استدلال المتدينين بتكفير البادية الذين في زمنهم بعبارات للشيخ محمد بن عبد الوهاب في البدو الذين في زمانه
فصل
المسألة الأولى: قال السائل هنا: هنا مسألة، وهي ذات أنواع، وهي التي أخذ بها هؤلاء المتدينون من البدو، وهي أن من يقرأ عليهم بعض عبارات الشيخ محمد ابن عبد الوهاب_ رحمه الله تعالى_ في البدو مثل الموضع السادس من السيرة، وما ذكر عن الأعرابي الذي يشهد أنه هو وسائر البدو كفار، وأن المطوع الذي ما يكفر البدو كافر، وأمثال ذلك فإذا قرأه عليهم قالوا: نعم، هذا قول الشيخ_ رحمه الله_ في البدو، والمشايخ اليوم يقولون ويقولون (١) .
والجواب: _ومن الله أستمد الصواب_ أن نقول: قد بينا لك في المقدمة أن هؤلاء الذين يذهبون إلى البادية ويدعونهم إلى الله وهم لا يعرفون تفاصيل ما قرره العلماء وأوضحوه في مسائل التكفير، بل يقولون بآرائهم الفاسدة وأفهامهم القاصرة الخاسرة، لعدم علمهم ومعرفتهم لمواقع الخطاب وأحوال الناس ومراتبهم في الإسلام في الأحوال والأزمان، وإذا كان ذلك معلوما مشهورا من أحوالهم وأقوالهم تعين أن نبين لك خطأهم وقلة معرفتهم وعلمهم بما كان عليه أهل نجد _حاضرتهم وباديتهم_ قبل ظهور نور هذه الدعوة الإسلامية التي من الله بإظهارها على يد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب _رحمه الله تعالى_ قبل دخولهم
_________________
(١) يعني: أنهم لا يكفرونهم
[ ١٤ ]
في الإسلام، وما هم عليه من الكفر بالله والإشراك به، وما من الله به عليهم بعد ذلك من دخولهم في الإسلام ومعرفته والقيام به، فنقول:
قد كان أهل نجد قبل ظهور هذه الدعوة المحمدية على غاية من الجهالة والضلالة، والفقر والعالة، لا يستريب في ذلك عاقل، ولا يجادل فيه عارف، كانوا على غاية من الجهالة في أمر دينهم، في جاهلية: يدعون الصالحين، ويعتقدون في الأشجار والأحجار والغيران، ويطوفون بقبور الأولياء، يرجون الخير والنصر من جهتها، وفيهم من كفر الاتحادية والحلولية، وجهالة الصوفية ما يرون أنه من الشعب الإيمانية والطريقة المحمدية، وفيهم من إضاعة الصلاة ومنع الزكاة وشرب المسكرات ما هو معروف مشهور، وغير ذلك من جميع الفواحش والمنكرات التي لا تحصى، ولا تستقصى، فهذه هي حال الحاضرة من أهل نجد قبل ظهور الدعوة الإسلامية والطريقة المحمدية.
وأما حال الأعراب من أهل نجد وغيرهم فهم أغلظ كفرا ونفاقا، وأشد إعراضا عن الدين، مع ما هم عليه من قتل النفس ونهب الأموال وارتكاب المحرمات؛ كما قال_ تعالى_: ﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ (التوبة: ٩٧)
ويصدق عليهم قول الأعرابي الذي وفد على الشيخ في الدرعية_ لما تبين له الإسلام، وعرف أن ما هم عليه قبل ذلك هو الكفر والإشراك بالله_ فقال: أشهد بالله أني وسائر البدو كفار، وأن المطوع الذي ما يكفر البدو كافر.
[ ١٥ ]
وكذلك ما ذكره الشيخ في الموضع السادس من السيرة، من حال الأعراب في ذلك الوقت الذين ذكر علماء أهل زمانهم أن هذا هو الشرك، لكن يقولون: لا إله إلا الله. ومن قالها لا يكفر بشيء. وأعظم من ذلك وأكبر: تصريحهم بأن البوادي ليس معهم من الإسلام شعرة، ولكن يقولون: "لا إله إلا الله" وهم بهذه اللفظة إسلام، وحرم الإسلام مالهم ودمهم مع إقرارهم أنهم تركوا الإسلام كله إلى آخر كلامه _رحمه الله_.
فهذا الكلام _الذي قاله الشيخ ﵀ في الأعراب_: إنما هو حال كفرهم وقبل دخولهم في الإسلام. ثم لما فتح الله بصيرة شيخ الإسلام بتوحيد الله الذي بعث الله به رسله وأنبياءه، فعرف الناس ما في كتاب ربهم من أدلة توحيده الذي خلقهم له، وما حرم الله عليهم من الشرك الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، وساعده على القيام بذلك آل سعود؛ فنصروه وآووه وجاهدوا معه القريب والبعيد، حتى أظهر الله الإسلام ودخل الناس في دين الله أفواجا، فمحا الله بدعوته شعار الشرك ومشاهده، وهدم بيوت الكفر والشرك ومعابده، وكبت الطواغيت والملحدين، وألزم من ظهر عليه من البوادي وسكان القرى بما جاء به محمد ﷺ من التوحيد والهدى، وكفر من أنكر البعث واستراب فيه من أهل الجهالة والجفاء، وأمر بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وترك المنكرات والمسكرات، ونهى عن الابتداع في الدين، وأمر بمتابعة السلف الماضين، في الأصول والفروع ومسائل الدين، حتى ظهر دين الله واستعلن، واستبان بدعوته منهاج
[ ١٦ ]
الشريعة والسنن، وأقام قائم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحُدَّت الحدود الشرعية، وعزرت التعازير الدينية، وانتصب علم الجهاد، وقاتل لإعلاء كلمة الله أهل الشرك والفساد، حتى سارت دعوته مسير الشمس في الآفاق، وثبت النصح لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، وجمع الله القلوب بعد شتاتها، وتألفت بعد عداوتها، وصاروا بنعمته إخوانا، فأعطاهم الله بذلك من النصر والعز والظهور، ما لا يعرف مثله لسكان تلك الفيافي، والصخور، وفتح الله عليهم الإحساء والقطيف، وقهروا سائر العرب من عمان إلى عقبة مصر، ومن اليمن إلى العراق والشام، ودانت لهم عربها وأعطوا الزكاة، فأصبحت نجد تضرب إليها أكباد الإبل في طلب الدنيا والدين، وتفتخر بما نالها من العز والنصر والتمكين، كما قال عالم الإحسان وشيخها_ رحمه الله_:
لقد رفع المولى به رتبة الهدى بوقت به يعلو الضلال ويرفع
وجرت به نجد ذيول افتخارها وحق لها بالألمعي ترفع
فهذه هي حال أهل نجد حاضرتهم وباديتهم بعد ما دخلوا في دين الله وتركوا ما كانوا عليه قبل ذلك من الكفر بالله والإشراك به.
وقد حدثني رجل من أعراب أهل بيشة _وقد كان أدرك زمن الدرعية، ووفد مع من وفد إليها من قومه_ فذكر أنهم كانوا في طريقتهم إذا اجتمعوا بمن قدم من الدرعية من وفود الأعراب يسألونهم ما أفادهم به الشيخ
[ ١٧ ]
من الفوائد، وما علمهم من توحيد الله، وما أمرهم به من ذلك، وما نهاهم عنه مما يخالف دين الإسلام مما كانوا عليه في الجاهلية، ويتذاكرون ويحمدون الله على ما من الله به عليهم من الإسلام.
فمن زعم أن حال الأعراب_ بعد ما دخلوا في دين الإسلام والتزموا شرائعه العظام_ هي حالهم قبل أن يدخلوا فيه من الكفر بالله والإشراك به، وأن هذا وصف قائم بهم لا ينفك عنهم، وأنهم على الحالة الأولى: فقد أعظم الفرية على الله وعلى المسلمين ونسبهم إلى ما هم بريئون منه.
ثم لما انقضى زمن الدرعية، وتسلطت عليهم العساكر المصرية، بسبب ما اقترفه أولاد سعود من الذنوب والتقصير في الأوامر الدينية، ونقلوا عبد الله بن سعود إلى مصر، وأتبعوه أولاده وإخوانه وأكابر أولاد الشيخ ثم تشتت الناس وتضعضع أمرهم وانفلت ولاية أهل الإسلام وبقي الناس في مرجة عظيمة لا والي لهم.
ثم رد الله الكرة للمسلمين، وجمعهم الله على الإمام تركي بن عبد الله_رحمه الله تعالى_ وشيخ الإسلام شيخنا الشيخ عبد الرحمن بن حسن_ قدس الله روحه_ واستقام الأمر على ما كان عليه أهل نجد أولا _باديتهم وحاضرتهم_ على هذا الدين.
ثم حدثت بعد ذلك أمور لا فائدة في ذكرها.
ثم جمعهم الله بعد ذلك بالإمام فيصل بن تركي _رحمه الله_ فاستقامت ولاية الإسلام على ما كانوا عليه أولا.
[ ١٨ ]
يوضح ذلك: ما ذكره شيخنا الشيخ عبد الرحمن بن حسن _قدس الله روحه_ في نصيحته للإمام فيصل، قال فيها:
ومن الدعوة الواجبة، والفرائض اللازمة: جهاد من أبى أن يلتزم التوحيد ويعرفه من البادية والحاضرة، وأكثر بادية نجد يكفي فيهم المعلم، وأما من يليهم من المشركين من آل ظفير وأمثالهم: فيجب جهادهم ودعوتهم إلى الله.. انتهى.
فذكر _رحمه الله_ أن أكثر بادية نجد يكفي فيهم المعلم؛ لأنهم ملتزمون بشرائع الإسلام الظاهرة، وإنما يحتاجون إلى تعليمهم ما قد يخفى عليهم من حقوقه اللازمة فيه، بخلاف الظفير وأمثالهم من المشركين فإنه يجب جهادهم.
ثم بعد ذلك: انثلت ولاية آل سعود، ثم صار الأمر بعد ذلك لآل رشيد، وحصل من أهل نجد إعراض عن الدين، وضعف أمر الإسلام فيهم حتى غلب على أكثرهم الجهل ونسيان ما كانوا عليه أولا؛ فنبذوا شرع الله وراء ظهورهم، وصاروا يتحاكمون إلى الطواغيت وسوالف الآباء والأجداد، وفشت فيهم المنكرات والفواحش وأنواع المعاصي التي يطول عدّها.
ثم رد الله الكرة للمسلمين وجمعهم الله بالإمام عبد الرحمن بن فيصل وابنه عبد العزيز حتى استقامت لهم الأمور، وقد كانت الأعراب _الذين هم بين أظهر أهل الإسلام_ ملتزمين بشعائر الإسلام الظاهرة في هذه الأزمان، ولا يمكن أحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يعمهم جميعهم بالكفر، ويطلق
[ ١٩ ]
عليهم لأجل ما غلب على بعضهم من المكفرات، والتلوث بكثير من المنكرات والمحرمات.
وبهذا التفصيل يزول الإشكال عن من كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد، وكان غاية أمره ونهاية مقصوده طلب الحق.
فإذا تبين لك هذا، فيقال لهؤلاء الجهلة الصعافقة الحمقى، الذين لا علم لهم ولا معرفة لديهم بحقائق الأمور ومدارك الأحكام، الذين يقرؤون على الناس كلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، وهم لا يفهمون مواقع الخطاب وتوقيع الأمور على ما هي عليه، حيث يقول قائلهم: نعم، هذا قول الشيخ في البدو، والمشايخ اليوم يقولون ويقولون.
فيقال لهم: إن كلام الشيخ الذي تقرءونه على الناس في قوم كفار ليس معهم من الإسلام شيء، وذلك قبل أن يدخلوها في الإسلام، ويلتزموا شرائعه، وينقادوا لأوامره، وينزجروا عن زواجره ونواهيه، وأما بعد دخولهم في الإسلام فلا يقول ذلك فيهم إلا من هو أضل من حمار أهله وأقلهم دينا وورعا، ومقالته هذه أخبث من مقالة الخوارج الذين يكفرون بالذنوب، وهؤلاء يكفرونهم بمحض الإسلام. أما علم هؤلاء المساكين أن الإسلام يجب ما قبله، وأن الهجرة تهدم ما قبلها، بنص رسول الله ﷺ؟
وأما قوله: والمشايخ اليوم يقولون ويقولون، فالجواب أن نقول: نعم المشايخ اليوم يقولون لا نكفر من ظاهره الإسلام، ولا يطلقون الكفر على جميع أهل البادية الذين هم بين أظهر أهل الإسلام، وإنما يقولون: من
[ ٢٠ ]
قام به وصف الكفر منهم فهو كافر؛ كمن يعبد غير الله، ويشرك به أحدا من المخلوقين، أو يتحاكم إلى الطواغيت، ويرى أن حكمهم أحسن وأفضل من حكم الله ورسوله، أو يستهزئ بدين الله ورسوله، أو ينكر البعث.
فمن قام به هذا الوصف الذي ذكرنا من المكفرات وغيرها مما يخرج من الملة في بادية أو حاضرة: فهو كافر. كما ذكر ذلك شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وغيره من العلماء _رحمهم الله تعالى_ وهذا هو الذي ندين الله به في أي بادية كانت أو حاضرة.
ثم لو ذهبنا نذكر ما أحدثه هؤلاء من البدع والغلو والمجاوزة للحد في الأوامر والنواهي لطال الجواب، والعاقل يسير فينظر، والهداية والتوفيق بيد الله، وإنما عليه الإعذار والإنذار وبيان الحق.
ومن لم يقم به وصف الكفر، وكان ملتزما لشرائع الإسلام الظاهرة فهو مسلم، ولا نكفره بارتكاب الذنوب والمعاصي، ولا بالأعمال التي لا تخرجه من الملة.
ومن لم يسلك طريقة المشايخ في هذه المسائل سلك ولا بد على طريقة الخوارج الذين يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ثم لا يعودون إليه، فإنهم _ولله الحمد والمنة_ كانوا وسطا بين طرفين، وعلى هدى بين ضلالتين.
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية_ قدس الله روحه_: وليعلم أن المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك، والكافر تجب معاداته
[ ٢١ ]
وإن أعطاك وأحسن إليك؛ فإن الله_ سبحانه وتعالى_ بعث الرسل، وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله، فيكون الحب له ولأوليائه، والبغض لأعدائه، والإكرام لأوليائه، والإهانة لأعدائه، والثواب لأوليائه، والعقاب لأعدائه، فإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر، وبر وفجور، وطاعة ومعصية، وسنة وبدعة: استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبا الإكرام والإهانة، فيجتمع له من هذا وهذا، كاللص الفقير تقطع يده لسرقته، ويعطي ما يكفيه من بيت المال لحاجته.
هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة، وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم عليه، فلم يجعلوا الناس إلا مستحقا للثواب فقط، أو مستحقا للعقاب فقط. وأهل السنة يقولون: إن الله يعذب بالنار من أهل الكبائر من يعذبه، ثم يخرجهم منها بشفاعة من يأذن له في الشفاعة وبفضله ورحمته، كما استفاضت بذلك السنة عن رسول الله ﷺ والله أعلم. انتهى.
وقال _رحمه الله_ في موضع آخر: ومن سلك طريق الاعتدال عظم من يستحق التعظيم وأحبه ووالاه، وأعطى الحق حقه، فيعظم الحق، ويرحم الخلق، ويعلم أن الرجل الواحد يكون له حسنات وسيئات فيحمد ويذم، ويثاب ويعاقب، ويحب من وجه ويبغض من وجه آخر، هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، خلافا للخوارج والمعتزلة ومن وافقهم كما بسط هذا في موضعه والله أعلم. انتهى.
[ ٢٢ ]
فانظر _رحمك الله_ إلى ما قرره شيخ الإسلام في مسألة الهجر: أن الرجل الواحد قد يجتمع فيه خير وشر، وبر وفجور، وطاعة ومعصية، وسنة وبدعة، فيستحق من الموالاة والثواب والعقاب بقدر ما فيه من الخير، ويستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبا الإكرام والإهانة، إلى آخر كلامه، فمن أهمل هذا ولم يراعي حقوق المسلم التي يستحق بها الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، وكذلك يراعي ما فيه من الشر والمعصية والفجور والبدعة وغير ذلك فيعامله بما يستحقه من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فمن ترك هذا وأهمله سلك مسلك أهل البدع المخالفين لأهل الإسلام ومن حذا حذوهم ولا بد.
وتأمل قوله: وهذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة، وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم عليه، فلم يجعلوا الناس إلا مستحقا للثواب أو مستحقا للعقاب فقط. فإن هذا مخالف لما قاله أهل السنة والجماعة.
ثم انظر إلى ما يقوله هؤلاء المخالفون للمشايخ، هل هم متبعون لما عليه أهل السنة والجماعة، أو متبعون لمن خالفهم، يتبين لك خطأهم فيما ينقلونه وهم لا يعرفون معناه وما يراد به، بل يحكمون على أقوال أهل العلم بمجرد آرائهم وأفهامهم القاصرة. وما أحسن ما قال القائل:
يقولون أشياء ولا يعرفونها
وإن قيل هاتوا حققوا لم يحققوا
[ ٢٣ ]
فإن كان ما كان عليه المشايخ هو الحق والصواب الذي كان عليه أهل السنة والجماعة: فهو المطلوب وعليهم أن يرجعوا عما ارتكبوه من هذه الورطات المفضية بهم إلى المفاوز المهلكات، وإن لم يقبلوا ولم يرجعوا: قيل لهم ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة: من الآية١١١)، ﴿هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ (الأنعام: من الآية١٤٨) .
فإذا تقرر هذا وتبين لك أنهم لم يفهموا ما ذكره الشيخ محمد _رحمه الله تعالى_ في الأعراب الذين كانوا في زمنه قبل أن يدخلوا في الإسلام، وأنهم وضعوه في غير موضعه، فجعلوه في الأعراب الذين هم بين ظهور المسلمين وظاهرهم الإسلام: فالعجب كل العجب ممن يصغي ويأخذ بأقوال أناس ليسوا بعلماء ولا قرءوا على أحد من المشايخ فيحسنون الظن بهم فيما يقولونه وينقلونه، ويسيئون الظن بمشايخ أهل الإسلام وعلمائهم الذين هم أعلم منهم بكلام أهل العلم، وليس لهم غرض في الناس إلا هدايتهم وإرشادهم إلى الحق الذي كان عليه ﷺ وأصحابه وسلف الأمة وأئمتها.
وأما هؤلاء المتعالمون الجهال فكثير منهم _خصوصا من لم يتخرج على العلماء منهم_ وإن دعوا الناس إلى الحق فإنما يدعون إلى أنفسهم ليصرفوا وجوه الناس إليهم؛ طلبا للجاه والشرف والترؤس على الناس؛ فإذا سئلوا أفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا.
وقد قال بعض السلف: "إن هذا العلم دين فانظروا عن من تأخذون دينكم"، وقال بعض العلماء: إن من سعادة العجمي والعربي إذا أسلما:
[ ٢٤ ]
أن يوفقا لصاحب سنة، ومن شقاوتهما أن يوفقا لصاحب بدعة" أو كما قال.
ولكن الشأن كل الشأن في معرفة صاحب السنة ومعرفة صاحب البدعة، فأما صاحب السنة فمن علاماته التي يعرف بها: الأخذ بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ في الأقوال والأعمال والهدي والسمت، ويأخذ بأقوال أصحاب رسول الله ﷺ وأقوال التابعين ومن بعدهم من السلف الصالح والأئمة المهتدين، ويعلم الناس أمر دينهم بالأهم فالأهم، ويربى بصغار العلم قبل كباره، ويسلك طريقة التيسير، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ (ص: من الآية٨٦)، وقال ﷺ: " إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين " (١)، وقد قال ﷺ: " إياكم والغلو؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين " (٢)، وقال ﷺ لما جاء الحبشة يلعبون يوم العيد في المسجد قام ينظر إليهم، ثم قال: " لتعلم يهود أن في ديننا فسحة؛ إني بعثت بحنيفية سمحة " (٣) ذكر هذا العماد ابن كثير _رحمه الله تعالى_ في تفسيره على
_________________
(١) أخرجه الترمذي في "سننه" _أبواب الطهارة_ باب ما جاء في البول يصيب الأرض: (١/٢٧٥) عن أبي هريرة. في قصة الأعرابي الذي بال في المسجد. وأصل الحديث في الصحيح.
(٢) أخرجه الإمام أحمد والنسائي: (٥/٢٦٨) عن ابن عباس.
(٣) أصل الحديث في "الصحيحين". قال الحافظ في "الفتح": (٢/٤٤٤) عن هذه الزيادة: "رواها السراج من طريق أبي الزناد عن عروة عن عائشة".اهـ وقال الحافظ ابن كثير (٢/٢١٤) والزيادة لها شواهد من طرق عدة قد استقصيت طرقها في شرح البخاري أهـ
[ ٢٥ ]
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الأنعام:١٦١) إلى غير ذلك من الأمور التي يتصف بها أهل السنة والجماعة.
ومن ذلك: أن يكون الرجل عليما فيما يأمر به، عليما فيما ينهى عنه، حليما فيما يأمر به، حليما فيما ينهى عنه، رفيقا فيما يأمر به، رفيقا فيما ينهى عنه.
ومن علامات صاحب البدعة: التشديد، والغلظة، والغلو في الدين، ومجاوزة الحد في الأوامر والنواهي، وطلب ما يُعَنِّت الأمة ويشق عليهم ويحرجهم، ويضيق عليهم في أمر دينهم، وتكفيرهم بالذنوب والمعاصي، إلى غير ذلك مما هو مشهور مذكور من أحوال أهل البدع.
فهؤلاء هم الذين نخشى على من سلك طريقتهم أن يوقعوا من تدين من الأعراب ممن لم يتمكن من معرفة الدين وتفاصيل الأحكام فيما يخالف طريقة أهل السنة والجماعة من هذه البدع التي تقضي بهم إلى مجاوزة الحد في الأوامر والنواهي.
ولكن الله _وله الحمد والمنة_ قد من على كثير من الإخوان بمعرفة هذا الدين وقبوله والانقياد له وترك ما كانوا عليه أولا من أمور الجاهلية، فنسأل الله أن يمن علينا وعليهم بالثبات على الإسلام ومعرفته ومحبته وإيثاره، وقبول الحق ممن جاء به، وألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يتوفانا وإياهم على الإسلام غير خزايا ولا مفتونين.
[ ٢٦ ]
إنهم يتحاجون بيانًا في فضل المهاجر على الذي لم يهاجر
فصل
المسألة الثانية: قول السائل: إنهم يحتاجون بيانا في فضل المهاجر على الذي ما يهاجر.
والجواب: أن نقول: قد كان من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام فضل الهجرة وفضل من هاجر وعلى من لم يهاجر، وهذا مما لا يمتري فيه عاقل، ولا يشك فيه مسلم.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ (النساء: من الآية١٠٠)، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (النحل:٤١)، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ (الحج:٥٨_٥٩) وقال الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (النحل:١١٠) .
ففي هذه الآيات كلها فضيلة الهجرة وفضيلة من هاجر على من لم يهاجر، وفيها بيان ما أعد الله لهم من الأجر والثواب في الدنيا والآخرة.
ومن أصدق من الله قيلا؟ ومن أحسن من الله حديثا؟
[ ٢٧ ]
وقال الله تعالى: ﴿يا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ (العنكبوت:٥٦)، قال الإمام محمد بن جرير الطبري في تفسيره على هذه الآية:
يقول _تعالى ذكره_ للمؤمنين من عباده: يا عبادي الذين وحدوني وآمنوا برسولي إن أرضي واسعة، لم تضق عليكم، فتقيموا بموضع منها لا يحل لكم المقام فيه، ولكن إذا عمل بمكان منها بمعاصي الله فلم تقدروا على تغييره فارهبوا منه. وساق بسنده عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ (العنكبوت: من الآية٥٦) قال: إذا عمل فيها بالمعاصي فاخرج منها. وساق من طريق وكيع عن سعيد بن زيد مثله، قال: اهربوا؛ فإن أرضي واسعة. وعن عطاء: إذا أمرتم بالمعاصي فاهربوا. وعنه: مجانبة أهل المعاصي. وعن مجاهد في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ (العنكبوت: من الآية٥٦) قال: فهاجروا وجاهدوا. انتهى.
وقد توعد الله _سبحانه وتعالى_ من أقام بين أظهر المشركين وهو قادر على الهجرة ولم يهاجر بقوله _تعالى_: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ (النساء:٩٧_٩٩) قال ابن كثير _رحمه الله تعالى_: "فهذه الآية عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة، وليس متمكنا من إقامة الدين،
[ ٢٨ ]
فهو مرتكب حرام بالإجماع وبنص هذه الآية، حيث يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: بترك الهجرة ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ أي: لم مكثتم هاهنا وتركتم الهجرة ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء: من الآية٩٧) انتهى.
وقال شيخنا الشيخ عبد اللطيف _رحمه الله تعالى_ في بعض رسائله، وقد سأله بعض الإخوان عمن كان في سلطان المشركين، وعرف التوحيد، وعمل به، ولكن ما عاداهم ولا فارق أوطانهم. فأجابه بقوله:
إن هذا السؤال صدر عن عدم تعقل لصورة الأمر، والمعنى المقصود من التوحيد والعمل به، لأنه لا يتصور أنه يعرف التوحيد ويعمل به ولا يعادي المشركين. ومن لم يعادهم لا يقال له: عرف التوحيد وعمل به.
والسؤال متناقض _وحسن السؤال مفتاح العلم_ أظن مقصودك من لم يظهر العداوة ولم يفارق، ومسألة إظهار العداوة غير مسألة وجود العداوة: فالأول يعذر به مع العجز والخوف، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ (آل عمران: من الآية٢٨) والثاني لا بد منه، لأنه يدخل في الكفر بالطاغوت، وبينه وبين حب الله ورسوله تلازم كلي، لا ينفك عن المؤمن، فمن عصى الله بترك إظهار العداوة فهو عاص لله. فإذا كان أصل العداوة في قلبه فله حكم أمثاله من العصاة. فإذا انضاف إلى ذلك ترك الهجرة فله نصيب من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية. لكنه لا يكفر لأن الآية فيها الوعيد لا التكفير. وأما الثاني الذي لا يوجد في قلبه شيء من
[ ٢٩ ]
العداوة فيصدق عليه قول السائل: لم يعاد المشركين. فهذا هو الأمر العظيم والذنب الجسيم. وأي خير يبقى مع عدم عداوة المشركين.
والخوف على النخل والمساكن ليس بعذر يوجب ترك الهجرة. قال الله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ (العنكبوت:٥٦) انتهى.
فإذا عرفت هذا وتبين لك فالشأن كل الشأن، والخوف كل الخوف على من هاجر من إخواننا الذين دخلوا في هذا الدين وأحبوه، ورغبوا فيما عند الله والدار الآخرة، وتركوا ملاذ أنفسهم وشهواتهم لله، وحصلت لهم هذه الفضائل العظيمة والمواهب الجسيمة. ثم صار بعضهم ممن ليس له علم ولا معرفة بمدارك الأحكام الشرعية يسعى ويكدح في إبطال هجرته أو ما يقدح فيها أو ينقص أجرها وثوابها، مما قد يجري على ألسنة كثير منهم من الأمور التي أحدثها وابتدعها من تجاوز الحد، وغلا في الدين، واتبع غير سبيل المؤمنين.
فمن ذلك قولهم: إنه لا إسلام لمن لم يهاجر من الأعراب، وإن كان قد دخل في الدين وأحبه ووالى أهله، وترك ما كان عليه أولا من أمور الجاهلية إلا أن يهاجر، ومن لم يهاجر فليس بمسلم عندهم.
ومن ذلك أيضا أنه إذا مرت قافلتهم على بعض الأعراب الذين ظاهرهم الإسلام وفيهم من تميز بمعرفة الدين والدخول فيه وترك ما كانوا عليه من أمور الجاهلية لم يسلموا عليهم ابتداء، ولا يردون السلام عليهم، ولا يأكلون ذبائحهم، لأنهم لم يهاجروا معهم.
[ ٣٠ ]
وهذا خلاف ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه وسلف الأمة وأئمتها. ففي صحيح مسلم عن بريدة _رضي الله عنه_، قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمر أميرا عل جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا. فقال: " اغزوا بسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا؛ ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا. وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فأيتهن ما أجابوك فاقبل، وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله تعالى ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء؛ إلا أن يجاهدوا مع المسلمين " (١) الحديث بتمامه.
فأخبر ﷺ أن من دعي إلى الإسلام فأجاب إليه، وأبى أن يتحول من دارهم إلى دار المهاجرين فإنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله. فأثبت لهم ﷺ الإسلام، ولم ينفه عنهم، لكونهم لم يهاجروا.
فمن جعل حكم أعراب المسلمين الذين لم يهاجروا وقد تميزوا عن غيرهم بالدخول في هذا الدين ومحبته والانتساب إليه واشتهروا بذلك وعرفوا به؛ حكم من لم يعرف هذا الدين ولم يدخل فيه ولا أحبه في عدم
_________________
(١) مسلم: (٣/١٣٥٦-١٣٥٧) في كتاب الجهاد والسير.
[ ٣١ ]
موالاتهم ومحبتهم وعدم السلام عليهم وامتنع من أكل ذبائحهم فقد أخطأ وتجاوز الحد، وخالف سبيل المؤمنين، واتبع سبيل من خالفهم من المبتدعين.
ومن ذلك أيضا أنهم يلزمون من دخل في هذا الدين من الأعراب وغيرهم بلبس عصابة، ويسمونها: العمامة. فمن لبسها كان من الإخوان الداخلين في الدين، ومن لم يلبسها فليس من الإخوان؛ لأنه لم يلبس السنة عندهم، وزعموا أن هذه العمامة زي وشعار يتميز به من دخل في هذا الدين عمن لم يدخل فيه. فمن رأوها عليه أحبوه ووالوه وسلموا عليه، ومن لم يروها عليه لم يسلموا عليه ولم يردوا ﵇؛ لأنه ليس من الإخوان ولم يلبس السنة.
وقد ذكرنا ما يبطل هذه البدعة ويردها في" إرشاد الطالب إلى أهم المطالب" مستوفاة بأدلتها، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية _قدس الله روحه_ في كتاب الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان:
فصل: وليس لأولياء الله شيء يتميزون به عن الناس في الظاهر من الأمور المباحات، فلا يتميزون بلباس دون لباس إذا كان كلاهما مباحا، ولا بحلق شعر أو تقصيره أو تضفيره إذا كان مباحا، كما قيل: كم من صديق في قباء، وكم من زنديق في عباء إلى آخر كلامه _رحمه الله تعالى_.
فبين _رحمه الله تعالى_ أنه ليس لأولياء الله المتقين لباس يتميزون به عن الناس في الظاهر من الأمور المباحات.
[ ٣٢ ]
وقال ابن القيم _رحمه الله تعالى_ في "مدارج السالكين" لما ذكر حال أولياء الله المتقين، قال: وهم مستترون عن أعين الناس بأسبابهم وصنائعهم ولباسهم، لم يجعلوا لطلبهم ولإرادتهم إشارة تشير إليهم: اعرفوني. انتهى.
وهؤلاء الجهال يأمرون الناس أن يلبسوا عمائم يتميزون بها عن الناس، ويشار إليهم، ويعرفون بها.
إذا فهمت هذا فاعلم أنه ليس مقصودنا بإنكار هذه العمائم لبسها فإنها من المباحات والعادات. وإنما الإنكار زعمهم أن الرسول ﷺ سنها وشرعها لأمته، وأنها شعار يتميز به من دخل في هذا الدين عن غيره.
وهذا لم يشرعه الله ولا رسوله، ولا قاله المحققون من أهل العلم.
ومن ذلك أنهم ينكرون على من لبس عقالا من صوف، ولا يسلمون عليه، ويقولون: إنه لم يكن في عهد رسول الله ﷺ ولم يلبسه لا هو ولا أصحابه، وهم يلبسون المشالح السود والبيض والحمر والغتر (الشمغ) والرسول ﷺ لم يلبسها لا هو ولا أصحابه، ولم تكن في عهده ولا في عهد أصحابه، فكيف يكون لبس هذه حلالا ولبس تلك حراما؟ وهذا من جهلهم وعدم معرفتهم بمواقع الخطاب في الحلال والحرام، وما يترتب عن ذلك من القول على الله بلا علم. والله المستعان.
واعلم أيها الناظر في هذه الأوراق: أني لم أقل هذا الكلام طعنا على الإخوان ولا عيبا لهم ولا تتبعا لمساوئهم، ولا يظن هذا بنا إلا رجل سوء أو من أعمى الله بصيرة قلبه لعدم علمه ومعرفته بما يفرق بين الحق والباطل
[ ٣٣ ]
وبين ما شرعه الله ورسوله وما لم يشرعه.
وإنما مقصودنا بهذا الكلام نصح للإخوان وشفقة عليهم أن يصدر منهم ما يبطل هجرتهم أو يقدح فيها أو ينقص أجرها وثوابها.
وقد تحققنا أن الإخوان لا يريدون إلا الحق ومتابعة الرسول في أقواله وأفعاله، ولكن قد يدخل عليهم بعض هؤلاء الجهال هذه الأمور ظنا منهم أنها من الدين ومما جاء به الرسول ﷺ، وذلك من جهلهم وعدم علمهم، قال بعض العلماء:
والعلم ليس بنافع أربابه
مالم يفد نظرا وحسن تبصّر
وقول الآخر:
والعلم للرجل اللبيب زيادة
ونقيصه للأحمق الطياش
مثل النهار يزيد أبصار الورى
نورا ويعمي أعين الخفاش
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
[ ٣٤ ]
حكم من رجع إلى المكان الذي هاجر منه
فصل
المسألة الثالثة: الذي يظهر من البدو بعد ما نزل وبنى بيته ثمخرج إلى البادية، لكن على محبة الإسلام والمسلمين، وليس من نيته الرجوع، ما الذي يلحقه من الوعيد؟
الجواب: الذي هاجر من البدو وبنى بيته ثم خرج إلى البادية وليس من نيته الرجوع فهذا قد فعل كبيرة من الكبائر، وارتكب أمرا محرما، كما ذكر ذلك أهل العلم، ولا يخرجه ذلك من الملة، وله من الحقوق الإسلامية بقدر ما معه منها، فيحب ويوالي على ما التزمه من شرائع الإسلام، ويبغض ويعادى بقدر ما ارتكبه من فعل هذه الكبيرة، واستحق من الوعيد ما يستحقه فاعل الكبيرة من اللعنة، كما روى الطبراني من حديث جابر بن سمرة مرفوعا: "لعن الله من بدا بعد هجرته، إلا في الفتنة" (١) .
وما رواه النسائي عن عبد الله بن مسعود مرفوعا: " لعن الله آكل الربا ومؤكله " الحديث، وفيه " والمرتد بعد هجرته أعرابيا " (٢) . قال ابن الأثير في "النهاية": من رجع بعد هجرته إلى موضع من غير عذر يعدونه كالمرتد. انتهى من "الفتح".
_________________
(١) قال الهيثمي في "مجمع الزوائد": (٥/٢٥٤) رواه الطبراني وفيه من لم أعرفهم. اهـ
(٢) النسائي: (٨/١٤٧) .
[ ٣٥ ]
ومثله ما رواه البخاري عن سلمة بن الكوع أنه لما دخل على الحجاج، قال: يا ابن الأكوع ارتدتّ على عقبيك، تعربت؟ قال: لا، ولكن رسول الله ﷺ أذن لي في البدو (١) . انتهى.
وإذا كان المرتد بعد هجرته أعرابيا ملعونا من أجل خوف الجفا ونسيان العلم ولمصالح الإسلام والأعراب إذ ذاك أحسن حالا وأكمل عقولا؛ فكيف الحال بالأعراب الذين لم يتمكنوا من معرفة الدين ومعرفة شرائع الإسلام في هذه الأزمان؛ فهم أحق وأولى بهذه العقوبة.
وأما قول ابن الأثير: كل من رجع بعد هجرته إلى موضع من غير عذر يعدونه كالمرتد. فالمراد بهذه الردة: الردة الصغرى، التي لا تخرجه من الملة، بدليل ما تقدم من الأحاديث في الوعيد على من فعل ذلك باللعنة، وبما ذكره العماد ابن كثير في تفسيره على قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ (النساء:٣١) فقال: _رحمه الله_:
قال ابن أبي حاتم: ثنا احمد بن سنان، قال: ثنا أبو أحمد _يعني الزبيري_ ثنا علي بن صالح، عن عثمان بن المغيرة، عن مالك بن جرير، عن علي _رضي الله عنه_ قال:" الكبائر: الإشراك بالله، وقتل النفس، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، والفرار من الزحف، والتعرب بعد
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الفتن من "صحيحه" _باب التعرب في الفتنة_ ومسلم في "صحيحه": (٣/١٤٨٦) كتاب الإمارة.
[ ٣٦ ]
الهجرة" وذكر الحديث بتمامه (١) . انتهى. فذكر _رضي الله عنه_ أن التعرب بعد الهجرة من الكبائر.
وكلام السلف _رحمهم الله_ في هذه المسألة معروف مشهرو في كتب الحديث والتفسير، لا يخفى ذلك على من طلب الحق، ومقصوده اتباع سبيل المؤمنين، والله المستعان.
_________________
(١) "تفسير ابن كثير": (١/٤٨٥) .
[ ٣٧ ]
من خرج بغنمه وقت الربيع إلى المكان الذي هاجر منه، ونيته الرجوع
فصل
المسألة الرابعة: قول السائل: من خرج في غنمه وقت الربيع ونيته الرجوع، ما الذي له؟ وما الذي عليه؟
الجواب: هذه المسألة قد ذكرنا جوابها في "إرشاد الطالب إلى أهم المطالب" أنه إذا خرج بعض من نزل في دار الهجرة إلى البادية لأجل غنمه ومن نيته الرجوع إلى مسكنه وداره التي هاجر إليها لا يقع عليه وعيد من تعرب بعد الهجرة؛ لأن رسول الله ﷺ قال: " إنما العمال بالنيات، وإنما لكل امرئ مانوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه " (١)، وهذا الذي خرج إلى غنمه ليصلحها ويتعاهد أحوالها ثم يرجع إلى مهاجره، ليس من نيته التعرب بعد الهجرة، ولا رغبة عن الإسلام وأهله؛ فلا يدخل في الوعيد، إلى آخر ما ذكرناه فيه، والله أعلم.
_________________
(١) أخرجه البخاري في "صحيحه": (رقم١)، ومسلم: (٣/١٥١٥) .
[ ٣٨ ]
إذا نزل في دار الهجرة. ثم بعد ذلك رجع إلى باديته رغبة عن الدين وربما سبه
فصل
المسألة الخامسة: قول السائل في الذي نزل في دار الهجرة، ثم بعد ما نزل باع بيته ثم خرج مع البادية، ظاهره رغبته عن الدين وربما سبه.
ماذا حاله؟
الجواب: من هاجر إلى بلد من بلاد المسلمين وابتنى بها بيتا ثم بداله أن يرجع إلى البادية فباع منزله وظاهره الرغبة عن الدين وربما سبه فهو كافر مرتد عن الإسلام، وليس حاله كحال من تعرب بعد الهجرة، ولم يرغب عن الدين ولا سبه، فإن هذا مرتكب كبيرة من الكبائر بإجماع العلماء. وأما الذي رغب عن الدين أو سبه فهو كافر، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ إلى قوله ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ (محمد:٢٥_٢٨) وهذا مما لا إشكال فيه ولله الحمد والمنة، كما قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب _رحمه الله تعالى_ في رسالته للشريف لما سأله الشريف: عما تكفرون به الرجل؟ فأجابه بقوله:
نقول: أعداؤنا معنا على أنواع، فذكر الأول، ثم قال: النوع الثاني من عرف ذلك وتبين في سبه دين الرسول ﷺ مع ادعائه أنه عليه وأنه عامل به، وتبين في مدح من عبد "يوسف والأشقر" ومن عبد "أبا علي والخضر"
[ ٣٩ ]
من أهل الكويت، وفضلهم على من وحد الله وترك الشرك، فهذا أعظم كفرا من الأول. وفيه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ (البقرة: من الآية٨٩) الآية.
وهو ممن قال الله فيهم: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ﴾ (التوبة: من الآية١٢) الآية انتهى.
والمقصود: أن من عرف الدين ثم بعد ما عرفه رغب عنه ورجع إلى البادية، أو سب الدين فهو كافر.
[ ٤٠ ]
حكم قول الزائر للإخوان في المسجد: إخواننا يسلمون عليكم. ثم يرتفع الصوت بالرد عليه
فصل
المسألة السادسة: قول السائل: إذا قدم بعض الزائرين من الإخوان وقف في المسجد، ثم قال: السلام عليكم أيها الإخوان! إخواننا يسلمون عليكم، ثم ثار أهل المسجد للسلام عليه، وحصل نوع تشويش وقطع صلاة الذين يصلون الراتبة. هل مثل هذا مشروع أم لا؟
الجواب: هذا الذي يفعله بعض الزائرين من الإخوان إذا قدموا على إخوانهم قاموا بعد الصلاة في المسجد، فقالوا: السلام عليكم أيها الإخوان! إخواننا يسلمون عليكم. أمر محدث مبتدع في الدين، لم يفعله أحد من الصحابة على عهد رسول الله ﷺ ولا على عهد الخلفاء الراشدين من بعده، ولا فعله أحد من التابعين، ولا من بعدهم من أئمة السلف.
ولا ذكر هذا عن أحد من العلماء، فكان أمرا مخترعا مبتدعا في الدين، وشرعا لم يأذن الله به، بل هو مما استحسنه هؤلاء الذين لا معرفة لهم بما سنه رسول الله ﷺ وشرعه لأمته، ويظنون أن هذا قربة لله وطاعة، وما علموا أن البدع لا تكون إلا في الدين. فإذا فهمت ما ذكرته لك وانضاف إلى فعل هذه البدع نوع تشويش على المصلين أو قطع صلاتهم، لم يرجعوا بالكفاف، ووقعوا في أمر عظيم ووعيد شديد، كما ورد في الحديث عن أبي جهيم عبد الله بن الحارث ابن الصمة الأنصاري، قال: قال ﷺ: " لو يعلم المار بين يدي المصلين ماذا عليه من الإثم لكان أن يقف
[ ٤١ ]
أربعين خيرا له من أن يمر بين يدي المصلي ". قال أبو النضر: لا أدري قال: أربعين يوما أو شهرا، أو سنة. رواه البخاري (١) .
وكذلك ورد النهي عن الجهر بقراءة القرآن بين المصلين؛ لئلا يشوش عليهم صلاتهم. وقد كان من المعلوم أن قراءة القرآن من أفضل الأعمال، وهي مشروعة فنهى عنها لأجل ذلك، فكيف الحال بمن فعل أمرا غير مشروع ولا مأذون فيه؟ فكان أجدر وأولى بان ينهى عن هذا الفعل المبتدع، الذي يحصل به قطع صلاة المصلين أو تشويش عليهم.
ثم إنه ليس هذا الأمر بأقل مما فعله بعض المتنطعين المتعمقين الغالين في الدين على عهد الصحابة _رضي الله عنهم_ من الاجتماع على التسبيح والتهليل والتكبير، الذي هو من أفضل الأعمال وأجل العبادة، لكن لما لم يكن على عهد رسول الله ﷺ، ولم يتعبد به أحد من الصحابة على هذا الوجه الذي فعلوه، أنكر ذلك عليهم أفاضل الصحابة _رضي الله عنهم_ كعبد الله بن مسعود وأبي موسى الأشعري، كما ذكر ذلك أهل العلم.
قال الدارمي: أخبرنا الحاكم بن المبارك، أنبأنا عمرو بن يحيى، قال سمعت أبي يحدث عن أبيه؛ قال: كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة، فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد، فجاء أبو موسى الأشعري، فقال: أخرج أبوعبد الرحمن؟ قلنا: لا. فجلس. فلما
_________________
(١) (١/٥٨٤)، ومسلم: (١/٣٦٣) .
[ ٤٢ ]
خرج قال: يا أبا عبد الرحمن! إني رأيت في المسجد أمرًا أنكرته، ولم أر _ولله الحمد_ إلاَّ خيرًا، قال: فما هو؟ فقال: إن عشت فستراه.
قال: رأيت في المسجد قوما جلوسا، ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصى، فيقول: كبروا مائة. فيكبرون مائة.
فيقول هللوا مائة. فيهللون مائة. فيقول: سبحوا مائة. فيسبحون مائة.
قال: فماذا قلت لهم؟ ما قلت لهم شيئا، أنتظر أمرك. قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم، وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم شيء.
ثم مضى حتى أتى حلقة، فقال: ما هذا؟ قالوا: له: حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح. قال: فعدوا سيئاتكم، فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء. ويحكم يا أمة محمد! ما أسرع هلكتكم! هؤلاء صحابة نبيكم ﷺ متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تنكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد، أو مفتتحي باب ضلالة. قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن! ما أردنا إلا الخير. قال: وكم من مريد للخير لم يصبه؟ إن رسول الله ﷺ حدثنا أن قوما يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم. وأيم الله إني لأرى أكثرهم منكم. فقال عمر بن سلمة: رأينا عامة أولئك يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج (١) . انتهى.
_________________
(١) "سنن الدارمي": (١/٦٠) .
[ ٤٣ ]
وقال أيضا _رحمه الله ورضي الله عنه_ من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد ﷺ كانوا أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، ولإظهار دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، وخذوا بهديهم، فإنهم كانوا على الصراط المستقيم. انتهى.
فانظر إلى قوله _رضي الله عنه_: وأقلهم تكلفا. وهؤلاء الجهلة لا يقبلون إلا ممن يضيق عليهم ويشدد عليهم، ولا يقبلون رخصة الله في التيسير وعدم التكلف.
وقال حذيفة بن اليمان _رضي الله عنه_: " كل عبادة لا يتعبدها أصحاب محمد ﷺ فلا تعبدوها، فإن الأول لم يدع للآخر مقالا.
فاتقوا الله يا معشر القراء! وخذوا طريق من كان قبلكم". رواه أبو داود. انتهى.
ثم اعلم _وفقك الله_ أنه قد بلغنا وسمعنا أشياء كثيرة من هذه البدع والمنكرات المحدثة في الدين، التي أحدثها من أحدثها من أزمان تتطاول، فلم تنكر حتى فشت في الناس.
كما قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين _رحمه الله_ في بعض رسائله: وما أخوفني على من عاش أن يرى أمورا كثيرة لا منكر لها.
فلما لم تنكر هذه البدع ابتداء وتركت تفاقم الأمر، وفشت في كثير من العوام من الأعراب وغيرهم، حتى صعب إخراجها من قلوبهم. ولما أنكرنا شيئا منها، قال بعضهم: هؤلاء يميتون السنن.
[ ٤٤ ]
وقد ذكرت عن بعضهم أنهم يقولون: هذا كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب في البدو، والمشايخ اليوم يقولون ويقولون، وليس علينا إلا بيان الحق ورد الخلق إلى ما فيه صلاحهم وهدايتهم إلى سلوك الصراط المستقيم المخالف لما عليه أهل الأهواء والبدع. والتوفيق والهداية بيد الله، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
[ ٤٥ ]