقاء الكَفَوِيّ "٣/ ٥٦":
"الشريعة: اسم للأحكام الجزئية التي يتهذب بها المكلف معاشا ومعادا، سواء كانت منصوصة من الشارع أو راجعة إليه.
والشرع كالشريعة: كل فعل أو ترك مخصوص من نبي من الأنبياء صريحا أو دلالة، فإطلاقه على الأصول الكلية مجاز، وإن كان شائعا، بخلاف الملل فإن إطلاقها على الفروع مجاز، وتطلق على الأصول حقيقة، كالإيمان بالله وملائكته وكتبه وغير ذلك؛ ولهذا لا تتبدل بالنسخ ولا يختلف فيها الأنبياء، ولا نطلق على آحاد الأصول".
وقال التهانوي في "كشاف اصطلاحات الفنون":
الشريعة: ما شرع الله تعالى لعباده من الأحكام التي جاء بها نبي من الأنبياء -صلى الله عليهم وعلى نبينا وسلم- سواء كانت متعلقة بكيفية عمل، وتسمى فرعية وعملية، ودون لها علم الفقه، أو بكيفية الاعتقاد، وتسمى أصلية واعتقادية، ودون لها علم الكلام.
ويسمى الشرع أيضا بالدين والملة؛ فإن تلك الأحكام من حيث إنها تطاع دين، ومن حيث إنها تملى وتكتب ملة، ومن حيث إنها مشروعه شرع؛ فالتفاوت بينها بحسب الاعتبار لا بالذات، إلا أن الشريعة والملة تضافان إلى النبي -﵊- وإلى الأمة فقط استعمالا، والدين يضاف إلى الله تعالى أيضا١.
وقد يخص الشرع بالأحكام العملية الفرعية٢.
_________________
(١) ١ ٤/ ١٢٩، وانظر أيضا: "المنار في أصول الفقه" للنسفي، مع شرح ابن مالك عليه ص١٢. ٢ انظر فيما سبق ص٣٢.
[ ١١٥ ]
إطلاقات كلمة الشريعة اصطلاحيًا
إطلاقات كلمة الشريعة اصطلاحا:
ومن هذه التعريفات والنصوص التي نقلناها عن أهل اللغة، وعمن كتبوا في المصطلحات، نتبين أن الشرعة والشرع والشريعة كلمات مترادفة، وأصلها واحد.
وأن الشريعة تطلق على معانٍ متعددة:
١- فالشريعة هي كل ما أنزله تعالى على نبي من أنبيائه، وهي تنتظم الاعتقاد والأحكام العملية والاخلاق، فهي ما شرعه الله من الاعتقاد والعمل كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ١٨] .
٢- وتطلق الشريعة كذلك على ما خص الله تعالى به كل نبي من الأحكام وما سنه لأمته، مما يختلف من دعوة نبي لآخر، من المناهج وتفصيل العبادات والمعاملات إلخ، وهنا نقول: إن الدين في أصله واحد والشرائع متعددة١، كما في قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] .
٣- وتطلق الشريعة أحيانا على ما شرعه الله لجميع الرسل من أصول الاعتقاد والبر والطاعة مما لا يختلف من دعوة نبي لآخر كما في قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ [الشورى: ١٣] .
٤- وتطلق الشريعة بخاصة على "العقائد" التي يعتقدها أهل السنة من الإيمان مثل: اعتقادهم أن الإيمان قول وعمل، وأن الله موصوف بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن الله خالق كل شيء، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه على كل شيء قدير، وأنهم لا يكفرون أهل القبلة بمجرد الذنوب، ويؤمنون بالشفاعة لأهل الكبائر، ونحو ذلك من عقود أهل السنة، فسموا أصول اعتقادهم شريعة وهذا المعنى الأخير للشريعة عليه مدار البحث هنا، وهو مقصودنا بهذا العنوان.
"والشريعة في هذا كالسنة التي تقدم الكلام عليها، فقد يراد بها ما سنّه وشرعه من العقائد، وقد يراد بها ما سنه وشرعه من العمل، وقد يراد بها كلاهما"١.
_________________
(١) ١ انظر: "الإسلام وعلاقته بالشرائع الأخرى" ص٣٥-٤١، "التوحيد مفتاح دعوة الرسل" ص٢٥-٣٤. ٢ انظر: "مجموع فتاوى شيخ الإسلام": ١٩/ ٣٠٦، ٣٠٧.
[ ١١٦ ]
مؤلفات فلي الشريعة
مؤلفات في الشريعة:
ومما كتب في اعتقاد أهل السنة تحت اسم "الشريعة":
١- "كتاب الشريعة" للإمام أبي بكر، محمد بن الحسن بن عبد الله الآجُرّي "٣٦٠هـ"، وقد أقامه مؤلفه على ثلاثة أسس:
أولها: التحذير من التفرق في الدين، والحرص على الجماعة
ثانيها: معرفة الله معرفة تثمر في القلب إجلال الله وإكباره، ليعطيه حقه من إخلاص العبادة بمنتهى الذل ومنتهى الحب، رغبة ورهبة
ثالثها: معرفة الرسول معرفة تثمر في القلب حبه وتعظيمه على كل الخلق، وتقديم طاعته وهديه على كل أحد وهديه من الناس١.
وقد ألمحنا فيما سبق إلى اتحاد المسائل التي تبحث في كتب السنة وكتب الشريعة، ولأن كتاب الشريعة للآجري جاء بعد كثير من كتب "السنة" فقد يمتاز ببحث بعض المسائل كما في الكلام على الوحي وكيفية نزوله على النبي -ﷺ- والكلام على النبوة وما يتصل بها من المسائل.
وقد طبع الكتاب للمرة الأولى بتحقيق الشيخ حامد الفقي بمصر سنة "١٣٦٩هـ"، ثم كان موضوع رسالة علمية بجامعة أم القرى، بتحقيق الشيخ عبد الله الدميجي.
٢- "الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية، ومجانبة الفرق المذمومة" للإمام أبي عبد الله عبيد الله بن محمد بن بطة العكبري "٣٨٧هـ". ويقع في سبعة أجزاء، ففي الجزء الأول خمسة أبواب، بعد المقدمة، عن تأليف الكتاب ووجوب طاعة رسول الله -ﷺ- ولزوم الجماعة والنهي عن الفرقة.
وفي الجزء الثاني ثلاثة أبواب في الأمر بالتمسك بالسنة والجماعة، وذكر افتراق الأمم في دينهم وعلى كم تفترق هذه الأمة، ثم عدم السؤال عما لا يعني، والتحذير من التشدد والتعمق في المسائل.
وفي الجزء الثالث ذم الخصومات والمراء في الدين، والتحذير من الطعن على الفقهاء لسبب الاختلاف، وأن ذلك وسيلة لنقض الإسلام ومحو شرائعه.
وفي الجزء الخامس والسادس أبواب ثمانية عن الإيمان والإسلام وحكم تارك الصلاة والزكاة، والكلام على النفاق وعلامات المنافقين، وحكم مرتكب الذنب والخوف والرجاء.
ويكمل أبحاث الإيمان في الجزء السابع ويختمه بباب عن المرجئة وما روي من الإنكار عليهم. وقد طبع من الكتاب مجلدان اثنان، بتحقيق د. رضا نعسان معطي.
_________________
(١) ١ انظر: "مجموع فتاوى شيخ الإسلام": ١٩/ ٣٠٦، ٣٠٧.
[ ١١٨ ]
٦- العقيدة:
التعريف اللغوي:
قال ابن فارس في "معجم مقاييس اللغة" "٤/ ٨٦، ٨٧":
"عقد: العين والقاف والدال أصل واحد يدل على شد وشدة وثوق، وإليه ترجع فروع الباب كلها. ومن ذلك: عقد البناء، والجمع: أعقاد وعقود وعقدت
الحبل أعقده عقدا، وقد انعقد، وتلك هي العقدة.. وعاقدته مثل: عاهدته، وهو العقد والجمع: عقود اليمين، ومنه قول الله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] .
والعقد: عقد اليمين، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] .
وعقدة النكاح وكل شيء: وجوبه وإبرامه. والعقد في البيع: إيجابه وعقد قلبه على كذا فلا ينزع عنه. واعتقد الشيء: صلب، واعتقد الإخاء: ثبت "١.
وقال الراغب الأصفهاني في "المفردات" ص٣٤١:
"العقد: الجمع بين أطراف الشيء، ويستعمل ذلك في الأجسام الصلبة كعقد الحبل وعقد البناء٢، ثم يستعار ذلك للمعاني نحو: عقد البيع والعهد وغيرهما، فيقال: عاقدته وعقدته، وتعاقدنا وعقدت يمينه ".
وقال الفيومي في "المصباح المنير" "٢/ ٤٢١":
"اعتقدت كذا: عقدت عليه القلب والضمير، حتى قيل: العقيدة: ما يدين الإنسان به. وله عقيدة حسنة: سالمة من الشك".
ومن هذه النصوص نلاحظ أن مدار كلمة "عقد" على الوثوق والثبات والصلابة في الشيء.
ومن هنا جاء تعريف العقيدة والاعتقاد، كما في "المعجم الوسيط":
_________________
(١) ١ انظر مادة "عقد" في "لسان العرب": ٣/ ٢٩٦-٣٠٠، "الصحاح": ٢/ ٥١٠، ٥١١، "أساس البلاغة": ٢/ ١٣١، ١٣٢، "تهذيب الأسماء واللغات": ٣/ ٢٧، ٢٨، "الكليات": ١/ ٢٤١. ٢ عقد البناء: ألصق بعض حجارته ببعض بما يمسكها، فأحكم إلصاقها.
[ ١١٩ ]
"٢/ ٦١٤" حيث قال: "العقيدة: الحكم الذي لا يقبل الشك فيه لدى معتقده، والعقيدة في الدين: ما يقصد به الاعتقاد دون العمل، كعقيدة وجود الله وبعث الرسل، والجمع: عقائد".
تعريف العقيدة في الاصطلاح الشرعي:
ومن هذا المعنى اللغوي أخذ تعريف العقيدة في الاصطلاح الشرعي، فقال الشيخ حسن البنا -﵀- في تعريف العقائد بصيغة الجمع:
"العقائد: هي الأمور التي يجب أن يصدق بها قلبك، وتطمئن إليها نفسك، وتكون يقينا عندك، لا يمازجه ريب ولا يخالطه شك"١.
فهي إذن اعتقاد جازم مطابق للواقع لا يقبل شكا ولا ظنا، فما لم يصل العلم بالشيء إلى درجة اليقين الجازم لا يسمى عقيدة، وإذا كان الاعتقاد غير مطابق للواقع والحق الثابت ولا يقوم على دليل، فهو ليس عقيدة صحيحة سليمة، وإنما هو عقيدة فاسدة كاعتقاد النصارى بألوهية عيسى وبالتثليث.
عناصر العقيدة، ومراحل تكوينها:
والدراسة التحليلية للعقيدة التي ترادف لفظ "الإيمان" الذي سبق الحديث عنه، تشير إلى أن العقيدة الدينية "لا تعتمد على جانب واحد من جوانب الحياة: النفسية الوجدانية، والإرادية، والعقلية. ولكنها تتصل بها جميعا اتصالا وثيقا، ولا تكمل شخصية الفرد إلا إذا تضامنت شخصيته ونواحيه النفسية، وعملت كلها على تكوين عقيدته وباعدت بذلك بينه وبين كل تضارب أو صراع بين قواه المتعددة، وحل مكان ذلك الوئام والانسجام، وتم قبول العقل ورضا النفس واطمئنان
_________________
(١) ١ "رسالة العقائد" للإمام الشهيد حسن البنا ص٣٧٩ من مجموعة الرسائل.
[ ١٢١ ]
القلب، وذلك هو كمال الشخصية وكمال العقيدة أيضا.
وإذا كانت العقائد الدينية مرتبطة بالشخصية الإنسانية، وكانت متوجهة نحو العقل والوجدان والإرادة، لم تختلف في كيفية تكونها في النفس عن سائر الصفات النفسية الأخرى، التي تتكون منها الشخصية الإنسانية، فتتضامن الميول النفسية جميعها؛ من الشعور بالحاجة والضعف، وإحساس باللامحدود، ورغبة في كمال المعرفة وفي تحقيق الانسجام النفسي والانسجام الخارجي مع كل ما في البيئة الاجتماعية من معاني الإيحاء والتلقين والأمر والترغيب والترهيب في العمل على تكوين عقيدة من العقائد في النفوس، فتتكون كما تتكون سائر الصفات النفسية الأخرى، وتنمو وتبلغ ما قُدِّر لها من كمال وقوة، ثم تصبح موجها للمعتقد في حياته الفردية، وحياته بين الجماعة"١.
وإذا كنا -فيما سبق آنفا- قد تعرفنا على معنى العقيدة والاعتقاد ومراحل تكونها في النفس، فمن المناسب أن نشير هنا إلى أن هذه الكلمة "العقيدة" أو "الاعتقاد" أصبحت اسم عَلَم على العلم الذي يدرس جوانب الإيمان والتوحيد التي سبقت الإشارة إليها، ووجدنا كل من يكتب في هذا الجانب يطلق على كتابه اسم العقيدة، فيقال مثلا: عقيدة الطحاوي، العقيدة النسفية، العقائد العضدية إلخ. وأصبحت هذه الكلمة مضافة إلى الإسلام عنوانا على المادة الدراسية في المعاهد والكليات والمدارس، فيقال: مادة العقيدة الإسلامية.
مؤلفات في العقيدة:
وفيما يلي أسماء بعض المؤلفات التي حملت هذا الاسم، بدءا بأقدمها وأسبقها:
_________________
(١) ١ "لمحات في وسائل التربية الإسلامية وغاياتها" للدكتور محمد أمين المصري ص١١٨.
[ ١٢٢ ]
١- "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم، تأليف الشيخ الإمام الحافظ أبي القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري اللالكائي "٤١٨هـ".
وهذا هو الاسم الذي تجده مثبتا على غلاف الكتاب مخطوطا ومطبوعا، وقد يعرف أحيانا بكتاب "السنن" أو "شرح السنة" أو "أصول السنة" إلخ.
ويقع الكتاب في ثمانية أجزاء مطبوعة، يشتمل على مقدمة ومجموعة كبيرة من الأبواب في الحث على التمسك بالسنة وبيان التوحيد، واعتقاد أهل السنة، ومباحث الإيمان، والرد على بعض الفرق، وعلامات الساعة والفضائل. وهو من أهم الكتب المصنفة في العقيدة، وقد استفاد منه من جاء بعده ونقل عنه١.
٢- "عقيدة السلف أصحاب الحديث" للإمام أبي عثمان، إسماعيل الصابوني "٤٤٩"، وهو مطبوع ضمن "مجموعة الرسائل المنيرية" ثم طبع مستقلا في الكويت، بتحقيق بدر البدر.
٣- "الاعتقاد على مذهب السلف أهل السنة والجماعة" للإمام أبي بكر، أحمد بن الحسين البيهقي "٤٥٨". وهو يشتمل على بيان ما يجب على المكلَّف اعتقاده والاعتراف به، مع الإشارة إلى أطراف أدلته على طريق الاختصار، وما ينبغي أن يكون شعاره، على سبيل الإيجاز٢.
وقد طبع الكتاب أكثر من مرة في الهند وفي مصر وفي بيروت.
٤- "الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد" لإمام الحرمين أبي المعالي، عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني "٤٧٨هـ"، صاحب العقيدة النظامية
_________________
(١) ١ انظر مقدمة الدكتور أحمد سعد حمدان للكتاب: ١/ ١٠٧ وما بعدها. ٢ "الاعتقاد" للبيهقي ص٤.
[ ١٢٣ ]
أيضا. وقد طبع بتحقيق الدكتور محمد يوسف موسى وعلي عبد المنعم، بالقاهرة ١٣٦٩هـ في مجلد واحد.
٥- "الحجة في بيان المحَجَّة وشرع عقيدة أهل السنة" للإمام الحافظ قوّام السنة الأصبهاني "٥٣٥هـ". وقد سبق التعريف بهذا الكتاب في فقرة "التوحيد"؛ لأن المؤلف نص على تسميته بـ "كتاب الحجة في بيان المحجة في شرح التوحيد"، ولكن طبع بالاسم الذي جاء في هذه الفقرة "وشرح عقيدة أهل السنة" أيضا.
٦- "الدرة المضية في عقيدة الفرقة المرضية" وشرحها "لوامع الأنوار البهية.." للعلامة الشيخ أحمد السفاريني ١١١٨هـ. وهو كتاب حافل جليل يشتمل على مقدمة وعشرة أبواب، جمع فيه المؤلف أقوال السلف والخلف ومذاهب الفرق في مسائل الاعتقاد، وبيّن رجحان مذهب السلف على غيره مؤيدا ذلك بالدلائل النقلية، وكذا العقلية فيما يستدل على مثله بالعقل، واقتبس جل تحقيقاته فيه من كلام الإمامين الجليلين ابن تيمية وابن القيم، فجاء كتابا حافلا بالرأي جامعا للمأثور، لا يكاد يستغني عنه طالب السعة والتحقيق في العقائد الإسلامية، ولا يستغني عنه بشيء من كتب العقائد التي اشتهرت عند بعض الطلبة مما وضع على طريقة المتكلمين١. وقد طبع الكتاب في مجلدين اثنين تزيد صفحاتهما عن التسعمائة صفحة، وعليه بعض التعليقات للشيخ عبد الرحمن أبي بطين والشيخ سليمان بن سحمان.
ثم تتابعت الكتب والمؤلفات تحت هذا العنوان، ومنها مؤلفات كثيرة معاصرة مثل: "العقيدة في ضوء الكتاب والسنة" للدكتور عمر سليمان الأشقر، و"العقيدة في القرآن" للأستاذ محمد المبارك، وله أيضا: "نظام الإسلام، الجزء الأول في العقيدة"، وكلاهما يتميز بالعمق والجدة والابتكار في الأسلوب والتجديد في طريقة العرض.
ولشهرة هذا المصطلح أصبح يطلق كذلك على الكتب السابقة التي ألفت تحت عنوان السنة، فمثلا "العقيدة الطحاوية" كانت تسمى "بيان السنة والجماعة" وهكذا.
_________________
(١) ١ من تقريظ الشيخ رشيد رضا للكتاب في مجلة المنار، والمنثور في آخر الجزء الأول من الكتاب. وقال ابن بدران في "المدخل إلى مذهب الإمام أحمد" ص٤٤٩: "وهو شرح مفيد، إلا أنه جرى فيه مسلكا وسطا بين أهل الأثر وطريقة المتأخرين. وسلك فيه غير مسلك التحقيق؛ وفي آخر النظم والشرح أشياء لم يرض بذكرها من سلف، ولم يجعلوها من الاعتقاد في شيء، كذكر المهدي وأمثال ذلك مما حقه أن يذكر في كتب الملاحم والمواعظ، لا في كتب الاعتقاد. وقد اختصر شيخ مشايخنا الشيخ حسن الشطي الحنبلي هذا الشرح، إلا أنه أخذ كلام السفاريني بلفظه، وحذف الأقوال والخلاف، فحق هذا المختصر أن ينسب للسفاريني لا له. وعلى كل، فهذا الشرح مفيد، وقد طبع واشتهر".
[ ١٢٤ ]
٧- أصول الدين:
التعريف اللغوي:
قال ابن فارس في "معجم مقاييس اللغة" "١/ ١٠٩":
أصل: الهمزة والصاد واللام، ثلاثة أصول متباعد بعضها عن بعض، أحدها أساس الشيء، والثاني الحية، والثالث ما كان من النهار بعد العشي.
فأما الأول: "فالأصل أصل الشيء " ثم ذكر بقية المعاني.
وقال التهانوي في: "كشاف اصطلاحات الفنون" "١/ ١٢٢، ١٢٣":
"الأصل -بفتح الأول وسكون الصاد- في اللغة: ما يبتنى عليه غيره من حيث إنه يبتنى عليه، وبقيد الحيثية هذه خرج أدلة الفقه مثلا من حيث إنها تبتنى على علم التوحيد، فإنها بهذا الاعتبار فروع لا أصول ثم الابتناء أعم من الحسي والعقلي، فيشمل الكل".
التعريف الاصطلاحي:
وعند الفقهاء والأصوليين يطلق "الأصل" على معانٍ:
أحدها: الدليل، يقال: الأصل في هذه المسألة الكتاب والسنة.
وثانيها: القاعدة الكلية التي تشتمل على جزئيات موضوعها، كقاعدة: لا ضرر ولا ضرار.
وثالثها: الراجح، أي: الأولى والأحرى، يقال: الأصل في الكلام الحقيقة لا المجاز.
ورابعها: المستصحب، يقال: "تعارض الأصل والظاهر ".
والأصول من حيث إنها مبنى وأساس لفرعها سميت قواعد، ومن حيث إنها مسالك واضحة إليها سميت مناهج، ومن حيث إنها علامات لها سميت أعلاما.
والأصل في الدين: التوحيد، والأصل في الاعتقاد هو الإيمان بالمبدأ والمعاد ١.
فإذا كان الأصل هو أساس الشيء أو ما يبتنى الشيء عليه وما يقوم عليه، فأصول الدين هي ما يقوم الدين عليه ويعتبر أصلا له. والدين الإسلامي يقوم على عقيدة التوحيد، ومن هنا سمي علم التوحيد أو العقيدة "علم أصول الدين" كما سماه بعضهم علم الأصول، أو علم الفقه الأكبر، ونحو ذلك من الأسماء المتقاربة، ومنهم من يجعل أصول الدين اسما لكل ما تتفق فيه الشرائع مما لا ينسخ ولا يغير،
_________________
(١) ١ انظر: "الكليات" لأبي البقاء الكفوي: ١/ ١٨٨، ١٨٩.
[ ١٢٥ ]
سواء كان علميا أو عمليا، فيجعل عبادة الله وحده ومحبته وخشيته ونحو ذلك من أصول الدين١.
وقد عرّف بعض العلماء علم أصول الدين بأنه: "علم يقتدر معه على إثبات الحقائق الدينية، بإيراد الحجج لها، ودفع الشبه عنها"٢.
ملاحظتان:
وإذا كان هذا التعريف منسجما مع ما يرمي إليه علماء الكلام غالبا، فينبغي أن نلاحظ هنا أمرين:
أولهما: أن أصل الدين هو توحيد الله تعالى وعبادته وطاعته، وسمي هذا العلم بذلك لأن سائر أمور الدين كلها تبنى عليه.
ثانيهما: أن بعض علماء الكلام أدخلوا في مسمى "أصول الدين" ما ليس من الدين حقيقة، ولا من أصوله، مثل الدلائل والمسائل الفاسدة التي أكثروا منها في كتبهم، وتجد أمثلة على هذا في نفي الصفات والقدر، ونحو ذلك من المسائل، كما تجد له أمثلة أخرى في الاستدلال على حدوث العالم بحدوث الأعراض التي هي صفات الأجسام القائمة بها، وما يتبع ذلك من المقدمات التي يحتاج إليها هذا الدليل.
وهذا كله، وأمثاله، لم يدع إليه الرسول -ﷺ- ولم يجعله دليلا على الإقرار بالله الخالق ووحدانيته، ونبوة أنبيائه؛ ولذلك اعترف حذّاق علم الكلام بأن طريقتهم تلك ليست طريقة الرسل وأتباعهم، ولا طريقة سلف الأمة وأئمتها، وذكروا أنها
_________________
(١) ١ انظر: "مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية": ١٩/ ١٣٤. ٢ انظر: "أبجد العلوم" لصديق خان: ٣/ ٦٧، "مفتاح السعادة" لطاش كبرى زاده: ٢/ ١٣٢.
[ ١٢٧ ]
محرمة عندهم، بل قال المحققون منهم: إنها طريقة باطلة، والالتزام بها يؤدي إلى لوازم باطلة معلومة الفساد في الشرع والعقل١.
مؤلفات في أصول الدين:
وهكذا أصبحت كلمة "أصول الدين" لقبا لعلم العقيدة، وأصبحت هذه المادة تدرس تحت هذا العنوان، وقد تُوُسِّع فيها فأصبحنا نجد كليات جامعية لأصول الدين، تعنى بدراسة العقيدة والقرآن وعلومه والحديث وعلومه، وكأنها هنا أخذت معنى أوسع وأشمل.
ولعل أول من استخدم هذا المصطلح لعلم العقيدة -إن لم يشتهر وقتها- هو الإمام الشافعي ﵀، حيث قال في مفتتح كتابه "الفقه الأكبر": "هذا كتاب ذكرنا فيه ظواهر المسائل في أصول الدين التي لا بد للمكلف من معرفتها، والوقوف عليها".
ثم وصلتنا كتب تحمل هذا الاسم، فيما يلي إلماعة إلى بعضها:
١- "الإبانة عن أصول الديانة" للإمام أبي الحسن الأشعري "٣٢٩هـ".
وهو كتاب متوسط الحجم يتضمن أصول عقيدة أهل السنة والجماعة، ويرد فيه على الفرق المخالفة كالمعتزلة والجهمية والرافضة، واستدل بأدلة قوية صحيحة ظاهرة من كتاب الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم٢. وهو مطبوع متداول، وله طبعات عديدة يعوزها
_________________
(١) ١ انظر: "درء تعارض العقل والنقل": ١/ ٣٨-٤٣، "مجموع الفتاوى": ٣/ ٣٠٣-٣٠٨، "النبوات" ص٣٨-٤٤ لابن تيمية ﵀. وراجع فيما سبق ص١٠٩. ٢ انظر: "نموذج من الأعمال الخيرية" لمحمد منير الدمشقي ص٢٩٦.
[ ١٢٨ ]
التحقيق والعناية التي تليق بمكانته.
٢- "الشرح والإبانة عن أصول السنة والديانة" لأبي عبد الله، عبيد الله بن محمد بن بطة العكبري "٣٨٧هـ". وهذا الكتاب يعرف باسم "الإبانة الصغرى" وتقدم الكلام على "الإبانة الكبرى" في فقرة الشريعة.
٣- "أصول الدين" للإمام أبي منصور، عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي "٤٢٩" ذكر فيه مؤلفه خمسة عشر أصلا من أصول الدين، وشرح كل أصل منها بخمس عشرة مسألة من مسائل العدل والتوحيد، والوعد والوعيد، وما يليق بها من مسائل النبوات والمعجزات وشروط الإمامة والزعامة من الأولياء وأهل الكرامة، وأشار في كل مسألة منها إلى أصولها بالتحصيل دون التطويل؛ ليكون مجموعها للعالم تذكرة وللمتعلم تبصرة، وأشار فيها إلى نصرة الحق بدليل يكشف عنه، على الإيجاز من غير تطويل١.
٤- وللإمام أبي عثمان، إسماعيل الصابوني "٤٤٩هـ" كتاب سبق ذكره في العقيدة، يمكن أن نسلكه هنا لأنه قال في مقدمته: " سألني إخواني في الدين أن أجمع لهم فصولا في أصول الدين التي استمسك بها الذين مضوا من أئمة الدين وعلماء المسلمين والسلف الصالحين فاستخرت الله وأثبتُّ في هذا الجزء ما تيسر منها على سبيل الاختصار، رجاء أن ينتفع به أولو الألباب والأبصار"٢.
وقد طبع هذا الكتاب ضمن مجموعة الرسائل المنيرية، وطبع مستقلا في الكويت بتحقيق بدر البدر.
٥- "الشامل في أصول الدين" لإمام الحرمين الجويني "٤٧٨هـ" ويقع في خمس مجلدات، وتقدم أن له كتابا آخر باسم "الإرشاد" تقدم ذكره في "العقيدة".
٦- "أصول الدين" لشمس الإسلام، علي بن محمد بن علي الجويني إلكيا الهراسي "٥٠٤".
_________________
(١) ١ انظر: "أصول الدين" للبغدادي ص١-٣. ٢ "عقيدة الصابوني" ضمن "مجموعة الرسائل المنيرية": ١/ ١٠٦.
[ ١٢٩ ]
٨- التصور الإسلامي:
ألمحت فيما سبق إلى بعض العوامل والمؤثرات التي آلت بكتب العقيدة تحت مسمى "علم الكلام" إلى قليل أو كثير من الانحراف في المنهج وتعقيد في الأسلوب، مما جعلها تبتعد عن المنهج القرآني في مخاطبة النفوس والعقول لإنشاء العقيدة التي تؤثر في سلوك الإنسان وحياته، وكان لا بد من مواجهة هذه الآثار؛ فقام بعض المفكرين المعاصرين، باستجلاء الأساس الفكري العقائدي للإسلام وصياغته صياغة جديدة يرجى لها أن تكون مؤثرة؛ لأنها تربط المسلم بالمصدر الأساسي لهذه العقيدة، وهو "القرآن الكريم" والتطبيق العملي له وهو "السنة النبوية"، فنشأ عندئذ البحث في "التصور الإسلامي ومقوماته".
معنى التصور الإسلامي:
والتصور الإسلامي هو: الفكرة العامة التي جاء بها الإسلام عن الوجود كله "الله، الكون، الحياة، الإنسان"، ومقومات هذا التصور هي: مجموعة الحقائق العقدية الأساسية التي تنشئ في عقل المسلم وقلبه ذلك التصور الخاص للوجود، وما وراءه من قدرة مبدعة وإرادة مدبرة، وما يقوم بين هذا الوجود وهذه الإرادة من صلات وارتباطات١.
_________________
(١) ١ "مقومات التصور الإسلامي" للأستاذ سيد قطب ص٤١، ونشير هنا إلى أن سياسة التعليم في بعض البلاد العربية والإسلامية، والجامعات الإسلامية بدأت تهتم بدراسة العقيدة من هذا الجانب وتوليه اهتماما متميزا. انظر: "سياسة التعليم في المملكة العربية السعودية" المواد "٢، ٣"، "منهج المرحلة الثانوية" ص١٢. وعن اهتمام جامعة الزيتونة في تونس بذلك انظر: "تفصيل النشأتين" للراغب الأصفهاني، مقدمة الدكتور عبد المجيد النجار ص٩٦.
[ ١٣٠ ]
ظهور مصطلح التصور الإسلامي:
١- ولعل أول من استخدم هذا المصطلح "التصور الإسلامي" هو المفكر الإسلامي المعروف أبو الأعلى المودودي، أمير الجماعة الإسلامية في باكستان، ﵀، فكتب في ذلك كتابه "الحضارة الإسلامية: أسسها ومبادئها" وكتابه "نظام الحياة في الإسلام" وأقامهما على هذه الفكرة.
٢- ثم أقام الأستاذ سيد قطب كتابه الرائد الممتع "العدالة الاجتماعية في الإسلام" على هذا الأساس، فكتب فيه فصلا عن نظرة الإسلام للوجود؛ ليكون قاعدة لبحث النظام الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، ووعد ببحث مفصل عن ذلك، وكان أن أنجز وعده، فصدر أولا "خصائص التصور الإسلامي ومقوماته" "القسم الأول: الخصائص" وبعد سنوات من استشهاده -﵀- صدر القسم الثاني من الكتاب عن "مقومات التصور الإسلامي" في عام "١٤٠٦هـ". ويحدد المؤلف -﵀- منهجه في البحث فيقول:
"منهجنا في البحث عن "خصائص التصور الإسلامي ومقوماته" أن نستلهم القرآن الكريم مباشرة -بعد الحياة في ظلال القرآن طويلا- وأن نستحضر -بقدر الإمكان- الجو الذي تنزلت فيه كلمات الله للبشر، والملابسات الاعتقادية والاجتماعية والسياسية التي كانت البشرية تَتيه فيها وقت أن جاءها هذا الهدي. ثم
[ ١٣١ ]
التيه الذي ضلّت فيه بعد انحرافها عن الهدي الإلهي!
ومنهجنا في استلهام القرآن الكريم أن لا نواجهه بمقررات سابقة إطلاقا -لا مقررات عقلية ولا مقررات شعورية- من رواسب الثقافات التي لم نستقها من القرآن ذاته، نحاكم إليها نصوصه؛ أو نستلهم معاني هذه النصوص وفق تلك المقررات السابقة
ثم إننا لا نحاول استعارة "القالب الفلسفي" في عرض حقائق "التصور الإسلامي"؛ اقتناعا منا بأن هنالك ارتباطا وثيقا بين طبيعة "الموضوع" وطبيعة "القالب"، وأن الموضوع يتأثر بالقالب، وقد تتغير طبيعته ويلحقها التشويه، إذا عرض في قالب، في طبيعته وفي تاريخه، عداء وجفوة وغربة عن طبيعته! الأمر المتحقق في موضوع التصور الإسلامي والقالب الفلسفي. والذي يدركه من تذوق حقيقة هذا التصور كما هي معروضة في النص القرآني!
وكلمة أخرى في المنهج الذي نتوخاه في هذا البحث أيضا
إننا لا نستحضر أمامنا انحرافا معينا من انحرافات الفكر الإسلامي، أو الوقائع الإسلامي ثم ندعه يستغرق اهتمامنا كله، بحيث يصبح الرد عليه وتصحيحه هو المحرك الكلي لنا فيما نبذله من جهد في تقرير "خصائص التصور الإسلامي ومقوماته"، إنما نحن نحاول تقرير حقائق هذا التصور -في ذاتها- كما جاء بها القرآن الكريم كاملة شاملة، متوازنة، متناسقة تناسق هذا الكون وتوازنه، وتناسق هذه الفطرة وتوازنها.
ذلك أن استحضار انحراف معين، أو نقص معين؛ والاستغراق في دفعه، وفي صياغة حقائق التصور الإسلامي للرد عليه منهج شديد الخطر وله معقباته في إنشاء انحراف جديد في التصور الإسلامي لدفع انحراف قديم
[ ١٣٢ ]
والانحراف انحراف على كل حال! "١.
ولعله مما يحتم هذا المنهج، أن ندرك ثلاث حقائق هامة:
الأولى: أن أول ما وصل إلى العالم الإسلامي من مخلَّفات الحضارة الإغريقية واللاهوت المسيحي، وكان له أثر في توجيه الجدل بين الفرق المختلفة وتلوينه، لم يكن سوى شروح متأخرة للفلسفة الإغريقية، منقولة نقلا مشوها مضطربا في لغة سقيمة، مما نشأ عنه اضطراب كثير في نقل هذه الشروح!
الثانية: أن عملية التوفيق بين شروح الفلسفة الإغريقية والتصور الإسلامي كانت تنم على سذاجة كبيرة، وجهل بطبيعة الفلسفة الإغريقية، وعناصرها الوثنية العميقة، وعدم استقامتها على نظام فكري واحد، وأساس منهجي واحد، مما يخالف النظرة الإسلامية ومنابعها الأصيلة.
الثالثة: أن المشكلات الواقعية في العالم الإسلامي، تلك التي أثارت ذلك الجدل منذ مقتل عثمان -﵁- قد انحرفت بتأويلات النصوص القرآنية، وبالأفهام والمفهومات انحرافا شديدا. فلما بدأت المباحث لتأييد وجهات النظر المختلفة، كانت تبحث عما يؤيدها من الفلسفات والمباحث اللاهوتية، بحثا مغرضا في الغالب؛ ومن ثم لم تعد تلك المصادر -في ظل تلك الخلافات- تصلح أساسا للتفكير الإسلامي الخالص الذي ينبغي أن يتلقى مقوماته ومفهوماته من النص القرآني الثابت، في جو خالص من عقابيل تلك الخلافات التاريخية "٢.
وهذا المنهج الذي سلكه المؤلف -﵀- يجعل النص القرآني هو الأصل الذي يتولى تقرير الحقائق التي يتألف منها البحث، ويجعل عبارة المؤلف مجرد
_________________
(١) ١ "خصائص التصور الإسلامي" مقتطفات من ص١٦-١٩. ٢ "خصائص التصور الإسلامي" ص١٣، ١٤.
[ ١٣٣ ]
عامل مساعد يجعل النص القرآني مفهوما -بقدر الإمكان- للقارئ، فيعقد -بذلك- الألفة بين قارئ هذا البحث وبين القرآن ذاته.. فيتعود التعامل مع القرآن ذاته مباشرة، ويشعر أن في هذا القرآن غناء كاملا وشاملا في كل حقيقة من حقائق الوجود الأساسية١.
ومهما قلت في هذا الكتاب الرائع الممتع، فلست ببالغ ما أريد، ولست موفّيه حقه، فحسبي هذه الإشارة إلى أهميته ومنهجه؛ ليكون ذلك دافعا للقارئ أن يعود إليه بالدراسة المتأنية العميقة، والبحث الدقيق، ليكون ذلك خطوة على طريق العمل بهذا التصور والتفاعل مع مقتضياته ومستلزماته.
٣- وأما الأستاذ محمد المبارك -﵀- فقد قدَّم كتابين في هذا المجال انطلاقا من الفكرة السابقة، أولهما: "العقيدة في القرآن" وهو بحث مبتكر في العقيدة، يعرض لها على أنها نظرة شاملة مترابطة الأجزاء، ويسلك في عرضها أسلوب العصر الحديث من حيث التعبير ومناهج البحث والاستدلال، بدلا من أن يسير في أعقاب المتكلمين ووفقا لطرائقهم في البحث، التي تأثروا فيها بنظريات ومفاهيم الفلسفة القديمة.. لا سيما بعد اتساع آفاق الكشف العلمي للكون أو الطبيعة٢.
ثم كتب أيضا الجزء الأول من "نظام الإسلام" -العقيدة والعبادة- نَهَجَ فيه المنهج نفسه، وهو أوسع من الكتاب الأول، حيث يعرض فيه لحقائق الوجود ويضع العقيدة في موضعها من نظام الإسلام، فهي اللبنة الأساسية في بنائه، وهي التي تمد باقي أجزائه بالحياة وتحدد اتجاهاتها ومعالمها.
وطريقة المؤلف في بحثه تعتمد على الأسس التالية:
_________________
(١) ١ "مقومات التصور الإسلامي" ص٣٨. ٢ انظر: "العقيدة في القرآن" طبع دار الفكر في بيروت.
[ ١٣٤ ]
أولا: نصوص القرآن والسنة، وذلك بتتبع جميع الآيات والأحاديث التي تتصل بموضوع من الموضوعات، مراعيا في فهم الآيات تفسير الصحابة والصدر الأول دون التأويلات الشاذة.
ثانيا: الاسترشاد بآراء السلف الأُوَل في فهم الإسلام، والاستئناس برأي من جاء بعدهم في مختلف العصور.
ثالثا: الربط بين الأحكام الجزئية وجمع شتاتها واستخراج الأفكار العامة والقواعد الكلية التي تلتزمها، دون التزام التصنيفات والتقسيمات التي اعتمدها المؤلفون القدامى.
رابعا: بذل الجهد في أن يكون تعليل الآراء وحكمة الأحكام مستخرجة من النصوص الأصلية نفسها، والبعد عن التعسف في التأويل والتعليل، والبعد عن الآراء الشاذة.
خامسا: صياغة الأفكار صياغة تتناسب مع المخاطبين في هذا العصر من حيث طريقتهم في التفكير وأسلوبهم في التعبير، مع الحفاظ على المفاهيم الإسلامية دون انتقاص، أو تحريف١.
٤- وهناك كُتَّاب آخرون أيضا عرضوا لمنهج في الكتابة العقدية جديد، ومن ذلك ما قام به الدكتور عبد المجيد النجار في كتابه "فقه التدين، فهما وتنزيلا" الجزء الثاني، ومقدمته لكتاب "تفصيل النشأتين" للراغب الأصفهاني، وضع فيها بين أيدي الباحثين مخططا عاما لما يمكن أن يكون بنية عامة لمنظومة إسلامية في "الإنسان" تستمد مادتها من العقيدة الإسلامية٢.
_________________
(١) ١ "نظام الإسلام: العقيدة والعبادة"، ص "٢١-٢٥". ٢ انظر: "تفصيل النشأتين" تقديم المحقق ص٩ وما بعدها. وقد أشار إلى جملة ممن كتب في موضوع "الإنسان" وعجبت من أنه لم يشر إلى أول من خص هذا الموضوع بكتاب رائد فريد، وهو الأستاذ سيد قطب ﵀، فلست أدري هل اطلع على "الخصائص" و"المقومات" أم لم يطلع عليهما؟ وقد صدرا منذ أمد، وتكررت طبعاتهما، وصدرت دراسات عنهما في المغرب العربي الذي يعيش فيه الدكتور النجار بعد دراسته في مصر.
[ ١٣٥ ]