منهج جمال الدين السرمري في الصحابة والإمامة
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: منهج جمال الدين السرمري في الصحابة - ﵃ -.
المبحث الثاني: منهج جمال الدين السرمري في الإمامة.
[ ٢٤٨ ]
المبحث الأول
منهج جمال الدين السرمري في الصحابة - ﵃ -
تمهيد: تعريف الصحابي:
لغة: الصاد والحاء والباء، أصل واحد، يدل على مقارنة شيء ومقاربته من ذلك الصَّاحب، والجمع: الصَّحْب؛ ومن الباب: أصحب فلان: إذا انقاد، وكل شيء لائم شيئًا فقد استصحبه (١).
قال الباقلاني: "لا خلاف بين أهل اللغة في أن القول صحابي مشتق من الصحبة وأنه ليس بمشتق من قدر منها مخصوص بل هو جار على كل من صحب غيره قليلًا كان أو كثيرًا كما أن القول مكلم ومخاطب وضارب مشتق من المكالمة والمخاطبة والضرب وجار على كل من وقع منه ذلك قليلًا كان أو كثيرًا وكذلك جميع الأسماء المشتقة من الأفعال وكذلك يقال: صحبت فلانًا حولًا ودهرًا وسنة وشهرًا ويومًا وساعة، فيوقع اسم المصاحبة بقليل ما يقع منها وكثيره وذلك يوجب في حكم اللغة إجراء هذا على من صحب النبي - ﷺ - ولو ساعة من نهار هذا هو الأصل في اشتقاق الاسم " (٢).
وقال السخاوي: "الصحابي لغة: يقع على من صحب أقل ما يطلق اسم الصحبة فضلًا عمن طالت صحبته وكثرت مجالسته" (٣).
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة (٣/ ٣٣٥).
(٢) الكفاية في علم الرواية ص ٥١، للخطيب البغدادي، تحقيق: أبو عبدالله السورقي وإبراهيم حمدي المدني، المكتبة العلمية، المدينة.
(٣) فتح المغيث شرح ألفية الحديث، لشمس الدين السخاوي (٣/ ٩٣)، الطبعة الأولى ١٤٠٣، دار الكتب العلمية، لبنان.
[ ٢٤٩ ]
أما تعريفه في الاصطلاح:
فقد تنوعت عبارات العلماء في ذلك مع اتفاق المعنى في الجملة:
قال الواقدي: "ورأينا أهل العلم يقولون: كل من رأى رسول الله - ﷺ - وقد أدرك الحلم فأسلم وعقل أمر الدين ورضيه فهو عندنا ممن صحب رسول الله - ﷺ - ولو ساعة من نهار ولكن أصحابه على طبقاتهم وتقدمهم في الإسلام" (١).
قال الإمام أحمد: "كل من صحبه سنة أو شهرًا أو يومًا أو ساعة أو رآه فهو من
أصحابه، له من الصحبة على قدر ما صحبه، وكان سابقته معه، وسمع منه، ونظر إليه" (٢).
وقال البخاري: "من صحب النبي - ﷺ - أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه" (٣).
ولعل من أدق التعاريف ما ذكره الحافظ ابن حجر بقوله: "وأصح ما وقفت عليه من ذلك أن الصحابي: من لقي النبي - ﷺ - مؤمنًا به ومات على الإسلام -ثم شرح التعريف بقوله: - فيدخل فيمن (لقيه): من طالت مجالسته له أو قصرت ومن روى عنه أو لم يرو ومن غزا معه أو لم يغز ومن رآه رؤية ولو لم يجالسه ومن لم يره لعارض كالعمى، ويخرج بقيد (الإيمان): من لقيه كافرًا ولو أسلم بعد ذلك إذا لم يجتمع به مرة أخرى، وقولنا (به): يخرج من لقيه مؤمنًا بغيره كمن لقيه من مؤمني أهل الكتاب قبل البعثة، وهل يدخل من لقيه منهم وآمن بأنه سيبعث أو لا يدخل محل احتمال ومن هؤلاء بحيرا الراهب ونظراؤه، ويدخل في قولنا (مؤمنًا به): كل مكلف من الجن والإنس فحينئذ يتعين ذكر من حفظ ذكره من الجن الذين آمنوا به بالشرط المذكور ، وهل تدخل الملائكة محل نظر قد قال بعضهم إن ذلك ينبني على أنه هل كان مبعوثا إليهم أو لا ، وخرج بقولنا (ومات على الإسلام): من لقيه مؤمنًا به ثم ارتد ومات على ردته والعياذ بالله ويدخل فيه من ارتد وعاد إلى الإسلام قبل أن يموت سواء اجتمع به - ﷺ - مرة أخرى أم لا وهذا هو الصحيح المعتمد والشق الأول لا خلاف في دخوله وأبدى
_________________
(١) أسد الغابة (١/ ٧).
(٢) الكفاية، ص ٥٢.
(٣) فتح الباري (٧/ ٣).
[ ٢٥٠ ]
بعضهم في الشق الثاني احتمالًا وهو مردود لإطباق أهل الحديث على عد الأشعث بن قيس في الصحابة وعلى تخريج أحاديثه في الصحاح والمسانيد وهو ممن ارتد ثم عاد إلى الإسلام في خلافة أبي بكر، وهذا التعريف مبني على الأصح المختار عند المحققين كالبخاري وشيخه أحمد ابن حنبل ومن تبعهما" (١).
المطلب الأول: حق الصحابة - ﵃ -:
يقرر جمال الدين السرمري ﵀ تولي جميع أصحاب النبي - ﷺ -، ومحبتهم، والترضي عنهم، وأنهم خير قرون الخلق.
أما على الخصوص: فمعرفة لكل فضله ومنزلته وسابقته بحسب ورود النص فيه على خصوصه، والشهادة له وفق ما جاء في هذا النص، كالخلفاء الأربعة، وبقية العشرة، وأهل بدر، وبيعة الشجرة، وعائشة، وسائر أمهات المؤمنين.
يقول ﵀:
"وخير القرون الخلق قرن نبيّنا وأفضله عشرون مع عشر مع عشر
هم الأربعون المسلمون الألى بهم جرى القمر الإيمان في فلك النَّصر
وأفضلهم عشر عن النار زحزحوا فكل ثَوى من جنة الخلد في قَصْر
وأفضل هذا العشر أربعة لهم على الخلق فضل كالنُّضار على الصُّفْر (٢)
-ثم قال: -
وأن نترضى عن صحاب محمد كما أمر الرحمن في سورة الحشر
-إلى أن قال: -
وأن لأهل البيت فضلًا على الورى نحققه فيهم للفقير وللمثري
_________________
(١) الإصابة (١/ ٤ - ٥).
(٢) النضار: الذهب. لسان العرب (١/ ٦٤٢)؛ والصُّفْر: النحاس. انظر: لسان العرب (٤/ ٤٦٠).
[ ٢٥١ ]
وأن ابنة الصدّيق عائشة الرضى منزهة عما يقول أولو الأشر
وكل نساء المصطفى أمهاتنا ورادِدُ هذا القول مستوجب الهجر" (١).
وقد تقدم أن من مؤلفات السرمري: كتاب "عمدة الدين في فضل الخلفاء الراشدين"، وكتاب "غيث السحابة في فضائل الصحابة"، وكتاب "نشر القلب الميْت بفضل أهل البيت".
وما قرره جمال الدين السرمري ﵀ موافق للنصوص الشرعية ومنهج أهل السنة والجماعة.
قال - ﷾ -: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠].
وقال - ﷿ -: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨].
وقال - ﷻ -: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩].
وعن عمران بن حصين - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «خيركم قرني، ثم يلونهم، ثم الذين يلونهم» (٢).
وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق
_________________
(١) نهج الرشاد، ص ٤٢ - ٤٣.
(٢) أخرجه البخاري (٨/ ٩١)، كتاب الرقاق، باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها، ح ٦٤٢٨؛ ومسلم (٤/ ١٩٦٤)، كتاب فضائل الصحابة - ﵃ -، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ح ٢٥٣٥؛ واللفظ للبخاري.
[ ٢٥٢ ]
مثل أحد ذهبًا، ما بلغ مدَّ أحدهم ولا نصيفه» (١).
وحديث جابر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها» (٢).
وحديث علي بن أبي طالب - ﵁ - الطويل في قصة حاطب بن أبي بلعتة - ﵁ -، وفيه: فقال
النبي - ﷺ -: «إنه شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدرًا فقال: اعملوا ما شئتم قد غفرت لكم» (٣).
والأدلة من السنة كثيرة جدًا، حتى أن أئمة أهل الحديث عقدوا لهذا الموضوع مباحث مستقلة في كتبهم.
قال شيخ الإسلام -بعد أن ذكر جملة من أحاديث فضائل الصحابة-: "وهذه الأحاديث مستفيضة بل متواترة في فضائل الصحابة والثناء عليهم وتفضيل قرنهم على من بعدهم من القرون" (٤).
وقال ابن كثير: "والصحابة كلهم عدول عند أهل السنة والجماعة، لما أثنى الله عليهم في كتابه العزيز، وبما نطقت به السنة النبوية في المدح لهم في جميع أخلاقهم وأفعالهم، وما بذلوه من الأموال والأرواح بين يدي رسول الله - ﷺ -، رغبة فيما عند الله من الثواب الجزيل، والجزاء الجميل" (٥).
وقد حُكي الإجماع على عدالتهم، قال السفاريني: "فمعتمد القول عند أئمة السنة أن
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥/ ٨)، كتاب أصحاب النبي - ﷺ -، باب قول النبي - ﷺ -: «لو كنت متخذًا خليلًا»، ح ٣٦٧٣؛ ومسلم (٤/ ١٩٦٧)، كتاب فضائل الصحابه - ﵃ -، باب تحريم سب الصحابة - ﵃ -، ح ٢٥٤١.
(٢) أخرجه مسلم (٤/ ١٩٤٢)، كتاب فضائل الصحابة - ﵃ -، باب فضائل أصحاب الشجرة أهل بيعة الرضوان - ﵃ -، ح ٢٤٩٦.
(٣) أخرجه البخاري (٥/ ١٤٥)، كتاب المغازي، باب غزوة الفتح، ح ٤٢٧٤؛ ومسلم (٤/ ١٩٤١)، كتاب فضائل الصحابة - ﵃ -، باب من فضائل أهل بدر - ﵃ - وقصة حاطب بن أبي بلتعة، ح ٢٤٩٤.
(٤) مجموع الفتاوى (٤/ ٤٣٠).
(٥) اختصار علوم الحديث ص ١٨١ - ١٨٢، لابن كثير، تحقيق: أحمد شاكر، الطبعة الثانية، دار الكتب العلمية، بيروت.
[ ٢٥٣ ]
الصحابة رضوان الله عليهم كلهم عدول بالكتاب والسنة وإجماع أهل الحق المعتبرين" (١).
المطلب الثاني: الإمساك عما شجر بين الصحابة - ﵃ -:
قرر جمال الدين السرمري ﵀ الإمساك عما شجر بينهم، مع سلامة القلوب، وكف الألسن عن الخوض في ذلك، فقال:
"ونمسك عمّا شجر بينهم من تشاجر ونعلم أن الله لكل ذو غفر" (٢).
وما قرره جمال الدين السرمري هو أصل من أصول مذهب أهل السنة والجماعة تجاه أصحاب النبي - ﷺ -.
قال ابن عباس - ﵁ -: "لا تسبوا أصحاب محمد - ﷺ - فإن الله - ﷿ - قد أمر بالاستغفار لهم وهو يعلم أنهم سيقتتلون" (٣).
وقال الإمام الصابوني في عقيدة السلف وأصحاب الحديث: "ويرون الكف عما شجر بين أصحاب رسول الله - ﷺ -، وتطهير الألسنة عن ذكر ما يتضمن عيبًا لهم ونقصًا فيهم، ويرون الترحم على جميعهم والموالاة لكافتهم" (٤).
وقال أبو الحسن الأشعري: "وأجمعوا -يعني أهل السنة- على الكف عن ذكر الصحابة ﵈ إلا بخير ما يذكرون به، وعلى أنهم أحق أن ينشر محاسنهم ويلتمس لأفعالهم أفضل المخارج وأن نظن بهم أحسن الظن وأحسن المذاهب ممتثلين في ذلك لقول رسول الله: «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا» وقال أهل العلم: معنى ذلك لا تذكروهم إلا بخير الذكر " (٥).
وقال شيخ الإسلام في معرض ذكره لأصول أهل السنة والجماعة: "ويمسكون عما شجر
_________________
(١) لوامع الأنوار (٣/ ٣٧٧).
(٢) نهج الرشاد، ص ٤٣.
(٣) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٧/ ١٣١٨ - ١٣١٩).
(٤) عقيدة السلف وأصحاب الحديث، ص ٣٢.
(٥) رسالة إلى أهل الثغر، ص ٣٠٣ - ٣٠٤.
[ ٢٥٤ ]
بين الصحابة، ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ماهو كذب ومنها ما قدر زيد ونُقص وغُيِّر عن وجهه، والصحيح منه: هم فيه معذورون، إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون " (١).
ولا يعني الإمساك عما شجر بين الصحابة ادعاء العصمة لهم، بل هم بشر يجري عليهم
ما يجري على سائر البشر من الخطأ والسهو والغفلة.
قال شيخ الإسلام: "ومما ينبغي أن يُعلم أنه وإن كان المختار الإمساك عما شجر بين الصحابة والاستغفار للطائفتين جميعًا وموالاتهم، فليس من الواجب اعتقاد أن كل واحد من العسكر لم يكن إلا مجتهدًا متأولًا كالعلماء، بل فيهم المُذنب والمُسيء، وفيهم المُقصر في الاجتهاد لنوع من الهوى لكن إذا كانت السيئة في حسنات كثيرة كان مرجوحة مغفورة، وأهل السنة تُحسن القول فيهم وتترحم عليهم وتستغفر لهم، لكن لا يعتقدون العصمة من الإقرار على الذنوب وعلى الخطأ في الاجتهاد " (٢).
المطلب الثالث: ترتيب الخلفاء في الفضل:
إن التفاضل بين الخلق سنة من سنن الله في هذا الكون:
قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: من الآية ٣٢].
وقال - ﷿ -: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ [النحل: من الآية ٧١].
ولقد فضل الله بعض النبيين على بعض، قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: من الآية ٢٥٣].
وقال - ﷾ -: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: من الآية ٥٥].
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٣/ ١٥٥).
(٢) مجموع الفتاوى (٤/ ٤٣٤).
[ ٢٥٥ ]
كما أنه ﷾ فاضل بين الأمم، فقال - ﷾ -: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة من الآية: ٤٧].
وكذلك الصحابة - ﵃ - كسائر الخلق بينهم التفاضل، قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد: من الآية ١٠].
وأهل السنة والجماعة يقرون بما تواتر به النقل ودلت عليه الآثار من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، ووقع الخلاف من بعضهم في عثمان وعلي - ﵃ - في الفضل مع إجماعهم على تقديم عثمان - ﵁ - في مسألة الخلافة.
ثم استقر قول أهل السنة على تقديم عثمان على علي في الفضل، وأن ترتيب الخلفاء الأربعة في الفضل كترتيبهم في الخلافة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في معرض ذكره لأصول أهل السنة والجماعة: "ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - ﵁ - وعن غيره من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ويثلثون بعثمان ويربِّعون بعلي - ﵃ - كما دلت عليه الآثار وكما أجمع الصحابة - ﵃ - على تقديم عثمان في البيعة مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي -﵄ بعد اتفاقهم على تقديم أبي بكر وعمر- أيها أفضل، فقدم قوم عثمان وسكتوا أو ربعوا بعلي، وقدَّم قوم عليًا، وقوم توقفوا؛ لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان، وإن كانت هذه المسألة -مسألة عثمان وعلي- ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة، لكن المسألة التي يضلل المخالف فيها هي مسألة الخلافة، وذلك أنهم يؤمنون بأن الخليفة بعد رسول الله - ﷺ - أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء الأئمة فهو أضل من حمار أهله" (١).
وهذا ما قرره جمال الدين السرمري ﵀ حيث قال:
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٣/ ١٥٣).
[ ٢٥٦ ]
"وأفضلهم صدِّيقه ووزيره أبو بكر ذو الإنفاق في اليسر والعسر
ومن بعده الفاروق لا يُنسى فضله وعثمان ذو النورين ذو القرب بالصهر
ومن بعده زوج البتول عليّ الذي جاهد الكفار بالبيض والسُمر" (١).
وقال في تقدمة كتابه (المولد الكبير للبشير النذير - ﷺ -) بعد الصلاة على النبي - ﷺ -: "وعلى صاحبه الصدّيق وخليفته بالتحقيق، والمُنفق عليه ماله في الضيق، أبي بكر عبدالله بن عثمان الذي قاتل أهل الردة، وألحق العاصي بالمطيع؛ وعلى صاحبه الفاروق، المكلَّم والمكاشف، المحدث الملهم، والعادل المعظم المكرم، أبي حفص عمر بن الخطاب، كافل الأرملة واليتيم، والعظيم والرّضيع؛ وعلى ذو النورين، صهره على الابنتين، وختنه على الكريمتين، وأمينه على البضْعتين، أبي عمرو عثمان بن عفان المقتول ظلمًا، أفضل أهل البقيع؛ وعلى المرتضى البطل الهمام، والأسد الهزبر الضرغام، كاثر الأوثان والأصنام، أبي الحسن علي بن أبي طالب الذي ما بارزه بطل إلا سقاه كأس النَّجيع" (٢).
المطلب الرابع: موقف أهل البدع من الصحابة:
عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم في نص القرآن في آيات كثيرة يكثر إيرادها ويطول تعدادها، ووصف رسول الله الصحابة مثل ذلك، وأطنب في تعظيمهم، وأحسن الثناء عليهم؛ وهؤلاء الصفوة الذين يعتبرون تاجًا في رأس الأمة الإسلامية، لم تسلم من كيد بعض أصحاب القلوب المريضة ممن وجدوا في هذه الصفوة الطاهرة بغيتهم، فذهبوا يكيدون لها بالكذب والافتراء، حتى طعنوا في عدالتهم ورموهم بالعظائم زورًا وبهتانًا، يحدوهم في هذا كله الجهل حينًا والهوى أحيانًا.
_________________
(١) نهج الرشاد، ص ٤٣.
(٢) المولد الكبير للبشير النذير (مخطوط) ورقة: ١ ب.
[ ٢٥٧ ]
وممن تولى كبر ذلك وحمل لواءه:
١ - الخوارج: قالوا بتكفير علي وعثمان، وأصحاب الجمل والحكمين ومن صوبهما أو صوب أحدهما أو رضي بالتحكيم (١).
٢ - الروافض: قالوا بتكفير أبي بكر وعمر وعثمان ومن عقدوا خلافتهم وبايعوهم (٢).
ولقد عَرَضَ الإمام جمال الدين السرمري لكل الطائفتين، وبين فساد مذهبهم بالعموم، ولم يعرض لشيء من شبههم، فمن ذلك قوله: "ومحبة أحد من أهل الجنة لا ينفعه ذلك مع مجانبة الكتاب والسنة، ممن أحب أبا بكر وعمر وعثمان وأبغض عليًا، أو أحب عليًا وأبغض أبا بكر وعمر وعثمان وقد جاء الحديث أن: «من أبغض أبا بكر وعمر فقد كفر» فلا تنفعه محبة علي، ومَثلُ ذلك كما قال الصرصري رحمه الله تعالى:
مثل الذي جحد ابن مريم وادَّعى حب الكليم وتلك دعوى تفسدُ
وروي في الحديث: أن عليًا - ﵁ - لا يبغضه إلا منافق ولا يحبه إلا مؤمن، قال بعض الصحابة: إنْ كنَّا لنعرف المنافقين منا معاشر الأنصار ببغضهم علي بن أبي طالب؛ وأما ما يدعيه الرافضة من حبهم عليًا - ﵇ -، فليس من هذا في شيء، ودعواهم أن محبته ومحبة أهل البيت حسنة لا يضرها معها سيئة فهي دعوى فاسدة، لأنهم كما زعموا يحبونهم ويبغضون أهلهم وأصحابهم وأختانهم وأحماهم ومواليهم، ويسبونهم ويلعنونهم، وقد قال النبي - ﷺ -: «المؤمن لا يكون لعانًا»، وليس أحد ممن لعنوه أو سبوه إلا وقد سبقت له سابقة صالحة في الإسلام، وأبلى بلاءً حسنًا، وقد نص النبي - ﷺ - في جماعة منهم بأنهم في الجنة، كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ونحوهم، فمن أبغض عليًا وأحب أبا بكر وعمر وعثمان لم ينفعه حبهما" (٣).
وقال في موضع آخر في بيان ضلال الرافضة:
"هم أكذب الناس في قول وفي عمل وأعظم الخلق جهلًا في توثبه
_________________
(١) انظر: الفرق بين الفرق، ص ٥٦.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٢٨/ ٤٧٧).
(٣) الأربعون الصحيحة، ص ٦٨ - ٦٩.
[ ٢٥٨ ]
وهم أقل الورى عقلًا وأغفلهم عن كل خير وأبطا عن تكسبه
وكل عيب يَرُدُّ الشرع قد جمعوا هم جند إبليس بل فرسان مِقْنبه (١) " (٢).
وقال في موضع آخر عند رده على السبكي حين شنع على شيخ الإسلام رده على ابن مطهر الحلي، وأوضح السرمري وجوب الرد على الرافضة، فقال:
"والله لا غنية عن رد إفكهم بل رده واجب أعظم بمُوجبه
أيتركون يسبون الصحابة والـ إسلام يختال زهوًا في تصلبه
هذا مقال شنيع لم يقل أحد به ولا رهط جهم في تحزبه" (٣).
وما ذكره السرمري من بيان ضلالهم وفساد مذهبهم هو قول أهل الأئمة في هذا الباب.
قال الإمام الصابوني: "ومن أبغضهم -يعني الصحابة- وسبهم، ونسبهم إلى ما تنسبهم الروافض والخوارج، فقد هلك في الهالكين" (٤).
وقال الإمام النووي: "واعلم أن سب الصحابة - ﵃ - حرام من فواحش المحرمات سواء من لابس الفتن منهم وغيره لأنهم مجتهدون في تلك الحروب متأولون قال القاضي عياض: وسب أحدهم من المعاصي الكبار" (٥).
وقال الإمام أحمد: "من تنقص أحدًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - فلا ينطوي إلا على بلية وله خبيئة سوء" (٦).
وقال شيخ الإسلام في حكم تكفير الصحابة: "وأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله ﵊ إلا نفرًا قليلًا يبلغون بضعة عشر نفسًا أو أنهم فسقوا عامتهم فهذا لا ريب أيضًا في كفره لأنه كذب لما نصه القرآن في غير موضع: من الرضى
_________________
(١) المِقنب -بالكسر-: جماعة الخيل. لسان العرب (١/ ٦٩٠).
(٢) الحمية الإسلامية، ص ٥٦.
(٣) الحمية الإسلامية، ص ٥٨.
(٤) عقيدة السلف وأصحاب الحديث، ص ٣٢.
(٥) شرح النووي على مسلم (١٦/ ٩٣).
(٦) السنة للخلال (٢/ ٤٧٧) ح ٧٥٨.
[ ٢٥٩ ]
عنهم والثناء عليهم بل من يشك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين فإن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب والسنة كفار أو فساق وأن هذه الآية التي هي: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وخيرها هو القرن الأول، كان عامتهم كفارًا أو فساقًا ومضمونها أن هذه الأمة شر الأمم وأن سابقي هذه الأمة هم شرارهم وكفر هذا مما يعلم باضطرار من
دين الإسلام" (١).
_________________
(١) الصارم المسلول (١/ ٥٩٠).
[ ٢٦٠ ]
المبحث الثاني
منهج جمال الدين السرمري في الإمامة
تعريف الإمامة:
الإمامة في اللغة: مصدر من الفعل (أمَّ) تقول: أمَّهم وأمَّ بهم: تقدَّمهم، والإمام: ما ائتم به من رئيس أو غيره (١).
وقال ابن منظور: " والإمام ما ائتم به من رئيس وغيره، والجمع: أئمة وإمام كل شيء قيِّمُه والمصلح له، والقرآن إمام المسلمين، وسيدنا محمد رسول الله - ﷺ - إمام الأئمة، والخليفة إمام الرعية" (٢).
أما تعريف الإمامة في الاصطلاح: فقد عرفها العلماء بعدة تعريفات، وكلها متقاربة في المعنى
فيعرفها الماوردي بأنها: "خلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا" (٣).
وقال الجويني: "رياسة تامة وزعامة عامة تتعلق بالخاصة والعامة في مهمات الدين والدنيا، متضمنها حفظ الحوزة ورعاية الرعية وإقامة الدعوة بالحجة والسيف وكف الجنف والحيف والانتصاف للمظلومين من الظالمين واستيفاء الحقوق من الممتنعين وإيفاؤها على المستحقين" (٤).
وقال ابن خلدون: "هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة،
_________________
(١) انظر: القاموس المحيط، ص ١٣٩٢.
(٢) لسان العرب (١٢/ ٢٢).
(٣) الأحكام السلطانية والولايات الدينية (١/ ٣)، لأبي الحسن الماوردي، تحقيق: د. أحمد مبارك البغدادي، الطبعة الأولى ١٤٠٩، دار ابن قتيبة، الكويت.
(٤) غياث الأمم والتياث الظلم ص ١٥، لأبي المعالي الجويني، تحقيق: د. فؤاد عبدالمنعم ود. مصطفى حلمي، ١٩٧٩ م، دار الدعوة، الاسكندرية.
[ ٢٦١ ]
فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به" (١).
وقال الإيجي: "هي خلافة الرسول في إقامة الدين وحفظ حوزة الملة بحيث يجب اتباعه
على كافة الأمة" (٢).
المطلب الأول: طاعة الأئمة، وحكم الخروج على الإمام الجائر:
هذه المسألة من أبرز المسائل المتعلقة بمبحث الإمامة، وذلك لما حصل فيها من خلاف بين أهل السنة وبين بعض أهل البدع.
وقد ذهب عامة أهل السنة إلى وجوب طاعة الأئمة، وعدم جواز الخروج على ولاة الأمر حتى ولو جاروا وظلموا، مالم يُرَ كفرًا بواحًا فيه من الله برهان، لما يترتب على الخروج عليهم من المفاسد التي لا يقدر قدرها إلا الله، من سفك الدماء، وانتهاك الأعراض، وانتهاب الأموال.
بل وأوجب العلماء إقامة الشعائر العامة معهم مع جورهم وظلمهم، كإقامة الجمع، والحج، والعيدين، والجهاد، ونحو ذلك.
وهذا ما قرره الإمام جمال الدين السرمري وبينه بيانًا لا لبس فيه، حيث قال:
"وإن نحن بايعنا الإمام ببيعة وَفينا ولم نغدرْ ولا خير في الغدرِ
ونَلقى ولاة الأمر منا بطاعة ولا يُلتقى بالسيف منا أولى الأمرِ
وننصرهم إن جاهدوا ونطيعهم وإن ظلموا عُدنا من الظلم بالصبرِ" (٣).
وكلام جمال الدين السرمري هذا، وكلام الأئمة قبله وبعده قد استند في ذلك إلى النصوص الصحيحة الصريحة من الكتاب والسنة.
ومما ورد في هذا المعنى:
_________________
(١) مقدمة ابن خلدون (١/ ٣٦٥)، لولي الدين عبدالرحمن بن خلدون، تحقيق: عبدالله الدرويش، الطبعة الأولى ١٤٢٥، دار يعرب، دمشق.
(٢) كتاب المواقف (٣/ ٥٧٩).
(٣) نهج الرشاد، ص ٣٧.
[ ٢٦٢ ]
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: من الآية ٥٩].
وعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل عليكم
عبد حبشي، كأنَّ رأسه زبيبة» (١).
وعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول - ﷺ - قال: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني» (٢).
وعن عبدالله بن عمر -﵄- عن النبي - ﷺ - قال: «السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، مالم يؤمر بمعصية، فإذا أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» (٣).
وعن عوف بن بن مالك - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، قيل: يا رسول الله، أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئًا تكرهونه، فاكرهوا عمله، ولا تنزعوا يدًا من طاعة» (٤).
وعن أم سلمة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - قال: «ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع» قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: «لا، ما صلَّوا» (٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٩/ ٦٢)، كتاب الأحكام، باب السمع والطاعة للإمام مالم تكن معصية، ح ٧١٤٢.
(٢) أخرجه البخاري (٩/ ٦١)، كتاب الأحكام، باب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: من الآية ٥٩]، ح ٧١٣٧؛ ومسلم (٣/ ١٤٦٦)، كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، وتحريمها في المعصية، ح ١٨٣٥.
(٣) أخرجه البخاري (٩/ ٦٣)، كتاب الأحكام، باب السمع والطاعة للإمام مالم تكن معصية، ح ٧١٤٤؛ ومسلم (٣/ ١٤٦٩)، كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية، ح ١٨٣٩؛ واللفظ للبخاري.
(٤) أخرجه مسلم (٣/ ١٤٨١)، كتاب الإمارة، باب خيار الأئمة وشرارهم، ح ١٨٥٥.
(٥) أخرجه مسلم (٣/ ١٤٨٠)، كتاب الإمارة، باب وجوب الإنكار على الأمراء فيما يخالف الشرع وترك قتالهم ما صلوا ونحو ذلك، ح ١٨٥٤.
[ ٢٦٣ ]
وعن ابن عباس -﵄- قال: قال النبي - ﷺ -: «من رأى من أميره شيئًا فكرهه فليصبر، فإنه ليس أحد يُفارق الجماعة شبرًا فيموت، إلا مات ميتة جاهلية» (١).
هذه بعض نصوص الكتاب والسنة الدالة على وجوب طاعة الأئمة في غير معصية الله أبرارًا كانوا أو فجارًا، وتحريم الخروج عليهم.
أما الآثار عن السلف في هذا المعنى فكثيرة جدًا.
فمن ذلك قول أبو إسماعيل الصابوني: "ويرى أصحاب الحديث الجمعة والعيدين وغيرهما من الصلوات خلف كل إمام مسلم برًا كان أو فاجرًا، ويرون جهاد الكفرة معهم وإن كانوا جورة فجرة، ويرون الدعاء لهم بالإصلاح والتوفيق والصلاح، ولا يرون الخروج عليهم وإن رأوا منهم العدول عن العدل إلى الجور والحيف" (٢).
وقال ابن بطال: "وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح فلا تجوز طاعته في ذلك بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها" (٣).
وقال حنبل: "اجتمع فقهاء بغداد في ولاية الواثق إلى أبي عبدالله، وقالوا له: إن الأمر قد تفاقم وفشا -يعنون إظهار القول بخلق القرآن وغير ذلك- ولا نرضى بإمرته ولا سلطانه، فناظرهم في ذلك وقال: عليكم بالإنكار بقلوبكم ولا تخلعوا يدًا من طاعة ولا تشقوا عصا المسلمين، ولا تسفكوا دماءكم ودماء المسلمين معكم، وانظروا في عاقبة أمركم، واصبروا حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر، وقال: ليس هذا بصواب، هذا خلاف الآثار" (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٩/ ٦٢)، كتاب الأحكام، باب السمع والطاعة للإمام مالم تكن معصية، ح ٧١٤٣؛ ومسلم (٣/ ١٤٧٨)، كتاب الإمارة، باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن وتحذير الدعاة إلى الكفر، ح ١٨٤٩؛ واللفظ للبخاري.
(٢) عقيدة السلف وأصحاب الحديث، ص ٣٢.
(٣) فتح الباري (١٣/ ٧).
(٤) الآداب الشرعية (١/ ١٩٦).
[ ٢٦٤ ]
وقال النووي: "أجمع العلماء على وجوبها -يعني طاعة الأمراء- في غير معصية وعلى تحريمها في المعصية" (١).
وقد بين الإمام النووي أن العلة من الحكم بالحرمة والتي من أجلها تظاهرت الأحاديث وانعقد إجماع أهل السنة: هو ما يترتب على ذلك من المفاسد الكثيرة، فقال: "وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، وأما الوجه المذكور في كتب الفقه لبعض أصحابنا أنه ينعزل وحكى عن المعتزلة أيضًا فغلط من قائله مخالف للإجماع، قال العلماء: وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن وإراقة الدماء وفساد ذات البين فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه" (٢).
وأما من يقول بجواز الخروج على أئمة الجور محتجًا بفعل بعض السلف، فالجواب عليه: أن القول بعدم جواز الخروج على أئمة الجور كان من مسائل الخلاف بين أهل السنة ثم انعقد الإجماع على الحرمة، ثم ليس كل خروجهم كان بمجرد الفسق، قال القاضي عياض: "وقد ادعى أبو بكر بن مجاهد في هذا الإجماع وقد رد عليه بعضهم هذا بقيام الحسن وابن الزبير وأهل المدينة على بني أمية وبقيام جماعة عظيمة من التابعين والصدر الأول على الحجاج مع ابن الأشعث، وتأول هذا القائل قوله أن لا ننازع الأمر أهله في أئمة العدل، وحجة الجمهور أن قيامهم على الحجاج ليس بمجرد الفسق بل لما غير من الشرع وظاهر من الكفر، قال القاضي: وقيل أن هذا الخلاف كان أولًا ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم" (٣).
قال الباحث: وإن كان ظاهر قول القاضي عياض أنه يضعف انعقاد الإجماع على ذلك، لكن قد تقدم عن غير واحد من أهل العلم من حكى الإجماع عليه.
_________________
(١) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٢٢٩).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٢٢٩).
(٣) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٢٢٩).
[ ٢٦٥ ]
وأما من ينفي من العلماء صحة الإجماع أصلًا على ذلك، كابن حزم (١) وابن الوزير (٢)
والشوكاني (٣) وغيرهم، فمنزع قول أكثرهم مبني على مسألة أصولية، إذ لا يثبتون الإجماع الذي يقع بعد الخلاف، والله أعلم.
المطلب الثاني: موقف المخالفين لأهل السنة في مسألة الإمامة:
لم يكن إدخال العلماء هذه المسألة في صلب مسائل العقيدة، أو الإسهاب في الحديث عنها عبثًا، بل إن مما دعاهم إلى ذلك ما جنح إليه بعض أهل الأهواء والبدع من التخبط والانحراف في هذا الأصل العظيم، حتى صار ضلالهم فيه من الأصول التي يتفقون عليها في الغالب.
ومن أبرز الفرق التي خالفت أهل السنة في هذه المسألة: الخوارج، والمعتزلة، والرافضة.
والفرقة التي أشار إليه جمال الدين السرمري من بين هذه الفرق هي الخوارج وأشار إلى جانب من انحرافهم فيما يتعلق بهذا الأصل بكونهم أوجبوا الخروج على الإمام (٤).
أما المعتزلة: فإن من أصولهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن المعاني التي ستروها تحت مسمى هذا الأصل، الخروج على الولاة إذا خالفوهم فيما ذهبوا إليه.
قال أبو الحسن الأشعري: " فقالت المعتزلة: إذا كنا جماعة وكان الغالب عندنا أنا نكفي مخالفينا، عقدنا للإمام، ونهضنا فقتلنا السلطان وأزلناه وأخذنا الناس بالانقياد لقولنا، فإن دخلوا في قولنا الذى هو التوحيد وفى قولنا في القدر وإلا قتلناهم، وأوجبوا على الناس الخروج على
_________________
(١) مراتب الإجماع، ص ١٧٨.
(٢) انظر: العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم (٨/ ٧٦)، لابن الوزير، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، الطبعة الثالثة ١٤١٥، مؤسسة الرسالة، بيروت.
(٣) انظر: نيل الأوطار (٧/ ٢٠٨)، لمحمد بن علي الشوكاني، تحقيق: عصام الدين الضابطي، الطبعة الأولى ١٤١٣، دار الحديث، مصر.
(٤) الفرق بين الفرق، ص ٥٥.
[ ٢٦٦ ]
السلطان على الإمكان والقدرة إذا أمكنهم ذلك وقدروا عليه" (١).
وأما جمهور الرافضة فمخالفتهم لأهل السنة في هذا الأصل من وجوه متعددة منها على سبيل المثال: أنهم جعلوا الإمامة أحد أركان الإيمان بل هي أفضل هذه الأركان، وأهم المطالب
في أحكام الدين وأشرف مسائل المسلمين.
وأيضًا القول بعصمة الأئمة، وأن الإمامة نص من الله لا تكون إلا في المنصوص عليهم أو من ينوبنهم، وما سواهم فمغتصب يجب الخروج عليه، وإزالته بالقوة كائنًا من كان (٢).
والذي يهمنا هنا من هذه الطوائف الثلاث: فرقة الخوارج، لأن الإمام جمال الدين السرمري قد تناولها بالإشارة والحديث من بين هذه الطوائف، واكتفى في الرد عليهم بإيراد بعض النصوص الدالة على الحث على قتالهم بسبب خروجهم على الإمام، فقال في كتابه إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة: "فصل في قتال الخوارج والبغاة.
قال علي - ﵁ -: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «سيخرج قوم في آخر الزمان حُدَّاث الأسنان سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدِّين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قلتهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة» متفق عليه.
وقال: «يكون من أمتي فرقتين فيخرج من بينهما مارقة يلي قتلَهم أولاهما بالحق».
وفي لفظ: «تمرق مارقة عند فُرقة من المسلمين يقتُلُها أولى الطائفتين بالحق» رواهما أحمد ومسلم.
وقال: «من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر فإنه من فارق الجماعة فمات فميتته جاهلية» متفق عليه.
وقال: «من أتاكم وأمرُكم جميعٌ على رجل، يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم
_________________
(١) مقالات الإسلاميين، ص ٤٦٦.
(٢) منهج الإمام ابن بطة في تقرير عقيدة السلف والرد على أهل الأهواء والبدع (٢/ ٦٩١)، د. حمد بن عبدالمحسن التويجري.
[ ٢٦٧ ]
فاقتلوه» رواه أحمد ومسلم.
وقال: «من حمل علينا السلاح فليس منا» رواه أحمد" (١).
ومذهب الخوارج على الأئمة إذا ظلموا وجاروا مبني على مذهبهم في حكم مرتكب
الكبيرة، حيث كفروه بذلك.
فيرد عليهم في مسألة الإمامة بنقض قولهم في حكم مرتكب الكبيرة أولًا، وهذا قد سبقت الإشارة إليه في مبحث الكبيرة وحكم مرتكبها (٢).
ويرد عليهم أيضًا بالنصوص الآنفة الذكر، المتضمنة تحريم الخروج على الولاة، وعدم نزع اليد من طاعتهم عند ظلمهم وجورهم، إذ النصوص صريحة في النهي عن ذلك والتشديد فيه، ويرد عليهم أيضًا بالإجماع الذي حكاه غير واحد من أهل العلم -وقد تقدم نقله- (٣) على حرمة الخروج على الأئمة وإن كانوا فسقة ظالمين.
_________________
(١) إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة، ص ٥٤٧ - ٥٤٨.
(٢) انظر: ص ٢٤٥ - ٢٤٩.
(٣) انظر: ٢٦٦ - ٢٦٧.
[ ٢٦٨ ]