الصبر في اللغة: الحبس والكف، ومنه قتل فلان صبرا أي إذا أُمسك وحبس ومنه قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨] أي: احبس نفسك معهم.
وربما خولف بين أسمائه بحسب اختلاف مواقعه. فإن كان حبس النفس بمصيبة سمي صبرا لا غير، ويضاده الجزع، وإن كان في محاربة سمي شجاعة، ويضاده الجبن، وإن كان في نائبة مضجرة سمي رحب الصدر، ويضاده الضجر، وإن كان في إمساك الكلام سمي كتمانا، ويضاده البذل والهذر والإفشاء، وفي فضول العيش: زهد، ويضاده الحرص، وفي اليسير من الدنيا: قناعة، وضده الشره (^١).
وفي الشرع: قال ابن تيمية ﵀: "الصبر فيه جمع وإمساك ولهذا قيل الصبر حبس النفس عن الجزع" (^٢).
وقال ابن القيم ﵀: "حبس النفس عن الجزع والتسخط، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن لطم الخدود وشق الثياب ونحوهما" (^٣).
_________________
(١) * شرح السنة للبغوي ٥/ ٤٤٦. أحكام القرآن القرطبي ١٥/ ٢١٥. التحفة العراقية لابن تيمية ٥٢. عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين تحقيق محمد عثمان الخشن. الآداب الشرعية لابن مفلح ١/ ٢٩ - ٣/ ٢٧٤. دليل الفالحين ١/ ١٣٧. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للقاري ٥/ ٨٤. تيسير العزيز الحميد ص ٥١٥. فتح المجيد ص ٤٢١. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ٢٥٨ القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٢/ ٢١١، ط ٢ - ٢/ ٢٥٧ ومن المجموع ١٠/ ٦٨٩. القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٣٨ الدرر السنية ٢/ ١٥٤. مجموع الفتاوى لابن باز ٢/ ٤٩١. ثلاثة الأصول لابن عثيمين. شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ١/ ١١. الجيلاني وآراؤه الاعتقادية ٦٢٢. قواعد التوحيد للريس.
(٢) مفردات الراغب ص ٢٧٣.
(٣) مجموع الفتاوى ١٧/ ٢٣٣.
(٤) عدة الصابرين لابن القيم ص ٢٧.
[ ٢ / ٥٤١ ]
وقال الراغب في مفرداته: "الصبر: حبس النفس على ما يقتضيه العقل أو الشرع" (^١).
وقال ابن القيم - ﵀ -: "وقيل: الصبر ثبات باعث العقل والدين في مقابلة باعث الهوى والشهوة" (^٢)، ثم ذكر قول عمرو بن عثمان المكي - ﵀ -: "الصبر هو الثبات مع الله وتلقي بلائه بالرحب والدعة" وقال معلقًا عليه: "ومعنى هذا أنه يتلقى البلاء بصدر واسع لا يتعلق بالضيق والسخط والشكوى"" (^٣).
وقال الشيخ ابن عثيمين: "الصبر: حبس النفس على طاعة الله، وحبسها عن معصية الله، وحبسها عن التسخط من أقدار الله" (^٤).
* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)﴾ [الأنفال: ٤٦]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]. قال علقمة: "هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلم" (^٥).
* الدليل من السنة: عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "الطُّهُورُ شَطْرُ الإيمَانِ وَالْحَمْدُ لله تَمْلأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ لله، وَالْحَمْدُ لله تَمْلآَنِ - أَوْ تَمْلأُ - مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَالصَّلاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا" (^٦).
_________________
(١) مفردات الراغب ص ٢٧٣.
(٢) عدة الصابرين لابن القيم ص ٣٣.
(٣) المصدر السابق.
(٤) شرح ثلاثة الأصول من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ١٧.
(٥) أخرجه ابن جرير الطبري في التفسير ٢٨/ ١٢٣.
(٦) أخرجه مسلم (٢٢٣). والنسائي (٢٤٣٩). والترمذي (٣٥١٧).
[ ٢ / ٥٤٢ ]
وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "إِذَا أَرَادَ الله بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ به يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (^١).
وعن أنس بن مالك - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: "إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط" (^٢).
وللبخاري ومسلم مرفوعًا: "ما أعطي أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر" (^٣).
ولمسلم قال - ﷺ -: "عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له" (^٤).
وأمر رسول الله - ﷺ - الأنصار بأن يصبروا على الأثرة التي يلقونها بعده حتى يلقوه على الحوض. وأمر عند ملاقاة العدو بالصبر، وأمر بالصبر عند المصيبة، وأخبر أنه إنما يكون عند الصدمة الأولى. وأمر المصاب بأنفع الأمور له وهو الصبر والاحتساب، فإن ذلك يخفف مصيبته ويوفر أجره (^٥).
* أقوال السلف في الصبر:
قال عمر - ﵁ -: "وجدنا خير عيشنا بالصبر" (^٦).
وقال علي بن أبي طالب - ﵁ -: "ألا إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا قطع الرأس بان الجسد، ثم رفع صوته فقال: ألا لا إيمان لمن لا صبر له" (^٧).
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٣٩٦).
(٢) أخرجه الترمذي (٢٣٩٦)، وابن ماجه (٤٠٣١).
(٣) أخرجه البخاري (١٤٦٩) (٦٤٧٠).
(٤) أخرجه مسلم (٢٩٩٩).
(٥) للاستزادة انظر تيسير العزيز الحميد ص ٥١٥.
(٦) أخرجه البخاري في باب الصبر عن محارم الله ص ١١٢٢ ورقم الحديث بعده (٦٤٧٠).
(٧) انظر تيسير العزيز الحميد ص ٥١٥.
[ ٢ / ٥٤٣ ]
وقال الإمام أحمد: "ذكر الله الصبر في القرآن في نحو تسعين موضعًا" (^١).
وقال أبو الفرج بن الجوزي: "الرجل كل الرجل من يصبر على العافية. وهذا الصبر متصل بالشكر، فلا يتم إلا بالقيام بحق الشكر، وإنما كان الصبر على السراء شديدا، لأنه مقرون بالقدرة، والجائع عند غيبة الطعام أقدر على الصبر منه عند حضور الطعام اللذيذ" (^٢).
وقال ابن القيم في منازل السائرين: "والصبر حبس النفس على المكروه، وعقل اللسان عن الشكوى، وهو من أصعب المنازل على العامة وأوحشها في طريق المحبة وأنكرها في طريق التوحيد. وهو واجب بإجماع الأمة" (^٣).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والله سبحانه وصف الأئمة بالصبر واليقين فقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٤] (^٤).
وقال ابن القيم: "وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين" (^٥).
وقال ابن كثير: "والصبر من صفات عباد الرحمن التي استحقوا بها الجنة العالية، ولقوا فيها التحية والسلام قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (٧٥) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٧٦)﴾ [الفرقان: ٧٥ - ٧٦] (^٦).
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد ٥١٥.
(٢) الآداب الشرعية ١/ ٣٠.
(٣) مدارج السالكين ٢/ ١٥٢.
(٤) الاستقامة لابن تيمية ١/ ٤٠.
(٥) مدارج السالكين.
(٦) تفسير القرآن العظيم ٣/ ٤٦٣.
[ ٢ / ٥٤٤ ]
أحكام وفوائد:
١ - حكم الصبر:
قال أبو بكر الطرطوشي في البدع والحوادث: "التصبر واجب" (^١).
وقال ابن حزم في المحلى: "والصبر واجب" (^٢).
وقال شيخ الإسلام: "والصبر واجب باتفاق العلماء" (^٣).
وقد تقدم كلام ابن القيم في مدارج السالكين: "أنه واجب بإجماع الأمة" (^٤).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله في حديث النهي عن النياحة: "وفيه دليل على أن الصبر واجب، لأن النياحة منافية له، فإذا حرمت دل على وجوبه" (^٥).
وهذا الحكم متعلق بالأقسام الثلاثة؛ فالصبر على أقدار الله التي لا صنع للعبد فيها واجب بالاتفاق وكذلك الصبر عن المحرمات. قال شيخ الإسلام: "والمؤمن مأمور بأن يصبر على المقدور" (^٦).
وقال - ﵀ -: "وأما الصبر عن المحرمات فواجب وإن كانت النفس تشتهيها وتهواها" (^٧).
وأما الصبر على طاعة الله فيما افترض فواجب لا يخالف في لك عاقل.
أما في غير هذه الأقسام الثلاثة فقد فصل الإمام ابن القيم في ذلك فقال بعد ذكره للنوع السابق - وهو الواجب -:
_________________
(١) كتاب البدع والحوادث ص ١٦٣.
(٢) المحلى ٥/ ٢١٦.
(٣) مجموع الفتاوى ١١/ ٢٦٠، ١٧/ ٢٧، والفتاوى الكبرى ٤/ ٤٤٣، وانظر: الآداب الشرعية ١/ ٣٠، وكشاف القناع ٢/ ١٦٣.
(٤) مدارج السالكين ٢/ ١٥٢.
(٥) تيسير العزيز الحميد ص ٥١٨.
(٦) مجموع الفتاوى ٨/ ٣٢٩.
(٧) مجموع الفتاوى ١٠/ ٥٧٤.
[ ٢ / ٥٤٥ ]
وأما الصبر المندوب: فهو الصبر عن المكروهات، والصبر على المستحبات، والصبر على مقابلة الجاني بمثل فعله.
وأما المحظور فأنواع: أحدها: الصبر عن الطعام والشراب حتى يموت وكذلك الصبر عن الميتة والدم ولحم الخنزير عند المخمصة حرام إذا خاف بتركه الموت، قال طاووس وبعده الإمام أحمد: من اضطر إلى أكل الميتة والدم فلم يأكل فمات دخل النار
وأما الصبر المكروه فله أمثلة: أحدها: أن يصبر عن الطعام والشراب واللبس وجماع أهله حتى يتضرر بذلك بدنه. الثاني: صبره عن جماع زوجته إذا احتاجت إلى ذلك ولم يتضرر به. الثالث: صبره على المكروه. الرابع: صبره عن فعل المستحب.
وأما الصبر المباح: فهو الصبر عن كل فعل مستوى الطرفين خير بين فعله وتركه والصبر عليه.
وبالجملة: فالصبر على الواجب واجب، وعن الواجب حرام، والصبر عن الحرام واجب، وعليه حرام، والصبر على المستحب مستحب، وعنه مكروه، والصبر عن المكروه مستحب، وعليه مكروه، والصبر عن المباح مباح .. والله أعلم" (^١).
٢ - أقسام الصبر:
يقول ابن القيم - ﵀ - في تقسيم الصبر: "الصبر باعتبار متعلقه ثلاثة أقسام: صبر على الأوامر والطاعات حتى يؤديها، وصبر على المناهي والمخالفات حتى لا يقع فيها، وصبر على الأقدار والأقضية حتى لا يتسخطها.
وهذه الأنواع الثلاثة هي التي قال فيها الشيخ عبد القادر في فتوح الغيب: لابد للعبد من أمر يفعله، ونهي يجتنبه، وقدر يصبر عليه
_________________
(١) عدة الصابرين ص ٢٣ باختصار.
[ ٢ / ٥٤٦ ]
وهذه الثلاثة هي التي أوصى بها لقمان لابنه في قوله تعالى: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧)﴾ [لقمان: ١٧] " (^١).
وقال ابن عثيمين - ﵀ -: "الصبر ثلاثة أنواع: أعلاها الصبر على طاعة الله، ثم الصبر عن معصية الله، ثم الصبر على أقدار الله.
وهذا الترتيب من حيث هو لا باعتبار من يتعلق به، وإلا يكون الصبر على المعصية أشق على الإنسان من الصبر على الطاعة، إذا فتن الإ نسان مثلًا بامرأة جميلة تدعوه إلى نفسها في مكان خال لا يطلع عليه إلا الله وهو رجل شاب ذو شهوة؛ فالصبر عن هذه المعصية أشق ما يكون على النفوس، قد يصلي الإنسان مائة ركعه وتكون أهون عليه من هذا.
وقد يصاب الإنسان بمصيبة يكون الصبر عليها أشق من الصبر على الطاعة فقد يموت له مثلا قريب أو صديق أو عزيز عليه جدا، فتجده يتحمل من الصبر على هذه المصيبة مشقة عظيمة " (^٢).
٣ - تفاوت درجات الصبر:
قال ابن القيم - ﵀ -: "الصبر نوعان: اختياري، واضطراري، والاختياري أكمل من الاضطراري؛ فإن الاضطراري يشترك فيه الناس ويتأتّى ممن لا يتأتى منه الصبر الاختياري.
ولذلك كان صبر يوسف الصديق - ﷺ - عن مطاوعة امرأة العزيز، وصبره على ما ناله في ذلك من الحبس والمكروه، أعظم من صبره على ما ناله من إخوته لما ألقوه
_________________
(١) عدة الصابرين ص ٤٦، ٤٧.
(٢) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١٠/ ٦٩٠، وانظر القول المفيد ط ١ - ٢/ ٢١٢.
[ ٢ / ٥٤٧ ]
في الجب وفرقوا بينه وبين أبيه وباعوه بيع العبيد.
وكذلك صبر الخليل - ﵀ -، والكليم، وصبر نوح، وصبر المسيح، وصبر خاتم الأنبياء وسيد المرسلين وسيد ولد آدم عليهم الصلاة والسلام كان صبرا على الدعوة إلى الله ومجاهدة أعداء الله؛ ولهذا سماهم الله أولي العزم، وأمر رسوله أن يصبر صبرهم قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] (^١).
واعلم أن أجر الصبر في بعض الأعمال أكثر منه في غيره ويعظم الأجر بالصبر على أعظم الأعمال قال ابن تيمية - ﵀ -: "فإن أعمال البر كلما عظمت كان الصبر عليها أعظم مما دونهما فإن في العلم والإمارة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصلاة والحج والصوم والزكاة من الفتن النفسية وغيرها ما ليس في غيرها ويعرض في ذلك ميل النفس إلى الرئاسة والمال والصور فإذا كانت النفس غير قادرة على ذلك لم تطمع فيه كما تطمع مع القدرة فإنها مع القدرة تطلب تلك الأمور المحرمة بخلاف حالها بدون القدرة فإن الصبر مع القدرة جهاد بل هو من أفضل الجهاد وأكمل من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الصبر عن المحرمات أفضل من الصبر على المصائب.
الثاني: أن ترك المحرمات مع القدرة عليها وطلب النفس لها أفضل من تركها بدون ذلك.
الثالث: أن طلب النفس لها إذا كان بسبب أمر ديني كمن خرج لصلاة أو طلب علم أو جهاد فابتلي بما يميل إليه من ذلك فإن صبره على ذلك يتضمن فعل المأمور وترك المحظور بخلاف ما إذا مالت نفسه إلى ذلك بدون عمل صالح" (^٢).
_________________
(١) عدة الصابرين ص ٢٤.
(٢) مجموع الفتاوى ١٠/ ٥٧٦، ٥٧٧.
[ ٢ / ٥٤٨ ]
٤ - موقف العبد حال المصيبة:
يقول الشيخ ابن عثيمين - ﵀ -: "والناس حال المصيبة على مراتب أربع:
الأولى: التسخط، وهو إما أن يكون بالقلب كأن يسخط على ربه ويغضب على قدر الله عليه، وقد يؤدي إلى الكفر قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١] وقد يكون باللسان كالدعاء بالويل والثبور وما أشبه ذلك، وقد يكون بالجوارح كلطم الخدود وشق الجيوب ونتف الشعور، وما أشبه ذلك.
الثانية: الصبر وهو كما قال الشاعر:
الصبر مثل اسمه مر مذاقته لكن عواقبه أحلى من العسل
فيرى الإنسان أن هذا الشيء ثقيل ويكرهه، لكنه يتحمله ويتصبر وليس وقوعه وعدمه سواء عنده، بل يكره هذا ولكن إيمانه يحميه من السخط.
الثالثة: الرضا وهو أعلى من ذلك وهو أن يكون الأمران عنده سواء بالنسبة إلى قضاء الله وقدره وإن كان قد يحزن من المصيبة، لأنه رجل يسبح في القضاء والقدر أينما ينزل به القضاء والقدر فهو نازل به على سهل أو جبل، إن أصيب بنعمة أو أصيب بضدها فالكل عنده سواء، لا لأن قلبه ميت بل لتمام رضاه بربه ﷾ يتقلب في تصرفات الرب - ﷿ - ولكنها عنده سواء إذ إنه ينظر إليها باعتبارها قضاء لربه، وهذا الفرق بين الرضا والصبر.
الرابعة: الشكر وهو أعلى المراتب وذلك أن يشكر الله على ما أصابه من مصيبة وذلك يكون في عباد الله الشاكرين حين يرى أن هناك مصائب أعظم منها وأن مصائب الدنيا أهون من مصائب الدين، وأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وأن هذه المصيبة سبب لتكفير سيئاته وربما لزيادة حسناته شكر الله على ذلك قال
[ ٢ / ٥٤٩ ]
النبي - ﷺ -: "ما يصيب المؤمن من هم ولا غم ولا شيء إلا كفّر له بها حتى الشوكة يشاكها"، كما أنه قد يزداد إيمان المرء بذلك" (^١).
وقال شيخ الإسلام - ﵀ -: "وأعلى من ذلك، أي: من الرضى أن يشكر الله على المصيبة لما يرى من إنعام الله تعالى عليه بها، حيث جعلها سببًا لتكفير خطاياه ورفع درجاته، وإنابته وتضرعه إليه وإخلاصه له في التوكل عليه ورجائه دون المخلوقين" (^٢).
٥ - حكم الرضا بقضاء الله جل وعلا:
قال ابن مفلح في الآداب الشرعية: "قال ابن عقيل: الرضا بقضاء الله تعالى واجب فيما كان من فعله تعالى كالأمراض ونحوها، قال: فأما ما نهي عنه من أفعال العباد كالكفر والضلال فلا يجوز إجماعا، إذ الرضا بالكفر والمعاصي كفر وعصيان.
وذكر الشيخ تقي الدين أن الرضا بالقضاء ليس بواجب في أصح قولي العلماء إنما الواجب الصبر" (^٣).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وينبغي للإنسان أن يرضى بما يقدره الله عليه من المصائب التي ليست ذنوبا مثل أن يبتليه بفقر أو مرض أو ذل وأذى الخلق له فإن الصبر على المصائب واجب وأما الرضا بها فهو مشروع لكن هل هو واجب أو مستحب على قولين لأصحاب أحمد وغيرهم أصحهما أنه مستحب ليس بواجب" (^٤).
وقال ابن القيم: "وقد أجمع العلماء على أنه مستحب مؤكد استحبابه. واختلفوا في وجوبه على قولين. وسمعت شيخ الإسلام يحكيهما على قولين لأصحاب أحمد وكان يذهب إلى القول باستحبابه، قال ابن تيمية: ولم يجيء الأمر به كما جاء الأمر
_________________
(١) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١٠/ ٦٩٥، ٦٩٤، وانظر القول المفيد ط ١ - ٢/ ٢١٦، ٢١٧.
(٢) مجموع الفتاوى ١١/ ٢٦٠.
(٣) الآداب الشرعية لابن مفلح ١/ ٣٠.
(٤) مجموع الفتاوى ٨/ ١٩١، وانظر أيضا للاستزادة المجموع ٢/ ٢٥٠.
[ ٢ / ٥٥٠ ]
بالصبر وإنما جاء الثناء على أصحابه ومدحهم" (^١).
وقال - ﵀ - في كتابه شفاء العليل: "وقد تنازع الناس فيه هل هو واجب أو مستحب على قولين وهما وجهان لأصحاب أحمد فمنهم من أوجبه واحتج على وجوبه بأنه من لوازم الرضا بالله ربًا وذلك واجب واحتج بأثر إسرائيلي: "من لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي فليتخذ له ربًّا سواي" (^٢).
ومنهم من قال: هو مستحب غير واجب فإن الإيجاب يستلزم دليلًا شرعيًا ولا دليل يدل على الوجوب وهذا القول أرجح فإن الرضا من مقامات الإحسان التي هي من أعلى المندوبات". وقال: "إن طائفة أجابت بأن التقديرات لها وجهين وجها يرضى بها منه وهو إضافتها إلى الله سبحانه خلقا ومشيئة ووجه يسخط منه وهو إضافتها إلى العبد فعلا واكتسابا".
ثم يوضح ذلك بقوله: "الحكم والقضاء نوعان ديني وكوني، فالديني يجب الرضا به وهو من لوازم الإسلام، والكوني منه ما يجب الرضا به كالنعم التي يجب شكرها ومن تمام شكرها الرضا بها، ومنه ما لا يجوز الرضا ربه كالمعايب والذنوب التي يسخطها الله وإن كانت بقضائه وقدره، ومنه ما يستحب الرضا به كالمصائب وفي وجوبه قولان هذا كله في الرضا بالقضاء الذي المقضي، وأما الذي هو وصفه سبحانه وفعله كعلمه وكتابه وتقديره ومشيئته فالرضا به من تمام الرضا بالله ربًا وإلهًا ومالكًا ومدبرًا، فبهذا التفصيل يتبين الصواب ويزول اللبس في هذه المسألة العظيمة التي هي مفرق طرق بين الناس"" (^٣).
وقال شيخ الإسلام - ﵀ -: "وأما الرضا فقد تنازع العلماء والمشايخ من
_________________
(١) مدارج السالكين ٢/ ١٧١.
(٢) قال ابن تيمية: "هذا أثر إسرائيلي ليس يصح عن النبي - ﷺ -" نقلًا عن ابن القيم، مدارج السالكين ٢/ ١٧١.
(٣) شفاء العليل لابن قيم الجوزية ١/ ٢٧٨.
[ ٢ / ٥٥١ ]
أصحاب الإمام أحمد وغيرهم في الرضا بالقضاء: هل هو واجب أو مستحب؟ على قولين: فعلى الأول: يكون من أعمال المقتصدين، وعلى الثاني: يكون من أعمال المقربين. قال عمر بن عبد العزيز: الرضا عزيز، ولكن الصبر معول المؤمن. وقد روي عن النبي - ﷺ - أنه قال لابن عباس: "إن استطعت أن تعمل لله بالرضا مع اليقين فافعل، فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا".
ولهذا لم يجيء في القرآن إلا مدح الراضين لا إيجاب ذلك، وهذا في الرضا بما يفعله الرب بعبده من المصائب كالمرض والفقر والزلزال كما قال تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾ [البقرة: ٢١٤] فالبأساء في الأموال، والضراء في الأبدان، والزلزال في القلوب.
وأما الرضا بما أمر به فأصله واجب، وهو من الإيمانه كما قال النبي - ﷺ - في الحديث الصحيح: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا"، وهو من توابع المحبة كما سنذكره إن شاء الله تعالى، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ [التوبة: ٥٩]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)﴾ [محمد: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤)﴾ [التوبة: ٥٤].
[ ٢ / ٥٥٢ ]
ومن النوع الأول ما رواه أحمد والترمذي وغيرهما عن سعد عن النبي - ﷺ - أنه قال: "من سعادة ابن آدم استخارته لله ورضاه بما قسم الله له، ومن شقاوة ابن آدم ترك استخارته لله وسخطه بما يقسم الله له".
وأما الرضا بالمنهيات من الكفر والفسوق والعصيان فأكثر العلماء يقولون لا يشرع الرضا بها، كما لا يشرع محبتها، فإن الله سبحانه لا يرضاها ولا يحبها، وإن كان قد قدّرها وقضاها كما قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥)﴾ [البقرة: ٢٠٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨]؛ بل يسخطها كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)﴾ [محمد: ٢٨].
وقالت طائفة: ترضى من جهة كونها مضافة إلى الله خلقًا وتُسخط من جهة كونها مضافة إلى العبد فعلًا وكسبًا. وهذا القول لا ينافي الذي قبله، بل هما يعودان إلى أصل واحد، وهو سبحانه إنما قدر الأشياء لحكمة، فهي باعتبار تلك الحكمة محبوبة مرضية، وقد تكون في نفسها مكروهة ومسخوطة، إذ الشيء الواحد يجتمع فيه وصفان يحب من أحدهما ويكره من الآخر، كما في الحديث الصحيح: "ما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولابد له منه".
وأما من قال بالرضا بالقضاء الذي هو وصف الله وفعله لا بالمقضي الذي هو مفعوله، فهو خروج منه عن مقصود الكلام فإن الكلام ليس في الرضا فيما يقوم بذات الرب تعالى من صفاته وأفعاله، وإنما الكلام في الرضا بمفعولاته والكلام فيما يتعلق بهذا قد بيَّناه في غير هذا الموضع" (^١).
_________________
(١) التحفة العراقية ص ٥٥ - ٥٨.
[ ٢ / ٥٥٣ ]
وقال الشيخ ابن عثيمين - ﵀ -: "أما بالنسبة لفعل المقَدِّر فيجب على الإنسان الرضا به والصبر، وبالنسبة للمقدور فيجب عليه الصبر ويستحب له الرضا.
مثال ذلك: قدر الله على سيارة شخص أن تحترق، فكون الله قدر أن تحترق السيارة هذا قدر يجب على الإنسان أن يرضى به، لأنه من تمام الرضا بالله ربًا.
وأما بالنسبة للمقدور الذي هو احتراق السيارة، فالصبر عليه واجب، والرضا به مستحب وليس بواجب على القول الراجح.
والمقدور قد يكون طاعات، وقد تكون معاصي، وقد يكون من أفعال الله المحضة، فالطاعات يجب الرضا بها، والمعاصي لا يجوز الرضا بها من حيث هي مقدور، أما من حيث كونها قدر الله فيجب الرضا بتقدير الله بكل حال، ولهذا قال ابن القيم:
فلذلك نرضى بالقضاء ونسخط الـ مقضي حين يكون بالعصيان
فمن نظر بعني القضاء والقدر إلى رجل يعمل معصية، فعليه الرضا؛ لأن الله هو الذي قدر هذا، وله الحكمة في تقديره، وإذا نظرنا إلى فعله، فلا يجوز له أن يرضى به لأنه معصية، وهذا هو الفرق بين القدر والمقدور" (^١).
٦ - الفرق بين الرضا والصبر:
قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "قال طائفة من السلف منهم عمر بن عبد العزيز، والفضيل، وأبو سليمان، وابن المبارك، وغيرهم: إن الراضي لا يتمنى غير حاله التي هو عليها بخلاف الصابر، وقال الخواص: الصبر دون الرضى، الرضى أن يكون الرجل قبل نزول المصيبة راض بأي ذاك كان، والصبر أن يكون بعد نزول المصيبة يصبر (^٢).
_________________
(١) القول المفيد ٢/ ٢١٣، ومجموع الفتاوى ١٠/ ٦٩١.
(٢) الحلية ٨/ ٢٧٧.
[ ٢ / ٥٥٤ ]
وقال ابن رجب: كلام الخواص هذا عزم على الرضى ليس هو الرضى، فإنه إنما يكون بعد القضاء كما في الحديث: "وأسألك الرضى بعد القضاء" (^١) لأن العبد قد يعزم على الرضى بالقضاء قبل وقوعه فإذا وقع انفسخت تلك العزيمة، فمن رضي بعد وقوع القضاء فهو الراضي حقيقة" (^٢).
وقال ابن القيم مبينًا ضابط الرضا: "وليس من شرط الرضا ألا يحسَّ بالألم والمكاره بل ألا يعترض على الحكم ولا يتسخطه. ولهذا أشكل على بعض الناس الرضا بالمكروه وطعنوا فيه. قالوا: هذا ممتنع على الطبيعة. وإنما هو الصبر. وإلا كيف يجتمع الرضا والكراهة؟ وهما ضدان والصواب أنه لا تناقض بينهما وأن وجود التألم وكراهة النفس له لا ينافي الرضا كرضا المريض بشرب الدواء الكريه ورضا الصائم في اليوم الشديد الحرّ بما يناله من ألم الجوع والظمأ ورضا المجاهد بما يحصل له في سبيل الله من ألم الجراح وغيرها" (^٣).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله في قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: ٨]: "وهذا دليل على فضيلة الرضى، وهو أن لا يعترض على الحكم ولا يتسخطه ولا يكرهه، وقد وصى النبي - ﷺ - رجلا فقال: "لا تتهم الله في شيء قضاه لك" (^٤).
فإذا نظر المؤمن بالقضاء والقدر في حكمة الله ورحمته، وأنه غير متهم في قضائه، دعاه ذلك إلى الرضى، قال ابن مسعود: إن الله بقسطه وعلمه جعل الروح والفرح في اليقين والرضى، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط" (^٥).
_________________
(١) أخرجه النسائي (١٣٠٦).
(٢) انظر تيسير العزيز الحميد ص ٥٢٧.
(٣) المدارج لابن القيم ٢/ ١٨٢.
(٤) مسند الإمام أحمد (٢٣٠٩٤).
(٥) تيسير العزيز الحميد ص ٥٢٥.
[ ٢ / ٥٥٥ ]
٧ - أمور تتنافى مع الصبر أو تقدح في كماله:
١ - الشكوى إلى المخلوق على سبيل التسخط.
٢ - الأنين.
٣ - الندب والنياحة (^١).
وهذه الأمور تحتاج إلى توضيح وتفصيل حتى يتبين منها ما يتنافى مع الصبر وما يقدح فيه أو يقدح في كماله وما لا يكون كذلك:
١ - الشكوى: قال ابن القيم: "الشكوى نوعان:
أحدهما: الشكوى إلى الله، فهذا لا ينافي الصبر، كما قال يعقوب: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]، مع قوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ٨٣]، وقال أيوب: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: ٨٣] مع وصف الله له بالصبر، وقال سيد الصابرين صلوات الله وسلامه عليه: "اللهم أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي، الخ .. ". وقال موسى - ﷺ -: "اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك".
والنوع الثاني: شكوى المبتلى بلسان الحال والمقال، فهذه لا تجامع الصبر بل تضاده وتبطله" (^٢).
وقال أيضًا - ﵀ -: "والشكوى نوعان: شكوى بلسان المقال، وشكوى بلسان الحال، ولعلها أعظمها. ولهذا أمر النبي - ﷺ - من أنعم عليه أن يظهر نعمة الله عليه. وأعظم من ذلك من يشتكي ربه وهو بخير؛ فهذا أمقت الخلق عند ربه. قال الإمام أحمد قال كعب الأحبار: "إن من حسن العمل سبحة الحديث، ومن شر العمل
_________________
(١) انظر أيضًا الآداب الشرعية ص ٣٠.
(٢) عدة الصابرين ص ٣١.
[ ٢ / ٥٥٦ ]
التحذيف" قيل لعبد الله: ما سبحة الحديث؟ قال: سبحان الله بحمده في خلال الحديث. قيل: فما التحذيف؟ قال: يصبح الناس بخير، فيسألون، فيزعمون أنهم بشر! " (^١).
وقال أيضًا - ﵀ -: "ومما يقدح في الصبر إظهار المصيبة، والتحدث بها. وكتمانها رأس الصبر. وقال الحسن بن الصباح في مسنده عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من البر كتمان المصائب والأمراض والصدقة". وذكر أنه "من بث الصبر فلن يصبر" وروي من وجه آخر عن الحسن يرفعه: من البر كتمان المصائب، وما صبر من بث" (^٢).
أما ما كان من إخبار عن الحال وشكوى مما يجده من ألم لا يصحبه تسخط للقدر فقد نقل ابن مفلح عن ابن تيمية قال: "ولا بأس أن يخبر بما يجده من ألم ووجع لغرض صحيح، لا لقصد الشكوى" ا. هـ
وإلى هذا ذهب أحمد وابن المبارك فاحتج أحمد بقول النبي - ﷺ - لعائشة لما قالت وارأساه قال: "بل أنا وارأساه" (^٣)، واحتج ابن المبارك بقول النبي - ﷺ - لابن مسعود: "أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم" (^٤) " (^٥).
قال ابن القيم: "وأما إخبار المخلوق بالحال فإن كان للاستعانة بإرشاده أو معاونته والتوصل إلى زوال ضرره لم يقدح ذلك في الصبر كإخبار المريض للطبيب بشكايته" (^٦).
_________________
(١) عدة الصابرين ص ٣٢٤، ٣٢٥.
(٢) عدة الصابرين ص ٣٢٦.
(٣) أخرجه البخاري (٥٦٦٥)، والإمام أحمد (٢٦٤٣٣).
(٤) أخرجه البخاري (٥٦٦٠) ومسلم (٢٥٧١).
(٥) الآداب الشرعية ٢/ ١٨٢، ١٨٣.
(٦) عدة الصابرين ٣٢٣، وانظر ص ١٠٤.
[ ٢ / ٥٥٧ ]
وقد نقل ابن حجر كلامًا للقرطبي - ﵀ - فقال: "وقد اتفقوا على كراهة شكوى العبد ربه، وشكواه إنما هو ذكره للناس على سبيل التضجر" (^١).
وقال ابن حجر - ﵀ -: "وأما إخبار المريض الطبيب أو صديقه عن حاله فلا بأس به اتفاقا" (^٢).
وقال أيضًا عند شرح حديث عائشة "وارأساه": "وفيه أن ذكر الوجع ليس بشكاية فكم من ساكت وهو ساخط وكم من شاك وهو راض فالمعول في ذلك على عمل القلب لا على نطق اللسان" (^٣).
٢ - الأنين؛ قال ابن القيم: "وأما الأنين فهل يقدح في الصبر، فيه روايتان عن الإمام أحمد قال أبو الحسين: أصحهما الكراهة لما روي عن طاووس أنه كان يكره الأنين في المرض. وقال مجاهد: كل شيء يكتب على ابن آدم مما يتكلم حتى أنينه في مرضه قال هؤلاء: وإن الأنين شكوى بلسان الحال ينافي الصبر. وقال عبد الله بن الإمام أحمد: "قال لي أبي في مرضه الذي توفي فيه: أخرج إليّ كتاب عبد الله بن إدريس. فأخرجت الكتاب، فقال أخرج أحاديث ليث بن أبي سليم، فأخرجت أحاديث ليث، فقال: اقرأ عليّ أحاديث ليث، قال: قلت لطلحة: أن طاوس كان يكره الأنين في المرض، فما سمع له أنين حتى مات. فما سمعت أبي أنّ في مرضه إلى أن توفي.
والرواية الثانية: أنه لا يكره ولا يقدح في الصبر. قال بكر بن محمد عن أبيه سئل أحمد عن المريض يشكو ما يجد من الوجع، فقال: تعرف فيه شيئا عن رسول الله - ﷺ -؟ قال: نعم، حديث عائشة "وارأساه" (^٤)، وجعل يستحسنه.
_________________
(١) فتح الباري ١٠/ ١٢٩.
(٢) فتح الباري ١٠/ ١٢٩.
(٣) الفتح لابن حجر ١٠/ ١٣١.
(٤) سبق تخريجه.
[ ٢ / ٥٥٨ ]
وقال المروزي: دخلت على أبي عبد الله وهو مريض، فسألته، فتغرغرت عيناه، وجعل يخبرني ما مر به في ليلته من العلة.
والتحقيق أن الأنين على قسمين: أنين شكوى فيكره، وأنين استراحة وتفريج فلا يكره، والله أعلم.
وقد روى في أثر: أن المريض إذا بدأ بحمد الله، ثم أخبر بحاله، لم يكن شكوى وقال شقيق البلخي: من شكى من مصيبة نزلت به إلى غير الله، لم يجد في قلبه حلاوة لطاعة الله أبدا" (^١).
٣ - الندب والنياحة وشق الثياب
الندب: تعداد محاسن الميت وما يلقون بفقده بلفظ النداء (^٢). والإتيان بحرف الندبة (^٣). مثل قولهم: وارجلاه، واجبلاه، واانقطع ظهراه، وأشباه هذا.
والنوح: قال في التيسير: "أي: رفع الصوت بالندب بتعديد شمائله لما في ذلك من التسخط على القدر والجزع المنافي للصبر، وذلك كقول النائحه: واعضداه، واناصراه، واكاسياه ونحو ذلك" (^٤).
ومن أحاديث النهي عن ذلك حديث عَبْدِ الله بن مسعود عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ" (^٥).
وحديث كريمة المزنية قالت: سمعت أبا هريرة وهو في بيت أم الدرداء يقول: قال رسول الله - ﷺ -: "ثلاثة من الكفر بالله: شق الجيب، والنياحة، والطعن في النسب" (^٦).
_________________
(١) عدة الصابرين ٣٢٤.
(٢) المغني لابن قدامة ٢/ ٥٤٧.
(٣) حاشية البجيرمي ١/ ٥٠٢.
(٤) تيسير العزيز الحميد ص ٥١٨، وانظر سبل السلام ٢/ ١١٥.
(٥) أخرجه البخاري (١٢٩٨) (١٢٩٤) ومسلم (١٠٣).
(٦) أخرجه الحاكم في مستدركه في الجنائز ١/ ٣٨٣ وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي عليه.
[ ٢ / ٥٥٩ ]
قال في التيسير: "قوله: ودعى بدعوى الجاهلية قال شيخ الإسلام: "هو ندب الميت" وقال غيره: "هو الدعاء بالويل والثبور".
وقال الحافظ: "أي: من النياحة ونحوها" وكذا الندب به كقولهم: واجبلاه، وكذا الدعاء بالويل والثبور.
وقال ابن القيم: "الدعاء بدعوى الجاهلية، كالدعاء إلى القبائل والعصبية للإنسان، ومثله التعصب للمذاهب والطوائف، والمشايخ وتفضيل بعض على بعض في الهوى والعصبية، وكونه منتسبا إليه يدعو إلى ذلك، ويوالي عليه، ويعادي ويزن الناس به، فكل هذا من دعوى الجاهلية. قال الشيخ سليمان بن عبد الله: الصحيح أن دعوى الجاهلية يعم ذلك كله" (^١).
وعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت" (^٢).
وقال ابن تيمية: "فقوله: "هما بهما" أي: هاتان الخصلتان هما كفر قائم بالناس فنفس الخصلتين كفر حيث كانتا من أعمال الكفر وهما قائمتان بالناس، لكن ليس كل من قام به شعبة من شعب الكفر يصير بها كافرا الكفر المطلق حتى تقوم به حقيقة الكفر كما أنه ليس كل من قام به شعبة من شعب الإيمان يصير بها مؤمنا حتى يقوم به أصل الإيمان وحقيقته وفرق بين الكفر المعرف باللام كما في قوله - ﷺ -: "ليس بين العبد وبين الكفر أو الشرك إلا ترك الصلاة" وبين كفر منكر في الإثبات" (^٣).
وعن أبي مالك الأشعري - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد ص ٥١٩.
(٢) أخرجه مسلم (٦٧).
(٣) اقتضاء الصراط ١/ ٢٠٧، ٢٠٨.
[ ٢ / ٥٦٠ ]
بالنجوم، والنياحة"، وقال: "النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب" (^١).
قال الشيخ ابن عثيمين - ﵀ -: "قوله "تقام يوم القيامة" أي تقام من قبرها.
قوله: "وعليها سربال من قطران" السربال: الثوب السابغ كالدرع، والقطران معروف. ويسمى "الزفت"، وقيل: وقيل إنه النحاس المذاب.
قوله: "ودرع من جرب" الجرب: مرض معروف يكون في الجلد يؤرق الإنسان، وربما يقتل الحيوان، والمعنى أن كل جلدها يكون جربًا بمنزلة الدرع، وإذا اجتمع قطران وجرب زاد البلاء؛ لأن الجرب أي شيء يمسه يتأثر به، فكيف ومعه قطران؟
والحكمة: أنها لما لم تغط المصيبة بالصبر غطيت بهذا الغطاء: سربال من قطران ودرع من جرب، فكانت العقوبة من جنس العمل" (^٢).
وفي البخاري: قال أبو بردة بن أبي موسى - ﵁ -: وجع أبو موسى وجعا فغشي عليه ورأسه في حجر امرأة من أهله فأقبلت تصيح برنة فلم يستطع أن يرد عليها شيئا فلما أفاق قال: "إني بريء ممن برئ منه رسول الله - ﷺ - إن رسول الله - ﷺ - برئ من الصالقة والحالقة والشاقة" (^٣).
* حكم النياحة:
قال النووي: "فأما النياحة فحرام" (^٤).
وقال في موضع آخر: "وهو مجمع عليه" (٥).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٩٣٤)، والإمام أحمد (٢٣٣٠٠) (٢٣٢٩١) (٢٣٢٩٢).
(٢) القول المفيد ٢/ ١٢٣، ومن مجموع الفتاوى ١٠/ ٦٠٤، ٦٠٥.
(٣) أخرجه البخاري (١٢٩٦)، ومسلم (١٠٤).
(٤) شرح النووي على مسلم ٢/ ١٣٨.
(٥) شرح النووي على مسلم ٦/ ٢٣٦
[ ٢ / ٥٦١ ]
وقال ابن عبد البر: "وأجمع العلماء على أن النياحة لا تجوز للرجال ولا للنساء" (^٢).
وقال الصنعاني - ﵀ - في سبل السلام بعد أن ذكر حديثين منهما حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: "لعن رسول الله - ﷺ - النائحة والمستمعة" (^٣): "والحديثان دالان على تحريم النياحة وتحريم استماعها إذ لا يكون اللعن إلا على محرم" (^٤).
وقال ابن القيم: "ومما ينافي الصبر شق الثياب عند المصيبة ولطم الوجه، والضرب بإحدى اليدين على الأخرى، وحلق الشعر، والدعاء بالويل، ولهذا برئ النبي - ﷺ - ممن سلق وحلق وخرف. سلق: رفع صوته عند المصيبة وحلق رأسه، وشق ثيابه، ولا ينافيه البكاء والحزن، قال الله تعالى عن يعقوب: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤)﴾ [يوسف: ٨٤] قال قتادة: "كظيم على الحزن فلم يقل إلا خيرًا". وقال حماد بن سلمة، عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: "ما كان من العين ومن القلب فمن الله والرحمة وما كان من اليد واللسان فمن الشيطان"" (^٥).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله (وقد جاء لعن من فعل ما في هذا الحديث عن ابن ماجه (^٦)، وصححه ابن حبان عن أبي أمامة أن رسول الله - ﷺ -: "لعن الخامشة وجهها، والشاقة جيبها، والداعية بالويل والثبور" وهذا يدل على أن هذه الأمور من الكبائر، لأنها مشتملة على التسخط على الرب وعدم الصبر الواجب، والإضرار
_________________
(١) الاستذكار لابن عبد البر ٨/ ٣١٤.
(٢) أخرجه أبو داود (٣١٢٨). والإمام أحمد (١١٦٤٥).
(٣) سبل السلام ٢/ ١١٥.
(٤) عدة الصابرين ص ٣٢٥.
(٥) رقم (١٥٨٥).
[ ٢ / ٥٦٢ ]
بالنفس من لطم الوجه، وإتلاف المال؛ بشق الثياب وتمزيقها وذكر الميت بما ليس فيه، والدعاء بالويل والثبور والتظلم من الله تعالى وبدون هذا يثبت التحريم الشديد، فأما الكلمات اليسيرة إذا كانت صدقًا لا على النوح والتسخط فلا تحرم، ولا تنافي الصبر الواجب. نص عليه أحمد لما رواه في مسنده (^١) أنس أن أبا بكر - ﵁ - دخل على النبي - ﷺ - بعد وفاته فوضع فمه بين عينيه، ووضع يديه على صدغيه وقال: وانبياه واخليلاه واصفياه. وكذلك صح عن فاطمة - ﵂ - أنها ندبت أباها - ﷺ - فقالت: يا أبتاه أجاب ربا دعاه الحديث (^٢) " (^٣).
مسألة: عذاب الميت بما نيح عليه؟:
في الصحيح عن عمر بن الخطاب عن النبي - ﷺ - قال: "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه" (^٤). وفي رواية: "من نيح عليه يُعذب بما نيح عليه" (^٥) وفي رواية عند مسلم: "إن الميت ليُعذب ببكاء الحي" (^٦). فقيل أنها متعارضة قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥].
وقد أنكرت عائشة - ﵂ - أن يكون النبي - ﷺ - قال ذلك وإنمال: "إن الله ليزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه" (^٧).
وقد تقدم رواية الصحابة لهذا الحديث وقد ثبت ذلك من رواية عمر بن الخطاب كما تقدم، وجاء عن غيره أيضًا وهم جازمون، فلا وجه للنفي مع إمكان
_________________
(١) رقم (٢٤٥٣٠) عن عائشة.
(٢) المستدرك ١/ ٣٨٢.
(٣) تيسير العزيز الحميد ٥١٩.
(٤) أخرجه البخاري (١٢٨٦) ومسلم (٩٢٧).
(٥) أخرجه البخاري (١٢٩١) وانظر مسلم (٩٢٧).
(٦) أخرجه مسلم (٩٢٧).
(٧) البخاري (١٢٨٨)، والترمذي (١٠٠٤).
[ ٢ / ٥٦٣ ]
حمله على محمل صحيح (^١).
قال ابن القيم: "وليس في هذه الأحاديث إشكال ولا مخالفته لظاهر القرآن ولا تتضمن عقوبة الإنسان بذنب غيره؛ فإن النبي - ﷺ - لم يقل أن الميت يعاقب ببكاء أهله عليه ونوحهم، وإنما قال يعذب بذلك. ولا ريب أن ذلك يؤلمه ويعذبه، والعذاب هو الألم الذي يحصل له، وهو أعم من العقاب، والأعم لا يستلزم الأخص. وقد قال - ﷺ -: "السفر قطعة من العذاب". وهذا العذاب يحصل للمؤمن والكافر، حتى أن الميت ليتألم بمن يعاقب في قبره في جواره، ويتأذى بذلك كما يتأذى الإنسان في الدنيا بما يشاهده من عقوبة جاره. فإذا بكى أهل الميت عليه البكاء المحرم، وهو البكاء الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه، والبكاء على الميت عندهم اسم لذلك وهو معروف في نظمهم ونثرهم تألم الميت بذلك في قبره، فهذا التألم هو عذابه بالبكاء عليه، وهذه طريقة شيخنا في هذه الأحاديث " (^٢).
وللعلماء في ذلك أقوال مبسوطة ذكرها النووي وابن حجر رحمهما الله (^٣).
في شرحه لصحيح مسلم (٦/ ٢٢٧ - ٢٢٩)، وذكرها أيضًا ابن حجر - ﵀ - في فتح الباري (٣/ ١٥٨).
قال النووي: "والصحيح من هذه الأقوال ما قدّمناه عن الجمهور وأجمعوا كلهم على اختلاف مذاهبهم على أن المراد بالبكاء هنا البكاء بصوت ونياحة لا مجرد دمع العين" (^٤).
_________________
(١) انظر فتح الباري ٣/ ١٨٥، وعدة الصابرين ص ٨٦.
(٢) عدة الصابرين ١٣٩، وانظر أيضا قول شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى ٢٤/ ٣٧٤.
(٣) شرح صحيح مسلم ٦/ ٢٢٧ - ٢٢٩، فتح الباري ٣/ ١٥٨.
(٤) شرح النووي لصحيح مسلم ٦/ ٢٢٩، وذكرت ذلك في فتاوى اللجنة أن المراد بالبكاء هنا النياحة. انظر فتاوى اللجنة الدائمة ٩/ ١٦٠.
[ ٢ / ٥٦٤ ]
قلت: وذكر الإمام الطبري وعياض ومن تبعه أن معنى التعذيب تألم الميت (^١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن الميت يشعر بالألم. كما في الحديث:"السفر قطعة من العذاب" (^٢).
ومتى حصل شيء من ذلك فإثمه على فاعله أو قائله ولا يلحق الميت من الإثم شيء إلا إذا كان له فيه مدخل كأن أوصى به (^٣). وقيل أنه محمل قوله ﵊: "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه" فإن لم يمتثل أمره بذلك كان عليه إثم الأمر فقط" (^٤).
قال البخاري في صحيحه: "باب قول النبي - ﷺ -: يعذب الميت ببكاء كان النوح من سنته فإذا لم يكن من سنته، فهو كما قالت عائشة - ﵂ -: "ولا تزر وازرة وزر أخرى"" (^٥).
قال ابن حجر - ﵀ -: "ويحتمل أن يجمع بين هذه التوجيهات ينزل على اختلاف الأشخاص بأن يقال مثلًا: من كانت طريقته النوح فمشى أهله على طرقته أو بالغ بذلك عُذّب بصنعه، ومن كان ظالمًا فنُدب بأفعاله الجائرة عُذّب بما نُدب به، ومن كان يعرف من أهل النياحة فأهمل نهيهم عنها فإن كان راضيًا. بذلك التحق بالأول، وإن كان غير راض عذب بالتوبيخ كيف أهمل النهي، ومن سلم من ذلك كله واحتاط فنهى أهله عن المعصية ثم خالفوه وفعلوا ذلك كان تعذبيه تألُّمُه بما يراه منهم من مخالفة أمره وإقدامهم على معصية ربهم، والله تعالى أعلم بالصواب" (^٦).
_________________
(١) فتح الباري ٣/ ١٥٨.
(٢) مجموع الفتاوى ٢٤/ ٣٧٤، ٣٧٥، وانظر ١٨/ ١٤٢.
(٣) انظر شرح النووي لصحيح مسلم ٦/ ٢٢٧ - ٢٢٩.
(٤) حاشية البجيرمي ١/ ٥٠٢.
(٥) صحيح البخاري مع الفتح ٣/ ١٥٣.
(٦) فتح الباري ٣/ ١٨٥.
[ ٢ / ٥٦٥ ]
٨ - حكم البكاء:
البكاء على الميت جائز لا كراهة فيه إذا لم يصحبه ندب ونياحة. قال أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ عَلَى أَبي سَيْفٍ الْقَيْنِ وَكَانَ ظِئْرًا لإِبْرَاهِيمَ - ﵇ - فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللهِ - ﷺ - تَذْرِفَانِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ - ﵁ - وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: "يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ ثُمَّ أَتْبَعَهَا بأُخْرَى فَقَالَ - ﷺ -: "إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ وَلا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ" (^١).
وقد بسط الإمام ابن القيم أدلة المجيزين في كتابه عدة الصابرين (^٢) فليراجع هناك.
قال في الوسيط: "أما البكاء فجائز من غير ندبة ونياحة وشق جيب وضرب خد فكل ذلك حرام لأنه يخالف الانقياد لقضاء الله تعالى" (^٣).
وفي حاشية البجيرمي: "فالبكاء وحده لا يحرم" (^٤).
وقال ابن حزم: "والصبر واجب والبكاء مباح ما لم يكن نوح، فإن النوح حرام والصياح وخمش الوجوه وضربها وضرب الصدر ونتف الشعر وحلقه للميت كل ذلك حرام، وكذلك الكلام المكروه الذي هو تسخط لأقدار الله تعالى وشق الثياب" (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٣٠٣).
(٢) ص ١٣١ - ١٣٣.
(٣) الوسيط ٢/ ٣٩٢، وانظر مثله قول الفاكهاني في مواهب الجليل ٢/ ٢٣٥.
(٤) حاشية البجيرمي ١/ ٥٠٢.
(٥) المحلى ٥/ ١٤٦، وانظر القائلين بجوازه أيضا سنن البيهقي ٤/ ٧٠، والنووي ١٥/ ٧٥، فتح الباري ٣/ ١٥٩، سبل السلام ٢/ ١١٧، نيل الأوطار ٤/ ١٩٤.
[ ٢ / ٥٦٦ ]
وقال ابن تيمية: "لكن البكاء على الميت على وجه الرحمة مستحب، وذلك لا ينافي الرضا بقضاء الله، بخلاف البكاء عليه لفوات حظه منه، وبهذا يعرف معنى قول النبي - ﷺ - لما بكى على الميت وقال: "إن هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده" (^١) وإنما يرحم الله من عباده الرحماء، وأن هذا ليس كبكاء من يبكي لحظه لا لرحمة الميت. وأن الفضيل لما مات ابنه ضحك، وقال: رأيت أن الله قد قضى، فأحببت أن أرضى بما قضى الله به. حاله حال حسن بالنسبة إلى أهل الجزع، فأما رحمة الميت والرضا بالقضاء وحمد الله كحال النبي - ﷺ - فهذا أكمل" (^٢).
وقال ابن مفلح: "وذكر الشيخ وجيه الدين من أصحابنا في "شرح الهداية" أنه يجوز البكاء على الميت إذا تجرد عن فعل محرم من ندب ونياحة وتسخط بقضاء اللهُ وقدره المحترم، والجزع الذي يناقض الانقياد والاستسلام له" (^٣)
٩ - فائدة في معنى الهلع:
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢)﴾ [المعارج ١٩ - ٢٢] قال الشوكاني: "قال في الصحاح: الهلع في اللغة أشد الحرص وأسوأ الجزع وأفحشه يقال هلِع بالكسر فهو هلع وهلوع على التكثير وقال عكرمة هو الضجور قال الواحدي المفسرون يقولون تفسير الهلع ما بعده يعني قوله ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ أي إذا أصابه الفقر والحاجة أو المرض أو نحو ذلك فهو جزوع أي كثير الجزع وإذا أصابه الخير من الغنى والخصب والسعة ونحو ذلك فهو كثير المنع والإمساك
_________________
(١) أخرجه مسلم (٩٢٣).
(٢) الآداب الشرعية ١/ ٣٠، وانظر مجموع الفتاوى ١٠/ ٤٧.
(٣) الآداب الشرعية ١/ ٣٠.
[ ٢ / ٥٦٧ ]
وقال أبو عبيدة الهلوع هو الذي إذا مسه الخير لم يشكر وإذا مسه الشر لم يصبر" (^١).
قال ابن الجوزي: "قوله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ أي أصابه الفقر جزوعا لا يصبر ولا يحتسب ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ أصابه المال منوعا بمنعه من حق الله - ﷿ - إلا المصلين وهم أهل الإيمان بالله" (^٢).
وقال ابن القيم: "وإذا أردت معرفة الهلوع فهو الذي إذا أصابه الجوع مثلًا أظهر الاستجاعة وأسرع بها، وإذا أصابه الألم أسرع الشكاية وأظهرها، وإذا أصابه القهر أظهر الاستطامة والاستكانة وباء بها سريعًا، وإذا أصابه الجوع أسرع الانطراح على جنبه وأظهر الشكاية، وإذا بدا له مأخذ طمع طار إليه سريعًا، وإذا ظفر به أحله من نفسه محل الروح فلا احتمال ولا أفضال وهذا كله من صغر النفس ودناءتها وتدسيسها في البدن وإخفائها وتحقيرها. والله المستعان" (^٣).