[زيارة القبور - تتبع آثار الأنبياء والصالحين المكانية]
الرجال - بالمهملة - جمع رحل، وهو للبعير كالسرج للفرس، وهو أصغر من القتب (^١).
قال ابن سيده: "وارتحل البعير جعل عليه الرحل، ورحل رحلة شدَّ عليه أداته" (^٢).
وكنَّى بشد الرحال عن السفر لأنَّهُ لازمه (^٣).
وقد جاء النهي عن السفر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين. أو زيارة المواضع الفاضلة والمقصود عدم تحديد بقعة مباركة تُعمل المطي إليها بقصد القربة والمرخص فيه ثلاثة مساجد، المسجد الحرام، ومسجد الرسول - ﷺ -
_________________
(١) *اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٦٣٧، ٦٤٠، ٦٦٥ - ٦٦٦. قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص ٢٣٤، ٢٣٥. مجموع الفتاوى ١/ ١١٨ - ١٢٢. ٤/ ٣١٥، ٢٧/ ١١١، ٢٠/ ٣١٤. مجموعة الرسائل الكبرى ٢/ ٣٩٥. الرد على البكري ٢٧ - ٥٧. الرد على الأخنائي ٢٤. الاختيارات العلمية ٥٠. الصارم المنكي لابن عبد الهادي. المحلى بالآثار لابن حزم ٢/ ٣٦٤. أحكام القرآن القرطبي ١٩/ ٢١، ١٠/ ١١، ٢/ ٢١٢. تيسير العزيز الحميد ص ٣٦٠. فتح المجيد ص ٢٩٤. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ١٧٢. الدرر السنية ٥/ ٣٩٩، ١١/ ١١٥، ٥٠٢ الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٣/ ٥٨٣، ٥٨٧. فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٢٨٧. مجموع الفتاوى لابن باز ٢/ ٧٦٢. كشف الستر عما ورد في السفر إلى القبر للشيخ حماد الأنصاري. أحكام الجنائز الألباني ٢٦٠ - ٢٦٣. رقم ١٩٧. منهج ابن حجر في العقيدة ص ١٠٣١. الجيلاني وآراؤه الاعتقادية ص ٤٤٠. جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية ص ١٥٨٨، ١٥٩٩. التبرك د: ناصر الجديع ص ١٠٥، ٣٢٢، ٣٨٨.
(٢) انظر: عمدة القاري ٧/ ٢٥٢.
(٣) المحكم ٣/ ٣٠٢.
(٤) انظر: فتح الباري ٣/ ٦٤. عمدة القاري ٩/ ١٣١.
[ ٢ / ٤٣٥ ]
ومسجد الأقصى (^١).
وشد الرحال إلى القبور صرحت الأحاديث بالنهي عنه لأنَّهُ من الوسائل التي تفضي إلى الغلو والتعظيم فهو من الوسائل والأسباب الشركية.
* الدليل من السنة: عن أبي هريرة - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: "إِنَّمَا يُسَافَرُ إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ وَمَسْجِدِي وَمَسْجِدِ إِيلِيَاءَ" (^٢).
وعن أبي سعيد الخدري قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "لا تُشَدُّ الرحال" (^٣) - وفي لفظ: "لا تَشُدُّوا الرِّحَالَ إلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى" (^٤).
وجاء في بعض الروايات: "لا تُشَدُّ العُرى إلا إلى ثلاثة مساجد" (^٥).
وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَنَّهُ قَالَ لَقِيَ أَبُو بَصْرَةَ الْغِفَارِيُّ أَبَا هُرَيْرَةَ وَهُوَ جَاءٍ مِنْ الطُّورِ فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟ قَالَ: مِنْ الطُّورِ، صَلَّيْتُ فِيهِ.
_________________
(١) قال ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: "المسجد الأقصى اسم لجميع المسجد الذي بناه سليمان ﵇ وقد صار بعض الناس يسمي الأقصى المصلى الذي بناه عمر بن الخطاب - ﵁ - في مقدمه ولهذا كان أئمة الأمة إذا دخلوا المسجد قصدوا الصلاة في المصلي الذي بناه عمر وقد روي عن عمر - ﵁ - أنه صلى في محراب داود. وأما الصخرة فلم يصل عندها عمر - ﵁ - ولا الصحابة ولا كان على عهد الخلفاء الراشدين عليها قبة بل كانت مكشوفة في خلافة عمر وعثمان وعلي ومعاوية ويزيد ومروان ولكن لما تولى ابنه عبد الملك الشام ووقع بينه وبين الزبير الفتنة كان الناس يحجون فيجتمعون بابن الزبير فأراد عبد الملك أن يصرف الناس عن ابن الزبير فبنى القبة على الصخرة وكساها في الشتاء والصيف ليرغب الناس في زيارة بيت المقدس ويشتغلوا بذلك عن اجتماعهم بابن الزبير. وأما أهل العلم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان فلم يكونوا يعظمون الصخرة فإنها قبلة منسوخة) مجموع الفتاوى ٢٧/ ١١، ١٢.
(٢) أخرجه مسلم (١٣٩٧).
(٣) أخرجه البخاري (١١٨٩، ١٩٩٥، ١١٩٧).
(٤) أخرجه مسلم (١٣٩٧).
(٥) قال ابن الأثير هي جمع عروة يريد عرى الأحمال والرواحل. النهاية لابن الأثير (ع ر ا).
[ ٢ / ٤٣٦ ]
قَالَ: أَمَا لَوْ أَدْرَكْتُكَ قَبْلَ أَنْ تَرْحَلَ إِلَيْهِ مَا رَحَلْتَ، إِنِّي سمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: "لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى" (^١).
وعن قزعة قال: أردت الخروج إلى الطور فأتيت ابن عمر - ﵄ - فقلت له، فقال: "إنما تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد إلى مسجد رسول الله - ﷺ - والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى. ودع عنك الطور ولا تأته" (^٢).
* والمراد من النهي عن شد الرحال السفر إلى بقعة بذاتها تقربا إلى الله:
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن - ﵀ - بعد ذكره للحديثين السابقين: "فابن عمر، وبصرة بن أبي بصرة، جعلا الطور مما نُهي عن شد الرحال إليه؛ لأن اللفظ الذي ذكراه: في النهي عن شدها إلى غير الثلاثة، مما يُقصد به القُربة. فعُلم أن المستثنى منه عام في المساجد وغيرها، وأن النهي ليس خاصًا بالمساجد، ولهذا نهيا عن شدها إلى الطور مستدلين بهذا الحديث.
والطور إنما يُسافر من يسافر إليه لفضيلة البُقعة، فإن الله سماه الوادي المقدس، والبقعة المباركة، وكلم كليمه موسى هناك، وهذا هو الذي عليه الأئمة لأربعة، وجمهور العلماء" (^٣).
وقال الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀: "المراد: لا يسافر إلى موضع من المواضع الفاضلة التي تقصد لذاتها ابتغاء بركتها وفضل العبادة فيها إلا إلى ثلاثة مساجد، وهذا هو الذي يدل عليه فهم الصحابيَين المذكورين، وثبت مثله عن ابن عمر - ﵁ - كما بيّنته
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد (٢٧٧٧٢).
(٢) أخرجه الفاكهي في أخبار مكة ٢/ ٩٤ رقم ١١٩٣، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف ٢/ ٣٧٤، ٤/ ٦٥.
(٣) فتح المجيد ص ٢٩٥.
[ ٢ / ٤٣٧ ]
في كتابي "أحكام الجنائز وبدعها"، وهو الذي اختاره جماعة من العلماء كالقاضي عياض والإمام الجويني والقاضي حسين، فقالوا: "يحرم شد الرحل لغير المساجد الثلاثة، كقبور الصالحين والمواضع الفاضلة" ذكره المناوي في "الفيض".
فليس هو رأي ابن تيمية وحده، كما يظن بعض الجهلة، وإن كان له فضل الدعوة إليه، والانتصار له بالسنة، وأقوال السلف بما لا يعرف له مثيل، فجزاه الله عنا خير الجزاء" (^١).
* حكم شد الرحل لزيارة قبر النَّبِيّ - ﷺ -:
لا يجوز ذلك لحديث: "لا تشد الرحال إلا لثلاث مساجد ".
وقوله - ﷺ -: "لا تُشَدُّ الرحال" بضم أوله بلفظ النفي، والمراد النهي عن السفر إلى غيرها.
وكنّى بشد الرحال عن السفر، لأنَّهُ لازمه، وخرج ذكرها مخرج الغالب في ركوب المسافر، وإلا فلا فرق بين ركوب الرواحل والخيل والبغال والحمير والمشي (^٢) فهذه كلها داخلة في المعنى المذكور كما يدخل فيه وسائل السفر الحديثة من سيارات وطائرات وغيرها، ويدل عليه قول - في بعض طرقه -: "إنما يسافر" (^٣).
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: "فدخل في النهي: شدُّها لزيارة القبور والمشاهد، فإما أن يكون نهيًا، وإنما أن يكون نفيًا، وجاء في رواية بصيغة النهي، فتعيّن أن يكون للنهي" (^٤).
_________________
(١) سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم (٩٩٧) (٢/ ٧٣٣ - ٧٣٤).
(٢) انظر فتح الباري ٣/ ٦٤.
(٣) صحيح مسلم - بشرح النووي ٩/ ١٦٨.
(٤) فتح المجيد ص ٢٩٤.
[ ٢ / ٤٣٨ ]
والنهي جاء عن شد الرحال إليها والسفر من أجلها فذلك الذي صرحت الأحاديث به، أما زيارة القبور من دون شد الرحال إليها فقد اتفق العلماء علي أن ذلك جائز لما أخرجه مسلم في صحيحه: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" (^١). بل هو قربة إلى الله ﷿ ومأمور به لقول النَّبِيّ - ﷺ -: "زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة" (^٢) فالزيارة إذا كانت على الصفة الشرعية فإنها مشروعة (^٣). أما ما يفعله بعض الناس من البدع الذميمة والجهالات الوخيمة حيث لا يقصد من الحج إلا زيارة قبر النَّبِيّ - ﷺ - ووضع الأيدي على شباكه (^٤) فهذا جهل وضلال.
وإليك أقوال الأئمة في النهي عن شد الرحال:
قال ابن تيمية: "وسئل مالك عن رجل نذر أن يأتي قبر النبي، فقال مالك: إن كان أراد القبر فلا يأته وإن أراد المسجد فليأته ثم ذكر الحديث: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد" ذكره القاضي إسماعيل في مبسوطه" (^٥).
وقال المناوي: " ما نقل عن مالك من منع شد الرحل لمجرد زيارة القبر من غير إرادة إتيان المسجد للصلاة فيه" (^٦).
وقال ابن بطة: "ومن البدع البناء على القبور وتجصيصها وشد الرحل إلى زيارتها" (^٧).
وقال النووي: "واختلف العلماء في شد الرحال وإعمال المطي إلى غير
_________________
(١) أخرجه مسلم (٩٧٧).
(٢) أخرجه مسلم وقد تقدم في باب: (زيارة القبور).
(٣) انظر باب: "زيارة القبور".
(٤) انظر للاستزادة حول السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين: الفتاوى ١/ ١١٨.
(٥) مجموع الفتاوى ١/ ٣٠٤.
(٦) شرح المناوي للجامع الصغير ٦/ ١٤٠.
(٧) الإبانة الصغرى ص ٩٢.
[ ٢ / ٤٣٩ ]
المساجد الثلاثة كالذهاب إلى قبور الصالحين وإلى المواضع الفاضلة ونحو ذلك فقال الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا هو حرام وهو الذي أشار القاضي عياض إلى اختياره" (^١).
وقال الحافظ ابن حجر: "قال الشيخ أبو محمد الجويني يحرم شد الرحال إلى غيرها عملًا بظاهر هذا الحديث وأشار القاضي حسين إلى اختياره وبه قال عياض وطائفة" (^٢).
وقال ابن قدامة: "فإن سافر لزيارة القبر والمشاهد، فقال ابن عقيل: لا يباح له الترخص لأنَّهُ منهي عن السفر إليها قال النَّبِيّ - ﷺ -: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد" متفق عليه" (^٣).
وقال ابن الأثير: "هذا مثل قوله (لا تعمل المطي) وكنى به عن السير والنفر، والمراد: لا يقصد موضع من المواضع بنية العبادة والتقرب إلى الله تعالى إلا إلى هذه الأماكن الثلاثة تعظيمًا لشأنها وتشريفًا" (^٤).
قال ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: "فإن الصحابة والتابعين والأئمة لم يعرف عنهم نزاع في أن السفر إلى القبور وآثار الأنبياء داخل في النهي كالسفر إلى الطور الذي كلم الله عليه موسى وغيره وأما السفر إلى مجرد زيارة القبور فما رأيت أحدا من علماء المسلمين قال إنه مستحب وإنما تنازعوا: هل هو منهي عنه، أو مباح؟ وهذا الإجماع والنزاع لم يتناول المعنى الذي أراده العلماء بقولهم يستحب زيارة قبر النَّبِيّ - ﷺ - ولا إطلاق القول بأنه يستحب السفر لزيارة قبره كما هو موجود في
_________________
(١) شرح النووي على صحيح مسلم ٩/ ١٠٦.
(٢) الفتح ٣/ ٦٥.
(٣) المغني ٢/ ١٠٠.
(٤) جامع الأصول ٩/ ٢٨٣.
[ ٢ / ٤٤٠ ]
كلام كثير منهم، فإنهم يذكرون الحج ويقولون: يستحب للحاج أن يزور قبر النَّبِيّ - ﷺ - والمقصود أن كل من قصد السفر إلى المدينة فعليه أن يقصد السفر إلى المسجد والصلاة فيه كما إذا سافر إلى المسجد الحرام والمسجد الأقصى وإذا قصد السفر إلى القبر دون المسجد وجعل المسجد لا يسافر إليه إلا الأجل القبر، واعتقد أن السفر إليه تبعا للقبر كما يسافر إلى قبور سائر الصالحين ويصلي في مساجد هناك، فمن جعل السفر إلى مسجد الرسول - ﷺ - وقبره كالسفر إلى قبور هؤلاء والمساجد التي عندهم فقد خالف إجماع المسلمين، وخرج عن شريعة سيد المرسلين وما سنه لأمته الغر الميامين بخلاف الذي قصد المسجد" (^١).
وقال علامة حضرموت ومفتيها السيد عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف: "نص إمام الحرمين - ومثله القاضي حسين - على تحريم السفر لزيارة القبور، واختاره القاضي عياض بن موسى بن عياش في إكماله وهو من أفضل متأخري المالكية. وقام وقعد في ذلك الشيخ الإمام ابن تيمية، وخَطَّأهُ قومٌ وصَوَّبَهُ آخرون، ومهما يكن من الأمر فَلْيَسَعَهُ ما وسع الجويني والقاضيين حسين وعياضًا، ولكنهم أفردوه باللوم! والقولُ واحدٌ. وقال مالك بن أنس: من نَذر المشي إلى مساجد من المساجد ليصلي فيه كرهتُ ذلك لقوله - ﷺ -: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة". وقال ابن سريج - من كبار أصحاب الشافعي - إن الزيارة قربة تلزم بالنذر. والخطب يسير لم يُوَسِّعْهُ إلا الحسد والتعصب، وإلا فالتثريب في موضع الاختلاف ممنوع" (^٢).
قال العلامة محمد بن إسماعيل الصنعاني: "والحديث دليلٌ على فضيلة المساجد هذه ودلَّ بمفهوم الحصر أنه يحرم شد الرحال لقصد غير الثلاثة كزيارة الصالحين أحياءً وأمواتًا لقصد التقرب ولقصد المواضع الفاضلة لقصد التبرك بها
_________________
(١) الرد على الأخنائي ١٣، ١٥، ١٨.
(٢) إدام القوت ص ٥٨٤.
[ ٢ / ٤٤١ ]
والصلاة فيها" اهـ (^١).
وقال السيد نعمان بن محمود الآلوسي بعد أن انتصر لرأي ابن تيمية ونهاية الكلام في هذا المقام: "أن شيخ الإسلام لم ينفرد بهذا القول الذي شُنِّع به عليه، بل ذهب إليه غيره من الأئمة الأعلام" (^٢).
وقال الإمام محمد صديق حسن القنوجي: "وقد ذهب إمام دار الهجرة مالك بن أنس - ﵁ - والقاضي عياض من أئمة المالكية إلى منع السفر لزيارة القبور وكرهوها، وبه قال شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني، والحافظ ابن قيم الجوزية، وقبلهما ابن عقيل وابن بطة من الحنابلة، وإليه ذهب إمام الحرمين أبو محمد الجويني.
وتغليط الغزالي إياه غلط لعدم تفرده بذلك، وكذلك القاضي حسين من الشافعية، وجماعة من الحنفية المتأخرة، الكائنة في هذه المائة الثالثة عشر من الهجرة الشريفة.
وقد حقق بعض أهل العلم هذه المسألة في كتابه جلاء العينين في المحاكمة بين أحمدين وذهب إلى ما هو الصواب فيها إن شاء اللهُ تعالى.
وحققها أيضًا صاحب مسك الختام في كتب ورسائل عديدة منها عون الباري والسراج الوهاج ورحلة الصديق إلى البيت العتيق وغيرها، وهي مذكورة أيضًا في النهج المقبول والبنيان المرصوص ونحوهما راجع ذلك.
وقد ذب جماعة من المحققين عن شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسألة، منهم الشيخ أحمد ولي الله المحدث الدهلوي ومن تبعه من علماء السنة من أهل الهند وصاحب الصارم المنكي، وصاحب القول الجلي، وغيرهما.
ولا شكَّ في أن ما ذهب إليه شيخ الإسلام ومن تبعه فيه ليس هو مذهبه خاصة، بل
_________________
(١) سبل السلام ٣/ ٣٩٤.
(٢) جلاء العينين ص ٥١٨.
[ ٢ / ٤٤٢ ]
قال به قبله وبعده جماعة من أهل العلم، فالطعن عليه - ﵀ - خاصة في هذه المسألة وما في معناها، طعن لا يصيب إلا صاحبه، وسب لا يرجع إلا إلى قائله، وكيف يجوز هذا في شأنه؟! وإن هذا لا يجوز في حق أحد من المسلمين، كما قال - ﷺ -:: "سباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر". و"من قال لأخيه كافرا فقد باء به إن لم يكن كذلك" (^١).
وقال الألباني - ﵀ -: "وفي هذه الأحاديث تحريم السفر إلى موضع من المواضع المباركة، مثل مقابر الأنبياء والصالحين، وهي وإن كانت بلفظ النفي "لا تُشَدَّ" فالمراد النهي كما قال الحافظ، على وزن قوله تعالى ﴿الْفَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ وهو كما قال الطيبي: هو أبلغ من صريح النهي، كأنه قال: لا يستقيم أن يقصد بالزيارة إلا هذه البقاع لاختصاصها بما اختصت به" قلت (^٢): ومما يشهد لكون النفي هنا بمعنى النهي رواية لمسلم في الحديث الثاني: "لا تشدوا" (^٣).
ثم ذكر أقوال من تساهل في السفر لغير المساجد الثلاثة ورد عليهم مفندًا أقوالهم في كتابه النفيس أحكام الجنائز (^٤).
ومما قاله - ﵀ -: "والخلاصة: إن ما ذهب إليه أبو محمد الجويني الشافعي وغيره من تحريم السفر إلى غير المساجد الثلاثة من المواضع الفاضلة هو الذي يجب المصير إليه، فلا جرم اختاره كبار العلماء المحققين المعروفين باستقلالهم في الفهم، وتعمقهم في الفقه عن الله ورسوله أمثال شيخي الإسلام ابن تيمية وابن القيم - رحمهم الله تعالى - فإن لهم البحوث الكثيرة النافعة في هذه المسألة الهامة، ومن هؤلاء الأفاضل الشيخ ولي الله الدهلوي، ومن كلامه في ذلك ما قال في
_________________
(١) الدين الخالص ٣/ ٥٩٠، ٥٩١. وانظر أيضًا شرحه لصحيح مسلم ٥/ ١١٣.
(٢) القائل هو الشيخ الألباني ﵀.
(٣) أحكام الجنائز ص ٢٢٦، ٢٢٧.
(٤) من ص ٢٢٧ إلى ص ٢٣١.
[ ٢ / ٤٤٣ ]
الحجة البالغة ١/ ١٩٢: "كان أهل الجاهلية يقصدون مواضع معظمة بزعمهم يزورونها ويتبركون بها، وفيه من التحريف والفساد ما لا يخفى، فسَدَّ - ﷺ - الفسادَ، لئلا يلحق غير الشعائر بالشعائر، ولئلا يصير ذريعة لعبادة غير الله، والحق عندي أن القبر، ومحل عبادة ولي من الأولياء والطور كل ذلك سواء في النهي".
ومما يحسن التنبيه عليه في خاتمة هذا البحث أنه لا يدخل في النهي السفر للتجارة وطلب العلم، فإن السفر إنما هو لطلب تلك الحاجة حيث كانت لا لخصوص المكان، وكذلك السفر لزيارة الأخ في الله فإنه هو المقصود كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية" (^١) " (^٢).
قال ﵀: "وأما شد الرحال لزيارة القبور فلا يجوز، وإنما يشرع لزيارة المساجد الثلاث خاصة، لقوله - ﷺ -: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى" متفق على صحته. وإذا زار المسلم مسجد النَّبِيّ - ﷺ - دخل في ذلك علي سبيل التبعية زيارة قبره - ﷺ - وقبر صاحبيه وقبور الشهداء وأهل البقيع وزيارة مسجد قباء من دون شد الرحل، فلا يسافر لأجل الزيارة ولكن إذا كان في المدينة شرع له زيارة قبر النَّبِيّ - ﷺ - وقبر صاحبيه، وزيارة البقيع والشهداء ومسجد قباء.
أما شد الرحال من بعيد لأجل الزيارة فقط فهذا لا يجوز علي الصحيح من قولي العلماء" (^٣).
_________________
(١) في الفتاوى ٢/ ١٨٦.
(٢) أحكام الجنائز ص ١٢٢ - ١٢٣. ٤/ ٣١٥. ٢٧/ ٢٠ - ٢١. مجموعة الرسائل الكبرى ابن تيمية ٢/ ٣٩٥. الرد على البكري ص ٢٣٣. الإبداع علي محفوظ ص ١٢٤، ٢١٩، ٣٨٤. السنن والمبتدعات الشقيري ص ١٦٦. مناسك الحج والعمرة الألباني ص ٦٠. أحكام الجنائز الألباني ص ٢٦٢ رقم ١٧٣. السلسلة الضعيفة للألباني ١/ ٢٨٥.
(٣) مجموع الفتاوى ٧٥٤ - ٧٥٥.
[ ٢ / ٤٤٤ ]
قال الشيخ بكر أبو زيد في معرض كلامه عن ابن القيم: "فكان من الأعمال المعدودة من باب القربات: شد الرحال إلى قبر الخليل - فأنكر ابن القيم ذلك ونعي علي معاصريه عامتهم وخاصتهم وبين أن شد الرحال له من الأمور المنكرة في الدين والبدع المخالفة للصراط المستقيم فأحدث ذلك صراعا عجيبًا أوذي وسجن بسببه وفي ذلك يقول ابن رجب: "وقد حبس مدة لإنكاره شد الرحال إلى قبر الخليل"" (^١).
* أدلة المجيزين لاستحباب السفر لزيارة القبر:
استدل المجيزون للسفر إلى مجرد قصد زيارة القبر الشريف بأحاديث عديدة وهي إما موضوعة أو ضعيفة جدًّا لا تقوم بها حجة (^٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "الأحاديث في زيارة قبر النبي - ﷺ - كلها ضعيفة، باتفاق أهل العلم بالحديث، بل هي موضوعة، لم يرو أحد من أهل السنن المعتمدة شيئًا منها، ولم يحتج أحد من الأئمة بشيء منها، بل مالك إمام أهل المدينة النبوية - الذين هم أعلم الناس بحكم هذه المسألة - كره أن يقول الرجل: "زرت قبر النَّبِيّ - ﷺ - (ولو كان هذا اللفظ مشروعا عندهم، أو معروفا مأثورا عن النَّبِيّ - ﷺ - لم يكرهه عالم المدينة، والإمام أحمد - أعلم الناس في زمانه بالسنة - لما سئل عن ذلك - أي عن زيارة قبر النَّبِيّ - ﷺ - - لم يكن عنده ما يعتمد عليه في ذلك من الأحاديث إلا حديث أبي هريرة أن النَّبِيّ - ﷺ - قال: "ما من أحد يسلم عليّ إلا رد الله روحي حتى أردّ ﵇" (^٣) وعلي هذا اعتمد أبو داود في سننه إلخ" (^٤).
_________________
(١) انظر كتاب جهود ابن القيم ص ٧٠. وانظر كلام ابن رجب في الدرر الكامنة ٤/ ٢٣.
(٢) انظر الصارم المنكي للإمام محمد بن أحمد عبد الهادي فقد رد جميع الأحاديث التي استدل بها تقي الدين السبكي في كتابه: شفاء السقام في زيارة خير الأنام. وانظر أيضًا رسالة كشف الستر عما ورد في السفر إلى القبر للشيخ حماد الأنصاري.
(٣) أخرجه أبو داود (٢٠٤١).
(٤) الرد على الأخنائي ص ١٨٩ بتصرف يسير.
[ ٢ / ٤٤٥ ]
وذكر - رحمه الله تعالى - في موضع آخر أمثلة ما يروى من تلك الأحاديث فقال: "ومنها حديث: "من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي". مثل ما يروون أنه قال - ﷺ -: "من زارني بعد مماتي كنت له شفيعا يوم القيامة" إلى أن قال: فهذه الأحاديث وما أشبهها كلها كذب موضوع علي النَّبِيّ - ﷺ - لم يثبت عنه لفظ واحد في زيارة قبره. وقال: كيف يكون زائر قبره كالمهاجر إليه في حياته؟ فإنما زيارته في حياته إنما شرعت لمن يأتي ويبايعه علي الإسلام والجهاد أو يطلب منه العلم، أو نحو ذلك من المقاصد المأمور بها في حياته، التي لا يحصل شيء منها بزيارة قبره" (^١).
قال ابن باز ﵀: "ولو كان شيء من هذه الأحاديث ثابتًا لكان الصحابة - ﵃ - أسبق الناس إلى العمل به، وبيان ذلك للأمة ودعوتهم إليه، لأنهم خير الناس بعد الأنبياء، وأعلمهم بحدود الله وبما شرعه لعباده، وأنصحهم الله ولخلقه فلما لم يُنقل عنهم شيء من ذلك دل علي أنه غير مشروع" (^٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وأول من وضع هذه الأحاديث في السفر لزيارة المشاهد التي على القبور هم أهل البدع من الرافضة وغيرهم الذين يعطلون المساجد ويعظمون المشاهد التي يشرك فيها ويكذب فيها ويبتدع فيها دين لم ينزل الله به سلطانًا" (^٣).
ومن أدلة المجيزين ما يروونه من (أن بلالًا - ﵁ - رأى النَّبِيّ صلي الله عليه وآله وسلم وهو في الشام في منامه وهو يقول له: ما هذه الجفوة يا بلال؟! أما آن لك أن تزورني يا بلال؟!، فانتبه حزينًا خائفا فركب راحلته وقصد المدينة) قال الحافظ
_________________
(١) الرد على البكري ص ٥٥. وانظر مجموع الفتاوى ٢٨/ ٢٢٤.
(٢) التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة للشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ١٠٩.
(٣) مجموع الفتاوى ٢٧/ ٢٢٤.
[ ٢ / ٤٤٦ ]
ابن حجر في اللسان (^١): "هذه قصة بينة الوضع" (^٢).
قال الحافظ ابن عبد الهادي: "الأثر المذكور عن بلال ليس بصحيح" (^٣).
وقال الذهبي: "إسناده ليّن وهو منكر" (^٤).
* مسألة في حكم شد الرحال لزيارة الأهرامات:
سُئل الشيخ ابن جبرين عن زيارة مقابر الكفار كالأهرامات بمصر حيث يوجد بها مقابر الفراعنة وآثارهم فأجاب - ﵀ - بقوله: "لا يجوز شد الرحال إليها، ولو كان ذلك للاعتبار والتذكر، ولكن إذا كان هناك في مصر؛ أي: أتاها من غير شد رحل للاعتبار والنظر في آثار من قبلنا .. فلا مانع من ذلك إن شاء الله، ولو كان فيها قبور المشركين؛ لأن لم يقصد بزيارته تعظيم القبور" (^٥).