وتسمى القبورُ المبنيةُ بالقبورِ المشرِفة أي: المرتفعة.
قال الشيخ ابن عثيمين: "والإشراف له وجوه:
الأول: أن يكون مشرفًا بكبر الأعلام التي توضع عليه، وتسمى عِنْدَ الناس "نصائل" أو "نصائب". ونصائب أصح لغة من نصائل.
الثاني: أن يبني عليه وهذا من كبائر الذنوب؛ لأن النبي -ﷺ-: "لعن المتخذين عليها المساجد والسرج".
الثالث: أن تُشرف بالتلوين، وذلك بأن يوضع على أعلامها ألوان مزخرفة
الرابع: أن يرفع تراب القبر عمّا حوله فيكون بيِّنًا ظاهرًا.
_________________
(١) * شَرحُ السُنَّةِ للبَغوي ٥/ ٤٠٣ - ٤٠٥. أحكام القرآن للقرطبي ١٠/ ٣٨٠. المغني لابن قدامة ٢/ ٥٠٧ والمجموع للنووي ٥/ ٢٩٦. المحلى بالآثار لابن حزم ٣/ ٣٥٦. اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ٧٧، ٣٤٢ - ٢/ ٦٦٩، ٦٧١. تفسير سورة الإخلاص ص ١٧٠. الآداب الشرعية لابن مفلح ٣/ ٤٠٦. الإنصاف ٢/ ٥٤٨ - ٥٤٩. شرح الصدور بتحريم رفع القبور تأليف محمد بن علي الشوكاني. الدرر السنية ٢/ ١٨٨، ٥/ ٩٦، ١١/ ١٩٥، ٤٧٤. الدين الخالص حسن القنوجي ٣/ ٥٧٤ - ٤/ ٦٠. كتاب البناء على القبور للشيخ المعلمي تحقيق حاكم المطيري. شفاء الصدور في الرد على الجواب المشكور ص ٧٢. أحكام الجنائز الألباني ٢٦٤ رقم ٢١٠. تيسير العزيز الحميد ٣١٩ - ٣٤٧. مجموع فتاوى ابن عثيمين ٩/ ١٠، ٣٩٣، ٣٩٤/ ١٠٣٦. وانظر القول المفيد ط ١ - ١/ ٤٠٤، ٣/ ٢١٣. فتاوى اللجنة الدائمة ١/ ٢٧٤. مجموع الفتاوى لابن باز ٢/ ٧٤٣، ٧٨٧. نور على الدرب ابن باز ص ٢٧٨١. مجموع االفتاوى لابن عثيمين ٢/ ٢٣٣ - ٢٤٦. المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة الأحمدي ٢/ ١٦٨. منهج الشافعي في إثبات العقيدة ص ٢٥٨ - ٢٤٤ - ٢٥٩ ابن رجب وأثره في توضيح العقيدة للغفيلي ص ٤٩١. عقيدة الامام ابن عبد البر للغصن ص ١٦١. التبرك د. ناصر الخديع ص ٤١٢.جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية ١٦١١ - ١٦١٨.
[ ١ / ٣٢٥ ]
فكل شيء مشرف أي: ظاهر على غيره متميز عن غيره يجب أن يسوى بغيره لئلا يؤدي ذلك إلى الغلو في القبور والشرك" (^١).
والأصل في القبر أن يكون مسنمًا مرتفعًا قدر شبر لا يزيد عن ذلك أما رفعه فوق الأرض بالبناء عليها سواء كان البنيان مسجدًا أو قبة أو غير ذلك، فقد جاءت الأحاديث في التحذير من ذلك والنهي عنه.
* الدليل من السنة: عَنْ جَابرٍ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ" (^٢).
وعن أبي سعيد الخدري -﵁- أن النبي -ﷺ-: "نهى أن يبنى على القبر" (^٣).
وعن جابر -﵁- قال: "نهى رسول الله -ﷺ-: أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه" (^٤).
عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب -﵁-: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله -ﷺ-: أن لا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته" (^٥).
قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "وقد أجمع العلماء على النهي عن البناء على القبور وتحريمه ووجوب هدمه لهذه الأحاديث الصريحة التي لا مطعن فيها بوجه من الوجوه، ولا فرق في ذلك بين البناء في مقبرة مسبلة، أو مملوكة، إلا أنه في المملوكة أشد. ولا عبرة بمن شذ من المتأخرين فأباح ذلك، إما مطلقا وإما في المملوكة.
_________________
(١) مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٠/ ١٠٣٦، ١٠٣٧. وانظر القول المفيد ط ١ - ٣/ ٢١٣.
(٢) أخرجه مسلم (٩٧٠).
(٣) أخرجه ابن ماجه (١٥٦٤). قال البوصيري: إسناد رجاله ثقات إلا أنه منقطع.
(٤) أخرجه مسلم (٩٧٠).
(٥) أخرجه مسلم (٩٦٩).
[ ١ / ٣٢٦ ]
قال الإمام أبو محمد بن قدامة: ولا يجوز اتخاذ المساجد على القبور لأن النبي -ﷺ- قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (^١). يحذر ما صنعوا. ولأن تخصيص القبور بالصلاة عِنْدَها يشبه تعظيم الأصنام بالسجود لها والتقرب إليها، وقد روينا أن ابتداء عبادة الأصنام تعظيم الأموات باتخاذ صورهم والتمسح بها والصلاة عِنْدَها.
وقال شيخ الإسلام: أما بناء المساجد على القبور فقد صرح عامة علماء الطوائف بالنهي عنه متابعة للأحاديث الصحيحة، وصرح أصحابنا وغيرهم من أصحاب مالك والشافعي، بتحريمه. قال: ولا ريب في القطع بتحريمه" (^٢).
وقال ابنُ حَزْمٍ: "ولا يحل أن يبنى القبر، ولا أن يجصص، ولا أن يزاد على ترابه شيء ويهدم كل ذلك" (^٣).
وقد ألف الشوكاني ﵀ كتابًا مستقلًا في ذلك وسماه شرح الصدور بتحريم رفع القبور ومما قال: "اعلم أنه قد اتفق الناس سابقهم ولاحقهم وأولهم وآخرهم من لدن الصحابة -﵃- إلى هذا الوقت أن رفع القبور والبناء عليها بدعة من البدع التي ثبت النهي عنها واشتد وعيد رسول الله لفاعلها" (^٤).
وقال الشوكاني ﵀: "والظاهر أن رفع القبور زيادة على القدر المأذون فيه محرم، وقد صرح بذلك أصحاب محمد، وجماعة الشافعي ومالك. قال: ومن رفع القبور الداخل تحت الحديث دخولا أوليا القبب والمشاهد على القبور، وأيضا هو من اتخاذ القبور مساجد، وقد لعن النبي -ﷺ- فاعل ذلك" (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٣٩٠)، ومسلم، ١٩ - (٥٢٩).
(٢) تيسير العزيز الحميد ص ٣٣٣.
(٣) المحلى ٥/ ٣٣.
(٤) شرح الصدور بتحريم رفع القبور ص ٧.
(٥) نيل الأوطار ٤/ ٧٢.
[ ١ / ٣٢٧ ]
* سبب التحذير من رفع البناء على القبر:
يقول العلامة الصنعاني في كلامه على البناء على القبور: "إنه ذريعة إلى تعظيم الميت، والطواف بقبره، والتماس أركانه، والنداء باسمه. وبالجملة إنه يصير صنما يعبد، وهذه بدعة عظيمة عمّت الدنيا، وعبد الناس القبور، وعظموها بالمشاهد والقباب، وزادوا على فعل الجاهلية، فأسرجوا عليها السرج والشموع، وجعلوا لها نصيبا من أموالهم، كما قال تعالى في المشركين: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ [النحل: ٥٦] وكما قالوا: ﴿هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٦] " (^١).
وقال سماحة الشيخ ابن باز ﵀: "فالبناء على القبور وتجصيصها ووضع الزينات عليها أو الستور كله منكر ووسيلة إلى الشرك، فلا يجوز وضع القباب أو الستور أو المساجد عليها" (^٢).
وقال ﵀: "إنما يعاد تراب القبر عليه ويرفع قدر شبر تقريبا حتى يعرف أنه قبر، هذه هي السنة في القبور التي درج عليها رسول الله -ﷺ- وأصحابه -﵃-. ولا يجوز اتخاذ المساجد عليها ولا كسوتها ولا وضع القباب عليها لقول النبي -ﷺ-: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (^٣) " (^٤).
وكل عاقل يعلم أن لزيادة الزخرفة للقبور، وإسبال الستور الرائعة عليها، وتسريجها، والتأنق في تحسينها تأثيرًا في طبائع غالب العوام، وينشأ عنه التعظيم،
_________________
(١) العدة على إحكام الأحكام ٣/ ٢٥٨ - ٢٥٩. نقلًا عن شفاء الصدور في الرد على الجواب المشكور ص ٧٢.
(٢) الفتاوى ص ٧٤٦.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) الفتاوى للشيخ ابن باز ﵀ ص ٧٤٤.
[ ١ / ٣٢٨ ]
والاعتقادات الباطلة، وهكذا إذا استعظمت نفوسهم شيئا مما يتعلق بالأحياء، وبهذا السبب اعتقد كثير من الطوائف الإلهية في أشخاص كثيرة (^١).
قال الشوكاني ﵀: "وكم قد نشأ عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكي لها الإسلام. منها اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفار للأصنام، وعظم ذلك فظنوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضر، فجعلوها مقصدا لطلب قضاء الحوائج، وملجأ لنجاح المطالب، وسألوا منها ما يسأله العباد من ربهم، وشدوا إليها الرحال وتمسحوا واستغاثوا، وبالجملة أنهم لم يدعوا شيئا مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه! فإنا لله وإنا إليه راجعون، ومع هذا المنكر الشنيع والكفر الفظيع لا تجد من يغضب لله ويغار حمية للدين الحنيف، لا عالمًا ولا متعلمًا، ولا أميرًا ولا وزيرًا ولا ملكًا، وقد توارد إلينا من الأخبار ما لا يشك معه أن كثيرًا من هؤلاء القبوريين أو أكثرهم إذا توجهت عليه يمين من جهة خصمه حلف بالله فاجرًا، فإذا قيل له بعد ذلك: احلف بشيخك ومعتقدك الولي الفلاني! تلعثم وتلكأ وأبى واعترف بالحق! وهذا من أبين الأدله الدالة على أن شركهم قد بلغ فوق شرك من قال: إنه تعالى ثاني اثنين، أو ثالث ثلاثة. فيا علماء الدين ويا ملوك المسلمين أي رزء للإسلام أشد من الكفر، وأي بلاء لهذا الدين أضر عليه من عبادة غير الله، وأي مصيبة يصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة، وأي منكر يجب إنكاره إن لم يكن إنكار هذا الشرك واجبًا؟!.
لقد أسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي
ولو نارًا نفختَ بها أضاءت ولكن أنت تنفخ في رماد" (^٢)
_________________
(١) شفاء الصدور في الرد على الجواب المشكور ص ٧١.
(٢) نيل الأوطار ٤/ ٧٢. وانظر أحكام الجنائز للألباني ص ٢٠٧.
[ ١ / ٣٢٩ ]
* شبهات حول البناء على القبور:
يتعلق بعض المجيزين للبناء بشبهات منها:
١ - قوله تعالى: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١] قالوا: إن الآية قبلها تدل على أنهم ماتوا فاتخذوا مسجدا على قبره فقص الله ﷿ هذا في كتابه ولم يصحبه بما يدل على حظره فدل هذا على جوازه.
وقولهم مردود فإن أولئك القائلين ليس فيها التصريح بأنهم كانوا مؤمنين صالحين بل هم من جملة من قال فيهم رسولنا -ﷺ-: "لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" وفي رواية: "وصالحيهم".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فبيوت الأوثان وبيوت النيران وبيوت الكواكب وبيوت المقابر: لم يمدح الله شيئًا منها، ولم يذكر ذلك إلا في قصة من لعنهم النبي -ﷺ-، قال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١].
فهؤلاء الذين اتخذوا على أهل الكهف مسجدًا: كانوا من النصارى الذين لعنهم النبي -ﷺ-، حيث قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" وفي رواية: "والصالحين"" (^١).
وظاهر الآيات في قصة أصحاب الكهف تدل على أن هروب الفتية أصلًا كان فرارًا بدينهم وفي قوله تعللى: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف: ٢٠].
قال الشيخ السعدي ﵀: "وذكروا المحذور من اطلاع غيرهم عليهم وظهورهم عليهم أنهم بين أمرين إما الرجم بالحجارة فيقتلونهم أشنع قتلة لحنقهم عليهم وعلى دينهم، وإما أن يفتنوهم عن دينهم، ويردوهم في ملتهم، وفي هذه
_________________
(١) الرد على البكري ٢/ ٥٦٧، ٥٦٨.
[ ١ / ٣٣٠ ]
الحال لا يفلحون أبدًا، بل يخسرون في دينهم ودنياهم وأخراهم" (^١).
ومن وجه آخر يُردُّ عليهم بأن قول الله ﷿: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾ يشعر بأنهم ذو جهل وضلال، وأما الحظر فقد جاء من رسول الله -ﷺ- حين لعن اليهود والنصارى لاتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد.
وقال ابن رجب في شرح حديث: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد": "وقد دل القرآن على مثل ما دل عليه هذا الحديث، وهو قول الله ﷿ في قصة أصحاب الكهف: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ فجعل اتخاذ القبور على المساجد من فعل أهل الغلبة على الأمور، وذلك يشعر بأن مستنده القهر والغلبة واتباع الهوى وأنه ليس فعل أهل العلم والفضل المتبعين لما أنزل اللهَ على رسله من الهدى" (^٢).
وقال ابن كثير: "حكى ابن جرير في القائلين ذلك قولين:
أحدهما: أنهم المسلمون منهم.
والثاني: أهل الشرك منهم، فالله أعلم. والظاهر أن الذين قالوا ذلك هم أصحاب الكلمة والنفوذ، ولكن هل هم محمودون أم لا؟ فيه نظر، لأن النبي -ﷺ- قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد. يحذر ما فعلوا" " (^٣).
وقال السيوطي: "وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي .. فقال الملك: "لأتخذن عِنْدَ هؤلاء القوم الصالحين مسجدًا .. "، وقال: وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم
_________________
(١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ص ٤٢٣.
(٢) فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب ٢/ ٣٩٧.
(٣) تفسير ابن كثير ٣/ ٨٢.
[ ١ / ٣٣١ ]
عن قتادة في قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾ قال: "هم الأمراء أو قال السلاطين"" (^١).
وقال المعلمي في بيان قول الله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾: "والغالب أن الغلبة تكون سببًا للمعصية، والغالب في الأمم السابقة أن الغلبة إنما تكون للضالين، والغالب في الأمم السابقة أيضًا التكذيب بالآيات، والضلال فيها نوع من التكذيب بها، قال الله ﷿: ﴿مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]، وقال ﵎: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (١٠٢)﴾ [الأعراف: ١٠٢] وعلى كل حال فوصف هؤلاء بالغلبة مع وصف مقابليهم بما تقدم، يشعر بأنهم ذو جهل وغلو، واتخاذ المسجد لا ينافي الجهل والغلو كما لا يخفى" (^٢).
ولا يقال في هذا المقام أننا غير متعبدين بشرع من قبلنا، أو أن شريعة من قبلنا ليست شريعة لنا، فإن اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد ليس من شرع الله قط، لا في أمة محمد -ﷺ- ولا في الأمم قبلها، ولو كان ذلك شرعًا من شرع الله لِمَنْ كان قبلنا لم يستحقوا لعن النبي -ﷺ- بشيء فعلوه قد أتى به شرعهم الذي بُعثت به أنبياؤهم.
قال الألوسي ﵀: "وكيف يمكن أن يكون اتخاذ المساجد على القبور من الشرائع المتقدمة مع ما سمعت من لعن اليهود والنصارى حيث اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (^٣).
وأخيرًا نقول: إن الاستدلال بهذه الآية على جواز اتخاذ المساجد على القبور مع
_________________
(١) الدر المنثور للسيوطي ٤/ ٣٩٢.
(٢) البناء على القبور للمعلمي ص ١٩.
(٣) روح المعاني للألوسي ٥/ ٢٣٧ - ٢٤٠. وانظر تفنيدها بالتفصيل في كتاب البناء على القبور للمعلمي ص ٨ وما بعدها. وتحذير الساجد ص ٦٩ وما بعدها.
[ ١ / ٣٣٢ ]
مخالفته للأحاديث المتواترة الناهية عن ذلك - مخالفٌ لإجماع علماء المسلمين، على تحريم اتخاذ المساجد على القبور.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فإن بناء المساجد على القبور ليس من دين المسلمين، بل هو منهي عنه بالنصوص الثابتة عن النبي -ﷺ-، واتفاق أئمة الدين" (^١).
٢ - شبهة أن قبر النبي -ﷺ- في مسجده كما هو مشاهد اليوم فيقال فيه:
أولًا: أن مسجد الرسول -ﷺ- لم يبن على القبور فإن النبي -ﷺ- هو الذي بناه بعدما نبش قبور المشركين وأخبر عنه سبحانه بانه أول مسجد أسس على التقوى.
ثانيًا: أن النبي -ﷺ- لم يدفن في المسجد كما يفعل هؤلاء القبوريون.
ثالثًا: أن إدخال بيوت النبي -ﷺ- في المسجد لم يكن في عهد الصحابة، وإنما أدخل في عهد الوليد بن عبد الملك سنة ٨٨ للهجرة فأدخل في المسجد النبوي حجر أزواجه ﵇ بما فيها قبره الذي في حجرة عائشة، وقد أنكر عليه العلماء منهم سعيد بن المسيب ﵀.
وقال الألباني ﵀: "ولم يكن في المدينة المنورة أحد من الصحابة حينذاك خلافا لما توهم بعضهم" (^٢).
وقال أيضًا: "يتبين لنا مما أوردناه أن القبر الشريف إنما أدخل إلى المسجد النبوي حين لم يكن في المدينة أحد من الصحابة وأن ذلك كان على خلاف غرضهم الذي رموا إليه حين دفنوه في حجرته -ﷺ-؛ فلا يجوز لمسلم بعد أن عرف هذه الحقيقة أن يحتج بما وقع بعد الصحابة؛ لأنه مخالف للأحاديث الصحيحة وما
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٢٧/ ٤٨٨.
(٢) تحذير الساجد ص ٨٥. وانظر الصارم المنكي ١٣٧. وممن ذكر وجود الصحابة آنذاك الإمام النووي ﵀ وقد رد عليه الألباني مبينا عدم ثبوته انظر للاستزادة تحذير الساجد ص ٩٥.
[ ١ / ٣٣٣ ]
فهم الصحابة والأئمة منها كما سبق بيانه، وهو مخالف أيضًا لصنيع عمر وعثمان حين وسعًا المسجد ولم يدخلا القبر فيه، ولهذا نقطع بخطإ ما فعله الوليد بن عبد الملك عفا الله عنه، ولئن كان مضطرًا إلى توسيع المسجد، فإنه كان باستطاعته أن يوسعه من الجهات الأخرى دون أن يتعرض للحجرة الشريفة، وقد أشار عمر بن الخطاب إلى هذا النوع من الخطأ حين قام هو -﵁- بتوسيع المسجد من الجهات الأخرى ولم يتعرض للحجرة، بل قال: "إنه لا سبيل إليها"، فأشار -﵁- إلى المحذور الذي يترتب من جراء هدمها وضمها إلى المسجد".
رابعًا: ومع هذه المخالفة الصريحة للأحاديث المتقدمة وسنة الخلفاء الراشدين، فإن الذين زادوا في المسجد النبوي احتاطوا للأمر شيئًا، فحاولوا تقليل المخالفة ما أمكنهم. فقد ذكر النووي في شرح مسلم أنه لما احتيج إلى الزيادة في مسجد رسول الله -ﷺ- حين كثر المسلمون، وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيه ومنها حجرة عائشة -﵂- مدفن رسول الله -ﷺ- وصاحبيه أبي بكر وعمر -﵄- بنوا على القبر حيطانا مرتفعة مستديرة حوله، لئلا يظهر في المسجد؛ فيصلي إليه العوام، ويؤدي إلى المحذور، ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا، حتى لا يتمكن أحد من استقبال القبر (^١).
ونقل الحافظ ابن رجب في الفتح نحوه عن القرطبي كما في "الكواكب" ٦٥/ ٩١/ ١. وذكر ابنُ تَيمِيَّةَ في الجواب الباهر (ق ٩/ ٢). "أن الحجرة لما أدخلت إلى المسجد سد بابها، وبنى عليها حائط آخر، صيانة له -ﷺ- أن يتخذ بيته عيدًا وقبره وثنًا" (^٢).
أما بناء القبة على القبر الشريف فقد قال صاحب كتاب المشاهدات
_________________
(١) النووي شرح مسلم ٥/ ١٤ بتصرف.
(٢) تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد ص ٩٢ - ٩٨.
[ ١ / ٣٣٤ ]
المعصومية: "اعلم أنه إلى عام ٦٧٨ هـ لم تكن هناك قبة على الحجرة النبوية التي فيها قبره -ﷺ- وإنما عملها وبناها الملك الظاهر المنصور قلاوون الصالحي في تلك السنة ٦٧٨ هـ فعملت تلك القبة.
قلت (^١): إنما فعل ذلك لأنه رأى في مصر والشام كنائس النصارى المزخرفة فقلَّدهم جهلًا منه بأمر النبي -ﷺ- وسنته كما قلدهم الوليد في زخرفة المسجد فتنبه ثم قال: إن عمل قلاوون هذا مخالف قطعًا للأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله -ﷺ- ولكن الجهل بلاء عظيم، والغلو في المحبة والتعظيم وباء جسيم، والتقليد للأجانب داء مهلك، فنعوذ بالله من الجهل، ومن الغلوِّ، ومن التقليد للأجانب" (^٢).
* حكم هدم القباب المبنية على القبور:
قال ابن القيم: "فمن الأنصاب ما قد نصبه الشيطان للمشركين من شجرة، أو عمود، أو وثن أو قبر، أو خشبة، أو عين، ونحو ذلك. والواجب هدم ذلك كله، ومحو أثره كما أمر النبي -ﷺ- عليًا -﵁- (^٣) بهدم القبور المشرفة وتسويتها بالأرض. كما روى مسلم في صحيحه عن أبي الهيّاج الأسدي قال: قال لي علي -﵁-: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله -ﷺ- أن لا أدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته". وعمَّى الصحابةُ بأمر عمر -﵁- قبر دانيال وأخفوه عن الناس.
ولما بلغه أن الناس ينتابون الشجرة التي بايع تحتها رسول الله -ﷺ- أصحابه
_________________
(١) القائل العلامة محمد سلطان المعصومي الحنفي.
(٢) المشاهدات المعصومية ص ٤٨.
(٣) قال الشيخ حامد الفقي ﵀: "ومن أعجب كيد الشيطان أن عليًا -﵁- هو الذي كان يهدمها بأمر رسول الله. ثم أقيمت وأعيد بناؤها محادة لله ولرسوله باسم علي وأولاد علي. وهم والله برآء من ذلك" ا. هـ من حاشية له في تحقيق إغاثة اللهفان ص ١/ ٢٠٩.
[ ١ / ٣٣٥ ]
أرسل فقطعها. رواه ابن وضاح في كتابه فقال: سمعت عيسى ابن يونس يقول: أمر عمر بن الخطاب -﵁- بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي -ﷺ- فقطعها لأن الناس كانوا يذهبون فيصلون تحتها فخاف عليهم الفتنة.
قال عيسى بن يونس: وهو عِنْدَنا من حديث ابن عون عن نافع: "أن الناس كانوا يأتون الشجرة، فقطعها عمر -﵁-".
فإذا كان هذا فعل عمر -﵁- بالشجرة التي ذكرها الله تعالى في القرآن، وبايع تحتها الصحابة رسول الله -ﷺ- فماذا حكمه فيما عداها من هذه الأنصاب والأوثان، التي قد عظمت الفتنة بها، واشتدت البلية بها؟.
وأبلغ من ذلك: أن رسول -ﷺ- هدم مسجد الضرار. ففي هذا دليل على هدم ما هو أعظم فساد منه كالمساجد المبنية على القبور فإن حكم الإسلام فيها أن تهدم كلها حتى تسوى بالأرض. وهي أولى بالهدم من مسجد الضرار وكذلك القباب التي على القبور يجب هدمها لأنها أسست على معصية الرسول؛ لأنه قد نهى عن البناء على القبور. كما تقدم. فبناء أسس على معصيته ومخالفته بناء غير محترم. وهو أولى بالهدم من بناء الغاصب قطعًا.
وقد أمر رسول الله -ﷺ- بهدم القبور المشرفة كما تقدم، فهدم القباب والبناء والمساجد التي بنيت عليها أولى وأحرى؛ لأنه لعن متخذي المساجد عليها، ونهى عن البناء عليها، فيجب المبادرة والمسارعة إلى هدم ما لعن رسول الله -ﷺ- فاعله. والله ﷿ يقيم لدينه وسنة رسوله من ينصرهما، ويذب عنهما. فهو أشد غيرة وأسرع تغييرًا" (^١).
قال الإمام أبو بكر الطرطوشي: "انظروا -رحمكم الله تعالى- أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس، ويعظمونها، ويرجون البرء والشفاء من قبلها، ويضربون
_________________
(١) إغاثة اللهفان ص ١/ ٢١٠.
[ ١ / ٣٣٦ ]
بها المسامير والخرق، فهي ذات أنواط فاقطعوها" (^١).
وقال الشوكاني: "وفي هذا أعظم دلالة على أن تسوية كل قبر مشرف بحيث يرتفع زيادة عن القدر المشروع واجب متحتم، فمن إشراف القبور أن يرفع سمكها، أويجعل عليها القباب، أو المساجد، فإن ذلك من المنهي عنه بلا شك ولا شبهة، ولهذا بعث النبي -ﷺ- لهدمها أمير المؤمنين -﵁- ثم إن أمير المؤمنين بعث لهدمها أبا الهياج الأسدي في أيام خلافته" (^٢).
وقال العلَّامة صديق حسن خان: "الأحاديث الصحيحة وردت بالنهي عن رفع القبور، فما صدق عليه أنه قبر مرفوع أو مشرف لغة فهو من منكرات الشريعة التي يجب على المسلمين إنكارها وتسويتها من غير فرق بين نبي وغير نبي، وصالح وطالح، فقد مات جماعة من أكابر الصحابة في عصره -ﷺ- ولم يرفع قبورهم، بل أمر عليًا بتسوية المشرف منها، ومات -ﷺ- ولم يرفع قبرَه أصحابُه" (^٣).