يزعم الشيعة أنهم يروون أحاديثهم عن آل البيت، لكن بأي سند؟ تجيب كتب الشيعة بالاعتراف بانقطاع أسانيدها فتقول:
(إن مشايخنا رووا عن أبي جعفر وأبي عبد الله ﵉، وكانت التقية شديدة فكتموا كتبهم ولم تُرو عنهم، فلما ماتوا صارت الكتب إلينا. قال أحد أئمتهم: حدثوا بها فإنها حق) (١) .
قال الشيخ موسى جار الله في تعليقه على هذا النص: (نرى أن التقية جعلت وسيلة إلى وضع الكتب) (٢) .
وقد اعترف بعض علمائهم بأن هناك كتبًا كثيرة عندهم هي موضوعة، حيث قال - وهو يتحدث عن كتاب "سليم بن قيس" ـ: (والحق أن هذا الكتاب موضوع لغرض صحيح نظير كتاب الحسنية، وطرائف ابن طاووس والرحلة المدرسية للبلاغي وأمثاله) (٣) .
أما رواتهم ومصنفو كتبهم فيعترف شيخهم الطوسي بفساد أكثرهم حيث يقول: (إن كثيرًا من مصنفي أصحابنا ينتحلون المذاهب الفاسدة - ومع هذا يقول - إن كتبهم معتمدة) (٤)، وقد
_________________
(١) الكليني: «الكافي» كتاب فضل العلم، باب رواية الكتب والحديث: (١/٥٣) .
(٢) «الوشيعة»: ص ٤٧.
(٣) أبو الحسن الشعراني في تعليقه على «الكافي» مع شرحه للمازندراني: (جـ٢/ص ٣٧٣- ٣٧٤) .
(٤) «الفهرست»: ص ٢٤، ٢٥، وانظر: «مختصر التحفة»: ص ٦٩.
[ ١ / ٢٧٨ ]
عملت الطائفة "الإمامية" بأخبار الفطحية (١) مثل عبد الله بن بكير وغيره وأخبار الواقفية (٢) مثل سماعة بن مهران.. وغيره. والواقفية والفطحية في عداد الكفار عند الإمامية الإثني عشرية ولكنهم يعملون برواياتهم!! فمع التشيع لا يضر انتحال أي نحلة.
ولم يكن للشيعة أي عناية بدراسة الإسناد والتمييز بين صحيح الحديث وضعيفه، وقد أكد شيخ الإسلام ابن تيمية في «منهاج السنّة» في الرد على ابن المطهر على هذا المعنى وفضح الشيعة في هذا الباب (٣) .
ثم بدأ الشيعة في عصر ابن المطهر يحاولون وضع مقاييس لنقد الحديث عندهم وتقسيمه إلى صحيح وغيره.
وفي ظني أن من أسباب هذا الاتجاه هو النقد الموجه لهم من ابن تيمية وغيره في هذا، ومما يشعر بهذا هو التوافق الزمني بين رد ابن تيمية ووضعهم لهذا الاصطلاح، وهذه مسألة مهمة لم أر من نبه عليها.
فالشيعة يعترفون بـ (أن هذا الاصطلاح - وهو تقسيم الحديث عندهم إلى صحيح وموثق وضعيف - مستحدث في زمن
_________________
(١) الحر العاملي: «الوسائل»: (٢٠/٨٠) . الفطحية: فرقة من فرق الشيعة قالت بأن الإمام بعد جعفر بن محمد هو ابنه عبد الله، وسموا بالفطحية لأن عبد الله كان أفطح الرأس وقيل نسبة إلى رئيس لهم يقال له عبد الله بن فطيح. القمي: «المقالات والفرق»: ص ٨٧.
(٢) هم الذين وقفوا على موسى بن جعفر وقالوا أنه حي ينتظر، وربما يطلق الواقفي على من وقف على غير موسى بن جعفر كمن وقف على علي أو الصادق أو الحسن العسكري. القمي: «المقالات والفرق»: ص ٩٣.
(٣) انظر مثلًا: «منهاج السنّة»: (٤/١١٠) .
[ ١ / ٢٧٩ ]
العلامة) (١) والعلامة إذا أطلق في كتب الشيعة يقصد به ابن المطهر الحلي (٢) الذي رد عليه ابن تيمية، بل إن ابن المطهر الحلي هذا هو - كما يقول صاحب الوافي -: (أول من اصطلح على ذلك وسلك هذا المسلك) (٣) .
إذن ألا يدل هذا على أن لابن تيمية و«منهاج السنّة» أثرًا في ذلك، وقد اعترف "الحر العاملي" بأن سبب وضع الشيعة لهذا الاصطلاح واتجاههم للعناية بذكر الإسناد هو نقد أهل السنّة، فقال: (والفائدة في ذكره - أي السند - دفع تعيير العامة - يعني أهل السنّة - الشيعة بأن أحاديثهم غير معنعنة بل منقولة من أصول قدمائهم) (٤) .
وهذا النص يفيد - أيضًا - أن الإسناد عندهم غير موجود إلا بعد مواجهتهم للنقد من قبل أهل السنّة.
كما يكشف الحر العاملي أن دراسة الإسناد عند الشيعة هي محاولة لتقليد أهل السنّة فيقول: (والاصطلاح الجديد موافق لاعتقاد
_________________
(١) «الوسائل»: (٢٠/١٠٢)، وانظر: محسن الكاشاني: «الوافي»، المقدمة الثانية.
(٢) الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الحلي: (٦٤٨ - ٧٢٦) يعرف عند الشيعة بالعلامة، وهو من تلامذة نصير الكفر ووزير الملاحدة النصير الطوسي. وهو الذي رد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه «منهاج السنة» . وبالغ الشيعة في الثناء عليه - كعادتهم - حتى قال بعضهم: (لم تكتحل حدقة الزمان له بمثيل ولا نظير..) !! وهذا تفضيل له على الرسل والأئمة!! له مصنفات منها: «قواعد الأحكام»، و«كشف المراد في تجريد الاعتقاد» وغيرهما. انظر: «لؤلؤة البحرين»: (ص ٢١٠- ٢٢٧) .
(٣) «الوافي»، المقدمة الثانية: (١/١١) .
(٤) «وسائل الشيعة»: (٢٠/١٠٠) .
[ ١ / ٢٨٠ ]
العامة واصطلاحهم، بل هو مأخوذ من كتبهم كما هو ظاهر بالتتبع) (١) .
وهذا يفيد تأخر دراسة الشيعة واهتمامها بهذه القضية إلى حوالي القرن السابع. وإن كانت كتابة تراجم الرجال بدأت عندهم مع "الكشي" في القرن الرابع لكن كما يقول عالمهم "الحر العالمي": (وأما البحث عن أحوال الرجال فلا يدل على الاصطلاح الجديد) (٢)، وقد يوهم كلام صاحب «مختصر التحفة الإثني عشرية" أن البحث في أحوال الرجال عندهم هو بداية الاصطلاح الجديد، وذلك حين قال: (ثم اعلم أن أكثر علماء الشيعة كانوا يعملون سابقًا بروايات أصحابهم بدون تحقيق وتفتيش، ولم يكن فيهم من يميز رجال الإسناد ولا من ألف كتابًا في الجرح والتعديل حتى صنف الكشي سنة أربعمائة تقريبًا كتابًا في أسماء الرجال) (٣) .
ولكن هذه التراجم لا تدل على بداية تقسيم الحديث عندهم إلى صحيح وغيره كما شهد بذلك صاحب «الوافي»، وصاحب «الوسائل» - كما مر -.
ثم إن الدافع لهذه الدراسة الحديثية - عندهم - ليس هو الوصول إلى صحة الحديث بقدر ما هو توقي نقد المذهب من قبل الخصوم، والدفاع عنه. كما يفيده كلام الحر العاملي.
ويقول شيخ الشيعة.. الفيض الكاشاني.. صاحب الوافي عن علم الجرح والتعديل عندهم: (في الجرح والتعديل وشرائطهما
_________________
(١) المصدر السابق: نفس الموضع.
(٢) الحر العاملي: «وسائل الشيعة»: (جـ٢٠/ ص ١١٢) .
(٣) «مختصر التحفة الإثني عشرية»: ص ٤٩.
[ ١ / ٢٨١ ]
اختلافات وتناقضات واشتباهات لا تكاد ترتفع بما تطمئن إليه النفوس، كما لا يخفى على الخبير بها) (١) .
ومن يقرأ تراجم رجالهم يجد صورة واضحة لهذا التناقض؛ فلا يوجد راوٍ من رواتهم - غالبًا - في الحديث إلا وفيه قولان: قول يوثقه وقول يضعفه، فضلًا عن أنه يلعنه ويخرجه من الإسلام. فمثلًا محدثهم الشهير "زرارة بن أعين" صاحب أئمتهم الثلاثة - كما يزعمون - "الباقر"، و"الصادق"، و"الكاظم" (٢) تجده في تراجمهم يمدح تارة ويذم أُخرى، يجعل من أهل الجنة مرة، ومن أهل النار مرة أُخرى، فيروي الكشي أن أبا عبد الله قال: (يا زرارة إن اسمك في أسامي أهل الجنة) (٣) وقال: (رحم الله زرارة بن أعين، لولا زرارة لاندست أحاديث أبي) (٤) .
ويروي الكشي نفسه عن أبي عبد الله أيضًا أنه قال في هذا "الزرارة": (لعن الله زرارة، لعن الله زرارة، لعن الله زرارة، ثلاث مرات) (٥) وقال: (.. هذا زرارة بن أعين هذا من الذين وصفهم الله (في كتابه فقال: (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه
_________________
(١) «الوافي»، المقدمة الثانية: (١/١١- ١٢) .
(٢) «زرارة بن أعين بن سنسن. قال الحر العاملي: (شيخ من أصحابنا. في زمانه كان قارئًا فقيهًا ثقة قد اجتمعت فيه خلال الفضل والدين) «وسائل الشيعة»: (٢٠/١٩٦) . تنسب له فرقة من الشيعة تسمى الزرارية «مختصر التحفة»: ص ١٥. كان حفيد لقسيس نصراني اسمه سنسن. محب الدين الخطيب: «هامش مختصر التحفة»: ص ٦٣. توفي سنة ١٥٠هـ. «معجم المؤلفين»: (٤/١٨١) .
(٣) «رجال الكشي»: ص ١٣٣.
(٤) المصدر السابق: ص ١٣٦.
(٥) «رجال الكشي»: (ص ١٤٩- ١٥٠) .
[ ١ / ٢٨٢ ]
هباءًا منثورًا «(١) وقال: (.. زرارة شر من اليهود والنصارى ومن قال إن مع الله ثالث ثلاثة - كذا-) (٢) .
وهذا "التناقض" هو "دأبهم" في تراجم رواتهم (٣)، كما هو واقع في رواياتهم وأحاديثهم، ولا يجدون مخرجًا لهم من هذا إلا القول بأن أحدها تقية، ثم هم لا يملكون قرينة معقولة على تحديد القول الذي هو تقية والقول الذي ليس بتقية!!
وفي كتاب «مرآة العقول» للمجلسي بيان للصحيح من أحاديث الكافي وخلافه في ضوء الاصطلاح الجديد، وإذا تأملت الأحاديث التي يصححها المجلسي وجدتها في الغالب تطعن في كتاب الله ودينه وتصادم الإسلام والقرآن (٤) .
ويكفي في الحكم على أحاديثهم النظر في متونها، (وكل متن يباين المعقول أو يخالف المنقول أو يناقض الأصول فاعلم أنه موضوع) (٥) .
(ج) عقيدتهم في «الإجماع»:
الإجماع ليس حجة عند الشيعة بدون وجود المعصوم، فمدار حجية الإجماع على قول المعصوم وليس على نفس الإجماع،
_________________
(١) المصدر السابق: ص ١٥١.
(٢) المصدر السابق: ص ١٦٠.
(٣) كجابر الجعفي، ومحمد بن مسلم، وأبي بصير وحمران بن أعين وغيرهم.
(٤) وسنرى أمثلة لذلك في مواضعها المتفرقة من هذا البحث، وانظر علي السالوس وتجربته في محاولة التمييز بين الصحيح وغيره في أحاديث الشيعة عن طريق كتب رجالهم وانتهاؤه إلى صحة أحاديث - بمقياسهم - تطعن في الإسلام والقرآن. «فقه الشيعة»: (ص ٦٣- ٦٤) .
(٥) ابن الجوزي: «الموضوعات»: (١/١٠٦) .
[ ١ / ٢٨٣ ]
فهم لم يقولوا بالإجماع وإنما قالوا بحجية قول المعصوم، ودعواهم الاحتجاج بالإجماع تسمية لا مسمى لها.
يقول ابن المطهر الحلي: (الإجماع إنما هو حجة عندنا لاشتماله على قول المعصوم، فكل جماعة كثرت أو قلّت كان قول الإمام في جملة أقوالها فإجماعها حجة لأجله لا لأجل الإجماع) (١) .
وما أدري ما قيمة الإجماع إذن ما داموا يعتبرون الإمام معصومًا، فقوله وحده كاف.
وتؤكد "نصوص الشيعة" على ضرورة مخالفة إجماع أهل السنّة، وإن خلافهم فيه الرشاد. ففي الكافي سؤال لأحد أئمتهم يقول: (إذا وجدنا أحد الخبرين موافقًا للعامة - يعني أهل السنّة - والآخر مخالفًا لهم بأي الخبرين يؤخذ؟
فأجاب إمامهم: ما خالف العامة ففيه الرشاد.
قال السائل: جعلت فداك، فإن وافقهما الخبران جميعًا؟
قال - إمامهم -: ينظر إلى ما هم إليه أميل - يعني أهل السنّة - بأحكامهم وقضاتهم فيترك ويؤخذ بالآخر.
قال السائل: فإن وافق حكامهم الخبرين جميعًا؟
قال: إذا كان ذلك فأرجه حتى تلقى إمامك، فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات) (٢) .
_________________
(١) «تهذيب الوصول»: ص ٧٠، وانظر: «أوائل المقالات»: ص ١٥٣، وانظر: حسين معتوق: «المرجعية الدينية العليا»: ص ١٦.
(٢) «الكافي» للكليني، كتاب فضل العلم، باب اختلاف الحديث: (١/٦٨) . وراجع في هذا الباب «وسائل الشيعة»: (جـ ١٨/ص ٧٥)، باب وجوه الجمع بين الأحاديث المختلفة.
[ ١ / ٢٨٤ ]
والذي دعا الشيعة لرد "الإجماع" هو ردهم لإجماع الصدر الأول على خلافة الخلفاء الثلاثة.
ويظهر الفارق جليًّا بين مذهب أهل السنّة في القول بحجية الإجماع، وبين مذهب الشيعة في ذلك، في أنه لو فرضنا - مثلًا - أن إمامهم محمد بن علي "الجواد" الذي قالوا بإمامته وهو ابن سبع سنوات (١) أو إمامهم المنتظر الذي قال التاريخ إنه لا وجود له - لو فرضنا - أنه قال برأي أو نسب له رأي وخالفته الأمة الإسلامية جميعًا؛ فإن الحجة في رأيه لا في إجماع الأمة. وهذا مذهب في غاية البطلان لا يحتاج لمناقشة!!
_________________
(١) سعد القمي: «المقالات»: ص ٩٥.
[ ١ / ٢٨٥ ]
الفصل الثالث: عقائدهم الأخرى التي انفصلوا بها عن أهل السنة
سبق أن تحدثنا عن معتقد الشيعة في الكتاب، والسنّة، والإجماع، وفي هذا الفصل نتناول عقائدهم الأُخرى التي شذوا بها عن أهل السنّة، وسنتعرف على عقائدهم التالية:
١ - الإمامة.
٢ - عصمة الإمام.
٣ - التقية.
٤ - الرجعة.
٥ - البداء.
٦ - الغيبة.
٧ - معتقدهم في الصحابة.
١ - الإمامة (١):
وسنتناول في قضية الإمامة عند الشيعة المسائل الآتية:
(أ) معنى الإمامة عندهم.
(ب) فضائل الأئمة وصفاتهم.
_________________
(١) الإمامة: في اللغة: التقدم. تقول أمّ القوم وأمّ بهم تقدمهم وهي الإمامة. والإمام كل من ائتم به قوم، كانوا على الصراط المستقيم أو كانوا ضالين، ويطلق الإمام على الخليفة، وعلى العالم المقتدى به، وعلى من يؤتم به في الصلاة. انظر: «اللسان»، و«القاموس»، و«المصباح المنير» مادة: أمّ، وراجع تعاريفها عند أهل السنّة في الماوردي: «الأحكام السلطانية»: ص ٥، ابن خلدون: المقدمة: (٢/٥١٦- ٥١٨) .
[ ١ / ٢٨٧ ]
(ج) غلوهم في قبور أئمتهم.
(د) غلوهم في مجتهديهم.
(هـ) كل حكومة غير حكومة الاثني عشر (أو نوابهم) باطلة.
(و) الإمامة ركن من أركان الدين.
(ز) تكفيرهم لمنكر إمامة الاثني عشر.
(ح) منزلة من آمن بإمامة الاثني عشر عندهم.
(أ) معنى الإمامة عند الشيعة:
للإمامة عند الشيعة مفهوم خاص ينفردون به عن سائر المسلمين، فيعتقدون (أن الإمامة منصب إلهي كالنبوة، فكما أن الله سبحانه يختار من يشاء من عباده للنبوة والرسالة، ويؤيده بالمعجزة التي هي كنص من الله عليه.. فكذلك يختار للإمامة من يشاء ويأمر نبيه بالنص عليه وأن ينصبه إمامًا للناس من بعده..) (١) .
أما الفرق بين الرسول والنبي والإمام عندهم فقد روى صاحب الكافي أنه سئل إمامهم الرضا: (ما الفرق بين الرسول والنبي والإمام؟ فكتب أو قال: الفرق بين الرسول والنبي والإمام: أن الرسول الذي ينزل عليه جبرائيل فيراه ويسمع كلامه وينزل عليه الوحي وربما رأى في منامه نحو رؤيا إبراهيم "ع"، والنبي ربما سمع الكلام وربما رأى الشخص ولم يسمع، والإمام هو الذي يسمع الكلام ولا يرى
_________________
(١) محمد حسين آل كاشف الغطا: «أصل الشيعة وأصولها»: ص ٥٨.
[ ١ / ٢٨٨ ]
الشخص) (١) وهذا النص يفيد أن الوحي الإلهي متحقق حصوله للثلاثة على اختلاف في الطريقة والوسيلة التي يصل بها "الوحي"، لكن كانت رواية الكافي هذه تقول: إن الإمام يسمع الكلام ولا يرى الشخص "أي الملك"، مع أن هناك عدة روايات عندهم تؤكد تحقق رؤية الإمام للملائكة، حتى إن "عالمهم" المجلسي عقد في البحار بابًا بعنوان: (باب أن الملائكة تأتيهم وتطأ فرشهم وأنهم يرونهم) (٢)، وذكر فيه ستة وعشرين حديثًا منها ما ذكره عن الصادق قال: (إن الملائكة لتنزل علينا في رحالنا وتتقلب على فرشنا، وتحضر موائدنا وتأتينا في وقت كل صلاة لتصليها معنا، وما من يوم يأتي.. إلا وأخبار أهل الأرض عندنا وما يحدث فيها..) (٣) .
وعن الصادق: (إن منا لمن ينكت في أُذنه، وإن منا لمن يؤتى في منامه وإن منا لمن يسمع صوت السلسلة تقع على الطشت - كذا - وإن منا لمن يأتيه صورة أعظم من جبرائيل وميكائيل) (٤) .
فترى في هذه "الروايات للمجلسي" أن الفرق الذي ذكره الكليني بين الإمام والرسول والنبي - إن كان يعتبر فرقًا - قد تلاشى. حتى قال المجلسي نفسه: (إن استنباط الفرق بين النبي والإمام من تلك الأخبار لا يخلو من إشكال وكذا الجمع بينهما
_________________
(١) الكليني: «الكافي»، كتاب الحجة، باب الفرق بين الرسول والنبي والمحدث: (١/١٧٦)، وقال شارح «الكافي»: (الحديث صحيح إسناده)، «الشافي شرح أصول الكافي»: (٣/٢٩) . فهذا الحديث الباطل صحيح حتى عند من يسلك منهج التصحيح والتضعيف منهم وهم الأصوليون.
(٢) «البحار»: (٢٦/٣٥٥) .
(٣) «البحار»: (٢٦/٣٥٦) .
(٤) «البحار»: (٦/٣٥٨) .
[ ١ / ٢٨٩ ]
مشكل جدًا) (١) . ثم قال: (ولا نعرف جهة اتصافهم بالنبوة إلا رعاية خاتم الأنبياء ولا يصل عقولنا فرق بين النبوة والإمامية) (٢) .
ومنزلة الإمامة والإمام تجاوزت في كتبهم أحيانًا منزلة النبوة والنبي إلى منزلة أُخرى تتبين من حديثهم عن فضائل الأئمة وصفاتهم وهو ما سنذكره فيما يلي:
(ب) فضائل الأئمة وصفاتهم:
حديث الشيعة عن فضائل أئمتهم وصفاتهم حديث كثير وخطير، وسنذكر فيما يلي أهم الأبواب في كل من الكافي والبحار التي حوت أحاديثهم عن فضائل الأئمة.
وهذه الأبواب خلاصة موجزة لأحاديثهم تبين حجم الغلو واتساعه، فهي ليست روايات شاذة في كتبهم بل هي أبواب تحمل عناوين أشبه ما يكون بقواعد وأصول أساسية في معتقدهم، وهي أمكن القارئ من أخذ فكرة متكاملة عن منزلة الأئمة عندهم بصورة سريعة حيث تم بعد العرض لهذه الأبواب الإتيان من كل باب بمثال لتتضح الحقيقة في ذهن القارئ وسأذكر عناوين الأبواب أولًا وعدد أحاديث كل باب ثم أمثلة لهذه الأبواب على الترتيب نفسه.
فلنستمع للعناوين ثم للأحاديث بعدها.
١- باب (أنهم أعلم من الأنبياء ﵈) وفيه ثلاثة عشر حديثًا (٣) .
٢- باب (تفضيلهم «ع» على الأنبياء وعلى جميع الخلق وأخذ
_________________
(١) ، (٢) «البحار»: (٢٦/٢٨) .
(٢) المجلسي: «البحار»: (٢٦/ ١٩٤- ٢٠٠) .
[ ١ / ٢٩٠ ]
ميثاقهم عنهم وعن الملائكة وعن سائر الخلق، وأن أُولي العزم إنما صاروا أُولي العزم بحبهم صلوات الله عليهم) وفيه ٨٨ حديثًا (١) .
٣- باب (أن دعاء الأنبياء استجيب بالتوسل والاستشفاع بهم "ع") وفيه ١٦ حديثًا (٢) .
٤- باب (أنهم يقدرون على إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وجميع معجزات الأنبياء) وفيه ٤ أحاديث (٣) .
٥- باب (أنهم لا يحجب عنهم علم السماء والأرض والجنة والنار، وأنه عرض عليهم ملكوت السموات والأرض ويعلمون علم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة) وفيه ٢٢ حديثًا (٤)، وهذا الباب جاء في الكافي بعنوان باب (أن الأئمة يعلمون علم ما كان وما يكون وأنه لا يخفى عليهم الشيء صلوات الله عليهم) وفيه ستة أحاديث (٥) .
٦- باب (أنهم يعرفون الناس بحقيقة الإيمان وبحقيقة النفاق، وعندهم كتاب فيه أسماء أهل الجنة وأسماء شيعتهم وأعدائهم، وأنه لا يزيلهم خبر مخبر عما يعلمون من أحوالهم) وفيه أربعون حديثًا (٦) . وفي الكافي باب (أن الأئمة لو ستر عليهم لأخبروا كل امرئ بما له وعليه) وفيه حديثان (٧) .
_________________
(١) المصدر السابق: (٢٦/ ٢٦٧- ٣١٨) .
(٢) المصدر السابق: (٢٦/ ٣١٩ - ٣٣٢) .
(٣) المصدر السابق: (٢٧/ ٢٩ - ٣١) .
(٤) المصدر السابق: (٢٦/ ١٠٩- ١١٧) .
(٥) الكليني: «الكافي»: (١/٢٦٠- ٣٦٣) .
(٦) «البحار»: (٢٦/١١٧- ١٣٢) .
(٧) «الكافي»: (١/٢٦٤ - ٢٦٨) .
[ ١ / ٢٩١ ]
٧- باب (أن الأئمة إذا شاؤوا أن يعلموا علموا) وفيه ثلاثة أحاديث (١) .
٨- باب (أن الأئمة يعلمون متى يموتون وأنهم لا يموتون إلا باختيار منهم) وفيه خمسة أحاديث (٢) .
٩- باب (أنه لا يحجب عنهم شيء من أحوال شيعتهم وما تحتاج إليه الأمة من جميع العلوم، وأنهم يعلمون ما يصيبهم من البلايا ويصبرون عليها ولو دعوا الله في دفعها لأجيبوا، وأنهم يعلمون ما في الضمائر وعلم المنايا والبلايا وفصل الخطاب والمواليد) وفيه ثلاثة وأربعون حديثًا (٣) .
١٠- باب (أن عندهم الاسم الأعظم وبه يظهر منهم الغرائب) وفيه عشرة أحاديث (٤)، وغيرها من أبواب (٥)، وإليك أمثلة لما سبق على الترتيب السالف.
_________________
(١) المصدر السابق: (١/٢٥٨) .
(٢) المصدر السابق: (١/٢٥٨- ٢٦٠) .
(٣) «البحار»: (٢٦/١٣٧- ١٥٣) .
(٤) «البحار»: (٢٧/٢٥- ٢٨) .
(٥) مثل: باب (أنهم يظهرون بعد موتهم ويظهر منهم الغرائب وتأتيهم أرواح الأنبياء "ع" وتظهر لهم الأموات من أوليائهم وأعدائهم) وفيه ١٣ حديثًا. «البحار»: (٢٧/٣٠٢- ٣٠٨) . باب (أنهم أمان لأهل الأرض من العذاب) وفيه ٦ أحاديث. «البحار»: (٢٧/٣٠٨- ٣١٠) . باب (أن الله تعالى يرفع للإمام عمودًا ينظر فيه إلى أعمال العباد) وفيه ١٦ حديثًا. «البحار»: (٢/١- ١١) . باب (أنهم ﵈ يعلمون جميع الألسن واللغات ويتكلمون بها) وفيه ٧ أحاديث. «البحار»: (٢٦/١٩٠- ١٩٣) . باب ( أنهم يعلمون منطق الطيور والبهائم) وفيه ٢٦ حديثًا. «البحار»: (٢٧/٢٦١- ٢٧٩) . باب (أن الجن خدامهم ويظهرون لهم ويسألونهم عن معالم دينهم) وفيه ١٦ حديثًا. «البحار»: (١٧/١٣- ٢٤) إلخ.
[ ١ / ٢٩٢ ]
مثال للباب رقم -١-: وهو (أنهم أعلم من الأنبياء):
عن عبد الله التمار قال: كنا مع أبي عبد الله "ع" في الحجر فقال: علينا عين؟ فالتفتنا يمنة ويسرة وقلنا: ليس علينا عين. فقال: ورب الكعبة - ثلاث مرات - أن لو كنت بين موسى والخضر لأخبرتهما أني أعلم منهما ولأنبأتهما بما ليس في أيديهما (١) .
مثال للباب رقم -٢-: وهو (تفضيلهم على الأنبياء ):
في البحار قال أبو عبد الله: (والله ما استوجب آدم أن يخلقه الله بيده وينفخ فيه من روحه إلا بولاية علي "ع"، وما كلم الله موسى تكليمًا إلا بولاية علي "ع"، ولا أقام الله عيسى ابن مريم آية للعالمين إلا بالخضوع لعلي، ثم قال: أجُمل الأمر؟: ما استأهل خلق من الله النظر إليه إلا بالعبودية لنا (٢) وقال أمير المؤمنين: إن الله عرض ولايتي على أهل السموات وعلى أهل الأرض أقر بها من أقر وأنكرها من أنكر، وأنكرها يونس فحبسه الله في بطن الحوت حتى أقر بها (٣) وكذلك أيوب لما شك في ملك علي قال له الله: فوعزتي لأُذيقنك من عذابي أو تتوب إلي بالطاعة لأمير المؤمنين) (٤) .
_________________
(١) المجلسي: «البحار»: (ص٢٦- ١٩٦)، وانظر: «بصائر الدرجات»: ص ٢٥٠، وانظر: الكليني: «الكافي»: (١/٢٦٠- ٢٦١) .
(٢) المجلسي: «البحار»: (٢٦/ ٢٩٤)، وانظر: المفيد: «الاختصاص»: ص ٢٥٠.
(٣) المجلسي: «البحار»: (٢٦/ ٢٨٢)، عن: «بصائر الدرجات»: (ص ٢٥- ٢٦) .
(٤) «البحار»: (٢٦/ ٢٩٣)، عن «كنز الفوائد»: (ص ٢٦٤- ٢٦٥) .
[ ١ / ٢٩٣ ]
وعن سدير قال: سألت أبا عبد الله عن قول أمير المؤمنين «إن أمرنا صعب مستصعب لا يقر به إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان» فقال: إن في الملائكة مقربين وغير مقربين ومن الأنبياء مرسلين وغير مرسلين ومن المؤمنين ممتحنين، وغير ممتحنين فعرض أمركم هذا على الملائكة فلم يقر به إلا المقربون، وعرض على الأنبياء فلم يقر به إلا المرسلون وعرض على المؤمنين فلم يقر به إلا الممتحنون، قال: ثم قال لي: مر في حديثك (١) .
مثال للباب رقم -٣-: وهو (استشفاع الأنبياء بهم):
عن علي بن الحسن عن فضال عن أبيه عن الرضا "ع" قال:
(لما أشرف نوح "ع" على الغرق دعا الله بحقنا فدفع الله عنه الغرق، ولما رمي إبراهيم في النار دعا الله بحقنا فجعل الله النار عليه بردًا وسلامًا، وإن موسى لما ضرب طريقًا في البحر دعا الله بحقنا فجعله يبسًا، وإن عيسى "ع" لما أراد اليهود قتله دعا الله بحقنا فنجي من القتل فرفعه إليه) (٢) .
مثال للباب رقم -٤-: وهو (أنهم يقدرون على إحياء الموتى):
قال أبو عبد الله: إن أمير المؤمنين كانت له خؤولة في بني مخزوم وإن شابًا منهم أتاه فقال: يا خال، إن أخي وتِرْبي مات وقد حزنت عليه حزنًا شديدًا فقال له: تشتهي أن تراه؟ قال: نعم. قال: فأرني قبره.. فلما انتهى إلى القبر تكلم - أي علي - بشفتيه ثم ركضه
_________________
(١) «البحار»: (٢٦/٢٧٤)، انظر: «معاني الأخبار»: ص ١١٥.
(٢) «البحار»: (٢٦/٣٢٥) .
[ ١ / ٢٩٤ ]
برجله فخرج من قبره وهو يقول: "وميكا" بلسان الفرس فقال له علي "ع": ألم تمت وأنت رجل من العرب؟ فقال: بلى ولكنا متنا على سنّة فلان وفلان - أبو بكر وعمر - فانقلبت ألسنتنا) (١) .
مثال للباب رقم -٥-: وهو (أنهم لا يحجب عنهم علم ):
قال أبو عبد الله: (أني لأعلم ما في السموات وأعلم ما في الأرضين وأعلم ما في الجنة وأعلم ما في النار، وأعلم ما كان وما يكون) (٢) .
مثال للباب رقم -٦-: (أنهم يعرفون الناس بحقيقة الإيمان):
قال أبو الحسن الرضا: (إنا لنعرف الرجل إذا رأيناه بحقيقة الإيمان وبحقيقة النفاق) (٣) .
مثال للباب رقم -٧-: (أن الأئمة إذا شاؤوا أن يعلموا علموا):
عن أبي عبد الله قال: (إن الإمام إذا شاء أن يعلم علم) (٤) .
مثال للباب رقم -٨-: (أن الأئمة يعلمون متى يموتون):
ويروي الكليني عن الحسن بن الجهم قال: (قلت للرضا "ع"
_________________
(١) المجلسي: «البحار»: (٢٧/٣٠- ٣١)، عن «مناقب آل أبي طالب»: (٢/١٦٤) .
(٢) المجلسي: «البحار»: (٢٦/١١١)، عن «بصائر الدرجات»: ص ٣٥، وانظر: الكليني: «الكافي»: (١/٢٦١) .
(٣) المجلسي: «البحار»: (٢٦/١١٨، ١٢٧)، وانظر: «عيون الأخبار»: ص ٣٤٣، «الاختصاص»: ص ٢٧٨.
(٤) الكليني: «الكافي»: (١/ ٢٥٨) .
[ ١ / ٢٩٥ ]
أن أمير المؤمنين "ع" قد عرف قاتله والليلة التي يقتل فيها، والموضع الذي يقتل فيه، وقوله: لما سمع صياح الأوز (١) في الدار: صوائح تتبعها نوائح، وقول أُم كلثوم: لو صليت الليلة داخل الدار وأمرت غيرك يصلي بالناس فأبى عليها وكثر دخوله وخروجه تلك الليلة بلا سلاح، وقد عرف (أن ابن ملجم لعنه الله قاتله بالسيف..) (٢) وعن أبي الحسن موسى "ع" "الكاظم" قال: (إن الله (غضب على الشيعة فخيرني نفسي أو هم فوقيتهم والله بنفسي (٣) - أي منطق النصارى نفسه بأن عيسى صلب لتخليصهم من ذنوبهم) .
مثال للباب رقم -٩-: (أنهم لا يحجب عنهم شيء):
في البحار: (أن عليًّا قال على منبر الكوفة: والله إني لديان الناس يوم الدين، قسيم الله بين الجنة والنار لا يدخلها داخل إلا على أحد قسّمي، وأنا الفارق الأكبر، وقرن من حديد وباب الإيمان وصاحب الميسم وصاحب السنين، وأنا صاحب النشر الأول والنشر الآخر وصاحب القضاء وصاحب الكرات ودولة الدول وأنا إمام لمن بعدي والمؤدي من كان قلبي، ما يتقدمني إلا أحمد ﵌ وإن جميع الملائكة والرسل والروح خلفنا، وإن رسول الله ليدعى فينطق، وأُدعى فأنطق على حد منطقه.
ولقد أُعطيت السبع التي لم يسبق إليها أحد قبلي: بصُرت سبل الكتاب، وفُتحت لي الأسباب، وعلمت الأنساب، ومجرى الحساب،
_________________
(١) الأوز: البط.
(٢) الكليني: «الكافي»: (١/٢٥٩) .
[ ١ / ٢٩٦ ]
وعلمت المنايا والبلايا والوصايا وفصل الخطاب، ونظرت في الملكوت فلم يعزب عني شيء غاب عني، ولم يفتني ما سبقني، ولم يشركني أحد فيما أشهدني يوم شهادة الأشهاد، وأنا الشاهد عليهم، وعلى يدي يتم موعد الله وتكمل كلمته، وبي يكمل الدين، وأنا النعمة التي أنعمها الله على خلقه، وأنا الإسلام الذي ارتضاه لنفسه، كل ذلك منٌّ من الله) (١) .
مثال للباب رقم -١٠-: (عندهم الاسم الأعظم ):
عن جابر الجعفي عن أبي جعفر "ع" قال: (إن اسم الله الأعظم علي ثلاثة وسبعين حرفًا، وإنما عند آصف منها حرف واحد فتكلم به فخسف بالأرض ما بينه وبين سرير بلقيس ثم تناول السرير بيده ثم عادت الأرض كما كانت أسرع من طرفة عين، وعندنا نحن من الاسم اثنان وسبعون حرفًا، وحرف عند الله استأثر به في علم الغيب عنده ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) (٢) .
هذه أمثلة لما يصفون به أئمتهم وهي "دعاوى" في غاية الغرابة تخرج الأئمة من "منزلة الإمامة" إلى "منزلة النبوة" أحيانًا، وأحيانًا أخرى إلى "مرتبة الألوهية".
ووجود عشرات الروايات فضلًا عن مئاتها تصف الأئمة بهذه الأوصاف الخيالية هي عملية إفراغ فكري ونفسي لحقيقة الألوهية، وحقيقة النبوة من نفس "الشيعي" الذي يؤمن بهذه الروايات لتحل محلها حقيقة الأئمة.
_________________
(١) «البحار»: (٢٦/١٥٣- ١٥٤) .
(٢) المجلسي: «البحار»: (٢٧/٢٥)، عن «بصائر الدرجات»: ص ٥٣.
[ ١ / ٢٩٧ ]
وإذا وجد من ينفي صفة النبوة والربوبية عن الأئمة، فإن هذا النفي أشبه ما يكون بصرخة في واد إزاء هذا "الزخم" وهذا "الركام" الهائل من الفضائل المزعومة.
وهذه الروايات هي في الحقيقة؛ الأرضية، والقاعدة، والمنطلق، للأفكار الباطنية المنتشرة اليوم والتي تؤلّه الأئمة وتلوذ بجحور التقية عند مواجهتها للملأ.
ولولا خشية الإطالة لوقفنا عند كل نص نحلله ونرسم أبعاده.
إن هذه "الدعاوى" التي امتلأت بها كتب القوم التي يعدونها مصادر أساسية في التلقي والتشريع؛ هي محادة لله ولرسوله. فماذا أبقوا لله - ﷿ - من خصائص الألوهية حين يوردون عشرات من رواياتهم تقول (أن الأئمة يعلمون ما كان وما يكون وأنهم لا يخفى عليهم الشيء)؟ أي أن الأئمة عندهم علم الله. وكيف يتجرأون على القول بأن الأئمة عندهم ٧٢ حرفًا من الاسم الأعظم والله عنده حرف واحد، أهم أعلم أم الله؟!! سبحانك هذا بهتان عظيم.
وهذه "الدعاوى" باب للزندقة والإلحاد.. لم يقلها نبي مرسل، ولا ملك مقرب. هي محاربة لدين الله (، وكتابه.
وهذه المزاعم انتقلت بشكل عملي واضح إلى جانبين خطيرين:
أحدهما: أنها انتقلت من حديث نظري عن فضائل الأئمة إلى غلو في قبورهم وأضرحتهم، وانتشر الشرك في بلاد الشيعة بلا نكير.
وثانيها: ظاهرة غلوهم في مجتهديهم باعتبار أنهم نواب الإمام المعصوم، (وهذان الجانبان يشكلان مفهوم الإمامة بصورة واقعية فلنتحدث عنهما) .
[ ١ / ٢٩٨ ]
(ج) غلوهم في قبور أئمتهم واتخاذها مزارات ومشاهد
ثالثًا: غلوهم في قبور أئمتهم واتخاذها مزارات ومشاهد:
إن للمسلمين كعبة واحدة يتوجهون إليها في صلاتهم ودعائهم ويحجون إليها، أما الشيعة فلهم مزارات ومشاهد وكعبات تنافس بيت الله (ويقام فيها الشرك ويهدم التوحيد.
وقد يقال: إن الشرك والمشاهد منتشرة في بلاد السنة؟
والجواب: أن هذا واقع. ولكن الفرق بين الشيعة وأهل السنة أن ما عند أهل السنة هو انحراف في واقعهم تنكره أصولهم، وما عند الشيعة هو ما يتفق مع أصولهم، بل هو ما تدعو إليه وتحث عليه أحاديثهم ورواياتهم، فهو معروف في أصول الشيعة منكر في أصول السنة.
ونتيجة هذا الفرق أن ما عند أهل السنة قابل للإصلاح وما عند الشيعة غير قابل حتى تغير أصولهم أولًا.
وهذه النتيجة ليست نظرية أو خيالية، بل ظهرت بشكل واقعي في تأثير دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في العالم الإسلامي في محاربة الشرك واستعصاء الشيعة على هذا الإصلاح.
يقول العالم الإيراني - الشيعي الأصل - أحمد الكسروي (١):
(ومما يرى "من" لجاج الشيعة أنه قد انقضى منذ ظهور الوهابيين أكثر من مائة وخمسين عامًا، وجرت في تلك المدة مباحثات ومجادلات كثيرة بينهم وبين الطوائف الأخرى من المسلمين، وانتشرت رسالات وطبعت كتب وظهر جليًا أن ليست
_________________
(١) ستأتي ترجمته في محاولات التقريب.
[ ١ / ٢٩٩ ]
زيارة القبب والتوسل بالموتى ونذر النذور للقبور وأمثالها إلا الشرك، ولا فرق بين هذه وبين عبادة الأوثان التي كانت جارية بين المشركين من العرب فقام الإسلام يجادلها ويبغ - كذا - قلع جذورها، يبين ذلك آيات كثيرة من القرآن.
فأثرت الوهابية في سائر طوائف المسلمين غير الروافض أو الشيعة الإمامية، فإن هؤلاء لم يكترثوا بما كان ولم يعنوا بالكتب المنتشرة والدلائل المذكورة أدنى عناية ولم يكن نصيب الوهابيين منهم إلا اللعن والسب كالآخرين) (١) .
إن الشرك قد ألبس في كتب الحديث عند الشيعة ثوب الحق وهذا هو الخطر الأكبر، والداء الأعظم، وقد عقدت أمهات كتبهم "كتبًا وأبوابًا" في المزارات والمشاهدات، ضمنتها مئات من الروايات تجسد الشرك، وترسي قواعده.
ففي «البحار» للمجلسي "كتاب المزار" وقد استغرق ثلاثة مجلدات من «البحار» (٢)، وفي «وسائل الشيعة»، للحر العاملي "أبواب المزار" وبلغت هذه الأبواب (١٠٦) أبواب (٣)، وفي «الوافي» الجامع لأصولهم الأربعة:
"أبواب المزارات والمشاهد" وتضمنت (٣٣) بابًا (٤) .
_________________
(١) «التشيع والشيعة»: ص ٨٩، وقد رأيت في فهارس مكتبات الشيعة كمكتبة الكاظمية في بغداد كتبًا كثيرة وضعت من قبل الشيعة لمحاربة دعوة التوحيد التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
(٢) هي المجلدات: ١٠٠، ١٠١، ١٠٢.
(٣) انظرها في جـ١٠ ص ٢٥١ وما بعدها.
(٤) انظرها في المجلد الثاني جـ٨ ص ١٩٣ وما بعدها.
[ ١ / ٣٠٠ ]
وفي «فقيه من لا يحضره الفقه» وهو أحد أصولهم المعتبرة عدة أبواب حول المشاهد وتعظيمها، كباب "تربة الحسين وحريم قبره" و"أبواب في زيارة الأئمة وفضلها". وغيرها (١) .
وفي «تهذيب الأحكام» - أحد الأصول الأربعة المعتبرة - طائفة كثيرة من الأبواب تتعلق بتعظيم المشاهد والقبور، ومناجاة الأئمة بأدعية تتضمن تأليههم.. (٢) .
وألف في الزيارات ومناسكها كتب مستقلة مثل «مناسك الزيارات للمفيد» (٣) وغيره (٤) .
والموضوع يستحق دراسة خاصة لخطورته وحسبنا في هذا المقام ذكر بعض "الأمثلة" لغلوهم في قبور أئمتهم.
لقد اعتبر الشيعة أماكن قبور أئمتهم المزعومة أو الحقيقة "حرمًا" مقدسًا: فالكوفة حرم، وكربلاء حرم، وقم حرم - عندهم - وغيرها. في «الوافي» (أن الكوفة حرم الله وحرم رسوله - ﷺ - وحرم أمير المؤمنين، وأن الصلاة فيها بألف صلاة والدرهم بألف درهم) (٥) . ويروون عن الصادق: (إن لله حرمًا هو مكة ولرسوله حرمًا وهو المدينة ولأمير المؤمنين حرمًا وهو الكوفة ولنا
_________________
(١) ابن بابويه القمي: «من لا يحضره الفقيه»: (٢/٣٣٨) وما بعدها.
(٢) الطوسي: «تهذيب الأحكام»: (٦/٣ - ١١٦) .
(٣) ذكره الحر العاملي في «وسائل الشيعة»: (٢٠/٤٩)، ونقل عنه.
(٤) مثل كتاب «المزار» لمحمد بن علي الفضل، و«المزار» لمحمد بن المشهدي و«المزار» لمحمد بن همام، و«المزار» لمحمد بن أحمد بن داود وغيرها. انظر: «وسائل الشيعة»: (٢٠/٤٨ - ٤٩) .
(٥) «الوافي»، باب فضل الكوفة ومساجدها. المجلد الثاني جـ٨ ص ٢١٥.
[ ١ / ٣٠١ ]
حرمًا وهو قم (١)، ستدفن فيه امرأة من ولدي تسمى فاطمة من زارها وجبت له الجنة) (٢) .
وكربلاء عندهم أفضل من الكعبة، ففي حديث لهم عن أبي عبد الله أنه قال: (..إن الله أوحى إلى الكعبة لولا تربة كربلاء ما فضلتك، ولولا من تضمنه أرض كربلاء ما خلقتك ولا خلقت البيت الذي به افتخرت، فقرِّي واستقري وكوني ذنبًا متواضعًا ذليلًا مهينًا غير مستنكف ولا مستكبر لأرض كربلاء وإلا سخت بك وهويت بك نار جهنم) (٣) .
وزيارة قبور الأئمة والدعاء والصلاة عندها والتوسل والاستشفاع بهم ذلك عندهم أفضل من الحج إلى بيت الله.
في «الكافي»: أتى رجل أبا عبد الله فقال له: (إني قد حججت تسع عشرة حجة فادع الله أن يرزقني تمام العشرين، قال: هل زرت قبر الحسين «ع»؟ قال: لا. قال: لزيارته خير من عشرين حجة) (٤) .
وعن ابن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد الله يقول: (والله لو أني حدثتكم بفضل زيارته وبفضل قبره لتركتم الحج رأسًا وما حج منكم أحد، ويحك أما علمت أن الله اتخذ كربلاء حرمًا آمنًا مباركًا قبل أن
_________________
(١) قم: بالضم والتشديد كلمة فارسية، وهي مدينة مقدسة عند الشيعة مشهورة في إيران وأهلها كلهم شيعة إمامية. انظر: «معجم البلدان»: (٤/٣٩٧) . ومن أسباب تقديسهم لقم وجود قبر فاطمة بنت موسى بن جعفر إمامهم السابع فيها. انظر: عبد الرزاق الحسيني: «مشاهد العترة»: ص ١٦٢ وما بعدها.
(٢) «البحار»: جـ١٠٢ ص ٢٦٧.
(٣) «البحار»: جـ١٠١ ص ١٠٧.
(٤) «الوافي»: المجلد الثاني: جـ ٨ ص ٢١٩.
[ ١ / ٣٠٢ ]
يتخذ مكة حرمًا. قال ابن أبي يعفور: فقلت له: قد فرض الله على الناس حج البيت ولم يذكر زيارة قبر الحسين "ع" فقال: إن كان كذلك فإن هذا شيء جعله الله هكذا) (١) .
وعن أبي عبد الله: (إن الله يبدأ بالنظر إلى زوار قبر الحسين بن علي "ع" عشية عرفة قبل نظره إلى أهل الموقف، قال "الراوي": وكيف ذلك؟ قال أبو عبد الله - كما يزعمون -: لأن في أولئك أولاد زنا وليس في هؤلاء أولاد زنا) (٢) .
وفي «الوافي» قال الصادق: (من عرَّف عند قبر الحسين فقد شهد عرفة) (٣) .
وعن الصادق: (من زار قبر الحسين يوم عرفة كتب الله له ألف ألف حجة مع القائم "ع"، وألف ألف عمرة مع رسول الله صلى الله عليه وآله، وعتق ألف ألف نسمة، وحمل ألف ألف فرس في سبيل
_________________
(١) المجلسي «البحار»: جـ ١٠١ ص ٣٣.
(٢) الفيض الكاشاني: «الوافي»: المجلد جـ٨ ص ٢٢٢. مفهوم أولاد الزنا عند الشيعة: هم غير الشيعة من المسلمين. يدل على ذلك ما جاء في «الكافي» عن أبي جعفر قال: والله إن الناس كلهم أولاد بغايا ما خلا شيعتنا. الكليني: الفروع من الكافي كتاب الروضة: ص ١٣٥ طبعة لكنوء ١٨٨٦م، وانظر: «البحار»: (٢٤/٣١١) . وعن أبي ميثم بن أبي يحيى عن جعفر بن محمد قال: ما من مولود يولد إلا وإبليس من الأبالسة بحضرته، فإن علم الله أن المولود من شيعتنا حجبه من ذك الشيطان، وإن لم يكن المولود من شيعتنا أثبت الشيطان أصبعه في دبر الغلام فكان مأبونًا وفي فرج الجارية فكانت فاجرة. «تفسير العياشي»: جـ٢ ص ٢١٨، وانظر: «الوافي»: (١٣: ١٧) عن «الوشيعة»: ص ٤٠، وعقد المجلسي في «البحار» بابًا لهذا الاعتقاد بعنوان (باب أنه يدعى الناس بأسماء أُمهاتهم إلا الشيعة) وذكر فيه ١٢ حديثًا. «البحار»: جـ٧ ص ٢٣٧.
(٣) الفيض الكاشاني: «الوافي»: المجلد الثاني جـ٨ ص ٢٢٢.
[ ١ / ٣٠٣ ]
الله، وسماه الله ﷿ عبدي الصديق آمن بوعدي، وقالت الملائكة: فلان الصديق وزكاه الله من فوق عرشه..) (١) .
والصلاة عند القبور التي هي وسيلة للشرك بالله تعد عندهم من القربات المضاعفة في «الوافي» يقول حديث لهم: (الصلاة في حرم الحسين: لك بكل ركعة تركعها عنده كثواب من حج ألف حجة، واعتمر ألف عمرة وأعتق ألف رقبة، وكأنما وقف في سبيل الله ألف ألف مرة مع نبي مرسل) (٢) .
وهذه دعوة إلى الشرك بالله لا شك في ذلك.
وليس هذا خاصًا بحرم الحسين بل كل أئمتهم كذلك؛ ففي «البحار» للمجلسي: (من زار الرضا (٣) أو واحدًا من الأئمة فصلى عنده.. فإنه يكتب له - ثم ذكر ما جاء في النص السابق وزاد - وله بكل خطوة مائة حجة ومائة عمرة وعتق مائة رقبة في سبيل الله وكتب له مائة حسنة وحط عنه مائة سيئة) (٤) .
ويزور قبور أئمتهم الأنبياء والملائكة، ولم يكتفوا بذلك كعادتهم في الغلو والمبالغة بل قالوا - كبرت كلمة تخرج من أفواههم - إن الله تعالى يزور قبور أئمتهم. تعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا. ففي «البحار» للمجلسي: (أن قبر أمير المؤمنين يزوره المؤمنون) (٥) .
_________________
(١) المصدر السابق: ص ٢٢٣.
(٢) المصر السابق: ص ٢٣٤.
(٣) يعد مرقد إمامهم الرضا أهم الأماكن المقدسة في إيران ومن أضخم الأماكن المقدسة لدى الشيعة، ويقع الضريح تحت قبة ضخمة مكسوة بالذهب. عبد الله فياض: «مشاهداتي في إيران»: ص ١٠٢.
(٤) المجلسي: «البحار»: (١٠٠/١٣٧- ١٣٨) .
(٥) المجلسي: «البحار»: (١٠٠/٢٥٨) .
[ ١ / ٣٠٤ ]
وللزيارة عندهم مناسك معينة، وألفوا في ذلك مؤلفات كـ «مفاتيح الجنان» لشيخهم عباس القمي (١) و«مناسك الزيارات» للمفيد - كما مر (٢) - وغيرها، ومن مناسك مشاهدهم يذكر المجلسي:
١- الغسل قبل دخول المشهد.
٢- الوقوف على بابه والدعاء والاستئذان بالمأثور.
٣- الوقوف على الضريح، فقد نص على الاتكاء على الضريح وتقبيله.
٤- استقبال وجه المزور واستدبار القبلة حال الزيارة..
٥- صلاة ركعتين.
ورويت رخصة في صلاتها إلى القبر، ولو استدبر القبلة وصلى جاز، وإن كان غير مستحسن إلا مع البعد (٣)، أي مع البعد يستحسن أن يجعل قبر الإمام كعبة يتوجه المصلي إليها.
أليست هذه النصوص هي دعوة إلى الشرك بالله ﷿ وتغيير شرع الله ودينه؟، واختيار نحلة المشركين على ملة المرسلين، واستبدال الوثنية بالحنيفية؟..
وجاء في بعض نصوصهم المقدسة أن الحجر الأسود سينزع من مكانه ويوضع في حرمهم الكوفة، ففي «الوافي» أن علي بن أبي طالب قال لأهل الكوفة: (يا أهل الكوفة لقد حباكم الله (بما لم يحبُ أحدًا من فضل، مصلاكم بين آدم وبيت نوح وبيت إدريس، ومصلى إبراهيم - إلى أن قال فيما زعموا - ولا تذهب الأيام والليالي حتى ينصب الحجر الأسود فيه..) (٤) .
_________________
(١) منشورات دار الحياة.
(٢) انظر: ص ٢٧٨ من هذا الكتاب.
(٣) المجلسي: «البحار» كتاب المزار: جـ ١٠٠ ص ١٣٤- ١٣٥.
(٤) الفيض الكاشاني: «الوافي»: باب فضل الكوفة ومساجدها. المجلد الثاني جـ٨ ص ٢١٥.
[ ١ / ٣٠٥ ]
(د) غلوهم في مجتهديهم
ألا يكون هذا النص وأمثاله هو من الدوافع للقرامطة في فعلتهم وجريمتهم المشهورة في بيت الله الحرام وانتزاعهم الحجر الأسود من الكعبة المشرفة (١)، ولكنهم لم يضعوه في الكوفة. وقد توجد حركة تحاول ذلك فمصادر الشيعة مزرعة لأمثال هذه الحركات.
هذه منزلة مشاهدهم ومزاراتهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
(حدثني الثقات أن فيهم من يرى الحج إلى المشاهد أعظم من الحج إلى البيت العتيق، فيرون الإشراك بالله أعظم من عبادة الله، وهذا من أعظم الإيمان بالطاغوت) (٢) وأقول كيف لو اطلع ابن تيمية - ﵀ - على ما في البحار والوسائل والوافي؟!
رابعًا: غلوهم في مجتهديهم:
بعد اختفاء إمام الشيعة ادعى أربعة منهم على التوالي أنهم نواب الإمام - كما مر - وأعلن آخرهم انتهاء البابية. بمعنى الصلة المباشرة والدائمة بالإمام الغائب.
ثم قام مجتهدوهم بعد ذلك وادعوا النيابة عن الإمام الغائب وقالوا: (إن كانت النيابة الخاصة أو البابية قد انتهت فالنيابة العامة لم تنته، فنحن نواب الإمام) . والمهدي يقول: (أما الوقائع الحادثة
_________________
(١) انظر خبر ذلك في حوادث سنة ٣١٧ في المنتظم لابن الجوزي: (٦/٢٢٢) وما بعدها، و«البداية والنهاية» لابن كثير: (١١/١٦٠)، وتاريخ ابن خلدون «العبر»: (٣/١٩١) .
(٢) «منهاج السنّة»: (٢/١٢٤) الطبعة الأميرية.
[ ١ / ٣٠٦ ]
فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله) (١) . ولهذا يقول عالمهم المعاصر محمد رضا المظفر: (عقيدتنا في المجتهد أنه نائب للإمام (في حال غيبته وهو الحاكم والرئيس المطلق.. والراد عليه راد على الإمام والراد على الإمام راد على الله تعالى، وهو على حد الشرك بالله) (٢) .
فأنت تلاحظ هنا أن الإمام الذي أضفوا عليه تلك الصفات الأسطورية قد ناب عنه المجتهدون وهذا في واقع الأمر ادعاء للمهدية بشكل ذكي وبطريقة مقنعة، إذ لا فرق بين ادعاء المهدية أو ادعاء النيابة عن المهدي في كل شيء، قد يكون هناك فارق واحد وهو أن كل مجتهد من مجتهديهم أعطوه لقب النائب عن الإمام فنحن أمام عدد من الأئمة المهديين لا مهدي واحد يقول الخميني: (إن معظم فقهائنا في هذا العصر تتوفر فيهم الخصائص التي تؤهلهم للنيابة عن الإمامة المعصوم) (٣) .
وبدعوى النيابة عن الإمام امتصوا عرق الكادحين من الشيعة وأكلوا أموالهم باسم "خمس الإمام"، وبدعوى النيابة جعلوا لفتاويهم صفة القداسة، فالراد على المجتهد راد على الله.
وكما يؤكد الشيعة على أن كل إمامة غير إمامة الاثني عشر باطلة، فلا يعترفون بأي حكومة إسلامية غير حكم علي بن أبي طالب
_________________
(١) «الكافي» على هامش «مرآة العقول»: (٤/٥٥) . وانظر: «الاحتجاج»: (٢/٢٨٣) . وقد استدل الخميني بهذا (التوقيع) المزعوم عن المهدي في دعواه نيابة الفقيه عن المعصوم في كل شيء في كتابه «الحكومة الإسلامية»: ص ٧٧.
(٢) محمد رضا المظفر: «عقائد الإمامية»: ص ٣٤.
(٣) «الحكومة الإسلامية»: ص ١١٣.
[ ١ / ٣٠٧ ]
- كما سيأتي - فكذلك كل ولاية - أي سلطة - غير ولاية المجتهد الشيعي باطلة لأنه هو نائب الإمام المعصوم.
ومن علماء الشيعة من يرى أن ولاية الفقيه الشيعي عن الإمام المعصوم ليست في كل شيء بل هي محدودة في ولاية أمور الفتوى وولاية القضاء والأوقاف العامة وأموال الغائب وارث من لا وارث له وما شابه ذلك (١)، لكن الخميني وطائفته يرون النيابة المطلقة عن الإمام الغائب ماعدا البدء بالجهاد (٢)، ومن أجل تأييد مذهبه هذا كتب كتابه «ولاية الفقيه» أو «الحكومة الإسلامية»، وهذا الغلو من الخميني في دعوى النيابة المطلقة أصبح موضع اعتراض بعض الشيعة، يقول محمد جواد مغنية في كتاب صدر له حديثًا بعنوان «الخميني والدولة الإسلامية»: (قول المعصوم وأمره تمامًا كالتنزيل من الله العزيز العليم (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى (، ومعنى هذا أن للمعصوم حق الطاعة والولاية على الراشد والقاصر والعالم والجاهل وأن السلطة الروحية والزمنية - مع وجوده - تنحصر به وحده لا شريك له، وإلا كانت الولاية عليه وليست له، علمًا بأنه لا أحد فوق المعصوم عن الخطأ والخطيئة إلا من له الخلق والأمر - ﷿ -. أبعد هذا يقال إذا غاب المعصوم انتقلت ولايته بالكامل إلى الفقيه؟.. فما دامت هذه منزلة المعصوم فكيف يدعي النيابة الكاملة عنه؟) (٣) .
_________________
(١) انظر: «الخميني والدولة الإسلامية»: ص ٦٢ - ٦٤.
(٢) أي أن الجهاد لا يبدأ به إلا مع الإمام المعصوم بخلاف الدفاع. انظر: «تحرير الوسيلة»: (١/٤٨٢) .
(٣) محمد جواد مغنية: «الخميني والدولة الإسلامية»: ص ٥٩.
[ ١ / ٣٠٨ ]
أي كيف يدعي الخميني النيابة المطلقة عن الإمام الغائب، والإمام الغائب بمنزلة النبي أو الإله عندهم؟. وأقول أليس هذا تقمصًا لشخصية الإمام أو ادعاء للمهدية، ولذا فهو يسمى اليوم بالإمام وهو مصطلح له مفهوم الخاص عندهم كما ترى، فدعوى النيابة المطلقة عن الإمام هي بعث للإمامة والمهدية والتشيع من جديد.
ولا يرى الخميني من يتولى النيابة عن الإمام إلا الفقيه الشيعي يقول: (والفقيه هو وصي النبي وفي عصر الغيبة يكون إمامًا للمسلمين وقائدهم) (١)، ويريد بالفقيه: الفقيه الرافضي لأن عقيدة الغيبة لا يؤمن بها إلا فقهاء الروافض.
ومن مظاهر الغلو في المجتهد ما مر بنا (٢) من زعمهم أن مجتهديهم يلتقون بالإمام الغائب الذي هو في الواقع لم يولد، كما أن من مظاهر غلوهم في مجتهديهم أنهم قالوا بأن من لم يصل رتبة الاجتهاد يجب عليه أن يقلد مجتهدًا حيًا معينًا، وإلا فجميع عباداته باطلة لا تقبل منه (٣) وإن صلى وصام وتعبد طول عمره إلا إذا وافق عمله رأي من يقلده بعد ذلك (٤) .
وهذه المنزلة للمجتهدين عند الشيعة تذكرك بمنزلة الباباوات والقسس عند النصارى.
_________________
(١) «الحكومة الإسلامية»: ص ٦٧.
(٢) انظر: ص ٢٦٧ من هذا البحث.
(٣) ومن الطرائف لاعتقادهم هذا (أنه عندما مرض مجتهد في النجف استمر صيام مقلديه على الرغم من إفطار الآخرين من الشيعة من أجل أن مرض ذلك المجتهد حال دون سماع شهادة شهود الرؤية) . جلال الحنفي: «نقاش مع الخالصي»: ص ٥٦.
(٤) محمد رضا المظفر: «عقائد الإمامية»: ص ٥٥.
[ ١ / ٣٠٩ ]
(هـ) كل حكومة غير حكومة الاثني عشر باطلة
خامسًا: كل حكومة غير حكومة الاثني عشر باطلة:
هذا من أصول الإيمان بإمام الاثني عشر وبهذا، جاءت رواياتهم، عن أبي جعفر قال: (كل راية ترفع قبل راية القائم (١) "ع" صاحبها طاغوت) (٢)، قال شارح «الكافي»: (وإن كان رافعها يدعو إلى الحق) (٣)، وصحح المجلسي هذه الرواية (٤) - عندهم -.
ولا تجوز الطاعة لحاكم ليس من عند الله - إلا على سبيل التقية - عن أبي جعفر "ع" قال: (قال الله ﵎: لأعذبنَّ كل رعية في الإسلام دانت بولاية كل إمام جائر ليس من الله وإن كانت الرعية في أعمالها برة تقية، ولأعفونَّ عن كل رعية في الإسلام دانت بولاية كل إمام عادل من الله وإن كانت الرعية في أنفسها ظالمة مسيئة) (٥) .
ورواياتهم في هذا المعنى كثيرة، فمن أبواب صحيحهم «الكافي» باب (فيمن دان الله (بغير إمام من الله ﷻ، وذكر فيه خمسة أحاديث في معصوميهم) (٦) و(باب من ادعى الإمامة وليس لها بأهل ومن جحد الأئمة أو بعضهم ومن أثبت الإمامة لمن ليس لها بأهل، وذكر فيه اثني عشر حديثًا) (٧)، وفي البحار للمجلسي
_________________
(١) القائم من ألقاب مهديهم المنتظر.
(٢) «الكافي بشرحه» للمازندراني: (١٢/٣٧١)، وانظر: «البحار»: (٢٥/١١٣)، وانظر: النعماني: «الغيبة»: ص ٥٦ - ٥٧.
(٣) شرح المازاندراني على «الكافي»: (١٢/٣٧١) .
(٤) «مرآة العقول»: (٤/٣٧٨) .
(٥) الكليني: «الكافي»: (١/٣٧٦)، وانظر: «البحار»: (٢٥/١١٠) .
(٦) الكليني: «الكافي»: (١/٣٧٤ - ٣٧٦) .
(٧) الكليني: «الكافي»: (١/٣٧٢ - ٣٧٤) .
[ ١ / ٣١٠ ]
(باب عقاب من ادعى الإمامة بغير حق أو رفع راية جور أو أطاع إمامًا جائرًا، وذكر فيه ثمانية عشر حديثًا) (١) .
والإمام الجائر، والظالم، والذي ليس أهل للإمامة، والإمام الذي ليس من عند الله، وما شابه ذلك من أوصاف، كل ذلك يطلقونه على حكام المسلمين من غير أئمتهم الاثني عشر وعلى رأس هؤلاء الحكام - الخلفاء الثلاثة الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان (- قال عالم الشيعة المجلسي صاحب «بحار الأنوار» عن الخلفاء الثلاثة الراشدين: (إنهم لم يكونوا إلا غاصبين جائرين مرتدين عن الدين، لعنة الله عليهم وعلى من اتبعهم في ظلم أهل البيت من الأولين والآخرين) (٢) .
هذا ما يقوله إمامهم المجلسي - الذي يعدون كتابه «بحار الأنوار» من مصادرهم الأساسية في الحديث - هذا ما يقوله في أفضل الأمة بعد رسل الله وأنبيائه، فيمن أقاموا دولة الإسلام بعد رسول الله - ﷺ -، وإذا كانت هذه نظرتهم لحكومة الخلفاء الثلاثة فكيف بمن بعدها.
وبناءً على اعتقادهم هذا في الحكومات الإسلامية تعمدوا الدس والتشويه للتاريخ الإسلامي، وافتعال الصراع بين الآل والأصحاب ومناصرة الأعداء ضد الدولة الإسلامية، لأنها غير شرعية في زعمهم وحكامها طواغيت في اعتقادهم.
وبناءً على مبدئهم في خلفاء المسلمين اعتبروا كل من يتعاون معهم طاغوتًا وجائرًا وعلى رأسهم قضاة المسلمين وعلماؤهم، فيروي محدثهم
_________________
(١) المجلسي: «البحار»: (٢٥/١١٠) وما بعدها.
(٢) المجلسي: «البحار»: (٤/٣٨٥) .
[ ١ / ٣١١ ]
(و) كل الإمامة ركن من أركان الدين
الكليني بسنده عن عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد الله عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث وتحاكما إلى السلطان وإلى القضاء أيحل ذلك؟؟ قال: من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فإنما له يأخذ سحتًا وإن كان حقًّا ثابتًا له لأنه أخذه بحكم الطاغوت.. (١) .
ويقول الخميني - معقبًا على حديثهم هذا: (الإمام (نفسه ينهى عن الرجوع إلى السلاطين وقضاتهم، ويعتبر الرجوع إليهم رجوعًا إلى الطاغوت) (٢) .
سادسًا: الإمامة ركن من أركان الدين:
الإيمان بإمامة الأئمة الاثني عشر - بالمعنى السالف ذكره - ركن من أركان الدين عندهم وكتبهم مليئة بما يثبت هذا الشذوذ، من ذلك ما يرويه الكليني بسنده عن أبي جعفر قال: (بني الإسلام على خمس: على الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية، ولم يناد بشيء كما نودي بالولاية فأخذ الناس بأربع وتركوا هذه - يعني الولاية -) (٣) .
فالولاية - أي إمامة الاثني عشر - يعتبرونها الركن الخامس للإسلام، ويزعمون أنها محل الاهتمام والعناية من الشارع كما يدل
_________________
(١) الكليني: «الكافي»: (١/٦٧)، و«التهذيب»: (٦/٣٠١)، «من لا يحضره الفقيه»: (٣/٥)، «الوسائل» المجلد الثامن عشر، أبواب صفات القاضي الباب ١١ ص ٩٨.
(٢) «الحكومة الإسلامية»: ص ٧٤.
(٣) الكليني: «الكافي»، كتاب الإيمان والكفر، باب دعائم الإسلام: (٢/١٨)، رقم ٣ وانظر أيضًا ص ٢١ رقم ٧، ٨، قال في شرح الكافي في بيان درجة هذا الحديث عندهم: (موثق كالصحيح) أي هو صحيح عندهم. «الشافي شرح الكافي»: (٥/٢٨ رقم ١٤٨٧) .
[ ١ / ٣١٢ ]
على ذلك قوله: (ولم يناد بشيء كما نودي بالولاية..)، وما ندري أين هذا الاهتمام المزعوم وكتاب الإسلام العظيم كتاب الله تذكر فيه وتكرر أركان الإسلام من الشهادتين والصلاة والصوم والزكاة والحج ولا ذكر فيه لشأن ولاية أئمتهم الاثني عشر..
وأحيانًا يجعلون أركان الإسلام ثلاثة الولاية أحدها. يروي الكليني بسنده عن الصادق "ع" قال: (أثافي الإسلام ثلاثة: الصلاة والزكاة والولاية، ولا تصح واحدة منهن إلا بصاحبتيها) (١) .
ويقولون إن الولاية أفضل أركان الإسلام، فعن زرارة عن أبي جعفر قال: (بني الإسلام على خمسة أشياء؛ على الصلاة والزكاة والحج والصوم والولاية، قال زرارة: قلت: وأي شيء من ذلك أفضل؟ فقال: الولاية أفضل..) (٢) .
ويقولون إن الولاية لا رخصة فيها، فعن أبي عبد الله قال: (إن الله افترض على أمة محمد خمس فرائض: الصلاة والزكاة والصيام والحج وولايتنا، فرخص لهم في أشياء من الفرائض الأربعة (٣)، ولم يرخص لأحد من المسلمين في ترك ولايتنا لا والله ما فيها رخصة) (٤) .
_________________
(١) «الكافي»، كتاب الإيمان والكفر، باب دعائم الإسلام: (٢/١٨ رقم ٣) .
(٢) المصدر السابق: (٢/١٨)، وقد قال في «الشافي» في بيان درجة الحديث عندهم: (صحيح) . «الشافي»: (٥/٥٩)، وقد ورد حديثهم هذا في: «تفسير العياشي»: (١/١٩١)، «تفسير البرهان»: (١/٣٠٣)، «البحار»: (١/٣٩٤) .
(٣) قال المجلسي: (قوله: فرخص لهم في أشياء، أي كقصر الصلاة في السفر وترك الصيام في السفر والمرض والحج والزكاة مع عدم الاستطاعة) «مرآة العقول»: (٤/٣٦٩) .
(٤) «الكافي» على هامش «مرآة العقول»: (٤/٣٦٩)، وانظر: «الكافي» طبعة طهران: (٢/٢٢) .
[ ١ / ٣١٣ ]
(ز) تكفيرهم لمن أنكر إمامة الأئمة الاثني عشر
قال شيخهم المجلسي عن حديثهم هذا: (صحيح) (١) . وكفى في تصحيح أمثال هذه الروايات عار وسبّة.
سابعًا: تكفيرهم لمن أنكر إمامة الأئمة الاثني عشر:
وردت روايات كثيرة عندهم تكفر من أنكر إمامة الأئمة الاثني عشر، وهذا التكفير يشمل خلفاء المسلمين من أبي بكر (إلى أن تقوم الساعة - ما عدا حكم علي والحسن ﵄ - لأنهم ادعوا الإمامة بغير حق، كما يشمل الشعوب الإسلامية التي بايعت خلفاء المسلمين من عهد أبي بكر إلى أن تقوم الساعة، لأنها بايعت إمامًا ليس من عند الله. ومن رواياتهم في ذلك:
عن أبي عبد الله "ع" قال: (من ادعى الإمامة وليس من أهلها فهو كافر) (٢) وأهلها هم الأئمة الاثني عشر أو من ينوب عنهم من فقهاء الشيعة.
وعن أبي عبد الله قال: (ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم من ادعى إمامة من الله ليست له، ومن جحد إمامًا من الله، ومن زعم أن لهما (٣) في الإسلام نصيبًا) (٤) .
فهذا تكفير للأمة شنيع لم يبلغ الخوارج مبلغه تكفير للأحياء
_________________
(١) «مرآة العقول»: (٤/٣٦٩) .
(٢) «الكافي»، كتاب الحجة، باب من ادعى الإمامة وليس لها بأهل: (١/٣٧٢) .
(٣) يعنون بهما اللذين أقاما دولة الإسلام بعد النبي - ﷺ - ونشرا دينه، الخليفتين الراشدين أبا بكر وعمر.
(٤) «الكافي»، كتاب الحجة، باب من ادعى الإمامة وليس لها بأهل إلخ: (١/٣٧٣)، وانظر: «تفسير العياشي»: (١/١٧٨)، «تفسير البرهان»: (١/٢٩٣)، «البحار»: (٨/٢١٨) .
[ ١ / ٣١٤ ]
والأموات، حقد عظيم على أمة الإسلام وخلفاء المسلمين.
والعبادة عندهم لا قبول لها إلا بالإيمان بولاية الاثني عشر، ففي «البحار» للمجلسي: (.. لو أن عبدًا عبد الله ألف سنة وجاء بعمل ٧٢ نبيًّا ما تقبل الله منه حتى يعرف ولايتنا أهل البيت، وإلا أكبه الله على منخريه في نار جهنم) (١) .
وعن الصادق - كما يفترون - قال: (الجاحد لولاية علي كعابد الوثن) (٢) .
وعقد المجلسي في «البحار» عدة أبواب في هذا المعنى منها:
(باب أنه لا تقبل الأعمال إلا بالولاية) وذكر فيه واحدًا وسبعين حديثًا لهم (٣) .
(باب ثواب حبهم ونصرهم وولايتهم صلوات الله عليهم وأنهم أمان من النار) وذكر فيه ١٥٠ حديثًا (٤) .
(باب أنه يسأل عن ولايتهم في القبر) وفيه ٢٢ حديثًا (٥) .
(باب ذم مبغضهم وأنه كافر حلال الدم وثواب اللعن على أعدائهم) وذكر فيه ٦٢ حديثًا (٦) .
(باب أنهم شفعاء الخلق، وأن إياب الخلق إليهم وحسابهم عليهم،
_________________
(١) «البحار»: (٢٧/١٩٧) .
(٢) المصدر السابق: (٢٧/١٨١) .
(٣) «البحار»: (٢٧/١٦٦) وما بعدها.
(٤) «البحار»: (٢٧/٧٣- ١٤٤) .
(٥) «البحار»: (٢٧/١٥٧- ١٦٥) .
(٦) «البحار»: جـ ٢٧، ص ٢١٨- ٢٣٩.
[ ١ / ٣١٥ ]
وأنه يسأل عن حبهم وولايتهم في يوم القيامة) وفيه ١٥ حديثًا (١) .
وجاء كلام علمائهم مؤكدًا لهذا الضلال.
قال ابن بابويه القمي في رسالته في الاعتقادات:
(واعتقادنا فيمن جحد إمامة أمير المؤمنين والأئمة من بعده "ع" أنه بمنزلة من جحد نبوة الأنبياء.
واعتقادنا فيمن أقر بأمير المؤمنين وأنكر واحدًا من بعده من الأئمة أنه بمنزلة من آمن بجميع الأنبياء ثم أنكر نبوة محمد - ﷺ -. وقال النبي - صلى الله عليه وآله - كما يفتري هذا القمي - (الأئمة من بعدي اثنا عشر أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وآخرهم القائم، طاعتهم طاعتي ومعصيتهم معصيتي فمن أنكر واحدًا منهم فقد أنكرني) (٢) .
وقال القمي: (فمن ادعى الإمامة وليس بإمام فهو الظالم الملعون، ومن وضع الإمامة في غير أهلها فهو ظالم ملعون وقال النبي - صلى الله عليه وآله - من جحد عليًّا إمامته من بعدي فإنما جحد نبوتي، ومن جحد نبوتي فقد جحد ربوبيته، وقال الصادق: من شك في كفر أعدائنا والظالمين لنا فهو كافر) (٣) .
وابن المطهر الحلي يعد من لم يؤمن بأئمتهم أشد شرًّا من اليهود والنصارى؛ يقول: (الإمامة لطف عام (٤) والنبوة لطف خاص لإمكان
_________________
(١) «البحار»: جـ٢٧، ص ٣١١- ٣١٧.
(٢) و(٣) «اعتقادات» ابن بابويه: ص ١١١ - ١١٤ عن «البحار»، المجلسي: جـ ٢٧ ص ٦٢.
(٣) يقولون: (كل ما يقرب المكلفين إلى الطاعة ويبعدهم عن المعاصي يسمى لطفًا اصطلاحًا) «الألفين»: ص٥.
[ ١ / ٣١٦ ]
خلو الزمان من نبي حي بخلاف الإمام، وإنكار اللطف العام شر من إنكار اللطف الخاص) (١) .
وقال عالمهم نعمة الله الجزائري: (لم نجتمع معهم - الأشاعرة ومتابعوهم - على إله ولا على نبي ولا على إمام، وذلك أنهم يقولون أن ربهم هو الذي كان محمد (نبيه وخليفته بعده أبو بكر ونحن لا نقول بهذا الرب ولا بذلك النبي، بل نقول إن الرب الذي خليفة نبيه أبو بكر ليس ربنا ولا ذلك النبي نبينا) (٢) .
وقال مفيدهم: (اتفقت الإمامية على أن من أنكر إمامة أحد من الأئمة وجحد ما أوجبه الله تعالى له من فرض الطاعة فهو كافر ضال مستحق للخلود في النار) (٣) .
وقال: (اتفقت الإمامية على أن أصحاب البدع كلهم كفار، وأن على الإمام أن يستتيبهم عند التمكن بعد الدعوة لهم وإقامة البينات عليهم، فإن تابوا من بدعهم وصاروا إلى الصواب وإلا قتلهم لردتهم عن الإيمان، وإن من مات منهم على ذلك فهو من أهل النار) (٤) .
وقال شيخهم الطوسي: (ودفع الإمامة كفر كما أن دفع النبوة كفر لأن الجهل بهما على حد واحد) (٥) .
وقال المجلسي: (وقد وردت أخبار متواترة أنه لا يقبل عمل من الأعمال إلا بالولاية) (٦) .
_________________
(١) ابن المطهر الحلي: «الألفين»: ص٣.
(٢) «الأنوار النعمانية»: (٢/٢٧٩) .
(٣) «المسائل» عن «البحار»: (٨/٣٦٦) .
(٤) «أوائل المقالات»: ص ٥٣، وانظر: «البحار»: (٨/٣٦٦) .
(٥) «تلخيص الشافي»: (٤/١٣١)، وانظر: المجلسي: «البحار»: (٨/٣٦٨) .
(٦) «البحار»: (٨/٣٦٩) .
[ ١ / ٣١٧ ]
هذا تكفير عام لأمة محمد - ﷺ - وضع قواعده أعداؤها ومن علماء الشيعة من قال إن منكر الإمامة لا يكفر بل يفسق، ولكن قال إنه إذا مات فهو في النار، ولا يخالف في هذا أحد من الشيعة، ولكن هل يخلد في النار؟ اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال:
١- أنهم مخلدون.
٢- أنهم يخرجون من النار إلى الجنة.
٣- أنهم يخرجون من النار لعدم الكفر الموجب للخلود ولا يدخلون الجنة لعدم الإيمان المقتضي لاستحقاق الثواب (١) .
ورجح شيخهم المجلسي القول بالخلود، ورد على المنكرين من قومه فقال:
(القول بعدم خلودهم في النار نشأ من عدم تتبعهم للأخبار، والأحاديث الدالة على خلودهم متواترة أو قريبة منها، نعم الاحتمالان الأخيران - رقم ٢ - ٣ من الأقوال - آتيان في المستضعفين منهم (٢)، والقول بخروج غير المستضعفين من النار قول مجهول القائل نشأ بين المتأخرين الذين لا معرفة لهم بالأخبار ولا بأقوال القدماء الأخيار) (٣) .
هذا رأي الشيعة فيمن أنكر إمامة أئمتهم الاثني عشر وهو تكفير شنيع للمسلمين، وجرأة على الله في الحكم على عباده المؤمنين بالنار، وهكذا تجعل الشيعة «الجنة» وقفًا على من يؤمن بأئمتهم، والنار هي مصير من ينكرهم.
_________________
(١) انظر ابن المطهر الحلي «كشف المراد شرح تجريد الاعتقاد»: ص٤٢٣ -٤٢٤، «البحار»: (٨/٣٦٤، ٤٦٥) .
(٢) وهم - كما يقول المجلسي: (الضعفاء العقول مثل النساء العاجزات والبله وأمثالهم ومن لم يتم عليه الحجة ممن يموت في زمان الفترة أو كان في موضع لم يأت إليه خبر الحجة، فهم المرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم، فيرجى لهم النجاة من النار)، المجلسي: «البحار»: (٨/٣٦٣) .
(٣) «البحار»: (٨/٣٦٥) .
[ ١ / ٣١٨ ]
(ح) منزلة من آمن بهؤلاء الأئمة الاثني عشر (وهم الشيعة)
ثامنًا: منزلة من آمن بهؤلاء الأئمة الاثني عشر (وهم الشيعة):
كما يغالي الشيعة في تكفير المسلمين لأنهم لا يؤمنون بأئمتهم يغالون في بيان منزلة الشيعي الذي يؤمن بهؤلاء الأئمة، ورواياتهم في هذا الباب كثيرة جدًّا، فمن أبواب (البحار) في هذا الموضوع:
(باب أن الشيعة هم أهل دين الله وهم على دين أنبيائه وهم على الحق ولا يغفر إلا لهم ولا يقبل إلا منهم) (١) .
(باب فضل الرافضة ومدح التسمية بها) (٢) .
(باب الصفح عن الشيعة وشفاعة أئمتهم فيهم) (٣) وغيرها من أبواب.
ومن رواياتهم في هذا المعنى عن أبي حمزة قال: سمعت أبا جعفر يقول: (ما أحد من هذه الأمة يدين بدين إبراهيم إلا نحن وشيعتنا، ولا هدى من هُدِي من هذه الأمة إلا بنا ولا ضلّ من ضل من هذه الأمة إلا بنا) (٤) .
وقال أبو عبد الله: (شيعتنا أقرب الخلق من عرش الله (يوم القيامة) (٥) . وقال - كما يفترون - مخاطبًا الشيعة: (أنتم للجنة والجنة لكم، أسماؤكم عندنا الصالحون والمصلحون، وأنتم البرية، دياركم لكم جنة، وقبوركم لكم جنة، للجنة خلقتم، وفي الجنة
_________________
(١) المجلسي: «البحار»: (٦٨/٨٣- ٩٦) .
(٢) المصدر السابق: (٦٨/٩٦- ٩٨) .
(٣) المصدر السابق: (٦٨/١٤٩- ١٩٨) .
(٤) «الكافي» بشرحه للمازندراني: (١٢/٣٣١- ٣٣٢) .
(٥) المصدر السابق: (١٢/٣٠٥) .
[ ١ / ٣١٩ ]
نعيمكم، وإلى الجنة تصيرون) (١) .
وعن عبد الله بن ميمون عن أبي جعفر قال: (يا ابن ميمون كم أنتم بمكة؟ قال: نحن أربعة - أي من الشيعة - قال: إنكم نور في ظلمات الأرض) (٢) .
وقال علي - كما يزعمون -: (لقد مات رسول الله - ﷺ - وهو على أمته ساخط إلا الشيعة، ألا وإن لكل شيء عزًّا وعز الإسلام الشيعة، ألا وإن لكل شيء دعامة ودعامة الإسلام الشيعة، ألا وإن لكل شيء شرفًا وشرف الإسلام الشيعة، ألا وإن لكل شيء سيدًا وسيد المجالس مجالس الشيعة، ألا وإن لكل شيء إمامًا وإمام الأرض أرض تسلكها الشيعة، والله لولا ما في الأرض منكم ما رأيت بعين (عشبًا) أبدًا، والله لولا ما في الأرض منكم ما أنعم الله على أهل خلافكم ولا أصابوا الطيبات، ما لهم في الدنيا ولا لهم في الآخرة من نصيب) (٣) .
وفي «البحار» أن سماعة بن مهران قال لجعفر الصادق: (نحن شر الناس عند الناس لأنهم سمونا كفارًا ورافضة.. قال جعفر: كيف بكم إذا سيق بكم إلى الجنة وسيق بهم إلى النار؟.. إن من أساء منكم إساءة مشينا إلى الله تعالى يوم القيامة بأقدامنا فنشفع له فنشفّع، والله لا يدخل النار منكم ثلاثة رجال، والله لا يدخل النار منكم رجل واحد..) (٤) .
_________________
(١) «الكافي» بشرحه للمازندراني، كتاب الروضة: (١٢/٣٠٥) .
(٢) المجلسي: «البحار»: جـ ٦٨ ص ٣٩، وانظر: «رجال الكشي»: ص ٢١٢.
(٣) «الكافي» مع شرحه للمازندراني: (١٢/٢٧٠- ٢٧١) .
(٤) المجلسي: «البحار»: (٦٨/١١٧)، وانظر: «أمالي الطوسي»: (١/٣٠١) .
[ ١ / ٣٢٠ ]
وقد مضى ذكر بعض رواياتهم التي تعتبر غير الشيعة أولاد زنا (١) .
وجاءت بعض رواياتهم تقول إن غير الشيعة قردة وخنازير (٢) .
ويسمون أنفسهم الخاصة وغيرهم بالعامة (٣) .
هذه بعض مزاعمهم في "أنفسهم" وهي تشبه مزاعم اليهود والنصارى الذين قالوا - فيما حكى الله عنهم - (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى)، وقال سبحانه ردًا عليهم: (تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (٤) .
وتلك المزاعم من مثل زعم اليهود والنصارى، كما قال سبحانه عنهم: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) (٥) .
وهذه الدعاوى في أخبار الشيعة كانت ترتد بواقع الشيعة السّيء بالمقارنة بواقع المسلمين الآخرين حتى شكوا ذلك لأئمتهم. قال عبد الله بن يعفور لأبي عبد الله "ع": (إني أخالط الناس فيكثر عجبي من أقوام لا يتولونكم ويتلون فلانًا وفلانًا - أي أبو بكر
_________________
(١) انظر: ص ٣٠٣، هامش رقم ٢.
(٢) المجلسي: «البحار»: (٦٨/١١٨) .
(٣) وهذا شائع في كتبهم القديمة والمعاصرة.
(٤) البقرة: الآيتان ١١١، ١١٢.
(٥) المائدة: آية ١٨.
[ ١ / ٣٢١ ]
وعمر - لهم أمانة وصدق ووفاء، وأقوام يتولونكم ليس لهم تلك الأمانة ولا الوفاء والصدق..) (١) .
وقال عبد الله بن سنان قلت لأبي عبد الله: (جعلت فداك إني لا أرى بعض أصحابنا يعتريه النزق والحدة والطيش فأغتم لذلك غمًا شديدًا، وأرى من خالفنا فأراه حسن السيما وله وقار فأغتم لذلك..) (٢) .
ولهذا قال إمامهم موسى الكاظم: (.. لو امتحنتم - أي شيعته - لما وجدتهم إلا مرتدين ولو تمحصتم لما خلص من الألف واحد) (٣) .
٢ - عصمة الإمام (٤):
إن عصمة الإمام عند الشيعة قاعدة أساسية في الإمامة وهي من المبادئ الأولية في كيانهم العقدي (٥) ولها أهمية كبرى عندهم (٦) .
_________________
(١) «الكافي»: (١/٣٧٥)، وانظر: «تفسير العياشي»: (١/١٣٨)، «تفسير البرهان»: (١/٢٤٤)، «البحار»: (١٥/١٢٩) .
(٢) «الكافي»: (٢/١١) .
(٣) فروع الكافي - كتاب الروضة: ص ١٠٧، طبعة لكنوء ١٨٨٦م.
(٤) العصمة: في كلام العرب: المنع، وعصمة الله عبده: أن يعصمه مما يوبقه، واعتصم فلان بالله إذا امتنع به. «تهذيب اللغة»: مادة عصم: (٢/٥٤)، وهي في اصطلاح متكلمي الشيعة: لطف يفعله الله تعالى بالمكلف بحيث يمنعه من الوقوع في المعصية وترك الطاعة مع قدرته عليها. انظر: المفيد: «النكت الاعتقادية»: ص ٣١، وانظر: علي الجيلاني: «توفيق التطبيق»: ص ١٦.
(٥) الرافضي المعاصر: باقر شريف القرشي، «حياة الإمام موسى بن جعفر»: (١/١١١) .
(٦) الرافضي المعاصر: عبد الله فياض، «تاريخ الإمامية»: ص ١٥٧.
[ ١ / ٣٢٢ ]
وقد اتفقوا - كما يقول شيخهم المجلسي -: (على عصمة الأئمة ﵈ من الذنوب صغيرها وكبيرها، فلا يقع منهم ذنب أصلًا لا عمدًا ولا نسيانًا ولا لخطأ في التأويل ولا للإسهاء من الله سبحانه) (١) .
وإذا كان أهل السنّة يرون أن الأمة معصومة بكتاب ربها وسنّة نبيها (، فإن الشيعة ترى أن الأمة معصومة من الضلال بالإمام لأنه كالنبي - ﷺ - (٢)، والإمامة استمرار للنبوة (٣) .
وهذا المعنى ينافي حكمة الله في ختم النبوة.
والله سبحانه يقول: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) (٤) .
فلم يأمر الله سبحانه إلا بالرد إلى الله والرسول ولم يقل سبحانه والإمام، ولكن الشيعة ترى أن الإمام هو العاصم للأمة وتنفي أن يكون الكتاب والسنّة والإجماع هي معتصم الأمة من الضلال (٥) .
_________________
(١) المجلسي: «البحار»: (٢٥/٢١١)، وانظر: «أوائل المقالات»: ص ٢٧٦، و«شرح عقائد الصدوق»: ص ٢٥٤، (كلاهما للمفيد) وانظر: محمد رضا المظفر: «عقائد الإمامية»: ص ٩٥، وانظر: أحمد الاشتياني: «لوامع الحقائق في أصول العقائد»: (٢/٣) .
(٢) محمد رضا المظفر: «عقائد الإمامية»: ص ٩٥.
(٣) المصدر السابق: ص ٩٤.
(٤) النساء: آية ٥٩.
(٥) انظر: حسين بحر العلوم: «هامش تلخيص الشافي»: (١/١٨٤) .
[ ١ / ٣٢٣ ]
وإمام الشيعة قد اختفى منذ عام ٢٦٠هـ فهل الأمة منذ ذلك التاريخ غير معصومة؟!
قالوا أن الأمة تنتفع بالإمام وإن كان غائبًا كما تنتفع بالشمس إذا سترها سحاب (١) .
وهذا الجواب لا يقتنع به عاقل، ولهذا بحثوا عن أجوبة أخرى فزعموا أن لكبار علمائهم صلة بالمهدي (٢)، وادعوا أن من أرسل لمهديهم كتابًا على طريقة معينة أنه يصل إليه، وعقد المجلسي في «البحار» بابًا لهذا بعنوان: (باب كتابة الرقاع للحوائج إلى الأئمة صلوات الله عليهم) وفيه ١٣ حديثًا (٣) .
ولكن كل ذلك دعاوى لا سند لها من الشرع، ولا أثر لها في الواقع..
ومن أخطر الآثار العملية لدعوى العصمة اعتبارهم أن ما يصدر عن أئمتهم الاثني عشر هو كقول الله ورسوله، ولذلك فإن مصادرهم في الحديث تنتهي معظم أسانيدها إلى أحد الأئمة ولا تصل إلى رسول الله - ﷺ - - كما تقدم الإشارة إلى ذلك.
_________________
(١) وذلك في حديث لهم رواه شيخهم ابن بابويه القمي: «إكمال الدين»: ص ٢٠١.
(٢) انظر: ص ٢٦٧ من هذا الحديث.
(٣) المجلسي: «البحار»: جـ١٠٢ ص ٢٣١.
[ ١ / ٣٢٤ ]
والشيعة زعمت لأئمتها عصمة لم تتحقق لأنبياء الله ورسله كما يدل على ذلك صريح القرآن (١) والسنة (٢) وإجماع الأمة (٣) .
_________________
(١) فالقرآن الكريم يبين أن لا عصمة مطلقة، لبشر فهذا آدم ﵇ أبو البشر قد عصى ربه فغوى كما يقول القرآن العظيم: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (*) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى) [طه: الآيتان: ١٢١- ١٢٢] ولو كان آدم معصومًا كالعصمة المزعومة للأئمة ما عصى ربه هو تأويل الشيعة لهذا بقولهم: (إنما عصى حين صرف عنه وجه العصمة) «جوامع الكلم»: (١/٢٦) عن «فقه الشيعة»: ص ٢٩. يمكن أن يقال هذا في أي إنسان يعصي وتصبح النتيجة أن كل إنسان معصوم وإنما يخطئ حين يصرف عنه وجه العصمة، وليس الأمر كذلك، وآدم ﵇ اعتبر هذا الذنب من الظلم الذي تعتبره الشيعة مضادًا للعصمة (قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [الأعراف: ٢٣] وإذا لم يكن هذا ذنبًا فلم حاسبه الله سبحانه وعاقبه بإخراجه من الجنة واعتبر عمله ظلمًا؟ (وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (*) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) [البقرة: من الآية ٣٥، والآية ٣٦] فهذه الآيات تنفي عن آدم العصمة المطلقة فكيف يزعمونها لأئمتهم؟ ولكن الشيعة - كما مر - تزعم أن أئمتهم أفضل من الرسل جميعًا ما عدا رسول الله - ﷺ -!! هذا والله جل شأنه كما بين في أكثر من موضع من القرآن لم يقر الرسول - ﷺ - على أخطاء وقع فيها وهو أفضل الخليفة، وهو ما ينفي دعوى العصمة المطلقة، فمن ذلك قوله سبحانه: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم ([الأنفال: ٦٧] وقال سبحانه: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ([التوبة: ٤٣] وقال: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ) [الأحزاب: ٣٧] ويقول جل شأنه: (عَبَسَ وَتَوَلَّى (*) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (*) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (*) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (*) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (*) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (*) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (*) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (*) وَهُوَ يَخْشَى (*) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى) [عبس: ١- ١٠] ويذكر سبحانه في آيات كريمة أن له (ذنوبًا قال تعالى: (فَاصْبِرْ ⦗٣٢٦⦘ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ) [غافر: ٥٥] وقال سبحانه: (وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (*) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ) [الانشراح: ٢- ٣] هذا في حق أفضل الخلق فكيف أئمة الشيعة؟!
(٢) في شواهد كثيرة كقوله - ﷺ -: «إنما أنا بشر وأنه يأتيني الخصم فلعل بعضهم أن يكون أبلغ من بعض فأحسب أنه صادق فأقضي له فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليحملها أو يذرها» «صحيح مسلم»، كتاب الأقضية: (٥/١٢٩) .
(٣) فقد (اتفق المسلمون على أنهم معصومون فيما يبلغونه عن الله، فلا يقرون على سهو فيه وبهذا يحصل المقصود من البعثة) «المنتقى»: ص ٨٤- ٨٥، وانظر: «الإحكام في أصول الأحكام»: (١/١٧٠)، وقال فخر الدين الرازي بعد ذكره للأقوال المختلفة حول عصمة الأنبياء: (والذي نقول أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون في زمن النبوة من الكبائر والصغائر بالعمد، أما على سبيل السهو فهو جائز) «عصمة الأنبياء»: ص ٤٠.
[ ١ / ٣٢٥ ]
فهي دعوى غريبة على الأصول الإسلامية، ولهذا نتساءل كيف نشأت فكرة "العصمة" عند الشيعة؟ لا شك أنها امتداد لفكرة الإمامة لكن لم نر فكرة العصمة ضمن الآراء السبئية - كما رأينا الإمامة بمفهومها الخاص عند الشيعة (١) - فهي قد ولدت فيما بعد، وأشار بعض الباحثين إلى احتمال أن فكرة العصمة قد بدأت عند الشيعة في عصر جعفر الصادق، أي في النصف الأول من القرن الثاني (٢) .
أما الذي تولى كبر وضعها فيقول الشيخ محب الدين الخطيب: (وأول من اخترع لهم هذه العقيدة الضالة خبيث يسميه المسلمون «شيطان الطاق» وتسميه الشيعة «مؤمن آل محمد»، واسمه
_________________
(١) وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أنها من آراء ابن سبأ. «الفتاوى»: (٤/٥١٨) .
(٢) انظر: دونلدسن «عقيدة الشيعة»: ص ٣٢٩، محمود صبحي: «نظرية الإمامة»: ص ١٣٤.
[ ١ / ٣٢٦ ]
محمد بن علي بن النعمان الأحول (١» (٢) .
ومن المتصور أن مثل فكرة العصمة تنشأ وتشيع في ظل الحالة النفسية التي يعيشها الشيعة.. من حقد مكبوت على الحكم القائم، ومحاولة إلصاق المساوئ به، وبالجانب الآخر غلو في آل البيت وفي الحديث عن فضائلهم وما جرى عليهم من محن وأنهم الأحق بالحكم.
في مثل هذا الجو تولد مثل هذه الأفكار في خضم أحاديثهم عن فضائل أهل البيت، ومساوئ الحكم القائم.
ويبدو أن فكرة العصمة قد مرت بأطوار مختلفة أو أن الشيعة قد اختلفت عقائدهم في تحديدها - في أول الأمر - فمثلًا في عصر أبي جعفر بن بابويه القمي (٣) (ت ٣٨١هـ) وشيخه محمد بن الحسن القمي (٤) كان رأي جمهور الشيعة أن أول درجة في الغلو
_________________
(١) محمد بن علي بن النعمان بن أبي طريفة البجلي بالولاء، أبو جعفر الأحول الكوفي الملقب بشيطان الطاق، من غلاة الشيعة، تنسب له طائفة من الشيعة تسمى "الشيطانية" وسماها الشهرستاني "النعمانية"، وقد صنف للرافضة كتبًا كثيرة.. ويزعم الشيعة أنه من أصحاب جعفر الصادق.. توفي في حدود سنة ١٦٠هـ وقيل غير ذلك. انظر: الطوسي: «الفهرست»: ص ١٥٧، ١٥٨، الشهرستاني: «الملل والنحل»: (١/١٨٦- ١٨٧)، الصفدي: «الوافي بالوفيات»: (٤/١٠٤- ١٠٥) .
(٢) مجلة الفتح المجلد ١٨ ص ٢٧٧.
(٣) مرت ترجمته في مصادر الشيعة في الحديث ص ٢٧٠.
(٤) محمد الحسن بن الوليد القمي من كبار شيوخ الشيعة، له كتب منها، كتاب «الجامع» وكتاب «التفسير» . توفي سنة ٣٤٣هـ. انظر: الطوسي: «الفهرست»: ص ١٨٤، «جامع الرواة»: (٢/٩٦) .
[ ١ / ٣٢٧ ]
هي نفي السهو عن النبي - ﷺ - (١)، فكانوا يعدون من ينفي السهو عن النبي من الشيعة الغلاة، ولكن تبدلت الحال بعد ذلك وأصبح نفي السهو عن الأئمة من ضرورات مذهبهم، ولا شك أن نفي السهو والنسيان عن الأئمة هو خروج بهم إلى منزلة من لا تأخذه سنة ولا نوم، وقد كانت العصمة - بهذه الصورة الغالية من نفي السهو والنسيان عن الأئمة - معتقد فئة شيعية مجهولة في الكوفة، ففي «البحار» للمجلسي (أنه قيل للرضا - إمام الشيعة الثامن - إن في الكوفة قومًا يزعمون أن النبي صلى الله عليه وآله لم يقع عليه السهو في صلاته، فقال: كذبوا لعنهم، الله إن الذي لا يسهو هو الله لا إله إلا هو) (٢) .
فهذا يدل على أن عقيدة نفي السهو كانت معتقد قوم غير معينين لشذوذهم في هذا الاعتقاد، وأنهم كانوا ينفون السهو عن النبي الذي هو أفضل الأئمة ولم يقولوا بذلك للأئمة، ثم تطور هذا الاعتقاد ليشمل أئمة الشيعة الاثني عشر وليعم طائفة الشيعة الإمامية كلها كما سنوضح ذلك فيما بعد (٣) .
وكان معتقد العصمة من أسباب نشوء عقيدة البداء والتقية - كما سيأتي - ذلك أن واقع الأئمة لا يتفق بحال ودعوى عصمتهم، فإذا حصل اختلاف وتناقض في أقوالهم قالوا هذا بداء أو تقية، كما اعترف
_________________
(١) انظر: «شرح عقائد الصدوق» للمفيد: ص ١٦٠، ٢٦١، (ملحق بكتاب أوائل المقالات) .
(٢) «البحار»: (٢٥/٣٥٠) .
(٣) في مبحث آراء دعاة التقريب في العصمة.
[ ١ / ٣٢٨ ]
بهذا بعض الشيعة (١) .
وقد نقل الشيعة في دواوينهم في الحديث أخبارًا عن أئمتهم تنفي هذه العصمة المطلقة التي يزعمها، فهذا أبو عبد الله جعفر الصادق يقول - لما ذكر له السهو -: (أو ينفلت من ذلك أحد؟ ربما أقعدت الخادم خلفي يحفظ عليّ صلاتي) (٢) .
وجاء في الصحيفة السجادية أن من دعاء علي بن الحسين: (اللهم لك الحمد على سترك بعد علمك.. فكلنا قد اقترف العائبة فلم تشهره وارتكب الفاحشة فلم تفضحه.. كم نهي لك قد أتيناه، وأمر قد وقفتنا عليه فتعديناه، وسيئة اكتسبناها، وخطيئة ارتكبناها..) (٣) .
فهو لم يدع لنفسه دعوى الشيعة فيه، بل يعترف بالذنب ويقر بالخطيئة، وهذا تنقله كتب الشيعة نفسها.
ومن يتتبع أخبارهم وأحاديثهم يجد مجموعة كبيرة منها تناقض دعواهم في عصمة أئمتهم.
وقد أقر عالمهم المجلسي بوجود كثير من الأخبار في كتبهم تناقض دعوى نفي السهو عن الأئمة، ولذا قال: (المسألة في غاية الإشكال لدلالة كثير من الأخبار والآيات على صدور السهو عنهم وإطباق الأصحاب
_________________
(١) وهو سليمان بن جرير والذي ترك مذهب الإمامية وتبعه جماعة على ذلك، لأنه رأى أن عقيدة البداء والتقية هي حيلة من الشيعة لتغطية اختلافاتهم وتثبيت مزاعمهم في الأئمة من العصمة وغيرها. وقد اعتنق مذهب الزيدية وإليه تنسب فرقة الجريرية أو السليمانية من الزيدية كما سبق في بحث الزيدية وسيأتي نص كلامه في مبحثي البداء والتقية.
(٢) «البحار»: (٢٥/٣٥١) .
(٣) «الصحيفة السجادية»: ص ١٨٤.
[ ١ / ٣٢٩ ]
إلا من شذ منهم على عدم الجواز..) (١) .
وهذا اعتراف من المجلسي بأن إجماع الشيعة على عصمة أئمتهم بإطلاق؛ يصادم رواياتهم. وهذا دليل على أنهم يجمعون على ضلاله، وعلى غير دليل حتى من كتبهم
٣- التقية (٢):
يعرف المفيد التقية عندهم بقوله: (التقية كتمان الحق وستر الاعتقاد فيه ومكاتمة المخالفين وترك مظاهرتهم بما يعقب ضررًا في الدين أو الدنيا) (٣) .
وعرفها أحد علمائهم المعاصرين بقوله: (التقية.. أن تقول أو تفعل غير ما تعتقد لتدفع الضرر عن نفسك أو مالك أو لتحتفظ بكرامتك) (٤) .
وهذا التعريف للتقية لا ينطبق على حالات التقية عندهم، وسنرى أنهم يقولون بالتقية في غير مجال الضرورة والحاجة الشرعية.
إن التقية التي هي في الإسلام رخصة عند الضرورة العارضة (٥)
_________________
(١) «البحار»: (٢٥/٣٥١) .
(٢) اتَّقَيْتُ الشيء وتَقَيْتُه أتَّقيه تُقى وتَقيَّة وتقاء ككساء حَذرْتُه. انظر: «القاموس المحيط»: مادة وقى.
(٣) المفيد: «شرح عقائد الصدوق»: ص ٢٦١ (ملحق بكتاب أوائل المقالات) .
(٤) محمد جواد مغنية: «الشيعة في الميزان»: ص ٤٨.
(٥) يدل على ذلك قوله سبحانه: (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان.. الآية ([النحل: ١٠٦]، وقوله سبحانه: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد ([آل عمران: ٢٨] .
[ ١ / ٣٣٠ ]
وليست من أصول الدين المتبعة - هي عند الشيعة من أُسس عقائدها وركائز إيمانها.. بل غالوا في قيمتها حتى قالوا - في حديث لهم عن أبي عبد الله - أن تسعة أعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له (١) .
فهذا النص يسنده الشيعة إلى أبي عبد الله جعفر الصادق المولود سنة ٨٠ والمتوفى سنة ١٨٤، أي الذي عاش في فترة عز الإسلام والمسلمين، فأي حاجة إلى التقية في ذلك الزمن إلا إذا كان الدين المتقي به غير الإسلام؟ (٢) .
ومن العجيب أن تجعل الشيعة التقية تسعة أعشار الدين فماذا بقي لأركان الدين من قيمة بعد ذلك؟.
بل إنهم يجعلون تارك التقية لا دين له وهذا نهاية في الغلو. فعن أبي عبد الله "ع" قال: (اتقوا الله في دينكم فاحجبوه بالتقية، فإنه لا إيمان لمن لا تقية له..) (٣) .
وكذلك يروي الكليني عن أبي جعفر المولود بالمدينة سنة ٥٧ والمتوفى سنة ١١٤ - أي في العصر الذهبي للإسلام وفي خير القرون وأفضل البقاع - أنه يقول: (التقية من ديني ودين آبائي، ولا إيمان لمن لا تقية له) (٤) .
_________________
(١) «الكافي»: (٢/٢١٧) .
(٢) يرى بعض السلف أنه لا تقية بعد أن أعز الله الإسلام، قال معاذ بن جبل ومجاهد: كانت التقية في جدّة الإسلام قبل قوة المسلمين، أما اليوم فقد أعز الله المسلمين أن يتقوا من عدوهم. انظر: «تفسير القرطبي»: (٤/٥٧)، وانظر: «فتح القدير»: (١/٣٣١) فكيف ممن يرى وجوبها في عز الإسلام؟.
(٣) «الكافي»: (٢/٢١٨) .
(٤) المصدر السابق: (٢/٢١٩) .
[ ١ / ٣٣١ ]
ويقول: (خالطوهم بالبرانية وخالفوهم بالجوانية إذا كانت الإمرة صبيانية) (١) .
ويهتم الكليني (ت ٣٢٩ أو ٣٢٨) بأمر التقية ويعقد لها بابًا خاصًا بعنوان: (باب التقية)، ويضعه ضمن كتاب الإيمان والكفر. وهذا دليل علي أن الكليني يرى أن ترك التقية كفر كما أن فعلها إيمان، وقد ذكر الكليني في باب التقية ٢٣ حديثًا لهم (٢) .
ثم أردف باب التقية بباب آخر يدخل في معنى التقية وهو (باب الكتمان)، وذكر فيه ١٦ حديثًا (٣) تأمر الشيعة بكتمان دينهم، ومن هذه الأحاديث: قول أبي عبد الله - كما يفترون - لسليمان بن خالد: (يا سليمان إنكم على دين من كتمه أعزه الله ومن أذاعه أذله الله) (٤) .
وقال أبو جعفر: (لا تبثوا سرنا ولا تذيعوا أمرنا..) (٥) .
وقال أبو عبد الله: (يا معلي - راوي الخبر - اكتم أمرنا ولا تذعه، فإنه من كتم أمرنا ولم يذعه أعزه الله به في الدنيا وجعله نورًا بين عينيه في الآخرة يقوده إلى الجنة، يا معلي من أذاع أمرنا ولم يكتمه أذله الله به في الدنيا ونزع النور من بين عينيه في الآخرة وجعله ظلمة تقوده إلى النار، يا معلي إن التقية من ديني ودين آبائي
_________________
(١) المصدر السابق: (٢/٢٢٠)، و"البرانية" هي "العلانية"، والجوانية هي السر والباطن. «هامش الكافي»: (٢/٢٢٠- ٢٢١) .
(٢) «الكافي»: (٢/٢١٧- ٢٢١) .
(٣) المصدر السابق: (٢/٢٢١- ٢٢٦) .
(٤) المصدر السابق: (٢/٢٢٢) .
(٥) المصدر السابق: (٢/٢٢٢) .
[ ١ / ٣٣٢ ]
ولا دين لمن لا تقية، يا معلي إن المذيع لأمرنا كالجاحد له) (١) .
وفي حديث لهم يقول: (.. وكتمانه لسرنا جهاد في سبيل الله) (٢) .
ثم يعقد الكليني بعد باب الكتمان بأبواب كثيرة (٣) بابًا في موضوع التقية أيضًا بعنوان: "باب الإذاعة"، ويذكره ضمن كتاب الكفر والإيمان أيضًا ويضمنه ١٢ حديثًا (٤) تحذر من إذاعة أمرهم وتأمر بكتمانه والتقية فيه، منها قول: أبي عبد الله: (من أذاع علينا حديثنا سلبه الله الإيمان) (٥) .
وقال: (مذيع السر شاك، وقائله عند غير أهله كافر) (٦) .
قال شارح «الكافي» في تفسير النص الأخير: (كأن المعنى مذيع السر عند من لا يعتمد عليه من الشيعة شاك.. ويمكن حمله على الأسرار التي لا تقبلها عقول عامة الخلق) (٧) .
وهذا يدل على أن هناك كتمانًا وتقية من علماء الشيعة لعامتهم.
وقد ذكرت كتب الشيعة مشروعية التقية والكتمان لكثير من أخبارهم وعقائدهم حتى وإن كان السامع من شيعهم، لعدم تحمل عقول كثير من الناس وقلوبهم لها فيدعوهم هذا لكره المذهب
_________________
(١) «الكافي»: (٢/٢٢٤) .
(٢) «الكافي»: (٢/٢٢٦) .
(٣) عددها ٦١ بابًا.
(٤) «الكافي»: (٢/٣٦٩- ٣٧٢) .
(٥) «الكافي»: (٢/٣٧٠) .
(٦) «الكافي»: (٢/٣٧١- ٣٧٢) .
(٧) «هامش الكافي»: (٢/٣٧٢) .
[ ١ / ٣٣٣ ]
والنفور منه، وهذا من باب التقية عندهم وإن اختلف الدافع له والغرض منه، وأنه قد يستعمل حتى مع نبي قومهم.
ففي «الكافي»: (باب فيما جاء أن حديثهم صعب مستصعب) وذكر فيه خمس روايات لهم (١) .
وفي «البحار» للمجلسي جاء هذا الباب بعنوان: (باب أن حديثهم ﵈ صعب مستصعب وأن كلامهم ذو وجوه كثيرة، وفضيلة التدبر في أخبارهم ﵈ والتسليم لهم والنهي عن رد أخبارهم) وفيه (١١٦) حديثًا (٢) .
ومن هذه الروايات التي يذكرونها في هذا الباب: (إن حديثنا تشمئز منه القلوب، فمن عرف فزيدوهم ومن أنكر فذروهم) (٣) .
وعن سفيان السمط قال: قلت لأبي عبد الله ﵇: (جعلت فداك إن رجلًا يأتينا من قبلكم يعرف بالكذب فيحدث بالحديث فنستبشعه، فقال أبو عبد الله: يقول لك إني قلت لليل أنه نهار أو للنهار أنه ليل، قال: لا، قال: فإن قال لك هذا إني قلته فلا تكذب به فإنك إنما تكذبني) (٤) .
وهذا يدل على أن من الشيعة من يستبشع رواياتهم ولكن يلزمون بالإيمان الأعمى بها.
_________________
(١) «الكافي»: (١/٤٠١- ٤٠٢) .
(٢) «البحار»: (٢/١٨٢- ٢١٢) .
(٣) «البحار»: (٢/١٩٢) .
(٤) «البحار»: (٢/٢١١- ٢١٢) .
[ ١ / ٣٣٤ ]
وعن جابر الجعفي قال: قال أبو جعفر "ع": قال رسول الله - ﷺ -: (إن حديث آل محمد صعب مستصعب لا يؤمن به إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان..) (١) .
هذه صورة لعقيدة التقية في أهم كتب الشيعة (٢) .
ولا شك أن أسرارهم قد انكشفت حتى عقيدة التقية قد انكشف أمرها، والسبب هم الشيعة أنفسهم، ولهذا جاءت بعض نصوصهم تصف الشيعة بـ "النزق وقلة الكتمان" (٣) .
ولكن الأثر العملي للتقية لا يزال يؤدي دوره الخطير في جوانب عديدة منها:
أولًا: أن عقيدة التقية استغلها دعاة التفرقة بين الأمة، والزنادقة المتسترون بالتشيع استغلوها لإبقاء الخلاف بين المسلمين. وذلك برد الأحاديث الصحيحة في معناها التي وردت عن الأئمة ووافقت ما عند الأمة وروتها كتب الشيعة نفسها ردها، بحجة أنها تقية لموافقتها لما عند أهل السنّة، فإذا جاء حديث يثني على الصحابة قالوا: إن هذا تقية، وإقرار أئمتهم بالخلافة القائمة في عصرهم يقولون: إنه تقية، وصلح الحسن هو عندهم تقية وهكذا، فضلًا عن الفروع الفقهية إذْ يردون الأحاديث التي توافق ما عليه أهل السنّة وتخالف شذوذهم - يردونها بحجة التقية لأنها وافقت إجماع المسلمين.
_________________
(١) «الكافي»: (١/٤٠١) .
(٢) وقد خصها بعض شيوخهم بتأليف مستقل، وفي «الذريعة إلى تصانيف الشيعة» ذكر ١٦ كتابًا لهم باسم التقية. «الذريعة»: (٤/٤٠٣- ٤٠٥) .
(٣) «الكافي»: (١/٢٢٢) .
[ ١ / ٣٣٥ ]
ومن الأمثلة لتأثير التقية العملي عندهم أنهم قالوا عن تزويج علي - ﵁ - ابنته أم كلثوم من عمر بن الخطاب (- تلك التي هي من أقوى الدلائل على كمال الحب والولاء بين الصحب والآل - قالوا: إن هذا من باب التقية، فقد عقد عالمهم الحر العاملي في "وسائل الشيعة" بابًا في هذا بعنوان: (باب جواز مناكحة الناصب عند الضرورة والتقية) ومما جاء فيه:
عن أبي عبد الله (في تزويج أم كلثوم فقال: (إن ذلك فرج غصبناه) (١) .
كما أورد في هذا الباب تزويج رسول الله - ﷺ - ابنتيه لعثمان (وعده من باب التقية. قال أبو جعفر: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله زوج منافقين: أبا العاص بن الربيع، وسكت عن الآخر (٢» (٣) . أي لم يصرح الإمام باسم عثمان تقية وخوفًا.
هذا مجرد مثال والأمثلة كثيرة سيأتي بعض منها أيضًا في فصل (هل من طريق للتقريب؟) .
وهكذا جعلوا عقيدة التقية منفذًا للغلو والغلاة ووسيلة وضعها أعداء الأمة للنأي بالشيعة عن جماعة المسلمين.
ثانيًا: إنهم جعلوا عقيدة التقية هي المخرج من الاختلاف
_________________
(١) الحر العاملي: «وسائل الشيعة»: (٧/٤٣٣) عن «فروع الكافي»: (٢/١٠) .
(٢) أي سكت عن ذكر اسم الآخر، وهو عثمان (من باب التقية واكتفى بالإشارة إليه.
(٣) الحر العاملي: «وسائل الشيعة»: (٧/٤٣٤- ٤٣٥)، وانظر: «السرائر»: ص ٤٧٥.
[ ١ / ٣٣٦ ]
والتناقض في أخبارهم وأحاديثهم، فإن ظاهرة التناقض في أحاديثهم كانت من أقوى الدلائل على أنها من عند غير الله (١)، ولهذا كان ذلك الاختلاف الكثير في أخبارهم من أسباب ترك بعض الشيعة للتشيع كما اعترف بذلك الطوسي (٢) .
ثالثًا: أنهم قالوا بعصمة الأئمة وأنهم لا ينسون ولا يسهون ولا يخطئون مع أن الناس حفظوا عنهم ما يخالف ذلك وينافي عصمتهم، فقالوا بالتقية للمحافظة على دعوى عصمة الأئمة، تلك العصمة التي بسقوطها تسقط قيمة أقوالهم وبالتالي يسقط مذهب الشيعة، ولهذا قال سليمان بن جرير: (إن أئمة الرافضة وضعوا لشيعتهم مقالتين لا يظهرون معهما من أئمتهم على كذب أبدًا وهما: القول بالبداء وإجازة التقية) (٣) .
رابعًا: جعلت التقية وسيلة للكذب على الأئمة، فيردون - مثلًا - كلام الإمام الباقر أو جعفر الصادق الذي سمعه مجموعة من الناس بحجة أنه قد حضره بعض السنّة فاتقى في كلامه، ويقبلون ما ينقله الكذبة أمثال جابر الجعفي بحجة أنه لم يحضر مجلسه أحد يتقيه، فما ينقله غلاة الروافض والزنادقة عن أئمة أهل البيت مقبول عندهم، وما ينقله العدول من المسلمين مردود بدعوى التقية.
_________________
(١) كما يدل على ذلك قوله تعالى: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا ([النساء: ٨٢] .
(٢) الطوسي: «التهذيب»: (١/٣) .
(٣) سعد القمي: «المقالات والفرق»: ص ٧٨، النوبختي: «فرقة الشيعة»: ص ٥٥، الشهرستاني: «الملل والنحل»: (١/١٦٠)، الرازي: «محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين»: ص ٢٤٩.
[ ١ / ٣٣٧ ]
فمثلًا الإمام زيد بن علي وهو من أهل البيت يروي عن علي - ﵁ - - كما تذكره كتب الشيعة نفسها - أنه غسل رجليه في الوضوء، ولكن عالم الشيعة الطوسي يرد هذه الرواية ويزعم أنها من باب التقية. استمع إلى نص الرواية: عن زيد بن علي عن آبائه عن علي - ﵁ - قال: (جلست أتوضأ فأقبل رسول الله - ﷺ - حين ابتدأت الوضوء فقال لي: تمضمض واستنشق واستن (١)، ثم غسلت ثلاثًا فقال: قد يجزيك من ذلك المرتان، فغسلت ذراعي ومسحت برأسي مرتين، فقال: قد يجزيك من ذلك المرة، وغسلت قدمي، فقال لي: يا علي خلل بين الأصابع لا تخلل بالنار) (٢) .
قال الطوسي: (فهذا خبر موافق للعامة - يعني أهل السنّة لأن مذهبهم غسل الرجلين - وقد ورد مورد التقية، لأن المعلوم الذي لا يتخالج منه الشك من مذاهب أئمتنا ﵈ القول بالمسح على الرجلين - ثم قال: إن رواة هذا الخبر كلهم عامة ورجال الزيدية وما يختصون بروايته لا يعمل به) (٣) .
هكذا ترد النصوص التي تتفق مع مذهب أهل السنّة تحت ستار التقية حتى وإن كان الراوي من أئمة أهل البيت.
خامسًا: انبثق من خلال عقيدة التقية: مبدأ أن ما خالف العامة - أي أهل السنّة - هو الحق، حتى إنهم جعلوا من معالم التعرف على الحق - في نظرهم - عند اختلاف رواياتهم معرفة ما عليه أهل السنّة
_________________
(١) الاستنان: استعمال السواك.
(٢) «الاستبصار»: (١/٦٥- ٦٦) باب وجوب المسح على الرجلين.
(٣) المصدر السابق.
[ ١ / ٣٣٨ ]
وأن يكون مجتهدهم على دراية بذلك ليتسنى له الأخذ بخلافه، فإذا اختلفت أحاديثهم فالحق هو ما فيه خلاف العامة، وإذا أفتى عالم أهل السنّة بفتوى فالحق في خلافها.
ففي «البحار» عن علي بن أسباط قال: قلت للرضا "ع": (يحدث الأمر لا أجد بدًّا من معرفته وليس في البلد الذي أنا فيه أحد أستفتيه من مواليك، قال: فقال ﵇: ائت فقيه البلد - يعني من أهل السنّة - فاستفته في أمرك، فإن أفتاك بشيء فخذ بخلافه فإن الحق فيه) (١) .
وفي «البحار» أيضًا قال أبو عبد الله "ع": (إذا ورد عنكم حديثان مختلفان فخذوا بما خالف القوم) (٢) .
وهكذا أراد مؤسسو هذا المذهب الانفصال عن جماعة المسلمين والنأي بالشيعة عن حقيقة الإسلام، ولهذا حملوا كل ما في مذهبهم من نصوص توافق الأمة - حملوها على التقية وجعلوا علامة إصابة الحق تتمثل في مخالفة العامة - أهل السنّة -.
٤- الرجعة (٣):
هي عندهم: (رجعة كثير من الأموات إلى الدنيا قبل يوم
_________________
(١) «البحار»: (٢/٢٣٣) عن عيون أخبار الرضا، وعلل الشرائع.
(٢) «البحار»: (٢/٢٣٣) .
(٣) الرجعة: في اللغة: بفتح الراء اسم الفعل رجع، تقول رجع رجعة، وتعني الرجوع مرة. انظر: الرازي: «الزينة»: ص ٣١٢، «مجمع البحرين» مادة رجع: (٤/٣٣٤)، «القاموس المحيط» مادة رجع: (٣/٢٨) .
[ ١ / ٣٣٩ ]
القيامة) (١) وعودتهم إلى (الحياة بعد الموت) (٢)، قبل ذلك اليوم الموعود يرجعون (في صورهم التي كانوا عليها) (٣) .
والراجعون إلى الدنيا - كما يعتقدون -: (فريقان: أحدهما: من علت درجته في الإيمان.. والآخر من بلغ الغاية في الفساد) (٤) .
وزمن الرجوع هو: (عند قيام مهدي آل محمد ﵈) (٥) .
والغرض من الرجعة عندهم هو انتقام المهدي ومن معه من أعدائهم (٦)، وعلى رأس الأعداء حسب معتقدهم خليفتا رسول الله وصاحباه وحبيباه وصهراه ومن أقاما دولة الإسلام بعده: أبو بكر وعمر ﵄ (٧) .
وقد جاء في كتبهم روايات وحكايات كثيرة عن المجازر الدموية التي تجري في هذه الرجعة (٨) .
_________________
(١) المفيد: «أوائل المقالات»: ص ٥١.
(٢) الحر العاملي: «الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة»: ص ٢٩.
(٣) المفيد: «أوائل المقالات»: ص ٩٥.
(٤) المصدر السابق: ص ٩٥.
(٥) المصدر السابق: ص ٩٥، وانظر: الحر العاملي: «الإيقاظ من الهجعة»: ص ٥٨.
(٦) انظر: الحر العاملي: «الإيقاظ من الهجعة»: ص ٥٨.
(٧) جاء في «مختصر التحفة»: ص ٢٠١، قال الشريف المرتضي في «المسائل الناصرية» (أن أبا بكر وعمر يصلبان على شجرة زمن المهدي..)، وسيأتي إقرار أحد شيوخهم المعاصرين بذلك في مبحث: آراء دعاة التقريب في الرجعة.
(٨) فمثلًا في «الإرشاد» للمفيد عن أبي عبد الله "ع" قال: (إذا قام القائم من آل محمد صلوات الله عليهم أقام خمسمائة من قريش فضرب أعناقهم، ثم أقام خمسمائة فضرب أعناقهم، ثم خمسمائة أخرى حتى يفعل ذلك ست مرات، قلت - أي =
[ ١ / ٣٤٠ ]
وعقيدة الرجعة من أصول المذهب الشيعي، فمن رواياتهم: (ليس منا من لم يؤمن بكرتنا) (١) وأجمعوا على الاعتقاد بها.
يقول المفيد: (واتفقت الإمامية على وجوب رجعة كثير من الأموات) (٢) .
ويقول الحر العاملي: أنها موضع (إجماع جميع الشيعة الإمامية) (٣) وأنها (من ضروريات مذهب الإمامية) (٤)، ويقول: (إنا مأمورون بالإقرار بالرجعة واعتقادها وتجديد الاعتراف بها في الأدعية والزيارات ويوم الجمعة وكل وقت، كما أننا مأمورون بالإقرار في كثير من الأوقات بالتوحيد والنبوة والإمامة والقيامة) (٥)، واعترافات علمائهم بأن عقيدة الرجعة محل الإجماع والتواتر في مذهبهم كثيرة (٦) وخصها بعضهم بمؤلفات (٧)، وأحصى بعضهم رواياتهم فيها بأنها أكثر من مائتي حديث في أكثر من خمسين كتابًا من كتبهم المعتبرة عندهم (٨) .
_________________
(١) = الراوي -: ويبلغ عدد هؤلاء هذا؟ قال: نعم، منهم ومن مواليهم) «الإرشاد»: ص ٤١١، ومثل ذلك ورد في كتاب «الغيبة» للنعماني: ص ١٢٣.
(٢) ابن بابويه القمي: «من لا يحضره الفقيه»: (٢/١٢٨)، الحر العاملي: «الوسائل»: (٧/٤٣٨)، «تفسير الصافي»: (١/٣٤٧) .
(٣) المفيد: «أوائل المقالات»: ص ٥١.
(٤) الحر العاملي: «الإيقاظ من الهجعة»: ص ٣٣.
(٥) المصدر السابق: ص ٦٠.
(٦) المصدر السابق: ص ٦٤.
(٧) انظر: عبد الله شبر «حق اليقين»: (٢/٢)، وإبراهيم الموسوي الزنجاني: «عقائد الاثني عشرية»: ص ٢٣٩ وما بعدها، «الشيعة والرجعة» محمد رضا النجفي: ص ١٤ وما بعدها.
(٨) ذكر صاحب «الذريعة إلى تصانيف الشيعة» منها ٢٩ كتابًا، «الذريعة» حرف "الراء".
(٩) عبد الله شبر: «حق اليقين»: (٢/٢) .
[ ١ / ٣٤١ ]
(وهذه العقيدة مخالفة صريحة للكتاب، فإن - الرجعة - قد أُبطلت في آيات كثيرة منها قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (*) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (١)، وقوله سبحانه: (ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون (صريح في نفي الرجعة مطلقًا) (٢) .
إذن كيف ومتى دخلت هذه العقيدة إلى الشيعة؟
يرى بعض الباحثين أنها تسربت عن طريق المؤثرات اليهودية والمسيحية (٣)، ودخلت التشيع عن طريق عبد الله بن سبأ اليهودي.
وقد يكون الهدف منها إضعاف الإيمان باليوم الآخر (٤) .
وقد قال ابن سبأ برجعة محمد - ﷺ - (٥)، ثم تحول إلى القول برجعة علي وقال - لما بلغه نعي علي - للذي نعاه: (كذبت لو جئتنا بدماغه في سبعين صرة وأقمت على قتله سبعين عدلًا لعلمنا أنه لم يمت ولم يقتل، ولا يموت حتى يملك الأرض) (٦) .
_________________
(١) المؤمنون: آية ١٠٠.
(٢) انظر: «مختصر التحفة»: ص ٢٠١.
(٣) جولد سيهر: «العقيدة والشريعة»: ص ٢١٥. ويقول أحمد أمين: (وفكرة الرجعة هذه أخذها ابن سبأ من اليهودية، فعندهم أن النبي إلياس صعد إلى السماء وسيعود فيعيد الدين والقانون، ووجدت الفكرة في النصرانية أيضًا، وتطورت هذه الفكرة عند الشيعة إلى العقيدة باختفاء الأئمة..) «فجر الإسلام»: ص ٢٧٠. وانظر: محمد عمارة: «الخلافة»: ص ١٥٩.
(٤) انظر: السكسنكي: «البرهان»، حيث ذكر أن ابن سبأ قال بالرجعة وإبطال الآخرة، «البرهان»: ص ٥٠.
(٥) انظر الطبري: (٤/٣٤٠) (حوادث سنة ٣٥هـ) .
(٦) سعد القمي: «المقالات والفرق»: ص ٢١، النوبختي: «فرق الشيعة»: ص ٢٠.
[ ١ / ٣٤٢ ]
فابن سبأ جعل الرجعة خاصة بعلي، ومن يراجع كتب الفرق يجد أن كثيرًا من فرق الشيعة تزعم أن إمامها سيرجع (١)، وهناك فرقة من فرق الشيعة اشتهرت بالدعوة لهذا الاعتقاد حتى سميت "بالرجعية" (٢)، ثم تطور مفهوم الرجعة عند الشيعة إلى المعنى العام الذي ذكرناه عنهم في صدر الكلام عن الرجعة.
ويذكر الألوسي (٣) أن تحول مفهوم الرجعة عند الشيعة من رجعة المهدي فقط إلى ذلك المعنى العام الذي بيناه كان في القرن الثالث (٤) .
ويذكر أبو الحسين الخياط (٥) أن هذه العقيدة كانت سرية عندهم (قد تواصوا بكتمانها وألا يذكروها في مجالسهم ولا في كتبهم إلا فيما قد أسروه من الكتب ولم يظهروه) .
_________________
(١) فمثلًا: فرقة من "الكيسانية" ينتظرون محمد بن الحنفية ويزعمون أنه حي محبوس بجبل رضوي إلى أن يؤذن له بالخروج. «البغدادي»: «الفرق بين الفرق»: ص ٤٣. والمحمدية: ينتظرون محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ولا يصدقون بقتله ولا بموته. «المصدر السابق»: ص ٥٦. وهكذا. وانظر: «المقالات والفرق» للقمي: ص ٢٧، ٣٥- ٣٦، ٣٧، ٤٣ إلخ. ويلاحظ أن هذه الفرق القائلة بالرجعة لا تؤمن بحصول الموت لهم أصلًا، أي أنهم يتفقون مع الرافضة في قولهم برجعة مهدّيهم لأنهم يزعمون أنه لم يمت، ولا يتفقون معهم في قولهم بالرجعة بعد الموت.
(٢) وقد ذكرها كفرقة ابن الجوزي في «تلبيس إبليس»: ص ٢٢.
(٣) أبو الثناء محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي، مفسر محدث فقيه، من آثاره: «روح المعاني في تفسير القرآن» في تسع مجلدات. ولد في بغداد عام ١٢١٧هـ وتوفي بها عام ١٢٧٠هـ. «معجم المؤلفين»: (١٢/١٧٥) .
(٤) «روح المعاني»: (٢٠/٢٧)، أحمد أمين: «ضحى الإسلام»: (٣/٢٣٧) .
(٥) عبد الرحيم بن محمد بن عثمان أبو الحسين بن الخياط، من شيوخ المعتزلة ببغداد، من كتبه: «الانتصار» . كان حيًا قبل ٣٠٠هـ «معجم المؤلفين»: (٥/٢١٣) .
[ ١ / ٣٤٣ ]
ويرى ابن حجر أن الإيمان بالرجعة هو نهاية الغلو في الرفض فيقول: (التشيع محبة علي وتقديمه على الصحابة، فمن قدمه على أبي بكر وعمر فهو غال في تشيعه ويطلق عليه رافضي وإلا فشيعي، فإن انضاف إلى ذلك السب أو التصريح بالبغض فغال في الرفض، وإن اعتقد الرجعة إلى الدنيا فأشد في الغلو) (١) .
٥- البداء:
في القاموس "بدأ" بَدْوًا وبُدُوًّا وبَداءَة: ظهر وبدا له في الأمر بَدْوًا وبَدَاء وبداة: نشأ له فيه رأي (٢) .. فالبدا في اللغة - كما جاء في القاموس - له معنيان:
الأول: الظهور والانكشاف.
الثاني: نشأة الرأي الجديد.
وكلا المعنيين وَرَدَ في القرآن، فمن الأول قوله تعالى: (وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله «٣) ومن الثاني قوله: (ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين «٤) .
والبداء بهذين المعنيين لا تجوز نسبته إلى الله (.
والبداء في الأصل عقيدة يهودية ضالة، وقد وردت في التوراة التي حرفها اليهود وفق ما شاءت أهواؤهم نصوص صريحة تتضمن نسبة معنى البداء إلى الله سبحانه (٥) .
_________________
(١) «هدي الساري مقدمة فتح الباري»: ص ٤٥٩.
(٢) «القاموس المحيط» مادة بدو: (٤/٣٠٢) .
(٣) البقرة: آية ٢٨٤.
(٤) يوسف: آية ٣٥.
(٥) على الرغم من أن المشهور عن اليهود أنهم ينكرون النسخ لأنه يستلزم البداء. انظر:
[ ١ / ٣٤٤ ]
وانتقل الاعتقاد في البداء - أولًا - إلى فرق السبئية المدعية للتشيع، ففرق السبئية (كلهم يقولون بالبداء؛ إن الله تبدو له البداوات) (١)، ثم أخذ بفكرة البداء "المختار بن أبي عبيد الثقفي" (٢) (لأنه كان يدعي علم الغيب، فكان إذا حدث خلاف ما أخبر به قال: قد بدا لربكم) (٣) .
وقال سليمان بن جرير - كما مر - (أن أئمة الرافضة وضعوا لشيعتهم مقالتين لا يظهرون معهما من أئمتهم على كذب أبدًا، وهما: القول بالبداء وإجازة التقية) (٤) .
ويشرح كيف يستخدمون عقيدة البداء ستارًا على ادعائهم الكاذب في الغيب فيقول: (فأما البدا: فإن أئمتهم لما أحلوا أنفسهم من شيعتهم محل الأنبياء من رعيتها في العلم فيما كان ويكون والإخبار بما يكون في غد وقالوا لشيعتهم: إنه سيكون في غد.. كذا وكذا، فإن
_________________
(١) = «مسائل الإمامة»: ص ٧٥ و«مناهل العرفان»: (٢/٧٨) . ومع ذلك فقد جاء في التوراة: (ورأى الرب أن شر الناس قد كثر على الأرض، وأن كل تصور أفكار قلوبهم إنما هو شر في جميع الأيام. فندم الرب أنه عمل الإنسان على الأرض وتأسف في قلبه، فقال الرب: أمحو الإنسان الذي خلقت عن وجه الأرض، الإنسان مع البهائم والدبابات وطير السماء لأني ندمت على خلقي لهم) . «الكتاب المقدس»، الفصل السادس من تكوين التوراة: ص ١٢.
(٢) الملطي: «التنبيه والرد»: ص ١٩.
(٣) المختار من أبي عبيد بن مسعود بن عمرو الثقفي، تنسب له طائفة الكيسانية من الشيعة، وهو الذي قام للأخذ بثأر الحسين، وادعى إمامة محمد بن الحنفية، وشاعت في الناس أخبار عنه بأنه ادعى النبوة ونزول الوحي عليه وأنه كان لا يوقف له على مذهب.. قتل عام ٦٧هـ. «البداية والنهاية»: (٨/٢٨٩) وما بعدها، «الفرق بين الفرق»: ص ٣٨، «الأعلام» للزركلي: (٨/٧٠) .
(٤) انظر بعض أخباره في هذا في «الملل والنحل»: (١/١٤٩) .
(٥) انظر سعد القمي: «المقالات والفرق»: ص ٧٨، النوبختي: «فرق الشيعة»: ص ٥٥ - ٥٦.
[ ١ / ٣٤٥ ]
جاء ذلك الشيء على ما قالوه قالوا لهم: ألم نعلمكم أن هذا يكون؟ فنحن نعلم من قبل الله (ما علمه الأنبياء وبيننا وبين الله (مثل تلك الأسباب التي علمت بها الأنبياء عن الله ما علمت، وإن لم يكن ذلك الشيء الذي قالوا أنه يكون على ما قالوا؛ قالوا لشيعتهم: بداء لله في ذلك يكونه) (١) .
إذن البداء فرية يهودية، حاولت السبئية أن تدخلها في عقائد المسلمين وأخذ بها المختار لتأييد دعواه الكاذبة في علم الغيب، وهي لا تجوز نسبتها إلى الله. ولكن الشيعة الإمامية تلقفتها وجعلتها من أصول عقائدها وقالت: (ما عبد الله بشيء مثل البداء) (٢)، (وما بعث الله نبيًا قط إلا بتحريم الخمر وأن يقر لله بالبداء) (٣)، (ولو علم الناس ما في القول بالبداء من الأجر ما فتروا عن الكلام فيه) (٤) .
وفي صحيحهم «الكافي» باب في هذا بعنوان (باب البداء) جاء ضمن كتاب التوحيد! وفي هذا الباب ١٦ حديثًا في البداء (٥) .
وفي «البحار» للمجلسي ذكر أحاديث البداء في باب بعنوان: (البداء والنسخ) وذكر فيه ٧٠ حديثًا (٦) .
_________________
(١) انظر سعد القمي: «المقالات والفرق»: ص ٧٨، النوبختي: «فرق الشيعة»: ص ٥٥ - ٥٦.
(٢) «الكافي»، كتاب التوحيد، باب البداء: (١/١٤٦) .
(٣) المصدر السابق: (١/١٤٨) .
(٤) المصدر السابق: (١/١٤٨) .
(٥) المصدر السابق: (١/١٤٦- ١٤٩) .
(٦) «البحار»: (٤/٩٢- ١٢٩) .
[ ١ / ٣٤٦ ]
فهل الشيعة الإمامية في عقيدتهم في البداء ينسبون الجهل والنسيان إلى الله؟ تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
قال بهذا بعض مفكري المسلمين (١)، لأن البداء بهذا المعنى من الكفر البواح.
وإن القارئ لأحاديثهم في البداء يجد في بعضها ذلك المعنى الضال في البداء (٢) .
وهناك روايات أُخرى تقول أنه (ما بدا لله في شيء إلا كان في علمه قبل أن يبدو له) (٣) .
وقال كثير من علماء الشيعة أنهم لم يريدوا "بالبداء" ما لا يجوز نسبته إلى الله سبحانه، يقول محمد حسين آل كاشف الغطاء: (البداء، وإن في جوهر معناه يتمثل في ظهور الشيء بعد خفائه، ولكن ليس المراد به هنا ظهور الشيء لله جل شأنه، وأي ذي حريجة
_________________
(١) موسى جار الله: «الوشيعة»: ص ١١٢- ١١٨، و«مختصر التحفة الاثني عشرية»: ص ٣١٥، إحسان إلهي ظهير: «الشيعة والسنة»: ص ٦٣.
(٢) مثل ما في «الكافي» عن أبي هاشم الجعفري قال: (كنت عند أبي الحسن ﵇ بعد ما مضى ابنه أبو جعفر، وإني لأفكر في نفسي أريد أن أقول كأنهما - أعني أبا بكر وأبا محمد - في هذا الوقت كأبي الحسن موسى وإسماعيل ابني جعفر ﵇ وإن قصتهما كقصتهما، إذ كان أبو محمد المرجي بعد أبي جعفر "ع" فأقبل علي أبو الحسن قبل أن أنطق فقال: نعم يا أبا هاشم بدا لله في أبي محمد بعد أبي جعفر "ع" ما لم يكن يعرف له كما بدا له في موسى بعد مضي إسماعيل ما كشف به عن حاله، وهو كما حدثتك نفسك وإن كره المبطلون، وأبو محمد ابني الخلف من بعدي، عنده عِلْمُ ما يحتاج إليه ومعه آله الإمامة) «الكافي»، كتاب الحجة: (١/٣٢٧) .
(٣) «الكافي»، كتاب التوحيد، باب البداء: (١/١٤٨) .
[ ١ / ٣٤٧ ]
ومسكة يقول بهذه المضلة؟ بل المراد ظهور الشيء من الله لمن يشاء من خلقه بعد إخفائه عنهم وقولنا: "بدا لله" أي بدا حكم الله أو شأن الله) (١) .
وهذا التفسير مقبول، ولكن إذا كان الأمر كذلك فلم تلك المغالاة في البداء؟، ولم صار من أصول العقائد، وأصبح مما تشذ به الشيعة عن جمهور المسلمين؟، وما الهدف من جعله بتلك المثابة وهو في الأصل من معتقدات اليهود، ومن دعاوى ابن سبأ، والمختار بن أبي عبيد، وهو في معناه اللغوي الظاهر مما لا يجوز نسبته إلى الله سبحانه؟ فلم لا ترفض عقيدة البداء أصلًا بدلًا من أن يبحث لها عن مسوغ ومخرج؟
إن الجواب عن سبب تعلق الشيعة بعقيدة البداء وعنايتهم بها هو نفس السبب الذي جعل المختار يأخذ بهذه العقيدة؛ وهو غلوهم في أئمتهم وزعمهم أنهم يعلمون الغيب، حتى عقد صاحب «الكافي» بابًا يقول فيه: إنّ الأئمة يعلمون ما كان وما يكون وأنهم لا يخفى عليهم الشيء - كما مر - فكان القول بالبداء هو المخرج إذا حدّث الأئمة بشيء وكذبهم الواقع. كما كان هو المخرج للمختار إذا أخبر بشيء وجاء على خلاف ما قال.
وعلماء كان موقفهم إزاء هذه العقيدة الغريبة البحث لها عن مسوغ يدافعون به عنها لا نقضها ووأدها (٢) .
_________________
(١) «الدين والإسلام»: ص ١٧٣.
(٢) في دفاعهم عن عقيدة البداء انظر: ابن بابويه القمي: «التوحيد»: ص ٣٣٥، المفيد: «أوائل المقالات»: ص ٩٧، هاشم الحسيني: «الشيعة بين الأشاعرة والمعتزلة»: ص ٢٣٣، الخنيزي: «الدعوة الإسلامية»: (١/٣٥)، أمير الكاظمي القزويني: «الشيعة في عقائدهم وأحكامهم»: ص ٣٥٨، الخوئي: «البيان»: ص ٣٨٨، محمد حسين آل كاشف الغطا، «أصل الشيعة»: ص ١٩٠ وغيرها.
[ ١ / ٣٤٨ ]
ولو كان لفظ "البداء" ورد في نص من نصوصهم لكان دفاعهم عنه سائغًا (١)، أما وأنه جعل عقيدة، وغلا فيه القوم غلوًا شديدًا فهو ما لا يقبل فيه الدفاع، وسيحمل على أنه تقية، وهو الذي يستدعي ذلك التساؤل عن سبب هذا الاهتمام وهو ما أسلفنا الجواب عنه.
٦- الغَيْبة:
(الغَيْبَة من العقائد الأساسية عند الإمامية) (٢)، وذلك أن الشيعة تعتقد (أن الأرض لا تخلو من إمام لحظة واحدة ولو بقيت الأرض بغير إمام لساخت) (٣)، (ولو أن الإمام رفع من الأرض ساعة لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله) (٤)، ذلك أنه عندهم (هو الحجة على أهل الأرض) (٥) فلا حجة عندهم سواه، لدرجة أن كتاب الله عندهم ليس بحجة بدون الإمام، (لأن القرآن لا يكون حجة إلا بقيم) (٥)، والقيم هو أحد أئمتهم الاثني عشر كما تقضي توجهاتهم العقدية.
ولنا أن نسأل: أين إمام الشيعة اليوم؟
لقد توفي الحسن العسكري - إمامهم الحادي عشر - سنة
_________________
(١) وقد ورد نسبة البداء بمعنى ظهور حكم الله للناس في حديث شريف في صحيح البخاري: فقد روى أبو هريرة (أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «إن ثلاثة في بني إسرائيل، أبرص وأقرع وأعمى بدا لله (أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكًا.. إلخ» «صحيح البخاري»، كتاب بدء الخلق، باب ما ذكر عن بني إسرائيل: (٤/١٤٦) .
(٢) د. عبد الله فياض (من الروافض المعاصرين) «تاريخ الإمامية»: ص ١٦٥.
(٣) من حديث لهم في «الكافي»: (١/١٧٩)، وانظر: «البحار»: (٢٣/٢٩) .
(٤) من حديث لهم في «الكافي»: (١/١٧٩) .
(٥) من حديث لهم في «الكافي»: (١/١٨٨) .
[ ١ / ٣٤٩ ]
٢٦٠ هـ (١) بلا عقب كما قاله كبار المؤرخين (٢)، واعترفت كتب الشيعة بأنه (لم ير له خلف ولم يعرف له ولد ظاهر فاقتسم ما ظهر من ميراثه أخوه جعفر وأمه) (٣)، واضطرب الشيعة بعد وفاة الحسن بلا ولد وتفرقوا - فيمن يخلفه - فرقًا شتى بلغت - كما يقول المسعودي - عشرين فرقة (٤)، أو خمس عشرة فرقة كما يقول القمي (٥)، حتى إن بعضهم قال: إن الإمامة قد انقطعت (٦)، وكاد أن يكون موت الحسن بلا عقب نهاية للشيعة والتشيع حيث سقط عموده وهو "الإمام".
ولكن "فكرة غيبة الإمام" كانت هي القاعدة التي قام عليها كيان الشيعة بعد التصدع، وأمسكت ببنيانه عن الانهيار، لهذا أصبح الإيمان بغيبة ابن للحسن العسكري هو المحور الذي تدور عليه
_________________
(١) الطوسي: «الغيبة»: ص ٢٥٨.
(٢) نقل هذا ابن تيمية - كما مر - ص ٢٤٣ (الهامش) من هذا البحث، وقد ذكر الطبري في حوادث سنة ٣٠٢هـ أن رجلًا ادعى - في زمن الخليفة المقتدر - أنه محمد بن الحسن بن علي بن موسى بن جعفر، فأمر الخليفة بإحضار مشايخ آل أبي طالب وعلى رأسهم نقيب الطالبين أحمد بن عبد الصمد المعروف بابن طومار، فقال له ابن طومار: لم يعقب الحسن، وقد ضج بنو هاشم من دعوى هذا المدعي وقالوا: يجب أن يشهر هذا بين الناس ويعاقب أشد عقوبة. فحمل على جمل وشهر به في الجانبين يوم التروية ويوم عرفة ثم حبس في حبس المصريين بالجانب الغربي. «الطبري»: (١٣/٢٦- ٢٧)، المطبعة الحسينية الطبعة الأولى. والشاهد قول نقيب الطالبين أن الحسن العسكري لم يعقب، وأن بني هاشم ضجوا من دعوى ذلك المدعي.
(٣) القمي: «المقالات والفرق»: ص ١٠٢.
(٤) المسعودي: «مروج الذهب»: (٤/١٩٠)، وانظر: «الصواعق المحرقة»: ص ١٦٨.
(٥) «المقالات والفرق»: ص ١٠٢.
(٦) المصدر السابق: ص ١٠٨، وانظر: الطوسي: «الغيبة»: ص ١٣٥.
[ ١ / ٣٥٠ ]
عقائدهم ودان بذلك أكثر الشيعة بعد تخبط واضطراب، فلم يكن لهم من ملجأ إلا ذلك.
وإذا كان ابن سبأ هو الذي وضع عقيدة "النص على علي بالإمامة" التي هي أساس التشيع، فإن هناك ابن سبأ آخر هو الذي وضع البديل "لفكرة الإمامة" بعد انتهائها حسيًا بانقطاع نسل الحسن، أو أنه واحد من مجموعة وضعت هذه الفكرة لكنه هو الوجه البارز لهذه الدعوى. هذا الرجل يدعى عثمان بن سعيد (١)، زعم أن للإمام الحسن ولدًا قد اختفى وعمره أربع سنوات (٢)، على الرغم من أن هذا الولد - كما تعترف كتب الشيعة - لم يظهر في حياة أبيه الحسن ولا عرفه الجمهور بعد وفاته (٣)، ولكن هذا الرجل عثمان بن سعيد هو الذي يزعم أنه يعرفه وأنه وكيله في تسلم أموال الشيعة والإجابة عن أسئلتهم.
ومن الغريب أن الشيعة تزعم أنها لا تقبل إلا قول المعصوم وها هي تقبل في أهم عقائدها دعوى رجل غير معصوم، حيث استجابت الشيعة لهذه الدعوى.
ورفض عثمان بن سعيد ومن معه البوح باسم هذا الولد المزعوم أو ذكر مكان وجوده - وذلك في بادئ الأمر - ففي «الكافي» عن
_________________
(١) أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري الأسدي العسكري، كان يتجر في السمن، ويعتبره الروافض الباب الأول لغائبهم المنتظر ويزعمون له كرامات وصفات كثيرة، توفي عام ٢٨٠هـ. انظر: «الغيبة» الطوسي: ص ٢١٤ وما بعدها.
(٢) اختلفوا في عمره؛ فالطوسي يرى أن عمره أربع سنوات «الغيبة»: ص ٢٥٨، ويقول المجلسي: (أكثر الروايات على أنه ابن أقل من خمس سنين بأشهر أو بسنة وأشهر) «البحارة»: (٢٥/١٢٣) .
(٣) المفيد: «الإرشاد»: ص ٣٤٥.
[ ١ / ٣٥١ ]
أبي عبد الله الصالحي قال: سألت أصحابنا بعد مضي أبي محمد (الحسن العسكري) أسأل عن الاسم والمكان، فخرج الجواب: (إن دللتم على الاسم أَذاعوه، وإن عرفوا المكان دلوا عليه) (١)، ولكن ورد في كتب الشيعة أن اسمه محمد، وظل بعض علماء الشيعة ينهون عن التصريح باسمه إِلى اليوم ويكتفون بذكر أحد أَلقابه التي وضعوها له وهي: (المهدي، والحجة، والقائم، والخلف والسيد، والناحية المقدسة، والصاحب، وصاحب الزمان، وصاحب العصر (٢)، وصاحب الأَمر)، وقد ورد عندهم (صاحب هذا الأَمر لا يسميه باسمه إِلا كافر) (٣)، ولما قيل: كيف نذكره؟ قال: قولوا: (الحجة من آل محمد صلوات الله عليه وسلامه) (٤) .
ويبدو أَن عملية كتمان اسمه ومكانه ما هي إِلا محاولات لستر هذا الكذب؛ إِذ كيف يسوغ كتمانه وهم يقولون: «من لم يعرف الإِمام فإنما يعرف ويعبد غير الله» (٥) .
وفكرة الغيبة كما نادى بها عثمان نادى بها من بعده ابنه محمد ثم بعده النوبختي وأَخيرًا السيمري - كما مر - وتسمى فترة نيابة هؤلاء الأَربعة عن المهدي بـ "الغيبة الصغرى" وقد استمرت أربعًا وسبعين سنة (٦) .
_________________
(١) أصول الكافي: ١/١٨١.
(٢) «حصائل الفكر»: ص٣٥.
(٣) «الكافي»: (١/٣٣٣) .
(٤) «الكافي»: (١/٣٣٣) .
(٥) المصدر السابق: (١/٣٣٣) .
(٦) «كشف الغطا» لآيتهم جعفر النجفي: ص ١٣، ويبدو أَن هذا التحديد غير متفق عليه بينهم؛ ففي «تنقيح المقال» لشيخهم الممقاني رد لهذا التحديد حيث قال: (وما قيل إِن مدة الغيبة أربع وسبعون سنة اشتباه بلا شبهة إلا أن يحسبها من سنة =
[ ١ / ٣٥٢ ]
وآخر هؤلاء النواب الأربعة هو «السيمري»، وقد طور فكرة الغيبة: فبدلًا من أن تكون بيد واحد من الشيعة يزعم أنه يلتقي بالإِمام مباشرة أَعلن انقطاع الصلة المباشرة بالمهدي وقال: كل مجتهد شيعي هو نائب عن الإمام وأَخرج توقيعًا يقول: (أما الوقائع الحادثة فارجعوا فيها إِلى رواة حديثنا، فإِنهم حجتي عليكم وأَنا حجة الله) (١) .
وما ندري على وجه التأكيد لم قام السيمري بإعلان هذا "الانقطاع المباشر" مع الإِمام؟
قد يكون هذا من أَجل المحافظة على كيان فكرة الغيبة من الانهيار، فقد كثر المتنافسون على دعوى النيابة عن المهدي (٢) لما في ذلك من مكاسب مادية كبيرة وقام البعض منهم بفضح الآخر، فمثلًا يقول "الشلمغاني" (٣) - وهو أَحد مدعي النيابة عن المهدي الذين لا تعترف بهم الاثني عشرية - (ما دخلنا مع أبي القاسم الحسين بن روح "النائب الثالث للمهدي عند الاثني عشرية" إِلا
_________________
(١) = الولادة - أي ولادة منتظرهم المزعومة - ثم ذكر أن: مدتها ثمان أو تسع وستون سنة إلا شهرًا) «تنقيح المقال»: (١/١٨٩) . وفي كتاب «تاريخ الغيبة الصغرى» أَن مدتها سبعون سنة. محمد باقر الصدر: «تاريخ الغيبة»: ص٣٤٥.
(٢) «الكافي» بشرحه «مرآة العقول»: (٤/٥٥)، «إكمال الدين»: ص ٤٥١.
(٣) انظر «البحار»، باب ذكر المذمومين الذين ادعوا البابية والسفارة كذبًاُ وافتراء: (٥١/٢٦٧-٣٦٨)، الطوسي: «الغيبة»: ص٢١٣.
(٤) محمد بن علي بن أَبي العزاقر الشلمغاني، ممن ادعى النيابة عن مهدي الروافض، ونسبت له مقالات ضالة كالقول بالتناسخ، وقال الطوسي: إِن له حكايات قبيحة وأُمور فظيعة ننزه كتابنا عن ذكرها. وقتل سنة ٣٢٣. الطوسي: «الغيبة»، وفي «الكامل»، و«البداية والنهاية» أَنه قتل سنة ٣٢٢هـ. انظر: «البداية والنهاية»: (١١/١٧٩)، «الكامل»: (٨/٢٩٠) .
[ ١ / ٣٥٣ ]
ونحن نعلم فيما دخلنا فيه، فلقد كنا نتهارش على هذا الأَمر كما تتهارش الكلاب على الجيف) (١) .
يقول - أَحمد الكسروي معقبًا على هذا القول -: (ولقد صدق فيما قال؛ فإِن التخاصم لم يكن إِلا لأَجل الأَموال، كان الرجل يجمع المال ويطمع فيه فيدعي البابية لكيلا يسلمه إِلى آخر) (٢) .
ولقد كانت مسألة "غيبة الإِمام" - وهي من أَركان المذهب الشيعي - من المسائل التي حيرت كثيرًا من الشيعة لشكهم في أَمره وطول غيبته، وانقطاع أَخباره.
يقول ابن بابويه القمي: (رجعت إلى نيسابور، وأقمت فيها فوجدت أَكثر المختلفين عليَّ من الشيعة قد حيرتهم الغيبة، وقد دخلت عليهم في أَمر القائم ﵇ الشبهة) (٣) .
وهذا الشك في أَمر منتظرهم في عصر ابن بابويه (ت ٣٨١)، فكيف يكون الآن بعد مضي هذه القرون الطويلة؟!
ذلك أَن الأَسباب التي يذكرها الشيعة علة لغيبته لا يقتنع بها عاقل؛ فالشيعة يعللون سبب غيبته بأَنه "يخاف القتل" (٤)، مع أَنهم يقولون بأَن الأئمة يعلمون متى يموتون ولا يموتون إِلا باختيار منهم (٥)، فكيف يحتجب خوفًا وأمر الموت بيده؟!! ثم لماذا لم يقتل
_________________
(١) «الغيبة» الطوسي: ص٢٤١.
(٢) «التشيع والشيعة»: ص ٣٣.
(٣) «إكمال الدين»: ص ٢.
(٤) الكليني: «الكافي» حيث ذكر عدة أحاديث لهم تفيد ذلك: (١/٣٣٧، ٣٣٨، ٣٤٠)، وانظر: الطوسي: «الغيبة»: ص ١٩٩، وانظر: أَبو طالب التبريزي: «المهدي»: ص ١١٨.
(٥) هذا من أَبواب «الكافي»: (١/٢٥٨) - كما مر -.
[ ١ / ٣٥٤ ]
واحد من هؤلاء النواب الأَربعة الذين يزعمون الاتصال به مباشرة وهم ليسوا كالإِمام لا يموتون إِلا باختيار منهم؟. ثم لم يظهر حين تولى الشيعة الحكم باسمه وأصبحت لهم السلطة؟!
يقول الكسروي: (إِذا كان منتظرهم قد اختفى لخوفه على نفسه، فلِمَ لم يظهر عندما استولى آل بويه الشيعيون على بغداد، وصيروا خلفاء بني العباس طوع أمرهم؟ فلم لم يظهر عندما قام الشاه إِسماعيل الصفوي وأجرى من دماء السنيين أَنهارًا؟ فلم لم يظهر عندما كان كريمخان الزندي - وهو من أكابر سلاطين إيران - يضرب على السكة اسم إِمامكم «صاحب الزمان» ويعد نفسه وكيلًا عنه؟ وبعد فلم لا يظهر اليوم وقد كمل عدد الشيعيين ستين مليونًا وأَكثرهم من منتظريه؟! (١) .
ولو كان الكسروي حيًّا لقال - ولم لم يظهر وقد قامت دولة "الخميني" الذي يزعم النيابة عن المعصوم في كل شيء؟!!
وقد أَلّف علماء الشيعة مؤلفات كثيرة في موضوع "الغيبة" (٢)، وزعم بعض علمائهم أَنه على صلة مباشرة بالمهدي كما مر، وادعوا أن من كتب رقعة وأَرسلها بطريقة معينة ودعاء معين (٣) فإِنها تصل للمهدي، وما كل ذلك إِلا لإقناع قومهم بهذه "العقيدة"، وبدأوا يسمون هذه العقيدة بالمهدية، ويدعون أَنها مسألة مجمع عليها بين السنّة والشيعة لأن الجميع يؤمنون بالمهدي (٤) . وعظموا من أمر هذه العقيدة وبالغوا
_________________
(١) «التشيع والشيعة»: ص ٤٢.
(٢) وفي «الذريعة إِلى تصانيف الشيعة» ذكر ٥٤ كتابًا لشيوخهم في الغيبة «الذريعة»: (١٦/ ٧٤-٨٤)، وانظر: مقدمة «إِكمال الدين» لمحمد مهدي السيد حسن الموسوي وقد ذكر ٣٦ كتابًا أُلّفت عندهم في موضوع "الغيبة".
(٣) سيأتي ذكرها في مبحث آراء دعاة التقريب في مسألة الغيبة.
(٤) يختلف اعتقاد أَهل السنة في المهدي عن اعتقاد الشيعة من وجوه كثيرة، فعقيدة =
[ ١ / ٣٥٥ ]
- كعادتهم - فزعموا أن رسول الله - ﷺ - قال عن منتظرهم: (من أنكر القائم من ولدي فقد أَنكرني) (١)، وأَن جعفر الصادق سئل عمن أَقر بالأئمة جميعًا وجحد الآخر - أي الإمام الغائب - فقال: كمن أَقر بعيسى وجحد محمدًا أَو أَقر بمحمد وجحد عيسى، نعوذ بالله من جحد حجة من حججه (٢)، وقال ابن بابويه القمي: (ومثل من أنكر القائم ﵇ في غيبته مثل إبليس في امتناعه عن السجود لآدم) (٣) .
وأن من انتظر خروج هذا القائم فهو (كالمتشحط في دمه في سبيل الله) (٤) وهو كمن استشهد مع رسول الله - ﷺ - (٥) .
وقال لطف الله الصافي (٦): (والأخبار الواردة في فضيلة الانتظار كثيرة متواترة) (٧) .
_________________
(١) = المهدي عند الشيعة من أصول دينهم كما رأينا ومن جحد المهدي كمن جحد نبيًا من الأنبياء، بينما هي عند السنّة ليست من العقائد الأساسية، وينظرون إِلى المهدي على أَن خبره من الأَخبار الكثيرة التي ذكرها رسول الله ﷺ عن أحداث آخر الزمان، وقد أَنكر ثبوته بعضهم كابن خلدون ولم يكفره أحد من السّنّة. ثم إِن الشيعة يؤخرون تطبيق بعض أحكام الشريعة إِلى حين خروجه كتركهم صلاة الجمعة والبدء بالجهاد إِلخ.. بخلاف السنّة. وتزعم الشيعة أَن عنده القرآن الكامل، ومصحف فاطمة إلخ ولا شيء من ذلك عند السنّة، ثم هم يختلفون مع السنّة في اسمه، وفي وصفه خلافًا كثيرًا لا مجال لذكره..
(٢) «إكمال الدين»: ص ٣٩٠.
(٣) محمد إبراهيم النعماني: «الغيبة»: ص٥٥.
(٤) «إكمال الدين»: ص ١٣.
(٥) انظر: «منتخب الأثر» لطف الله الصافي: ص ٤٩٨.
(٦) المصدر السابق: ص ٤٩٨.
(٧) من علماء الشيعة الإيرانيين - معاصر - مقيم في قم. من كتبه: مع الخطيب في خطوطه العريضة وغيره.
(٨) «منتخب الأثر»: حاشية: ٤٩٩.
[ ١ / ٣٥٦ ]
وانتظار خروجه من غيبته من أصول الدين عندهم في «الكافي» عن أبي جعفر أنه قال لمن سأله عن دينه الذي يدين الله به: (والله لأعطينك ديني ودين آبائي الذي ندين الله به، شهادة أن لا إله إلا الله، وأَنّ محمدًا رسول الله.. وانتظار قائمنا) (١) .
ولهذا ظل الشيعة إلى أواخر القرن الرابع عشر الميلادي الذي صنف فيه ابن خلدون تاريخه الكبير يجتمعون في كل ليلة بعد صلاة المغرب بباب سرداب سامراء (٢) فيهتفون باسمه ويدعونه للخروج حتى تشتبك النجوم، ثم ينفضون كل منهم إلى بيته بعد طول الانتظار وهم يشعرون بخيبة الأمل والحزن (٣) .
وكان هذا الانتظار مثار سخرية الساخرين حتى قيل:
ما آن للسرداب أن يلد الذي كلمتموه بجهلكم ما آنا
فعلى عقولكم العفاء فإنكم ثلثتم العنقاء والغيلانا (٤)
ومع ذلك فإن نصوص الشيعة تدعو كل شيعي منذ أكثر من أحد عشر قرنًا إلى الآن إلى أن لا يبايع لخليفة من خلفاء المسلمين إلا تقية، وإنما البيعة لهذا المنتظر وعليه أن يجدد البيعة له في اعتقاده وقوله وأدعيته.
_________________
(١) «الكافي» عن «منتخب الأثر»: ص٤٩٩.
(٢) سامراء - لغة في سر من رأى، مدينة بين بغداد وتكريت على شرقي دجلة. وبها السرداب المعروف في جامعها الذي تزعم الشيعة أن مهديهم يخرج منه.. «معجم البلدان»: (٣/١٧٣)، وانظر: في وصف هذا السرداب: مجلة لغة العرب، ماذا يرى في سامراء؟، كاظم الدجيلي المجلد الأول ص ١٤٤ وما بعدها.
(٣) أمير علي - شيعي معاصر - «روح الإسلام»: (١/٢١٠)، وانظر: «مقدمة ابن خلدون»: (٢/٥٣١-٥٣٢) .
(٤) انظر: «الصواعق المحرقة»: ص ١٦٨.
[ ١ / ٣٥٧ ]
فمن أَدعيتهم اليومية الخاصة بصاحب الأمر دعاء يسمونه "دعاء العهد" وفيه: (اللهم إني أُجدد له في صبيحة يومي هذا وما عشت من أيامي عهدًا أو عقدًا أو بيعة له في عنقي لا أحول عنها ولا أزول أبدًا..) (١) .
وفي دعاء يومي آخر لصاحب الأمر يقول: (اللهم هذه بيعة له في عنقي إلى يوم القيامة) .
قال المجلسي: (..ويصفق بيده اليمنى على اليسرى كتصفيق البيعة) .
ومعظم الشيعة لا يقيمون صلاة الجمعة في زمن الغيبة ويقولون: (الجمعة والحكومة لإمام المسلمين) (٢) .
وإمام المسلمين عندهم من أكثر من أحد عشر قرنًا هو هذا "المنتظر"، فهم يعطلون فريضة من فرائض الله بسبب هذه الدعوى الغريبة (٣) .
_________________
(١) «مفتاح الجنان»: عباس القمي: ص ٥٣٨- ٥٣٩.
(٢) «مفتاح الكرامة»: كتاب الصلاة: (٢/٦٩) .
(٣) ومعظم الشيعة إلى اليوم لا يقيمون صلاة الجمعة، يقول كاظم الكفائي - وهو من علماء الشيعة المعاصرين -: (في العراق الآن الشيعة لا يصلون الجمعة إِلا الشيخ الخالصي في المسجد الصفوي في الصحن الكاظمي) .. حديث لكاظم الكفائي كتبه بخطه ونشره د. علي السالوس في كتابه: «فقه الشيعة» . هامش: ص ٢٠٣. وحينما سأل أفراد الشيعة كبير مشايخهم وهو محسن الحكيم عن دليلهم في شرطية وجوب الإمام لصلاة الجمعة كان جوابه بأن لا يسأل هذا السؤال. ثم إن بعض علماء الشيعة يقول بوجوب صلاة الجمعة ولا يقيمها. انظر: «نص الكتاب ومتواتر الأخبار على وجوب الجمعة في جميع الأعصار»: محمد عبد الرضا الأسدي: ص ٢٤، ٢٧-٢٨.
[ ١ / ٣٥٨ ]
ويزعمون أن مهديهم هذا يغير من شريعة رسول الله - ﷺ -، ففي «البحار» للمجلسي: (ولا يقبل صاحب هذا الأمر الجزية كما قبلها رسول الله - ﷺ -..) (١)، (وأنه يحكم بحكم سليمان، وداود، وآل داود لا يسأل الناس بينه) (٢) (وأنه يحكم بينهم مرة بحكم آدم ومرة بحكم داود ومرة بقضاء إبراهيم وفي كل واحد منها يعارضه بعض أصحابه.. فيضرب أعناقهم ثم يقضي الرابعة بقضاء محمد فلا ينكر أحد عليه) (٣)، (وأن القائم إذا خرج قتل ذراري قتلة الحسين بفعال آبائهم) (٤)، ويقولون إن منتظرهم: (يسير في العرب بما في الجفر الأحمر - وهو قتلهم) (٥)، (وإنه يقتل المولّي ويجهز على الجريح) (٦) .
ويعترفون بأن ذلك خلاف سيرة رسول الله - ﷺ - وعلي والحسن، ففي «البحار»: (أن عليًّا والحسن يسيران بسيرة رسول الله - ﷺ - وقد بعث رحمة للعالمين، وأن القائم بعث نقمة على الظالمين) (٧)، ومقتضى هذا - عندهم - أنه لا يسير سيرتهم.
(وأنه يقتل من بلغ العشرين ولم يتفقه في الدين) (٨) .
ويذكرون أن "مهديهم" يقوم بعملية هدم وتخريب في الحرمين
_________________
(١) «البحار»: (٥٢/٣٤٩) .
(٢) «البحار»: (٥٢/٣١٩- ٣٢٠) .
(٣) «البحار»: (٥٢/٣٨٩) .
(٤) «البحار»: (٥٢/٣١٣) .
(٥) «البحار»: (٥٢/٣١٣، ٣١٨) .
(٦) «البحار»: (٥٢/٣٥٣) .
(٧) المجلسي: «البحار»: (٥٢/٣١٤) .
(٨) الفضل بن الحسن الطبرسي: «أعلام الورى»: ص ٤٣١، «البحار»: (٥٢/١٥٢) .
[ ١ / ٣٥٩ ]
الشريفين، ففي الغيبة (أن القائم يهدم المسجد الحرام حتى يرده إلى أساسه ومسجد الرسول - ﷺ - إلى أساسه، ويرد البيت إلى موضعه وأقامه على أساسه - هكذا -..) (١) .
ويعترفون بأن "منتظرهم" يحاول أن يصرف الناس عن هذا القرآن ويخرج لهم قرآنًا يزعم أنه هو القرآن الكامل الذي أُنزل على رسول الله - ﷺ -، وقد مر نقل ذلك عنهم (٢) .
كما أنهم يدعون أن عند مهديهم مصحف فاطمة، والكتب السماوية السابقة، والجفر، والجامعة وغيرها من العلوم التي يزعمون أن "القائم" ورثها عن الأئمة (٣) - كما سلف -.
ومن العجب أنهم كانوا يؤقتون خروجه في أول الأمر بوقت معين، ففي «الكافي»: (أن عليًا - كما يزعمون - سئل: كم تكون الحيرة والغيبة؟ قال: ستة أيام، أو ستة أشهر أو ست سنين..) (٤) .
وهذا التوقيت القريب - فيما يبدو - لأجل إقناع شيعتهم بهذه الدعوى في مبدأ نشأتها حتى تشب ويصلب عودها ويكثر مصدقها.
ثم أعلنوا - بعد ذلك - أنه لا وقت معينًا لخروجه، وذلك بعد أن طال بهم الانتظار واستبدت بهم الحيرة، جاء في «الكافي»: (كذب الوقاتون، إنا أهل بيت لا نؤقت) (٥) .
_________________
(١) الطوسي: «الغيبة»: ص ٢٨٢، وانظر المجلسي: «البحار»: (٥٢/٣٣٨) .
(٢) انظر: ص ٢٠٢ - ٢٠٣ من هذا البحث.
(٣) انظر: ص ٢٤٦ وما بعدها، ص ٢٢٥ وما بعدها من هذا البحث.
(٤) «الكافي»: (١/٣٣٨)، وانظر: الطوسي: «الغيبة»: ص ٢٦٣.
(٥) «الكافي»، كتاب الحجة، باب كراهة التوقيت: (١/٣٦٨)، انظر: الطوسي: «الغيبة»: ص ٢٦٢، وانظر: «نور الثقلين»: (٢/١٠٧) .
[ ١ / ٣٦٠ ]
وقد نقلت لنا كتب الفرق أقوالهم المختلفة، وآراءهم المضطربة في شأن الغيبة، فكل يتبع إمامًا ويدعي غيبته، وكل يقول برأي ويزعم أحقيته (١) .
وقال الشهرستاني بعد أن نقل خلافهم في ذلك: (ومع اختلافكم هذا كيف يصح لكم دعوى الغيبة؟..) (٢) .
ولا شك أن هذا "الأمر" لو كان من عند الله لم يكن ليظهر على هذا الاضطراب والاختلاف والحيرة..
وإذا سألتهم عن مدة الغيبة كيف تعقل؟ إذ كيف يمكن أن يحيا إنسان هذه القرون المتطاولة؟!
قالوا: أليس الخضر يعيش في الدنيا من آلاف السنين.
ومع أن القول الصحيح أن "الخضر" ليس بحي (٣)، فإن حجتهم داحضة فالخضر ليس مكلفًا كما أنه ليس مسؤولًا عن هداية أُمة أو جماعة، وإمامكم هو المسؤول عندكم عن المسلمين جميعًا - على ما تهرفون -!!!
٧- معتقدهم في الصحابة:
في كتب الشيعة الأساسية سب وطعن ولعن وتكفير للصحابة رضوان الله عليهم إلا قليلًا منهم لا يتجاوز الثلاثة في معظم
_________________
(١) راجع: الشهرستاني: «الملل والنحل»: (١/١٧٠- ١٧٢)، وانظر: القمي: «المقالات والفرق»: ص ١٠٢ وما بعدها.
(٢) «الملل والنحل»: (١/١٧٢) .
(٣) انظر: «منهاج السنة»: (١/٢٨) الطبعة الأميرية، ابن القيم: «المنار المنيف»: ص ٦٧- ٧٦، ابن كثير: «البداية والنهاية»: (١/٣٢٥- ٣٣٧)، ابن حجر: «فتح الباري»: (٦/٣٠٩- ٣١٢)، «الإصابة»: (٢/٢٨٦- ٣٣٥) .
[ ١ / ٣٦١ ]
الروايات، وتتناول نصوص السب والتكفير كثيرًا من آحادهم على سبيل التعيين، ويخصون الخلفاء الثلاثة بالنصيب الأوفى من ذلك.
وتتضمن صفحات كتب الشيعة المعتمدة أخبار صراعات وعداوات بين علي وفاطمة من جهة وبين سائر الصحابة من جهة أخرى، وفي مقدمة الصحب الخليفتان الراشدان.
ولو أخذنا ننقل ما وجدنا من هذا "الغثاء" لاستغرق مئات الصفحات، وكل هذه الصفحات السوداء تذكي العداوة، وتوري نيران الحقد وتزرع الفرقة، والهدف منها صرف الأمة عن شريعة نبيها بالطعن في الطريق الأول الناقل لها، وإبطال التواتر في نقل دين الإسلام.
وفيما يلي أمثلة لهذا من كتبهم المعتمدة.
هناك روايات كثيرة في كتبهم المعتمدة تقول، إن الصحابة ارتدوا إلا ثلاثة، وتزيد بعض الروايات آخرين رجعوا عن ردتهم، إلا أن المجموع لا يتجاوز السبعة في كل الروايات، وهذا الحكم بردة الصحابة رضوان الله عليهم الذين أثنى عليهم ورسوله وسجل التاريخ مآثرهم بمداد من نور ولم تشهد الدنيا إلى يومنا مجتمعًا كمجتمعهم - رضوان الله عليهم - هذا الحكم بردتهم إلا ثلاثة ورد في كثير من كتب الشيعة المعتمدة مثل: «الكافي» (١)، و«البحار» (٢)، و«كتاب سليم بن قيس» (٣) و«الاختصاص» (٤)، و«رجال الكشي» (٥)،
_________________
(١) انظر: الكليني: «الكافي»: (٢/٢٤٤)، (٢/٢٢٤) .
(٢) انظر: المجلسي: «البحار»: (٢٢/٣٤٥، ٣٥١، ٣٥٢، ٤٤٠) .
(٣) انظر: كتاب: «سليم بن قيس»: ص ٧٤- ٧٥.
(٤) انظر: المفيد: «الاختصاص»: ص ٤- ٥.
(٥) «رجال الكشي»: ص ٦، ٧، ٨، ٩، ١١.
[ ١ / ٣٦٢ ]
وفي «تفسير العياشي» (١)، و«البرهان» (٢)، و«الصافي» (٣)، و«تفسير نور الثقلين» (٤) وغيرها وما في هذه الكتب إنما هو أحاديث عن معصوميهم فيما يزعمون.
أما كلام علمائهم في الطعن في ذلك الجيل القرآني الفريد فهو قد سود معظم كتبهم، ونحن لا نحاول أن نستشهد بهم كثيرًا فهم يزعمون أنه لا حجة إلا في كلام معصوميهم، وغرضنا هنا التثبت في نقل مذهبهم.
روى "ثقتهم" الكليني في «الكافي» عن حمران بن أعين قال: (قلت لأبي جعفر "ع": جعلت فداك، ما أقلنا لو اجتمعنا على شاة ما أفنيناها (٥) ! فقال: ألا أحدثك بأعجب من ذلك، المهاجرون والأنصار ذهبوا إلا - وأشار بيده - ثلاثة..) (٦) .
وفي روايات أخرى لهم تعيين لهؤلاء الثلاثة:
فعن أبي جعفر "ع" كان الناس أهل ردة بعد النبي - ﷺ - إلا ثلاثة، فقلت: ومن الثلاثة؟ فقال: المقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي رحمة الله وبركاته عليهم، ثم عرف الناس بعد يسير..) (٧) .
_________________
(١) «تفسير العياشي»: (١/١٩٩) .
(٢) هاشم البحراني: «البرهان»: (١/٣١٩) .
(٣) محسن الكاشاني: «الصافي»: (١/٣٠٥) وما بعدها.
(٤) الحويزيني: «نور الثقلين»: (١/٣٩٦) وما بعدها.
(٥) يعني أنها قلة شاذة بالنسبة لأهل السنّة.
(٦) «الكافي»، كتاب الإيمان والكفر، باب في قلة عدد المؤمنين: (٢/٢٤٤)، وانظر: «رجال الكشي»: ص ٧، وانظر: «البحار»: (٢٢/٣٤٥) .
(٧) «الكافي»، كتاب الروضة: (١٢/٣٢١- ٣٢٢) (مع شرح جامع للمازندراني) .
[ ١ / ٣٦٣ ]
وهؤلاء الذين عرفوا، عددهم أربعة ليصبح مجموع الذين نجوا من الردة - في كتب الشيعة - سبعة، ففي رجال الكشي عن أبي جعفر قال: (ارتد الناس إلا ثلاثة نفر: سلمان، وأبو ذر، والمقداد، قال: قلت: فعمار؟ قال: جاض جيضة (١)، ثم رجع، ثم قال: إن أردت الذي لم يشك ولم يدخله شيء فالمقداد. فأما سلمان فإنه عرض في قلبه عارض أن عند أمير المؤمنين اسم الله الأعظم لو تكلم به لأخذتهم الأرض، وهو هكذا فلبب (٢) ووجئت (٣) عنقه حتى تركت كالسلقة، فمر به أمير المؤمنين "ع" فقال له: يا أبا عبد الله هذا من ذاك فبايِعْ، فبايَع، وأما أبو ذر فأمره أمير المؤمنين "ع" بالسكوت - ولم يكن يأخذه في الله لومة لائم - فأبى إلا أن يتكلم، فمر به عثمان فأمر به - كذا - ثم أناب الناس بعد فكان أول من أناب أبو ساسان الأنصاري، وأبو عمرة، وشتيرة وكانوا سبعة فلم يكن يعرف حق أمير المؤمنين "ع" إلا هؤلاء السبعة) (٤) .
حتى هؤلاء الثلاثة الذين نجوا من الردة لم ينجوا من السب والقدح في كتب الشيعة؛ ففي «رجال الكشي» .. قال أمير المؤمنين - علي -: (يا أبا ذر إن سلمان لو حدثك بما يعلم لقلت: رحم الله قاتل سلمان) (٥) .
وعن جعفر عن أبيه "ع" قال: ذكرت التقيّة يومًا عند علي "ع" فقال: (لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله..) (٦) .
_________________
(١) جاض عنه يجيض: جاد وعدل.
(٢) لببه: جمع ثيابه عند نحره في الخصومة ثم جره.
(٣) وجأ يجأ: ضربه باليد والسكين.
(٤) «رجال الكشي»: (ص ١١- ١٢) .
(٥) المصدر السابق: ص ١٥.
(٦) المصدر السابق: ص ١٧.
[ ١ / ٣٦٤ ]
وعن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله "ع" يقول: قال رسول الله - ﷺ -: (يا سلمان: لو عرض علمك على مقداد لكفر، يا مقداد: لو عرض علمك على سلمان لكفر) (١) .
ثم إن هذه الروايات التي تحكم بالردة على ذلك المجتمع المثالي الفريد ولا تستثني منه سوى ثلاثة أو أربعة أو سبعة على الأكثر - هذه الروايات ليس فيها لأهل البيت ذكر، فالحكم بالردة في هذه النصوص شامل للصحابة من قرابة رسول الله - ﷺ - وزوجاته أمهات المؤمنين ومن غيرهم، فهي تتناول الصحب والآل مع أن واضعها يزعم التشيع لأهل بيت رسول الله - ﷺ -، فهل هذا إلا دليل على أن التشيع إنما هو ستار لتنفيذ أغراض خبيثة ضد الإسلام وأهله؟.
فعلي، والحسن، والحسين، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل العباس وآل علي وزوجاته - ﷺ - أُمهات المؤمنين ليس لهم ذكر في هذه الروايات، إلا أن هناك رواية عندهم تذكر عليًّا وتنسى الباقين، فعن الفضيل بن يسار عن أبي جعفر "ع" قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما قُبض صار الناس كلهم أهل جاهلية إلا أربعة: علي والمقداد، وسلمان، وأبو ذر. فقلت: فعمار؟ فقال: إن كنت تريد الذين لم يدخلهم شيء فهؤلاء الثلاثة) (٢) .
أما نصوصهم التي تتناول كبار الصحابة وخيارهم على وجه التعيين فهي كثيرة، ولخير هذه الأمة بعد نبيها - كما شهد بذلك أخوهم
_________________
(١) المصدر السابق: ص ١١.
(٢) انظر: «تفسير العياشي»: (١/١٩٩)، «البرهان»: (١/٣١٩)، «الصافي»: (١/٣٠٥) .
[ ١ / ٣٦٥ ]
علي - ﵁ - لهما النصيب الأكبر من هذه الزندقة الحاقدة، ففي «الكافي»: (ثلاثة لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم:
من ادعى إمامة من الله ليست له، ومن جحد إمامًا من الله، ومن زعم أن لهما - يعنون أبا بكر وعمر ﵄ - في الإسلام نصيبًا) (١) .
وفي «روضة الكافي» (أن الشيخين فارقا الدنيا ولم يتوبا ولم يتذكرا ما صنعا بأمير المؤمنين، فعليهما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) (٢) .
وقال شيخهم نعمة الله الجزائري: (قد وردت في روايات الخاصة - يعني شيعته - أن الشيطان يغل بسبعين غلًا من حديد جهنم ويساق إلى المحشر فينظر ويرى رجلًا أمامه يقوده ملائكة العذاب وفي عنقه مائة وعشرون غلًا من أغلال جهنم، فيدنو الشيطان إليه ويقول: ما فعل الشقي حتى زاد علي في العذاب وأنا أغويت الخلق وأوردتهم موارد الهلاك؟، فيقول عمر للشيطان: ما فعلت شيئًا سوى أني غصبت خلافة علي بن أبي طالب) (٣) .
وقال هذا "النقمة" معقبًا على هذه الرواية: (والظاهر أنه - يعني عمر - ﵁ - قد استقل سبب شقاوته ومزيد عذابه ولم يعلم أن كل ما وقع في الدنيا إلى يوم القيامة من الكفر والنفاق واستيلاء أهل الجور والظلم إنما هو من فعلته هذه) (٤) .
_________________
(١) مضى تخريج هذا "النص" من كتبهم ص ٣١٤.
(٢) «الكافي»، كتاب الروضة: (١٢/٣٢٣) (ضمن كتاب شرح جامع للمازندراني) .
(٣) (٤) «الأنوار النعمانية»: (١/٨١- ٨٢) .
[ ١ / ٣٦٦ ]
تلك نظرة من يزعم التشيع لعلي في عمر الذي قال فيه أخوه علي: «ما خلفت أحدًا أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك..» (١) .
وقال هذا "النقمة" - في أبي بكر (-: (نقل في الأخبار - أخبار شيعته - أن الخليفة الأول قد كان مع النبي - ﷺ - وصنمه الذي كان يعبده زمن الجاهلية معلق بخيط في عنقه ساتره بثيابه وكان يسجد - ويقصد أن سجوده لذلك الصنم - إلى أن مات النبي - ﷺ - فأظهروا - كذا - ما كان في قلوبهم) (٢) .
انظر كيف بلغ الحقد والعداء بهؤلاء الذين لبسوا ثوب التشيع لآل البيت زورًا وبهتانًا ضد رواد الإسلام، ومن أقاموا دولة الإسلام وفتحوا ديار هؤلاء المجوس ونشروا الإسلام بينهم، وأطفأوا نار المجوسية والوثنية في بلادهم، وإذا كان هذا مبلغ حقدهم ومقدار سبهم لمن ﵃ وتواتر الثناء عليهم في كتاب الله وسنّة نبيه وقد واراهم التراب من قرون، فكيف يكون مستوى حقدهم وتآمرهم على المسلمين الآخرين؟!
كما قال بعض السلف: «لا يغل قلب أحد على أحد من أصحاب رسول الله - ﷺ - إلا كان قلبه على المسلمين أغل» (٣) .
كما تطاولوا بالسب والتكفير على كثير من خيار الصحابة غير
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عمر: (٧/٤١) (مع شرحه فتح الباري) .
(٢) «الأنوار النعمانية»: (٢/١١١) .
(٣) «الإبانة» لابن بطة: ص ٤١.
[ ١ / ٣٦٧ ]
الشيخين أمثال ذي النورين عثمان بن عفان (١)، وأنس بن مالك (٢) والبراء بن عازب (٣)، ولم يكتف الشيعة بذلك بل طعنوا في آل النبي وأقربائه، في عم النبي العباس (٤) وفي ابنه حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس (٥) وفي بعض زوجاته (عائشة (٦) ﵂.
وظاهرة التكفير والسب عند الشيعة لا تخص جيل الصحابة - كما قدمنا - لكنهم يركزون على صحابة رسول الله - ﷺ - بوجه خاص باعتبار أنهم نقلة الشريعة السماوية، وإلا فهم مثلًا يكفرون جميع الناس بعد مقتل الحسين إلا ثلاثة (٧)، تقول كتب الشيعة إن الناس ارتدوا بعد الحسين إلا ثلاثة، ويطعنون في كل من أنكر إمامة "الاثني عشر" ولو كان من أهل البيت وأولاد فاطمة (٨)، هذا مع أن عليًا (لم يكفر حتى من حاربه من أهل الشام وغيرهم، فقد قال - كما يرويه إمام الشيعة الشريف الرضي في نهج البلاغة - قال في كتابه إلى أهل الأمصار - يذكر فيه
_________________
(١) انظر: «رجال الكشي»: ص ٥٩، ٦٠، «تفسير العياشي»: جـ١ ص ١٤٨، ١٨١، جـ٢ ص ١١٦، «البرهان»: (١/٢٥٤، ٤٧٦) .
(٢) «رجال الكشي»: ص ٤٥.
(٣) المصدر السابق: ص ٤٥.
(٤) «رجال الكشي»: ص ٥٣، ٥٥، ٥٦، «تفسير العياشي»: (٢/٣٠٥، ٣٣٧) .
(٥) «رجال الكشي»: ص ٦٠، وفي «الكافي»: (١/٢٤٧) تكفير لابن عباس (، وأنه سخيف العقل جاهل إلخ.
(٦) انظر: «رجال الكشي»: ص ٥٧- ٦٠، «الكافي»: (١/٣٠٠)، «البحار»: (٥٣/٩٠) .
(٧) «أصول الكافي»: (٢/٣٨٠)، «رجال الكشي»: ص ١٣٣.
(٨) الكليني: «الكافي»: (١/٣٧٢)، وانظر: المجلسي: «البحار»: (٢٥/١١٢- ١١٤) .
[ ١ / ٣٦٨ ]
ما جرى بينه وبين أهل صفين -: (وكان بدء أمرنا أنا التقينا والقوم من أهل الشام، والظاهر أن ربنا واحد، ودعوتنا في الإسلام واحدة، ولا نستزيدهم في الإيمان بالله، والتصديق برسوله ولا يستزيدوننا، الأمر واحد إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان ونحن منه براء) (١) .
وقد أنكر على من يسب معاوية ومن معه فقال - كما في نهج البلاغة أيضًا ـ:
(إني أكره لكم أن تكونوا سبابين، ولكنكم لو وصفتم أعمالهم وذكرتم حالهم كان أصوب في القول، وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبكم إياهم: اللهم أحقن دماءنا ودماءهم وأصلح ذات بيننا وبينهم..) (٢) .
فهذا السب والتكفير لم يكن من هدي علي باعتراف الكتاب الأول عند الشيعة.
ولقد وضعت أيدينا كتب الشيعة نفسها على مؤسس هذا السب والطعن لأكرم خلق الله بعد النبيين، فقالت: إنه عبد الله بن سبأ لأنه هو (أول من أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة وتبرأ منهم وادعى أن عليًا (أمره بذلك) (٣) .
والشيعة - هي تنال من أشرف الخلق بعد الرسل والنبيين - نراها
_________________
(١) «نهج البلاغة»: ص ٤٤٨.
(٢) المصدر السابق: ص ٣٢٣.
(٣) القمي: «المقالات والفرق»: ص ٢٠، وانظر: النوبختي: «فرق الشيعة»: ص ١٩- ٢٠.
[ ١ / ٣٦٩ ]
تدافع عن المرتدين كأصحاب مسيلمة (١)، والزنادقة: كالمختار (٢)، والنصير الطوسي (٣)، بل إنهم يلقبون (أبا لؤلؤة المجوسي قاتل عمر بن الخطاب - ﵁ - بـ "أبابا شجاع الدين") (٤) .
هذه كتب الشيعة تثني على أقزام التاريخ وحثالة البشر وأعداء الإسلام، وتسب وتطعن وتكفر خيار الأمة وروادها.
ولا شك أن الطعن في صحابة رسول الله - ﷺ - هو طعن في دين الله وشرعه، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (من زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله ﵊ إلا نفرًا قليلًا لا يبلغون بضعة عشر نفسًا أو أنهم فسقوا عامتهم، فهذا لا ريب أيضًا في كفره، لأنه مكذب لما نصه القرآن في غير موضع من الرضى عنهم والثناء عليهم، بل من يشك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين، فإن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب والسنّة كفار أو فسّاق وأن هذه الآية التي هي: (كنتم خير أمة أخرجت للناس) (٥) وخيرها هو القرن
_________________
(١) انظر: عبد الله العلايلي، الإمام الحسين، مقدمة الطبعة الثانية: ص٣، ٤، ١٩. وراجع «المنتقى»: ص ٢٧١- ٢٧٣.
(٢) انظر: ابن إدريس: «السرائر»: ص ٤٧٥، وانظر: حسين البرقي: «تاريخ الكوفة»: ص ٦٢.
(٣) انظر: الخوانساري: «روضات الجنات»: (٦/٣٠٠، ٣٠١)، وانظر: الخميني: «الحكومة الإسلامية»: ص ١٢٨. وقد قال ابن القيم - ﵀ - عن هذا الطوسي - الذي تثني عليه كتب الشيعة -: نصير الشرك والكفر، الملحد وزير الملاحدة، النصير الطوسي وزير هولاكو. ثم تحدث عن آرائه الملحدة ومؤامراته ضد المسلمين.. انظر: «إغاثة اللهفان»: (٢/٢٦٣) .
(٤) عباس القمي: «الكنى والألقاب»: (٢/٥٥) .
(٥) من الآية ١١٠ من سورة آل عمران.
[ ١ / ٣٧٠ ]
الأول، كان عامتهم كفارًا أو فساقًا، ومضمونها أن هذه الأمة شر الأمم وأن سابقي هذه الأمة هم شرارها، وكفر هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام، ولهذا تجد عامة من ظهر عليه شيء من هذه الأقوال فإنه يتبين أنه زنديق..) (١) .
وبعد:
فهذه هي أهم عقائد القوم التي خالفوا بها جماعة المسلمين، ولهم بالإضافة لذلك شذوذات في "مسائل الفقه" خالفوا بها ما تواتر من النصوص وقد درج أئمة السنّة على ذكر مثل هذه المسائل في مباحث العقيدة، ولضيق المجال حسبنا أن نشير إلى أن صاحب مختصر التحفة الاثني عشرية قد ذكر معظم هذه المسائل في مختلف أبواب الفقه (٢)، وللدكتور علي السالوس دراسة جديدة في بابها لهذه القضايا أثبت فيها شذوذهم، وناقشه بما ورد عن أهل السنّة، وبما ورد في كتب الشيعة من روايات توافق ما عند أهل السنّة، ونقض رد علماء الشيعة لرواياتهم الموافقة لأهل السنّة بدعوى التقية، وهو منهج يستحق الإشادة والتقدير (٣) .
والذي جعلنا نكتفي بهذه الإشارة ولا ندرس هذه القضايا إيماننا بأن التقريب يبدأ من الأصول أولًا..
ومن العجب أن الشيعة يغالون في قيمة كل مسألة يشذون بها عن أهل السنّة، حتى في المسائل الفقهية والعملية. فمثلًا "مسألة المتعة"
_________________
(١) «الصارم المسلول»: ص ٥٨٦- ٥٨٧.
(٢) انظر: «مختصر التحفة الاثني عشرية»: ص ٢٠٧ وما بعدها.
(٣) انظر: كتابه في هذا المسمى: «فقه الشيعة الإمامية ومواضع الخلاف بينه وبين المذاهب الأربعة»، نشر مكتبة ابن تيمية، الكويت ١٣٩٨هـ.
[ ١ / ٣٧١ ]
لم يكتفوا بإباحتها بل رتبوا على تركها وعيدًا شديدًا.
فمن رواياتهم في ذلك أن (من خرج من الدنيا ولم يتمتع جاء يوم القيامة وهو أجدع (١» (٢) .
وجعلوا لفاعلها أجرًا عظيمًا حتى قالوا: إن من تمتع أربع مرات كان كرسول الله - ﷺ - في الأجر، ونسبوا هذه "القولة الشنيعة" إلى رسول الله - ﷺ -. تقول روايتهم: قال النبي؟: (من تمتع مرة كان درجته كدرجة الحسين (ومن تمتع مرتين فدرجته كدرجة الحسن ومن تمتع ثلاث مرات كان درجته كدرجة علي ومن تمتع أربع مرات كانت درجته كدرجتي) (٣) .
وقالوا: من لم يقل بالمتعة فليس بشيعي، فمن رواياتهم: (ليس منا من لم يؤمن بكرتنا ويستحل متعتنا) (٤) .
وفسروا آيات من كتاب الله "بالمتعة"، فمن ذلك ما رووه عن الباقر "ع" أن عبد الله بن عطا المكي سأله عن قوله تعالى: (وإذ أسر النبي.. الآية «٥) فقال: (إن رسول الله - ﷺ - تزوج بالحرة متعة فاطلع عليه بعض نسائه فاتهمته بالفاحشة!! فقال: إنه نكاح بأجل فاكتميه فاطلعت، عليه بعض نسائه) (٦) .
_________________
(١) مقطوع الأنف والأذن.
(٢) فتح الله كاشاني: «منهج الصادقين»: ص ٣٥٦ (فارسي) طبعة إيران.
(٣) «تفسير منهج الصادقين» لملا فتح الله كاشاني: ص ٣٥٦ (فارسي) .
(٤) مضى تخريج هذا "النص" من كتبهم ص ٣٤١.
(٥) التحريم: آية ٣.
(٦) الحر العاملي: «وسائل الشيعة»، كتاب النكاح، أبواب المتعة: (٧/٤٤٠) . وانظر: ابن بابويه القمي: «من لا يحضره الفقيه»: (٢/١٥١) .
[ ١ / ٣٧٢ ]
هذا مجرد مثال لمبالغتهم في تعظيم الشذوذ وإن كانت في الفقه. والمتعة إنما هي جزء من فوضى سلوكية عندهم ما أَنزل الله بها من سلطان (١) .
ومن الملاحظ أَنهم يروون روايات في تحريم المتعة ولكن مشايخهم يردونها بحجة التقية بلا دليل وبرهان. ففي كتبهم: (عن زيد بن علي عن آبائه عن علي - ﵁ - قال: حرم رسول الله - ﷺ - خيبر لحوم الحمر الأَهلية ونكاح المتعة) (٢) .
قال شيخهم الحر العاملي: (أقول حمله الشيخ (٣) وغيره على التقية - يعني في الرواية - لأَن إِباحة المتعة من ضروريات مذهب الإِمامية) (٤) .
هذا مثال واحد لشذوذهم في مسائل الفروع، ونكتفي بهذا المثال وبما أَشرنا إِليه من بعض المراجع للسبب الذي ذكرناه آنفًا.
وقد لاحظت أَنه لا يوجد لهم شذوذ ومخالفة إِلا وهناك في الغالب بعض الروايات التي تنفي هذا الشذوذ والمخالفة، ولكن شيوخهم يعملون بالشذوذ ويردون ما يوافق أَهل السنّة بحجة التقية. فهل هذا عمل من يريد التقارب؟!
_________________
(١) فعندهم يباح وطء الزوجة مع الدبر. انظر: «وسائل الشيعة»: (١٤/١٠٣) وغيرها، وورد في أحاديثهم حديث هو من أصول الباطنيين في الإباحية وهو ما رووه عن الحسن العطار قال: سألت أَبا عبد الله "ع" عن عارية الفرج قال: لا بأس.. «وسائل الشيعة»: (٧/٥٤٠)، الطوسي: «التهذيب»: (٢/١٨٥)، «الاستبصار»: (٣/١٤١)، «فروع الكافي»: (٢/٤٨) .
(٢) انظر: «التهذيب»: (٢/١٨٤)، «الاستبصار»: (٣/١٣٢)، «وسائل الشيعة»: (٧/٤٤١) .
(٣) إِذا أُطلق "الشيخ" في كتب الشيعة فالمراد به "الطوسي".
(٤) «وسائل الشيعة»: (٧/٤٤١) .
[ ١ / ٣٧٣ ]
النتيجة للباب الأول والثاني
وبعد هذه الدراسة والتعريف والبيان لما ينفرد به أَهل السنّة حقيقة ومصدرًا وعقيدة، وما ينفرد به الشيعة عن المسلمين في ذلك - بعد هذا كله هل نستطيع أَن نحكم على مسأَلة التقريب من خلال ما سبق؟
لقد رأَينا كيف وضع الشيعة مذهبهم على أسس تنأَى بهم عن الجماعة الإِسلامية، وتبتعد عن العودة إِلى المسلمين.
ولم يكن هذا البعد وليد يوم وليلة، بل هو مخاض سنين طويلة، كان أُولئك المتسترون بالتشيع يعملون عملهم في البعد بالشيعة عن أُمة الإِسلام كما كانوا دائبين على خلق الفرقة بين المسلمين.
فكان من الشيعة، من خرج عن دائرة الإِسلام كفرق الباطنية.
وكان منهم من ظل في هذه الدائرة على انحراف كمعتدلة الزيدية.
وكانت منهم طائفة في يوم من الأَيام وسطًا ولكنها اليوم استقرت عقائدها على مركب الغلو، وانمحت السدود العازلة بينهم وبين الغلاة، وإِليك البيان لذلك في ضوء ما سبق.
إِن الشيعة التي تسمى بالإِثنا عشرية، وبالإِمامية، وبالرافضة، وبالجعفرية، تلك التي تشكل أَكثرية الشيعة اليوم، حتى قالوا: إِن لفظ
[ ١ / ٣٧٥ ]
الشيعة إِذا أُطلق - اليوم - فلا ينصرف إِلا إليها، وغيرها إِما زيدية وإما إسماعيلية - كما مر - هذه الطائفة قد عزلت نفسها عن جماعة المسلمين بمصادر لها خاصة تأخذ منها دينها وعقائدها.
وهذه المصادر والدواوين التي اعتمدتها في التلقي هي - كما مر النقل عنها ومن خلال القراءة الطويلة فيها أثناء هذا البحث - قد استوعبت آراء فرق الشيعة من خلال القرون، ذلك أنه بالمقارنة بين ما في كتب الاثني عشرية وبين آراء فرق الشيعة في كتب الفرق وغيرها؛ نجد أنه ما من رأي أو فكرة نادت بها طائفة من فرق الشيعية في حقب التاريخ المختلفة إلا ونجد لها شاهدًا ودليلًا في كتب الاثني عشرية، حتى يكاد القارئ لذلك يحكم بأن ذلك التقسيم الكثير للشيعة وذكر طوائفها المتعددة قد أصبح اليوم لا داعي له، لأن هذه الطائفة الاثني عشرية قد استوعبت تلك الآراء والعقائد.
وهذه حقيقة مهمة وكبيرة ولم تكن واضحة قديمًا كما هي اليوم بعد انتشار كتب الاثني عشرية.
وإن دراسة مقارنة لآراء تلك الفرق، وما جاء في كتب الاثني عشرية لهي دراسة جديدة نافعة تكشف حقائق هامة، والمجال لا يتسع لذلك، فلنأخذ أمثلة على ما نقول لنرى كيف استقر مركب الاثني عشرية على الغلو.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:
(وكذلك - أي في الحكم بالتكفير - من زعم أن القرآن نقص منه آيات وكتمت..) ثم بيّن أن هذا مذهب القرامطة والباطنية (١) .
_________________
(١) «الصارم المسلول»: ص ٥٨٦.
[ ١ / ٣٧٦ ]
هذا القول الذي نسبه ابن تيمية للباطنية نجد في دواوين الشيعة الاثني عشرية ما يشهد له ويؤيده.
وقد رأينا اشتمال الكتب الأساسية عند الاثني عشرية على أحاديث تقول بنقص القرآن. وزعم علماء الشيعة كالمفيد في «أوائل المقالات»، والمجلسي في «مرآة العقول»، والمازندراني في «شرحه للكافي» وغيرهم أن الأحاديث التي تقول بنقص القرآن وتحريفه متواترة من طرقهم.
وشهد عالمهم نعمة الله الجزائري أنها بلغت أكثر من ألفي حديث، وأقر علماء الشيعة بأنه مذهب لكبار علمائهم كالكليني، وشيخه القمي، والطبرسي صاحب «الاحتجاج»، والمجلسي صاحب «البحار» وغيرهم كما مر بيانه وتفصيله.
أفلا يحق لنا القول بأن آراء القرامطة قد تضمنتها كتب الاثني عشرية وأصبح التقسيم بينهما اسميًا لا حقيقيًا في هذا؟.
والغريب أن كتب الاثني عشرية التي تضمنت القول بنقص القرآن وتحريفه، كان منها ما هو قبل ابن تيمية بقرون مثل «الكافي» للكليني (ت ٣٢٩) وتفسير إبراهيم القمي شيخ الكليني وغيرهما، فهل كانت هذه الكتب سرية التداول بين الشيعة أو أن تلك الآراء الشاذة أُضيفت إليها فيما بعد؟، أو أن علماء السنّة لم يهتموا بالاطلاع على كتبهم لكذبهم؟!!! على أية حال إن ما ينسبه ابن تيمية للقرامطة هو متواتر في كتب الاثني عشرية.
[ ١ / ٣٧٧ ]
ومثلًا "عقيدة البداء" (اعتبرها أصحاب الفرق من عقائد الغلاة) (١) ونسبوها للمختارية (٢) وهي من الغلاة، ومع ذلك - كما مر - قد ورد في صحيحهم «الكافي» ستة عشر حديثًا في البداء، وفي «البحار» في باب البداء، والنسخ أكثر من سبعين حديثًا، وصار البداء من عقائد الاثني عشرية، وإن حاول علماؤهم أن يلتمسوا مخلصًا له لينجوا من تكفير المسلمين لهم لقولهم بهذه العقيدة الضالة.
وكذلك "عقيدة الرجعة" (اعتبروها من عقائد الغلاة) (٣)، وقد ذكرت كتب الشيعة (٤) والسنّة (٥) أنها من أصول عقائد ابن سبأ اليهودي، ومع ذلك فهي من أصول عقائد الإمامية.
ومسألة "تفضيل الأئمة على الأنبياء" هي مذهب غلاة الروافض كما قال ذلك الإمام عبد القاهر البغدادي (٦) (ت ٤٢٩هـ) والقاضي عياض (٧) (ت ٥٤٤هـ) وشيخ الإسلام ابن تيمية (٨) (ت ٧٢٨هـ)، ونقل شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب (إجماع المسلمين على كفر من ذهب إلى هذا القول) (٩) .
_________________
(١) انظر: الشهرستاني: «الملل والنحل»: (١/١٧٣) .
(٢) المختارية: أتباع المختار بن أبي عبيد الثقفي، ومن مذهبه أنه يقول بالبداء على الله تعالى.. «الملل والنحل»: (١/١٤٧- ١٤٨) .
(٣) «الملل والنحل»: (١/١٧٣)، «هدي الساري مقدمة فتح الباري»: ص ٤٥٩.
(٤) سعد القمي: ص ٢٠- ٢١، النوبختي: «فرق الشيعة»: ص ١٩.
(٥) البغدادي: «الفرق بين الفرق»: ص ٢٣٣- ٢٣٤.
(٦) «أصول الدين»: ص ٢٩٨.
(٧) ورأى أن هذا من أسباب كفرهم فقال: (ونقطع بتكفير غلاة الرافضة في قولهم أن الأئمة أفضل من الأنبياء) «الشفاء»: ص ٢٩٠.
(٨) «منهاج السنّة»: (١/١٧٧) الطبعة الأولى.
(٩) «الرد على الرافضة»: ص ٢٩.
[ ١ / ٣٧٨ ]
ومع ذلك فهي من عقائد الاثني عشرية، وفي كتب حديثهم، وقد عقدوا لها بابًا خاصًا - كما سبق - (١) كما ألف شيوخهم في إثباتها مؤلفات مستقلة (٢) .
والأمثلة على قضية استيعاب مدونات الاثني عشرية لعقائد الفرق الغالية كثيرة وبسط هذا الموضوع يحتاج لبحث مستقل.
وقد رأيت بعض علماء الشيعة المعاصرين أشار إلى هذا الرأي فقال: (ولكن يجب أن نشير قبل أن نضع القلم بأن ما مر بنا من أفكار الشيعة مما كان خاصًا بفرقة بعينها لم يلبث أن دخل كله في التشيع الاثني عشري ودعم بالحجج العقلية وبالنصوص. والتشيع الحالي إنما هو زبدة الحركات الشيعية كلها من عمار (٣) إلى حجر ابن عدي إلى المختار وكيسان إلى محمد بن الحنفية وأبي هاشم إلى بيان بن سمعان، والغلاة الكوفيين إلى الغلاة من أنصار عبد الله بن الحارث إلى الزيديين
_________________
(١) انظر: ص ٢٩٣ من هذا البحث.
(٢) مثال كتاب: «تفضيل علي - ﵁ - على أولي العزم من الرسل» لشيخهم هاشم بن إسماعيل البحراني (ت ١١٠٧هـ)، و«تفضيل الأئمة ﵈ على الأنبياء عدا نبينا ﵌» للمؤلف السابق ذكره، و«تفضيل أمير المؤمنين على من عدا خاتم النبيين» لشيخهم محمد باقر المجلسي (ت ١١١١هـ)، و«تفضيل أمير المؤمنين (على غير النبي ﵌..» لسيدهم محمد النقوي اللكهنوي (ت ١٢٨٤هـ) وغيرها. انظر: «الذريعة إلى تصانيف الشيعة»: (٤/٣٥٨- ٣٦٠)، «لؤلؤة البحرين»: ص ٦٤، ويقول شيخهم نعمة الله الجزائري (ت ١١١٢هـ): (هذا مذهب أكثر متأخري الإمامية، وهو الصواب) . انظر: «الأنوار النعمانية»: (١/٢٠- ٢١)، وهذا المذهب هو الذي اعتمده شيخ الشيعة المعاصرين: الخميني. انظر: «الحكومة الإسلامية»: ص ٥٢.
(٣) هذا بناء على اعتقاده أن عمارًا وبعض الصحابة كانوا نواة للتشيع، وهذا "رأي" قد أشرنا إلى فساده في مبحث نشأة الشيعة.
[ ١ / ٣٧٩ ]
والاسماعيليين، ثم الإمامية التي صارت اثنا عشرية، وقام بعملية المزج متكلمو الشيعة ومصنفوها) (١) .
إذن كتب الاثني عشرية الأساسية هي الدن الذي امتزجت فيه كل التهريفات الشيعية، واستقر بنيان التشيع الاثني عشري على الأصول العامة للتشيع.
من هنا رأى البعض أن (أصول مذهب الغلاة والمفوضة والباطنية من الإسماعيلية والإمامية الاثني عشرية مختلطة بعضها ببعض في كثير من المسائل، ولذلك قيل: الإمامية دهليز الباطنية) (٢) .
ولقد رأينا كيف أن النزعة السبئية التي تضفي صفات الإله على الأئمة قد بدت واضحة من خلال أحاديث الاثني عشرية، فالأئمة يعلمون ما كان وما يكون ولا يخفى عليهم شيء، ولا يسهون ولا ينسون ولا يخطئون مطلقًا، إلى آخر قائمة الأوصاف التي يجعلونها للأئمة التي هي من خصائص الجبار جل علاه..
كما أن النزعة الباطنية واضحة في كتب الاثني عشرية في تأويلهم لآيات القرآن، وأركان الإسلام، ودعواهم نقص القرآن وغيرها.
ومن يطالع بعض الكتب الإسماعيلية يرى وفاقًا في كثير من أحاديث الطائفتين حول العقيدة (٣)، ويشير بعض علماء الاثني عشرية إلى
_________________
(١) مصطفى الشيبي: «الصلة بين التصوف والتشيع»: ص ٢٣٥.
(٢) محمد بن الحسن الديلمي (من علماء القرن الثامن الهجري) «قواعد آل محمد»: ص ١١.
(٣) من الأمثلة لذلك أنه يرد حديثهم: (من لم يؤمن برجعتنا فليس منا) في كتب الإسماعيلية. انظر: ص٩ من «مسائل مجموعة» ضمن كتاب «أربعة كتب إسماعيلية»، كما ورد في كتب الاثني عشرية.
[ ١ / ٣٨٠ ]
وحدة الأصل في التلقي بين الإسماعيلية والاثني عشرية فيقول: (وإذا لم يكن الفاطميون على المذهب الاثني عشري فإن هذا المذهب قد اشتد أزره ووجد منطلقًا في عهدهم، فقد عظم نفوذه ونشط دعاته.. ذلك أن الاثني عشرية والإسماعيلية - وإن اختلفوا من جهات - فإنهم يلتقون في هذه الشعائر، وبخاصة في تدريس علوم آل البيت والتفقه فيها وحمل الناس عليها) (١) .
ولهذا نرى بعض كتب الإسماعيلية من المراجع المعتبرة عند الاثني عشرية ويرجع إليها كبار علمائهم العاصرين في بحوثهم (٢)، مثل كتاب (دعائم الإسلام) للقاضي النعمان بن محمد بن منصور بن حيان (ت ٣٦٣) وهو إسماعيلي، كما تؤكد ذلك بعض مصادر الشيعة الاثني عشرية نفسها (٣) .
وقد جاء في دائرة المعارف عن انفتاح الاثني عشرية على الغلاة هذا القول: (على أن الحدود لم تقفل تمامًا أمام الغلاة، يدل على ذلك التقدير الذي دام طويلًا للكتاب الأكبر للإسماعيلية وهو كتاب «دعائم الإسلام») (٤) .
وغير الإسماعيلية من سائر الفرق التي بقيت أو اندرست؛ دخلت أفكارها في مدونات الاثني عشرية.
وقد رأينا فيما سبق أن الطوسي قد ذكر أن معظم رجالهم في الحديث من أصحاب المذاهب الفاسدة، ومع ذلك قال: إن كتبهم
_________________
(١) محمد جواد مغنية: «الشيعة في الميزان»: ص ١٦٣.
(٢) مثل الخميني في كتابه «الحكومة الإسلامية» . انظر: ص ٦٧.
(٣) قال الشيعي الاثنا عشري ابن شهراشوب (ت ٥٨٨هـ): (القاضي النعمان بن محمد ليس بإمامي) «معالم العلماء»: ص ١٣٩.
(٤) «دائرة المعارف الإسلامية»: (١٤/٧٢) .
[ ١ / ٣٨١ ]
معتمدة، ولعل هذا من أسباب دخول أفكارهم إلى التشيع الاثني عشري.
وقد لاحظنا أن بعض شيوخ الاثني عشرية وآياتها إذا تحدثوا عن طائفتهم ورجالها ودولها - نسبوا لها كل الفرق والدول والرجال المنتمين للتشيع، وإن كانوا من الإسماعيلية والباطنية أو من الزنادقة الدهرية أو من المجسمة الغلاة.
فهم إذا تحدثوا - مثلًا - عن دول الشيعة ذكروا الدولة الفاطمية في صدر دولهم مع أنها غير اثني عشرية (١) .
وإذا جاء ذكر رجالهم رأيت منهم كثيرًا من رؤوس الضلال والزندقة ممن تنسب إليهم فرق ليست من الاثني عشرية.
ولكن هذه الطائفة تتبنى هذه الفرق ورجالها لأنها احتوت أفكارها وبدعها.
لهذا نرى - مثلًا - شيخ الشيعة محسن الأمين يقول عن الهشامية (٢) أتباع هشام بن الحكم..، واليونسية أتباع يونس بن عبد الرحمن القمي (٣)، والشيطانية أتباع محمد بن النعمان "شيطان
_________________
(١) انظر: «الشيعة في الميزان» مبحث دول الشيعة: ص ١٢٧وما بعدها، وانظر: «أعيان الشيعة»: (١/٤٤، ٤٥)، وانظر: «دول الشيعة» لمحمد جواد مغنية.
(٢) وهذه الطائفة جمعت بين ضلالها في الإمامة ضلالة التشبيه والتجسيم حتى قال الإسفراييني: (أنهم أفصحوا في التشبيه بما هو كفر محض باتفاق المسلمين) «التبصير»: ص ٤٣- ٤٤. وانظر: الأشعري: «مقالات الإسلاميين»: (١/١٠٦- ١٠٧)، عبد القاهر البغدادي: «الفرق بين الفرق»: جـ ٦٥.
(٣) وكان في الإمامة على مذهب القطعية الذين قطعوا بموت موسى بن جعفر، وكان مفرطًا في باب التشبيه. انظر: الأشعري: «مقالات الإسلاميين»: (١/١٠٦)، البغدادي: «الفرق بين الفرق»: ٧٠.
[ ١ / ٣٨٢ ]
الطاق» (١) وغيرهم (أنهم عند الشيعة الإمامية كلهم ثقات صحيحو العقيدة، فكلهم إمامية واثنا عشرية) (٢) .
ويلاحظ أنه من منطلق استيعاب الاثني عشرية لآراء الفرق الأخرى - رأينا بعض علماء الشيعة الاثني عشرية قد أضفى صفة الشرعية على بعض الغلاة الكفرة كالنصيرية (٣) .
وهذا التطور العقدي عند الاثني عشرية يؤكده بعض علماء الشيعة المعاصرين بصراحة وهو عبد الله الممقاني (٤) - الذي يعدونه
_________________
(١) والشيعة تسميه مؤمن الطاق وله وطائفته ضلال شنيع في الإمامة، والقدر والتشبيه، وكان في الإمامة على مذهب القطعية، أي ليس باثني عشري. البغدادي: «الفرق بين الفرق»: ص ٧١، الشهرستاني، «الملل والنحل»: (١/١٨٦- ١٨٧)، الإسفراييني: «التبصير»: ص ٤٣.
(٢) «أعيان الشيعة»: (١/٢١) .
(٣) كتب أحد علماء الشيعة الاثني عشرية المعاصرين وهو المدعو "حسن الشيرازي" رسالة سماها: «العلويون شيعة أهل البيت» (والعلويون لقب للنصيرية) وذكر في رسالته هذه أنه التقى بالنصيريين في سوريا ولبنان وذلك بأمر من مرجعهم الديني "محمد الشيرازي" (أخي حسن)، وقال بأنه وجدهم كما يظن من شيعة أهل البيت الذين يتمتعون بصفاء الإخلاص وبراءة الالتزام بالحق وينتمون إلى علي بن أبي طالب بالولاية وبعضهم ينتمي إليه بالولاية والنسب.. وقال: إن العلويين والشيعة كلمتان مترادفتان مثل كلمتي الإمامية والجعفرية. حسن الشيرازي: «العلويون شيعة أهل البيت»: ص ٢- ٣. هذا ولم ينكر على هذا الشيرازي أحد من علماء الاثني عشرية مع أنه قد عرف واشتهر عن النصيرية الكفر والزندقة. انظر: ابن تيمية: «الفتاوى»: (٣٥/١٤٥) وما بعدها، بل هم يكفرون في كتب الشيعة القديمة نفسها، انظر مثلًا: «البحار»: (٢٥/٢٨٥، ٢٨٦) .
(٤) عبد الله بن محمد الممقاني من كبار شيوخ الشيعة، ولد بالنجف سنة ١٢٩٠هـ. وتوفي بها سنة ١٣٥١هـ ومن كتبه: «تنقيح المقال في علم الرجال» في ثلاث مجلدات. «معجم المؤلفين»: (٦/١١٦) .
[ ١ / ٣٨٣ ]
من كبار علمائهم المعاصرين في علم الرجال - يقول في معرض دفاعه عن المفضل بن عمرو الجعفي فيما رمي به من الغلو من قبل بعض علماء الشيعة القدماء: (إنا قد بينا غير مرة أن رمي القدماء الرجل بالغلو لا يعتمد عليه ولا يركن إليه، لوضوح كون القول بأدنى مراتب فضائلهم - يعني الأئمة - غلوًّا عند القدماء، وكون ما نعده اليوم من ضروريات مذهب التشيع غلوًّا عند هؤلاء، وكفاك في ذلك عد الصدوق نفي السهو عنهم غلوًّا مع أنه اليوم من ضروريات المذهب، وكذلك إثبات قدرتهم على العلم بما يأتي - أي علم الغيب - بتوسط جبرائيل والنبي غلوًّا عندهم ومن ضروريات المذهب اليوم) (١) .
فهذا الممقاني يعترف بالتطور العقدي عندهم، ويحكم بأن ما كان يعد غلوًّا في عرف الشيعة المتقدمين - مثل أن الأئمة يعلمون الغيب، ولا يسهون - هو اليوم من ضروريات مذهب التشيع.
ومن هذا المنطلق نرى شيخ الشيعة المعاصر: محمد حسين آل كاشف الغطا يحكم على جميع فرق الشيعة الموجودة اليوم بعدم الغلو ويزعم أن جميع الفرق الغالية قد بادت ولا يوجد منها اليوم نافخ ضرمة (٢) (٣) .
والواقع أن أسماء معظم تلك الفرق قد اختفت وبقيت آراؤها وأفكارها في كتب الاثني عشرية.
_________________
(١) «تنقيح المقال»: جـ٣ ص ٢٤٠.
(٢) انظر: «أصل الشيعة وأصولها»: ص ٣٨، «دعوة التقريب»: ص ٧٥.
(٣) وقال الدكتور سليمان دنيا - معلقًا على قول آل كاشف الغطا هذا - قال: (فما يكون الأغاخانية؟ أليسوا قائلين بالحلو؟! أوَ ليسوا مع قولهم بالحلول ملاحدة؟! أوَ ليسوا منتسبين إلى الشيعة؟ وأخيرًا أو ليسوا على رقعة الأرض اليوم؟): «بين السنّة والشيعة»: ص ٣٧.
[ ١ / ٣٨٤ ]
وقد تنبه لهذه الحقيقة - وهي تطور معتقدهم نحو الغلو - الشيخ: ملا علي القاري (١) وذلك حينما نقل قول الإمام النووي (٢) وهو: إن (المذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون والمحققون أن الخوارج لا يكفرون كسائر أهل البدع) (٣) فقال القاري معقبًا على ذلك (قلت: وهذا في غير حق الرافضة الخارجة في زماننا، فإنهم يعتقدون كفر أكثر الصحابة فضلًا عن سائر أهل السنّة والجماعة، فهم كفرة بالإجماع بلا نزاع) (٤) .
ولعل هذه الظواهر هي التي دعت محب الدين الخطيب إلى أن يحكم بأن مدلول الدين عند الشيعة يتطور، ثم استدل على ذلك بقول الممقاني السالف الذكر، ثم قال: (هذا تقرير علمي في أكبر كتاب وأحدثه لهم في الجرح والتعديل يعترفون فيه بأن مذهبهم الآن غير مذهبهم قديمًا، فما كان يعدونه قديمًا من الغلو وينبذونه وينبذون أهله بسبب ذلك، صار الآن - أي الغلو - من ضروريات المذهب. فمذهبهم اليوم غير مذهبهم قبل الصفويين ومذهبهم قبل الصفويين غير مذهبهم قبل ابن المطهر ومذهبهم قبل ابن المطهر غير مذهبهم قبل آل بويه، ومذهبهم
_________________
(١) علي بن محمد سلطان الهروي المعروف بالقاري الحنفي، نزيل مكة، وأحد صدور العلم، ألف التآليف الكثيرة النافعة منها شرحه على المشكاة في مجلدات وهو أكبرها، وشرح الشفا، وشرح النخبة وغيرها توفي بمكة سنة ١٠١٤هـ. انظر: «خلاصة الأثر»: (٣/١٨٥، ١٨٦) .
(٢) شيخ الإسلام محي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف بن مزي الخزامي، النووي صنف التصانيف النافعة في الحديث والفقه وغيرهما كـ «شرح مسلم»، و«الروضة»، و«شرح المهذب» وغيرها. توفي سنة ٦٧٦هـ. السيوطي: «تذكرة الحفاظ»: ص ٥١٠.
(٣) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم: (٢/٥٠) .
(٤) «مرقاة المفاتيح»: (٩/١٣٧) .
[ ١ / ٣٨٥ ]
قبل آل بويه غير مذهبهم قبل شيطان الطاق ومذهبهم قبل شيطان الطاق غير مذهبهم في حياة علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين) (١) .
ولعل من أكبر العوامل لاستقرار هذا المذهب على الغلو هو استيعاب مدونات الروافض لآراء تلك الفرق الشاذة، وقبولهم لروايات أصحاب تلك الفرق لأنهم «شيعة»، فهم مقبولون بغض النظر عن معتقدهم فمع التشيع لا يضر انتحال أي نحلة!
ولهذا انبثق من الروافض كثير من الفرق الخارجة عن الإسلام (٢) .
هذا وقبل أن نرفع القلم عن هذا الموضوع نضيف حقيقة مهمة في هذا المجال وهي أنه يوجد للاتجاه الشيعي المعتدل أثر في مدونات الروافض في أحاديث تثني على الصحابة وترفض التقية، وتوافق المسلمين في معتقدهم، لكن علماء الروافض رفضوا العمل بها بحجة أنها وردت مورد التقية، في حين أنهم لا يملكون دليلًا يؤكدون به ذلك سوى أنها موافقة لجمهور المسلمين، وهذا دليل عليهم لا لهم.
وإننا نعتقد أنه بالإمكان استخلاص هذا الأثر الشيعي المعتدل من كتب الشيعة ليكون شمعة ضوء تهدي المخلصين في البحث عن الحق، وعلى ضوئه يمكن التقارب، وسيأتي تفصيل هذا في مبحث "هل من طريق إلى التقريب؟ ".
_________________
(١) هامش «المنتقى»: ص ١٩٣.
(٢) فالنصيرية والإسماعيلية والباطنية من بابهم دخلوا. «المتقى»: ص٩. وكذلك الشيخية والكشفية والبهائية من صميمهم خرجوا، هامش «المنتقى»: ص ٩. وأصبح التشيع مأوى لكل من أراد الكيد للإسلام والمسلمين.
[ ١ / ٣٨٦ ]
لكن ذلك الغثاء الذي حوته كتب الشيعة هو الذي يمثل القسم الأكبر، وقد وضع الشيعة قاعدة تقديم الأكثر على الأقل (١) فبقي هذا الأكثر يشكل العقبة الكؤود بينهم وبين المسلمين.
لقد كان الأحرى بالشيعة - وهم اليوم ينشطون في الدعوة إلى التقارب مع أهل السنّة - أن يبدأوا بإزالة تلك العوائق الكامنة في أصول مذهبهم ما دامت لهم رغبة في الالتقاء مع الأمة.
إن مجرد إطلاق القول بأنه لا خلاف بين الطائفتين لا يؤدي الغرض المنشود في التقارب وتحقيق ما يؤمله المسلمون من الألفة والوحدة.
ما القيمة العملية - مثلًا - للأصل الذي وضعه الروافض وجعلوه من أسس مذهبهم وهو أن مخالفة العامة - أي أهل السنّة - فيها الرشاد؟ وهل هذا منطق علمي للوصول إلى الحق، أم هو تعصب مذهبي أعمي؟ وهل هذا إلا من وضع زنديق لتفريق الأمة، والخروج عن إجماع المسلمين؟
ولماذا يردُّ علماء الشيعة ما في كتبهم من أحاديث توافق أهل السنّة، ويزعمون أنها تقية لأنها توافق مذهب الأمة؟! وهل هذا صنيع من يريد التقارب واللقاء؟.
حتى إن هذه التقية كانت سببًا في ضياع مذهب أهل البيت الحقيقي في كتب الشيعة، وكانت من عوامل تفريق شمل الأمة، والكذب على الأئمة.
_________________
(١) وذلك باعتبار أن هذا الأقل ورد مورد التقية، قال المفيد: (وما خرج للتقية لا تكثر روايته عنهم كما تكثر رواية المعمول به) «شرح عقائد الصدوق»: ص ٢٦٧، ملحق (ب) «أوائل المقالات» .
[ ١ / ٣٨٧ ]
إن الشيعة اليوم وهي تتنادى بالتقارب، وتزعم أنه لا خلاف بينها وبين المسلمين، وتدعو أن يرجع المسلمون إلى كتبها في الحديث - إن هذه الشيعة إذا كانت جادة بهذه الدعوة فلا بد لها من أن تزيل العقبات التي تحول دون ذلك.
فكيف يحتج ويثق المسلمون بكتب تواتر فيها الطعن في كتاب الله، ودعوى أنه ناقص ومحرف؟!
وكيف يتلقى المسلمون دينهم من رجال هذه عقيدتهم؟ فهل نتلقى ديننا عمن يسعى لهدمه وتغييره؟!
وكيف نجتمع على كتاب الله وهم بتأويلهم المنحرف وتفسيرهم الباطني قد جعلوا منه كتابًا آخر غير ما في أيدي المسلمين؟!
ثم كيف يؤمن المسلمون بتلك الدعاوى الغريبة التي تتضمن الزعم بنزول كتب إلهية بعد كتاب الله (؟!
هل بهذه المزاعم والمفتريات تستطيع الشيعة أن تقترب من الأمة؟
أما السنّة المطهرة فالبون بيننا وبينهم فيها كبير كما رأينا؛ فهم يزعمون أن أقوال أئمتهم الاثني عشر كأقوال الله ورسوله، وأن الرسول - ﷺ - كتم جزءًا من الشريعة وأودعه الأئمة، ويؤمنون بحكايات الرقاع ويبنون عليها دينهم ويقبلون مرويات رجال هم عند المسلمين من الكذبة والدجالين، ويطعنون في خيار الخلق بعد النبيين والرسل ويردون أحاديثهم..
فهل نلتقي معهم في "السنة" وهذا معتقدهم فيها؟!
وكيف يمكن أن نزيل أسباب النزاع والخلاف بالرجوع إلى
[ ١ / ٣٨٨ ]
الكتاب والسنّة ما دمنا فيهما مختلفين؟! وكيف نطبق قوله سبحانه: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول «١) وذلك برد النزاع إلى كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -؟!
ثم هم يرفضون الإجماع ويتعمدون مخالفة المسلمين، لأن خلاف العامة - عندهم - فيه الرشاد.
ثم كيف يدعون المسلمين إلى التقارب وهم يكفرونهم في كتبهم الأساسية؟!
وهل الطعن والسب والتكفير لصحابة رسول الله - ﷺ - مسلك من يريد التآلف؟!
ثم هم يعتقدون أنهم "شعب الله المختار"؛ فاسمهم الخاصة، وهم أهل الأجر والمثوبة في الآخرة.. إلخ.
وهم يشذون عن الأمة بعقائدهم في الإمامة، والعصمة والتقية والرجعة والمهدية، والبداء.
فكيف السبيل إلى التقريب، مع هذا الشذوذ كله؟!
وإننا نعتقد أنه ما دامت كل هاتيك البلايا موجودة في كتب الشيعة فإنها ستبقى في منأى عن جماعة المسلمين.
إن أهل السنّة يحبون أهل البيت، بينما الشيعة - وهي تزعم التشيع لهم - تقدح في معظمهم، وترد بعض مروياتهم، فأي الفريقين ضد التقريب ومن هو الأحوج إلى دعوة التقريب؟!
_________________
(١) النساء: آية ٥٩.
[ ١ / ٣٨٩ ]
ولا نحكم هنا الحكم النهائي بل نستمع لآراء دعاة التقريب فيما سبق حسبما نجده لهم من آراء ونناقشها على ضوء ما مر، وكذلك نعرض بعض محاولات التقارب ونقيمها، ثم نرسم الطريق الذي نراه للتقريب فيما يلي من صفحات.
[ ١ / ٣٩٠ ]
دليل الموضوعات
«القسم الأول»
_________________
(١) [التعليق] انظر النسخة المصورة
[ ١ / ٣٩٣ ]