موقف جمال الدين السرمري من أهل الأهواء والبدع
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: لزوم الجماعة وذم الفرقة.
المبحث الثاني: موقفه من أهل البدع.
[ ٢٦٩ ]
المبحث الأول: لزوم الجماعة وذم الفرقة
مفهوم الجماعة:
الجماعة في اللغة: مأخوذة من الاجتماع، وهو ضد التفرق، يقال: جمع الشيء عن تفرقة فاجتمع، وجمعت الشيء إذا جئت به من هاهنا وهاهنا، وأجمع أمره أي جعله جميعًا بعدما كان متفرقًا، والجمع اسم لجماعة الناس، والجماعة والجميع والمجمع كالجمع، وقد تستعمل الجماعة في غير الناس حتى قالوا: جماعة الشجر، وجماعة النبات (١).
وقال ابن فارس: "الجيم والميم والعين أصل واحد، يدل على تضام الشيء، يقال: جمعت الشيء جمعًا، والجُمَّاع الأُشابه من قبل شتى" (٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الجماعة هي الاجتماع وضدها الفرقة، وإن كان لفظ الجماعة قد صار اسمًا لنفس القوم المجتمعين" (٣).
أما مفهوم الجماعة بالمعنى الخاص، فقد اختلف العلماء في المقصود بها على أقوال (٤):
١ - أن الجماعة هم السواد الأعظم من أهل الإسلام، يقول أبو غالب: إن السواد الأعظم هم الناجون من الفرق، فما كانوا عليه من أمر دينهم فهو الحق، ومن خالفهم مات ميتة جاهلية، سواء خالفهم في شيء من الشريعة أو في إمامهم وسلطانهم، فهو مخالف للحق.
وممن قال بهذا عبدالله بن مسعود - ﵁ -، فقد روي أنه لما قُتل عثمان سُئل عن الفتنة فقال: "عليك بالجماعة فإن الله لم يكن ليجمع أمة محمد - ﷺ - على ضلالة، واصبر حتى يستريح بر أو
_________________
(١) انظر: لسان العرب (٨/ ٥٣).
(٢) معجم مقاييس اللغة (١/ ٤٧٩).
(٣) مجموع الفتاوى (٣/ ١٥٧).
(٤) انظر: الاعتصام (٣/ ٢٠٩ - ٢١٧)، للإمام الشاطبي، تحقيق: د. هشام الصيني، الطبعة الأولى ١٤٢٩، دار ابن الجوزي، الدمام؛ فتح الباري (١٣/ ٣٧).
[ ٢٧٠ ]
يستراح من فاجر" (١).
فعلى هذا القول يدخل في الجماعة مجتهدو الأمة وعلماؤها وأهل الشريعة العاملون بها، ومن سواهم داخلون في حكمهم، لأنه تابعون لهم ومقتدون بهم، فكل من خرج عن جماعتهم
فهم الذين شذوا، ويدخل في هؤلاء جميع أهل البدع لأنهم مخالفون لمن تقدم من الأمة، لم يدخلوا في سوادهم بحال.
٢ - أن الجماعة هي جماعة أئمة العلماء المجتهدين، فمن خرج عما عليه جماعة علماء الأمة مات ميتة جاهلية، لأن الله تعالى جعلهم حجة على العالمين، وأما العامة فعنها تأخذ دينها، وإليها تفزع في النوازل، وهي تبع لها، وممن قال بهذا عبدالله بن المبارك وإسحاق بن راهويه وجماعة من السلف وهو رأي الأصوليين، فقيل لعبدالله بن المبارك من الجماعة الذين ينبغي أن يقتدى بهم؟ قال: "أبو بكر وعمر، فلم يزل يحسب حتى انتهى إلى محمد بن ثابت والحسين بن واقد، فقيل: هؤلاء ماتوا، فمن الأحياء؟ قال: أبو حمزة السكري" (٢).
فعلى هذا القول لا مدخل في هذا السواد لمن ليس بعالم مجتهد، لأنه داخل في أهل التقليد، فمن عمل منهم بما يخالفهم فهو صاحب الميتة الجاهلية، ولا يدخل فيهم أيضًا أحد المبتدعين، لأن البدعة قد أخرجته عن نمط من يعتد بأقواله.
٣ - أن الجماعة هي جماعة الصحابة على الخصوص، فإنهم الذين أقاموا عماد الدين وأرسوا أوتاده، وهم الذين لا يجتمعون على ضلالة أصلًا، ولأنهم المتلقون لكلام النبوة الذين فهموا مراد الله بالتلقي من نبيه مشافهة، على علم وبصيرة بمواطن التشريع وقرائن الأحوال بخلاف غيره، فإن فيه لأهل الاجتهاد مجالًا للنظر ردًا أو قبولًا، فأهل البدع إذًا غير داخلين فيه، وممن قال بهذا القول عمر بن عبدالعزيز.
٤ - أن الجماعة هي جماعة أهل الإسلام، إذا أجمعوا على أمر فواجب على غيرهم من
_________________
(١) الاعتصام (٣/ ٢٠٩).
(٢) الاعتصام (٣/ ٢١١).
[ ٢٧١ ]
أهل الملل اتباعهم، وهم الذين ضَمِن الله لنبيه ﵊ أن لا يجمعهم على ضلالة.
وكأنَّ هذا القول راجع إلى الثاني وهو يقتضي ما يقتضيه، أو يرجع إلى القول الأول وهو الأظهر، وفيه من المعنى ما في الأول من أنه لابد من كون المجتهدين فيهم، وعند ذلك لا يكون
مع اجتماعهم على هذا القول بدعة أصلًا.
٥ - أن الجماعة هي جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير، وقد اختار هذا القول الإمام الطبري؛ وحاصل هذا القول أن الجماعة راجعة إلى الاجتماع على الإمام الموافق للكتاب والسنة، وذلك ظاهر في أن الاجتماع على غير سنة خارج عن معنى الجماعة كالخوارج ومن جرى مجراهم.
والذي يظهر أنه لا تعارض بين هذه الأقوال إذ الجماعة هي من كان على مثل ما كان عليه النبي - ﷺ - وأصحابه الكرام والتابعون ومن تبعهم بإحسان، فمن وافقهم فهو من الجماعة، وإن كان فردًا، ومن خالفهم فهو من أهل الشذوذ والفرقة وإن كثر عددهم.
قال عبدالله بن مسعود - ﵁ -: "إنما الجماعة ما وافق طاعة الله وإن كنت وحدك" (١).
وقال أبو شامة: "وحيث جاء الأمر بلزوم الجماعة فالمراد به لزوم الحق واتباعه وإن كان المتمسك بالحق قليلًا والمخالف كثيرًا لأن الحق الذي كانت عليه الجماعة الأولى من النبي - ﷺ - وأصحابه - ﵃ - ولا نظر إلى كثرة أهل الباطل بعدهم" (٢).
وقال ابن القيم: " واعلم أن الإجماع والحجة والسواد الأعظم هو العالم صاحب الحق وإن كان وحده وإن خالفه أهل الأرض وقال بعض أئمة الحديث وقد ذكر له السواد الأعظم فقال: أتدري ما السواد الأعظم هو محمد بن أسلم الطوسي وأصحابه! فمُسخ المختلفون الذين
_________________
(١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٢٢) ح ١٦٠.
(٢) الباعث على إنكار البدع والحوادث ص ٢٢، لأبي شامة المقدسي، تحقيق: عثمان أحمد عنبر، الطبعة الأولى ١٣٩٨، دار الهدى، القاهرة.
[ ٢٧٢ ]
جعلوا السواد الأعظم والحجة والجماعة هم الجمهور وجعلوهم عيارًا على السنة وجعلوا السنة بدعة والمعروف منكرًا لقلة أهله وتفردهم في الإعصار والأمصار وقالوا: من شذ شذ الله به في النار، وما عرف المختلفون أن الشاذ ما خالف الحق وإن كان الناس كلهم عليه إلا واحدًا منهم فهم الشاذون، وقد شذ الناس كلهم زمن احمد بن حنبل إلا نفرًا يسيرًا فكانوا هم الجماعة،
وكانت القضاة حينئذ والمفتون والخليفة وأتباعه كلهم هم الشاذون، وكان الإمام أحمد وحده هو الجماعة" (١).
الحث على لزوم الجماعة وذم التفرق:
جاءت النصوص الدالة على لزوم الجماعة والتمسك بها كثيرة ومتضافرة، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: من الآية ١٠٣].
وقوله - ﷻ -: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: من الآية ١٠٥].
وقوله - ﷻ -: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: من الآية ١٥٣].
وقوله - ﷿ -: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: من الآية ١٣].
وعن عبدالله بن عمر ﵄ قال: خطبنا عمر بالجابية فقال: يا أيها الناس، إني قمت فيكم كمقام رسول الله - ﷺ - فينا فقال: «أوصيكم بأصحابي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب حتى يحلف الرجل ولا يستحلف، ويشهد الشاهد ولا يستشهد، ألا
_________________
(١) إعلام الموقعين (٣/ ٣٩٨).
[ ٢٧٣ ]
لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان، عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو مع الاثنين أبعد، من أراد بحبوبة الجنة فيلزم الجماعة » (١).
وعن أبي ذر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من فارق الجماعة شبرًا فقد خلع ربقة
الإسلام من عنقه» (٢).
وقد ذكر الإمام جمال الدين السرمري فيما يندرج تحت هذا المبحث الأحاديث الواردة بلزوم الجماعة والنهي عن الفرقة في فصل قتال الخوارج والبغاة (٣).
وما أشار إليه الإمام جمال الدين السرمري هو منهج أهل السنة والجماعة في هذا الباب.
قال الإمام البربهاري: "اعلموا أن الإسلام هو السنة، والسنة هي الإسلام، ولا يقوم أحدهما إلا بالآخر، فمن السنة لزوم الجماعة، فمن رغب غير الجماعة وفارقها فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، وكان ضالًا مضلًا" (٤).
وقد عقد الإمام الآجري بابًا في ذكر الأمر بلزوم الجماعة والنهي عن الفرقة، ومما قال فيه: " أمرنا - ﷿ - بلزوم الجماعة، ونهانا عن الفرقة، وكذلك حذرنا النبي - ﷺ - من الفرقة وأمرنا بالجماعة، وكذلك حذرنا أئمتنا ممن سلف من علماء المسلمين كلهم يأمرون بلزوم الجماعة، وينهون عن الفرقة" (٥).
كما عقد أيضًا الإمام اللالكائي فصلًا في سياق ما ورد عن النبي - ﷺ - في الحث على اتباع الجماعة والسواد الأعظم والوعيد عن مفارقة الجماعة.
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٤/ ٤٦٥) ح ٢١٦٥، وقال: "هذا حديث حسن صحيح غريب".
(٢) أخرجه أبو داود (٤/ ٢٤١)، كتاب السنة، باب في قتل الخوارج، ح ٤٧٥٨؛ قال الألباني: "صحيح". انظر: صحيح سنن أبي داود (٣/ ١٦٧).
(٣) إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة، ص ٥٤٧ - ٤٥٨.
(٤) شرح السنة، ص ٢١.
(٥) الشريعة (١/ ٢٧٦).
[ ٢٧٤ ]
المبحث الثاني: موقف جمال الدين السرمري من أهل البدع
تمهيد
أهل البدع نسبة إلى البدعة:
والبدعة في اللغة:
مصدر (بَدَعَ)، قال ابن فارس: " الباء والدال والعين أصلان: أحدهما ابتداء الشيء وصنعُه لا عن مثال، والآخر الانقطاع والكلال" (١).
والمعنى الثاني داخل في المعنى الأول، كما أشار إلى ذلك ابن الأثير حيث قال: "أبدعت الناقة إذا انقطعت عن السير بكلال أو ظلع كأنه جعل انقطاعها عما كانت مستمرة عليه من عادة السير إبداعًا أي إنشاء أمر خارج عما اعتيد منها" (٢).
وقال ابن منظور: "البدعة: الحَدَث، وما ابتُدع من الدين بعد الإكمال، -وقال- ابن السكيت: البدعة كل مُحدثة -إلى أن قال: - وفلان بِدْع في هذا الأمر: أي أول لم يسبقه أحد" (٣).
وعليه فإن البدعة بالمفهوم اللغوي العام: ابتداء الشيء وإنشاؤه لأول مرة على غير مثال سابق، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: من الآية ٩]، وقوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: من الآية ١١٧]، وقوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ [الحديد: من الآية ٢٧].
أما البدعة في الاصطلاح:
فقد اختلفت عبارات العلماء في ذلك، علمًا بأنها تلتقي في معنى عام كلي في الجملة.
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة (١/ ٢١٠).
(٢) النهاية في غريب الأثر (١/ ٢٦٧).
(٣) لسان العرب (٨/ ٦).
[ ٢٧٥ ]
فقد عرفها الإمام الشاطبي بأنها: "طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية، يُقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه" (١).
ويعرفها شيخ الإسلام بأنها: "ما لم يشرعه الله ورسوله وهو مالم يأمر به أمر إيجاب ولا استحباب" (٢).
وقال في موضع آخر: "والبدعة: ما خالفت الكتاب والسنة أو إجماع سلف الأمة من الاعتقادات والعبادات، كأقوال الخوارج والروافض والقدرية والجهمية وكالذين يتعبدون بالرقص والغناء في المساجد والذين يتعبدون بحلق اللحى وأكل الحشيشة وأنواع ذلك من البدع التي يتعبد بها طوائف من المخالفين للكتاب والسنة" (٣).
ويعرفها ابن رجب بأنها: "ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعًا وإن كان بدعة لغة" (٤).
ويعرفها السيوطي بأنها: "عبارة عن فعلة تصادم الشريعة بالمخالفة، أو توجب التعاطي عليها بزيادة أو نقصان" (٥).
وكما سبق فإن هذه الضوابط والحدود التي ذكرها العلماء للبدعة لا تخرج في مفهومها العام من كون البدعة إحداث في الدين ماليس له أصل في الشرع، سواء كان ذلك في العمل أو القول أو في الاعتقاد.
ومفهوم مسمى (أهل البدع) يطلق غالبًا على كل من اشتهر ببدعة وخاصة منها الاعتقادية.
قال الإمام الشاطبي: "إن لفظ أهل الأهواء وعبارة أهل البدع إنما تطلق حقيقة على الذين
_________________
(١) الاعتصام (١/ ٤٧).
(٢) مجموع الفتاوى (٤/ ١٠٨).
(٣) مجموع الفتاوى (١٨/ ٣٤٦).
(٤) جامع العلوم والحكم، ص ٢٦٦.
(٥) الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع ص ٨٨، لجلال الدين السيوطي، تحقيق: ذيب القحطاني، ١٤٠٩، مطابع الرشيد.
[ ٢٧٦ ]
ابتدعوها، وقدَّموا فيها شريعة الهوى بالاستنباط والنصر لها، والاستدلال على صحتها في زعمهم، حتى عُدّ خلافهم خلافًا، وشبههم منظورًا لها، ومُحتاجًا إلى ردِّها والجواب عنها، كما تقول في ألقاب الفرق من المعتزلة والقدرية والمرجئة والخوارج والباطنية ومن أشبههم فإنها ألقاب لمن قام بتلك النحل، ما بين مستنبط لها، وناصر لها، وذاب عنها" (١).
وقال شيخ الإسلام: "ومما ينبغي أيضًا أن يُعرف أن الطوائف المنتسبة إلى متبوعين في أصول الدين والكلام على درجات: منهم من يكون قد خالف السنة في أصول عظيمة، ومنهم من يكون إنما خالف السنة في أمور دقيقة ومثل هؤلاء إذا لم يجعلوا ما ابتدعوه قولًا يُفارقون به جماعة المسلمين، يُوالون عليه ويعادون، كان من نوع الخطأ بخلاف من والى موافقه وعادى مخالفه وفرَّق بين جماعة المسلمين وكفَّر وفسَّق مخالفه دون موافِقِه في مسائل الآراء والاجتهادات، واستحل قتال مخالفه دون موافقه من أهل التفرق والاختلافات، ولهذا كان أوَّل من فارق جماعة المسلمين من أهل البدع الخوارج المارقون" (٢).
الموقف من أهل البدع:
لقد وضع أهل السنة والجماعة قواعد وضوابط في التعامل مع أهل الأهواء والبدع، ومن ذلك:
أولًا: حراسة الدين، وإبطال البدع:
أول موقف لأهل السنة والجماعة من البدع والمبتدعة هو نفيرهم الدائم لحراسة الدين وإبطال البدع، فما كان يطلع للبدعة قرن إلا ويهب الرجال العاملون والعلماء المخلصون لاستئصال شأفة هذه البدعة وإماتتها وقطعها عن طريق الأمة.
_________________
(١) الاعتصام (١/ ٢٨٠).
(٢) مجموع الفتاوى (٣/ ٣٤٩).
[ ٢٧٧ ]
وكان أول بدعة ظهرت في الدين التفريق بين الصلاة والزكاة، والادعاء أن الزكاة لا تؤدى إلا للرسول ولا تعطي لخلفائه من بعده، فتصدى الصديق - ﵁ - لهذه البدعة، وقاتل القائلين بها، ووأدها في مهدها قبل أن يستفحل ضررها وشرها، ولو ترك أبو بكر ذلك فلم يقاتلهم لانْثَلَم الإسلام، ولما التأم بعد ذلك أبدًا، ولأصبحت هذه البدعة سنة مُتّبعةً يأخذ بها الناس بعدهم فيؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، ويفعلون ما يحلو لهم من الدين ويتركون ما لا يشتهون.
وفي عهد الفاروق - ﵁ - حصلت بعض البدع الصغيرة فأماتها كاتباع متشابه القرآن، واستحلال الخمر بزعم أن القرآن يبيح ذلك، والزعم أن الصحابة لا يطبقون القرآن كله.
وفي عهد عثمان ﵁ حدثت أوائل الفتنة الكبرى وهي الخروج على الإمام الحق بالسيف، وانتهت بدعتهم بمقتله - ﵁ -، وكان هذا بداية فتنة عظمى في الإسلام وظهور بدعة الخوارج التي لا تزال إلى يوم القيامة، ولقد قام أهل السنة والجماعة فردوا هذه البدعة بالعلم والبرهان والدليل.
ثم توالت البدع فجاءت القدرية، وجاءت المرجئة، وجاءت الرافضة، وجاء الزنادقة، والفرق الباطنية، وجاءت الجهمية منكروا الصفات والأسماء، وكلما ظهرت بدعة من هذه البدع كان أهل الإسلام الحق لها بالمرصاد، فأما الأمراء الصالحون فقد وضعوا السيف في أصحابها ومروجيها، وأما العلماء الأبرار فقد قاموا بالرد والإبطال لها.
ولا تكاد توجد بدعة أو مقالة من مقالات الخارجين عن الكتاب والسنة إلا ولعلماء السنة والجماعة جهاد مشكور وردود تدحض هذه البدعة، وتبين زيفها وبعدها عن الحق.
والخلاصة أن موقف أهل السنة والجماعة من البدع والمبتدعة هو أنهم كشفوا اللثام عن كل قول أو فعل يخالف القرآن والسنة ويخرج عن إجماع الأمة، وصاحوا بأهل البدع من كل مكان في الأرض يبينون زيف مقالاتهم، وكذب ادعاءاتهم، وخروجهم ببدعتهم عن الإسلام
[ ٢٧٨ ]
الصحيح، والدين الخالص.
ولقد سار الإمام جمال الدين السرمري على هذا النهج في حراسة الدين وإبطال البدع،
يوضح ذلك رده على تقي الدين السبكي لما شنع على شيخ الإسلام ابن تيمية رده رفض ابن مطهر الحلي، حين قال السبكي:
"والناس في غُنية عن ردِّ إفكهمُ لهجنة الرفض واستقباح مذهبه" (١).
فرد عليه الإمام جمال الدين السرمري ببيان وجوب حراسة الدين وإبطال البدع، وأن هذا هو منهاج الأئمة، بل هذا داخل دخولًا أوليًا في شريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال:
"والله لا غنية عن رد إفكهم بل رده واجب أعظم بموجبه
أيتركون يسبون الصحابة والـ إسلام يختال زهوًا في تصلبه
هذا مقال شنيع لم يقل أحد به ولا رهط جهم في تحزبه
والله لولا سيوف من أئمتنا في كاهل الرفض لا تُلْوى ومنكبه
لأضحت السنة الغراء دائرة بين البرية كالعنقا وأغربه
إلى أن قال:
أيترك الأمر بالمعروف مطرحًا والنهي عن منكر ما من يقول به
كلا ومن رفع السبع الطباق على وجه الثرى وتعالى في تحجبه" (٢).
ثانيًا: الهجر:
الأصل في الشرع هو هجر المبتدع، لكن ليس عامًا في كل حال ومن كل إنسان ولكل مبتدع، ومشروعية الهجر هي في دائرة ضوابطه الشرعية المبنية على رعاية المصالح ودرء المفاسد،
_________________
(١) ذكرها التاج السبكي في ترجمة أبيه التقي السبكي في "طبقات الشافعية الكبرى" (١٠/ ١٧٦).
(٢) الحمية الإسلامية، ص ٥٨ - ٦٠.
[ ٢٧٩ ]
وهذا مما يختلف باختلاف البدعة نفسها واختلاف مبتدعها واختلاف أحوال الهاجرين، واختلاف المكان والقوة والضعف، والقلة والكثرة، وهكذا من وجوه الاختلاف والاعتبار التي
يرعاها الشرع.
وميزانها للمسلم الذي به تنضبط المشروعية هو: مدى تحقق المقاصد الشرعية من الهجر: من الزجر، والتأديب، ورجوع العامة، وتحجيم المبتدع وبدعته وضمان السنة من شائبة البدعة.
ويحسن هنا أن أنقل بالنص فتوى شيخ الإسلام ﵀ حول أحكام الهجر، وحكمته، فقد سئل ﵀ عمن يجب أو يجوز بغضه أو هجره أو كلاهما لله تعالى؟ وماذا يشترط على الذي يبغضه أو يهجره لله تعالى من الشروط؟ وهل يدخل ترك السلام في الهجران؟ وإذا بدأ المهجور بالسلام فهل يجب الرد عليه أم لا؟ وهل يستمر البغض والهجران لله - ﷿ - حتى يتحقق زوال الصفة المذكورة التي أبغضه وهجره عليها؟ أم هل يكون لذلك مدة معلومة؟ فإن كان لها مدة معلومة فما حدها؟
فأجاب ﵀: "الهجر الشرعي نوعان: أحدهما بمعنى الترك للمنكرات، والثاني: بمعنى العقوبة عليها.
فالأول: هو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]، وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: من الآية ١٤٠].
فهذا يراد به أنه لا يشهد المنكرات لغير حاجة مثل قوم يشربون الخمر يجلس عندهم، وقوم دعوا إلى وليمة فيها خمر وزمر لا يجيب دعوتهم، وأمثال ذلك؛ بخلاف من حضر عندهم للإنكار عليهم، أو حضر بغير اختياره، ولهذا يقال: حاضر المنكر كفاعله، وفي الحديث: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يشرب عليها الخمر»، وهذا الهجر من
[ ٢٨٠ ]
جنس هجر الإنسان نفسه عن فعل المنكرات، كما قال - ﷺ -: «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه»
ومن هذا الباب الهجرة من دار الكفر والفسوق إلى دار الإسلام والإيمان، فإنه هجر للمقام بين الكافرين والمنافقين الذين لا يمكنونه من فعل ما أمر الله به، ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدَّثر: ٥].
النوع الثاني: الهجر على وجه التأديب، وهو هجر من يظهر المنكرات، يُهجر حتى يتوب منها، كما هجر النبي ﷺ والمسلمون الثلاثة الذين خلفوا حتى أنزل الله توبتهم حين ظهر منهم ترك الجهاد المتعيّن عليهم بغير عذر، ولم يهجر من أظهر الخير وإن كان منافقًا، فهنا الهجر هو بمنزلة التعزير.
والتعزير يكون لمن ظهر منه ترك الواجبات وفعل المحرمات: كتارك الصلاة والزكاة والتظاهر بالمظالم والفواحش والداعي إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة التي ظهر أنها بدع.
وهذه حقيقة قول من قال من السلف والأئمة: إن الدعاة إلى البدع لا تقبل شهادتهم، ولا يصلى خلفهم، ولا يؤخذ عنهم العلم، ولا يناكحون.
فهذه عقوبة لهم حتى ينتهوا؛ ولهذا يُفرقون بين الداعية وغير الداعية، لأن الداعية أظهر المنكرات فاستحق العقوبة بخلاف الكاتم فإنه ليس شرًا من المنافقين الذين كان النبي - ﷺ - يقبل علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله مع علمه بحال كثير منهم، ولهذا جاء في الحديث: «إن المعصية إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، ولكن إذا أعلنت فلم تنكر ضرت العامة»، وذلك لأن النبي - ﷺ - قال: «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوْشَك أن يعمهم الله بعقاب منه»، فالمنكرات الظاهرة يجب إنكارها، بخلاف الباطنة فإن عقوبتها على صاحبها خاصة، وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم، فإن المقصود به زجر المهجور وتأديبه ورجوع العامة عن مثل حاله، فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة بحيث
[ ٢٨١ ]
يُفضي هجره إلى ضعف الشر وخفيته كان مشروعًا، وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك بل يزيد الشر والهاجر ضعيف بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته لم يشرع الهجر،
بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر، والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف، ولهذا كان النبي يتألف قومًا ويهجر آخرين وإذا عرف هذا فالهجرة هي من الأعمال التي أمر الله بها ورسوله، فالطاعة لابد أن تكون خالصة لله وأن تكون موافقة لأمره فتكون خالصة لله صوابًا، فمن هجر لهوى نفسه أو هجر هجرًا غير مأمور به، كان خارجًا عن هذا، وما أكثر ما تفعل النفوس ما تهواه ظانة أنها تفعله طاعة لله " (١).
وقد نقل ابن حجر ﵀ أقوال الأئمة في هذه المسألة عند تبويب البخاري (باب من لم يُسلم على من اقترف ذنبًا)، فقال: "وقد ذهب الجمهور إلى أنه لا يسلم على الفاسق ولا المبتدع، قال النووي: فإن اضطر إلى السلام بأن خاف ترتب مفسدة في دين أو دنيا إن لم يسلم سلم، وكذا قال ابن العربي وزاد: وينوي أن السلام اسم من أسماء الله تعالى، فكأنه قال: الله رقيب عليكم، وقال المهلب ترك السلام على أهل المعاصي سنة ماضية وبه قال كثير من أهل العلم في أهل البدع، وحكى ابن رشد قال: قال مالك: لا يسلم على أهل الأهواء، قال ابن دقيق العيد: ويكون ذلك على سبيل التأديب لهم والتبري منهم" (٢).
وقد قرر الإمام جمال الدين السرمري ﵀ هذا المنهج في التعامل مع أهل البدع في أكثر من موضع؛ فمن ذلك قوله عند الحديث الوارد في النهي عن التهاجر والتشاجر: "يشترط في هذه الهجرة أن تكون في غير ذات الله تعالى، كمن هجر مسلمًا غير مبتدع، بل لحظ النفس، فذلك الذي لا يجوز هجره أكثر من ثلاثة أيام، وهو الذي يُحبس عن دخول الجنة؛ وأما إن كان الهجر لبدعة، فهو مندوب إليه، ويثاب المسلم عليه، ولا يجوز أن يُسَلَّم عليه ما دام على بدعته، لأنه ورد أن: من سلَّم على صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام" (٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٢٠٣ - ٢٠٧).
(٢) فتح الباري (١١/ ٤٠).
(٣) الأربعون الصحيحة، ص ٧١.
[ ٢٨٢ ]
وقال في كتاب الأدب من كتابه إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة: "ولا تهجر مسلمًا
فوق ثلاث إلا لبدعة" (١).
وقال في منظومته في الاعتقاد:
"ومن كان بدعيًّا أُمرنا بهجره وقلنا لهم لا قوه بالزجر لا البشر" (٢).
_________________
(١) إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة، ص ٦٦٨.
(٢) نهج الرشاد، ص ٣٦.
[ ٢٨٣ ]