القدر في اللغة: القدر بفتح القاف والدال وسكونها مصدر قدر يقدّر تقديرًا، قال ابن سيده: "القَدْر والقَدَر: القضاء والحكم وهو ما يقدِّره الله ﷿ من القضاء
_________________
(١) * الشريعة للآجري ص ١٤١، ١٦٦، ١٧٨. السنة لعبد الله بن الإمام أحمد ٣٨٤ - ٤٢٨. التمهيد ٣/ ١٣٩، ٦/ ١٢، ٦٢، ١٨/ ١١. الاستذكار لابن عبد البر ٢٦/ ٨٣. الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٧/ ٤٨، ١٤٩. شرح السنة للبغوي ١/ ١٢٢. مجموع فتاوى شيخ الإسلام المجلد الثامن. اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ١٤٣، ٢/ ٨٤٨. شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل للإمام ابن القيم. لوامع الأنوار للسفاريني ١/ ٢٩٧. وانظر كتاب القدر للفريابي فإنه أصل من الأصول التي اعتمد عليه كبار العلماء كالآجري وابن بطة وغيرهم وقد خرج في طبعة أنيقة تحقيق أخينا الفاضل عبد الله المنصور حفظه الله. تيسير العزيز الحميد ص ٦٩٩. فتح المجيد ص ٥٧١. حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ٣٦٤. القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٣/ ١٥٨، ط ٢ - ٣/ ١٩٨ ومن المجموع ١٠/ ٩٨٤. الدرر السنية ١/ ٢١٦، ٥١٢، ٣/ ٢١٣. فتاوى اللجنة ٣/ ٣٧٤. مجموع الفتاوى لابن باز ٣/ ٤٧٣. معارج القبول ٢/ ٢٦٦، ٣٠٥. مجموع الفوائد واقتناص الأوابد للسعدي ٤٠، ١٢٠، ٢٣٦. الدرة البهية شرح العقيدة التائية في حل المشكلة القدرية من مجموعة ابن سعدي ٣/ ١٤٥ - ٢٠٤. أهم المهمات لابن سعدي من المجموعة ٣/ ٦٧. شرح مسائل الجاهلية للألوسي ٥٨. القضاء والقدر لابن عثيمين. العقيدة الصحيحة وما يضادها لابن باز. شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ٢/ ٤٣٦. مجموع الفتاوى لابن عثيمين ٢/ ٧٥، ٣/ ١٨٨، ٢٥٥، ٤/ ٢٩٩، ٢٠٤، ٥/ ١٣٧، ٢١٣، ٢١٩، ٧/ ٢٦٥. المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة الأحمدي ١/ ١٣٥. القضاء والقدر للأشقر. القضاء والقدر للمحمود. موقف ابن تيمية من الأشاعرة ص ٣٠٨، ٣٨٤. شرح مسائل الجاهلية للسعيد ٤٤٩، ٤٥٧، ٤٦٨. الشيخ السعدي وجهوده في توضيح العقيدة للعباد ص ٨٥. الآثار الواردة في سير أعلام النبلاء ٢/ ٥٣٥. الجيلاني وآراؤه الاعتقادية ص ٢٦٠. ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ٥٩٣. عقيدة الإمام ابن عبد البر للغصن ص ٣٩٩، ٤٢٢. منهج الحافظ ابن رجب في العقيدة ص ٤١٥، ٤٢٠. الإمام الخطابي ومنهجه في العقيدة ص ٣٧٥. منهج ابن حجر في العقيدة ص ٣٦٩. مباحث العقيدة في سورة الزمر ص ٤٩٣. الإمام المروزي وجهوده في توضيح العقيدة للنفيعي ص ١٦٥. منهج الإمام مالك في العقيدة ص ٣٥٥.
[ ٣ / ٢٠٣ ]
وبحكم به من الأمور" (^١).
وقال ابن حجر في الفتح: "قدرت الشيء بتخفيف الدال وفتحها أقدِره بالكسر والفتح قَدْرًا وقَدَرًا إذا أحطت بمقداره" (^٢).
والقدر في الشرع: "ما سبق به العلم، وجرى به القلم مما هو كائن إلى الأبد، وأنه ﷿ قدّر مقادير الخلائق، وما يكون من الأشياء قبل أن تكون في الأزل، وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده تعالى وعلى صفات مخصوصة، فهي تقع على حسب ما قدرها" (^٣).
وقال ابن حجر في تعريفه: "المراد أن الله تعالى علم مقادير الأشياء وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد ما سبق في علمه أنه يوجد، فكل محدث صادر عن علمه وقدرته وإرادته" (^٤).
وسئل الإمام أحمد عن القدر فقال: "القدر قدرة الله على العباد" (^٥).
وقال النووي في معنى القدر: "أن الله ﵎ قدر الأشياء في القدم وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده ﷾ وعلى صفات مخصوصة هي تقع على حسب ما قدرها ﷾" (^٦).
وسئلت اللجنة عن معنئ القدر فأجابت: "معناه أن الله ﷾ علم الأشياء كلها قبل وجودها وكتبها عنده وشاء ما وجد منها وخلق ما أراد خلقه" (^٧).
_________________
(١) لسان العرب (ق د ر).
(٢) فتح الباري ١/ ١١٨.
(٣) لوامع الأنوار ١/ ٣٤٨.
(٤) فتح الباري ١/ ١١٨.
(٥) مسائل ابن هانئ ٢/ ١٥٥، انظر كتاب المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة - الأحمدي ١/ ١٣٥.
(٦) مسلم بشرح النووي ١/ ١٥٤، وانظر أيضًا فتح الباري ١١/ ٤٧٧.
(٧) انظر فتوى اللجنة في مجلة البحوث الإسلامية العدد ٤٠ ص ١٠٢.
[ ٣ / ٢٠٤ ]
وقال ابن عثيمين: "الإيمان بالقدر: هو أن تؤمن بتقدير الله ﷿ للأشياء كلها سواء ما يتعلق بفعله أو ما يتعلق بفعل غيره، وأن الله ﷿ قدرها وكتبها عنده قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، ومعلوم أنه لا كتابة إلا بعد علم، فالعلم سابق على الكتابة، ثم إنه ليس كل معلوم الله ﷾ مكتوب، لأن الذي كتب إلى يوم القيامة، وهناك أشياء بعد يوم القيامة كثيرة أكثر مما في الدنيا هي معلومة عند الله، ﷿، ولكنه لم يرد في الكتاب والسنة أنها مكتوبة" (^١).
* الدليل من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢]. وقوله جل ذكره: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٧]. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩] وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥١]. وقوله جل وعلا: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨]. وقوله ﵎: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]. وقد جاء في سبب نزولها ما رواه مسلم عن أبي هريرة عنه قال: "جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله - ﷺ - في القدر فنزلت
_________________
(١) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١٠/ ١٠٠. وانظر: القول المفيد ٣/ ١٧٦.
[ ٣ / ٢٠٥ ]
﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٨ - ٤٩] " (^١).
* الدليل من السنة: عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ قَالَ أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي القَدَرِ مَعْبَدٌ الجُهَنِيُّ قَالَ: فَخَرَجْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحِمْيَرِيُّ حَتَّى أَتَيْنَا المَدِينَةَ فَقُلنَا: لَوْ لَقِينَا رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - فَسَأَلنَاهُ عَمَّا أَحْدَثَ هَؤُلاءِ القَوْم، قَالَ: فَلَقِينَاهُ - يَعْنِي عَبْدَ الله بْنَ عُمَرَ - وَهُوَ خَارِجٌ مِنْ المَسْجِدِ، قَالَ: فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي، قَالَ: فَظَنَنْتُ أَنَّ صَاحِبي سَيَكِلُ الكَلامَ إِلَيَّ. فَقُلتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنَّ قَوْمًا يَقْرَءُونَ القُرْآنَ وَيتَقَفَّرُونَ العِلمَ وَيزْعُمُونَ أَنْ لا قَدَرَ وَأَنَّ الأَمْرَ أُنُفٌ قَالَ فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي مِنْهُمْ بَرِيءٌ وَأَنَّهُمْ مِنِّي بُرَءَاءُ وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ الله لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا قُبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، ثم استدل بقول النبي - ﷺ - في تعريف الإيمان: "أَنْ تُؤْمِنَ بِالله وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ" (^٢).
وروى مسلم عن طاوس أنه قال: "أدركت ناسًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - يقولون: كل شيء بقدر" (^٣).
وفي رواية: "أدركت ثلاثمائة من أصحاب رسول الله - ﷺ - يقولون: كل شيء بقدر" (^٤). وقال طاوس: وسمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله - ﷺ -: "كل شيء بقدر حتى العجز والكيس، أو الكيس والعجز"" (^٥).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٦٥٦).
(٢) أخرجه مسلم (٨).
(٣) أخرجه مسلم (٢٦٥٥).
(٤) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي ٤/ ٥٨٠، ٦٦١ (ح: ١٠٢٧، ١٢٠٠).
(٥) أخرجه مسلم (٢٦٥٥).
[ ٣ / ٢٠٦ ]
وقَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ - ﷺ - لابْنِهِ: "يَا بُنيَ إِنَكَ لَنْ تَجِدَ طَعْمَ حَقِيقَةِ الإِيمَانِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ ليُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطأَكَ لَمْ يَكُنْ ليُصِيبَكَ، سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: "إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ الله القَلَمَ فَقَالَ لَهُ: اكْتُب. قَالَ: رَبِّ وَمَاذا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ" يَا بُنيَ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: "مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَلَيْسَ مِنِّي"" (^١).
وفي رواية لأحمد: "إن أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة" (^٢).
وفي رواية لابن وهب قال: قال رسول الله - ﷺ -: "فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه الله ﷿ بالنار" (^٣).
* أقوال السلف: عن ابن مسعود - ﵁ - قال: "لا يذوق عبد طعم الإيمان حتى يؤمن بالقدر كله، وبأنه مبعوث من بعد الموت" (^٤).
وقال - ﵁ -: "لأن أعض على جمرة وأقبض عليها حتى تبرد في يدي أحب إلى من أن أقول لشيء قضاه الله: ليته لم يكن" (^٥).
وفي السنن عَنْ ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ قَالَ: أتَيْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْب فَقُلتُ لَهُ: وَقَعَ فِي نَفْسِي شَيْءٌ مِنْ القَدَرِ فَحَدِّثْنِي بشَيْءٍ لَعَل الله أَنْ يُذْهِبَهُ مِنْ قَلبِي. قَالَ: لَوْ أَنَّ الله عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ عَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ كَانَتْ رَحْمَتُهُ
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤٧٠٠).
(٢) أخرجه الإمام أحمد (٢٣٠٨١) (٢٣٠٨٣).
(٣) القدر لعبد الله بن وهب ص ١٢١.
(٤) أخرجه الآجري لا الشريعة ص ٢٠٤، وعبد الرزاق لا المصنف ١١/ ١١٨ (ح: ٢٠٠٨١/ ٢٠٠٨٢).
(٥) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٤/ ٦٦٧ (ح: ١٢١٧).
[ ٣ / ٢٠٧ ]
خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، وَلَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ ذهَبًا فِي سَبِيلِ الله مَا قَبلَهُ الله مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالقَدَرِ، وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَلَوْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا لَدَخَلتَ النَّارَ. قَالَ ثُمَّ أَتَيْتُ عَبْدَ الله بْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ مِثْلَ ذلِكَ، قَالَ: ثُمَّ أَتَيْتُ حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمَانِ فَقَالَ مِثْلَ ذلِكَ. قَالَ: ثُمَّ أَتَيْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَحَدَّثَنِي عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - مِثْلَ ذلِكَ" (^١).
وعن أبي الحجاج الأزدي قال: قلت لسلمان (^٢): "ما قول الناس حتى تؤمن بالقدر خيره وشره"؟ قال: "حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، ولا تقول: لو فعلت كذا وكذا لكان كذا وكذا، ولو لم أفعل كذا وكذا لم يكن كذا وكذا" (^٣).
قال أحمد بن جعفر الإصطخري: قال لي أحمد: "والقدر خيره وشره وقليله وكثيره وظاهره وباطنه وحلوه ومره ومحبوبه ومكروهه وحسنه وسيئه وأوله وآخره من الله قضاءً قضاه وقدرًا قدره عليهم لا يعدو واحد منهم مشيئة الله ﷿ ولا يجاوز قضاءه بل هم كلهم صائرون إلى ما خلقهم له واقعون فيما قدر عليهم لا محالة وهو عدل منه عز ربنا وجل" (^٤).
والإيمان بالقدر هو الركن السادس من أركان الإيمان التي لا يتحقق إيمان عبد إلا بها. ويجب الإيمان به إيمانا جازما ومن أنكره فإنه كافر مشرك بالربوبية. قال علي
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤٦٩٩).
(٢) هو سلمان الفارسي، الصحابي الجليل - ﵁ -.
(٣) أخرجه الآجري في الشريعة ص ٢٠٦، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٤/ ٦٧٧ (ح: ١٢٤٠)، وعبد الرزاق في المصنف ١١/ ١١٨ (ح ٢٠٠٨٣).
(٤) طبقات الحنابلة ١/ ٢٥. المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة - الأحمدي ١/ ١٣٩.
[ ٣ / ٢٠٨ ]
بن أبي طالب - ﵁ -: "إن أحدكم لن يخلص الإيمان إلى قلبه حتى يستقر يقينا غير ظن أنه ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، ويقر بالقدر كله" (^١).
قال الإمام أحمد - رحمه الله تعالى -: "من السنة اللازمة: الإيمان بالقدر خيره وشره، والتصديق بالأحاديث فيه، والإيمان بها لا يقال: لم؟ ولا كيف؟ إنما هو التصديق بها والإيمان بها" (^٢).
وقال ابن القيم ﵀: "وقال الإمام أحمد: القدر قدرة الله واستحسن ابن عقيل هذا الكلام جدا وقال: هذا يدل على دقة علم أحمد وتبحره في معرفة أصول الدين وهو كما قال أبو الوفاء فإن إنكار القدر إنكار لقدرة الرب على خلق الأعمال وكتابها وتقديرها" (^٣).
أحكام وفوائد:
١ - أركان الإيمان بالقدر:
الإيمان بالقدر على أربع مراتب (^٤):
المرتبة الأولى: الإيمان بعلم الله الذي هو صفته الأزلية فهو سبحانه عالم بكل شيء وهو بكل شيء محيط فلا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض فيعلم جميع خلقه قبل خلقهم ويعلم ما ستكون عليه أحوالهم كلها سرها وعلانيتها.
قال ابن عثيمين ﵀: "فعلم ما كان وما يكون. فكل شيء معلوم لله سواء كان دقيقا أم جليلا من أفعاله أو أفعال خلقه" (^٥).
_________________
(١) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٤/ ٦٦٦ (ح: ١٢١٤).
(٢) شرح أصول اعتقاد أهل السنة للآلكائي ١/ ١٥٧.
(٣) شفاء العليل ١/ ٢٨.
(٤) مجموع الفتاوى لابن تيمية ٣/ ١٤٨، ١٥٠.
(٥) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١٠/ ٩٩٠، ٩٩١. وانظر: القول المفيد لابن عثيمين ٣/ ١٦٤.
[ ٣ / ٢٠٩ ]
والأدلة على هذا كثيرة منها:
قول الله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]. وقوله سبحانه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الحشر: ٢٢]. وقوله تعالى: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٣]. وقوله ﷿: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]. ومن السنة حديث ابن عباس - ﵁ - قال: "سئل رسول الله - ﷺ - عن أطفال المشركين؟ قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين إذ خلقهم"" (^١). وهذا يدل على علم الله وإحاطته بكل شيء وأنه يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون.
قال شارح الطحاوية: "وقد ضل في هذا الموضع خلائق من المشركين والصابئين والفلاسفة وغيرهم ممن ينكر علمه بالجزئيات أو بغير ذلك، فإن ذلك كله مما يدخل في التكذيب بالقدر" (^٢).
المرتبة الثانية: الإيمان بأن الله تعالى كتب مقادير خلقه في اللوح المحفوظ ولم يفرط في ذلك من شيء.
والأدلة على هذا كثيرة منها:
قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢]. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠].
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٣٨٤) (٦٥٩٨) (٦٦٠٠). مسلم (٢٦٥٩).
(٢) شرح العقيدة الطحاوية ص ٣٠٥.
[ ٣ / ٢١٠ ]
فائدة: قوله: "أول ما خلق الله القلم"
وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨].
ومن السنة حديث عُبَادَةَ - ﵁ - قال: يَا بُنَيَّ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: "إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ ﵎ القَلَم، ثُمَّ قَالَ: اكْتُبْ. فَجَرَى فِي تِلكَ السَّاعَةِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، يَا بُنَيَّ إِنْ مِتَّ وَلَسْتَ عَلَى ذَلِكَ دَخَلتَ النَّارَ" (^١).
وعن علي - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "ما منكم من أحد إلا قد كتب مقعده من النار أو من الجنة. فقال رجل من القوم: ألا نتكل يا رسول الله؟ قال: لا، اعملوا فكل ميسر ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل: ٥] " (^٢).
وكل هذا يدل على أن الله ﵎ كتب كل شيء قبل الخلق، ولم يفرط في الكتاب من شيء وذلك يسير على الله.
* فائدة:
قوله: "أول ما خلق الله القلم" يعني: بعد خلق العرش؛ لأن العرش هو أول المخلوقات على الصحيح من قولي العلماء لما ثبت في الصحيح أن رسول الله - ﷺ - قال: "قدر الله - وفي رواية: كتب الله - مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء" (^٣).
فالذي عليه الجمهور أن العرش مخلوق قبل القلم، قال ابن عباس: "إن الله كان على عرشه قبل أن يخلق شيئًا فكان أول ما خلق الله القلم فأمره أن يكتب ما هو كائن، وأن ما يجري على الناس على أمر قد فرغ منه" وعلى هذا فإن أول شيء
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢٣٠٨١).
(٢) أخرجه البخاري (٦٦٠٥). ومسلم (٢٦٤٧).
(٣) صحيح مسلم (٢٦٥٢).
[ ٣ / ٢١١ ]
خلق بعد العرش هو القلم وقد سئل ابن عباس عن قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧]. على أي شيء؟ قال: على متن الريح (^١).
وقد رواه البيهقي وروى حديث: "أول شيء خلقه الله القلم" ثم قال البيهقي ﵀: وإنما أراد والله أعلم أول شيء خلقه بعد خلق الماء والريح والعرش" (^٢).
المرتبة الثالثة: مرتبة الإيمان بمشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة فما شاء الله تعالى كونه فهو كائن بقدرته ولا بد وما لم يشأ لم يكن لعدم المشيئة لا لعدم القدرة لأن الله ﵎ لا يعجزه شيء كما قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤].
* والأدلة على المشيئة الشاملة كثيرة منها:
قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [النحل: ٩٣]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢].
ومن السنة قول الرسول - ﷺ - فيما رواه البخاري ومسلم بسنديهما عن معاوية بن أبي سفيان: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" (^٣).
ودلالة هذه الأدلة على عموم مشيئة الله تعالى ظاهرة فكل ما يحصل في هذا الكون فهو مراد له سبحان وتعالى بالإرادة الكونية فهو الخالق وحده المالك المدبر فلا يجري في ملكه إلا ما يريد لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه ولا يعجزه شيء. ولا
_________________
(١) العرش ص ٥٢، السنة لابن أبي عاصم ١/ ٢٥٨، والعظمة ٢/ ٥٧٦.
(٢) للاستزادة انظر: تيسير العزيز الحميد ص ٦٩٥، نونية ابن القيم ١/ ٣٧٦.
(٣) أخرجه البخاري (٧١) (٣١١٦) (٣٦٤١) (٧٣١٢) (٧٤٦٠). ومسلم (١٠٣٧).
[ ٣ / ٢١٢ ]
يعني هذا أن الله يرضى عن ما يقع من العباد من الكفر والمعاصي.
الفرق بين المشيئة والإرادة:
الإرادة أعم من المشيئة؛ لأن الإرادة تنقسم إلى قسمين: إرادة كونية، وإرادة شرعية. أما مشيئة الله فهي في النصوص واحدة فلا تكون إلا كونية ولا يوجد مشيئة شرعية.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم:". . . الإرادة إرادتان: كونية قدرية، وشرعية دينية، وأما المشيئة فلم ترد في النصوص إلا كونية قدرية فلا تنقسم" (^١).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد: "والفرق بين المشيئة والإرادة: أن المشيئة لم تأت في الكتاب والسنة إلا لمعني كوني قدري، وأما الإرادة فإنها تأتي لمعني كوني ومعني ديني شرعي. . ." (^٢).
وأما الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية:
قال شارح الطحاوية: "الإرادة في كتاب الله نوعان: إرادة قدرية كونية خلقية، وإرادة دينية أمرية شرعية، فالإرادة الشرعية هي المتضمنة للمحبة والرضى، والكونية هي المشيئة الشاملة لجميع الموجودات" (^٣).
وقال ابن باز ﵀: "والفرق بين الإرادتين: الأولى لا يتخلف مرادها أبدا بل ما أراده الله، كونا فلا بد من وقوعه كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
أما الإرادة الشرعية فقد يوجد مرادها من بعض الناس وقد يتخلف، وإيضاح ذلك أن الله سبحانه أخبر أنه يريد البيان للناس والهداية والتوبة، ومع ذلك أكثر
_________________
(١) شرح العقيدة الواسطية ص ٤٩.
(٢) قطف الجنى الداني شرح مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني ص ١٢٩.
(٣) شرح العقيدة الطحاوية ص ١١٦.
[ ٣ / ٢١٣ ]
الخلق لم يهتد ولم يوفق للتوبة ولم يتبصر في الحق، لأنه ﷾ قد أوضح الحجة والدليل وبين السبيل وشرع أسباب التوبة وبينها ولكنه لم يشأ لبعض الناس أن يهتدي أو يتوب أو يتبصر فذلك لم يقع منه ما أراده الله شرعا، لما قد سبق في علم الله وإرادته الكونية من أن هذا الشخص المعين لا يكون من المهتدين ولا ممن يوفق للتوبة. وهذا بحث عظيم ينبغي تفهمه وتعقله والتبصر في أدلته، ليسلم المؤمن من إشكالات كثيرة وشبهات مضلة حار فيها الكثير من الناس لعدم تحقيقهم للفرق بين الإرادتين.
ومما يزيد المقام بيانًا أن الإرادتين تجتمعان في حق المؤمن فهو إنما آمن بمشيئة الله وإرادته الكونية، وهو في نفس الوقت قد وافق بإيمانه وعمله الإرادة الشرعية وفعل ما أراده الله منه شرعا وأحبه منه، وتنفرد الإرادة الكونية في حق الكافر والعاصي فهو إنما كفر وعصى بمشيئة الله وإرادته الكونية، وقد تخلفت عنه الإرادة الشرعية لكونه لم يأت بمرادها وهو الإسلام والطاعة فتنبه وتأمل، والله الموفق" (^١).
ويقول شارح الطحاوية: "ومنشأ الضلال من التسوية بين المشيئة والإرادة وبين المحبة والرضى، فسوى بينهما الجبرية والقدرية ثم اختلفوا فقالت الجبرية: الكون كله بقضائه وقدره فيكون محبوبًا مرضيًا.
وقالت القدرية النفاة: ليست المعاصي محبوبة لله ولا مرضية له، فليست مقدرة ولا مقضية فهي خارجة عن مشيئته وخلقه وقد دل على الفرق بين المشيئة والمحبة الكتاب والسنة والفطرة الصحيحة.
أما أهل السنة فيقولون: إن الله وإن كان يريد المعاصي قدرًا فهو لا يحبها ولا يرضاها ولا يأمر بها بل يبغضها ويسخطها وينهى عنها وهذا قول السلف قاطبة" (^٢).
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن باز ص ٤٧٨، ٤٧٩.
(٢) شرح الطحاوية ص ١١٦.
[ ٣ / ٢١٤ ]
ومع إيماننا بقدرة الله ومشيئته فإننا نؤمن أيضًا أن للعبد قدرة ومشيئة واختيارا بها تتحقق أفعاله وبمقتضاها يكون الثواب والعقاب كما أن قدرة العبد ومشيئته التي بها تحصل أعماله غير خارجة عن قدرة الله ومشيئته فهو الذي منح الإنسان ذلك وجعله قادرا على التمييز والاختيار فأي الفعلين اختار لم يخرج عن كونه داخلا تحت مشيئة الله وقدرته وخلقه.
وقال الشيخ ابن عثيمين: "وقد ضل في القدر طائفتان:
إحداهما: الجبرية الذين قالوا إن العبد مجبر على عمله وليس له فيه إرادة ولا قدرة.
الثانية: القدرية الذين قالوا إن العبد مستقل بعمله في الإرادة والقدرة، وليس لمشيئة الله تعالى وقدرته فيه أثر.
والرد على الطائفة الأولى "الجبرية" بالشرع والواقع:
أما الشرع: فإن الله تعالى أثبت للعبد إرادة ومشيئة، وأضاف العمل إليه قال الله تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]. وقال: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩]. الآية. وقال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦].
وأما الواقع: فإن كل إنسان يعلم الفرق بين أفعاله الاختيارية التي يفعلها بإرادته كالأكل، والشرب، والبيع والشراء، وبين ما يقع عليه بغير إرادته كالارتعاش من الحمى، والسقوط من السطح، فهو في الأول فاعل مختار بإرادته من غير جبر، وفي الثاني غير مختار ولا مريد لما وقع عليه.
والرد على الطائفة الثانية "القدرية" بالشرع والعقل:
[ ٣ / ٢١٥ ]
أما الشرع: فإن الله تعالى خالق كل شيء، وكل شيء كائن بمشيئته، وقد بين الله تعالى في كتابه أن أفعال العباد تقع بمشيئته فقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣].
وأما العقل: فإن الكون كله مملوك لله تعالى، والإنسان من هذا الكون فهو مملوك لكل تعالى، ولا يمكن للمملوك أن يتصرف في ملك المالك إلا بإذنه ومشيئته" (^١).
المرتبة الرابعة: الإيمان بأن الله تعالى خالق كل شيء لا خالق غيره ولا رب سواه ومما يدل على هذا ما يلي:
قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢].
وقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]. وقوله ﷾: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]. وقوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦].
ومن السنة قول الرسول - ﷺ -: "إن الله خالق كل صانع وصنعته" (^٢).
ودلت هذه النصوص على أن الله ﵎ هو الذي قدر كل شيء وخلقه وهو الذي أحاط الأشياء بعنايته ورعايته وقد قدر الكائنات وأوجدها لا على مثال سابق ووهب بعض خلقه القدرة والفعل، والله سبحانه هو الخالق للفاعل وفعله وهو الخلاق العليم.
_________________
(١) شرح ثلاثة الأصول من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ١١٤، ١١٥.
(٢) المستدرك للحاكم ١/ ٣١، ٣٢. ومجمع الزوائد ٧/ ١٩٧.
[ ٣ / ٢١٦ ]
وأهل السنة والجماعة يؤمنون بجميع هذه المراتب الأربع وقد جُمعت في بيت:
علم كتابة مولانا مشيئته وخلقه وهو إيجاد وتكوين
ومنهم من يجعلها مرتبتين وكل مرتبة تتضمن مرتبتين فتكون أربعًا.
قال شيخ الإسلام: "والإيمان بالقدر على درجتين كل درجة تتضمن شيئين فالدرجة الأولى الإيمان بأن الله تعالى عليم بما الخلق عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلا وأبدا وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق "فأول ما خلق الله القلم قال له اكتب قال ما أكتب قال اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه جفت الأقلام وطويت الصحف". وأما الدرجة الثانية فهي مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأنه ما في السموات وما في الأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله سبحانه لا يكون في ملكه ما لا يريد وأنه سبحانه على كل شيء قدير من الموجودات والمعلومات فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه سبحانه لا خالق غيره ولا رب سواه ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسله ونهاهم عن معصيته وهو سبحانه يحب المتقين والمحسنين والمقسطين ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا يحب الكافرين ولا يرضى عن القوم الفاسقين ولا يأمر بالفحشاء ولا يرضى لعباده الكفر ولا يحب الفساد والعبادُ فاعلون حقيقة والله خالق أفعالهم والعبد هو المؤمن والكافر والبر والفاجر والمصلي والصائم وللعباد القدرة على أعمالهم ولهم إرادة والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم كما قال الله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ
[ ٣ / ٢١٧ ]
٢ - مسألة: فإن قلت: كيف؟ قال: "وتؤمن بالقدر خيره وشره"
يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ وهذه الدرجة من القدر يكذب بها عامة القدرية الذين سماهم النبي - ﷺ - مجوس هذه الأمة ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات حتى سلبوا العبد قدرته واختياره ويخرجون عن أفعال الله وأحكامه حكمها ومصالحها" (^١).
وقال ابن رجب: "والإيمان بالقدر على درجتين:
أحدهما: الإيمان بأن الله تعالى سبق علمه ما يعلمه العباد من خير وشر، وطاعة ومعصية قبل خلقهم وإيجادهم، ومن هو منهم من أهل الجنة، ومن هو منهم من أهل النار، وأعد لهم الثواب والعقاب جزاء لأعمالهم قبل خلقهم وتكوينهم.
وأنه كتب ذلك عنده وأحصاه، وأن أعمال العباد تجري على ما سبق في علمه وكتابه.
الثانية: أن الله خلق أفعال العباد كلها من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان، وشاءها منهم.
فهذه الدرجة التي يثبتها أهل السنة والجماعة وتنكرها القدرية، والدرجة الأولى أثبتها كثير من القدرية ونفاها غلاتهم كمعبد الجهني الذي سئل ابن عمر عن مقالته، وكعمرو بن عبيد وغيره. . ." (¬٢).
٢ - مسألة:
فإن قلت: كيف؟ قال: "وتؤمن بالقدر خيره وشره" وقد قال في الحديث: "والشر ليس إليك"؟ فالجواب عن هذا أن إثبات الشر في القضاء والقدر إنما هو بالإضافة إلى العبد، والمفعولُ إن كان مقدرًا عليه فهو بسبب جهله وظلمه وذنوبه لا إلى الخالق فله في ذلك من الحكم ما تقصر عنه أفهام البشر لأن الشر إنما هو بالذنوب وعقوباتها في الدنيا والآخرة، فهو شر بالإضافة إلى العبد، أما بالإضافة إلى الرب ﷾
_________________
(١) العقيدة الواسطية ٣٥ - ٣٨.
(٢) جامع العلوم والحكم ٢٦.
[ ٣ / ٢١٨ ]
فكله خير وحكمة فإنه صادر عن حكمه وعلمه وما كان كذلك فهو خير محض بالنسبة إلى الرب، إذ هو موجب أسمائه وصفاته (^١).
٣ - أقسام التقديرات وأنواعها:
أولًا: التقدير العام لجميع الأشياء قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة عندما خلق الله القلم وأمره بالكتابة لما هو كائن إلى يوم القيامة وهو التقدير الأزلي. ويدل على ذلك حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء" (^٢).
وقد ذكر ابن القيم هذا التقدير في كتابه "شفاء العليل" ثم ذكر في الباب الثاني تقدير الرب ﵎ شقاوة العباد وسعادتهم وأرزاقهم وآجالهم وأعمالهم قبل خلقهم، قال: "وهو تقدير ثان بعد التقدير الأول عن علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: "كنا في جنازة في بقيع الغرقد فقعد وقعدنا حوله. . . . ثم قال: ما منكم من أحد ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كتب شقية أو سعيدة، ثم قال: فقال رجل: يا رسول الله أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ فقال: من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة، ثم قرأ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) (٤) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ [الليل: ٥ - ١٠] (^٣). وذكر أحاديث منها ما رواه هشام بن حكيم بن
_________________
(١) ملخص من كلام ابن القيم - مستفاد من تيسير العزيز الحميد ص ٦٩١.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) أخرجه البخاري (١٣٦٢)، (٤٩٤٥)، ومسلم (٢٦٤٧).
[ ٣ / ٢١٩ ]
حزام أن رجلا قال: يا رسول الله أتبتدأ الأعمال أم قد مضى القضاء؟ فقال: "إن الله لما أخرج ذرية آدم من ظهره أشهدهم على أنفسهم، ثم أفاض بكفيه فقال: هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار"" (^١).
فهناك تقديرات أخرى نسبية وكلها ترجع إلى علم الله تعالى الشامل لكل شيء.
ثانيًا: لتقدير العمري: كما جاء في حديث ابن مسعود - ﵁ - قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ الله - ﷺ - وَهُوَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ قَالَ: "إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ وَيُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ عَمَلَهُ وَرِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيد، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوح، فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ لَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجَنَّةِ إِلا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ كِتَابُهُ فَيَعْمَلُ بِعَمَل أَهْلِ النَّارِ، وَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ إِلا ذِرَاعٌ فَيَسْبقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ فَيَعْمَل بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ" (^٢).
قال الشيخ ابن عثيمين: "منها: تقدير عمري: حين يبلغ الجنين في بطن أمه أربعة أشهر يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد" (^٣).
ثالثًا: التقدير الحولي: قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦)﴾ [الدخان: ٣ - ٦].
قال ابن القيم: "وهذه ليلة القدر قطعًا، لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾
_________________
(١) شفاء العليل ١/ ١٠.
(٢) أخرجه البخاري (٣٢٠٨) (٣٣٣٢) (٦٥٩٤) (٧٤٥٤)، ومسلم (٢٦٤٣).
(٣) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١/ ٩٩٢، ٩٩٣. وانظر: القول المفيد لابن عثيمين ٣/ ١٦٦. وقد ذكره ابن القيم في شفاء العليل ١/ ٥١.
[ ٣ / ٢٢٠ ]
[القدر: ١] عن ابن عباس قال: "يكتب من أم الكتاب ليلة القدر يكون في السنة من موت وحياة ورزق ومطر حتى الحجاج يقال: حج فلان ويحج فلان"" (^١).
قال ابن عثيمين: "ومنها: التقدير الحولي وهو الذي يكون في ليلة القدر يكتب فيها ما يقدر في السنة" (^٢).
رابعًا: التقدير اليومي: قال الله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩].
قال ابن القيم في شفاء العليل: "وقال مجاهد والكلبي وعبيد بن عمير وأبو ميسرة وعطاء ومقاتل: من شأنه أن يحيى ويميت، ويرزق ويمنع، وينصر، ويعز، ويذل، ويفك عانيا، ويشفي مريضا، ويجيب داعيًا، ويعطي سائلًا، ويتوب على قوم، ويكشف كربًا، ويغفر ذنبًا، ويضع قوما ويرفع آخرين دخل كلام بعضهم في بعض" (^٣).
وقال الشيخ ابن عثيمين: "ومنها: التقدير اليومي كما ذكره بعض أهل العلم واستدل له بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩].
فهو كل يوم يغني فقيرًا، ويفقر غنيًا، ويوجد معدومًا، ويعدم موجودًا، ويبسط الرزق ويقدره، وينشئ السحاب والمطر وغير ذلك" (^٤).
وهذا التقدير وما سبقه من التقدير السنوي والعمري هو تفصيل من القدر الأزلي.
٤ - القدر سر من أسرار الله:
ومما سبق يتبين لنا حرص السلف على ترك التعمق في القدر والاعتماد في معرفته على الكتاب والسنة وكل من خاض في هذه المسألة بعقله ضل وتاه، وما
_________________
(١) شفاء العليل ١/ ٥٩.
(٢) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١٠/ ٩٩٢، ٩٩٣. وانظر: القول المفيد لابن عثيمين ٣/ ١٦٧.
(٣) شفاء العليل ١/ ٦١.
(٤) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١٠/ ٩٩٣. وانظر: القول المفيد لابن عثيمين ٣/ ١٦٧، ١٦٨.
[ ٣ / ٢٢١ ]
ضلت القدرية والجبرية إلا بسبب اعتمادها المحض على العقل وعدم الاعتماد على الكتاب والسنة وقول سلف الأمة، ومعلوم أن بعض جوانب القدر لا يمكن للعقل الإنساني مهما كان نبوغه أن يستوعبها.
قال إبراهيم القرشي: "كنت جالسًا عند ابن عمر - ﵄ - فسئل عن القدر؟ فقال: شيء أراد الله ﷿ ألا يطلعكم عليه، فلا تريدوا من الله ﷿ ما أبى عليكم" (^١).
وفي شرح النووي قال: "قال الإمام أبو المظفر السمعاني: سبيل معرفة هذا الباب التوقيف من الكتاب والسنة دون محض القياس ومجرد العقول، فمن عدل عن التوقيف فيه ضل وتاه في بحار الحيرة، ولم يبلغ شفاء النفس، ولا يصل إلى ما يطمئن به القلب؛ لأن القدر سر من أسرار الله تعالى التي ضربت من دونها الأستار، واختص الله به، وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم؛ لما علمه من الحكمة. وواجبنا أن نقف حيث حدَّ لنا، ولا نتجاوزه، وقد طوى الله تعالى علم القدر على العالم، فلم يعلمه نبي مرسل، ولا ملك مقرب. وقيل: إن سر القدر ينكشف لهم إذا دخلوا الجنة، ولا ينكشف قبل دخولها. والله أعلم" (^٢).
وقال الآجري: "لا يحسن بالمسلمين التنقير والبحث في القدر؛ لأن القدر سر من أسرار الله ﷿، بل الإيمان بما جرت به المقادير من خير أو شر واجب على العباد أن يؤمنوا به، ثم لا يأمن العبد أن يبحث عن القدر فيكذب بمقادير الله الجارية على العباد، فيضل عن طريق الحق قال النبي - ﷺ -: "ما هلكت أمة قط إلا بالشرك بالله ﷿، وما أشركت أمة حتى يكون بدوُّ شركها التكذيب بالقدر"" (^٣).
ويقول الطحاوي - رحمه الله تعالى -: "وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم
_________________
(١) أخرجه الآجري في الشريعة ص ٢٣٥.
(٢) شرح النووي على مسلم ١٦/ ١٩٦. وراجع فتح الباري ١١/ ٤٧٧.
(٣) الشريعة للآجري ص ١٤١.
[ ٣ / ٢٢٢ ]
يطلع على ذلك ملك مقرب، ولا نبي مرسل، والتعمق في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان، فالحذر الحذر من ذلك نظرا وفكرا ووسوسة، فإن الله طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] " (^١).
وقال ابن عثيمين: "وهذا القدر قال بعض العلماء إنه سر من أسرار الله، وهو كذلك لم يُطلع الله عليه أحدا، لا ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا، إلا ما أوحاه الله ﷿ إلى رسله، وإلا فإنه سر مكتوم. قال تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤]. أو وقع فعلم به الناس. وإلا فإنه سر مكتوم، وإذا قلنا إنه سر مكتوم فإن هذا القول يقطع احتجاج العاصي بالقدر على معصيته. . ." (^٢).
٥ - ثمرات الإيمان بالقدر:
قال الشيخ ابن عثيمين: "وللإيمان بالقدر ثمرات جليلة منها:
الأولى: الاعتماد على الله تعالى، عند فعل الأسباب بحيث لا يعتمد على السبب نفسه لأن كل شيء بقدر الله تعالى.
الثانية: أن لا يعجب المرء بنفسه عند حصول مراده، لأن حصوله نعمة من الله تعالى بما قدره من أسباب الخير، والنجاح، وإعجابه بنفسه ينسيه شكر هذه النعمة.
الثالثة: الطمأنينة والراحة النفسية بما يجري عليه من أقدار الله تعالى فلا يقلق بفوات محبوب، أو حصول مكروه، لأن ذلك بقدر الله الذي له ملك السماوات والأرض، وهو كائن لا محالة وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي
_________________
(١) شرح الطحاوية ٢٧٦. للاستزادة انظر فتاوى الشيخ ابن باز ص ٤٧٦، ٤٧٩. القضاء والقدر عمر الأشقر ٢٩/ ٣٦.
(٢) مجموع الفتاوى لابن عثيمين ١٠/ ١٠٠١. وانظر: القول المفيد لابن عثيمين ط ١ - ٣/ ١٧٦.
[ ٣ / ٢٢٣ ]
فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣)﴾ [الحديد: ٢٢ - ٢٣]. ويقول النبي - ﷺ -: "عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له" (^١) " (^٢).
٦ - مسألة: الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي:
قال الشيخ ابن عثيمين: "والإيمان بالقدر على ما وصفنا لا يمنح العبد حجة على ما ترك من الواجبات أو فعل من المعاصي، وعلى هذا فاحتجاجه به باطل من وجوه:
الأول: قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨]. ولو كان لهم حجة بالقدر ما أذاقهم الله بأسه.
الثاني: قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥]. ولو كان القدر حجة للمخالفين لم تنتف بإرسال الرسل، لأن المخالفة بعد إرسالهم واقعة بقدر الله تعالى.
الثالث: ما رواه البخاري أن النبي - ﷺ - قال: "ما منكم من أحد إلا قد كتب مقعده. . ." الحديث (^٣). وفي لفظ لمسلم: "فكل ميسر لما خلق له" فأمر النبي - ﷺ - بالعمل ونهى عن الاتكال على القدر.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٩٩٩).
(٢) شرح ثلاثة الأصول من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ١١٣، ١١٤.
(٣) سبق تخريجه.
[ ٣ / ٢٢٤ ]
الرابع: أن الله تعالى أمر العبد ونهاه، ولم يكلفه إلا ما يستطيع، قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. وقال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. ولو كان العبد مجبرا على الفعل لكان مكلفا بما لا يستطيع الخلاص منه، وهذا باطل ولذلك إذا وقعت منه المعصية بجهل، أو نسيان أو إكراه، فلا إثم عليه لأنه معذور.
الخامس: أن قدر الله تعالى سر مكتوم لا يعلم به إلا بعد وقوع المقدور، وإرادة العبد لما يفعله سابقة على فعله فتكون إرادته الفعل غير مبنية على علم منه بقدر الله وحينئذ تنتفي حجته بالقدر إذ لا حجة للمرء فيما لا يعلمه.
السادس: أننا نرى الإنسان يحرص على ما يلائمه من أمور دنياه حتى يدركه ولا يعدل عنه إلى ما لا يلائمه ثم يحتج على عدوله بالقدر، فلماذا يعدل عما ينفعه في أمور دينه إلى ما يضره ثم يحتج بالقدر؟! أفليس شأن الأمرين واحدًا؟!
وإليك مثالًا يوضح ذلك: لو كان بين يدي الإنسان طريقان أحدهما ينتهي يه إلى بلد كلها فوضى، وقتل، ونهب، وانتهاك للأعراض، وخوف، وجوع، والثاني ينتهي به إلى بلد كلها نظام، وأمن مستتب، وعيش رغيد، واحترام للنفوس والأعراض والأموال، فأي الطريقين يسلك؟ إنه سيسلك الطريق الثاني الذي ينتهي به إلى بلد النظام والأمن، ولا يمكن لأي عاقل أبدا أن يسلك طريق بلد الفوضى، والخوف، ويحتج بالقدر فلماذا يسلك في أمر الآخرة طريق النار دون الجنة ويحتج بالقدر؟!
مثال آخر: نرى المريض يؤمر بالدواء فيشربه ونفسه لا تشتهيه، وينهى عن الطعام الذي يضره فيتركه ونفسه تشتهيه، كل ذلك طلبا للشفاء والسلامة، ولا يمكن أن يمتنع عن شرب الدواء أو يأكل الطعام الذي يضره ويحتج بالقدر فلماذا يترك الإنسان ما أمر الله ورسوله، أو يفعل ما نهى الله ورسوله ثم يحتج بالقدر؟!
[ ٣ / ٢٢٥ ]
السابع: أن المحتج بالقدر على ما تركه من الواجبات أو فعله من المعاصي لو اعتدى عليه شخص فأخذ ماله أو انتهك حرمته ثم احتج بالقدر، وقال: لا تلمني فإن اعتدائي كان بقدر الله، لم يقبل حجته. فكيف لا يقبل الاحتجاج بالقدر في اعتداء غيره عليه ويحتج به لنفسه في اعتدائه على حق الله تعالى؟!
ويذكر أن - أمير المؤمنين - عمر بن الخطاب - ﵁ - رفع إليه سارق استحق القطع، فأمر بقطع يده فقال: مهلًا يا أمير المؤمنين، فإنما سرقت بقدر الله. فقال عمر: ونحن إنما نقطع بقدر الله" (^١).
٧ - حكم الاحتجاج بالقدر عند المصائب:
روى مسلم أن رسول الله - ﷺ - قال: "احتج آدم وموسى فقال موسى: يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة. فقال له آدم: أنت موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك بيده، أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ فقال النبي - ﷺ - فحج آدم موسى، فحج آدم موسى" (^٢).
فالاحتجاج بالقدر على المصيبة جائز فإن آدم ﵇ احتج بالقدر على المصيبة وهي الخروج من الجنة، وقد حاجه موسى ﵇ بذلك حيث قال: "لماذا أخرجتنا من الجنة"؟ فكانت الحجة لآدم على موسى. والله ﷾ قد كتب أن آدم وذريته يعيشون في الأرض وقد خلقهم لذلك كما أخبر تعالى بقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠].
فكانت الحجة لآدم على موسى ولم تكن محاجة موسى لآدم ﵉ على
_________________
(١) شرح ثلاثة الأصول من مجموع فتاوى ابن عثيمين ٦/ ١١٢.
(٢) أخرجه البخاري (٣٤٠٩) (٤٧٣٦) (٤٧٣٨) (٦٦١٤) (٧٥١٥)، ومسلم (٢٦٥٢).
[ ٣ / ٢٢٦ ]
المعصية وهي الأكل من الشجرة حيث لم يَلُم على ذلك وموسى ﵇ أعلم من أن يلومه على ذنب تاب منه وتاب الله عليه، وآدم التي أعلم من أن يحتج بالقدر على أن المذنب لا ملام عليه والله أعلم.
قال الحافظ ابن رجب: "لمَّا التقى آدم وموسى ﵉ عاتبه موسى على إخراجه نفسه وذريته من الجنة، فاحتج آدم بالقدر السابق. والاحتجاج بالقدر على المصائب حسن، كما قال النبي - ﷺ -: "إن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا كان كذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل" كما قيل:
والله لولا سابق الأقدار لم تبعد قط داركم عن داري
من قبل النأي جرية المقدار هل يمحو العبد ما قضاه الباري" (^١)
٨ - مسألة في بعض النصوص التي يتوهم الناظر معارضتها للقدر:
وردت بعض النصوص ظاهرها التعارض مع القدر ومن ذلك:
- قول الله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩].
- وعَنْ أَنَسِ بن مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "مَنْ سَرَّهُ أنْ يُبْسَطَ لَهُ في رِزْقِهِ أَوْ يُنْسَأَ له في أثَرِهِ (^٢) فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ" (^٣).
- وعَنْ سَلمَان قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لا يَرُدُّ القَضَاءَ إلَا الدُّعاءُ ولا يَزِيدُ في العُمْرِ إلا البِرُّ" (^٤).
_________________
(١) لطائف المعارف ١١٧.
(٢) قال في تحفة الأحوذي: "والمَعْنَى أنَّهَا سَبَبٌ لِتَأْخِيرِ الأَجَلِ وَمُوجِبٌ لِزِيَادَةِ العُمُرِ، وَقِيلَ بَاعِثُ دَوَامٍ واسْتِمَرَارٍ فِي النَّسْلِ" تحفة الأحوذي شرح حديث رقم ١٩٠٢.
(٣) أخرجه البخاري (٢٠٦٧)، (٥٩٨٦). ومسلم (٢٥٥٧). وأبو داود (١٤٤٣).
(٤) أخرجه الترمذي (٢٠٣٩).
[ ٣ / ٢٢٧ ]
- وعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "لا يَزِيدُ فِي العُمْرِ إِلا البِرُّ ولا يَرُدُّ القَدَرَ إِلا الدُّعَاءُ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِخَطِيئَةٍ يَعْمَلُهَا" (^١).
- وعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لَهَا: "إِنَّهُ مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ الرِّفْقِ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَصِلَةُ الرَّحِمِ وَحُسْنُ الخُلُقِ وَحُسْنُ الجِوَارِ يَعْمُرَانِ الدِّيَارَ وَيَزِيدَانِ فِي الأَعْمَارِ" (^٢).
- وَلأَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيث أَنَس رَفَعَهُ "إِنَّ الصَّدَقَة وَصِلَة الرَّحِم يَزِيد الله بِهِمَا فِي العُمُر، وَيَدْفَع بِهِمَا مِيتَة السُّوء" (^٣).
فهذه النصوص قد يوهم ظاهرها أنها تعارض الآيات والأحاديث السابقة، كما أن ظاهرها يعارض الحديث الذي في مسلم وفيه قَالَتْ أُمّ حَبِيبَة: اللهُمَّ أَمْتِعْنِي بِزَوْجِي رَسُول الله - ﷺ - وَبِأَبِي أَبِي سُفْيَان، وَبِأَخِي مُعَاوِية فَقَالَ النَّبِيّ - ﷺ -: "قَدْ سَأَلت الله ﷿ لِآجَالٍ مَضْرُوبَة، وَأَيَّام مَعْدُودَة، وَأَرْزَاق مَقْسُومَة، وَلَنْ يُعَجِّل شَيْئًا قَبْل حِلّه، أَوْ يُؤَخِّر شَيْئًا عَنْ حِلّه، وَلَوْ كُنْت سَأَلت الله أَنْ يُعِيذك مِنْ عَذَاب فِي النَّار، أَوْ عَذَابٍ فِي القَبْر، كَانَ خَيْرًا وَأَفْضَل" (^٤).
* وللجمع بين هذه النصوص نورد ما ذكره العلماء في ذلك:
قال ابن كثير: "قال عكرمة عن ابن عباس الكتاب كتابان فكتاب يمحو الله منه ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب" (^٥).
قال النووي: "وَأَمَّا التَّأْخِير فِي الأَجَل فَفِيهِ سُؤَال مَشْهُور، وَهُوَ أَنَّ الآجَال
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه (٩٠) (٤٠٢٢).
(٢) أخرجه الإمام أحمد (٢٥٧٧٣).
(٣) أخرجه أبو يعلى وقال ابن حجر: سنده ضعيف انظر: فتح الباري ١٠/ ٤٣٠ عند شرح الحديث رقم (٥٩٨٥) (٥٩٨٦).
(٤) أخرجه مسلم (٢٦٦٣).
(٥) تفسير ابن كثير ٢/ ٥٢١.
[ ٣ / ٢٢٨ ]
وَالأَرْزَاق مُقَدَّرَة لا تَزِيد وَلا تَنْقُص ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤] وَأَجَابَ العُلَمَاء بِأَجْوِبَةٍ:
الصَّحِيح مِنْهَا أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَة بِالبَرَكَةِ فِي عُمْره، وَالتَّوْفِيقِ لِلطَّاعَاتِ، وَعِمَارَة أَوْقَاته بِمَا يَنْفَعهُ فِي الآخِرَة، وَصِيَانَتهَا عَنْ الضَّيَاع فِي غَيْر ذَلِكَ.
وَالثانِي: أنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَظْهَر لِلمَلائِكَةِ وَفِي اللوْح المَحْفُوظ، وَنَحْو ذَلِكَ، فَيَظْهَر لَهُمْ فِي اللوْح أَنَّ عُمْره سِتُّونَ سَنَة إِلا أَنْ يَصِل رَحِمه فَإِنْ وَصَلَهَا زِيدَ لَهُ أَرْبَعُونَ، وَقَدْ عَلِمَ الله ﷾ مَا سَيقَعُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ مِنْ مَعْنَى قَوْله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ فَبِالنِّسْبةِ إِلَى عِلم الله تَعَالَى، وَمَا سَبَقَ بِهِ قَدَره وَلا زِيَادَة بَل هِيَ مُسْتَحِيلَة، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا ظَهَرَ لِلمَخْلُوقِينَ تُتَصَوَّر الزِّيَادَة، وَهُوَ مُرَاد الحَدِيث.
وَالثَّالِث: أَنَّ المُرَاد بَقَاء ذِكْره الجَمِيل بَعْده، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَمُتْ. حَكَاهُ القَاضِي، وَهُوَ ضَعِيف أَوْ بَاطِل وَاللهُ أَعْلَم" (^١).
وقال في تحفة الأحوذي: "وَقَالَ فِي اللُّمَعَاتِ: وَالمُرَادُ بِتَأْخِيرِ الأَجَلِ بِالصِّلَةِ إِمَّا حُصُولُ البَرَكَةِ وَالتَّوْفِيقُ فِي العَمَل وَعَدَم ضَيَاع العُمُر فَكَأَنَّهُ زَادَ، أَوْ بمَعْنى أَنَّهُ سَبَبٌ لِبَقَاءِ ذِكْرِهِ الجَمِيلِ بَعْدَه، أَو وُجُودَ الذُّرِّيَّةَ الصَّالِحَةِ. وَالتَّحْقيقُ أَنَّهَا سَبَبٌ لِزِيَادَةِ العُمُرِ كَسَائِرِ أَسْبَابِ العَالَمِ. فَمَنْ أَرَادَ اللهُ تَعَالَى زِيادَةَ عُمُرِهِ وَفَّقَهُ لِصِلَةِ الأَرْحَامِ، وَالزِّيَادَةُ إِنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الخَلقِ، وَأَمَّا فِي عِلمِ الله فَلا زِيادَةَ وَلا نُقْصَانَ، وَهُوَ وَجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ - ﷺ -: "جَفَّ القَلَمْ بِمَا هُوَ كَائِنٌ"، وَقَولهُ تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ " (^٢).
وفي قول النبي - ﷺ -: "قَدْ سَأَلت الله ﷿ لآجَالٍ مَضْرُوبَة، وَأيَّام مَعْدُودَة، وَأَرْزَاق
_________________
(١) شرح مسلم للنووي ١٦/ ١١٤.
(٢) تحفة الأحوذي ٦/ ٩٧.
[ ٣ / ٢٢٩ ]
مَقْسُومَة، وَلَنْ يُعَجِّل شَيْئًا قَبْل حِلّه، أَوْ يُؤَخِّر شَيْئًا عَنْ حِلّه". قال النووي ﵀: "وَهَذَا الحَدِيث صَرِيح فِي أَنَّ الآجَال وَالأَرْزَاق مُقَدَّرَة لا تتغَيَّر عَمَّا قَدَّرَهُ الله تَعَالَى وَعَلِمَهُ فِي الأَزَل، فَيَسْتَحِيل زِيادَتهَا وَنَقْصهَا حَقِيقَة عَنْ ذَلِكَ.
وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي حَدِيث صِلَة الرَّحِم تَزِيد فِي العُمْر وَنَظَائِره فَقَدْ سَبَقَ تَأْوِيله فِي بَاب صِلَة الأَرْحَام وَاضِحًا. قَالَ المَازِرِيُّ هُنَا: قَدْ تَقَرَّرَ بِالدَّلائِلِ القَطْعِيَّة أَنَّ الله تَعَالَى أَعْلَم بِالآجَالِ وَالأَرْزَاق وَغَيْرهَا، وَحَقِيقَة العِلم مَعْرِفَة المَعْلُوم عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، فَإِذَا عَلِمَ الله تَعَالَى أَنَّ زَيْدًا يَمُوت سِنّه خَمْسمِائَةٍ اسْتَحَالَ أَنْ يَمُوت قَبْلهَا أَوْ بَعْدهَا لِئَلا يَنْقَلِب العِلم جَهْلًا، فَاسْتَحَالَ أَنَّ الآجَال الَّتِي عَلِمَهَا الله تَعَالَى تَزِيد وَتَنْقُص، فَيَتَعَيَّن تَأْوِيل الزِّيَادَة أَنهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَلَك المَوْت أَوْ غَيْره مِمَّنْ وَكَّلَهُ الله بِقَبْضِ الأَرْوَاح، وَأَمَرَهُ فِيهَا بِآجَالٍ مَمْدُودَة فَإِنَّهُ بَعْد أَنْ يَأْمُرهُ بذَلِكَ أَوْ يُثْبِتهُ فِي اللوْح المَحْفُوظ يَنْقُص مِنْهُ وَيزِيد عَلَى حَسَب مَا سَبَقَ بِهِ عِلمه فِي الأَزَل، وَهُوَ مَعْنَى قَوْله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ وَعَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ يُحْمَل قَوْله تعالى: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ " (^١).
وقال ابن حجر: "قَالَ ابْن التِّين: ظَاهِر الحَدِيث يُعَارِض قَوْله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ وَالجَمْع بَيْنهمَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدهمَا: أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَة كِنَايَة عَنْ البَرَكَة فِي العُمُر بِسَبَبِ التَّوْفِيق إِلَى الطَّاعَة، وَعُمَارَة وَقَتَهُ بِمَا يَنْفَعهُ فِي الآخِرَة، وَصِيَانَته عَنْ تَضْيِيعه فِي غَيْره ذَلِكَ. وَمِثْل هَذَا مَا جَاءَ أَنَّ النَّبِيّ - ﷺ - تَقَاصَرَ أَعْمَار أُمَّته بِالنِّسْبَةِ لِأَعْمَارِ مَنْ مَضَى مِنْ الأُمَم فَأَعْطَاهُ الله لَيْلَة القَدْر. وَحَاصِله أَنَّ صِلَة الرَّحِم تَكُون سَبَبًا لِلتَّوْفِيقِ لِلطَّاعَةِ وَالصِّيَانَة عَنْ المَعْصِيَة فَيَبْقَى بَعْده الذِّكْر الجَمِيل، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَمُتْ. وَمِنْ جُمْلَة مَا يَحْصل لَهُ مِنْ
_________________
(١) شرح مسلم للنووي ١٦/ ٢١٣.
[ ٣ / ٢٣٠ ]
التَّوْفِيق العِلم الَّذِي يَنتفِع بِهِ مَنْ بَعْده، وَالصَّدَقَة الجَارِية عَلَيْهِ، وَالخَلَف الصَّالِح.
ثَانِيهمَا: أَنَّ الزِّيَادَة عَلَى حَقِيقَتهَا، وَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلم المَلَك المُوَكَّل بِالعُمُرِ، وَأَمَّا الأَوَّل الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَة فَبِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلم الله تَعَالَى، كَأَنْ يُقَال لِلمَلَكِ مَثَلًا: إِنَّ عُمْر فُلان مِائَة مَثَلًا إِنْ وَصَلَ رَحِمه، وَسِتُّونَ إِنْ قَطَعَهَا. وَقَدْ سَبَقَ فِي عِلم الله أَنَّهُ يَصِل أَوْ يَقْطَع، فَالَّذِي فِي عِلم الله لا يَتَقَدَّم وَلا يَتَأَخَّر، وَالَّذِي فِي عِلم المَلَك هُوَ الَّذِي يُمْكِن فِيهِ الزِّيَادَة وَالنَّقْص وَإِلَيْهِ الإشَارَة بِقَوْلِهِ تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ المَحْو وَالإثْبَات بِالنِّسْبَةِ عِلم المَلَك، وَمَا فِي أُمّ الكِتَاب هُوَ الَّذِي فِي عِلم اللهِ تَعَالَى فَلا مَحْو فِيهِ البَتَّة. ويُقَال لَهُ القَضَاء المُبْرَم، ويُقَال لِلأَوَّلِ القَضَاء المُعَلَّق. وَالوَجْه الأَوَّل أَليَق بِلَفْظِ حَدِيث البَاب، فَإِنَّ الأَثَر مَا يَتْبَع الشَّيْء، فَإِذا أُخِّرَ حَسُنَ أَنْ يُحْمَل عَلَى الذِّكْر الحَسَن بَعْد فَقْد المَذْكُور.
وَقَدْ وَرَدَ فِي تَفْسِيره وَجْه ثَالِث، فَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي "الصَّغير" بِسَنَدٍ ضَعِيف عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء قَالَ: ذُكِرَ عِنْد رَسُول الله - ﷺ - مَنْ وَصَلَ رَحِمه أُنْسئَ لَهُ فِي أَجَله، فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ زِيادَة فِي عُمُره، قَالَ الله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ الآيَة؛ وَلَكِنَّ الرَّجُل تَكُون لَهُ الذُّرِّيَّة الصَّالِحَة يَدْعُونَ لَهُ مِنْ بَعْده".
وَلَهُ فِي "الكَبِير" مِنْ حَدِيث أَبِي مُشَجِّعَة الجُهَنِيّ رَفَعَهُ "إِنَّ الله لا يُؤَخِّر نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلهَا، وَإِنَّمَا زِيَادَة العُمُر ذُرِّيَّة صَالِحَة" الحَدِيث.
وَجَزَمَ ابْن فَوْرَك بِأَنَّ المُرَاد بِزِيَادَةِ العُمُر نَفْي الآفَات عَنْ صَاحِب البِرّ فِي فَهْمه وَعَقْله. وَقَالَ غَيْره فِي أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ وَفِي وُجُود البَرَكَة فِي رِزْقه وَعِلمه وَنَحْو ذَلِكَ" (^١).
وفي قول النبي - ﷺ -: "من سره أن يبسط له في رزقه. . . " الحديث، قال شيخ الإسلام: "وقد قال بعض الناس إن المراد به البركة في العمر بأن يعمل في الزمن
_________________
(١) فتح الباري ١٠/ ٤٣٠ عند شرح الحديث رقم (٥٩٨٥) (٥٩٨٦).
[ ٣ / ٢٣١ ]
القصير ما لا يعمله غيره إلا في الكثير. قالوا: لأن الرزق والأجل مقدران مكتوبان.
فيقال لهؤلاء: تلك البركة وهي الزيادة في العمل والنفع هي أيضًا مقدرة مكتوبة وتتناول لجميع الأشياء.
والجواب المحقق: أن الله يكتب للعبد أجلًا في صحف الملائكة فإذا وصل رحمه زاد في ذلك المكتوب، وإن عمل ما يوجب النقص نقص من ذلك المكتوب. ونظير هذا ما في الترمذي وغيره عن النبي - ﷺ -: "إن آدم لما طلب من الله أن يريه صورة الأنبياء من ذريته فأراه إياهم فرأى فيهم رجلًا له بصيص فقال: من هذا يا رب؟ فقال: ابنك داود. قال: فكم عمره؟ قال: أربعون سنة. قال: وكم عمري؟ قال: ألف سنة. قال: فقد وهبت له من عمري ستين سنة، فكتب عليه كتاب، وشهدت عليه الملائكة، فلما حضرته الوفاة قال: قد بقي من عمري ستون سنة قالوا: وهبتَها لابنك داود. فأنكر ذلك فأخرجوا الكتاب". قال النبي - ﷺ -: "فنسي آدم فنسيت ذريته، وجحد آدم فجحدت ذريته".
وروي "أنه كمل لآدم عمره ولداود عمره، فهذا داود كان عمره المكتوب أربعين سنة ثم جعله ستين، وهذا معنى ما روي عن عمر أنه قال: اللهم إن كنت كتبتني شقيًا فامحني واكتبني سعيدًا، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، والله سبحانه عالم بما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون فهو يعلم ما كتبه له وما يزيده إياه بعد ذلك، والملائكة لا علم لهم إلا ما علمهم الله - والله يعلم الأشياء قبل كونها وبعد كونها؛ فلهذا قال العلماء إن المحو والإثبات في صحف الملائكة - وأما علم الله سبحانه فلا يختلف ولا يبدو له ما لم يكن عالما به فلا محو فيه ولا إثبات - وأما اللوح المحفوظ فهل فيه محو وإثبات على قولين، والله ﷾ أعلم" (^١).
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٤/ ٤٩٠ - ٤٩٢.
[ ٣ / ٢٣٢ ]
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ قال السعدي ﵀: "وهذا المحو والتغيير في غير ما سبق به علمه، وكتبه قلمه، فإن هذا لا يقع فيه تبديل ولا تغيير؛ لأن ذلك محال على الله أن يقع في علمه نقص، أو خلل، ولهذا قال: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أي: اللوح المحفوظ، الذي ترجع إليه سائر الأشياء، فهو أصلها، وهي فروع وشُعب.
فالتغيير والتبديل يقع في الفروع والشعب كأعمال اليوم والليلة، التي تكتبها الملائكة، ويجعل الله لثبوتها أسبابًا، ولمحوها أسبابًا، لا تتعدى تلك الأسباب، ما رسم في اللوح المحفوظ كما جحل الله البر والصلة والإحسان من أسباب طول العمر، وسعة الرزق والعمر، وكما جعل أسباب النجاة من المهالك والمعاطب، سببًا للسلامة، وجعل التعرض لذلك سببًا للعطب، فهو الذي يدبر الأمور بحسب قدرته وإرادته، وما يدبره منها لا يخالف ما قد علمه وكتبه، في اللوح المحفوظ" (^١).
وقد سئل الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ عن الدعاء والصدقة هل يردان القضاء والقدر، فذكر الآيات والأحاديث الدالة على أن قدر الله ﷿ ماضٍ في عباده، ثم قال: "وقد ثبت عنه - ﷺ - ما يدل على أن الحوادث معلقة بأسبابها، كما في قوله - ﷺ -: "إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، وإن البر يزيد في العمر، ولا يرد القدر إلا الدعاء" ومراده - ﷺ - أن القدر المعلق بالدعاء يرده الدعاء، وهكذا قوله - ﷺ -: "من أحب أن يُبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أجله فليصل رحمه". فالأقدار تردها الأقدار التي جعلها الله سبحانه مانعة لها، والأقدار المعلقة على وجود أشياء كالبر والصلة والصدقة توجد عند وجودها، وكل ذلك داخل في القدر العام المذكور في
_________________
(١) تفسير ابن سعدي ص ٣٧٤.
[ ٣ / ٢٣٣ ]
قوله سبحانه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، وقوله - ﷺ -: "وتؤمن بالقدر خيره وشره"، ومن هذا قوله - ﷺ -: "الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار". وروي عنه - ﷺ - أنه قال: "إن صدقة السر تطفئ غضب الله وتدفع ميتة السوء" " (^١).
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل للدعاء تأثير في تغيير ما كتب للإنسان قبل خلقه؟
فأجاب بقوله: "لا شك أن للدعاء تأثيرًا في تغيير ما كتب، لكن هذا التغيير قد كتب أيضًا بسبب الدعاء، فلا تظن أنك إذا دعوت الله فإنك تدعو بشيء غير مكتوب، بل الدعاء مكتوب وما يحصل به مكتوب، ولهذا نجد القارئ يقرأ على المريض فيشفى، وقصة السرية التي بعثها النبي - ﷺ - فنزلوا ضيوفًا على قوم ولكنهم لم يضيفوهم، وقدر أن لدغت حية سيدهم فطلبوا من يقرأ عليه، فاشترط الصحابة أجرة على ذلك، فأعطوهم قطيعًا من الغنم، فذهب أحدهم فقرأ عليه الفاتحة، فقام اللديغ كأنما نشط من عقال، أي كأنه بعير فك عقاله، فقد أثرت القراءة في شفاء المريض.
فللدعاء تأثير لكنه ليس تغييرًا للقدر، بل هو مكتوب بسببه المكتوب، وكل شيء عند الله بقدر، وكذلك جميع الأسباب لها تأثير في مسبباتها بإذن الله، فالأسباب مكتوبة والمسببات مكتوبة" (^٢).
٩ - حكم سب القدر:
لا يجوز سب القدر أو الاستهزاء به بل ذلك كفر بالله ﷿ وقد سئل الشيخ ابن باز عن كلام ورد في صحيفة محلية وفيه: "منصور البالغ من العمر ١٣ ربيعًا مزدهرًا برحيق الصبا، كان على موعد مع الحزن والأسى ولعبة القدر العمياء. ثم:
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن باز ٢/ ٤٩٠ - ٤٩١.
(٢) مجموع فتاوى ابن عثيمين ٢/ ٩٣، ٩٤.
[ ٣ / ٢٣٤ ]
ولكن القدر المترصد لمنصور لم يحكم لعبته الأزلية "إلخ.
فقال الشيخ ابن باز ﵀: "هذا الكلام وأشباهه من المنكرات العظيمة بل من الكفر البواح اعتراضًا على الله سبحانه وسبًا لما سبق به علمه واستهزاء بذلك، فعك من قال ذلك أن يتوب إلى الله سبحانه توبة صادقة" (^١).