المسألة التاسعة
في أنواع المعجزة إن آيات المعجزات التي أيد الله بها رسله قد اختلفت أنواعها، وتباينت مظاهرها وأشكالها، إلا أنها تجتمع في أن كلا منها قد عجز البشر عن أن يأتوا بمثله، منفردين أو مجتمعين، فكانت بذلك شاهد صدق على الرّسالة، وحجًة قاطعة تخرس الألسنة، وينقطع عندها الخصوم، ويجب لها التّسليم والقبول.
ويغلب أن تكون معجزة كل رسول مناسبة لما انتشر في عصره، وبرز فيه قومه، وعُرفوا بالمهارة فيه، ليكون ذلك أدعى لفهمها، وأعظم لدلالتها على المطلوب، وأمكن في الالتزام بمقتضاها، ففي عهد موسى، ﵇، انتشر السحر، ومهر فيه قومه، حتى أثروا به على النفوس، وسحروا به أعينَ الناظرين، وأوجس في نفسه خيفة منه من شهده، وإن كان عالي الهمّة، قوي العزيمة، فكان ما آتاه اللهّ نبيه موسى فوق ما تبلغه القوى والقدر، وما لا يدرك بالأسباب والوسائل، وقد أوضح الله
[ ٦١ ]
ذلك في كثير من الآيات، منها قوله- تعالى-: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى - قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى - قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى - فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى - قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى - وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى - لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾ [طه: ١٧ - ٢٣]
ولهذا بُهت السحرة، وبطل ما جاءوا به من التمويه والتضليل، وامتاز الحق عن الباطل.
قال- تعالى-: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ - قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ - رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٠ - ١٢٢]
وفي عهد المسيح عيسى ابن مريم، ﵇، برع بنو إسرائيل في الطب فكان مما آتاه الله أن يصوّر من الطين كهيئة الطير، فينفخ فيه، فيكون طيرًا بإذن الله، وإبراءُ الأكمه والأبرص بإذن الله، وإحياء الموتى بإذن الله، إلى غير ذلك من الآيات التي ثبتت بها رسالته، وقامت بها الحجة على قومه.
وفي عهد محمد، ﷺ، كان العرب قد بلغوا الغاية في فصاحة اللسان، وقوة البيان، وجرت الحكمة على ألسنتهم حتى
[ ٦٢ ]
اتخذوا ذلك ميدانًا للسباق والمباراة، فأنزل الله القرآن على رسوله محمد، ﷺ، فكانت بلاغته، وبيانه، وما تضمنه من الحِكم والأمثال جانبًا من جوانب إعجازه، قال، ﷺ: «ما من الأنبياء نبي إلا وقد أعطيَ من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وَحْيًا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة» (١) .
وليست معجزات موسى، وعيسى، ومحمد، ﵈، مقصورة على ما ذُكِرَ، وإنما ذلك بيان لما تحدى به كل منهم قومه، وجعله قاعدة يَبْني عليها دعوته، وتثبت بها رسالته، وإلا فلهؤلاء وغيرهم من الأنبياء كثير من الآيات البيّنات، والعلامات الواضحات التي دلّت على صدقه سوى ما تحدّى به كل نبي قومه.
ومنها ما يرجع إلى سيرتهم قبل الرسالة، فإن الله - تعالى- قد أعدّهم لتحمل أعباء رسالته، ومنها ما يرجع إلى ثبات جأشهم، وقوة بأسهم في مقام الدعوة، والجهاد في سبيل نصرتها، ونشرها بنفسه، وبمن آمن معه، وما أقلهم عددًا،
_________________
(١) "مختصر صحيح مسلم " (١٩) عن أبي هريرة﵁-.
[ ٦٣ ]
وأضعفهم شوكة، مع غنى عدوهم، وكثرة عَدَدهم، وعُددهم، وقوة سلطانهم، إلى غير ذلك ممَا يدل على صدق الدّاعي في دعوته، وكمال يقينه بها.
ومنها: ما يرجع إلى سلامة الشريعة التي يدعون إليها، وحكمتهم في حمل الناس عليها، وقوة حجاجهم في الدفاع عنها، وما شوهد من آثارها في صلاح من اهتدى بها من الأمم في الدولة، والسياسة، والاجتماع، والاقتصاد، والحرب، والسلم، وغير ذلك من أحوال الشعوب، حتى إذا حرّفوها عن مواضعها، فأولوها على غير وجهها، أو أعرضوا عنها، وتركوا العمل بها دالت دولتهم، وساءت حالتهم، فإن العاقبة للمتقين، والخيبة والخزي على المفسدين.
ومنها ما يرجع إلى آيات حسية أكرم بها رسله، ومن آمن بهم من: تفريج كربة، وإزالة شدّة، أو خوارق عادات طلبتها الأمة بغيًا وعنادًا، فأجيبت إليها دفعًا للحرج عن الرسل، وزيادة في التثبيت لهم، والإِعذار إلى من كفر بهم.
ومنها: ما يرجع إلى تعليم الصناعات، وتيسير طرقها: كإسالة عين القطر، وإلانة الحديد لداود، ﵇، على خلاف سنة الكون، ليكون ذلك آية له وكرامة، وليكون سعة
[ ٦٤ ]
للعباد ورحمة لهم، إلى غير ذلك مما لا يحصيه إلا الله.
[قصة يوسف ﵇]
وإليك أمثلة من قصص الأنبياء في القرآن ترشدك إلى كثير مما ذكرت، وتبين لك سنة الله - تعالى- الماضيةَ في إعداده الأنبياء لتحمل أعباء الرسالة، وحكمته البالغة في تأييده إياهم بالمعجزات الباهرات، لتقوم بها الحجة على أممهم، إعذارًا إليهم، ولئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وكان عزيزا حكيمًا.
فمن ذلك:
قصة يوسف ﵊: إن هذه القصة فيها كثير من العجائب، والعبر، والعظات، والأحكام، والأخلاق، وألوان الامتحان، والابتلاء، والفضل، والإحسان، والذي أقصد إليه من مباحثها هنا أمرين لمزيد اتصالهما بالموضوع:
الأول: كيف كانت هذه القصة معجزة لرسول الله محمد ﷺ.
الثاني: كيف كانت دليلا على أن الله يعدّ رسله في حياتهم الأولى قبل الرسالة لتحمّل أعبائها حين إرسالهم إلى أممهم.
أما الأول: فإنه- تعالى- ذكر قصة يوسف، عليه الصلاة
[ ٦٥ ]
والسلام، في القرآن مفصّلة لتكون بجملتها آية بل آيات على نبوة رسوله محمد، ﵊.
وبيان ذلك أنهَّ كان أميًّا لم يقرأ شيئًا من كتب الأولين، ولا درس شيئًا من تاريخهم، ولا خطّ من ذلك شيئًا بيمينه حتى يُرتاب في أمره، ويُتَهم بأنه تكلم بما قرأ أو درس. قال- تعالى-: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]
بل كان من الغافلين عن قصة يوسف وأمثالها، لم تخطر له ببال، ولم تقرع له سمعًا قبل أن يُوحي الله بها إليه، ويذكرها له في محكم كتابه.
قال- تعالى- في مطلع سورة يوسف: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ - إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ - نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: ١ - ٣]
وقال بعد ذكر يوسف لرؤياه، وعرضها على أبيه، ووصية أبيه له:
﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ [يوسف: ٧]
[ ٦٦ ]
ولم تكن قصة يوسف بالأمر الذي اشتهر في العرب، وتناولوه بالحديث فيما بينهم، بل كانت غيبًا بالنسبة إليهم، ولا كان محمد مع يوسف وإخوته، ولا شهد مكرهم به، ولا كيدهم له، فيتهم بأنه تكلم بأمر شهده، أو انتشر بين قومه.
قال- تعالى- لنبيه محمد في ختام قصة يوسف، عليهما الصلاة والسلام: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ [يوسف: ١٠٢]
ولا يسع أحد أن يقول: إنه عرف تفاصيل القصة من اليهود، فإن السورة مكية، واليهود كانوا يعيشون بالشام والمدينة وما حولها، ولم يعرف عنه أنَه اتَصل بهم قبل الهجرة، ولا دارسهم شيئا من العلوم، ولو كان تم شيء من ذلك لانكشف أمره لطول العهد، وكثرة الخصوم، وحرج قومه من دعوته، وسعيهم جهدهم في الكيد له، والصدّ عنه، وحرصهم على تشويه سمعته، والقضاء عليه وعلى دعوته، حتى رموه بالسحر، والكهانة، والجنون، واتهموه زورًا بالكذب، وهو في قرارة أنفسهم الصادق الأمين، وتبادلوا الرأي فيما يوقعونه به من حبسه، أو طرده من بينهم، وتشريده، وانتهى أمرهم بالاتفاق
[ ٦٧ ]
على قتله، فأنجاه الله من كيدهم، وكتب له الهجرة إلى المدينة حيث عزَ الإسلام، وقامت دولته.
قال- تعالى-: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠]
فقوم هذا شأنهم معه لا يخفى عليهم أمرِه، وهو يعيش بين أظهرهم، وهم له بالمرصاد، فلو وجدوا سبيلا إلى الطعن عليه باتصاله باليهود، والأخذ عنهم لسارعوا إلى فضيحته، والتشنيع عليه بذلك، ولم يضطروا إلى الافتراء عليه، ولا إلى التفكير في قتله أو تشريده، ولا إلى نشوب الحرب بينه وبينهم سنين طويلة، ولم يلجأوا إلى اتهامه تهمة تحمل ردها في طيها، فقد اتهموه برجل أعجمي بمكة، وادعوا أنه يعلّمه، فسفَه الله أحلامهم وألقمَهُم الحجر.
قال- تعالى-: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]
وليست قصة يوسف خبرًا مقتضبًا عبًر عنه بالجملة أو الجملتين، فيقال: إن صدقه في الحديث عنها وليد الصدفة
[ ٦٨ ]
والاتفاق، بل هي قصة كثيرة العجائب، متشعبة الموضوعات، وقعت بين أطراف مختلفة في أزمان متباعدة، فمن رؤيا صادقة، إلى مؤامرة، ثم نجاة، يتبعها بيع، ثم إيواء، إلى مراودة، يتبعها هم، ثم عصمة من الفحشاء، إلى سجن فيه دعوة إلى التوحيد، مع رفق وحُسْن سياسة، وتأويل للرؤيا أصدق تأويل، يتبع ذلك خروجه ﵇، من السجن بريئًا من التهمة، وتولًيه شئون الدولة، واجتماع إخوته به، مع معرفته لهم، وإنكارهم إياه، وما أكثر ما دار بينه وبينهم من الأحاديث وما جرى من الأحداث، إلى أن انتهى ذلك بتعريفه لهم بنفسه، وعفوه عنهم، وحضور أبيه إليه على خير حال، إلى غير ذلك من التفاصيل التي يعرفها البصير بكتاب اللهّ.
وقد سيقت القصة مفصلة في جميع نواحيها، مستوفاة في جميع فصولها، في أدق عبارة، وأحكم أسلوب، أفيعقل بعد ذلك أن يًقال: إن صدقه، ﵊، فيما سرده من قضاياها، ووقائعها، وعجائبها على هذا النهج الواضح، والطريق السوي وليدُ الصدفة والاتفاق؟!
ختم- سبحانه- سورة يوسف بمثل ما بدأها به من الإرشاد إِجمالًا إلى القصد الذي من أجله سيقت القصة، وهو أن تكون
[ ٦٩ ]
آية على نبوة محمد ﷺ، وصدقه فيما جاء به من التشريع، وأن قصة يوسف، ونحوها مما نزل به الوحي مستقى من المشكاة التي أخذ منها الأنبياء، فليس حديثًا مفترى، ولكنه تصديق لما بين يديه من كتب المرسلين، وتفصيل لما يحتاج إليه المكلفون من التشريع في معاشهم ومعادهم، وجماع الهداية والرحمة لمن كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد.
أفيمكن أن تكون هذه القيادة الرشيدة بهذا التشريع المستقيم من إنسان أميّ عاش في أمة أمية من عند نفسه دون وحي من الله!؟ كلا إنَها العناية الربانيَّة، والرسالة الحقّة، والوحي الصادق المبين، نزل به الروح الأمين، على قلب محمد، ﷺ، ليكون رحمة للعالمين.
﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١]
أما الثاني: فإن في تفاصيل قصة يوسف، ﵊، كثيرًا من الأسرار، والعجائب التي يعد بها الله رسله، ويهيئ بها أنبياءه لقيادة الأمم، من أخلاق سامية، وآداب عالية،
[ ٧٠ ]
وحكمة بالغة، وقرة عزيمة، وعقائد صحيحة، ويتبَينّ ذلك بوجوه كثيرة: الأول: صفاء روح يوسف، ونقاء سريرته، وهذا واضح من الرؤيا الصادقة التي رآها في صغر سنة، وأول نشأته، فتحقق تأويلها بسجود أبويه وإخوته له في كبر سنه، وختام. حياته.
قال- تعالى-: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]
وقال: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠]
الثاني: ما خصَّهُ الله به من المميزات التي زادت تعلق والده به، وحملت إخوته على التآمر عليه، والكيد له، فأشار بعضهم بقتله ليخلو لهم وجه أبيهم، وتطيب لهم الحياة، ورأى آخرون أن في إبعاده عن والده الكفاية، فلما أجمعوا أمرهم على ذلك، ورموه في غيابة الجبّ أوحى الله إليه: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف: ١٥] إيناسًا له، وإزاحة للغمة عن نفسه، وهيأ له من أخرجه من البئر لكنهم باعوه بثمن
[ ٧١ ]
بخس دراهم معدودة، فرعاه الله، وجعله عند من يكرم مثواه، ومكَن له في الأرض، وعلمه من تأويل الأحاديث، والله غالب على أمره، ولكنَ أكثر الناس لا يعلمون.
وبعد أن مكَّن الله له، واجتمع بإخوته لم ينتقم لنفسه، بل صَفَحَ عن الزَلَّة، وعفا عند القدرة، ونبأهم بما سبق من سوء صنيعهم معه في الصًغر.
﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ - قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ - قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ - قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٨٩ - ٩٢]
الثالث: عفَة فرجه، ونزاهة نفسه، مع توافر دواعي الشهوة، وتهيئ أسباب الجريمة، من دوام الخلوة، ومزيد الخلطة، والدعوة إلى الفاحشة، وحياته معها في بيتها، وأخذها الحيطة في إغلاق الأبواب. لقد كان يوسف من المخلصين لله، فاستعاذ به، واستقبح أن يقابل جميل من أحسن مثواه بخيانته في عرضه. وذكر ما يصيب الظالمين في العواقب من الخسار أو الدمار،
[ ٧٢ ]
وبذلك صرف الله عنه السوء والفحشاء، وأظهر براءته.
﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٢٩]
ثم اشتدّ بامرأة العزيز الأمر، فأنذرت يوسف بالسجن والعذاب، أو يفعل ما تأمره به.
فقال: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣]
الرابع: أنه لم يشغله ما أصيب به من تتابع البلاء عن ربه ودينه، والدعوة إلى ما ورثه من التوحيد الخالص عن آبائه: إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ﵈، فانتهز حاجة من معه في السجن إليه في تأويل ما رأياه في التعريف بنفسه، فبدأ ببيان مكانته، والحديث عن نفسه، ليُقْبَل منه قوله، ونصح لهما في التوحيد وزيَّنه، وحذرهما من الشرك وقبحه، وأقام على ذلك الحجة، كل ذلك قبل تأويل الرؤيا، ليكون أدعى إلى الإصغاء والقبول، وأبعد عن الإعراض عنه، وقد أطال في ذلك، ثم ختم بتأويل الرؤيا لهما في آية قصيرة.
الخامس: أن يوسف أراد أن يأخذ بأسباب الخلاص من
[ ٧٣ ]
السجن، فقال للذي ظَنَ أنًه ناج من صاحبيه في السجن: اذكرني عند ربّك. فأدَّبه الله ببقائه في السجن بضع سنين، ليعلق قلبه بربِّه دون غيره، ويتم له صدق التوكّل عليه وحده - سبحانه- دون سواه.
السادس: أنه- سبحانه- شاء أن تكون نجاته بما آتاه الله من العلم، وبما علَمه من تأويل الأحاديث، لا بشفاعة أحد، ولحاجة الأمة راعيها ورعيتها إليه، دون حاجته إليهم، ليكون ذلك أكرم له، وأعزَ لنفسه، ولئلا يكون لأحد عليه سوى الله منَة، فأرى الله ملك مصر رؤيا هاله أمرها، وعجز أشراف قومه ووجهاؤهم عن تعبيرها، وقالوا: أضغاث أحلام، وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين!!
ولما انتهى أمر الرؤيا إلى يوسف أوَّلها أصدق تأويل، وبين أنها كشفت للأمة عنِ مستقبلها في رخائها وشدتها أربعٍ عشرة سنة.
﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ - ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ - ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف: ٤٧ - ٤٩]
فأخذ تفسير يوسف من قلب الملك مأخذه، ولم يسعه إلا أن
[ ٧٤ ]
يرسل بإحضاره، فأبى يوسف حتى ينظر في قضيته مع النسوة، فإنه قد زُجً به في السجن من أجلهن، ففعل الملك، وظهرت براءته، ﵇، وحضر إلى الملك فقال له: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ - قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٤ - ٥٥] فاستجابَ له الملكَ، وأتم الله ليوسف ما شاء منِ نعمته.
﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٦]
وبذلك يتبين أن الله محّصه ورعاه، بتتابع البلاء والإنجاء، ابتلاه بكيد إخوته له، ورميه في الجب، ثم أنجاه. وابتلاه ببيع السيارة له، ثم هيأ له من أحسن مثواه. وابتلاه بتسليط امرأة العزيز عليه، وبالنسوة اللاتي قطًعن أيديهن، ثم عصمه وحماه. وابتلاه بالسجن، ثم أخرجه منه بريئًا من التُهمة عليمًا بربه، وبشئون الأمة، في وقت اشتدت فيه حاجة البلاد إلى حفيظ عليم يدبر أمرها، ويقودها في حياتها خير قيادة، فتولّى أمرها، واستسلم له أهلها.
وفي قصة يوسف، ﵇، سوى ما ذكر شيء كثير
[ ٧٥ ]
يدل على أن الله تعهد يوسف برعايته، وتولاه في أطوار حياته، ليتخذه رسولا، ويجعل من سيرته الحميدة آيات بيّنات على صدقه، وأمانته فيما يدعيه من الرسالة.
[ ٧٦ ]
[قصة موسى ﵇]
قصة موسى ﵇ ذكر الله﷾- في أول سورة القصص بيانًا عن نشأة موسى، ﵇، وحاله قبل الرسالة، وأتبع ذلك بيانًا عن رسالته إلى أن أنجاه، ومن آمن معه، وأهلك أعداءه ليكون ذلك القصص في جملته آية على نبوة محمد، ﵊، وصدقه فيما أنزل عليه من الوحي، ودعا إليه أمته، كما يرشدنا إلى ذلك، بقوله- تّعالى- في مطلع السورة:
﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ - نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٢ - ٣]
وقوله- تعالى- عند انتهاء ما أراد ذكره من القصة: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٦]
أما ما ذكر في هذه السورة من تفاصيل القصة فآيات بيِّنات تدل على كمال رعاية الله لموسى، ﵊، في جميع شئونه: في رضاعته، وكفالته، وعلمه وحكمته، وإعداده
[ ٧٧ ]
بالقوة، والأخلاق الفاضلة، من نصرة المظلوم، وإعانة الضعيف، وعزَة النفس، وصدق التوكّل على الله، والأمانة، وحسن المعاملة، ليكون رسولا ينقذ به- سبحانه- الشعوب من الاستعباد، ويخلصها من الطغيان، والاستبداد، ويهدي به القلوب، وينير به البصائر، وإليك شيئًا من تفصيلها ترى منه ما ذكرت:
١ - قَدم الله بين يدي هذه القصة جملة من الآيات بين فيها سنته العادلة، وحكمته البالغة، في القضاء على من علا في الأرض، وأفسد فيها، ومنّه على المستضعفين، والتمكين لهم، وإدالتهم من عدوهم، فضلًا منه ورحمة، والله عليم حكيمٍ.
﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾ [الفتح: ٢٣]
ثم فصَّل ذلك فيما ذكره بعد من القصة.
٢ - ولد موسى بن عمران، ﵇، في مصر، وكان ملكها إذ ذاك جبارًا جائرًا، يقتل ذكران بني إسرائيل، ويستحيي نساءهم، فأوحى الله إلى أم موسى أن تلقيه في اليم إذا خافت عليه من فرعون وجنوده، ووعدها وعدًا صادقًا أن يردّه إليها، ففعلت، وأنجاه الله، والتقطه آل فرعون، وتداولوا الرأي فيه.
[ ٧٨ ]
وعند ذلك مر موسى بطَوْرٍ آخر من أطوار الخطر، ثم كتب الله أن ينتهي بهم التفكير في أمره إلى أن يتخذه فرعون ولدًا، وأن ينشأ في بيت ملك يتربًى فيه على العزة، وشدة البأس، وقوة العزم، والأخذ بالحزم، ولا يصاب بما أصيب به قومه من العذاب، والذّل، والهوان. وبذلك يصلح لحمل أعباء الرسالة، ومواجهة فرعون في جبروته وطغيانه (١) . ثم أولاه الله نعمة أخرى، فكتب عليه ألا يرضع إلا من أمه، حتى اضطر فرعون، ومن معه إلى أن يردّوه إلى أمه، وهم لا يشعرون، وبهذا التدبير الحكيم، واللطف الخفي، أنجز الله لأم موسى وعده، فرجع إليها ولدها لتكفله، ويتمتع بعطفها، وينعم بحنانها، وتقر به عيناها ولا تحزن، ولتعلم أن وعد الله حق.
٣ - هذه الحلقة الأولى من حياة موسى كلها عبِرٌ وآيات
منها: أن الله﷾- جعل نجاته مما أصاب غيره من أبناء قومه فيما يراه الناس دمارًا، وإلقاءً بالنفس إلى التهلكة.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾ [القصص: ٧]
ومنها: أنه- سبحانه- كتب لموسى الحياة السعيدة في بيت
_________________
(١) انظر آية (٣٨) من سورة القصص وآية (٢٤) من سورة (النازعات) .
[ ٧٩ ]
من يخشى عليه منه، فعاش بين أظهرهم عيشة الملوك.
﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ٩]
ومنها: أن الله حرَّم عليه تحريمًا كونيا أن يرضع من امرأة سوى أمه، فكان ذلك فيما يرى الناس، بلاءً أصابه، وهو في الأمر نفسه كمالُ اللطف من الله، والرحمة بموسى، ليرجعه إلى أمه، وهم لا يشعرون، فاجتمع له إلى السلامة، والنجاة، عطف الأمهات وعزُّ الملوك.
﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ - فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ١٢ - ١٣]
ومنها: حفظ الله- سبحانه- على موسى صفاء روحه وسلامة فطرته، فمع أنه عاش في بيت ملك، وأوساط ظلم، وطغيان فإنه لم يتأثر بما تأثر به مَنْ قضى أيامه الأولى من حياته في بيئة استشرى فيها الفساد، وطبعت بطابع الجبروت، والاستبداد، ولم يصب بما يصاب به أبناء الملوك، ومن يتقلب في
[ ٨٠ ]
النعمة، ورغد العيش حين تهمل تربيته، من جهل واستهتار، أو رخاوة وخلاعة ومجون، بل صانه الله من كل ما يشينه، وآتاه العلم النافع، والحكمة البالغة، وسداد الرأي، كما حفظ عليه نعمته من قبل في بدنه.
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [القصص: ١٤]
٤ - جَبَلَ الله نبَيّه موسى على الحزم والأخذ بقوة في نصرة المظلوم، والضرب على يد الظالم، وذلك يتجَلى في الخصومة التي كانت بين إسرائيلي وفرعوني، فإن موسى لم يلبث أن أغاث من استغاث به، فوكز القبطي، فقضى عليه، إقامة للعدل، وإنصافًا للمظلوم، كما طبعه على الرفق بالضعيف، والعطف عليه، ومد يد المعونة إليه. ويتجلى ذلك منه في قوله- تعالى-:
﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ - فَسَقَى لَهُمَا﴾ [القصص: ٢٣ - ٢٤]
فجمع له بين شدَّة البطش على الظالمين، وكمال الرّفق بالمستضعفين.
[ ٨١ ]
٥ - كان من آثار عناية الله بموسى، ورعايته له أن قَوَى فيه الوعي الديني، واستحكمت الصلة بينه وبين ربه، فأحبّ ما يحبّه الله من العدل والإنصاف، وكره ما يبغضه الله من الظلم والعدوان؛ لذلك فزع إلى ربه، واعترف بظلمه لنفسه، حينما قضى القبطي نحبه من وكزته، وأسرع إلى الاستغفار لله - تعالى- من ذنبه.
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ - قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٦ - ١٧] وفاض قلبه إيمانا بالله، فعظمت ثقته، وتوكله عليه؛ لذلك قصد إليه وحده في غربته وحيرته رجاء أن يهديه سواء السبيل.
﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢]
ولما استبدت به الحاجة وأخذ منه الجوع مأخذه توجه إلى ربه، فسأله من فضله، فأبت عليه عزَة نفسه أن يشكو حاجته لغيره، أو يعرض لمن سقى لهمِا بطلب الأجر.
﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤]
[ ٨٢ ]
وقد استجاب الله دعاءه، وهيأ له بيئة صالحة يحيا فيها حياة طيبة، فقد عرض عليه شعيب لما عرفه عنه من القوة والأمانة أن يزوجه إحدى ابنتيه على أن يرعى له الغنم ثماني حجج، وإن أتمَّ عشر سنوات كان ذلك مكرمة منه، فالتزم موسى بذلك، ولم يمنعه ما كان فيه أولا من رغد العيش، وحياة الملوك أن يكون أجيرًا، يأكل ويتزوج من كسب يده، وأشهد ربه على ذلك:
﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٨]
وقد ثبت أنه أتم أبعد الأجلين. فهذه سلسلة من حياة موسى قبل الرسالة، تضمنت شيئًا مما حباه الله به من العلم، والحكمة، والمروءة، والنجدة، ونصرة المظلوم، والأخذ على يد الظالم، والعطف على الضعيف، وقوة الإيمان بالله، والصدق في الالتجاء إليه، والتوكل عليه، والتواضع مع عزة النفس، وغير ذلك من مكارم الأخلاق التي يعد بها الله من يختاره للرسالة، وقيادة الأمم.
٦ - طلب موسى من ربه أن يشدّ أزره بأخيه هارون، فأرسله معه ليكون عونا له في الحِجَاج، وخاف أن يبطش بهما فرعون وجنوده، وأن يقتلوا موسى بالقبطي الذي سبق أن قتله،
[ ٨٣ ]
فقال الله له: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] وجعل لهما سلطانًا من الآيات تقوم به الحجة، وتنخلع به قلوب الجبارين، وتمتلئ بالوهن والضعف، وبذلك يثبت موسى في ميدان الدعوة إلى اللهّ، فبات واثقًا بربه مؤمنًا بما يدعو إليه من الهدى والنور، وتجلى في حجاجه صولة الحق، وأحس من نفسه بالعزة والقوة، وبذلك ذلَّ جبروت فرعون، وتلاشى عنده تألّهه وتعاليه، ولم يعد يملك لموسى من الكيد إلا أن يرعد ويبرق، ويموّه ويخدع.
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: ٢٦]
ولم يكن ليأخذ على يديه أحد، ولا هناك من الأسباب الداعية ما يمنعه أن يبطش بموسى، فإن الدولة دولته، والجنود جنوده، لكنها عناية الله برسوله، وما آتاه من آيات، وسلطان قد بهر فرعون، وقطع نياط قلبه، ولم يملك- أيضًا- ملأ فرعون سوى أن يُثيروا حفيظته، ويُغروه بموسي ومن آمن به:
﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧]
[ ٨٤ ]
أفلا يرى العاقل أن موسى وهو وحيد غريب، وقومه مستعبدون، لم يقف هذا الموقف من فرعون وملئِهِ، والدولة دولتهم إلاُ هو مؤيّد من ربه، صادق في دعوته، وأن هذا هو الحق المبين.
٧ - جرت سنة الله العادلة أن يفتح بالحق بين رسله، ومن آمن بهم من الأمم، ومن سار سيرهم، ويجعلهم خلفاء الأرض، ويهلك من كذَب بهم، وانحرف عن طريقهم ليكون ذلك من آيات اللهّ التي يفصل بها بين الصادق والكاذب، والحق والباطلِ، والشريعة العادلة، والقوانين الجائرة.
﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]
﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [القصص: ٣٧]
﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ - قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٨ - ١٢٩]
[ ٨٥ ]
وهذا هو ما انتهى به أمر موسى وقومه مع فرعون وملئه.
﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٤٠]
﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ - وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ - وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ - ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ٦٣ - ٦٦] فانظر كيف اتحدت وسيلة النجاة للأولياء، والهلاك للأعداء، إنها آية الله الباهرة، وقدرته القاهرة، لقد أهلك فرعون وجنده بما جعله طريقًا لنجاة موسى وقومه، هذا إلى جانب انفلاق البحر، وتماسك مائه، وخروجه عن طريق السيلان بضربة عصا.
وفي قصص موسى من الآيات سوى ذلك ما يبهر العقول، ويأخذ بمجامع القلوب، ولا يدع قولا لقائل إلا من سَفه نفسه، وسعى في هلاكها، وذلك قوله:
[ ٨٦ ]
﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ - فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٠ - ١٣١]
[ ٨٧ ]