[الأمر الأول الطريقة المثلى للدعوة إلى الله]
خاتمة
وتشتمل على أمرين
[ ٨٩ ]
الأول
الطريقة المثلى للدعوة إلى الله
(أ) تختلف أحوال الدعاة إلى الله في أداء مهمتهم، فبينما يكون بعضهم: خبيرا بجوهر الموضوع، ملما بأطرافه، محسنا للأداء والتعبير عما أراد، منسقا لنقاط الموضوع، مقدما منها ما يجب أن يقدم، مراعيا لظروف السماعين وأحوالهم، يكون البعض الآخر محسنا في بعض النواحي دون بعض.
وقد خلق الله الإنسان مختارا، وأودع فيه غريزة حب الاستطلاع، وطبعه على النفرة من النقص، والفرار منه، والرغبة في الدرجات العليا، وطلب المزيد مما ينهض به في حياته ويرفع مستواه، وجعل فيه استعدادا للتأثر بما يرى ويسمع ومحاكاة ما يجده في بيئته من الخير، اللهم إلا من مسخت فطرته وانسلخ مما هو الأصل في إنسانيته.
وخير طريق يحتذيه الدعاة في القيام بمهمتهم، وأمثل منهاج يسلكونه في استمالة قلوب الناس إلى الخير، والإعذار إلى من لم
[ ٩١ ]
يستجب للحق بعد بيان الحجة، وإقامة البرهان هو طريق الرسل، عليهم الصلاة والسلام، ومنهاجهم في دعوتهم إلى الله بقولهم المفصل وسيرتهم الحميدة.
وفيما يلي، إلماعة من سيرة رسول الله وخليله إبراهيم، - ﵊ -. كان إبراهيم الخليل، ﵊، مثلا أعلى في صدق اللهجة، والإيمان بما يدعو إليه من التوحيد، وشرائع الإسلام، والتصديق به على وجه اطمأنَت به نفسه، ورسخ في سويداء قلبه، وقد أثنى الله عليه بذلك في مُحكم كتابه في مطلع الحديث عنه حينما قام يدعو أباه إلى التوحيد، فقال:
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٤١]
فعلى الداعي إلى الحق أن يكون مؤمنًا به، مخلصا لما يدعو إليه، صادق اللهجة فيه، وإلا انكشف سره، وافتضح أمره، فإن ثياب الزور تشف عما وراءها، وعند ذلك يكون وبالًا على الدعوة.
بدأ إبراهيم الخليل بأبيه في الدعوة إلى التوحيد، فإنه أقرب الناس إليه، وألصقُهم به، فكان أولى بمعروفه، وبرّه،
[ ٩٢ ]
وإحسانه، وإلى جانب ذلك يكون ردءا له إذا استجاب لدعوته، وظهرًا له يحميه بدافع أخوة الإيمان، وعصبيّة النسب.
قال- تعالى- في وصفه لِإبراهيم في دعوته: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] وقد تلطف معه في الدعوة، فذكّره بما بينهما من الرحم، ووشائج النسب، استمالة لقلبه، وتنبيهًا له إلى أنه لو كذَبَ الناس جميعًا ما طابت نفسه بالكذب عليه، وأنه لو غشهم جميعًا لم يكن منه إلا النصح له لما بينهما من أواصر القربى والنسب.
وبدأ دعوته لأبيه بالتوحيد الذي هو أصل الدين، وجوهر الشرائع السماوية، وعليه تقوم فروع الإسلام، وبه صلاح القلب، وبصلاحه تصلح سائر الجوارح، وتستقيم أحوالها.
«ألا وإن في الجسد مضغة إذا صَلَحَت صَلَحَ الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» . وسلك في دعوته إلى التوحيد طريق الاستدلال عليه بأن ما يعبده أبوه وقومه لا يسمعهم إذا دعوه لكشف غمة، أو تفريج كربة، ولا يراهم إذا عبدوه، وتضرعوا إليه، ولا يجلب لهم نفعًا، ولا يدفع عنهم ضرًا، وإذا كان لا يرجى نفعه، ولا يُخشى بأسه، فكيف يستحق
[ ٩٣ ]
أن يعبد، أو يتقرب إليه؟!! وبذلك أقام عليهم الحجة، وقطع عذرهم.
فيجب على من يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر أن يقتفي أثر إبراهيم الخليل في دعوته، فيتلطف مع من يدعوهم، ويسوسهم حسب ما تقتضيه أحوالهم، ويبدأ بأقرب الناس إليه، وأولاهم بإرشاده، ويقدم الإرشاد إلى عقيدة التوحيد، ويركز الحديث فيها، ويقيم على ذلك الدليل ليقنعهم بالحجة، ويسقط أعذارهم.
ادعى إبراهيم الخليل، ﵊، أن الله آتاه من العلم ما لم يؤت أباه، لا ليفخر بذلك، أو يتعالى على أبيه حتى يكون خلقًا ذميمًا، ينفَرُ الناس من حوله، ويمقتونه من أجله، بل ادَّعى ذلك ليلفت النظر إلى وجوب الإصغاء إليه، واتباعه فيما جاء به من الحق المبين، ليهديهم به إلى الصراط المستقيم.
قال- تعالى- في وصفه لِإبراهيم في دعوته: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ٤٣]
نهى إبراهيم، ﵊، أباه عن طاعة
[ ٩٤ ]
الشيطان في وسوسته، واتباعه فيما يسوله، ويزينه له من الشرك بالله، وسائر المنكرات، فإن طاعته له، وإسلام قياده إليه عبادة له من دون الله، ونبه أباه إلى عصيان الشيطان لربه، وتمرده عليه، وإذنْ فليس على هدى في وسوسته، ولا يزين للناس إلا ما هو شر وضلال.
قال- تعالى- في وصف دعوة خليله: ﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ [مريم: ٤٤] فعلى الداعية إلى الحق أن يكشف الغطاء عن معنى العبادة، ويزيدها إيضاحًا حماية لعقيدة التوحيد، وبيانًا لأصولها، ويستعمل أسلوب التنفير من عبادة غير الله اقتداء بخليل الرحمن، ﵊.
أنذر إبراهيم أباه إنذار المتلطف معه، المشفق عليه، بأنه يخشى عليه مغبة شركه، وعاقبة عبادته للشيطان، وطاعته له، فيعذبه الله على ذلك، ولا يجد ممن تولاهم بالعبادة من يدفع عنه بأس الله وعذابه.
قال- تعالى- في وصف إبراهيم في دعوته: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٥]
فعلى الداعية أن يستعمل أسلوب الإنذار، والتخويف من
[ ٩٥ ]
سوء العواقب، والتذكير بعذاب الله، وأليم عقابه يوم يتبرأ دعاة السوء ممن غرروا بهم، ويتمنّى المخدوعون بزخرف القول أن لو عادوا إلى الدنيا، فيتبرءوا من دعاة السوء كما تبرءوا منهم يوم القيامة، وأنى لهم ذلك؟
لا تأثير للدعوة إلى الحق وإن كانت صادقة إلا إذا وجدت آذانًا صاغية، وقلوبا واعية، وفطرة سليمة لم تفسدها الأهواء، ولذا لم يستجب لِإبراهيم أبوه، بل أنذره لئن لم ينته ليرجمنه، وأمره بهجره مليا، فصبر إبراهيم على أذاه، وقابل سيئته بالحسنة، وقال له:
﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: ٤٧] واعتزلهم وما يدعون من دون الله، بعدًا عن الفتنة، إذ لم يستطع القضاء عليها، وأملًا في أن يجد لدعوته أرضا خصبة، فوهب الله له: إسحاق، ويعقوب، وجعل كلًا منهما نبيا، جزاء وفاقًا بصدقه في الدعوة، وإخلاصه فيها، وصبره على الأذى في سبيل نشرها، وهجره للشرك وأهله، اتقاء للشرّ، وبعدًا عن مواطنه ومظاهره.
قال الله- تعالى-: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [مريم: ٤٦]
[ ٩٦ ]
فعلى الدعاة أن يتذرّعوا بالصبر، وسعة الصدر، وأن يقابلوا السيئة بالحسنة، وأن لا ينتقموا لأنفسهم ما استطاعوا إلى العفو سبيلا، لكن إذا انتهكت حرمات الشريعة انتصفوا لها، وأخذوا على أيدي العابثين، وعليهم أن يهجروا الشرّ وأهله، إذا لم يمكنهم إزالته أو تخفيفه، خشية أن تصيبهم الفتنة، أو يعمهم البلاء، أو تكون مخالطتهم حجة عليهم، أو معرة لهم، وذريعة للنيل منهم، وعدم الاستماع لنصائحهم، وعليهم أن يتحرّوا المجالس التي يرجى فيها قول الحق، والله الموفق.
[ ٩٧ ]
[الأمر الثاني الطريقة المثلى للدعوة إلى الله]
الثاني
الطريقة المثلى للدعوة إلى الله
(ب) لم يرسل الله- تعالى - رسولا إلا أمره بالتوحيد، والدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له.
قال الله- تعالى-: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]
وقال- تعالى-: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقد عني الرسل، عليهم الصلاة والسلام، بذلك، فبدءوا البلاغ بدعوة أممهم إلى أن يعبدوا الله وحده، ولا يشركوا به شيئًا، وقطعوا فيه شوطا بعيدا حتى شغلوا به الكثير من أوقات البلاغ.
ولا عجب في ذلك فإن التوحيد أصل الدين وذروة سنامه، وملاك الإسلام ودعامته الأولى، لا تصح من إنسان قربة. ولا يتقبل الله منه عبادة إلا إذا كانت مقرونة بالتوحيد،
[ ٩٨ ]
وإخلاص القلب لله وحده.
قال- تعالى-: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ - أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٢ - ٣]
وقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]
وقد أرشد اللهّ الناس إلى أيسر الطرق في الدعوة إلى التوحيد، وأسهلها، وأقربها إلى معرفة الحق، وأعدلها. وهو الاستدلال بآيات الله، وسننه الكونية، وتفرده- سبحانه- بتصريفها، وتدبيرها على تفرده بإِلهيته واستحقاقه أن يعبد وحده لا شريك له، فذلك أهدى سبيلا، وأقوم دليلا، وأقوى في إقناع الخصم، وإلزامه الحجة، فإنه مقتضى العقل الصريح وموجب الفطرة السليمة.
قال الله- تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ - الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]
[ ٩٩ ]
فرتب- سبحانه- نهيه إياهم عن اتخاذهم شركاء له في العبادة على علمهم، وإقرارهم بأنه- تعالى- وحده هو الذي خلقهم، وخلق الذين من قبلهم، وهو الذي جعل الأرض قرارًا، وذلّلها لهم ليمشوا في جوانبها، وليبتغوا من فضله، ورفع السماء بلا عمد، وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقًا لهم، لينعموا بما آتاهم من النعم، وليتمتعوا بما أفاض عليهم من الخيرات لعلهم يتقون ربهم، وولي نعمتهم، فيعبدوه وحده لا شريك له مخلصين له الدين، شكرًا له على ما أسبغ عليهم من نعمه، وأفاض عليهم من بركاته.
وفي القرآن كثير من النظائر لهاتين الآيتين في بيان أسلوب الدعوة، ورسم الطريق الناجحة في إقامة الحجة، وإلزام الخصم.
لقد سلك الأنبياء والمرسلون هذه الطريقة في دعوتهم أممهم إلى الهدى ودين الحق، اهتداء بهدي الله، واسترشادًا بإرشاده، وهو العليم الحكيم، ومن أبرزهم في ذلك أولو العزم
[ ١٠٠ ]
من الرسل، ومنهم إبراهيم الخليل، عليهم الصلاة والسلام.
أرسل الله- جل شأنه- خليله إبراهيم، ﵊، إلى قوم من الفرس عُتاة جبّارين يعبدون التماثيل، فأنكر عليهم عكوفهم لها، وتقرّبهم إليها. قال- تعالى-: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ - إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥١ - ٥٢]
ولما لم يكن لديهم حجة يعتمدون عليها في عبادتهم الأصنام، تعللوا لباطلهم بما وجدوا عليه آباءهم من التقرب إلى التماثيل، وعبادتهم إياها، فألغوا عقولهم، وقلدوا آباءهم على غير هدى وبصيرة:
﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٣]
فسفه إبراهيم، ﵊، أحلامهم، وحكم عليهم وعلى آبائهم بالحيرة، والضلال المبين، ﴿قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنبياء: ٥٤] وبين لهم أن التماثيل لا تسمع النداء، ولا تستجيب الدعاء، ولا تملك نفعًا، ولا توقع ضرًا، فلا يليق بعاقل أن يتخذها آلهة مع من فطر السماوات والأرض، وإليه مقاليد الأمور، يؤتي الملك من يشاء،
[ ١٠١ ]
وينزعه ممن يشاء، ويضر من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير. ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ - أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ - قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٧٢ - ٧٤]
فلما ركبوا رؤوسهم، وأبوا إلّا اللجاج والعناد، والعصبية الممقوتة في تقليد الآباء والأجداد، أعلن براءته منهم، وشدة عداوته لهم، ولما يعبدون من دون الله:
﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ - أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ - فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ - الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ - وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ - وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ - وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ - وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٨٢]
وجد إبراهيم، ﵊، أنه لا بد له من سلوك طريق آخر عملي في إقامة الحجة ليكون أقوى في الإبانة عن الحق، وأملك في إلزام الخصم، يضطرهم به إلى الاعتراف بما هم فيه من ضلال، وظلم، وانحراف، فأقسم بالله أن يكيد لأصنامهم وهم عنها غائبون، انتهز فرصة خروجهم من البلد لبعض شأنهم، وذهب إلى آلهتهم خفية لئلا يراه أحد فيصده عن
[ ١٠٢ ]
تنفيذ ما أراد، فجعلهم قطعًا صغارًا إلا كبيرًا لهم تركه سالمًا، ليكون له ولهم معه شأن عند التحقيق فيما جرى على أصنامهم، فلما عادوا إلى منازلهم، وشاهدوا ما أصيبت به آلهتهم:
﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ - قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ - قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٩ - ٦١]
فلما حضر مجلسهم أخذوا يقررونه بما صنع بآلهتهم:
﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٢] فأجابهم بنسبَةِ ما حدث إلى مَنْ لا يَتَأَتَّى منه، نسبه إلى كبير التماثيل وهو- كما يعلم ويعلمون- جماد لا حراك به، ذلك ليرشدهم إلى مكان الخطأ في عكوفهم على التماثيل، عبادة لها، وتقربا إليها، ويصرفهم عنها إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ويوحي إليهم بأنه هو الذي كاد لأصنامهم، وأنزل بهم ما يكرهون، وقد أكد ذلك بأمره إياهم أن يسألوا التماثيل عمَّن أصابهم بالتكسير والتحطيم إن كانوا يحيرون جوابا.
﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣]
وقد نجحت هذه الطريقة إلى حدّ ما، وأوجدت فيهم
[ ١٠٣ ]
وعيًا، فثابوا إلى رشدهم، وما كان في أصل فطرتهم، واعترفوا بأنهم هم الذين ظلموا أنفسهم بعبادتهم تماثيل لا تملك لنفسها نفعًا، ولا تدفع عنها بأسًا، وظلموا إبراهيم، ﵇، بصدهم عن دعوته، وإعراضهم عما جاءهم به من الآيات البينات على التوحيد، وإخلاص العبادة لله رب العالمين، لكنهم لم يلبثوا أن ركبوا رؤوسهم، ونكصُوا على أعقابهم، وارتكسوا في حمأة الضلال، والحيرة عصبية لما ورثوه عن آبائهم من الشرك، والبهتان المبين.
قال الله- تعالى-: ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ - ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٤ - ٦٥] لقد ازداد طريق الحق وضوحًا، وبيانًا، واستحكمت حلقات الحجة لِإبراهيم على أبيه، وقومه، وحق له أن يضيق ذرعًا من صدودهم، وأن يتأفف ضجرًا من طغيانهم وشركهم، وأن يُنكر عليهم ذلك إنكارًا صارخًا، ويرميهم بالخبال، وإلغاء العقول، ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ - أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٦ - ٦٧]
[ ١٠٤ ]
لقد أخذت الحمية الجاهلية للباطل من نفوس قوم إبراهيم، ﵇، مأخذها، وتمكنت منهم العصبية لطاغوت التقليد للآباء، والأجداد فيما أصيبوا به من الشرك، والانحراف عن الحق حتى ملكت مشاعرهم، ووجهت عقولهم، وأفكارهم إلى شر وجهة، وصرفتهم عن الحق المبين، والصراط المستقيم، وزينت لهم أن يتخلصوا من إبراهيم، ﵇، وينزلوا به أشد العقاب انتصارًا لألهتهم الباطلة، وانتقاما منه جزاءً له عما صنع بها من تحطيم وتكسير.
ويعلم الله أنه ما أراد بذلك إلا الخير لهم، وإخراجهم من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد:
﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٦٨]
لكن يأبى الله إلا أن ينصر رسوله وخليله إبراهيم، ﵇، وأن يخذل أعداءه، وأعداء دينه، ويُبطل ما كادوا به لأوليائه، فيبوءوا بالخسران المبين، إمضاءً لسنته العادلة الحكيمة في أوليائه وأعدائه.
قال- تعالى-:
[ ١٠٥ ]
﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ - وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ - وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ - وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ - وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٦٩ - ٧٣]
وقال- تعالى-: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ - يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر: ٥١ - ٥٢] وقال- تعالى-: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الفتح: ٢٣]
[ ١٠٦ ]