المبحث الأول: حياة البخاري
المطلب الأول: اسمه ونسبه ومولده
المطلب الثاني: نشأته وسيرته العلمية
المطلب الثالث: شيوخه وتلاميذه
المطلب الرابع: مؤلفاته
المطلب الخامس: شمائله
المطلب السادس: علمه وثناء الأئمة عليه
المطلب السابع: محنة الإمام البخاري في [مسألة اللفظ]
المطلب الثامن: وفاته
[ ١٧ ]
المبحث الأول: حياة البخاري
المطلب الأول: اسمه ونسبه ومولده:
هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة الجعفي (مولاهم) البخاري وبردزبة مجوسي مات عليها (١).
والمغيرة بن بردزبة أسلم على يدي يمان الجعفي والي بخاري فنسب إليه البخاري، لأنه مولاه من فوق ولاء إسلام - على قول من يقول بالولاء لمن أسلم -.
ووالده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم، كان من العلماء الورعين ذكره ابنه الإمام البخاري في تاريخه. (٢)
_________________
(١) (*) كتب في ترجمة البخاري الكثير. وأقدم ترجمة له هي (شمائل البخاري) لوراقة وتلميذه: أبوجعفر محمد بن أبي حاتم البخاري وقد رواها عنه الأئمة من بعده، انظر سير أعلام النبلاء (١٢/ ٣٩٢) وله ترجمة في: الفهرست لابن النديم ١/ ٥٢١ وتاريخ بغداد (٢/ ٤، ٣٤) وطبقات الحنابلة لابي يعلى (١/ ٢٧١ - ٢٧٩) والأنساب للسمعاني (٣/ ٢٦٨). والتهذيب في الأسماء واللغات للنووي (١/ ٦٧ - ٧٣) ووفايات الأعيان لابن خلكان (٤/ ١٨٨)، وطبقات الشافعية للسبكي (٢/ ٢١٢)، وسير أعلام النبلاء للذهبي (١٢/ ٣٩١)، وابن حجر في مقدمة الفتح وفي نهاية تغليق التعليق (٥/ ٣٨٤) وهناك من أفرد له ترجمة خاصة منها:
(٢) سيرة الإمام البخاري للعلامة عبد السلام المبارك فوري ت ١٣٤٢ هـ في ٤٥٠ صفحة تقريبًا نشرته إدارة البحوث بالجامعة السلفية بالهند - طبع مرتان الثانية ١٤٠٧ هـ.
(٣) الإمام البخاري وصحيحه للدكتور عبد الغني عبد الخالق - طبع عام ١٤٠٥ هـ. من دار المنارة في جدة في ٢٦٠ صفحة.
(٤) الإمام البخاري محدثًا وفقيهًا للدكتور الحسين عبد المجيد هاشم - أمين عام مجمع البحوث الإسلامية- عن منشورات المكتبة العصرية بلبنان في ٢٨٠ صفحة بدون تاريخ.
(٥) حياة البخاري للشيخ جمال الدين القاسمي - طبع في حياة المؤلف أول مرة سنة (١٣٣٠ هـ) عن دار الفرقان بلبنان ثم حققه محمود الأرناؤوط عن دار النفائس عام ١٤١٢ هـ في ١٠٠ صفحة.
(٦) الإمام البخاري فقيه المحدثين ومحدث الفقهاء للدكتور نزار الحمداني نشرته جامعة أم القرى عام ١٤١٢ هـ في ٢١٠ صفحات. وغيرها كثير ضمن سلاسل علمية كثيرة وما سبق أهمها وأشملها.
(٧) التاريخ الكبير للبخاري ٢/ ٣٤٢.
[ ١٨ ]
وقال: رأى حماد بن زيد (١)، وصافح ابن المبارك بكلتا يديه، وقد سمع من الإمام مالك بن أنس وروى عن حماد بن زيد وعبد الله المبارك.
وروى عنه أحمد بن حفص قال: دخلت عليه عند موته، فقال: لا أعلم في جميع مالي درهمًا من شبهة. قال ابن حفص: فتصاغرت إلى نفسي عند ذلك.
وقد علق البخاري على قول والده بقوله: إن أصدق ما يكون المرء عند موته.
ولد الإمام -﵀- في بيت علم وفضل وصلاح ببخارى (٢) يوم الجمعة بعد الصلاة لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر شوال سنة ١٩٤ هـ، كما سجل ذلك والده بخط يده (٣) وهو يوافق ٢١ يوليه عام ٨١٠ م.
_________________
(١) حماد بن زيد بن درهم أبو إسماعيل البصري: شيخ العراق في عصره من حفاظ الحديث المجودين خرَّج حديثه الأئمة الستة. ت ١٧٩ هـ، الأعلام (٢/ ٢٧١).
(٢) وهي من مدن (ازبكستان) في الجمهوريات الإسلامية الآن في آسيا.
(٣) هدى الساري لابن حجر صـ ٤٧٧.
[ ١٩ ]
المطلب الثاني: نشأته وسيرته العلمية
نشأ الإمام البخاري - ﵀- يتيمًا في حجر أمه هو وأخوه أحمد، وقد ابتلي -﵀- بفقد البصر صغيرًا ثم رد الله بصره، فقد رأت أمه في المنام إبراهيم ﵇، فقال لها: يا هذه قد ردَّ الله على ابنك بصره لكثرة بكائك، أو لكثرة دعائك. فأصبح وقد رد بصره. (١)
وربما عاوده هذا البلاء في أثناء طلبه للعلم قال مرة: لما بلغت خرا سان أصيب بصري فعلمني رجل أن أحلق رأسي وأغلفه بالخطمي (٢) ففعلت فرد الله علي بصري. (٣)
وقد سأله وراقه محمد بن أبي حاتم (٤) عن نشأته في طلب العلم، فأجاب عن نفسه فقال: ألهمت حفظ الحديث وأنا في الكتاب، قال: كم كان سنك؟ فقال: عشر سنين أو أقل ثم خرجت من الكتاب بعد العشر.
قال: وكنت أختلف إلى الفقهاء بمرو وأنا صبي، فإذا جئت استحي أن أسلم عليهم، فقال لي مؤدب من أهلها: كم كتبت اليوم؟ فقلت: اثنين أردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخ منهم: لا تضحكوا، فلعله يضحك منكم يومًا.
قال: وكنت أختلف إلى الداخلي (٥) وغيره. فقال يومًا فيما يقرأ للناس: سفيان عن أبي الزبير عن إبراهيم، فقلت له: إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم فانتهرني، فقلت له ارجع إلى
_________________
(١) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ٢/ ١٠.
(٢) ضرب من النبات يغتسل به، لسان العرب ٢/ ٨٦٢.
(٣) طبقات الشافعية للسبكي ٢/ ٢١٦.
(٤) محمد بن أبي حاتم البخاري: أبو جعفر محمد بن أبي حاتم الورَّاق النحوي.
(٥) الداخلي: لم أجد له ترجمة.
[ ٢٠ ]
الأصل فدخل فنظر فيه ثم خرج فقال لي: كيف هو يا غلام؟ قلت هو الزبير بن عدي عن إبراهيم، فأخذ القلم مني وأحكم كتابه وقال: صدقت وقد سئل البخاري ابن كم كنت حين رددت عليه، قال: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلمّا طعنت في ست عشرة سنة كنت قد حفظت كتب ابن المبارك (١) ووكيع (٢) وعرفت كلام هؤلاء (قال الحافظ يعني أصحاب الرأي).
قال: أبو بكر بن الأعين (٣): كتبنا عن البخاري على باب محمد بن يوسف الفريابي (٤) وما في وجهه شعرة فقلنا ابن كم أنت؟ قال ابن سبع عشرة سنة، ثم خرج -﵀- إلى الحج ورجع أخوه بأمه وبقى بمكة يكتب عن علمائها، وكان ذلك سنة (٢١٠ هـ).
قال البخاري: دخلت على الحميدي (٥) وأنا ابن ثمان عشرة سنة وبينه وبين آخر اختلاف في حديث، فلما بصر بي الحميدي قال: قد جاء من يفصل بيننا فعرضا عليَّ فقضيت للحميدي على من يخالفه.
قال وجعلت أصنف قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك أيام عبد الله بن موسى ثم سافرت إلى المدينة وصنفت فيها كتاب التاريخ الكبير. قال: وصنفت كتاب التاريخ إذاك
_________________
(١) ابن المبارك: هو عبدالله بن المبارك بن واضح الحنظلي أحد الأئمة الأعلام وشيوخ الإسلام (ت ٢٨١ هـ الأعلام (٤/ ١١٥).
(٢) وكيع: وكيع بن الجراح بن قليح ابو سفيان حافظ للحديث ثبت محدث العراق في وقته ت ١٩٧ هـ، الأعلام (٨/ ١١٧).
(٣) أبوبكر بن الأعين: محمد بن أبي عقاب بن طريف أحد الأثبات روى عنه مسلم ووثقه ابن حبان (ت ٢٤٠ هـ) التقريب (٢/ ٥٥٢).
(٤) محمد بن يوسف الفريابي: قال عنه البخاري: كان أفضل أهل زمانه (ت ٢١٢ هـ)، (الخلاصة ٣٦٥).
(٥) الحميدي: أبوبكر عبدالله بن الزبير الأسدي، أحد الأئمة صحب الشافعي (ت ٢١٩ هـ)، (الخلاصة ١٩٧ هـ).
[ ٢١ ]
عند قبر النبي ﷺ في الليالي المقمرة وقلَّ اسم في التاريخ إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهت تطويل الكتاب.
ثم واصل -﵀- الترحال في طلب الحديث ولقاء العلماء، وكانت البصرة أول مستقر له حيث مكث فيها خمس سنين يصنف ويحصل ويحج في كل سنة ثم يرجع إلى البصرة.
قال ﵀: دخلت الشام ومصر والجزيرة مرتين والبصرة أربع مرات، وأقمت بالحجاز ستة أعوام، ولا أحصي كم دخلت الكوفة وبغداد مع المحدثين.
قال الحاكم (١): أول ما ورد البخاري نيسابور سنة تسع ومائتين (٢٠٩ هـ)، ووردها في الأخير سنة خمسين ومائتين (٢٥٠ هـ) أقام بها خمس سنين يحدث على الدوام.
وقال البخاري - ﵀- ما جلست للحديث حتى عرفت الصحيح من السقيم وحتى نظرت في عامة كتب الرأي وحتى دخلت البصرة خمس مرات أو نحوها، فما تركت بها حديثًا صحيحًا إلا كتبته إلاّ ما لم يظهر لي.
ومازال على هذه السيرة يجمع ويصنف فمن الغرب حيث الأخذ عن علماء مصر إلى المشرق حيث (مرو) وبلخ وهراة ونيسابور والري وجبال خرا سان مرورًا بالحرمين والجزيرة والشام والكوفة والبصرة وبغداد، أما بخارى وسمرقند وطشقند فهي موطنه.
قال الحاكم: " فقد رحل البخاري إلى هذه البلاد المذكورة في طلب العلم وأقام في كل مدينة على مشايخها قال: وإنما سَمّيت من كل ناحية جماعة من المتقدمين ليستدل به على عالي إسناده حتى حق له أن يقول: كتبت عن ألف شيخ من العلماء وزيادة، وليس عندي حديث إلاّ أذكر إسناده.
_________________
(١) الحاكم: محمد بن محمد أبو أحمد النيسابوري، محدِّث خراسان في عصره (ت ٣٧٨)، الأعلام (٧/ ٢٤٤).
[ ٢٢ ]
المطلب الثالث: شيوخه وتلاميذه
قَدّمنا كلامه -﵀- في تعداد كثرة شيوخه، ويمكن تعدادهم ونسبتهم باعتبار الأقاليم والأمصار التي رحل إليها وجمع من علمائها.
فأول سماعه ببخارى من عبد الله بن محمد الجعفي ومحمد بن سلام وجماعة وعمرو بن عبدان بن عثمان وعلي بن شفيق وهكذا من بالكوفة وبغداد، ويمكن تقسيمهم كما ذكر الإمام النووي وابن حجر باعتبار طبقاتهم.
قال النووي: روينا عن أبي الفضل المقدسي (١) قال: الذين حدث عنهم البخاري في صحيحه خمس طبقات:
الأولى: من حدثه عن التابعين مثل محمد بن عبد الله الأنصاري، ومكي بن إبراهيم، وأبو عاصم النبيل وعبيد الله بن موسى وأبي نعيم وغيرهم.
والثانية: من كان في عصر هؤلاء لكن لم يسمع من ثقات التابعين كآدم ابن أبي إياس وأبي مسهر عبد الأعلى بن مسهر وسعيد بن أبي مريم وأمثالهم.
الثالثة: وهي الوسطى من مشايخه، وهم من لم يلق التابعين بل أخذ من كبار تبع الأتباع كسليمان بن حرب وقتيبة بن سعيد ونعيم بن حماد وعلي بن المديني ويحيى بن معين وأحمد بن
_________________
(١) أبي الفضل المقدسي: محمد بن طاهر بن علي رحَّالة مؤرخ من حفاظ الحديث، كثير التصنيف ت ٥٠٧ هـ الأعلام (٦/ ١٧١).
[ ٢٣ ]
حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي بكر وعثمان ابني أبي شيبة وأمثالهم (وقد شاركه مسلم في الأخذ عنهم).
الرابعة: رفقاؤه في الطلب ومن سمع قبله قليلًا كمحمد بن يحيى الذهلي وأبي حاتم الرازي ومحمد بن عبد الرحيم الملقب بـ (صاعقة) وعبد بن حميد وقد أخرج من هؤلاء ما فاته عن مشايخه أو لم يجده عند غيرهم.
الخامسة: قوم في عداد طلبته سنًا وإسنادًا ووفاةً سمع منهم للفائدة، كعبد الأعلى وحسين المقدسي وابن أبي العاص الخوارزمي وغيرهم.
قال المقدسي: ونبهنا بهذه الطبقات المختصرة لئلا يظن من لا معرفة له إذا حدث البخاري عن مكي عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة ثم حدث في موضع آخر عن قتيبة عن بكر بن مضر عن عمرو بن الحارث عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة -﵁- أن الإسناد الأول سقط منه شيء وعلى هذا سائر الأحاديث. (١)
قال الحافظ وعمل في الرواية عنهم مما روى عثمان بن أبي شيبة عن وكيع قال: لا يكون الرجل عالمًا حتى يحدث عمن هو فوقه وعمن هو مثله. وروى المقدسي هذا عن البخاري نفسه -﵀-. (٢)
_________________
(١) شرح النووي صـ ٩.
(٢) المصدر السابق صـ ١٠.
[ ٢٤ ]
تلاميذه:
يصعب الإحاطة بتلاميذ البخاري وبمن أخذ عنه، فقد تصدر للتحديث وهو صغير فكثر الآخذون عنه.
فأهل البصرة أول ما قدم عليهم، كانوا يَعْدون في الطرقات خلفه في طلب الحديث حتى يغلبوه على نفسه ويجلسوه في بعض الطريق فيجتمع عليه ألوف أكثرهم ممن يكتب عنه وهو إذ ذاك شاب لم يخرج وجهه (١)، ومرة أخرى يقدم البصرة فينادي المنادي يا أهل العلم قد قدم محمد بن إسماعيل، فيقومون فيرون شابًا لم يكن في لحيته شيء من البياض يصلي خلف الأسطوانة في جامع البصرة، ويسألونه الإملاء، فيجلس لهم بالغداة وقد حضر الفقهاء والمحدثون والحفاظ والنظار حتى اجتمع قريب من كذا وكذا ألف. (٢)
وفي بغداد يذكر مستمليه: صالح بن محمد البغدادي فيقول: كنت استملي له ويجتمع في مجلسه أكثر من عشرين ألف، ويذكر نحو هذا محمد بن يوسف بن عاصم، فيقول: رأيت لمحمد بن إسماعيل ثلاثة مستملين ببغداد وكان قد اجتمع في مجلسه زيادة على عشرين ألف رجل. (٣)
قال محمد بن يوسف الفربري (٤): سمع الصحيح من البخاري تسعون ألف رجل فما بقي أحد يروي عنه غيري. (٥)
_________________
(١) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ٢/ ١٥.
(٢) المصدر السابق.
(٣) تاريخ بغداد ٢/ ٤٠.
(٤) محمد بن يوسف الفربري: ابو عبدالله محمد بن يوسف بن مطر، سمع من البخاري الصحيح مرتين، شارك البخاري ومسلم في الرواية (ت ٣٢٠ هـ) شرح النووي صـ ١٠.
(٥) المصدر السابق ٢/ ٩.
[ ٢٥ ]
وسنقتصر على من روى عنه من الأعلام ﵏ جميعًا.
فمنهم: الإمام مسلم بن الحجاج صاحب الصحيح (ت ٢٦١ هـ).
والإمام أبو عيسى الترمذي محمد بن عيسى بن سورة صاحب السنن (ت ٢٧٩ هـ).
وأبو عبد الرحمن النسائي أحمد بن شعيب (ت ٣٠٣ هـ)، وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان (ت ٢٧٧ هـ).
والإمام أبو إسحاق إبراهيم الحربي (١) صاحب الإمام أحمد.
وصالح بن محمد (جزرة) (٢)، وإمام الأئمة أبو بكر بن خزيمة (ت ٣١١ هـ).
والإمام يحيى بن محمد بن صاعد (٣) وغيرهم من الأئمة.
_________________
(١) أبواسحاق إبراهيم بن اسحاق الحربي: شيخ الإسلام أبواسحاق، تفقَّه على الإمام أحمد وكان من أكبر أصحابه، (ت ٢٨٥ هـ) الأعلام (١/ ٣٢).
(٢) صالح بن محمد (جزرة) من أئمة أهل الحديث لم يكن في خراسان في عصره أحفظ منه، (ت ٢٩٣ هـ) الأعلام (٣/ ١٩٥).
(٣) يحيى بن محمد بن صاعد الهاشمي من اعيان حفاظ الحديث ببغداد كان عالمًا بالرجال والعلل (ت ٣١٨) الأعلام (٨/ ١٦٤).
[ ٢٦ ]
المطلب الرابع: مؤلفاته (١)
علمنا من كلامه -﵀- تبكيره في التصنيف فقال: فلما طعنت في ثمان عشرة جعلت أصنف قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم وذلك أيام عبيد الله بن موسى وصنفت كتاب التاريخ إذ ذاك عند قبر رسول الله ﷺ في الليالي المقمرة. (٢)
وسأورد ما وقفت عليه منسوبًا له مع بيان مكانه وطبعه قدر الإمكان، وسأبدأ بالكتب المطبوعة:
١ - الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه، والمعروف بصحيح البخاري وسنفرد الكلام عليه.
٢ - الأدب المفرد مطبوع بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ثم توالت طبعاته ثم حققه محمد هشام البرهاني عام ١٤٠١ ثم توالت عليه الشروح وآخر من اعتنى به العلامة الألباني، وله شرح بعنوان (فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد لفضل الله الجيلاني، خرجه وصححه محب الدين الخطيب وآخر طبعة له سنة ١٤٠٧ هـ.
٣ - التاريخ الكبير:
موسوعة في أسماء الرجال وهو من أول ما صنف في هذا الفن مستوعبًا للرواة من سبقه ومن عاصره وكل من جاء بعده عالة عليه وهو الذي لمّا نظر فيه الإمام إسحاق بن راهويه أدخله على الأمير عبد الله بن طاهر (٣) وقال له: أيها الأمير ألا أريك سحرًا؟ فنظر فيه عبد الله بن طاهر فتعجب منه وقال: لست أفهم تصنيفه وحق للعباس بن سعيد أن يقول: لو أن رجلًا كتب ثلاثين ألف حديث لما استغنى
_________________
(١) (*) هدي الساري (٤٩٢) تاريخ التراث العربي لسزكين (١/ ٢٠٥) وتاريخ الأدب العربي لبروكلمان (٣/ ١٧٩).
(٢) تاريخ بغداد ٢/ ٧.
(٣) عبدالله بن طاهر بن حسين بن مصعب من أشهر ولاة العصر العباسي كان المأمون يعتمد عليه ت ٢٣٠ هـ، الأعلام (٤/ ٢٦٦).
[ ٢٧ ]
عن كتاب التاريخ تصنيف محمد بن إسماعيل البخاري، وقد ألفه -﵀ - عند قبر رسول الله ﷺ في الليالي المقمرة.
٤ - التاريخ الأوسط
٥ - التاريخ الصغير وطبع في الهند سنة ١٣٠٦ هـ.
وقد أشار البخاري -﵀- إلى هذه التآليف فقال: "لقد صنفت كتاب التاريخ ثلاث مرات"، ولعله يقصد هذه الثلاثة.
٦ - كتاب الضعفاء، طبع في حيدر اباد الدكن في الهند سنة ١٣٢٣ هـ.
ثم حققه بوران الضناوي عام ١٤٠٤ هـ عن دار عالم الكتب.
٧ - خلق أفعال العباد.
طبع مع العلو للذهبي سنة ١٣٠٦ هـ بتحقيق شمس الحق العظيم أبادي.
ثم حققه د. عبد الرحمن عميرة وأخيرًا ظهرت افضل الطبعات عناية وتحقيقًا وفهرسة للشيخ بدر البدر وطبع في الكويت أكثر من طبعة عن الدار السلفية.
قال ابن كثير: " كان قد وقع بين محمد بن يحيى الذهلي وبين البخاري في ذلك كلام وصنف البخاري في ذلك كتاب خلق أفعال العباد". (١)
٨ - رفع اليدين في الصلاة:
طبع في الهند ثم في القاهرة طبعات غير معتنى بها ثم خرج تحقيق بعنوان (قرة العين في رفع اليدين في الصلاة) تحقيق أحمد الشريف عن دار الأرقم في الكويت سنة ١٤٠٤ هـ.
٩ - القراءة خلف الإمام:
طبع في المدينة باسم (خير الكلام في القراءة خلف الإمام) سنة ١٤٠٥ هـ ثم طبع في بيروت وغيرها.
_________________
(١) البداية والنهاية ١١/ ٢٧.
[ ٢٨ ]
١٠ - الأسماء والكنى:
طبع في دائرة المعارف الهندية سنة ١٣٦٠ هـ.
أما كتبه المخطوطة:
١١ - التفسير الكبير:
وقد ذكره وراقة فقال: رأيته استلقى ونحن (بفربر) في تصنيف كتاب التفسير.
١٢ - الجامع الكبير ذكره ابن طاهر.
١٣ - بر الوالدين وقع لابن حجر بإسناد متصل.
١٤ - العلل ذكره ابن مندة
١٥ - الفوائد ذكره الترمذي في أثناء كتاب المناقب من جامعه (صـ ٤٩٢).
١٦ - قضايا الصحابة والتابعين وهو من أوائل مؤلفاته وهو ابن ثمان عشرة سنة.
١٧ - المبسوط.
١٨ - الهبة: قال وراقه: عمل كتابًا في الهبة فيه نحو خمسمائة حديث.
١٩ - الوحدان: وهم الصحابة الذين ليس لهم إلاّ حديث واحد.
٢٠ - الأشربة: ذكره الإمام الدارقطني في كتاب المؤتلف والمختلف (٤/ ٩٧٣).
٢١ - أخبار الصفات: ذكره فؤاد سزكين في تاريخ التراث العربي (١/ ١/٢٥٩).
٢٢ - الاعتقاد:
رواها الإمام اللالكائي من طريق عبد الرحمن البخاري، قال سمعت محمد بن إسماعيل ثم روى له معتقده، انظر شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي ١/ ١٩٣ - ١٩٧.
٢٣ - أخبار الصفات: وهي في المكتبة الظاهرية برقم حديث ٢٠٠ ذُكر في فهرس مجلة معهد المخطوطات (١/ ١٣٧).
قال البخاري -﵀-: أقمت بالبصرة خمس سنين معي كتبي أصنف وأحج وأرجع من مكة إلى البصرة.
[ ٢٩ ]
قال: وأنا أرجو أن يبارك الله تعالى للمسلمين في هذه المصنفات. (١)
وقد استجاب الله لدعائه خاصة في كتابه الذي يعد أصح الكتب المؤلفة في الأحاديث وهو ما سنفرد الكلام عنه- إن شاء الله-.
المطلب الخامس: شمائله
البخاري -﵀- تربى في بيئة صالحة، فقد قال أحمد بن حفص (٢): دخلت على إسماعيل والد أبي عبد الله عند موته فقال: لا أعلم في مالي درهمًا حرامًا ولا درهمًا من شبهة.
فلا عجب - بعد توفيق الله- أن ينشأ البخاري صالحًا في هذه البيئة الصالحة.
وكان من زهده -﵀- أن قال: ما توليت شراء شيء قط ولا بيعه. كنت آمر إنسانًا فيشتري لي فقيل لي: ولم؟ قال: لما فيه من الزيادة والنقصان والتخليط.
قال وراقه: رأيته استلقى (بفربر) (٣) في تصنيف كتاب التفسير وكان اتعب نفسه في ذلك اليوم في التخريج، فقلت له: إني أراك تقول: ما أثبت شيئًا بغير علم فما الفائدة في الاستلقاء؟
فقال: أتعبت نفسي اليوم. وهذا ثغر خشيت أن يحدث حدثٌ من أمر العدو فأحببت أن أستريح وآخذ أهبة، فإذا غافصنا (٤) العدو كان بنا حراك.
وكان ﵀ ذا زهد وورع، قال مرة لأبي معشر الضرير (٥) اجعلني في حل يا أبا معشر فقال: من أي شيء يا أبا عبد الله، قال: رويت حديثًا يومًا فنظرت إليك وقد أعجبت به وأنت تحرك رأسك ويديك فتبسمت من ذلك، فقال: أنت في حل يرحمك الله يا أباعبدالله.
_________________
(١) هدي الساري لابن حجر (٤٨٨).
(٢) أحمد بن حفص السلمي، قاضي نيسابور، روى عنه البخاري وأبوداود والنسائي (ت ٢٥٨ هـ)، الخلاصة صـ ٥.
(٣) بلدة بين جيحون وبخارى كانت من الثغور: معجم البلدان ٤/ ٢٤٥. وهي في ولاية ليباب في دولة تركمانستان الان
(٤) المغافصة: الأخذ على غِرَّة، لسان العرب ٢/ ١٠٠١.
(٥) محمد بن أبان الخطاب - حافظ ثقة، ت ٢٢٤ هـ، الأعلام ٥/ ٢٩٣
[ ٣٠ ]
وكان يراقب الله فيما يؤلف ويحدث حتى قال مرة: الحامد والذام عندي سواء أو قال واحد.
وقال: إني أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني إني اغتبت أحدًا.
وهو بيّن لمن نظر في كتبه في الرجال فإنه أبلغ ما يقول في الرجل الساقط أو المتروك: فيه نظر أو سكتوا عنه وإن بالغ قال منكر الحديث، وقد قال: كل من
قلت فيه منكر الحديث فلا تحل الرواية عنه.
وله عناية بالعبادة، فقد صلى ذات يوم فلسعه الزنبور سبع عشرة مرة فلما قضى صلاته قال: انظروا أي شيء آذاني في صلاتي، فنظروا فإذا الزنبور قد ورَّمه في سبعة عشر موضعًا ولم يقطع صلاته قال: كنت في آية فأحببت أن أتمها.
وكان قليل الأكل جدًا كثير الإحسان إلى الطلبة مفرط الكرم مرض في آخر عمره فعرضوا ماءه على الأطباء فقالوا: إن هذا الماء يشبه ماء بعض أساقفة النصارى فإنهم لا يأتدمون فصدقهم في قولهم وقال: لم ائتدم منذ أربعين سنة، فسئلوا عن علاجه فقالوا: علاجه الأدم، فامتنع حتى ألح عليه المشايخ وأهل العلم إلى أن أجابهم أن يأكل مع الرغيف سكرة.
قال الحسن السمرقندي: كان محمد بن إسماعيل مخصوصًا بثلاث خصال: كان قليل الكلام وكان لا يطمع فيما عند الناس وكان لا يشتغل بإمور الناس.
وشمائله -﵀- كثيرة، زهدًا وعبادةً وكرمًا وإحسانًا إلى طلبة العلم ﵀ رحمة واسعة.
[ ٣١ ]
المطلب السادس: علمه وثناء الأئمة عليه:
أشتهر الإمام البخاري ﵀ بطلب العلم المبكر مع الحفظ والإتقان، فقد كان يختلف مع بعض أقرانه إلى مشايخ البصرة وهو غلام فلا يكتب حتى أتى على ذلك أيام قالوا: فلمناه بعد ستة عشر يومًا، فقال: قد أكثرتم عليّ فاعرضوا عليّ ما كتبتم فأخرجناه فزاد على خمسة عشر ألف حديث، فقرأها كلها عن ظهر قلب حتى جعلنا نحكم كتبنا من حفظه.
وقصته مع أهل بغداد أشهر من أن تورد في قوة حفظه وسعة علمه لمّا امتحنوه بمائة حديث مغلوطة الأسانيد فردها إلى أصولها في مجلس واحد.
وقد أثنى عليه علماء زمانه وأكبروه واعترفوا له بالفضل، قال الإمام أحمد بن حنبل: ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال الإمام قتيبة بن سعيد (١): جالست الفقهاء والزهاد والعباد فما رأيت منذ عقلت مثل محمد بن إسماعيل وهو في زمانه مثل عمر في الصحابة، وسئل قتيبة عن طلاق السكران: فدخل محمد بن إسماعيل، فقال قتيبة للسائل: هذا أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وعلي بن المديني (٢) قد ساقهم الله إليك، وأشار إلى البخاري. وقال نعيم بن حماد (٣): محمد بن إسماعيل فقيه هذه الأمة. وقال إمام الأئمة ابن خزيمة: ما تحت أديم السماء أعلم بالحديث من محمد بن إسماعيل.
_________________
(١) قتيبة بن سعيد بن جميل الثقفي، ثقة ثبت روى عنه الستة، ت ٢٤٠ هـ التغريب (٢/ ١٢٣).
(٢) علي بن المديني:
(٣) نعيم بن حماد بن معاوية الخزاعي الحافظ، مات في السجن لامتناعه عن القول بخلق القرآن سنة ٢٢٨ هـ، الخلاصة (٣).
[ ٣٢ ]
وقال الترمذي: لم أر أحدًا بالعراق ولا بخرا سان في معرفة العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم من محمد بن إسماعيل. وقال الدارقطني (١): لولا البخاري لما راح مسلم ولا جاء. ولما ذكر لعلي بن المديني قول البخاري: ما تصاغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني.
قال علي: ذروا قوله هو ما رأى مثل نفسه، وكلام العلماء قديمًا وحديثًا أكثر من أن يستوعب ولكن هذا طرف من باب واسع. (٢)
_________________
(١) علي بن عمر بن مهدي الشافعي، إمام عصره في الحديث، صاحب سنن الدارقطني ت (٣٨٥ هـ) الأعلام (٤/ ٣١٤).
(٢) انظر هذه الأقوال: تاريخ بغداد ٢/ ٣٨ وطبقات الشافعية ٢/ ٣٢١، وهدي الساري ٤٨٥ وتغليق التعليق ٥/ ٤١٠.
[ ٣٣ ]
المطلب السابع: محنة الإمام البخاري في [مسألة اللفظ]
عاش البخاري -﵀- في الفترة التي تسلط فيها الجهمية والمعتزلة على خلفاء بني العباس ابتداءً من المأمون ثم المعتصم فالواثق فزينوا لهم القول بخلق القرآن وامتحن فيها العلماء.
وليس بخاف ما حصل للإمام أحمد من ضرب وحبس بل وصل الأمر إلى القتل كما حصل لأحمد بن نصر الخز اعي (١)، الذي قتله الواثق بيده. (٢)
وكان البخاري وهو من تلاميذ الإمام أحمد قد امتحن ولكن ليس بقضية خلق القرآن بل في مسألة تفرعت عنها أول من تكلم بها الحسين الكرابيسي (٣)، وهي قوله (لفظي بالقرآن مخلوق) ولمّا سئل الإمام أحمد عن ذلك، قال: هذا شرٌ من قول الجهمية من زعم هذا فقد زعم أن جبريل تكلم بمخلوق وجاء إلى النبي ﷺ بمخلوق. (٤)
ولمّا دخل الإمام البخاري نيسابور كان فيها إمامًا عظيمًا من أئمة أهل السنة هو الإمام محمد بن يحيى الذهلي (٥) وكان من ثقات المحدثين أثنى عليه الأئمة وعدلوه وقد أخذ عنه البخاري وروى له في صحيحه وزامله في الطلب.
فلما استقبله الأهالي الاستقبال العظيم قال هذا الإمام المتبوع - أعني الذهلي-: اذهبوا إلى هذا الرجل الصالح فاسمعوا منه فظهر الخلل في مجالس الذهلي.
وقال مرة: لا تسألوه عن شيء من الكلام فإنه إن أجاب بخلاف ما نحن عليه وقع بيننا وبينه وشمت بنا كل ناصبي ورافضي وجهمي ومرجئي بخرا سان.
فازدحم الناس على البخاري حتى امتلأت السطوح فقام إليه رجل وسأله عن اللفظ في القرآن فأعرض عنه البخاري مرتين ثم سأله فقال: أفعالنا مخلوقة وألفاظنا من أفعالنا، قال: فوقع بين الناس اختلاف - مع زحمة المكان- فقال بعضهم: قال
لفظي بالقرآن مخلوق، وقال بعضهم لم يقل فوقع بينهم خلاف. (٦)
وفي رواية أنه قال: القرآن كلام الله غير مخلوق وأفعال العباد مخلوقة والامتحان بدعة. (٧)
فقال الذهلي: من زعم أن لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع ولا يجالس ولا يكلم ومن ذهب بعد هذا إلى محمد بن إسماعيل فاتهموه فإنه لا يحضر مجلسه إلاّ من كان على مذهبه. (٨) حينئذ وقعت الوحشة وانقطع الناس عن مجلس البخاري إلاّ مسلم بن الحجاج وأحمد بن سلمة (٩) فإنهما فضلا مجلس البخاري على مجلس الذهلي.
ثم إن الإمام الذهلي أطلق: أن من قال باللفظ فلا يحل له أن يحضر مجلسنا، يعني أنه لا يجيز له الرواية عنه خاصة أنه يوحي إلى أن من ذهب إلى البخاري فلا يروي عني.
_________________
(١) أحمد بن نصر الخزاعي، من أشراف بغداد، قتله الواثق ونُصِبَ رأسه في بغداد ست سنوات، وكان يخالف القول بخلق القرآن، ت ٢٣١ هـ الأعلام (١/ ٢٦٤).
(٢) سير أعلام النبلاء (١١/ ١٦٧).
(٣) أبو علي الحسين بن علي الكرابيسي، كان متكلمًا عارفًا بالحديث [والكرابيس: هي الثياب الغليظة] كان يبيعها، توفي ٢٤٨ هـ، الأعلام (٢/ ٢٤٤).
(٤) المصدر السابق ١١/ ٢٩٠.
(٥) محمد بن يحيى بن عبدالله بن خالد الذهلي أبو عبدالله النيسابوري، الحافظ، أحد الأعلام الكبار قال أبوحاتم إمام زمانه ت ٢٥٨ هـ الخلاصة صـ ٣٦٨.
(٦) هدي الساري ٤٩٠.
(٧) طبقات الشافعية (٢/ ٢٢٨).
(٨) هدي الساري (٤٩٠، ٤٩١).
(٩) أحمد بن سلمة البزَّاز حافظ من علماء الحديث، له صحيحٌ في الحديث وهو حجة، توفي (٢٨٦ هـ)، الأعلام (١/ ١٣٢).
[ ٣٤ ]
فقام مسلم -﵀- على رؤوس الناس وبعث إلى الذهلي كل ما رواه عنه على ظهر جمل.
وحين سئل البخاري لم يفعل الذهلي به ذلك أجاب " كم يعتري محمد بن يحيى الحسد في العلم والعلم رزق الله يعطيه من يشاء"، فقال له السائل: هذه المسألة تحكي عنك؟ فقال: يا بني هذه مسألة مشئومة رأيت أحمد بن حنبل وما ناله في هذه المسألة وجعلت على نفسي أن لا أتكلم فيها. (١)
وهذا هو الصحيح فإن الإمام لم يدخل هذه المسألة بهذا التصور بل وضَّح ودلَّل وأفاد فقد سمعه الإمام محمد بن نصر المر وزي (٢) يقول: من زعم أني قلت لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب، فإني لم أقله. فقال الراوي: يا أبا عبد الله قد خاض الناس في هذا وأكثروا فيه، فقال: ليس إلاّ ما أقول وأحكي لك عنه. (٣)
فهذا الإمام المر وزي ينقل هذا عن البخاري، ومن يطالع آخر كتابه الصحيح، أعني (التوحيد) خاصة آخره مع الكتاب الذي ألفه لبيان مقصده من قوله أفعالنا مخلوقة وهو كتاب (خلق أفعال العباد) عرف مقصد هذا الإمام الكبير.
وسيأتي لذلك مزيد تفصيل لهذا الكلام عن مسألة اللفظ من مسائل كتاب التوحيد وتفصيل كلام الأئمة.
_________________
(١) تاريخ بغداد ٢/ ٣١.
(٢) محمد بن نصر المروزي إمام في الفقه والحديث من أعلم الناس بإختلاف الصحابة (ت ٢٩٤ هـ) الأعلام (٧/ ١٢٥).
(٣) طبقات الحنابلة ١/ ٢٧٧.
[ ٣٥ ]
وأكتفى هنا بقوله في كتاب خلق أفعال العباد ما أسنده عن يحيى بن سعيد قوله (ما زلت أسمع من أصحابنا يقولون: إن أفعال العباد مخلوقة) قال البخاري معلقًا: " حركاتهم وأصواتهم واكتسابهم وكتابتهم مخلوقة، فأما القرآن المتلو المبين المثبت في المصحف المسطور المكتوب الموعى في القلوب فهو كلام الله ليس بخلق (١)، وهكذا خشي البخاري على نفسه عندما سمع تهديد الذهلي بقوله (لا يساكنني في بلد) فخرج ومعه مسلم بن الحجاج حتى أن بعض المؤلفين في الجرح والتعديل من الأئمة من طلاب الذهلي، كابن أبي حاتم ترك الرواية عنه، قال في الجرح والتعديل " سمع منه أبي وأبوزرعة ثم تركاه عندما كتب إليهما محمد بن يحيى الذهلي إنه أظهر عندهم أن لفظه بالقرآن مخلوق. (٢)
قال الذهبي: إن تركا حديثه أو لم يتركاه البخاري ثقة مأمون محتج به في العالم. (٣)
وتعجب السبكي (وحق له) من هذا الكلام في ترك البخاري فقال: فيا لله والمسلمين أيجوز لأحد أن يقول: البخاري متروك؟؟ وهو حامل لواء الصناعة ومقدم أهل السنة والجماعة ثم يا لله والمسلمين أتجعل ممادحه مذام؟
فإن الحق في مسألة اللفظ معه إذ لا يستريب عاقل من المخلوقين في أن تلفظه من أفعاله الحادثة التي هي مخلوقة لله تعالى، وإنما أنكرها الإمام أحمد ﵀ لبشاعة لفظها. (٤)
_________________
(١) خلق أفعال العباد (٤٢).
(٢) الجرح والتعديل (٧/ ١٩١).
(٣) سير أعلام النبلاء ٢/ ٤٦٣.
(٤) طبقات الشافعية ٢/ ٢٣٠.
[ ٣٦ ]
وأقول: رحم الله إمام الأئمة ومقدم الأمة محمد بن إدريس الشافعي حين سأله المزني عن مسألة من الكلام، فقال: سلني عن شيء إذا أخطأت فيه قلتَ أخطأت، ولا تسألني عن شيء إذا أخطأت فيه قلت كفرت. (١)
قالها ﵀ فرارًا من الخوض فيما لم يرد عن الله ورسوله من الإمتحان في أمور العقيدة.
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ١٠/ ٢٨.
[ ٣٧ ]
المطلب الثامن: وفاته
بعد هذه الحياة الحافلة بطلب العلم وحفظه ونشره بين أقطار المسلمين مع ما حصل له من المحن في آخر عمره خاصة مع أمير بخارى خالد الذهلي الذي طلب منه أن يقرئه الجامع الصحيح فامتنع تكريمًا للعلم، وقال لرسوله: إني لا أذل العلم ولا أحمله إلى أبواب السلاطين فإن كانت له حاجة إلى شيء منه فليحضرني في مسجدي أو في داري فإن لم يعجبك هذا فأنت سلطان فامنعني من المجلس ليكون لي عذر من الله يوم القيامة أني لا أكتم العلم. (١)
فكانت هذه الحادثة سببًا للوحشة بينهما فنفاه الأمير من مسقط رأسه ومربع صباه وملتقى أهله وما أشدها أن يكون الظلم من ذوي القربى، والطرد من موطن الأهل ولكن (أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الصالحون) فذهب إلى (خرتنك) من قرى سمرقند وهي على فرسخين منها (٢) وكان له بها أقرباء فنزل عندهم.
وقد سمعه بعضهم في ليلة يدعو بعد صلاة الليل: اللهم قد ضاقت عليّ الأرض بما رحبت فاقبضني إليك، قال: فما تم الشهر حتى قبضه الله.
قال ورّاقه: سمعت غالب بن جبريل - وهو الذي نزل عليه البخاري- يقول: أقام عندنا أيامًا فمرض واشتد به المرض حتى جاء رسول من أهل سمرقند يلتمسون منه الخروج إليهم فأجاب ثم تهيأ للركوب فلبس خفيه وتعمم فلمّا مشى قدر عشرين خطوة أو نحوها وأنا آخذ بعضده ورجل آخر معي يقود الدابة ليركبها، فقال -﵀-: أرسلوني قد ضعفت فدعا بدعوات ثم اضطجع فقضى ﵀، فسال منه العرق شيء لا يوصف فما سكن منه
_________________
(١) هدي الساري (٤٩٣) تاريخ بغداد (٢/ ٣٣).
(٢) معجم البلدان لياقوت الحموي ٢/ ٣٥٦ وقال: بها قبر الإمام البخاري. وهي الان في جمهورية اوزبكستان
[ ٣٨ ]
العرق (١) إلى أن أدرجناه في ثيابه وكان فيما أوصانا: أن كفنوني بثلاثة أثواب بيض ليس بها قميص ولا عمامة ففعلنا ذلك (٢)، وكان ذلك ليلة السبت عند صلاة العشاء ليلة عيد الفطر بعد أن أكمل صيام رمضان ودفن يوم الجوائز يوم عيد المسلمين العظيم بعد صلاة الظهر يوم السبت غرة شوال عام ست وخمسين ومائتين (٣) فصارت مدة حياته اثنين وستين سنة إلاّ ثلاثة عشر يومًا.
﵀ رحمة واسعة. ولم تذكر لنا المصادر شيئًا عن نسله بل غاية ما فيها أنه تسرى بجارية ثم بعد مدة أعتقها، ولكن بقي له (علم ينتفع به). نسأل الله أن يجمعنا وإياه ووالدينا في جنات النعيم.
_________________
(١) (*) نتذكر هنا قوله ﵊ (موت المؤمن بعرق الجبين) رواه الإمام أحمد (٥/ ٣٧٥) وهو صحيح، انظر أحكام الجنائز للألباني صـ ٣٥.
(٢) طبقات الشافعية ٢/ ١٤، ١٥. وهدي الساري (٤٩٣).
(٣) تاريخ طبقات بغداد (٢/ ٣٤)، وطبقات الحنابلة (١/ ٢٧٨).
[ ٣٩ ]
المبحث الثاني التعريف بالجامع الصحيح
المطلب الأول: اسمه وموضوعه.
المطلب الثاني: سبب ومدة ومكان تأليفه.
المطلب الثالث: منهجه في تصنيف صحيحه ومكانته.
المطلب الرابع: قيمة كتاب التوحيد بين أبواب الصحيح وعناية العلماء به
[ ٤٠ ]
المبحث الثاني: التعريف بالجامع الصحيح
المطلب الأول: اسمه وموضوعه
اشتهر اسم كتاب البخاري بـ (صحيح البخاري) وذهبت التسمية وصارت علمًا عليه فهل أراد له مؤلفه هذه التسمية؟
الإمام النووي يشير إلى أن اسمه (الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه). (١)
ويروي ابن حجر تسمية أخرى وهي [الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله ﷺ وسننه وأيامه]
وقد رواه عنه خلق كثير بل تواترت الرواية عنه حتى قال راويته محمد بن يوسف الفربري: سمع كتاب الصحيح لمحمد بن إسماعيل تسعون ألف رجل فما بقي أحد يروي عنه غيري. (٢)
وأما موضوعه فيعلم من عنوانه الذي سماه به الإمام - ﵀ - فهو جامع مقتصر على الحديث الصحيح لم يخصه بصنف دون صنف ولذا أورد فيه الأحكام والفضائل والأخبار والمغازي والآداب والرقائق وغيرها.
_________________
(١) شرح النووي ٧.
(٢) طبقات الحنابلة ١/ ٢٧٤، وهدي الساري لابن حجر (٤٩١) وهي الرواية التي يروي بها ابن حجر الصحيح.
[ ٤١ ]
المطلب الثاني: سبب ومدة ومكان تأليفه
كان الباعث لتأليف الصحيح ما سمعه البخاري شابًا أيام الطلب في مجلس الإمام إسحاق بن راهويه فقال لهم: لو جمعتم كتابًا مختصرًا لسنن النبي ﷺ. قال البخاري: فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع هذا الكتاب وهذا ربما ساعده فيه الرؤيا التي شاهدها في نومه، قال: رأيت كأني واقف بين يدي رسول الله ﷺ وبيدي مروحة أذب عنه فسألت بعض المعبرين فقال: إنك تذب عنه الكذب، قال: فهو الذي حملني على إخراج الصحيح. (١)
وقد ألفه في مدة ستة عشر سنة وكان غالب تصنيفه له في المسجد الحرام بل أنه لم يدخل فيه حديثًا إلاّ بعد ما استخار الله وصلى ركعتين وتيقن من صحته وقيل في بخارى أو البصرة، وأما التراجم فكانت بين قبر النبي ﷺ ومنبره، وقد خرجه من ستمائة ألف حديث كما ذكر -﵀- وقد جمع الإمام النووي: أن هذا كله ممكن فإنه طوال الستة عشر عامًا كان متنقلًا بين مكة والبصرة وبخارى. وقال ابن حجر: إن ذلك فرق بين تسو يده وتبييضه وترتيبه. (٢)
وقد عرض البخاري مؤلفه هذا العظيم على أئمة الحديث في وقته وأقروه على ذلك. فقد عرضه على علي بن المديني وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين (٣) فأقروه عليه، وقال عن نفسه: كنت إذا كتبت عن رجل سألته عن اسمه وكنيته ونسبته وحمله الحديث إذا كان الرجل فهمًا.
_________________
(١) تاريخ بغداد ٢/ ٨ وشرح النووي ٧.
(٢) شرح النووي صـ ٨ وهدي الساري ٤٨٩.
(٣) يحيى بن معين البغدادي من مؤرخي الحديث، وسيد الحفاظ قال أحمد: أعلمنا بالرجال (ت ٢٣٣ هـ) الأعلام (٨/ ١٧٢).
[ ٤٢ ]
فإن لم يكن سألته أن يخرج إليّ أصوله ونسخته، فأما الآخرون لا يبالون ما يكتبون وكيف يكتبون.
[ ٤٣ ]
المطلب الثالث: منهجه في تصنيف صحيحه ومكانته
اشترط البخاري على نفسه الطهارة والصلاة عند عمله في صحيحه بل قال: وجعلته حجة فيما بيني وبين الله.
وقال: ما أدخلت فيه حديثًا إلاّ بعد ما استخرت الله تعالى وصليت ركعتين وتيقنت صحته. (١)
وكتابه مقتصر على الصحيح العالي إذ أن شرط البخاري في روايته للحديث: أن يروي عن من لقيه ولو مرة فلا يكتفي بالمعاصرة فقط بل والتصريح بالسماع كما نبه على ذلك الحافظ بالاستقراء، والبخاري يبوب بآية أو حديث أو بعنوان من عنده. وهذه هي أحد مزايا البخاري في جامعه إذ أودع في هذه التراجم الفوائد الفقهية، والنكت الحكمية فاستخرج بفهمه من المتون معاني كثيرة فرقها في أبواب الكتاب بحسب تناسبها واعتنى فيها بآيات الأحكام فانتزع منها الدلالات البديعة وسلك في الإشارة إلى تفسيرها السبل الوسيعة. (٢)
وفقه البخاري في تراجمه كما اشتهر عنه.
ولفظ الترجمة عند البخاري نوعان:
١ - ما يكون نصًا وهو إما آية أو حديث على شرطه أو حديث ليس على شرطه أو أثر صحابي.
٢ - ما يكون استنباطًا وهو ما ليس من قبيل النوع الأول بل من كلام الإمام البخاري نفسه.
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ١٢/ ٤٠٦، ٤١٢.
(٢) هدي الساري صـ ٨.
[ ٤٤ ]
فمن النوع الأول ومثاله الآية، باب قول الله تعالى ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة﴾ الطلاق ١.
والحديث الذي على شرطه بوب به فقال: باب قول النبي ﷺ: " لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض" كتاب الفتن.
الحديث الذي ليس على شرطه كما رواه ابن عدي عن أبي هريرة مرفوعًا: فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه. (١)
فقد ترجم له بقوله (باب فضل القرآن على سائر الكلام) كتاب فضائل القرآن.
وأما أثر الصحابي فقد فسر ابن عباس قوله تعالى: ﴿قل ما يعبؤا بكم ربي لولا دعائكم﴾ الفرقان ٧٧. قال ابن عباس دعاؤكم إيمانكم.
ترجم له البخاري بقوله (باب: دعاؤكم إيمانكم) كتاب الإيمان. (٢)
وقد بلغت تراجمه (٣٨٨٢) ترجمة. (٣)
وقد اعتنى العلماء بهذه التراجم كثيرًا وأُفردت لها مصنفات خاصة سأقتصر على المطبوع منها وإلاّ فهي كثيرة جدًا فمنها:
١ - المتواري على تراجم البخاري لابن المنير. (٤)
٢ - تراجم البخاري لابن جماعة. (٥)
٣ - شرح تراجم صحيح البخاري لولي الله الدهلوي. (٦)
_________________
(١) رواه اللالكائي في شرح السنة ٢ (/٣٧٤) وهو موقوف على ابوعبدالرحمن السُّلمي.
(٢) تراجم البخاري لابن جماعة المقدمة صـ ٤٧ د. علي الزبن.
(٣) دليل القاري إلى مواضع الحديث في صحيح البخاري د. عبد الله الغنيمان صـ ٧٧.
(٤) أحمد بن محمد بن منصور الجُذامي (ت ٦٩٩ هـ)، الأعلام (١/ ٢٢٠).
(٥) محمد بن إبراهيم الكناني من العلماء بالحديث (ت ٧٣٣ هـ)، الأعلام (٥/ ٢٩٧).
(٦) أحمد شاه ولي الله بن عبدالرحيم الدهلوي، فقيه حنفي من المحدثين من علماء الهند المجددين (ت ١١٧٦ هـ)، الأعلام (١/ ١٤٩).
[ ٤٥ ]
٤ - الأبواب والتراجم للبخاري للشيخ محمد زكريا يحيى الدهلوي. (١)
كما أن الشراح لم يهملوها كابن حجر في الفتح والعيني (٢) في عمدة القارئ والقسطلاني (٣) في إرشاد الساري والكرماني (٤) في الكواكب الدراري وغيرهم -﵏-.
وأما شرح الصحيح ومختصراته فإنها أوسع من أن يحاط بها، فقد ذكر الدكتور عبد الغني عبد الخالق - رحمه الله تعالى- في كتابه (الإمام البخاري وصحيحه) من شروح وتعليقات ومختصرات الجامع (١١٥ كتابًا)، (٥٩) منها مخطوط ومنها (١٢) شرحًا مطبوعًا ومنها (٢٨) تعليقًا ما بين مخطوط ومطبوع ومنها (١٦) مختصرًا ما بين مطبوع ومخطوط). (٥)
ومن أهم الشروح على الإطلاق فتح الباري في شرح صحيح البخاري للعلامة الحافظ أحمد بن حجر.
ويسميه أهل العلم قاموس السنة لما احتوى عليه من الكم الهائل من الأحاديث والعلوم النبوية النافعة وكان ابن خلدون يقول: شرح كتاب البخاري دين على الأمة حتى قيض الله له هذا الإمام الحافظ ولمّا طلب بعض طلبة العلم في اليمن من العلامة المجتهد محمد بن علي
_________________
(١) محمد بن زكريا يحيى الدهلوي كبير علماء المسلمين في الحديث في الهند، معاصر، نزل المدينة، له عناية في صحيح البخاري توفي في غرة شعبان ١٤٠٢ هـ ودفن بالبقيع. انظر الإمام البخاري د. نزار أحمداني صـ ١٥٤.
(٢) محمود بن أحمد بن موسى العيني، فقيه أصولي محدث من علماء الأحناف (ت ٨٥٥ هـ).
(٣) أحمد بن محمد بن أبي بكر المصري، من علماء الحديث مولده ووفاته بالقاهرة (ت ٩٢٣ هـ)، الأعلام (١/ ٢٣٣).
(٤) محمد بن يوسف بن علي الكرماني، من شراح البخاري (ت ٧٨٦ هـ).
(٥) الإمام البخاري وصحيحه (٢٠٣ - ٢٤٥).
[ ٤٦ ]
الشوكاني (١) أن يشرح لهم صحيح البخاري قال: لا هجرة بعد (الفتح) يقصد إلى كفاية فتح الباري في هذا الباب. (٢)
وأما عدد أحاديث الصحيح فهو مختلف فيها يسيرًا تبعًا لاختلاف رواتها. وأصح طبعات البخاري تحتوي على (٧٥٦٣) حديثًا بالمكرر. (٣)
[المعلقات في البخاري]
وقد أورد البخاري في صحيحه مجموعة من الأحاديث المعلقة.
والتعليق في الأحاديث هو: [حذف راوٍ أو أكثر من أول السند ولو إلى آخر الإسناد]. (٤)
وتارة يجزم البخاري بها كقوله (قال) أو يأتي بها بصيغة التمريض: (يذكر)، وهي على نوعين مرفوع إلى النبي ﷺ أو يوقف على غيره، فأما المطلق المرفوع فقد يكون موصولًا في موضع آخر من كتابه فلا إشكال فيه وإنما علقه هنا للاختصار، وأما غيره فقد تولى الإمام ابن حجر وصله في كتابه الحافل [تغليق التعليق] في خمسة مجلدات وقد طبع بآخر ولله الحمد. (٥)
_________________
(١) محمد بن علي الشوكاني، فقيه مجتهد من كبار علماء اليمن (ت ١٢٥٠ هـ)، الأعلام (٦/ ٢٩٨).
(٢) حياة البخاري للقاسمي صـ ٤٧.
(٣) طبعة دار السلام عام ١٤١٧ هـ.
(٤) شرح النووي صـ ١٤.
(٥) طبع بتحقيق سعيد بن موسى الغزقي وحققه لنيل درجة الدكتوراه سنة هـ ١٤٠٥ وطبعه المكتب الإسلامي.
[ ٤٧ ]
وقد أجاد الحافظ واستقصى بقية أسانيد البخاري ولكن لأنها ليست على شرط البخاري لم يجزم بها ومعلوم اجتماع الأمة على تلقي الصحيح بالقبول.
قال النسائي في معرض الكلام على كتب الحديث خاصةً البخاري ومسلم: أجود هذه الكتب كتاب البخاري واجتمعت الأمة على صحة هذين الكتابين ووجوب العمل بأحاديثهما، كما أيده الإمام النووي على ذلك - رحمهما الله-. (١)
_________________
(١) شرح النووي صـ ٣ بتصرف.
[ ٤٨ ]
المطلب الرابع: قيمة كتاب التوحيد بين أبواب الجامع وعناية العلماء به
ختم الإمام البخاري كتابه الجامع بكتاب التوحيد ورقمه (٩١) ويحتوي على ثمانية وخمسين بابًا (٥٨) احتوت على (٢٤٥) حديثًا مرفوعًا المعلق منها وما في معناه من المتابعة (٥٥) طريقًا والباقي موصول خلص منها غير مكرر (١١) حديثًا وفيه من آثار الصحابة ومن بعدهم (٣٦) أثرًا. (١)
ومناسبة ختم البخاري جامعه بهذا الكتاب كما قال الإمام البلقيني: لما كان أصل العصمة أولًا وآخرًا هو توحيد الله فختم كتاب التوحيد وكان آخر الأمور التي يظهر بها المفلح من الخاسر ثقل الموازين وخفتها فجعله آخر التراجم فقال (باب قول الله تعالى ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة﴾ الأنبياء ٤٧ وأن أعمال بني آدم توزن).
فبدأ بحديث إنما الأعمال بالنيات في أول الصحيح وختم بأن أعمال بني آدم توزن وأشار بذلك في أنه إنما يتقبل منها ما كان بالنية الخالصة لله تعالى. (٢)
ولا ريب أن البخاري أودع في كتاب التوحيد أصول اعتقاد السلف في أسماء الله وصفاته والرد على أهل الضلال من الجهمية ومن تبعهم ولذلك صارت العناية به والنقل عنه والإشارة إليه
فقد اختصر الإمام أبي علي الحسن بن البنا الحنبلي المتوفى سنة (٤٧١ هـ) كتاب التوحيد وضمنه كتابه المختار في أصول السنة فقال: باب ما ترجمه أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
_________________
(١) فتح الباري ١٣/ ٥٥٤ بتصرف وإضافة
(٢) هدى الساري (٢٩٧) بتصرف
[ ٤٩ ]
البخاري في كتاب الصحيح فقال: التوحيد وعظمة الرب وصفاته والرد على الجهمية الذين أنكروا صفات الرب وجعلوها مخلوقة (١)
ثم أخذ في التعليق على مراد البخاري.
واختصر الإمام ابن القيم -﵀- تراجم كتاب التوحيد في كتابه: اجتماع الجيوش الإسلامية فأجاد وأفاد (٢)
وأما الشراح الذين أفردوه في الشرح فوقع لي من ذلك ما ألفه العلماء المعاصرون إذ لم أجد من أفرده بالتأليف (من السابقين) ومن ذلك:
١ - (شرح كتاب التوحيد للإمام البخاري) للعلامة عبد الحق الهاشمي المدرس في المسجد الحرام المتوفى سنة () (٣) وهو عالة على فتح الباري وغيره من الشروح لا يخرج عنها غالبًا مع التنبيه نادرًا على بعض ما يخالف فيه ابن حجر مراد البخاري.
٢ - (شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري) لفضيلة العلامة الدكتور عبد الله بن محمد الغنيمان رئيس قسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية وهو ممن اعتنى بصحيح البخاري وكتابه (دليل القارئ إلى مواضع الحديث في صحيح البخاري) من أنفع وأدق الفهارس للجامع الصحيح.
ألَّف شرحه في مجلدين، قال في مقدمته (لما أعوزني وجود شرح على هذا الوصف - يقصد فهم السلف لمسائل العقيدة - ولم يسعفني من طلبت منه القيام بذلك من مشايخنا تطفلت على كتب العلماء وقمت بجمع ما أراه مناسبًا لشرح ما أورده البخاري ﵀ -
_________________
(١) المختار في أصول السنة لابن البنا صـ (٩٨) تحقيق عبد الرزاق البدر
(٢) اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم ص ٢٣٥ تحقيق د. عواد المعتق
(٣) له ترجمة في الإعلام للزركلي ٣/ ٢٨١ ولم يذكر سنة وفاته وهو والد الشيخ: أبي تراب الظاهري.
[ ٥٠ ]
ولست ازعم إنني أفهم من كتاب البخاري ما لا يفهمه شارحوه أمثال ابن حجر والعيني والخطابي وابن بطال والقسطلاني وغيرهم ولكن لكل منهم منهجه الخاص وعقيدته التي تملي عليه مسلكًا معينًا (١)
وقد استفدت منه كثيرًا، .
وهناك شرح للعلامة محمد بن صالح العثيمين أحد أعلام أهل السنة في زماننا وشرح فيه كتاب التوحيد وقد فُرّغ من تسجيل له وطبع على الآلة الكاتبة واستفدت
منه في فهم مراد البخاري. (٢)
كما استفدت منه - سلمه الله - مشافهة في بعض مسائل كتاب التوحيد فأفادني جزاه الله خيرًا، قال حفظه الله في مقدمة شرحه: هذا الكتاب ختم به المؤلف ﵀ الجامع الصحيح كما ابتداء بالوحي لان الوحي به الابتداء والتوحيد به الغاية ولهذا كان من مات وآخر كلامه لا اله إلا الله دخل الجنة. (٣)
كما أن البخاري ﵀ قد أفاض في بيان كثير من مسائل كتابه خاصة في مسائل خلق القرآن وما يتبعها من التلاوة والألفاظ وأحكامها هل هي مخلوقة أم لا؟ في كتابه (خلق أفعال العباد).
وقد احتوى كتاب التوحيد من صحيح البخاري على آراء البخاري وفهمه لمسائل العقيدة خاصة مسألة التوحيد وما يتبعها من أسماء وصفات فرتب ﵀ الكتاب بنفس طريقة الجامع الصحيح فهو يبوب لما يريد أن يظهره بآية أو حديث أو قول ثم يجعل القارئ يستنبط ما بوب
_________________
(١) شرح البخاري للغنيمان ١/ ٢٩
(٢) شرح ابن عثيمين كتاب التوحيد في الفترة بين ٣/ ١ حتى ١٠/ ٢ من سنة ١٤١٤ هـ
(٣) شرح ابن عثيمين لكتاب التوحيد ص ١
[ ٥١ ]
له من النصوص التي أوردها وأحيانًا يكون الشاهد في رواية أخرى كما هي عادة البخاري في تنشيط ذهن القاري: نبه على هذا أكثر الشراح.
فمن ذلك تبويبه بآية فيقول: (باب قول الله تعالى: ﴿وكان الله سميعًا﴾ النساء ١٣٤. وأما الحديث فقال: باب قول النبي - ﷺ - (لا شخص أغير من الله).
وربما بوب بفهمه للباب فقال: باب ما جاء في دعاء النبي - ﷺ - أمته إلى توحيد الله ﵎، وأحيانًا يستنبط دليلًا عقليًا يفهمه من كلام صحابي كقوله: وقال خبيب: وذلك في ذات الإله؛ فذكر الذات باسمه تعالى واستنباطًا من آية فيقول: ﴿قل أي شيء اكبر شهادة قل الله﴾ الأنعام آية (١٩) فسمى الله تعالى نفسه شيئًا وسمى النبي - ﷺ - القرآن شيئًا وهو صفة من صفات الله.
وأحيانًا يورد تفاسير السلف للنص كقوله ﴿وهو رب العرش العظيم﴾ قال أبو العالية: استوى: ارتفع وقال مجاهد علا وقال ابن عباس (المجيد) الكريم.
ويستشهد بالفطرة على بعض المسائل فيورد خبر أبي ذر -رضي اله عنه- في بحثه عن الحقيقة ويقول لأخيه: اعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم انه يأتيه الخبر من السماء فهذا دليل فطري على علو الله على خلقه فهو يورده في إثبات العلو مع نصوص كثيرة مصرحة بذلك.
وقد أطال ﵀ في مسألة القرآن فنفى خلقه وتوسع في الفرق بين الخلق والمخلوق والفاعل والمفعول بنصف الكتاب الأخير تقريبًا لأنها المسألة التي امتحن بها فأكثر من الأدلة على توضيحها والله أعلم.
[ ٥٢ ]
الباب الأول مسائل العقيدة في كتاب التوحيد
الفصل الأول: التوحيد والرد على الجهمية
الفصل الثاني: أول واجب على المكلفين
الفصل الثالث: الأسماء الحسنى.
الفصل الرابع: من أحكام الأسماء الحسنى.
[ ٥٣ ]