[المشاهد - زيارة القبور]
المقبرة: تُضم باؤها وتفتح. قال ابن الأثير: "هي موضع دفن الموتى. تقول: أقبرته إذا جعلت له قبرًا، وقبرته إذا دفنته" (^١).
ويرتبط بباب "القبور" مسائل في الشرك الأكبر والشرك الأصغر كما يرتبط أيضًا ببعض البدع والمحرمات وسوف نتكلم عن أهم الأمور المرتبطة به.
١ - احترام المقابر: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه، فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر" (^٢).
قال الشيخ مرعي الحنبلي: "واعلم أن قبر المسلم له من الحرمة ما جاءت به السنة إذ هو بيت المسلم الميت فلا يترك عليه شيء من النجاسات بالاتفاق ولا يوطأ ولا يجلس أو يتكأ عليه عند الجمهورمن العلماء ولا يفعل عنده ما يؤذي الأموات من الأقوال والأفعال الخبيثة" (^٣).
وقال ابن باز ﵀: "قد دلت الأحاديث الصحيحة عن النبي على وجوب احترام الموتى من المسلمين وعدم إيذائهم، ولا شك أن المرور عليها بالسيارات
_________________
(١) * الاستذكار لابن عبد البر ٨/ ٢٢٥. الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٠/ ٨٠، ١٦/ ٣٠٧. الآداب الشرعية لابن مفلح ٣/ ٤٠٦. الدرر السنية ١/ ٢٣٠، ٢٩٧، ٣٦٥، ٢/ ٤٩، ٢٢٣، ٥/ ٨٧، ١٠٩، ٩/ ٤٢٣، ١٠/ ٦١، ١٢/ ٨٥، شفاء الصدور ص ٢٢. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ١/ ٣٩٩ ومن المجموع ٩/ ٣٨٨. مجموع الفتاوى لابن باز ٢/ ٧٣٩. نور على الدرب لابن باز ص ٣١٢. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٢/ ٢٣٧. التبرك د: ناصر الجديع ص ٤٠٢.
(٢) النهاية (ق ب ر).
(٣) أخرجه مسلم (٩٧١).
(٤) شفاء الصدور ص ٢٢.
[ ٣ / ١٨٥ ]
والمواشي وإلقاء القمامات عليها كل ذلك من الاستهانة بها وعدم احترامها، وكل ذلك منكر ومعصية لله ولرسوله وظلم للأموات واعتداء عليهم.
وقد ثبت عن النبي - ﷺ - النهي والتحذير عما هو أقل من هذا كالجلوس على القبر أو الاتكاء عليه ونحوه، فقال ﵊: "لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها" رواه مسلم في صحيحه. وقال النبي - ﷺ -: "لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه وتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر" خرّجه مسلم أيضًا.
وعن عمرو بن حزم قال: رأَني رسول الله متكئًا على قبر فقال: "لا تؤذوا صاحب هذا القبر أو لا تؤذه". رواه أحمد.
فالواجب على جميع المسلمين احترام قبور موتاهم وعدم التعرض لها بشيء من الأذى كالجلوس عليها والمرور عليها بالسيارات ونحوها وإلقاء القمامات عليها وأشباه ذلك من الأذى" (^١).
* ومن أعظم ما يحترم به أصحاب القبور ترك الغلو فيهم:
قال ابن القيم: "ولا تحسب أيها المنعم عليه باتباع صراط الله المستقيم، صراط أهل نعمته ورحمته وكرامته أن النهي عن اتخاذ القبور أوثانا وأعيادا وأنصابا، والنهي عن اتخاذها مساجد، أو بناء المساجد عليها، وإيقاد السرج عليها، والسفر إليها، والنذر لها، واستلامها، وتقبيلها، وتعفير الجباه في عرصاتها غضٌّ من أصحابها، ولا تنقيص لهم، ولا تنقص. كما يحسبه أهل الإشراك والضلال بل ذلك من إكرامهم، وتعظيمهم، واحترامهم، ومتابعتهم فيما يحبونه وتجنب ما يكرهونه، فأنت والله وليهم ومحبهم وناصر طريقتهم وسنتهم وعلى هديهم ومناهجهم، وهؤلاء المشركون أعصى الناس لهم، وأبعدهم من هديهم ومتابعتهم كالنصارى مع المسيح، واليهود مع موسى ﵉، والرافضة
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٢/ ٧٤٠.
[ ٣ / ١٨٦ ]
مع علي - ﵁ -، فأهل الحق أولى بأهل الحق من أهل الباطل. فالمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، والمنافقون والمنافقات بعضهم من بعض فاعلم أن القلوب إذا اشتغلت بالبدع أعرضت عن السنن، فتجد أكثر هؤلاء العاكفين على القبور معرضين عن طريقة من فيها وهديه وسنته، مشتغلين بقبره عما أمر به ودعا إليه، وتعظيم الأنبياء والصالحين ومحبتهم إنما هي باتباع ما دعوا إليه من العلم النافع، والعمل الصالح، واقتفاء آثارهم، وسلوك طريقتهم، دون عبادة قبورهم، والعكوف عليها، واتخاذها أعيادًا" (^١).
* وينبغي التزام السكينة حال السير مع الجنازة:
قال النووي ﵀: "واعلم أن الصواب والمختار وما كان عليه السلف ﵃ السكوت في حال السير مع الجنازة، فلا يرفع صوت بقراءة ولا ذكر ولا غير ذلك، والحكمة فيه ظاهرة وهي أنه أسكن لخاطره وأجمع لفكره فيما يتعلق بالجنازة، وهو المطلوب في هذا الحال، فهذا هو الحق، ولا تغتر بكثرة من يخالفه، فقد قال أبو علي الفضيل بن عياض - ﵁ - ما معناه: "الزم طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين".
وقد روينا في سنن البيهقي ما يقتضي ما قلته - يشير إلى قول قيس بن عباد - وأما ما يفعله الجهلة من القراءة على الجنازة بدمشق وغيرها من القراءة بالتمطيط وإخراج الكلام عن مواضعه فحرام بإجماع العلماء، وقد أوضحت قبحه وغلظ تحريمه وفسق من تمكن من إنكاره فلم ينكره في كتاب آداب القراءة. والله المستعان" (^٢).
وقال الألباني: "ولا يجوز أن تتبع الجنائز بما يخالف الشريعة وقد جاء النص منها على أمرين: رفع الصوت بالبكاء واتباعها بالبخور، وذلك في قوله - ﷺ -: "لا
_________________
(١) إغاثة اللهفان ١/ ٢١٣.
(٢) الأذكار ص ٢٠٣.
[ ٣ / ١٨٧ ]
٢ - زيارة القبور
٣ - زيارة النساء للقبور
تتبع الجنازة بصوت ولا نار" (^١). . . ويلحق بذلك رفع الصوت بالذكر أمام الجنازة، لأنه بدعة، ولقول قيس بن عباد: "كان أصحاب النبي - ﷺ -، يكرهون رفع الصوت عند الجنائز". أخرجه البيهقي ٤/ ٧٤ بسند رجاله ثقات.
ولأن فيه تشبهًا بالنصارى فإنهم يرفعون أصواتهم بشيء من أناجيلهم وأذكارهم مع التمطيط والتلحين والتحزين.
وأقبح من ذلك تشييعا بالعزف على الآلات الموسيقية أمامها عزفًا حزينًا كما يفعل في بعض البلاد الإسلامية تقليدًا للكفار. والله المستعان" (¬٢).
٢ - زيارة القبور: وتنقسم إلى زيارة بدعية، وزيارة شركية وزيارة شرعية وقد تقدم الكلام عنها وعن حكم زيارة قبر المشرك في باب (زيارة القبور).
٣ - زيارة النساء للقبور: تقدم الكلام عن منع ذلك وذكرنا أقوال العلماء في باب (زيارة النساء للقبور).
٤ - منشأ وبداية عبادة القبور (^٣):
قال ابن القيم: "ومن أعظم مكايده التي كاد بها أكثر الناس، وما نجا منها إلا
_________________
(١) أبو داود (٣١٧١).
(٢) أحكام الجنائز ص ٧١، ٧٠.
(٣) للاستزادة حول منشأ عبادة القبور انظر: مصنف عبد الرزاق ٨/ ٤٦٤، الاستذكار لابن عبد البر ٢/ ١٦٠، التمهيد لابن عبد البر ٣/ ٥٠٢، ٢٠/ ١٦٨، ٢٣٩، ٢٤٢، ٥/ ٤١، المحلى بالآثار لابن حزم ٢/ ٣٤٥، اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ١٢٢، ٢/ ٦٣٧ - ٦٥٣ - ٦٧٣، الآداب الشرعية لابن مفلح ٣/ ٣٨١، تيسير العزيز الحميد ص ٣٢٠، فتح المجيد ص ٢٥٩، حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص ١٥٣، القول المفيد ١/ ٥٠٥، القول السديد لابن سعدي المجموعة ٣/ ٢٧، الدين الخالص لصديق حسن القنوجي ٤/ ١٠٠، معارج القبول ١/ ٣٨٨، فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٢٥٧، مجموع الفتاوى لابن باز ٢/ ٧٣١، نور على الدرب ص ٢٧٦ - ٢٨٢، مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٢/ ٢٢٧، جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية ص ٤٤٥، الجيلاني وآراؤه الاعتقادية ص ٤٤١، المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة للأحمدي ٢/ ١٧٠، التبرك د. ناصر الجديع ص ٣١٨، عقيدة الإمام ابن عبد البر للغصن ص ١٧٣.
[ ٣ / ١٨٨ ]
من لم يرد الله تعالى فتنته ما أوحاه قديمًا وحديثًا إلى حزبه وأوليائه من الفتنة بالقبور، حتى آل الأمر فيها إلى أن عبد أربابها من دون الله، وعبدت قبورهم، واتخذت أوثانًا، وبنيت عليها الهياكل، وصورت صور أربابها فيها، ثم جعلت تلك الصور أجسادا لها ظل، ثم جعلت أصناما، وعبدت مع الله تعالى. وكان أول هذا الداء العظيم في قوم نوح كما أخبر سبحانه عنهم في كتابه، حيث يقول تعالى: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [نوح: ٢١ - ٢٤].
وقال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا هشام عن ابن جريج قال: قال عطاء عن ابن عباس: "صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، أما ودّ فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت".
وقال غير واحد من السلف: "كان هؤلاء قومًا صالحين في قوم نوح ﵇، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم".
فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور، وفتنة التمائيل. وهما الفتنتان اللتان أشار إليهما رسول الله - ﷺ - في الحديث المتفق على صحته عن عائشة - ﵂ - منها أن أم سلمة ولكنها ذكرت لرسول الله - ﷺ - كنيسة رأتها بأرض الحبشة، يقال لها مارية، فذكرت له
[ ٣ / ١٨٩ ]
ما رأت فيها من الصور، فقال رسول الله - ﷺ -: "أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح، أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله تعالى". وفي لفظ آخر في الصحيحين: "أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها".
فجمع في هذا الحديث بين التماثيل والقبور، وهذا كان سبب عبادة اللات.
فروى ابن جرير بإسناده عن سفيان عن منصور عن مجاهد: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾. قال كان يلت لهم السويق فمات فعكفوا على قبره"، وكذلك قال أبو الجوزاء عن ابن عباس - ﵄ -: "كان يلت السويق للحجاج".
فقد رأيت أن سبب عبادة ود ويغوث ويعوق ونسر واللات إنما كانت من تعظيم قبورهم ثم اتخذوا لها التماثيل وعبدوها كما أشار إليه النبي - ﷺ -.
قال شيخنا: "وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع عن اتخاذ المساجد على القبور هي التي أوقعت كثيرًا من الأمم إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك. فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين، وتماثيل يزعمون أنها طلاسم للكواكب ونحو ذلك. فإن الشرك بقبر الرجل الذي يعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر. ولهذا نجد أهل الشرك كثيرا يتضرعون عندها، ويخشعون ويخضعون، ويعبدونهم بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في بيوت الله، ولا وقت السحر، ومنهم من يسجد لها، وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجونه في المساجد، فلأجل هذه المفسدة حسم النبي - ﷺ - مادتها، حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقًا وإن لم يقصد المصلي بركة البقعة بصلاته، كما يقصد بصلاته بركة المسجد، كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس وغروبها، لأنها أوقات يقصد المشركون الصلاة فيها للشمس، فنهى أمته عن
[ ٣ / ١٩٠ ]
الصلاة حينئذ وإن لم يقصد المصلي ما قصده المشركون سدًا للذريعة"" (^١).
* استمرار عمل المشركين مع قبورهم في أمة محمد - ﷺ -:
بوب الإمام محمد بن عبد الوهاب في كتابه التوحيد لهذه المسألة وقررها بالأدلة وتولاها شُراح الكتاب بالتوضيح والتبيين فقال الإمام - رحمه الله تعالى -:
"باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان" ثم ذكر قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠]. وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١].
وفي حديث أبي سَعيدٍ الْخُدري عن النبي - ﷺ - قال: "لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا، وَذِرَاعًا بذِرَاعٍ، حتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ. قُلْنَا يا رَسُولَ اللَّهِ: اليَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قالَ: فَمَنْ؟ " (^٢).
وروى الإمام أحمد عن شدَّاد بن أوْسٍ أن رَسُول الله - ﷺ - قال: "ليَحْمِلَنَّ شِرَارُ هَذِهِ الأُمَّةِ على سَنَنِ الَّذين خَلَوْا مِن قَبْلِهمْ أهْلِ الْكِتابِ حَذْوَ الْقُذَّةِ بالْقُذَّةِ" (^٣).
وفي حديث ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "إنَّ اللَّهَ زوى لِي الأَرْضَ أَوْ قَالَ: إنَّ ربِّي زَوَى لي الأَرْضَ فرأيتُ مَشَارِقَها ومغاربَها، وَإنَّ مُلكَ أمَّتي سيبلغُ ما زُويَ لِي
_________________
(١) إغاثة اللهفان ١/ ١٨٢ - ١٨٥.
(٢) أخرجه البخاري (٣٤٥٦) (٧٣٢٠).
(٣) الإمام أحمد (١٧٢٦٥).
[ ٣ / ١٩١ ]
مِنْهَا، وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الأَحْمَرَ وَالأَبْيَضَ، وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لأُمَّتِي أَنْ لا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ، وَلا يُسَلِّطَ عَلَيهمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَإِنَّ رَبِّي قَالَ لِي: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي إِذَا قَضيْتُ قَضاءً فَإِنَّهُ لا يُرَدُّ وَلا أُهْلِكُهُمْ بسَنَةٍ بِعَامَّةٍ وَلا أُسَلِّطُ عَلَيهمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَلَوْ اجْتَمَعَ عَلَيهمْ مِنْ بَيْنِ أَقْطَارِهَا - أَوْ قَالَ بِأَقْطَارِهَا - حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا، وَحَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يَسْبِي بَعْضًا، وَإِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ، وَإِذَا وُضِعَ السَّيْفُ فِي أُمَّتِي لَمْ يُرْفَعْ عَنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَلْحَقَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي بِالْمُشْرِكِينَ، وَحَتَّى تَعْبُدَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي الأَوْثَانَ، وَإِنَّهُ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي كَذَّابُونَ ثَلاثُونَ كُلّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ لا نَبِيَّ بَعْدِي، وَلَا تزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ قَالَ ابْنُ عِيسَى ظَاهِرِينَ ثُمَّ اتَّفَقَا لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ" (^١).
وإذا نظرت إلى مبدأ عبادة الأوثان في الخلق وقارنتها بهذه النصوص ثم نظرت إلى حال عباد القبور اليوم تبين لك الخطر العظيم والشرك الوخيم الذي يتقطع له قلوب المؤمنين حسرة وألمًا، وأقل ما في هذه النصوص بيان أن الشرك كائن في هذه الأمة فقد أخبر - ﷺ - أن جماعات من أمته ستعبد الأوثان فالحذر الحذر يا أمة محمد - ﷺ -.
٥ - حكم عبادة الله عند القبور:
أفرد الشيخ محمد بن عبد الوهاب لذلك بابًا خصّه بما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده.
قال في التيسير: "أي: عبد القبر أو الرجل الصالح" (^٢). وقد تقدم ذكر الأحاديث في النهي عن ذلك (^٣).
_________________
(١) أبو داود (٤٢٥٢) وابن ماجه (٣٩٥٢) وأصله في مسلم (٢٨٨٩).
(٢) تيسير العزيز الحميد ص ٣١٩. ط. المكتب الإسلامي.
(٣) انظر: باب اتخاذ القبور المساجد.
[ ٣ / ١٩٢ ]
ومن أنواع العبادات التي يكثر الوقوع فيها هناك:
الصلاة عند القبر والذبح عنده والطواف به أو التمسح أو التوسل إلى الله بأهلها، أو الغلو في أهلها وتعظيمهم، أو ما يكون من العبادات المالية كالصدقة عند وضعه في القبر، أو تحري الدعاء عندها.
وقد يصل بهم الحال إلى الشرك بالميت كالذبح للقبر (^١)، أو النذر له (^٢)، أو دعاء أهل القبور، والاستغاثة بهم.
قال ابن القيم ﵀: "ومنها أن الذي شرعه الرسول - ﷺ - عند زيارة القبور: إنما هو تذكر الآخرة، والإحسان إلى المزور بالدعاء له، والترحم عليه، والاستغفار له، وسؤال العافية له، فيكون الزائر محسنًا إلى نفسه وإلى الميت، فقلب هؤلاء المشركون الأمر، وعكسوا الدين وجعلوا المقصود بالزيارة الشرك بالميت، ودعاءه والدعاء به، وسؤاله حوائجهم، واستنزال البركات منه، ونصره لهم على الأعداء، ونحو ذلك، فصاروا مسيئين على أنفسهم وإلى الميت، ولو لم يكن إلا بحرمانه بركة ما شرعه الله تعالى من الدعاء له والترحم عليه والاستغفار له" (^٣).
وحكم الدعاء عند القبر على قسمين:
الأول: أن يحصل الدعاء في البقعة بحكم الاتفاق لا لقصد الدعاء فيها فهذا لا بأس به.
الثاني: أن يتحرى الدعاء عندها بحيث يستشعر أن الدعاء هناك أجوب منه في غيره فهذا النوع منهي عنه. كما قرر ذلك ابن تيمية (^٤).
_________________
(١) انظر: باب الذبح.
(٢) انظر: باب النذر.
(٣) إغاثة اللهفان ١/ ١٩٩.
(٤) الاقتضاء ٢/ ٦٨٣.
[ ٣ / ١٩٣ ]
ومن العبادات كذلك عبادة القلب التي تصحب القبوريين حال الزيارة من خوف وخشية ورغبة ورهبة وإذعان وخشوع حتى إن أحدهم ليوجل هناك ويخشع أشد من خشوعه أمام ربه، ومما يصاحب ذلك من اعتقادات فاسدة: اعتقادهم في كثير من أضرحة الأولياء اختصاصات كاختصاصات الأطباء، فمنهم من ينفع في مرض العيون، ومنهم من يشفي من مرض الحمى (^١). حتى قال بعضهم: قبر معروف الترياق المجرب.
ومن المظاهر الشركية اعتقاد بعضهم أن القبر الصالح إذا كان في قرية: أنهم ببركته يرزقون وينصرون، ويقولون: أنه حضر البلد، كما يقولون: السيدة نفيسة خفيرة القاهرة، والشيخ رسلان خفير دمشق، وفلان وفلان خفراء بغداد وغيرها (^٢).
وكذلك تقديس ما حول القبر من شجر وحجر، واعتقاد أن من قطع شيئًا من ذلك يصاب بأذى (^٣)، فهذه كلها داخلة في أعمال القلوب التي يجب صرفها لله وحده ولا يشرك معه غيره لا يشرك معه قبر أو صنم أو وثن كما يجب الاعتقاد الجازم بأن البركة من الله وحده والنماء والزيادة والعافية منه سبحانه، لا يدفع الضر والبلاء إلا هو، ولم يشرع اتخاذ القبور أسبابًا لعبادته بل حذر منها ولعن فاعليها، نعوذ بالله من الشرك كله دقه وجله، وصغيره وكبيره. وهذه أمثلة فقط في أنواع العبادات التي يجب على العبد صرفها لله وحده رزقنا الله الإخلاص في التوحيد والديمومة عليه والثبات على ذلك حتى نلقاه غير مبدلين ولا مبتدعين.
_________________
(١) للاستزادة انظر: الرد على البكري ص ٢٣٢ - ٢٣٣، أحكام الجنائز للألباني ص ٢٦١ رقم ١٦٧، معجم البدع ص ١٥.
(٢) الرد على الأخنائي ص ٨٢، أحكام الجنائز للألباني ص ٢٦١ رقم ١٦٦.
(٣) أحكام الجنائز للألباني ص ٢٦١ رقم ١٧٠.
[ ٣ / ١٩٤ ]
مسألة: الدعاء عند قبر النبي - ﷺ -:
سبق الكلام عنها في باب الدعاء كما تكلمنا هناك عن هيئة الداعي عند قبر النبي - ﷺ -.
٦ - البدع عند القبور:
أما البدع فكثيرة متنوعة ومنها ما هو بدعة كفرية كفر أكبر ومنها ما هو دون ذلك. قال ابن القيم في إغاثة اللهفان: "قال شيخنا قدس الله روحه: وهذه الأمور المبتدعة عند القبور مراتب أبعدها عن الشرع أن يسأل الميت حاجته ويستغيث به فيها كما يفعله كثير من الناس، قال: وهؤلاء من جنس عبّاد الأصنام، ولهذا قد يتمثل لهم الشيطان في صورة الميت أو الغائب كما يتمثل لعبّاد الأصنام، وهذا يحصل للكفار من المشركين وأهل الكتاب يدعو أحدهم من يعظمه فيتمثل له الشيطان أحيانا وقد يخاطبهم ببعض الأمور الغائبة، وكذلك السجود للقبر والتمسح به وتقبيله" (^١).
وقال ابن القيم ﵀: "هذا ولم نتجاوز فيما حكيناه عنهم ولا استقصينا جميع بدعهم وضلالهم إذ هي فوق ما يخطر بالبال، أو يدور في الخيال. وهذا كان مبدأ عبادة الأصنام في قوم نوح كما تقدم، وكل من شم أدني رائحة من العلم والفقه يعلم أن من أهم الأمور سد الذريعة إلى هذا المحذور وأن صاحب الشرع أعلم بعاقبة ما نهى عنه لما يؤول إليه، وأحكم في نهيه عنه وتوعده عليه، وأن الخير والهدى في اتباعه وطاعته، والشر والضلال في معصيته ومخالفته.
ورأيت لأبي الوفاء بن عقيل في ذلك فصلًا حسنًا، فذكرته بلفظه، قال: لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم. قال: وهم عندي كفار بهذه الأوضاع مثل تعظيم القبور وإكرامها بما نهى عنه الشرع من إيقاد النيران وتقبيلها
_________________
(١) إغاثة اللهفان ١/ ٢١٧ وانظر أيضًا للاستزادة زيارة القبور الشرعية والشركية لمحي الدين البركوي الحنفي، ص ٧٧.
[ ٣ / ١٩٥ ]
وتخليقها، وخطاب الموتى بالحوائج، وكتب الرِّقاع فيها: يا مولاي افعل بي كذا وكذا، وأخذ تربتها تبركًا، وإفاضة الطيب على القبور، وشد الرحال إليها، وإلقاء الخرق على الشجر اقتداء بمن عبد اللات والعزى، والويل عندهم لمن لم يُقبِّل مشهد الكف، ولم يتمسَّح بأَجُرَّة مسجد الملموسة يوم الأربعاء، ولم يقل الحمالون على جنازته الصديق أبو بكر، أو محمد وعلي، أولم يعقد على قبر أبيه أزجا بالجص والأَجر، ولم يُخرّق ثيابه إلى الذيل، ولم يرق ماء الورد على القبر. انتهى" (^١).
* ومن البدع المتعلقة بالقبور:
١ - اتخاذ القبور مساجد وقد تقدم في باب (اتخاذ القبور مساجد).
٢ - اتخاذ القبور عيدا وقد تقدم في باب (اتخاذ القبور عيدًا).
٣ - إيقاد السرج على القبور وقد تقدم في باب (إيقاد السرج على القبور).
٤ - البناء على القبور وقد تقدم في باب (البناء على القبور).
٥ - شد الرحال إلى القبور وقد تقدم في باب (شد الرحال إلى القبور).
٦ - الكتابة على القبر: انظر باب (الكتابة على القبر).
٧ - وضع الغرس على القبر (^٢):
قال الألباني ﵀: "ولا يشرع وضع الآس ونحوها من الرياحين والورود على القبور؛ لأنه لم يكن من فعل السلف ولو كان خيرا لسبقونا إليه، وقد قال ابن عمر - ﵄ -: كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة" (^٣).
_________________
(١) إغاثة اللهفان ١/ ١٩٥.
(٢) للاستزادة حول هذا الموضوع انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٠/ ٢٦٧. معالم السنن الخطابي ١/ ٢٧. الإبداع في مضار الابتداع الشيخ علي محفوظ ١٩٨. أحكام الجنائز الألباني ص ٢٠١. فتاوى اللجنة الدائمة ٣/ ٣٢٧. مجموع الفتاوى لابن باز ٢/ ٧٤٢. هامش على فتح الباري ابن حجر ٣/ ٢٢٣. تصحيح الأخطاء والأوهام الواقعة في فهم أحاديث الرسول ﵊ رائد ابن أبي علفة ١/ ٧٥.
(٣) أحكام الجنائز ص ٢٠٠.
[ ٣ / ١٩٦ ]
وقال معلقا على ذلك: "ولا يعارض ما ذكرنا حديث ابن عباس في وضع النبي - ﷺ - شقي جريدة النخل على القبرين وقوله: "لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا". متفق عليه. وقد خرجته في صحيح أبي داود (١٥). فإنه خاص به - ﷺ - بدليل أنه لم يجر العمل به عند السلف وأمور أخرى يأتي بيانها. قال الخطابي - رحمه الله تعالى - في معالم السنن" (١/ ٢٧) - تعليقًا على الحديث: "إنه من التبرك بأثر النبي - ﷺ - ودعائه بالتخفيف عنهما وكأنه جعل مدة بقاء النداوة فيهما حدا لما وقعت به المسألة من تخفيف العذاب عنهما، وليس ذلك من أجل أن في الجريد الرطب معنى ليس في اليابس، والعامة في كثير من البلدان تغرس الخوص في قبور موتاهم، وأراهم ذهبوا إلى هذا وليس لما تعاطوه من ذلك وجه".
قال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي (١/ ١٠٣) عقب هذا: "وصدق الخطابي، وقد ازداد العامة إصرارًا على هذا العمل الذي لا أصل له، وغلوا فيه، خصوصا في بلاد مصر تقليدًا للنصارى حتى صاروا يضعون الزهور على القبور، ويتهادونها بينهم، فيضعها الناس على قبور أقاربهم ومعارفهم تحية لهم، ومجاملة للأحياء، وحتى صارت عادة شبيهة بالرسمية في المجاملات الدولية، فتجد الكبراء من المسلمين إذا نزلوا بلدة من بلاد أوربا ذهبوا إلى قبور عظمائهم أو إلى قبر من يسمونه "الجندي المجهول" ووضعوا عليها الزهور، وبعضهم يضع الزهور الصناعية التي لا نداوة فيها تقليدا للإفرنج، واتباعًا لسنن من قبلهم، ولا ينكر ذلك عليهم العلماء أشباه العامة، بل تراهم أنفسهم يضعون ذلك في قبور موتاهم، ولقد علمت أن أكثر الأوقاف التي تسمى أوقافا خيرية موقوف ريعها على الخوص والريحان الذي يوضع على القبور وكل هذا بدع ومنكرات لا أصل لها في الدين، ولا سند لها من الكتاب والسنة، ويجب على أهل العلم أن ينكروها وأن يبطلوا هذه العادات ما استطاعوا".
[ ٣ / ١٩٧ ]
ثم أورد الألباني الأدلة على اختصاص وضع الجريدة بالرسول - ﷺ - ودلل عليه بحديث جابر - ﵁ - الطويل في صحيح مسلم (٨/ ٢٣١ - ٢٣٦) وفيه قال - ﷺ -: "إني مررت بقبرين يعذبان فأحببت بشفاعتي أن يرد عنهما ما دام الغصنان رطبين".
ودلل عليه أيضًا بأن السلف الصالح لم يفعلوه ولم يشتهر عنهم فعله. فوضع الجريد على القبر خاص به - ﷺ -، وأن السر في تخفيف العذاب عن القبرين لم يكن في نداوة العسيب بل في شفاعته - ﷺ - ودعائه لهما وهذا مما لا يمكن وقوعه مرة أخرى بعد انتقاله - ﷺ - إلى الرفيق الأعلى ولا لغيره من بعده - ﷺ - لأن الاطلاع على عذاب القبر من خصوصياته - ﷺ -، وهو من الغيب الذي لا يطلع عليه إلا الرسول كما جاء في نص القرآن: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧]. . . وأما وصية بريدة فهي ثابتة عنه، قال ابن سعد في الطبقات (ج ٧ ق ١ ص ٤): أخبرنا عفان بن مسلم قال: ثنا حماد بن سلمة قال: أخبرنا عاصم الأحول قال: قال مورق: أوصى بريدة الأسلمي أن توضع في قبره جريدتان فكان أن مات بأدنى خراسان فلم توجد إلا في جوالق حمار. وهذا سند صحيح وعلقه البخاري ٣/ ١٧٣ مجزوما. قال الحافظ في شرحه: "وكأن بريدة حمل الحديث على عمومه، ولم يره خاصا بذينك الرجلين".
قال ابن رشيد: "ويظهر من تصرف البخاري أن ذلك خاص بهما، فلذلك عقبه بقول ابن عمر: إنما يظله عمله".
قلت (^١): ولا شك أن ما ذهب إليه البخاري هو الصواب لما سبق بيانه، ورأي بريدة لا حجة فيه، لأنه رأي والحديث لا يدل عليه حتى لو كان عاما فإن النبي - ﷺ - لم يضع الجريدة في القبر، بل عليه كما سبق، وخير الهدي هدي محمد" (^٢).
_________________
(١) القائل الشيخ الألباني.
(٢) أحكام الجنائز ص ٢٠١ - ٢٠٣ باختصار.
[ ٣ / ١٩٨ ]
قال ابن باز ﵀: "وأما تنبيت أو غرس الأشجار عليها فلا يجوز، لأن النبي - ﷺ - وأصحابه رضوان الله عليهم لم يفعلوا ذلك، ولأن في ذلك نوعا من الغلو، ويخشى أن يفتن الناس بالأشجار المغروسة عليها، وأما غرس النبي - ﷺ - الجريدتين على القبرين المعذبين فالصحيح من أقوال العلماء أن هذا خاص به - ﷺ - وبالقبرين لكونه لم يفعل ذلك مع بقية القبور، وهكذا أصحابه ﵃ فعلم أن ذلك خاص به - ﷺ - وبأصحاب القبرين، والله ﷾ أعلم" (^١).
وقال ابن باز ﵀: "وهكذا لا يشرع غرس الشجر على القبور لا الصبار ولا غيره، ولا زرعها بشعير أو حنطة أو غير ذلك؛ لأن الرسول - ﷺ - لم يفعل ذلك في القبور، ولا الخلفاء الراشدون ﵃. أما ما فعله مع القبرين اللذين أطلعه الله على عذابهما من غرس الجريدة فهذا خاص به - ﷺ - وبالقبرين لأنه لم يفعل ذلك مع غيرهما" (^٢).
٨ - قراءة القرآن عند القبر:
وينبغي التفريق بين قراءة القرآن حال الاحتضار وقبل خروج الروح وبين قراءته عند القبر بعد الموت.
قال شارح الطحاوية: "اختلف العلماء في قراءة القرآن عند القبور على ثلاثة أقوال: هل تكره، أم لا بأس بها وقت الدفن، وتكره بعده؟ فمن قال بكراهتها كأبي حنيفة ومالك وأحمد في رواية - قالوا: لأنه محدث لم ترد السنة والقراءة تشبه الصلاة، والصلاة عند القبور منهي عنها فكذلك القراءة، ومن قال: لا بأس بها كمحمد بن الحسن وأحمد في رواية استدلوا بما نقل عن ابن عمر - ﵄ -: أنه أوصى أن يقرأ على قبره وقت الدفن بفواتح سورة البقرة وخواتمها، ونقل أيضا عن بعض
_________________
(١) فتاوى ابن باز ص ٧٤٥.
(٢) فتاوى ابن باز ص ٧٤٣.
[ ٣ / ١٩٩ ]
المهاجرين قراءة سورة البقرة، ومن قال: لا بأس بها وقت الدفن فقط وهو رواية عن أحمد أخذ بما نقل عن ابن عمر وبعض المهاجرين، وأما بعد ذلك كالذين يتناوبون القبر للقراءة عنده فهذا مكروه فإنه لم تأت به السنة ولم ينقل عن أحد من السلف مثل ذلك أصلًا. . ." (^١).
وقال ابن تيمية: "فيها ثلاث روايات عن أحمد. . .
والثانية: أن ذلك مكروه وهذه الرواية هي التي رواها أكثر أصحابه عنه وعليها قدماء أصحابه الذين صحبوه كعبد الوهاب الوراق وأبي بكر المروزي ونحوهما، وهي مذهب جمهور السلف كأبي حنيفة ومالك وهشيم بن بشير وغيرهم ولا يحفظ عن الشافعي نفسه في هذه المسألة كلام لأن ذلك عنده بدعة. وقال مالك: "ما علمت أحدا يفعل ذلك" فعُلم أن الصحابة والتابعين ما كانوا يفعلونه" (^٢).
وقال الألباني ﵀: "وأما قراءة القرآن عند زيارتها، فمما لا أصل له في السنة، بل الأحاديث المذكورة في المسألة السابقة تشعر بعدم مشروعيتها، إذ لو كانت مشروعة، لفعلها رسول الله - ﷺ - وعلمها أصحابه، لا سيما وقد سألته عائشة - ﵂ - وهي من أحب الناس إليه - ﷺ - - عما تقول إذا زارت القبور؟ فعلمها السلام والدعاء، ولم يعلمها أن تقرأ الفاتحة أو غيرها من القرآن، فلو أن القراءة كانت مشروعة لما كتم ذلك عنها، كيف وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز كما تقرر في علم الأصول، فكيف بالكتمان، ولو أنه - ﷺ - علمهم شيئًا من ذلك لنقل إلينا، فإذا لم ينقل بالسند الثابت دل على أنه لم يقع.
ومما يقوي عدم المشروعية قوله - ﷺ -: "لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن الشيطان يفر
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية ٥١٨.
(٢) اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٧٣٥، ٧٣٦، وانظر: مجموع الفتاوى ١/ ١٧٤، ٢٤/ ٣١٧، ٣٠١، الاختيارات ٥٣، أحكام الجنائز الألباني ٢٦٢ رقم ١٨١، معجم البدع ١٤٨.
[ ٣ / ٢٠٠ ]
من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة" (^١). فقد أشار - ﷺ - إلى أن القبور ليست موضعا للقراءة شرعا، فلذلك حض على قراءة القرآن في البيوت ونهى عن جعلها كالمقابر التي لا يقرأ فيها، كما أشار في الحديث الآخر إلى أنها ليست موضعا للصلاة أيضا، وهو قوله: "صلوا في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورًا" (^٢) وهذا الحديث أخرجه البخاري بنحوه وترجم له بقوله: باب كراهية الصلاة في المقابر فأشار به إلى أن حديث ابن عمر يفيد كراهة الصلاة في المقابر، فكذلك حديث أبي هريرة يفيد كراهة قراءة القرآن في المقابر، ولا فرق. ولذلك كان مذهب جمهور السلف كأبي حنيفة ومالك وغيرهم كراهة القراءة عند القبور. ثم قال الألباني ﵀ وقد استدل جماعة من العلماء بالحديث على ما استدل به البخاري، وأيده الحافظ في شرحه" (^٣).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والقراءة على الميت بعد موته بدعة، بخلاف القراءة على المحتضر فإنها تستحب بـ ياسين" (^٤).
وقال الألباني - معلقًا على كلام ابن تيمية السابق -: "لكن حديث قراءة ياسين ضعيف والاستحباب حكم شرعي، ولا يثبت بالحديث الضعيف كما هو معلوم من كلام ابن تيمية نفسه في بعض مصنفاته وغيرها" (^٥).
وقال الإمام ابن باز ﵀: "لا تشرع قراءة سورة "يس" ولا غيرها من القرآن على القبر بعد الدفن ولا عند الدفن، ولا تشرع القراءة في القبور؛ لأن النبي - ﷺ - لم يفعل ذلك ولا خلفاؤه الراشدون، كما لا يشرع الأذان ولا الإقامة في القبر، بل كل
_________________
(١) أخرجه مسلم ٢/ ١٨٨.
(٢) أخرجه مسلم ٢/ ١٨٧.
(٣) أحكام الجنائز ص ١٩٠، ١٩١.
(٤) الاختيارات العلمية ص ٥٣.
(٥) أحكام الجنائز ١١، ١٩٠، ١٩١.
[ ٣ / ٢٠١ ]
ذلك بدعة، وقد صح عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" خرجه الإمام مسلم في صحيحه. . . وليس للمسلمين أن يحدثوا شيئًا من القربات لم يشرعه الله للحديث المذكور، ولقوله الله سبحانه ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] " (^١).
٩ - الأذان والإقامة حال وضعه في القبر (^٢).
وقد سئل الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ عن حكم الأذان والإقامة في قبر الميت عند وضعه فيه؟
فأجاب - قدس الله روحه -: "لا ريب أن ذلك بدعة ما أنزل الله بها من سلطان؛ لأن ذلك لم ينقل عن رسول الله - ﷺ - ولا عن أصحابه ﵃ والخير كله في اتباعهم وسلوك سبيلهم" (^٣).
ومن البدع أن يبخر القبر، أو أن يفرش فيه ريحان (^٤).