سبق أن عرَّفنا السنة في باب أهل السنة والجماعة وسنتكلم عن مسألة حكم إنكار السنة وحكم من جحد وأنكر الإجماع الذي فيه نص.
* الأدلة:
جاءت الأدلة من الكتاب والسنة بالتحذير من مخالفة أمره - ﷺ - كما قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].
وفي حديث أبي رافع يرفعه، قال: "لا ألفين أحدكم متكئًا علي أريكة يأتيه أمر مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه". (^١)
وعن المقداد بن معد يكرب عن رسول الله - ﷺ - بلفظ: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه" (^٢). وفي رواية للترمذي: "وإن ما حرم رسول الله - ﷺ - كما حرم الله" (^٣).
* أقوال السلف:
* قال الإمام إسحاق بن راهوية: "من بلغه عن رسول الله - ﷺ - خبرٌ يُقرُّ بصحته ثم رده بغير تقية فهو كافر" (^٤).
وقال العلامة ابن الوزير ﵀: "التكذيب لحديث رسول الله - ﷺ - مع العلم أنه" حديثه كفر صريح" (^٥).
_________________
(١) سنن الترمذي: (٢٦٦٣)، سنن أبي داود (٤٦٠٥) وابن ماجة (١٢).
(٢) سنن أبي داود (٤٦٠٤).
(٣) سنن الترمذي (٢٦٦٤) وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.
(٤) فتح الباري ١٠/ ٢٢٥.
(٥) العواصم والقواصم.
[ ٢ / ٤٠٧ ]
قال السيوطي: "اعلموا - رحمكم الله - أن من أنكر كون حديث النَّبِيّ - ﷺ - قولًا كان أو فعلًا بشرطه المعروف في الأصول حجة كفر وخرج عن دائرة الإسلام، وحشر مع اليهود والنصارى أو مع من يشاء من فرق الكفرة" (^١).
وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة: "الذي ينكر العمل بالسنة يكون كافرا؛ لأنَّهُ مكذب الله ولرسوله ولإجماع المسلمين" (^٢).
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ بعد أن أورد الأدلة على حجية القرآن والسنة على حد سواء: "وهما أصلان متلازمان من جحد واحدًا منهما فقد جحد الآخر وكذب به، وذلك كفر وضلال وخروج عن دائرة الإسلام بإجماع أهل العلم والإيمان" (^٣).
وقول القائل أنه لا يحتج بسنته أو أنها غير محفوظة ضلال وكفر بالله ﷿ قال الشيخ ابن باز ﵀: "وكيف تمكن طاعته ورد ما تنازع فيه الناس إلى كتاب الله وسنة رسوله إذا كانت سنته لا يحتج بها وكانت كلها غير محفوظة، وعلى هذا القول يكون الله قد أحال عباده إلى شيء لا وجود له، وهذا من أبطل الباطل ومن أعظم الكفر بالله وسوء الظن به" (^٤).
وقد قسَّم أهلُ العلم السُّنَّة كما هو معلوم إلى قسمين: متواتر، وآحاد.
فالمتواتر هو: ما نقل عن النَّبِيّ - ﷺ - جمع عن جمع يستحيل تواطئهم على الكذب.
وأما الآحاد فهو: ما نقل عن النَّبِيّ - ﷺ - بما لم يبلغ حد التواتر؛ لأن الآحاد منه الغريب ومنه العزيز ومنه المشهور.
_________________
(١) مجموعة الرسائل المنيرية ٤/ ٣٠٢ من رسالة مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة. وانظر: شرح الفقه الأكبر ص ١٤٣، والدواء العاجل ص ٣٤ ضمن مجموعة الرسائل السلفية.
(٢) فتاوى اللجنة الدائمة ٣/ ١٩٥.
(٣) رسالة وجوب العمل بسنة رسول الله - ﷺ - وكفر من أنكرها ١٣، ١٤.
(٤) رسالة وجوب العمل بسنة الرسول - ﷺ - وكفر من أنكرها ص ٩.
[ ٢ / ٤٠٨ ]
* حكم إنكار المتواتر.
قال الإمام ابن دقيق العيد ﵀ في إيضاح ذلك: "المسائل الإجماعية تارة يصحبها التواتر بالنقل عن صاحب الشرع كوجوب الصلاة مثلا وتارة لا يصحبها التواتر، فالقسم الأول يكفر جاحده لمخالفته المتواتر لا لمخالفته الإجماع، القسم الثاني لا يكفر به" (^١).
ويبين شيخ الإسلام معنى المتواتر فيقول: "المقصود من المتواتر ما يفيد العلم لكن من الناس من لا يسمى متواترًا إلا ما رواه عدد كثير يكون العلم حاصلا بكثرة عددهم فقط ويقولون إن كل عدد أفاد العلم في قضية أفاد مثل ذلك العدد العلم في كل قضية وهذا قول ضعيف والصحيح ما عليه الأكثرون أن العلم يحصل بكثرة المخبرين تارة وقد يحصل بصفاتهم لدينهم وضبطهم وقد يحصل بقرائن تحتف بالخبر يحصل العلم بمجموع ذلك وقد يحصل العلم بطائفة دون طائفة، وأيضًا فالخبر الذي تلقاه الأئمة بالقبول تصديقًا له أو عملا بموجبه يفيد العلم عند جماهير الخلف والسلف وهذا في معنى المتواتر لكن من الناس من يسميه المشهور والمستفيض ويقسمون الخبر إلى متواتر ومشهور وخبر واحد والصحيح الذي عليه الجمهور أن التواتر ليس له عدد محصور والعلم الحاصل بخبر من الأخبار يحصل في القلب ضرورة كما يحصل الشبع عقب الأكل والرى عند الشرب وليس لما يشبع كل واحد ويرويه قدر معين بل قد يكون الشبع لكثرة الطعام وقد يكون لجودته كاللحم وقد يكون لاستغناء الآكل بقليله، وقد يكون لاشتغال نفسه بفرح أو غضب أو حزن ونحو ذلك" (^٢).
_________________
(١) أحكام الأحكام ٢/ ٢٣٢. وانظر العواصم والقواصم ٤/ ١٧٤.
(٢) مجموع الفتاوى ١٩/ ٤٨ - ٥١.
[ ٢ / ٤٠٩ ]
* حكم رد خبر الآحاد:
أنكر العلماء على من رد خبر الآحاد حيث ثبت إجماع أهل العلم على وجوب الأخذ بالحديث الصحيح ولو كان آحادًا.
قال ابن عبد البر: "وأجمع أهل العلم من أهل الفقه والأثر في جميع الأمصار فيما علمت، على قبول خبر الواحد العدل، وإيجاب العمل به، إذا ثبت ولم ينسخه غيره من أثر أو إجماع، على هذا جميع الفقهاء في كل عصر من لدن الصحابة إلى يومنا هذا إلا الخوارج وطوائف من أهل البدع شرذمة لا تعد خلافًا.
وقد أجمع المسلمون على جواز قبول الواحد السائل المستفتي لما يخبره به العالم الواحد إذا استفتاه فيما لا يعمله، وقبول خبر الواحد العدل فيما يخبر به مثله، وقد ذكر الحجة عليهم في ردهم أخبار الآحاد جماعةٌ من أئمة الجماعة وعلماء المسلمين، وقد أفردت لذلك كتابًا موعبًا كافيًا، والحمد لله" (^١).
وقال العلامة ابن القيم بعد حكاية إجماع الصحابة على قبول أخبار الصحابة - ﵃ -: "فممن نصَّ على أن خبر الواحد يفيد العلم: مالك والشافعي وأصحاب أبي حنيفة وداود بن علي وأصحابه كأبي محمد بن حزم ونص عليه الحسين بن علي الكرابيسي والحارث بن أسد المحاسبي.
قال ابن خويز منداد في كتابه "أصول الفقه": وقد ذكر خبر الواحد الذي لم يروه الواحد والاثنان: "ويقع بهذا الضرب أيضًا العلم الضروري، نصَّ على ذلك مالك"" (^٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن قسّم الأخبار إلى متواتر وآحاد فقال بعد ذكر المتواتر -: "وأما القسم الثاني من الأخبار فهو ما لا يرويه إلا الواحد العدل
_________________
(١) التمهيد (١/ ٢). وانظر للاستزادة شرح التنقيح ص ٣٥٦، ٣٥٧.
(٢) مختصر الصواعق المرسلة ٢/ ٣٦٢ - ٣٦٣.
[ ٢ / ٤١٠ ]
ونحوه، ولم يتواتر لفظه ولا معناه، ولكن تلقته الأمة بالقبول عملًا به، أو تصديقًا له، كخبر عمر بن الخطاب - ﵁ -: "إنما الأعمال بالنيات" وأمثال ذلك، فهذا يفيد العلم اليقيني عند جماهير أمة محمد - ﷺ - من الأولين والآخر، أما السلف فلم يكن بينهم في ذلك نزاع، وأما الخلف فهذا مذهب الفقهاء الكبار من أصحاب الأئمة الأربعة" (^١).
وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين - ﵁ -: "الفصل الأول: في أدلة من قال إن خبر العدل يفيد العلم وبيان ما يرد عليها، والجواب عنه. هذا القول هو مذهب جمهور السلف وأكثر المحدثين والفقهاء من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم، وهو الصحيح عن الإمام أحمد ﵀، فقد اشتهر عنه القطع بأحاديث الرؤية والعلم بمدلولها .. " (^٢).
وردُّ خبر الآحاد يترتب عليه مفاسد عظيمة. قال أبو المظفر السمعاني:
"وربما يرتقي هذا القول - أي رد أخبار الآحاد - إلى أعظم. هذا، فإن النَّبِيّ - ﷺ - أدى هذا الدين إلى الواحد فالواحد من أصحابه، وهذا الواحد يؤديه إلى الأمة، وينقله عنه، فإذا لم يُقبل قول الراوي لأنَّهُ واحد، رجع العيب إلى المؤدي، نعوذ بالله من هذا القول البشع، والاعتقاد القبيح" اهـ (^٣).
وقال الشيخ الألباني ﵀: "فالحق ما قلته: إن هذا القول الباطل يؤدي بأصحابه إلى الإقصار في العقيدة على القرآن وحده أسوة بالقرآنيين، وبعض الأمثلة المتقدمة كاف لإثبات ما قلته " ثم أضاف ﵀ قائلًا: "الوجه العشرون: هناك حكمة تروى عن عيسى ﵊ تقول في حق المتنبئين
_________________
(١) مختصر "الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة" لابن القيم ٢/ ٣٧٢ - ٣٧٣.
(٢) أخبار الآحاد ص ٥٧.
(٣) مختصر الصواعق المرسلة ٦٠٨، ٦٠٩.
[ ٢ / ٤١١ ]
الدجالين الكذبة: "من ثمارهم تعرفونهم" فمن شاء من المسلمين أن يعرف ثمرة ذلك القول الباطل: أن العقيدة لا تثبت بحديث الآحاد، فليتأمل فيما سنسوقه من العقائد الإسلامية التي تلقاها الخلف عن السلف، وجاءت الأحاديث متضافرة متوافرة شاهدة عليها، وحينئذ يتبين له خطورة ذلك القول الذي يتبناه المخالفون دون أن يشعروا بما يؤدي إليه من الضلال البعيد من إنكار ما عليه المسلمون من العقائد الصحيحة، وهاك ما يحضرني الآن منها:
نبوة آدم علية السلام وغيره من الأنبياء الذين لم يذكروا في القرآن.
أفضلية نبينا محمد - ﷺ - على جميع الأنبياء والرسل.
شفاعته - ﷺ - العظمى في المحشر.
شفاعته - ﷺ - لأهل الكبائر من أمته.
معجزاته - ﷺ - كلها ما عدا القرآن، ومنها معجزة انشقاق القمر، فإنها مع ذكرها في القرآن تأولوها بما ينافي الأحاديث الصحيحة المصرحة بانشقاق القمر معجزة لرسول الله - ﷺ -.
صفاته - ﷺ - البدنية وبعض شمائله الخلقية.
الأحاديث التي تتحدث عن بدء الخلق وصفة الملائكة والجن، والجنة والنار، وأنهما مخلوقتان، وأن الحجر الأسود من الجنة.
خصوصياته - ﷺ - التي جمعها السيوطي في كتاب (الخصائص الكبرى) مثل دخول الجنة ورؤية أهلها وما أعد للمتقين فيها، وإسلام قرينه من الجن وغير ذلك.
القطع بأن العشرة المبشرين بالجنة من أهل الجنة.
الإيمان بسؤال منكر ونكير في القبر.
الإيمان بعذاب القبر.
الإيمان بضغطة القبر.
[ ٢ / ٤١٢ ]
الإيمان بالميزان ذي الكفتين يوم القيامة.
الإيمان بالصراط.
الإيمان بحوضه - ﷺ - وأن من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدًا.
دخول سبعين ألفًا من أمته - ﷺ - الجنة بغير حساب.
سؤال الأنبياء في المحشر عن التبليغ.
الإيمان بكل ما صح في الحديث في صفة القيامة والحشر والنشر.
الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره، وأن الله تعالى كتب علي كل إنسان سعادته أو شقاوته ورزقه وأجله.
الإيمان بالقلم الذي كتب كل شيء.
الإيمان بأن القرآن كتاب الله حقيقة لا مجازًا.
الإيمان بالعرش والكرسي حقيقة لا مجازًا.
الإيمان بأن أهل الكبائر لا يخلدون في النار.
وأن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر في الجنة.
وأن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء.
وأن الله ملائكة سياحين يبلغون النَّبِيّ - ﷺ - سلام أمته عليه.
الإيمان بمجموع أشراط الساعة كخروج المهدي، ونزول عيسى ﵇ وخروج الدجال، ودابة الأرض من موضعها، وغيرها مما صحت به الأحاديث.
وأن المسلمين يفترقون على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، وهي التي تتمسك بما كان عليه الصحابة من عقيدة وعبادة وهدى.
الإيمان بجميع أسماء الله الحسنى وصفاته العليا مما جاء في السنة الصحيحة، كالعلي والقدير وصفة الفوقية والنزول وغيرها.
الإيمان بعروجه - ﷺ - إلى السماوات العلي، ورؤيته آيات ربه الكبرى.
[ ٢ / ٤١٣ ]
هذه بعض العقائد الإسلامية الصحيحة التي وردت في الأحاديث الثابتة المتواترة أو المستفيضة، وتلقتها الأمة بالقبول، وهي تبلغ المئات، وما أظن أحدًا من المسلمين يجرؤ على إنكارها، أو التشكيك فيها" (^١).
وقد رد الشيخ ابن جبرين على شبهة من قال أن من رد شيئًا من الأصول والعقائد يكفر وأخبار الآحاد لا يكفر من رد منها شيئًا للاختلاف في ثبوتها، فقال حفظه الله: "فيقال: سبق أن استدل بهذا علي أن الآحاد لا تفيد العلم مطلقًا، وأجيب هناك بأن من اتضحت له السنة ولو آحادًا وتحقق ثبوتها عن النَّبِيّ - ﷺ - ثم ردها بدون تأويل ولا شبهة، وقامت عليه الحجة فإنه يكفر، لتظاهره برد شيء مما جاء به الرسول - ﷺ - عن ربه، ومن رد شيئًا من دين الرسول كمن رد جميعه.
وعلى هذا فلا فرق بين الأصول والفروع في التكفير، فتخصيص الأصول لا دليلٌ عليه" (^٢).
ومما يحسن ذكره هنا أقوال أهل العلم في حكم من أنكر الإجماع المعلوم:
بيّن شيخ الإسلام معنى الإجماع فقال: "معنى الإجماع أن تجتمع علماء المسلمين على حكم من الأحكام وإذا ثبت إجماع الأمة علي حكم من الأحكام لم يكن لأحد أن يخرج عن اجماعهم فإن الأمة لا تجتمع علي ضلالة ولكن كثيرًا من المسائل يظن بعض الناس فيها إجماعا ولا يكون الأمر كذلك بل يكون القول الآخَر أرجح في الكتاب والسنة" (^٣).
فقد تقدم بعض النقل في كفر من أنكر الإجماع المعلوم، قال الإمام النووي ﵀: "أطلق الإمام الرافعي القول بتكفير جاحد مجمع عليه، وليس هو على إطلاقه، بل
_________________
(١) أخبار الآحاد في الحديث النبوي ص ١٣١.
(٢) مجموع الفتاوى ٢٠/ ١٠.
[ ٢ / ٤١٤ ]
من جحد مجمعا عليه فيه نص، وهو من أمور الإسلام الظاهرة التي يشترك في معرفتها الخواص والعوام كالصلاة والزكاة أو الحج أو تحريم الخمر أو الزنا ونحو ذلك فهو كافر، ومن جحد مجمعا عليه لا يعرفه إلا الخواص كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب، وتحريم نكاح المعتدة فليس بكافر" (^١).
قال ابن تيمية: "وقد تنازع الناس في مخالف الإجماع هل يكفر علي قولين والتحقيق أن الإجماع المعلوم يكفر مخالفه كما يكفر مخالف النص بتركه لكن هذا لا يكون إلا فيما علم ثبوت النص به وأما العلم بثبوت الإجماع في مسألة لا نص فيها فهذا لا يقع وأما غير المعلوم فيمتنع تكفيره وحينئذ فالإجماع مع النص دليلان كالكتاب والسنة، وتنازعوا في الإجماع هل هو حجة قطعية أو ظنية والتحقيق أن قطعية قطعي وظنية ظني والله أعلم" (^٢).
وفي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية قال ﵀: "وهذه الآية تدل على أن إجماع المؤمنين حجة من جهة أن مخالفتهم مستلزمة لمخالفة الرسول وإن كل ما أجمعوا عليه، فلابد أن يكون فيه نص عن الرسول، فكل مسألة يقطع فيها بالإجماع وبانتفاء المنازع من المؤمنين فإنها مما بين الله فيه الهدى ومخالف مثل هذا الإجماع يكفر كما يكفر مخالف النص البين وأما إذا كان يظن الإجماع ولا يقطع به فهنا قد لا يقطع أيضًا بأنها مما تبين فيه الهدى من جهة الرسول ومخالف مثل هذا الإجماع قد لا يكفر بل قد يكون ظن الإجماع خطأ والصواب في خلاف هذا القول، وهذا هو فصل
_________________
(١) روضة الطالبين ٢/ ١٤٦، وانظر ١٠/ ٦٥، ومسلم بشرح النووي ١/ ١٧٣، ونهاية المحتاج شرح المنهاج ٧/ ٤١١.
(٢) مجموع الفتاوى ١٩/ ٢٦٩، ٢٧٠.
[ ٢ / ٤١٥ ]
الخطاب فيما يكفر به من مخالفة الإجماع وما لا يكفر" (^١).
وقال ﵀: "والإجماع نوعان: قطعي فهذا لا سبيل إلى أن يعلم إجماع قطعي علي خلاف النص، وأما الظني فهو الإجماع الإقرارى والاستقرائي بأن يستقرئ أقوال العلماء فلا يجد في ذلك خلافًا أو يشتهر القول في القرآن ولا يعلم أحدًا أنكره" (^٢).