المبحث الأول: تعريف المنهج لغة واصطلاحا
المنهج لغة: مفعل من مادة "نهج" ينهج نهجًا، وهو الطريق المستقيم البين. ونهج الطريق: أبانه، وأوضحه، ونهجه: سلكه، والمنهاج: الطريق الواضح (^١).
واستنهج الطريق: صار نهجا، وفلان نهج سبيل فلان، أي: سلك مسلكه (^٢)، قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، قال ابن عباس -﵄-: " سبيلا وسنة" (^٣).
أما تعريفه في الاصطلاح: فقد عرف بتعريفات كثيرة منها:
١ - هو الطريق المؤدي إلى التعرف على الحقيقة في العلوم، بواسطة طائفة من القواعد العامة، والتي تهيمن على سير العقل، وتحدد عملياته، حتى يصل إلى نتيجة معلومة.
٢ - هو القانون أو القاعدة التي تحكم أي محاولة للدراسة العلمية في أي مجال.
٣ - القواعد العلمية التي يسلكها العقل في حركته للبحث عن الحقيقة في أي مجال من مجالات المعرفة (^٤).
وهذه التعريفات واحدة في المعنى وإن اختلف التعبير عنها باللفظ، لأن مدارها على القواعد التي يسير بها الباحث عند إرادته بحث أي مسألة علمية (^٥).
"وكان العلماء المسلمون يعبرون عن المنهج بالأصول والقواعد" (^٦).
_________________
(١) مختار الصحاح، للرازي: ٥٨٥.
(٢) القاموس المحيط، للفيروزآبادي: ١٩٠.
(٣) صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب: قول النبي ﷺ: "بني الإسلام على خمس": ٢٥.
(٤) انظر: العلم والبحث العلمي، لحسين رشوان: ١٤٣، ومنهج البحث العلمي عند العرب، لجلال موسى: ٢٧١، ومناهج البحث العلمي، د. عبد الرحمن بدوي.
(٥) مناهج البحث في العقيدة، د. يوسف السعيد: ٢٦٣.
(٦) منهج كتابة التاريخ الإسلامي، د. محمد بن صامل السلمي: ٨٩.
[ ٥ ]
المبحث الثاني: تعريف السلف لغة واصطلاحا
السلف اللغة:
يقال: سَلَف يسَلُف وسُلُوفا. والسالف: المتقدم، والسلف والسليف والسُلْفَة: الجماعة المتقدمون. والقوم السُلاف: المتقدمون. وسَلَفُ الرجل آباؤه المتقدمون، والجمع أسلاف وسُلاف.
والسلف: من تقدمك من آبائك وذوي قرابتك الذين هم فوقك في السن والفضل، وأحدهم سالف. والأمم السالفة: الأمم الغابرة أو الماضية وتجمع على سوالف (^١).
المراد بالسلف:
يراد بهم تاريخيًا: أصحاب القرون المفضلة من الصحابة والتابعين وتابعيهم ممن شهد لهم رسول الله ﷺ بالخيرية (^٢)، وذلك في الحديث الذي رواه عن عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ قال: " خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"، قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثًا، "ثم إن بعدكم قومًا يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السمن" (^٣).
فأصحاب هذه القرون أفضل الأمة وأكرم الخلق بعد النبيين، وفيهم الصديقون والشهداء والصالحون والأئمة الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، قال ﷾ عنهم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
وقد أخبر النبي ﷺ ببقاء هذه الطائفة فقال: " لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك " (^٤)، وقال ﷺ: " وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: هي من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي" (^٥).
فيتضح من الحديثين السابقين بقاء هذه الطائفة، وأنها من كان على مثل ما عليه النبي ﷺ وأصحابه وهم السلف، فالعبرة في ذلك بالطريقة التي ساروا عليها والمنهج الذي سلكوه، فمن تمسك بالكتاب والسنة وسار على نهج الصحابة والتابعين في فهمهما والعمل بهما فهو منهم؛ وإن عاش في القرون المتأخرة، ومن خالف منهجهم فليس منهم وإن عاش بين أظهرهم.
_________________
(١) انظر: تهذيب اللغة، للأزهري: ١٢/ ٤٣١ - ٤٣٢ "مادة سلف"، ولسان العرب، لابن منظور: ٣/ ٢٠٦٨ - ٢٠٧٠ مادة "سلف"، والقاموس المحيط: ٧٣٨.
(٢) انظر: الرسالة التدمرية، لشيخ الإسلام ابن تيمية: ٢٣٦، ولوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية شرح الدرة المضية في عقيدة الفرقة المرضية، للسفاريني: ١/ ٢٠، وشرح الطحاوية في العقيدة السلفية، لابن أبي العز الحنفي: ٢٨.
(٣) رواه البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب: فضائل أصحاب النبي ﷺ، ورضي الله عنهم، رقم (٣٦٥٠).
(٤) صحيح البخاري، كتاب المناقب، رقم (٣٦٤١).
(٥) سنن أبي داود، كتاب السنة، باب: شرح السنة رقم (٤٥٩٦)، وسنن الترمذي، كتاب الإيمان، باب: ما جاء في افتراق هذه الأمة رقم (٢٦٤٠)، وقال: "حديث حسن صحيح".
[ ٦ ]
المبحث الثالث: بيان أهمية معرفة منهج السلف في الدفاع عن العقيدة:
إن العناية بمعرفة منهج السلف في الدفاع عن العقيدة هو من العناية بالعقيدة الإسلامية نفسها؛ لأن في ذلك اهتمام بها، وتلمس لمصادرها، وتصفية لها مما يشوبها من البدع، وتلق لها عن النبي ﷺ وأصحابه والتابعين لهم بإحسان.
"فمعرفة منهج السلف في الدفاع عن العقيدة يعطي الباحث قوة في الاستدلال والرد على المخالفين؛ نظرًا لوضوح الأثر القوي والفعال في كتب السلف مع أنها أقل بكثير من كتب المتأخرين، وكذلك فإن قوة بعض علماء أهل السنة العلمية التي ظهرت من خلال تقريرهم لمسائل الاعتقاد والرد على المخالفين، كان من أعظم الأسباب: اعتمادهم على منهج السلف في تقرير وتدوين مسائل العقيدة وتبرز الأهمية أكثر في العصور المتأخرة التي قل فيها العلم المؤصل على المنهج الصحيح والله المستعان" (^١).
قال عبد الله بن مسعود -﵁-: " من كان مستنًا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب رسول الله ﷺ أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه فاعرفوا لهم حقهم وتمسكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهدي المستقيم" (^٢).
وقال الإمام الشافعي -﵀-: " هم فوقنا في كل علم وعقل ودين وفضل وكل سبب يُنال به علم أو يُدرك به هدى، ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا" (^٣).
وقال ابن رجب -رحمه الله تعالى-: " وفي كلامهم -أي السلف- من رد الأقوال المخالفة للسنة بألطف إشارة وأحسن عبارة بحيث يغني ذلك من فهمه عن إطالة المتكلمين في ذلك بعدهم؛ بل ربما لم يتضمن تطويل كلام من بعدهم من الصواب في ذلك ما تضمنه كلام السلف والأئمة مع اختصاره وإيجازه.
وفي كلامهم في ذلك كفاية وزيادة فلا يوجد في كلام من بعدهم من حق إلا وهو في كلامهم موجود بأوجز لفظ وأخصر عبارة، ولا يوجد في كلام من بعدهم من باطل إلا وفي كلامهم ما يُبين بطلانه لمن فهمه وتأمله، ويوجد في كلامهم من المعاني البديعة والمآخذ الدقيقة ما لا يهتدى إليه من بعدهم ولا يلم به.
_________________
(١) منهج أهل السنة والجماعة في تدوين علم العقيدة إلى نهاية القرن الثالث الهجري، ناصر بن يحيى الحنيني: ١/ ٦٨.
(٢) مجموع الفتاوى، لابن تيمية: ٣/ ١٢٦، وأورد ابن عبدالبر نحوه في جامع بيان العلم وفضله، رقم (١٨١١): ٢/ ٩٤٨.
(٣) مجموع الفتاوى: ٤/ ١٥٧، وانظر: اهتمام علماء المسلمين بعقيدة السلف، د. أبو اليزيد العجمي، مجلة البحوث الإسلامية، العدد (١٥) الصادر عام ١٤٠٦ هـ
[ ٧ ]
فمن لم يأخذ العلم من كلامهم فاته ذلك الخير كله مع ما يقع في كثير من الباطل متابعة لمن تأخر عنهم، قال الأوزاعي: " العلم ما جاء به أصحاب محمد ﷺ فما كان غير ذلك فليس بعلم" (^١)، " (^٢).
وتكمن أهمية معرفة منهج السلف في الدفاع عن العقيدة في وضع منهج واضح المعالم في الرد والمناقشة للمخالفين فإن "مما يظهر أهمية الرد على المخالفين والدفاع عن عقيدة الأمة: وضع منهج واضح للعلماء، ولطلبة العلم إذا أرادوا إبطال أي شبهة أو الرد على أي انحراف، بحيث تؤتي هذه الجهود المباركة ثمارها المرجوة منها من تصحيح لما فسد في المعتقد، وإبطال لتلبيس الملبسين، وغيرها من الثمار، والمصالح التي تنتج عن الالتزام بالمنهج الصحيح في الرد والمناقشة.
ومن هنا نؤكد على أهمية الدفاع عن العقيدة والرد على المبطلين ليس لأجل الرد على أهل الباطل فحسب، بل لأجل وضع منهج واضح المعالم لمن يأتي من أجيال الأمة" (^٣).
_________________
(١) جامع بيان العلم وفضله رقم (١٠٦٧)، (١٤٢١): ١/ ٦١٨، ١/ ٧٦٩.
(٢) فضل علم السلف على الخلف،: ٣٤ - ٤٢.
(٣) منهج أهل السنة والجماعة في تدوين علم العقيدة: ٢/ ٨٣٤.
[ ٨ ]