مسائل خالف فيها رسول الله أهل الجاهلية - المقدمة
لقد جاء الرسول ﷺ من عند ربه تعالى بالدين الحق ليذهب به ظلام الباطل والشرك، ولأجل ذلك فقد خالف ﵊ أهل الجاهلية والشرك في كثير مما كانوا عليه، فكان لابد لكل من أراد تمام التوحيد أن يتميز عن أهل الباطل بما يجعله مستعليًا بإيمانه بالله تعالى.
[ ١ ]
منزلة العبودية عند الله تعالى وفضلها
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
لا شك أن الله جل في علاه خلق الخلق لمهمة عظيمة، ولحكمة جسيمة، قال جل في علاه في علاه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦].
والعبودية لله هي من أرقى المنازل التي يمكن أن يعلو المرء إليها، وهي أشرف المنازل، وأرقى المراتب، وأعلى المقامات التي يمكن أن يصلها العبد، ويتشرف بها في هذه الدنيا والآخرة، والنجاة في الآخرة لا تكون إلا على تمام العبودية، أما رأيتم أن الله جل في علاه شرف نبيه ﷺ وعظمه وكرمه بهذه المنزلة، حيث قال في مقام الإعجاز: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:١]؛ ليبين أن هذه المنزلة التي أنزلها الله لرسوله ﷺ هي أفضل المنازل التي يمكن أن يرتقي إليها عبد من عباد الله جل في علاه.
وقال تعالى أيضًا في مقام التحدي لأهل الكفر: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة:٢٣]، فأخبر أنه رفعه إلى منزلة عظيمة وهي منزلة العبودية، وذلك في قوله: (على عبدنا).
وأيضًا في مقام الدعوة إلى الله وسمه بأرقى الصفات، وهي صفة العبودية، حيث قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن:١٩].
وأيضًا في مقام الوحي وصفه الله بهذه المنزلة العظيمة، فقال: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم:١٠].
فمنزلة العبودية هي أرقى المنازل التي يمكن لعبد أن يرتقي إليها، وهذه المنزلة لا يمكن أن ينزلها المرء حتى يرتقي إلى كمال التوحيد، فالعبد لا يرتقي عند ربه إلا بتمام التوحيد وكماله، وبين مراتب العباد مفاوز، بل بين درجات الجنة كما بين السماء والأرض.
[ ٢ ]
أقسام الأمن والهداية وارتباطهما بالتوحيد
إن كمال التوحيد يكون به كمال الأمن، ويكون به كمال المتعة، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ﴾ [الأنعام:٨٢] يعني: الأمن التام، وليس مطلق الأمن، بل الأمن المطلق.
والأمن أمنان: أمن في الدنيا، وأمن في الآخرة، والهداية هدايتان: هداية في الدنيا، وهداية في الآخرة، والأمن التام في الدنيا هو الأمن القلبي؛ لأنهم قد لا يأمنون جسديًا؛ وذلك بأن يبتليهم الله تعالى بتسليط الأعداء.
فالأمان الحقيقي هو أمان القلب، ولو ذبحوني فقلبي مملوء بالتوحيد، كما قال شيخ الإسلام: ماذا يفعل أعدائي بي، إن سجنوني فسجني خلوة بربي، وإن نفوني فنفيي سياحة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، أنا جنتي في قلبي.
إذًا: فالأمن التام يكون في القلب.
وأما الأمن في الآخرة فهو أمن كامل، أمن من كل المصاعب والمتاعب، يأمن حتى في عرصات يوم القيامة، عندما يقوم الناس فزعين هو لا يفزع، عندما يشتد عليهم الكرب والعطش، فإن الله جل وعلا يرويه؛ لأنه أتم التوحيد، بل أول من يدخل الجنة على صورة القمر سبعون ألفًا من غير حساب ولا عذاب كما جاء في الحديث، وفي رواية أخرى: مع كل واحد من السبعين ألفًا، سبعون ألفًا يدخلون الجنة، وجوههم كالقمر، كل واحد منهم كما وصف النبي ﷺ يأخذ بيد أخيه، فالكل يدخلون مرة واحدة، وهذا يسمى الأمن التام أو الأمن المطلق.
[ ٣ ]
الفرق بين الأمن المطلق ومطلق الأمن
إن الفرق بين مطلق الأمن والأمن المطلق: أن مطلق الأمن هو أصل الأمن، وهو يحصل بأدنى جزء منه، وأما الأمن المطلق فهو كمال الأمن، فلا يكون ذلك إلا بتمام التوحيد؛ لذا فنحن نركز بفضل الله ﷾ في دروس العقيدة على الكلام على التوحيد، لاسيما وأن التوحيد هو فرض عين، وأن على كل إنسان أن يتعلم علم التوحيد وما ينافيه من الشرك؛ لأنه لن يسلم المرء بين يدي ربه جل في علاه، ولن يرضى الله عنه حتى يتم التوحيد بأصله وكماله.
[ ٤ ]
أقسام التوحيد
التوحيد قسمان: التوحيد العلمي الخبري، وتوحيد القصد والطلب، فأما التوحيد العلمي الخبري فهو توحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الربوبية، وأما توحيد القصد والطلب فهو توحيد العبادة، أو توحيد الله بأفعال العباد.
فأما توحيد الأسماء والصفات فقد أشبعنا القول فيه.
[ ٥ ]
توحيد الربوبية
توحيد الربوبية: هو أن تعتقد اعتقادًا جازمًا بأن الله جل في علاه هو الخالق الرازق المدبر السيد الآمر الناهي المطاع.
والاعتقاد من أفعال القلوب، ودليل هذا النوع قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢] وهذا نص عام يدخل تحته أفعال العباد، فالله هو خالقها وخالق كل شيء.
وفي هذا رد على القدرية الذين يقولون: إن العبد هو خالق فعل نفسه، فالله جل في علاه خلق كل شيء، وما خلق شيئًا من دقيق ولا جليل إلا بقوله: (كن فيكون) كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠]، واختص الله جل في علاه، من ذلك تكريمًا وتعظيمًا وتشريفًا أمورًا ثلاثة فخلقها بيده: فخلق الله جل في علاه آدم بيده المقدسة سبحانه جل في علاه، قال الله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥].
وخط التوراة بيده، كما في الصحيحين: (أن آدم ﵇ قال لموسى: أنت موسى اصطفاك الله بكلامه، وخط لك التوراة بيده).
وغرس كرامة أهل الفردوس الأعلى بيده، أما باقي الخلق (فبكن) كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠].
وتوحيد الربوبية قال الله عنه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ [الحجر:٢١].
والرزق رزقان: رزق القلوب، ورزق الأبدان، فأما رزق القلوب فهو الأتم والأكمل، وهو رزق العلم، ورزق محبة الله جل في علاه، ورزق كمال الإيمان، وهذا لا يؤتاه إلا من اصطفاه الله من الخلق، فهو خاص بالمؤمنين.
وأما رزق الأبدان فهو يعم الكافر والمؤمن، والصالح والطالح، والبر والفاجر، فلم يمنع الله منه أحد، أما رأيتم قول النبي ﷺ كما في الصحيح: (ما رأيت أحدًا أصبر على أذى من الله، يسبونه وينسبون له الولد وهو يعافيهم ويرزقهم).
فهو رزق لكل مخلوق، بل أهل الكفر والإلحاد ينعمون في الدنيا، حتى إذا وقفوا في عرصات يوم القيامة بين يدي ربهم ومليكهم جل في علاه لم يجدوا حسنة يجازون بها، وأما رزق القلوب فهو بتمام الإيمان، وتمام محبته سبحانه، وتمام العمل بطاعته سبحانه، فهذا لا يكون إلا للمؤمنين؛ لأن الله يغار، وغيرة الله أن يضع الشيء في غير موضعه، فهو لا يضع ذلك إلا في قلب صافٍ نقي.
وأما رزق الأبدان فهو الذي يمنح المرء التوكل التام على الله جل في علاه، كما قال الله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ [الذاريات:٢٢] فما جعله الله في الأرض؛ لأنه يملكه جل في علاه، ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات:٢٢].
وصح عن النبي ﷺ أنه قال: (نفث في روعي الروح الأمين: أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها كما تستوفي أجلها)، وفي رواية أخرى صحيحة عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الرزق ليسعى خلف ابن آدم كما يسعى خلفه الموت)، فلا يُتعبن أحد نفسه، ولا يشغلن باله في أمر الرزق؛ فإن الله قد كفاه هذا الأمر، فما على العبد إلا أن يعتقد اعتقادًا جازمًا بأن الله جل في علاه قد قدر له في اللوح المحفوظ أجرًا ورزقًا فسيأتيه، فإما أن يتعجله بالمعصية فسيأخذه مذمومًا، وإما أن ينتظره ويعمل بنصيحة النبي ﷺ إذ قال: (فاتقوا الله وأجملوا في الطلب)، فأجمل الطلب، فالله جل في علاه يمنحك إياه بطاعة وكنت عنده محمودًا.
والنبي ﷺ كما في الصحيحين يقول: (قال الله تعالى: يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي من شيئًا).
فالله جل وعلا بيده خزائن السماوات والأرض، فهذا الاعتقاد يجرك إلى ألا يميل قلبك لأحد غير الله جل في علاه، فما من شيء دقيق ولا جليل في الكون كله من شئون حياتك وحياة الخلق أجمعين إلا قد دبره الله جل في علاه، قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد:٣٣]، فهو قائم على كل نفس بكل شيء مما ينفعها وييسر عليها أمر الطاعة، أو يغلق عليها باب المعصية، أو يفتح عليها من الفتوحات، فهذا كله بيد الله جل في علاه، قال الله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة:٥] وقال الله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩].
وقال ابن مسعود في تفسير هذه الآية: يرفع أقوامًا ويخفض آخرين، ويعز أقوامًا ويذل آخرين، وينصر أقوامًا ويهزم آخرين، ينزع الملك ممن يشاء، ويؤتي الملك من يشاء ﷾.
فهذا من تمام تدبير الله جل في علاه.
ومن الاعتقاد الجازم في ربوبية الله جل في علاه: الاعتقاد بأن السيد المطاع هو الله، فلا آمر إلا الله، ولا سمع ولا طاعة إلا لله جل في علاه، وأي سمع وطاعة لأي أحد غير الله فهو سمع وطاعة تابعة لطاعة الله، أما رأيتم الله جل وعلا وهو يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩]، فجعل السمع والطاعة واجبة عليك لولي الأمر مادامت تابعة لطاعة الله وطاعة الرسول ﷺ، ولما دخل النبي ﷺ عليهم قالوا: (أنت سيدنا وابن سيدنا فقال: قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، ثم قال: إن الله هو السيد).
فالسيادة المطلقة لا تكون إلا لله جل في علاه؛ لأنه الخالق الرازق المدبر السيد الآمر الناهي المطاع ﷾.
فهذا مجمل الكلام على توحيد الربوبية، وله علاقة وطيدة بتوحيد الإلهية.
[ ٦ ]
توحيد الألوهية
أما توحيد الألوهية أو توحيد الإلهية: فهو توحيد القصد والطلب، أو هو توحيد الله بأفعال العباد، أو هو توحيد العبادة، وهو إفراد الله جل في علاه بالعبادة، فكل عبادة ثبت بالشرع أنها عبادة لله جل في علاه فلا تصرفها لغير الله جل في علاه، فالذبح والنذر والتوكل والإنابة كل ذلك لا تصرفه إلا لله وحده لا شريك له.
فهذا هو مجمل توحيد الإلهية، وتوحيد الإلهية هو الذي من أجله ميز الله بين الكافرين وبين المؤمنين، فأهل الجاهلية كانوا يقرون بربوبية الله جل في علاه، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥] وقال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧]، فأقروا بربوبية الله جل في علاه لكن نازعوا في الإلهية وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]؛ ولذلك أرسل الله جل في علاه الرسل من أجل التمايز بين الناس في توحيد الإلهية، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [النحل:٣٦] وهذا توحيد العبادة.
ولقد بين الله جل في علاه أنه ما أرسل من رسول إلا ليدل على توحيده جل في علاه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، فأهل الإلحاد ومشركي العرب ما كفروا إلا بتوحيد الإلهية.
[ ٧ ]
العلاقة بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وأدلة ذلك
إن العلاقة بين توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية هي علاقة استلزام، أي: أن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الإلهية، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة:٢١] هذا توحيد إلهية، ثم قال: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة:٢١ - ٢٢]، وهذا هو اللازم، وهو الخلق للإنسان والأرض والسماء، وكأن الله جل وعلا يقول للناس: طالما أنتم أقررتم بربوبية الله، وبأن الله هو الذي خلقكم وخلق الأرض والسماء ورزقكم، فيلزمكم بهذا الإقرار أن تفردوه بالعبادة.
إذًا: فالربوبية تستلزم الإلهية، والأدلة على ذلك من الكتاب كثيرة.
فالله جل في علاه أراد أن يلزم الخصم بما أقر به، وقد ذكرت في (شرح المهذب): أن هذه قاعدة استنبطها العلماء وهي: رد المخالف إلى الأمر المتفق عليه، وإلزامه به.
فألزمهم الله بما سلموا به وهو الربوبية في المختلف فيه الذي هو الإلهية، فقال الله جل في علاه مبينًا ذلك في سورة النمل: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٠]، فصدَّر الآية بالخلق، فيستلزم من الخلق ألا يكون هناك إله مع الله، فلابد أن تفردوه بالعبادة.
وأيضًا في سورة المؤمنون قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٤ - ٨٥]، فالله جل وعلا يبين لهم أن الذي يملك من في السماوات ومن في الأرض لابد أن تفردوه بالعبادة.
وأيضًا في الآية الثانية قال: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون:٨٦ - ٨٧] والتقوى هي توحيد عبادة.
والمشركون مع إشراكهم في الإلهية قد أخبر الله أنهم إذا مسهم الضر في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين، فهم يدعون الله من دون الشركاء.
فالذين أقروا بالربوبية لم يقبل الله منهم إقرارهم بالربوبية حتى يقروا بتوحيد الإلهية.
[ ٨ ]
قواعد مهمة تتعلق بتوحيد الألوهية مع الأمثلة
لما كان توحيد الإلهية من الأهمية بمكان اخترنا كتابًا مهمًا يتكلم عن هذه المسألة، وهو كتاب (المسائل التي خالف فيها رسول الله ﷺ أهل الجاهلية).
وسنأخذ مختارات مهمة جدًا مركزة في توحيد الإلهية من هذا الكتاب، وقبل أن أبدأ في الكلام على الجاهلية والفرق بينها وبين الإسلام أقعد قواعد مهمة؛ لأن كل مسائل التوحيد الإلهية ستتعلق بها.
القاعدة الأولى: كل ما ثبت في الشرع أنه عبادة فصرفه لله توحيد، وصرفه لغير الله شرك.
يعني: أن كل عبادة ثبت في الشرع أنها عبادة فصرفها لله من كمال التوحيد، بل من أصل التوحيد، وصرفها لغير الله من الشرك بمكان، فمثلًا: الذبح عبادة، والدليل قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢]، وجه الدلالة على أنه عبادة أن قوله: «وَانْحَرْ» أمر، والله جل وعلا لا يأمر إلا بما يحب، والعبادة: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه.
ووجه الدلالة أيضًا أن النحر اقترن بالصلاة، والصلاة عبادة، فكذلك النحر، لكن دلالة الاقتران يمكن أن ينازع فيها؛ لأنها دلالة ضعيفة، وعلى كل الاستدلال الأول لا منازع فيه، فالنحر عبادة؛ لأن الله لا يأمر إلا بما يحب، فإذا ثبت في الشرع أنها عبادة، فصرفها لله توحيد، وصرفها لغير الله شرك، فمن ذبح لغير الله فقد أشرك، من ذبح للبدوي أو لـ عبد القادر الجيلاني، أو لـ أبي العباس، أو لـ أبي الدرداء أو للأولياء فقد أشرك، ومن أفرد الذبح لله جل في علاه فقد وحد.
مثال آخر على القاعدة الأولى: النذر عبادة، فصرفها لله توحيد، وصرفها لغير الله شرك، والدليل على أن النذر عبادة قوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩].
وجه الدلالة: أن الله مدح الوفاء بالنذر في الآية، والله لا يمتدح إلا العبادة، سواء كانت مستحبة أو واجبة، فهنا ثبت بالشرع أنها عبادة، فصرفها لله توحيد وصرفها لغير الله شرك، فالنذر للسيدة زينب مثلًا عند نجاح الابن شرك؛ لأنه صرف عبادة لغير الله، لكن من نذر لله جل وعلا أن يصوم إذا نجح ابنه، فهذا النذر توحيد؛ لأنه صرفه لله جل في علاه.
القاعدة الثانية: من اتخذ سببًا لم يشرعه الله سببًا مع تمام اعتقاده في الله، فقد أشرك شركًا أصغر، ومن اعتقد في السبب فقد أشرك شركًا أكبر.
ونذكر مثالًا على هذه القاعدة لتتضح، قال النبي ﷺ: (تداووا عباد الله ولا تتداووا بحرام)، والحديث صحيح.
فهنا شرع الله لنا التداوي، وجعل له سببين: سببًا شرعيًا، وسببًا طبيًا وهو السبب المجرب، والسبب الشرعي هو الرقية الشرعية، قال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء:٨٢] فمن اعتقد أن الله جل في علاه هو الذي يشفي، وليس القرآن ذاته، فقد وحد الله؛ لأنه أخذ بشرع الله، واعتقد اعتقادًا جازمًا بأن الله جل وعلا هو النافع الضار ﷾، فهذه الأسباب التي شرعها الله.
وأما الأسباب التي لم يشرعها الله جل في علاه، فذلك مثل: الرجل الذي يجعل صوفة في يده وهذه الصوفة لا تشفي طبيًا، فيعتقد أن هذه الصوفة سبب من الأسباب التي يستشفي بها عند المرض، فهذه الصوفة لم يشرعها الله جل في علاه، ولم يجعلها سببًا للشفاء، فمن اتخذها سببًا فقد خالف الشرع، ووقع في الشرك الأصغر لا الأكبر.
وأما سبب كونها شركًا؛ فلقول الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١]، فيكون قد وقع في الشرك الأصغر، أو في بدعة وهي ذريعة للشرك، وليست شركًا أكبر؛ لأنه يعتقد أن النافع والضار هو الله، لكن لو اعتقد أن الصوفة تشفيه فقد اعتقد في غير الله ما لا يصح أن يكون إلا لله، فيكون واقعًا في الشرك الأكبر.
ومثل ذلك من يضع شيئًا على الحصان، ويقول: إنها تدفع العين، فإذا اعتقد أنه يدفع العين فهذا انتقل من الشرك الأصغر إلى الشرك الأكبر، لكن لو قال هو سبب لرد العين، والله هو الذي يتحكم في ذلك، فقد أشرك شركًا أصغر؛ لأنه اتخذ سببًا لم يشرعه الله جل في علاه.
مثال آخر: لو أن رجلًا ذبح على السيارة الجديدة ذبيحة دفعًا للعين، وقال: أنا أفرقها لله جل في علاه، فلو قال: ذبحنا لله ولدفع العين، فقد اعتقد أن النافع والضار هو الله جل في علاه، ولكنه اتخذ سببًا لم يشرعه الله لدفع العين، فالله شرع لدفع العين الرقية بالمعوذات، أو التبرك، بأن يقول إذا رأى ما يعجبه: بارك الله لك فيما رزقك، كما ورد في حديث صحيح: (أن النبي ﷺ أمر الذي يخشى أن يعين غيره أن يدعو بالبركة).
فلم يشرع الذبح لدفع العين، فمن فعله وهو يعتقد أن هذا سبب من الأسباب التي يدفع الله بها الحسد، فقد وقع في الشرك الأصغر؛ لأنه اتخذ سببًا لم يشرعه الله جل في علاه.
[ ٩ ]
مفهوم الجاهلية وأقسام الجهل
إن الجاهلية مشتقة من الجهل، والجهل هو ضد العلم، وكفى بالجاهلية والجهل ذمًا أن صاحبهما لا يقبل أن تسمه بالجهل حتى وإن كان جاهلًا؛ لأنه مذمة، أما العلم فهو ممدحة، وكفى بالعلم فخرًا أن تشرئب أعناق الجهال إليه ليوصفوا بالعلم.
والجهل ثلاثة أقسام: جهل بسيط، وجهل مركب، وجهالة.
القسم الأول: الجهل البسيط: وهو عدم العلم بالشيء، فلو أن رجلًا من أدغال إفريقيا نشأ ببادية بعيدة ثم أسلم فقلت له: أتعرف أن الله قد فرض خمس صلوات في اليوم والليلة؟ قال: نعم، ولو قلت له: أتعرف أن هناك صلاة تسمى صلاة الظهر؟ لقال: نعم، فتسأله: كم ركعة في صلاة الظهر؟ فقال لك: لا أعلم، فهذا جهل بسيط؛ لأنه لا يعلم شيئًا فقال: لا أعلم، فهذا يمكن أن تعلمه وتقول له: الظهر أربع ركعات.
القسم الثاني: الجهل المركب، وهو التصور الخاطئ للأشياء مع اعتقاد أن تصوره صحيح، فعنده علم مخالف للعلم الصحيح.
فلو جئت إلى رجل أعرابي جلف فسألته: هل أنت عالم؟ يقول: أنا أعلم أهل الأرض، فتقول له: صلاة الظهر كم ركعة؟ فيقول لك: هذا السؤال الذي أتعبت نفسك لتسألني إياه؟! الظهر سبع ركعات.
وهذا يذكرنا بحمار الحكيم توما، وكان هذا الرجل دائمًا يزعم أنه حكيم، ويفتي بالخطأ دائمًا، فالحمار لم يحتمل هذه الفتوى المزعومة، فقالوا على لسانه: قال حمار الحكيم توما لو أنصف الناس كنت أركبْ لأنني جاهل بسيط وصاحبي جاهل مركَّبْ القسم الثالث: الجهالة، هي العلم بالشيء والتطبيق الخطأ له، وذلك كأن تعلم أن المعصية حرام، التطبيق الصحيح لهذا العلم أن تجتنب هذه المعصية، فإن ارتكبت المعصية فهذه جهالة، فلو كنت تعلم أن النظر إلى المرأة الأجنبية العارية حرام فنظرت، فهذا النظر يعتبر منك جهالة؛ لأنك تعلم أنه حرام وارتكبته، وأدل ما يكون على ذلك من كتاب الله قول الله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤] إلى أن قال: ﴿مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام:٥٤]، يعني: أنه علم أنه سوء ثم فعله، فيسمى عاملًا للسوء بجهالة.
وأما معنى الجاهلية في الاصطلاح: فهي ما كان عليه الناس من محادة لدين الله جل في علاه قبل بعثة النبي ﷺ، أو هي الحالة التي تكون عليها أمة من الأمم قبل الهدي الإلهي، والبشارة والرحمة النبوية لها.
وهذه الحالة كانت في الأمة التي جاءها النبي ﷺ، فخالفت أمر النبي وشرعه ﷺ من كل وجه.
والجهالة جهالتان: جهالة عامة، وجهالة خاصة، أو جهالة مطلقة وجهالة مقيدة، فالجهالة المطلقة هي: مخالفة الشرع من كل وجه، ومحادة دين الله جل في علاه من كل وجه، وهذه الجهالة المطلقة هي جهالة أهل الكفر الذين كانوا قبل النبي ﷺ، أو أهل الفترة الذين كانوا قبل بعثة النبي ﷺ.
وأما الجهالة المقيدة: فهي مشابهة أهل الإسلام لأهل الشرك بعد بعثة النبي ﷺ في بعض الأفعال، مثال ذلك: النياحة على الميت، فهذه فيها مشابهة لأخلاقيات الجاهلية الجهلاء التي كانت قبل بعثة النبي ﷺ، وما زالت عند النساء في هذه الأوقات، في لطم الخدود، وشق الجيوب، والنياحة على الميت، وكذلك الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب.
وأدل ما يكون على الجهالة المقيدة: حديث أبي ذر ﵁ وأرضاه، وذلك عندما قال لـ بلال: (يا ابن السوداء! فقال له النبي ﷺ: أعيرته بأمه؟ إنك امرئ فيك جاهلية).
فوسمه بهذه الجاهلية؛ لأنها مثل جاهلية أهل الشرك قبل الإسلام، وهذه الجاهلية معصية وليست بشرك.
[ ١٠ ]
نصوص نبوية تحض على مخالفة أهل الجاهلية
لقد أمرنا الله بالفرار من هذه الجاهلية، سواء الجاهلية المطلقة أو الجاهلية المقيدة؛ حتى نتقن التوحيد ونتمه، وذلك في قوله ﷺ: (من تشبه بقوم فهو منهم)، وفي رواية أخرى: (نهى النبي ﷺ عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ونهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تشرق الشمس)، والعلة كما قال النبي ﷺ في نهاية الحديث: (فيسجد آنذاك أهل الكفر للشمس في هذا الوق).
ويقينًا أن المؤمن الذي يصلي بعد العصر أنه يسجد لله لا للشمس، ومع ذلك نهاه النبي ﷺ؛ حتى لا يشابه أفعال أهل الجاهلية.
وأيضًا قال النبي ﷺ عن صبغ الشعر: (حمروا أو صفروا، وخالفوا أهل الكتاب)، يعني: في اللحية البيضاء، فأمر النبي ﷺ بالتحمير والتصفير؛ لأن أهل الكتاب لا يصبغون، فقال: اصبغوا مخالفة لأهل الكتاب.
وأيضًا في حديث أبي أمامة بسند حسن (أن بعض الصحابة قالوا: يا رسول الله إن اليهود يتسرولون ولا يتزرون، فقال لهم النبي ﷺ: تسرولوا واتزروا)، مخالفة لأهل الكتاب.
وأيضًا قال النبي ﷺ: (صلوا في نعالكم؛ فإن أهل الكتاب لا يصلون في نعالهم).
وأيضًا قال النبي ﷺ منكرًا على من يتبع أهل الشرك من اليهود والنصارى وغيرهم في أفعالهم: (لتتبعن سنن الذين من قبلكم حذو القذة بالقذة)، وفي رواية أخرى قال: (شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه).
وقال الله تعالى محذرًا نبيه، وبالتالي محذرًا الأمة: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٤٥]، فبمخالفة أهل الجاهلية يتم لنا التوحيد ويكمل.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
[ ١١ ]