تمهيد
تمهيد:
إن الإيمان باليوم الآخر أحد أركان الإيمان الستة، ولا يصح إيمان أحد إن لم يؤمن باليوم الآخر. قال تعالى في وصف المؤمنين: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ ١،وقال في وصف الكافرين: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾ ٢، ويشمل الإيمان باليوم الآخر، الإيمان بكل ما أخبر به الله ورسوله مما يكون بعد الموت من عذاب القبر ونعيمه وما يكون من النفخ في الصور وما يكون من البعث والنشور، وما يكون من القيامة من ثواب وعقاب وجنة ونار، وما يكون قبل ذلك كله من علامات وأشراط.
إن الإيمان باليوم الآخر أحد الأسس العقائدية التي وجدت عند الجماعات البشرية منذ أن خلق الله الإنسان، كما نجده واضحًا عند قدماء المصريين، وعند البراهمة من الهنود، ونجده عند الفرس أيضًا ٣. ويرجع ذلك - لا إلى التطور الفكري كما يحلو للبعض أن يقول - ولكن يرجع إلى الوحي عن طريق الأنبياء، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ ٤ كما يرجع إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها بإحساسهم جميعًا بضرورة وجود حياة آخرة يجازى فيها المحسن والمسيء.
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية (٤) ٢ سورة الأعراف، الآية (٤٥) ٣ انظر: فرج الله عبد الباري: اليوم الآخر بين اليهودية والمسيحية والإسلام (٢٩ـ ٤٨) ط. دار الوفاء، مصر، ط. الثانية ١٤١١٢هـ =١٩٩٢م. ٤ سورة فاطر، الآية (٢٤)
[ ٧٩٩ ]
ولا ريب أيضًا أن أهل الكتاب لديهم اعتقاد باليوم الآخر، ولكنه ضوء خافت لا يكاد يرى الناظر من خلاله شيئًا، وأفكار مشوشة لا يحصل باجتماعها صورة واضحة لهذا اليوم بسبب ما طرأ على كتبهم من تحريف وتبديل.
وقد تحدث الشيخ رشيد عن اليوم الآخر وعرض مسائله التي أشرت إليها، وقارن بين اليوم الآخر كما صوره القرآن وكما هو في كتب أهل الكتاب، وبيّن إصلاح القرآن لهذه العقيدة التي شُوهت في جميع الأديان، وفيما يلي عرض ذلك.
[ ٨٠٠ ]
الفصل الأول: منهج رشيد رشا لليوم الآخر
تمهيد
تمهيد
لما كانت الطبيعة البشرية فيها الاستعداد للخير والشر: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ ١ فقد يطغى أحد الجانبين على الآخر، وقد يكون الغالب هو جانب الشر بدافع الشهوات والغفلة، والتي غالبًا ما تجمح بصاحبها إلى تجاوز الحدود والتعدي على الآخرين.
وواقع الحال يبين لنا كثيرًا أن ممن ارتكب جرائم التعدي في حق غيره وأوقع الظلم بهم، قد غادر الحياة مع المظلوم، قبل أن يأخذ هذا الأخير حقه منه: ولما كانت عدالة الله تعالى تقتضي القصاص وأن يأخذ المظلوم حقه من الظالم، كان لا بد من حياة أخرى غير هذه الحياة يقع فيها القصاص وهو ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ ٢ كما قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ ٣ وقال: ﴿أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ ٤.
ولكن كثيرًا من الناس قد ضلوا في هذا الباب، فأنكر قوم البعث جملة واستبعدوه، وأثبته قوم، ولكنهم سلكوا في إثباته طرقًا مختلفة، فالمتكلمون - من المسلمين - يرون أن الدليل عليه لا يكون إلا سمعيًا وأن العقل لا حظ له في ذلك إلا مجرد بيان عدم الامتناع. وأما القرآن الكريم
_________________
(١) ١ سورة الشمس، الآية (٧ - ٨) ٢ سورة المعارج، الآية (٤٣) ٣ سورة المؤمنون، الآية (١١٥) ٤ سورة القيامة، الآية (٣٦)
[ ٨٠٣ ]
فقد سلك مسالك متعددة تفيد العلم والقطع بآحادها ومجموعها على إثبات البعث والمعاد. وقد سار رشيد رضا في ذلك على نهج القرآن ورفض منهج المتكلمين. فأثبت البعث جملة وتفصيلًا، وبين أثر الإيمان به، كما تحدث عن الموت ـباعتباره أول منازل الآخرة، ومايتعلق به من الحياة البرزخية.
[ ٨٠٤ ]
المبحث الأول: إثبات الشيخ رشيد لليوم الآخر جملة وحكمه:
لقد تكلم الشيخ رشيد عن اليوم الآخر في كل مناسبة ورد ذكره فيها في كتاب الله تعالى، الذي أكثر من ذكر هذا اليوم ودعا إلى العمل من أجله. تكلم الشيخ رشيد عنه جملة فأثبته وبين أثر الإيمان به، كما بين شيئًا من تاريخ هذه العقيدة في الأديان السابقة على الإسلام. فقال: "الإيمان باليوم الآخر، وما يكون فيه من البعث والحساب والجزاء على الأعمال، هو الركن الثاني للدين الذي بعث الله به الرسل ﵈، وبه يكمل الإيمان بالله تعالى، ويكون باعثا على العمل الصالح، وترك الفواحش والمنكرات والبغي والعدوان" ١.
وأما تاريخ هذه العقيدة وما طرأ عليها من الفساد، فيقول عنه الشيخ رشيد: "وكان جل مشركي العرب ينكرونه، وأما أهل الكتاب وغيرهم من الملل - التي كان لها كتب وتشريع ديني ومدني ثم فقدت كتبهم واستحوذت عليهم الوثنية - فكلهم يؤمنون بحياة بعد الموت وجزاء يختلفون في صفتها لا في أصلهما. ولكن إيمانهم هذا قد شابه الفساد ببنائه على بدع ذهبت بجل فائدته في إصلاح الناس فكان فساد الإيمان بهذا الركن من أركان الدين تابعًا لفساد الركن الأول وهو الإيمان
_________________
(١) ١ الوحي المحمدي (ص: ١٧٥)، وقارن مع ابن تيمية: شرح الأصفهانية (ص: ٢١١)
[ ٨٠٥ ]
بالله تعالى ومعرفته، ومحتاجًا إلى الإصلاح مثله " ١.
ويقول الشيخ رشيد في حكم الإيمان بهذا اليوم: "أنه لا يتقبل إيمان أحد حتى يؤمن بما أخبر به النبي بعد الموت فإن أركان الإيمان ثلاثة: الإيمان بالله وصفاته والإيمان بالنبوة والإيمان بالآخرة " ٢.
وعند قوله تعالى: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ ٣ قال: "أما لفظ الآخرة فقد ورد في القرآن كثيرًا حيث الجزاء على الأعمال، ويتضمن كل ما وردت به النصوص القطعية من الحساب والجزاء على الأعمال " ٤.
ولقد أصلح القرآن ما طرأ على عقيدة أهل الكتاب في هذا الباب ببيانه أتم البيان، وبرد الاعتقادات الفاسدة فيه والتي طرأت على هذه العقيدة ٥.
أثر الإيمان باليوم الآخر:
ويشير الشيخ رشيد إلى أثر الإيمان باليوم الآخر وأنّه يظهر في الأعمال فيقول: "ويعرف اليقين في الإيمان بالله واليوم الآخر بآثاره في الأعمال" ٦، ويقول في موضع آخر: "فإن العلم بذلك هو الذي يؤثر في النفس فيبعثها على العمل، وأما من كان على ظن أو شك فإنه يعمل تارة ويترك أخرى لتنازع الشكوك قلبه " ٧.
ويشير إلى أن تمسك المسلم وأدائه للعبادات - كالصوم - يرجع إلى
_________________
(١) ١ المصدر نفسه والصفحة. ٢ مجلة المنار (٥/ ٩١١)، وقارن أيضًا مع: ابن تيمية: المصدر السابق والصفحة، وكون الأركان ثلاثة يفسر بإرجاع بعضها إلى بعض، فيكون الإيمان بالنبوة شاملًا للإيمان بالملائكة والكتب والرسل، كما يمكن إرجاع القدر إلى الإيمان بالله لأنه متعلق بصفاته تعالى. ٣ سورة البقرة، الآية (٤) ٤ تفسير المنار (١/ ١٣٣ - ١٣٤)، وانظر أيضًا: المصدر نفسه (٨/ ٢٨٣) ٥ انظر: الوحي المحمدي (ص: ١٧٦) ٦ تفسير المنار (١/ ١٣٤) ٧ المصدر نفسه (٢/ ٢٤٣)
[ ٨٠٦ ]
إيمانه باليوم الآخر وما فيه من الجزاء والحساب، والعكس صحيح ١.
وفي هذا تأكيد لمذهب الشيخ رشيد - الصحيح - في ارتباط العمل بالإيمان والاعتقاد بالأفعال والذي سبق بيانه في موضعه في الباب الأول ٢.
_________________
(١) ١ انظر: مجلة المنار (٤/ ٢٢٧) ٢ انظر (ص:١٩٣) من هذا البحث.
[ ٨٠٧ ]
المبحث الثاني: الموت والبرزخ:
الموت هو أول منازل الآخرة، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ ١، قال الشيخ رشيد: "المعنى ظاهر يفهمه كل من يعرف العربية وهو: أن كل حي يموت، فتذوق نفسه طعم مفارقة البدن الذي تعيش فيه، ولكنهم أوردوا عليها إشكالات بحسب علوم الفلسفة التي تغلغلت اصطلاحاتها في كتب المسلمين " ٢. ولدي هنا أيضًا دليل آخر على رفض الشيخ رشيد لطريقة المتكلمين واصطلاحاتهم، وهو يشير هنا إلى اختلافهم في تعريف النفس والروح والموت، ومعنى أن النفس تذوق الموت: أي هل تموت النفس أولًا؟ وكل ذلك من الاصطلاحات الفلسفية التي دست في كتب المسلمين، لذا فإن الشيخ رشيد يرفضها ويقول: "ومن العبث والجهل البحث في تعريف الموت، فالموت هو الموت المعروف لكل أحد " ٣.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، الآية (١٨٥) ٢ تفسير المنار (٤/ ٢٧٠) ٣ المصدر نفسه (٤/ ٢٧٠ - ٢٧١)، وانظر: الخلافات المشار إليها: الأشعري: مقالات الإسلاميين (٢/ ٢٨ - ٣٠)، والجرجاني: التعريفات (ص: ٢١١) ط. الحلبي، وابن القيم: الروح (ص: ٢٧٢) ت: الجميلي، ط. دار الكتاب.، وابن أبي العز: شرح الطحاوية (ص: ٥٧٠) ط. التركي.
[ ٨٠٨ ]
ويبين الشيخ رشيد المراد بعذاب القبر فيقول: "والمراد بعذاب القبر ما يسمونه عذاب البرزخ أي ما بين الموت والحشر يوم القيامة سواء دفن الإنسان في قبر أم لا" ١.
وقد تواترت الأحاديث التي تثبت عذاب القبر ٢، وأجمع أهل السنة على ثبوته، بينما أنكره الملاحدة ومن تمذهب بمذهب الفلاسفة من المسلمين كابن سينا ومن نحا نحوه، وكذا أنكرته الخوارج وبعض المعتزلة ٣.
وتبعًا لأهل السنة يثبت الشيخ رشيد عذاب القبر، ويذكر أن إنكاره ينسب للمعتزلة ولكن "الزمخشري" ٤ وهو من أساطينهم يرد استدلالهم ٥.
كما يثبت الشيخ رشيد حياة الشهداء في البرزخ غير أنه يقول: "إنها حياة غيبية لا نبحث عن حقيقتها ولا نزيد فيها على ما جاء به خبر الوحي شيئًا " ٦. ورفض الشيخ رشيد تأويل المعتزلة للنصوص التي تثبت هذه الحياة، كما رفض أيضًا - وعلى قدم المساواة - قول من قال: "إنهم أحياء بأجسادهم كحياتنا الدنيا يأكلون ويشربون وينكحون في قبورهم كسائر أهل الدنيا" ٧.
وأما وقوع عذاب القبر على الروح والجسد جميعًا، أو أحدهما دون الآخر، فيذهب الشيخ رشيد في ذلك مذهب أهل السنة، وهو وقوع العذاب على الإنسان كله - روحه وجسمه - فبعد أن ذكر الخلاف بين المعتزلة - الذين يقولون بنفي عذاب القبر - على الروح والجسد جميعًا، وبين من يقول
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٢٦/ ٥٠٠) ٢ انظر: ابن أبي العز: شرح الطحاوية (ص: ٥٧٨) ٣ انظر: سليمان دنيا: مقدمة شرح الدواني على العقائد العضدية (ص:٢٠ـ ٢١ و١٧ - ١٨)، وانظر: الأشعري: المقالات (٢/ ١٦٦)، والبغدادي: أصول الدين (ص: ٢٤٥) ٤ هو: أبو القاسم جار الله محمود بن عمر، العلامة المعتزلي، المفسر النحوي، كان رأسًا في البلاغة والعربية والمعاني والبيان. انظر: الذهبي: السير (٢٠/ ١٥١ـ ١٥٦) ٥ انظر: تفسير المنار (٤/ ٢٧١) ٦ المصدر نفسه (٤/ ٢٣٣) ٧ المصدر نفسه والصفحة.
[ ٨٠٩ ]
به ويثبته على الروح فقط، قال: " ولا شك أن مذهب السلف هو الحق الذي يجب الأخذ به، وهو أن نقول أن كل ما ثبت عن النبي ﷺ من أمر البرزخ والآخرة حق نؤمن به ونفوض الأمر في حقيقته وكيفيته إلى الله تعالى، مع العلم بأن الأرواح هي التي تشعر باللذة والألم وأن الأجساد لباس لها، وآلات لتوصيل بعض اللذات والآلام " ١.
وقال في موضع آخر: "الإحساس بالألم أو اللذة من شأن الأحياء والجسد لا حياة له إلا بالروح، فإذا كانت الروح في الجسد وصل إليها الألم بواسطته يصح أن يقال: إن هذا الألم ألمّ بالروح والجسد وإن كان الشعور للروح وحدها فعلم بهذا أن قول العلماء: عن عذاب القبر - أي الألم الذي ينزل بالإنسان بعد الموت وإن لم يقبر - يكون على الروح والجسد: يتضمن القول بأنه يبقى للروح بعد الموت علاقة، واتصال بمادة الجسد الذي كانت فيه وإن تفرقت هذه المادة وانحلت إلى أجسام كثيفة وغازات لطيفة " ٢.
ويرى رشيد رضا أن عذاب القبر غير دائم، مستدلًا ببعض نصوص الكتاب والسنة، فيقول: "فظواهر النصوص تدل على أنه غير دائم، منها قوله تعالى في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ ٣ قالوا: هي في عذاب البرزخ بدليل ما بعدها، وما ورد من دوام عذاب جهنم، ومنها ما ورد في الصحيحين من خبر اللذين يعذبان في قبورهما وأن النبي ﷺ وضع جريدة خضراء شقها وغرزها على كل قبر منهما لما يرجى أن يكون سبب التخفيف عنهما ٤ " ٥. وهذا الذي ذهب إليه رشيد رضا في هذه المسألة
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٨/٢٥٧) ٢ مجلة المنار (٥/ ٩٤٦)، وانظر: (٢٦/ ٥٠٠) ٣ سورة غافر، الآية (٤٦) ٤ رواه البخاري: الصحيح، ك: الوضوء، باب: من الكبائر أن لا يستتر من بوله، ح: ٢١٦ (١/ ٣٧٩) ٥ مجلة المنار (٢٦/ ٥٠٠)
[ ٨١٠ ]
هو الموافق لأدلة الشرع ومذهب أهل السنة ١.
وهل ينجو أحد من عذاب القبر؟ يقول رشيد رضا: "ورد في بعض الأحاديث أن بعض الأعمال الصالحة تنجي فاعلها من فتنة القبر وعذاب القبر، كالرباط في سبيل الله ٢، وقراءة سورة تبارك ٣" ٤.
ولا ريب أن الأعمال الصالحة التي يقوم بها المؤمن كالصلاة والصيام والزكاة وسائر أعمال البر قد تكون سببًا لنجاته من هذه الفتنة ٥.
وأود أن أختم الكلام هنا بقاعدة للشيخ رشيد تتعلق بالإيمان باليوم الآخر وتشبه قاعدة سابقة قرر الشيخ رشيد أنها قاعدة السلف في إثبات صفات الله تعالى. يقرر الشيخ رشيد هنا أن "مذهب السلف عدم البحث في كيفية ما يرد في الكتاب والسنة من أحوال الآخرة لأنها مما يجب الإيمان به كما ورد من غير فلسفة فيه، ولا نحكم على الغيب إذ لا يقاس عالم الغيب على عالم الشهادة " ٦. فالشيخ رشيد هنا يقرر قاعدة تفويض الكيفية فيما يغيب عن عين الإنسان ومدركاته، ويجب الإيمان به في نفس الوقت، وهي قاعدة سلفية صحيحة، سبق تقريرها في الباب الأول من هذا البحث، وبينت هناك موقف الشيخ رشيد منها وأنه كان - وهو هنا أيضًا - موقف صحيح.
_________________
(١) ١ انظر: ابن تيمية: مجموع الفتاوى (٤/ ٢٩٦ - ٢٩٩) ٢ الترمذي: ك: فضائل الجهاد، باب: ما جاء في فض من مات مرابطًا، ح: ١٦٢١، وقال: حسن صحيح (٤/ ١٦٥) ٣ انظر: الترمذي: السنن، ك: فضائل القرآن، باب: ما جاء في فضل سورة الملك، ح: ٢٨٩٠ و٢٨٩١ (٥/ ١٦٤)، وانظر: الهيثمي: مجمع الزوائد (٧/ ١٢٧ - ١٢٨)، وقال الترمذي: حسن غريب. ٤ مجلة المنار (٢٦/ ٥٠٠) ٥ انظر: ابن تيمية: مجموع الفتاوى (٤/ ٣٧٥) ٦ مجلة المنار (٨/ ٢٥٧)، وانظر أيضًا: المصدر نفسه (٥/ ٩٤٦)، وأيضًا (٧/ ٨٥٦) و(٢٦/٥٠٠)، وانظر كذلك: تفسير المنار (٤/ ٢٣٣)
[ ٨١١ ]
الفصل الثاني: البعث وأدلته
تمهيد
تمهيد
يدل على إمكان البعث ووقوعه النقل والعقل والفطرة، وقبل أن نتعرض لمنهج الشيخ رشيد في هذه المسألة، نقف هنا أيضًا ونرى مخالفته للمتكلمين الذين يقولون: إن العلم والدليل على البعث لا يكون إلا سمعيًا ١، ويرد عليهم الشيخ رشيد بقوله: "كان الذين ألفوا كتب الكلام على طريق فلسفة اليونان النظرية يرون أن الدليل على البعث لا يكون إلا سمعيًا إذ لا يمكن عندهم أن يستدل العقل بأدلة علمية، ولم يفهم هؤلاء قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ ٣، وغيرها من الآيات " ٤.
ونقف عند هذه الملاحظة لأنها فرق بين طريقين في إثبات المعاد، الأولى طريقة القرآن الذي بيّن إمكان المعاد أتم بيان، وبين طريقة المتكلمين الذين يعتمدون في إثبات المعاد على السمع مع عدم الامتناع العقلي، وإثبات المعاد بناء على إمكانه الذهني فقط؛ أي أنه ممكن لأنه لو قدر وجوده لم يلزم من تقدير وجوده محال ٥. الحق أن الإمكان الذهني حقيقته عدم العلم بالامتناع، وعدم العلم بالامتناع لا يستلزم العلم بالإمكان الخارجي، وأما القرآن، فلم يكتف في بيان إمكان المعاد بمجرد الإمكان
_________________
(١) ١ انظر: ابن تيمية: شرح الأصفهانية (ص: ٢١٢) ٢ سورة العراف، الآية (٢٩) ٣ سورة الأنبياء، الآية (١٠٤) ٤ مجلة المنار (١٤/ ١٥٥) ٥ انظر: ابن تيمية: درء التعارض (١/ ٣٠)
[ ٨١٥ ]
الذهني، بل بين الأدلة التي تؤكد - يقينًا - وقوع المعاد فعلًا وهو الإمكان الخارجي في الواقع، ولما كان الشيء يعلم إمكانه الخارجي: تارة بعلمه بوجود الشيء نفسه، وتارة بعلمه بوجود نظيره، وتارة بعلمه بوجود ما الشيء أولى بالوجود منه، ثم يعلم مع ذلك قدرة الرب عليه، وإلا مجرد العلم بإمكانه لا يكفي في إمكان وقوعه، إن لم يعلم قدرة الرب عليه.
وقد بين القرآن الكريم هذا كله ١، وهو ما أشار إليه الشيخ رشيد في النص السابق - إجمالًاـ وفصله كما يلي تفصيلًا.
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (١/ ٣١ - ٣٢)
[ ٨١٦ ]
المبحث الأول: أدلة البعث
المطلب الأول: النشأة الأولى
بعدما رفض رشيد رضا طريقة المتكلمين في الاستدلال على البعث اتبع طريق القرآن وسار على نهجه في بيان أدلة البعث، كما يلي:
المطلب الأول: النشأة الأولى:
هذا الدليل من أدلة الكتاب العزيز العقلية على وقوع البعث، وقد كرر في القرآن ذكر هذا الدليل، قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ ١. قال الشيخ رشيد: "هذا تذكير بالبعث والجزاء على الأعمال وهذه الجملة من أبلغ الكلام الموجز المعجز فإنها دعوى متضمنة للدليل بتشبيه الإعادة بالبدء، فهو يقول: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ﴾ ربكم خلقًا وتكوينًا بقدرته ﴿عُودُونَ﴾ إليه يوم القيامة " ٢. وقال في موضع آخر معلقًا على نفس الآية: " وفيه دليل على إمكان البعث لأنه كالبدء أو أهون على المبدئ بداهة، فكيف وهو القادر على كل شيء بدءًا وإعادة على سواء " ٣.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية (٣٠) ٢ تفسير المنار (٩/ ٣٧٥ - ٣٧٦) ٣ المصدر نفسه (٩/ ٥٦٧)
[ ٨١٧ ]
وأشار الشيخ رشيد كذلك إلى خاتمة سورة يس، وهي قوله تعالى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ ١ إذ أنه استدلال بنفس الدليل، وكما يقول الشيخ رشيد: "بأسلوب المناظرة والاستدلال" ٢. كما أشار أيضًا إلى نفس الدليل في فاتحة سورة (ق) قال: "وفي فاتحة سورة (ق) ومن الرد عليهم في أثنائها ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ٣ " ٤.
وهذا الدليل الذي استدل به الشيخ رشيد هو من أدلة القرآن العقلية، وقد استدل به الشيخ رشيد على وجهه الصحيح، وتقرير هذا الاستدلال على آيات سورة يس مثلًا، وهو قوله تعالى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ ٥ وهو في صورة قضية منطقية عقلية هكذا: هذه العظام رميم ولا أحد يحيي العظام وهي رميم، فلا أحد يحيي هذه العظام. ولكن هذه القضية الأخيرة السالبة كاذبة، لأن مضمونها امتناع الإحياء، فبين سبحانه إمكانه من وجوه ببيان إمكان ما هو أبعد من ذلك وقدرته عليه فقال: ﴿يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وقد أنشأها من تراب. ثم استدل بعد ذلك بخلقه لما هو أولى وأكبر من خلق الإنسان. وهو خلق السماوات والأرض، فقال: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ ٦.
فهذان دليلان في الحقيقة، الأول: خلق المثل، والثاني: خلق ما هو أكبر وأعظم. وقد أشار الشيخ رشيد إلى هذا الاستدلال من سورة يس، التي "تكرر فيها ذكر الحشر والبعث والجزاء بأسلوب المناظرة
_________________
(١) ١ سورة يس، الآية (٧٨) ٢ تفسير المنار (٨/ ٢٨٤) ٣ سورة ق، الآية (١٥) ٤ تفسير المنار (٨/ ٢٨٤) ٥ سورة يس، الآية (٧٩) ٦ سورة يس، الآية (٨١)، وانظر: ابن تيمية: درء التعارض (١/ ٣٣)
[ ٨١٨ ]
والاستدلال " ١، وأشار أيضًا في موضع آخر إلى أن إنكار البعث سببه: " جهل وغفلة من قوم يؤمنون بأن الله تعالى هو الذي بدأ هذا الخلق وبأنه هو الذي خلق السماوات والأرض، وأنه قادر على كل شيء" ٢.
قال الشيخ رشيد: "وهذا برهان جليّ كرر في القرآن مرارًا" ٣. ولكن "يظن الذين اعتادوا تلقي العقائد من طريق النظريات الجدلية أن هذه دعاوى غير برهانية" ٤.
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٨/ ٢٨٤) ٢ المصدر نفسه (٨/ ٢٨٣ - ٢٨٤) ٣ المصدر نفسه (٨/ ١١٧) ٤ المصدر نفسه (٨/ ٢٨٣)
[ ٨١٩ ]
المطلب الثاني: الاستدلال على البعث بالخلق:
ومن الأدلة أيضًا التي قررها الشيخ رشيد الاستدلال بالخلق على البعث، فعند قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ﴾ ٥ قال: "أما معنى كون هذا الخلق لا يكون باطلًا فهو أن هذا الإبداع في الخلق، والإتقان للصنع، لا يمكن أن يكون من العبث والباطل، ولا يمكن أن يفعله الحكيم العليم لهذه الحياة الفانية فقط، كما أن الإنسان الذي أوتي العقل الذي يفهم هذه الحكم، ودقائق هذا الصنع لا يمكن أن يكون وجد ليعيش قليلًا ثم يذهب سدى ويتلاشى فيكون باطلًا، بل لا بد أن يكون باستعداده الذي لا نهاية له قد خلق ليحيا حياة لا نهاية لها، وهي الحياة الآخرة، التي يرى كل عامل فيها جزاء عمله " ٦.
ومن أحسن الأساليب التي بيّن الله بها في القرآن تقرير عقيدة البعث وتثبيتها كما يقول الشيخ رشيد: "التذكير بها في القرآن بالأساليب العجيبة
_________________
(١) ٥ سورة آل عمران، الآية (١٩١) ٦ تفسير المنار (٤/ ٣٠٠)
[ ٨١٩ ]
التي فيها من حسن البيان وتقريب البعيد من الأذهان تارة بالحجة والبرهان وتارة بضرب الأمثال تأمل ذلك في سور المفصل، ترَ تكرار الكلام على البعث والجزاء فيها بما لا يخطر على بال بشر ومن أبدع الأساليب المكررة الجامعة وأروعها: المحاجة في النار بين الأتباع والمتبوعين والغاوين والمغوين والضالين والمضلين من شياطين الإنس والجن، وبراءة بعضهم من بعض، ومنه التنادي والتحاور بين أهل الجنة وأهل النار " ١.
والاستدلال بالخلق على البعث هو من الاستدلال بالأعلى على الأدنى، وهو طريق الأولى: كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ الوحي المحمدي (ص: ١٧٨ـ ١٧٩) ٢ سورة غافر، الآية (٥٧)، وانظر: ابن تيمية: درء التعارض (١/ ٣٠)
[ ٨٢٠ ]
المطلب الثالث: المشاهدة:
هذا الدليل فيه الاستدلال بأمور مشاهدة: منها: إخراج النبات من الأرض الميتة، ومنها: الاستدلال على البعث بعد الموت، بالنوم واليقظة. فعن الأول يقول الشيخ رشيد: "تشبيه إخراج الموتى بإخراج النبات من الأرض الميتة بعد إنزال المطر عليها وهذا التشبيه يتضمن البرهان الواضح على قدرة الله تعالى على إحياء الموتى بعد فناء أجسادهم " ٣. وعند قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ٤ قال: "أي مثل هذا الإخراج لأنواع النبات من الأرض الميتة بإحيائها بالماء نخرج الموتى من البشر وغيرهم، فالقادر على هذا قادر على ذاك " ٥. ثم يبين وجه الشبه فيقول: "فوجه الشبه في الآية هو إخراج الحي من الميت والحي في
_________________
(١) ٣ تفسير المنار (٩/ ٥٦٧) ٤ سورة الأعراف، الآية (٥٧) ٥ تفسير المنار (٨/ ٤٧٠)
[ ٨٢٠ ]
عرفهم يعرف بالنماء والتغذي كالنبات، وبالحس والتحرك بالإرادة كالحيوان " ١.
وأما المثال الثاني المشاهد - الذي بيّنه الله تعالى - وقرره الشيخ رشيد فهو الاستدلال بالنوم واليقظة على البعث بعد الموت. فيقول الشيخ رشيد: " على أن القرآن استدل على البعث بالنوم واليقظة " ٢. وعند قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ ﴾ ٣ قال الشيخ رشيد: " وفيه تنبيه على أن القادر على البعث من توفي النوم قادر على البعث من توفي الموت " ٤.
_________________
(١) ١ المصدر نفسه والصفحة. ٢ المصدر نفسه (٧/ ٢٩٧) ٣ سورة الأنعام، الآية (٦٠) ٤ تفسير المنار (٧/ ٤٨٠)
[ ٨٢١ ]
المطلب الرابع: قدرة الله تعالى:
فإذا دلت الشواهد السابقة على الإمكان الخارجي لوقوع البعث، فإن قدرة الله تعالى المشاهد آثارها تؤكد هذا الوقوع. يقول الشيخ رشيد معلقًا على قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى، ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى، فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى، أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ ٥ "بلى، إن الكيماوي يحلل بعض الأجسام المركبة، ويرجعها إلى عناصرها البسيطة فتراها قد فنيت وتلاشت ثم يعيدها إلى شكلها الأول فتراها خلقًا جديدًا. هذا والكيماوي رجل مثلك يشكو الجهل والضعف ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ٦ أفرأيت الحي الذي استمد الحياة منه كل الأحياء، القيوم الذي قامت بقدرته الأرض والسماء. يعجز عن
_________________
(١) ٥ سورة القيامة، الآية (٤٠) ٦ سورة الإسراء، الآية (٨٥)
[ ٨٢١ ]
فعل ذلك بك وهو الفعال لما يريد؟ " ١. ويقول في موضع آخر: "كما أن القادر على الإحياء بعد لبث مائة سنة قادر على الإحياء بعد لبث الموتى ألوفًا من السنين، هكذا يشبه بعض أفعاله بعضًا" ٢. وهذا استدلال أيضًا بالمشاهدة وبما وقع من إحياء بعض الموتى في الدنيا على إحياء الجميع يوم القيامة ٣.
فلقد نهج الشيخ رشيد منهجًا معارضًا لمنهج المتكلمين الذين يستدلون على البعث بمجرد خبر الشرع ظانين أنه لا يدل عليه العقل، ويستدلون على إمكانه بمجرد الإمكان الذهني المبني على عدم وجود المانع.
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٤/ ٧٢٢) ٢ تفسير المنار (٣/ ٥٢) وانظر أيضًا: مجلة المنار (٤/ ٧٢٥) ٣ هذا المعنى من تعليق فضيلة أستاذي الدكتور محمد باكريم على هذا الموضع من كلام رشيد رضا، وقد نقلته من خطه وبلفظه.
[ ٨٢٢ ]
المبحث الثاني: البعث يكون بالجسد والروح:
وقرر الشيخ رشيد ﵀ مذهب السلف في الإيمان بالبعث، فقد ذهب أهل السنة إلى أن المعاد يكون بالروح والجسد معًا، لما دلت عليه النصوص الكثيرة الثابتة في الكتاب والسنة. فمن القرآن، قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ ١، وفي الحديث: "ما بين النفختين أربعون، ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل، ويبلى كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه، ومنه يركب الخلق" ٢، فهذا كله إشارة إلى أن ذرات الإنسان لا تفنى أبدًا، وإنما تتفرق أجزاؤه في الأرض، ويبقى منه جزء لا يفنى ولا يتفرق، وبذلك تكون الإعادة، وهي عبارة عن جمع المتفرق. فالبعث لا يتحقق إلا بقيام الموتى من قبورهم بأجسادهم التي أطاعوا بها أو عصوا في الدنيا حتى يتحقق العدل الإلهي بإثابة المطيعين وتعذيب العاصين.
ولقد قرر الشيخ رشيد هذا المذهب - البعث بالجسد والروح جميعًا - فقال: "ومما جاء به القرآن مخالفًا لما عند النصارى من عقيدة البعث والجزاء أن الإنسان في الحياة الآخرة يكون إنسانًا كما كان في الدنيا، إلا أن أصحاب
_________________
(١) ١ سورة طه، الآية (٥٥) ٢ البخاري، الصحيح، ك: التفسير، باب: ونفخ في الصور، ح: ٤٨١٤ (٨/ ٤١٤) مع الفتح.
[ ٨٢٣ ]
الأنفس الزكية والأرواح العالية، يكونون أكمل أرواحًا وأجسادًا مما كانوا بتزكية أنفسهم في الدنيا.. ولو كان البعث للأرواح وحدها لنقص من ملكوت الله تعالى هذا النوع الكريم المكرم من الخلق المؤلف من روح وجسد، فهو يدرك اللذات الروحية والجسمية، ويتحقق بحِكَم الله (جمع حكمة) وأسرار صنعه فيها معًا، من حيث حرم النبات والحيوان من الأولى، والملائكة من الثانية " ١.
ولكن الشيخ رشيد - مع قوله بحشر الروح والجسد جميعًا - يرى أن الجسد المبعوث لا يجب أن يكون هو الذي كانت الأعمال التكليفية به، فيقول: "ليس للكفار شبهة قوية على أصل البعث ولكن للمتقدمين والمتأخرين شبهة على حشر الأجساد ترد على ظاهر قول جمهور المسلمين: أن كل أحد يحشر بجسده الذي كان عليه في الدنيا أو عند الموت لكي يقع الجزاء بعده على البدن الذي اقترف الأعمال. وتقرير هذا الإيراد أن هذه الأجساد مركبة من العناصر المؤلفة منها مادة الكون كله وهي مشتركة يعرض لها التحليل والتركيب فتدخل الطائفة منها في عدة أبدان على التعاقب فمن الإنسان والحيوان ما تأكله الحيتان أو الوحوش ومنها ما يحرق فيذهب بعض أجزائه في الهواء وينحل ما يدفن في الأرض فيها ثم يتغذى بكل منهما النبات الذي يأكله بعض الناس والأنعام فيكون جزءًا من أجسادهم، ويأكل الناس من لحوم الحيتان والأنعام التي تغذت من أجساد الناس بالذات أو بالواسطة، فلا يخلص لشخص معين جسد خاص به " ٢. وبعد أو أورد الشيخ رشيد هذه الشبهة ذكر ما أجاب به عنها بعض العلماء بأن للجسد أجزاء أصلية وأجزاء فضلية والذي يعاد بعينه هو الأصلي دون الفضلي. ولكن الشيخ رشيد لم يرض بهذا الجواب لأنه لا يدفع الشبهة ٣. والذي اختاره هو: "أن التزام القول بوجوب حشر الأجساد التي كانت لكل حي بأعيانها لأجل وقوع الجزاء عليها غير لازم لتحقيق العدل، فجميع قضاة العالم
_________________
(١) ١ الوحي المحمدي (ص: ١٧٩) ٢ تفسير المنار (٨/ ٤٧٢) ٣ المصدر نفسه (٨/ ٤٧٣ و٧٤٦)
[ ٨٢٤ ]
المدني في هذا العصر يعتقدون أن أبدان البشر تتجدد في سنين قليلة ولا يوجد أحد منهم ولا من غيرهم من العقلاء يقول إن العقاب يسقط على الجاني بانحلال أجزاء بدنه التي زاول بها الجناية وتبدل غيرها بها، فما لم يكن عندنا نص صريح من القرآن أو الحديث المتواتر على بعث الأجساد بأعيانها فما نحن بملزمين قبول الإيراد وتكلف دفعه، فإن حقيقة الإنسان لا تتغير بهذا التبدل فقد تبدلت أجسادنا مرارًا ولم تتبدل بها حقيقتنا ولا مداركنا، ولا تأثير الأعمال التي زاولناها قبل التبدل في أنفسنا، بل لم يكن هذا التبدل إلا كتبدل الثياب " ١.
هذا ما أجاب به الشيخ رشيد على هذه الشبهة، ولدينا جواب آخر وهو الصحيح، وخلاصته: أن قدرة الله تعالى لا يعجزها جمع ما تفرق في الأرض والسماء من أجساد الناس، كما قال تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ ٢ أي: ما تأكل من لحومهم وأبشارهم وعظامهم وأشعارهم ٣، فالقدرة والعلم هما الحجة في هذه المسألة.
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٨/ ٤٤٧٣) وانظر أيضًا: مجلة المنار (٧/ ٤١٣) ٢ سورة ق، الآية (٤) ٣ انظر: ابن كثير: التفسير (٤/ ٢٢٣) وانظر: د. محمد علي ناصر فقيهي: منهج القرآن في الدعوة إلى الإيمان (ص: ٢٩٧) وما بعدها.
[ ٨٢٥ ]
الفصل الثالث: الساعة وأشراطها
تمهيد
تمهيد
لقد أخبر الله تعالى "بقيام الساعة" ولكنه استأثر بعلم وقت قيامها، إلا أنه تعالى من رحمته جعل لنا علامات نعرف بها قرب وقوعها وقيامها، فينتبه الغافل ويجد المتكاسل ويزيد العامل. وإلى هذا المعنى أشار قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ ١.
ولقد تحدث رشيد رضا عن الساعة فعرفها، وبين أن الله تعالى استأثر بعلم وقتها ﴿لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ ٢ ورد كل محاولة لكسر هذا الحجاب، ولكنه غلا في ذلك حتى أنكر أشراطها لأنه - حسب رأيه - يؤدي إلى معرفة وقتها وذهاب الحكمة من إخفائه، وفيما يلي تفصيل ذلك.
_________________
(١) ١ سورة طه، الآية (١٥) ٢ سورة الأعراف، الآية (١٨٧)
[ ٨٢٩ ]
المبحث الأول: الساعة
المطلب الأول: تعريف الساعة لغة واصطلاحًا وشرعًا
المطلب الأول: تعريف الساعة لغة واصطلاحًا وشرعًا:
عرف رشيد رضا الساعة لغة واصطلاحًا وشرعًا، فقال: "الساعة في اللغة جزء قليل غير معين من الزمان، وتسمى ساعة زمانية، ومنه قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً﴾ ١، وفي اصطلاح الفلكيين: جزء من أربعة وعشرين جزءًا متساوية من اليوم والليلة.." ٢. وأما الساعة الشرعية فيشير رشيد رضا إلى أنها تأتي في القرآن معرفة بأل العهد بخلاف الساعة الزمانية التي تكون فيه منكرة، والشرعية هي:"ساعة خراب هذا العالم وموت أهل الأرض.." ٣. وقد جمع الله في آية بين الساعة الشرعية والساعة الزمانية في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية (٣٤) ٢ تفسير المنار (٩/ ٤٦١) ٣ المصدر نفسه (٩/٤٦٢) ٤ سورة الروم، الآية (٥٥)
[ ٨٣٠ ]
الفرق بين الساعة والقيامة في القرآن:
ويلاحظ رشيد رضا الفرق بين استعمال القرآن وتعبيره بالقيامة والساعة، فيقول: " الغالب في استعمال القرآن التعبير بيوم القيامة عن البعث والحشر الذي يكون بعد الموت الذي يكون فيه الحساب وما يتلوه والتعبير بالساعة عن الوقت الذي يموت فيه الأحياء في هذا العالم ويضطرب نظامه ويخرب بما يكون فيه من الأهوال يتلو بعضها بعضًا، فالساعة هي المبدأ والقيامة هي الغاية، ففي الأولى الموت والهلاك، وفي الآخرة البعث والجزاء، وبعض التعبيرات في كل منها يحتمل حلوله محل الآخر في الغالب، وفي المعنى المشترك الذي يعم المبدأ والغاية.." ١. وقال أيضًا: "وحيث يذكر قيام الساعة كآيات سورة الروم الثلاثة ٢، وآية غافر: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ ٣، فالمتبادر منه غايتها يوم البعث والحساب والجزاء.. وحيث يذكر التكذيب بها أو المماراة فيها فالمراد المعنى العام لكل ما وعد الله به، وأوعد من أمر مبدئها وغايتها، وحيث يذكر اقتراب الساعة أو مجيئها وإثباتها ولا سيما إذا قرن ببغتة فالمتبادر منه مبدأ القيامة وخراب العالم الذي نعيش فيه ومن هذا القبيل السؤال عنها فإن السؤال يكون عن أول الأمر المنتظر.." ٤.
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٩/ ٤٦٢ـ ٤٦٣) ٢ يعني قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ الآية: ١٢، وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ الآية: ١٤، وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ الآية: ٥٥. ٣ الآية: (٤٦) ٤ تفسير المنار (٩/ ٤٦٤)
[ ٨٣١ ]
المطلب الثاني: علم الساعة:
دل الكتاب والسنة على أن الله تعالى استأثر بعلم وقت الساعة فلا يعلم أحد متى الساعة إلا الله وحده، قال تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ
[ ٨٣١ ]
إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١. قال الشيخ رشيد: "قل أيها النذير إن علم الساعة عند ربي وحده ليس عندي ولا عند غيري من الخلق شيء منه - وهذا ما يدل عليه لفظ "إنما" من الحصر، كما قال تعالى في الآية التي فسر بها النبي ﷺ مفاتح الغيب ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ ٢، أي عنده لا عند أحد سواه، ومثله قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ الآية ٣، أي يرد إليه وحده لا إلى غيره، وأشبه الآيات الدالة على استئثار علم الله تعالى بالساعة بآية الأعراف؛ آيتان: آية الأحزاب ٤.. وآية أواخر النازعات وما بعدها: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا، إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا، كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ ٥، أي: إلى ربك وحده من دونك ودون سائر خلقه منتهى أمر الساعة الذي يسألونك عنه.." ٦.
وأما ما ورد من قرب الساعة فهو حق مقتبس من القرآن - كما يقول الشيخ رشيد - ويستشهد بآيات، كقوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ ٧، وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ ٨، قال: " وفي التعبير عن قربه بلعل وعسى ما يناسب عدم إطلاع الله لرسوله على وقته. ولا شك أن قرب ذلك اليوم الذي مقداره من مبدئه إلى غايته خمسون ألف سنة مناسب له، ولما تقدم من عمر الدنيا وما بقي منه، والقرب والبعد من الأمور
_________________
(١) ١ سورة الأعراف: الآية (١٨٧) ٢ سورة لقمان، الآية (٣٤) ٣ سورة فصلت، الآية (٤٧) ٤ يعني قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ الآية (٦٣) . ٥ سورة النازعات، الآيات (٤٣ - ٤٦) ٦ تفسير المنار (٩/ ٤٦٥) ٧ سورة الشورى، الآية (١٧) ٨ سورة الإسراء: الآية (٥١)
[ ٨٣٢ ]
النسبية والمراد قربها بالنسبة إلى ما مضى من عمر الدنيا ولا يعلمه إلا الله تعالى " ١.
ورغم حسم الكتاب العزيز لهذا الأمر - مسألة وقت قيام الساعة - إلا أن اليأس من ذلك لم يتمكن من البعض، فقد حاول بعضهم تحديد عمر الدنيا بناء على ظنون وأوهام ٢، فما هو موقف الشيخ رشيد من هؤلاء؟
رد الشيخ رشيد بشدة هذه المحاولات لأنها تكذيب لآيات القرآن الناطقة بأن الساعة من علم الغيب. قال: " وما جاء في الآثار من أن عمر الدنيا سبعة آلاف سن مأخوذ من الإسرائيليات التي كان يبثها زنادقة اليهود والفرس في المسلمين حتى رووه مرفوعًا، وقد اغتر بها من لا ينظر في نقد الروايات إلا من جهة أسانيدها حتى استنبط بعضهم منها ما بقي من عمر الدنيا، وللجلال السيوطي ٣، في هذا رسالة في ذلك قد هدمها عليه الزمان، كما هدم أمثالها من التخرصات والأوهام.." ٤.
ونقل عن الآلوسي قوله: "وأخرج الجلال عدة أحاديث في أن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة، وذكر أن مدة هذه الأمة تزيد على ألف سنة ولا تبلغ الزيادة خمسمائة سنة.، وإذا لم يظهر المهدي على رأس المائة التي نحن فيها ينهدم جميع ما بناه فيها كما لا يخفى.." ثم قال الشيخ رشيد معلقًا: "وقد مضت المائة التي كان فيها مؤلفه برأسها وذنبها وهي المائة الثالثة عشرة من الهجرة ثم مضى زهاء نصف المائة التي بعدها وهي الرابعة عشرة إذ نكتب هذا البحث في سنة خمس وأربعين وثلاثمائة وألف، ولم يظهر
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٩/٤٤٧٠) ٢ آخر هذه المحاولات كتاب: "عمر أمة الإسلام وقرب ظهور المهدي ﵇" لمؤلفه: أمين محمد جمال، وأتى فيه بالعجائب. ط. مكتبة المجلد العربي، مصر، الرابعة، ١٤١٧هـ =١٩٩٧م. ٣ هو عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد، إمام حافظ مؤرخ أديب، له نحو ٦٠٠ مصنف، انظر: الزركلي: الأعلام (٣/٣٠١ - ٣٠٢) ٤ تفسير المنار (٩/٤٧٠)
[ ٨٣٣ ]
المهدي، فانهدم ولله الحمد ما بناه السيوطي عفا الله تعالى عنه من الأوهام التي جمعها كحاطب ليل.." ١. ثم نقل الشيخ رشيد عن الحافظ ابن حجر في الفتح نقلًا طويلًا في مسألة عمر الدنيا ٢ ثم قال:"وأقول هذا كلام المحققين، فالذين حاولوا تحديد عمر الدنيا ومعرفة وقت قيام الساعة إرضاء لشهوة الإتيان بما يهم جميع الناس لم يشعروا بأنهم يحاولون تكذيب آيات القرآن الكثيرة الناطقة بأن الساعة من علم الغيب الذي استأثر الله تعالى به، وأنها تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون.." ٣.
وهذا الموقف السديد من الشيخ رشيد في مسألة علم وقت الساعة وعمر الدنيا يحمد له، لا ريب، ولكن الشيخ رشيد تجاوز هذا الموقف وامتد به الحبل إلى أن اتخذ موقفًا غير سديد من "أشراط الساعة" المروية بالأحاديث الصحيحة، امتدادًا لموقفه من مسألة علم الساعة وعمر الدنيا، وردها بناء على نفس السبب وهو: عدم علم الساعة لأحد سوى الله تعالى. وهو ما نراه في المبحث التالي.
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٩/٤٧١) وانظر: السيوطي: الكشف في مجاوزة هذه الأمة الألف (ضمن الحاوي للفتاوي ٢/٨٦) ٢ انظر: تفسير المنار (٩/٤٧١ـ ٤٤٧٦) وقارن مع: ابن حجر: فتح الباري (١١/ ٣٥٠) وما بعدها. ٣ تفسير المنار (٩/ ٤٨٢) . وقد سبق الطبريُّ السيوطيَّ في محاولة تحديد عمر الدنيا اعتمادًا على روايات زائفة. انظر: فتح الباري (٨/٥١٤) والطبري: التاريخ (١/ ١٠)
[ ٨٣٤ ]
المبحث الثاني: أشراط الساعة
تمهيد
المبحث الثاني: أشراط الساعة
الأشراط العلامات، واحدها: شرط، بالتحريك، وبه سميت شرط السلطان، لأنهم يجعلون لأنفسهم علامات يعرفون بها ١، والمراد بالأشراط هنا العلامات التي يعقبها قيام الساعة. وقد مضى قريبًا ذكر معنى الساعة لغة وشرعًا واصطلاحًا، والمراد بها هنا: القيامة ٢. قال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ ٣. أي: أعلامها ٤.وفي حديث جبريل المشهور ٥، حيث سأل النبي ﷺ عن أمارات الساعة قال: أخبرني عن أماراتها، فقال ﷺ "أن تلد الأمة ربتها ٦، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان" وحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:"لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان تكون بينهما مقتلة عظيمة،
_________________
(١) ١ انظر: ابن الأثير: النهاية (٢/ ٤٦٠)، مادة شرط، وابن منظور: لسان العرب (٧/٣٢٩ـ ٣٣٠) مادة شرط. وانظر أيضًا: أبو عبيدة: مجاز القرآن (٢/٢١٥) ٢ راجع (ص:٧٦٤) من هذا البحث. ٣ سورة محمد، الآية (١٨) ٤ انظر: الزجاج: معاني القرآن (٥/١١) وأبو عبيدة: مجاز القرآن (٢/٢١٥) ٥ سبق تخريجه، انظر: (ص:٥٤٢) من هذا البحث ٦ قال ابن الأثير: يعني أن الأمة تلد لسيدها ولدًا فيكون لها كالمولى، لأنه في الحسب كأبيه، أرد أن السبي يكثر. انظر: النهاية (٢ ١٧٩) مادة ربب. وقيل غير ذلك. انظر: ابن حجر فتح الباري (١/١٤٩) ط. الريان.
[ ٨٣٥ ]
دعوتها واحدة، وحتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله، وحتى يقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن ويكثر الهرج وهو القتل، وحتى يكثر فيكم المال فيفيض حتى يهم رب المال من يقبل صدقته، وحتى يعرضه فيقول الذي يعرضه عليه لا أرب لي به ١ وحتى يتطاول الناس في البنيان، وحتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه، وحتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا" ٢ وأيضًا حديث حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁ قال: "طلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر، فقال: "ما تذاكرون؟ قالوا: نذكر الساعة، قال: إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات. فذكر الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم" ٣. وهناك روايات أخرى كثيرة فيها ذكر هذه الأشراط. وقد أفردت بالتصانيف من السلف والخلف ٤. ومذهب أهل السنة الإيمان بما ورد من هذه الأشراط بالروايات الصحيحة. قال أحمد: "ومن السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يقلها ويؤمن بها لم يكن من أهلها: والإيمان أن المسيح الدجال خارج مكتوب بين عينيه كافر، والأحاديث التي جاءت فيه والإيمان بأن ذلك كائن، وأن عيسى بن مريم
_________________
(١) ١ أي: لا حاجة لي فيه، والأرب: الحاجة. انظر: ابن الأثير: النهاية (١/ ٣٥) وما بعدها. مادة: أرب. ٢ البخاري: ك: الفتن، باب: ٢٥، ح: ٧١٢١ (١٣/ ٨٨) مع الفتح. ٣ مسلم: ك: الفتن، باب: في الآيات التي تكون قبل الساعة، ح: ٣٩ (٢٩٠١) (٤/٢٢٢٥) ٤ من تصانيف السلف: نعيم بن حماد: كتاب الفتن، مطبوع. وأبو عمرو الداني: السنن الواردة في الفتن وغوائلها والساعة وأشراطها، مطبوع، ت: د. رضاء المباركفوري، دار العاصمة، الأولى ١٤١٦هـ=١٩٩٥م.
[ ٨٣٦ ]
ينزل فيقتله بباب لد "١.
وبطريق الاستقراء يمكن تقسيم هذه الأشراط إلى ثلاثة أقسام: الأول: ما وقع منها وانتهى، والثاني: ما وقع ولكنه لم يتم بعد ولم يستحكم، والثالث: ما لم يأت بعد.
ويمكن أيضًا أن تقسم إلى كبرى، وهو ما كان قريبًا من قيام الساعة، كخروج الدجال ونزول عيسى ﵇، وطلوع الشمس من مغربها ألخ. وإلى صغرى: وهو ما يكون قبل ذلك ومنه ما ورد في حديث جبريل المشار إليه آنفًا وغيره ٢.
_________________
(١) ١ انظر: اللالكائي: شرح أصول أهل السنة (٢/ ١٧٨)، وانظر أيضًا: عبد الغني المقدسي: الاقتصاد في الاعتقاد (ص: ١٨٩ - ١٩٢) ت: أحمد بن عطية الغامدي، ط. العلوم والحكم، الأولى، سنة ١٤١٤هـ، والموفق ابن قدامة: لمعة الاعتقاد (ص: ١٩) ت: بدر البدر، ط. دار ابن الأثير، الثانية، ١٤١٦هـ. ٢ انظر: ابن حجر: فتح الباري (١٣/ ٨٣ - ٨٥)
[ ٨٣٧ ]
المطلب الأول: موقف الشيخ رشيد من أشراط الساعة جملة:
لم يكن للشيخ رشيد بد من إثبات أشراط للساعة - جملة - لورود ذلك في القرآن الكريم، وبناءً عليه أثبتها فقال: "إن للساعة أشراطًا ثبتت في الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ ٣". وعرف الشيخ رشيد الأشراط بقوله: "الأشراط جمع شَرَط بفتحتين، كأسباب جمع سبب، وهي العلامات والأمارات الدالة على قربها، وأعظمها بعثة خاتم النبيين لأن بعثته ﷺ قد كمل بها الدين، كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ٤، وما بعد الكمال إلا الزوال " ٥.
_________________
(١) ٣ سورة محمد، الآية (١٨) ٤ سورة المائدة، الآية (٣) ٥ تفسير المنار (٩/ ٤٨٣)
[ ٨٣٧ ]
والحق أنه لم يثبت الشيخ رشيد من علامات الساعة إلا بعثة النبي ﷺ، وأما ما سوى ذلك من العلامات الصغرى والكبرى فلم يكن لها نصيب من القبول عند الشيخ رشيد.
لقد ادعى أن روايات الفتن وأشراط الساعة مشكلة ومتعارضة. فأما الإشكال الذي أبداه على العلامات الصغرى، فهو أن ما ورد منها من الأمور المعتادة التي تقع بالتدريج لا يُذّكر بقيام الساعة ولا تحصل به الفائدة التي من أجلها أخبر الشارع بقرب قيام الساعة - يعني لأنها أصبحت من الأمور المعتادة المألوفة - ١. وأما الأشراط الكبرى الخارقة للعادة فوجه الإشكال فيها عند الشيخ رشيد أن العالم بها يكون في مأمن من قيام الساعة قبل وقوعها كلها فهو مانع أيضًا من حصول تلك الفائدة، فالمسلمون المنتظرون لها يعلمون أن لها أشراطًا تقع بالتدريج، فهم آمنون من مجيئها بغتة في كل زمن، وإنما ينتظرون قبلها ظهور الدجال والمهدي والمسيح ﵇ ويأجوج ومأجوج، وهذا الاعتقاد لا يفيد الناس موعظة ولا خشية ولا استعدادً لذلك اليوم ولا لتلك الساعة، فما فائدة العلم به إذن؟ هذا ما قاله الشيخ رشيد رضا ٢.
وأريد هنا أن أرد على هاتين الشبهتين عند الشيخ رشيد، وذلك قبل أن أتناول تفصيل ما أورده في أشراط الساعة الكبرى - وقد خص منها بالذكرـ الدجال والمهدي، وطلوع الشمس من مغربها، وسوف أتحدث عن كل ذلك تفصيلًا إن شاء الله.
فأقول أولًا: إن الشيخ رشيد تناقض هنا، فإنه: قد أثبت أشراطًا للساعة، وخص بالذكر منها بعثة النبي ﷺ، فما أورده من الإشكال في الأشراط الأخرى وارد على ما أثبته، ومهما كان جوابه فهو جوابنا.
ثانيًا: إنّ ما استشكله الشيخ رشيد غير مشكل، لأن ما أورده في الأشراط الصغرى من كونها أمورًا صارت معتادة لا تذكر بالآخرة، - وهو
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٩/ ٤٨٨) ٢ المصدر نفسه (٩/ ٤٨٩)
[ ٨٣٨ ]
الحكمة من تقديم الأشراط - ليس صحيحًا على إطلاقه هذا، فإن من الناس من يوفقه الله تعالى للاعتبار، فإذا رأى من أشراط الساعة شيئًا مما أخبر به النبي ﷺ تنبه من غفلته وقام من رقدته، وأصلح من شأنه، لا يألو جهدًا في التوبة ولا يتوانى في الحوبة، كالمريض إذا ظهر له قرب أجله فإنه يسارع في الإحسان، وينظر لنفسه وورثته وأصحاب الحقوق عنده، وينقطع عن الدنيا إلى الآخرة. ومنهم من طبع الله على قلبه وتمكنت منه الغفلة فهو على حد قوله تعالى: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ١.
وأما الأشراط الكبرى وخوف الشيخ رشيد أن تتعارض مع ما تقرر من عدم علم أحد بالساعة إلا الله تعالى، ومن أن العالم بهذه الأشراط يكون في مأمن من الساعة، فالجواب عنه أيضًا من وجوه:
أحدها: أن يقال فيه ما قيل فيما قد سبق من صنفي الناس، فمنهم حي القلب، العالم الذي ينفعه ذلك، ومنهم دون ذلك.
الثاني: أن الله تعالى ورسوله قد أخبرا مع وجود الأشراط وظهور العلامات أن الساعة لا تكون إلا بغتة، كما قال تعالى: ﴿لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ ٢، فالعلم بأشراطها لا يورث العلم بوقوعها، ومع أن السنة قد بينت أن الساعة تكون في آخر ساعة من يوم الجمعة، فلا تكون في يوم آخر ولا ساعة أخرى، إلا أنها كذلك قد بينت أنها لا تكون إلا فجأة. ومما يؤيد هذا الوجه اختلاف أهل العلم في بعض الأشراط والعلامات هل وقعت أم لا، كاختلافهم في الدخان ٣، والمهدي هل هو عمر بن عبد العزيز أم
_________________
(١) ١ سورة هود، الآية (٣٤) ٢ سورة الأعراف، الآية (١٨٧) ٣ انظر: أبا عمرو الداني: السنن الواردة في الفتن وغوائلها والساعة وأشراطها، ت: رضاء الله المباركفوري (٥/ ٩٩٥ - ١٠٠٢) مع التعليق. وأيضًا: (٥/ ١٠٠٣ - ١٠٠٩) مع تعليق المحقق، وانظر: عمر سليمان الأشقر: اليوم الآخر: القيامة الصغرى (ص: ٢٢١) وما بعدها، دار النفائس، السادسة ١٤١٥هـ.
[ ٨٣٩ ]
غيره؟ ١، والمقصود أن العلم بالأشراط ليس علمًا بوقت الساعة، لأن الإخبار بها - أعني الأشراط - جاءت دون تحديد لوقت الظهور وأشخاص محددين، بل جاءت بصفات تحتمل وقد تقوى مع القرائن. فما خاف منه الشيخ رشيد لا يخيف.
فهذا جواب سريع مختصر على ما أورده الشيخ رشيد على أشراط الساعة الصغرى والكبرى، إجمالًا، ثم أنتقل بعد ذلك لعرض رأيه في مسائل منها معينة، تناولها بمزيد البحث، وهي المهدي والدجال وطلوع الشمس من مغربها، ولنرى شبهات الشيخ رشيد، وأهم من ذلك معرفة من أين جاءه هذا المذهب.
_________________
(١) ١ انظر: أبا عمرو الداني: مرجع سابق (٦/ ١٠٧٣) وما بعدها مع تعليق المحقق.
[ ٨٤٠ ]
المطلب الثاني: موقف رشيد رضا من أشراط الساعة تفصيلًا:
أولًا: الدجال:
لقد أورد الشيخ رشيد على روايات الدجال إشكالات في المتن والسند، مجموعها خمسة، وخص حديث الجساسة بمزيد بحث في تسع نقاط ٢.
أما أحاديث الدجال فقال إنها مشكلة من وجوه:
أولها ما استشكله آنفًا من كونها تنافي الحكمة في إنذار القرآن الناس بقرب قيام الساعة وإتيانها بغتة، وقد تقدم الرد على هذه الشبهة قبل قليل ٣، وأزيد هنا أن هذه الحكمة المشار إليها ليست بنص الشرع، بل هي مما استنبطه أهل العلم واجتهدوا فيه ٤، وهي لا تنافي حكمًا أخرى لم يصلوا
_________________
(١) ٢ تفسير المنار (٩/ ٤٩٠ - ٤٩١) وسيأتي ذكر حديث الجساسة. ٣ انظر (ص:٧٧٢) ٤ من هؤلاء القرطبي: التذكرة (ص: ٧٣٢)، والحليمي: المنهاج (١/ ٣٤٣)، وابن حجر: فتح الباري (١١/ ٣٥٠)
[ ٨٤٠ ]
إليها، قال تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ١، فلا يصلح أن تعارض هذه الحكمة المستنبطة بالاجتهاد نصوص الكتاب والسنة.
وأما الإشكال الثاني عند الشيخ رشيد فهو - كما يقول ـ: "ما ذكر فيها من الخوارق التي تضاهي أكبر الآيات التي أيد الله بها أولي العزم من المرسلين، أو تفوقها، وتعد شبهة عليها " ٢.
وللجواب على هذه الشبهة أقول:
أولًا: قد سبق الكلام على معجزة الأنبياء، وبينت هناك أن المعجزة ليست وحدها السبيل لتصديق الرسل، بل يكون معها من القرائن ما يبين صدقهم، وبهذا فرقنا بين ما يكون مع الأنبياء من الخوارق وما يكون مع الأشقياء منها ٣. ولا ريب أن الدجال من صنف هؤلاء الأشقياء، فلا يلتبس أمره على المؤمنين، لا سيما وقد بين لنا رسول الله ﷺ، علامته، وأنه مكتوب بين عينيه "كافر" يقرؤها كل مؤمن كاتب وغير كاتب ٤، وأنه يدعي الألوهية، مع أنه أعور والله تعالى متصف بصفات الكمال والجمال والجلال، فليس بأعور ٥.
وثانيًا: أن الدجال لم يدع النبوة فيلتبس أمره وإنما ادعى الألوهية، وهو منافٍ لبشريته وصفاته التي وصفه بها النبي ﷺ فلا يلتبس أمره والحمد لله ٦.
وأما الإشكال الثالث عند الشيخ رشيد في أحاديث الدجال، فهو أن ما
_________________
(١) ١ سورة الأنعام، الآية (١٤٩) ٢ تفسير المنار (٩/ ٤٩٠) ٣ انظر (ص:٦٩٢) من هذا البحث. ٤ انظر: أحمد: المسند (٦/ ٤٥٦ و٤٥٥و ٤٥٩) ومسلم: الصحيح: ك: الفتن، ح: ١٠٣ (٢٩٣٣) [٤/٢٢٤٨] ٥ انظر: مسلم: الصحيح: ك: الفتن، باب ذكر الدجال، ح: ١٠٠ (١٦٩) (٤/ ٢٢٤٧) ٦ انظر: مسلم: الصحيح: ك: الفتن، ح: ١١٣ (٢٩٣٨) (٤/٢٢٥٦ـ ٢٢٥٧)
[ ٨٤١ ]
عزي إليه من الخوارق مخالف لسنن الله تعالى في خلقه، وقد ثبت بنص القرآن أنه لا تبديل لسننه تعالى ولا تحويل ١، وقد سبق أن أثار الشيخ رشيد هذه المسألة عند الكلام على كرامات الأولياء، واستشهد بالآيات التي تصرح بهذا المعنى - ولا أدري من هو أول من دس هذا البلاء تحت معنى هذه الآيات، إن هذه الآيات لا تتحدث عن السنن الطبيعية والقوانين الكونية، وعدم حدوث التغيير والتبديل فيها، قال ابن تيمية في معنى الآيات: " والمقصود أن الله أخبر أن سننه لن تتبدل ولن تتحول، وسنته عادته التي يسوي فيها بين الشيء وبين نظيره الماضي، وهذا يقتضي أنه سبحانه يحكم في الأمور المتماثلة بأحكام متماثلة" ٢.
ولو كان معنى الآية هو ما فهمه الشيخ رشيد لكان يرد مثل الذي استشكله على معجزات الأنبياء - صلى الله تعالى عليهم ـ، ومهما كان جوابه كان جوابنا لأنه لا يستطيع أن يفرق بينها في أصل التبديل والتحويل. فالمقصود من الآية بيان سنة الله تعالى في نصر الأنبياء ومن تبعهم، وخذلان أعدائهم ومن والاهم ٣، وهذا المعنى الذي فهمه الشيخ رشيد مناقض لأكثر آيات القرآن التي تصف وقائع الأنبياء وغيرها من عجائب قدرة الله تعالى. وهناك جواب آخر على سبيل التنزل مع الشيخ على ما فهمه أن المعنى: من سنة الله تعالى أن يخلق أشياءً بأسباب لحكمة، وأشياء بلا أسباب لحكمة أخرى، ولن تجد لسنة الله تبديلًا ٤.
وأيضًا فإن وقت ظهور الدجال هو من مقدمات اليوم الآخر، وفيه تكثر الخوارق، وكان ينبغي للشيخ رشيد أن يطبق قاعدته الصحيحة في أمور الغيب والآخرة، وهي الإيمان بما ورد منها مع تفويض الكيفية ٥.
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٩/ ٤٩٠) ٢ مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٣) ٣ انظر: الشوكاني: فتح القدير (٤/٣٥٦) ط. البابي الحلبي، بمصر الثانية، ١٣٨٣هـ ٤ مجلة المنار (١١/ ٩١٢) من رد لأحد العلماء على الشيخ رشيد. ٥ لقد كرر الشيخ هذه القاعدة وقد سبق ذلك مرارًا. انظر: مجلة المنار (١٠/ ٢٨٩)
[ ٨٤٢ ]
الدعوى الأخيرة التي ادعاها الشيخ رشيد هي التعارض بين روايات الدجال، تعارضا يوجب تساقطهما ١، وقد ضرب أمثلة لهذا التعارض.
منها؛ أعني في حديث الدجال: التردد في زمن ظهوره، فبينما تشير بعض الروايات إلى أنه يخرج بعد الملحمة وفتح القسطنطينية ٢، تجوز بعض الروايات خروجه في زمن النبي ﷺ، كأحاديث ابن صياد ٣. ويرى الشيخ رشيد تعارضًا بين الروايات فيما يتعلق بشخص الدجال، وهل هو ابن صياد أو غيره ٤. وأيضًا التردد في مكانه: هل هو في بحر الشام - أي المتوسط - أو بحر اليمن - وهو في الجنوب - أو جهة المشرق؟ ٥، وأيضًا؛ وفيما يتعلق بالفتن التي مع الدجال، هل هي حقيقية أو وهمية، فإنه يظهر من بعض الروايات أنها فتن حقيقية، ومع ذلك فقد ورد قوله ﷺ: "هو أهون على الله من ذلك" ٦. هذه أهم أوجه التعارض عند الشيخ رشيد والتي جعلته يشك في صدور أحاديث الدجال عن النبي ﷺ مع رواية البخاري لها - والذي يشيد الشيخ رشيد دائمًا بروايته ويشك فيما لا يخرجه منها - إلا أنه هنا لا يجعل لما يرويه منها كرامة.
وأما سبب هذا التعارض عند الشيخ رشيد، هو أكبر من رد أحاديث الدجال، فهو:
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٩/ ٤٩٠) ٢ انظر: مسلم: الصحيح، ك: الفتن، باب: ١٨، ح: ٢٩٢٠ (٤/ ٢٢٣٨) عبد الباقي. ٣ ابن صياد: اسمه صاف، من يهود المدينة، أسلم وتسمى بـ: "عبد الله". انظر: مسلم: الصحيح، ك: الفتن، ح: ٩٤ (٢٩٢٩) (٤/٢٢٤٣ـ ٢٢٤٤) ٤ انظر: البخاري: الصحيح، ك: الاعتقاد، باب: من رأى النكير من النبي حجة، ح: ٧٣٥٥ (١٣/ ٣٣٥) مع الفتح، ومسلم: ك: الفتن، باب ذكر ابن صياد، ح: ٩٥ (٢٩٣٠)، وانظر: ابن حجر: فتح الباري (١٣/ ٣٣٧) وما بعدها، وابن كثير: النهاية (١/٦٠) ٥ انظر: مسلم: الصحيح، ك: الفتن، باب: قصة الجساسة، ح: ١١٩ (٢٩٤٢) (٤/ ٢٢٦١) ٦ انظر: البخاري الصحيح، ك: الفتن، باب: ذكر الدجال، ح: ٧١٢٢ (١٣/ ٩٦) مع الفتح.
[ ٨٤٣ ]
أولًا: أن أحاديث الأشراط - كأكثر الأحاديث - قد رويت بالمعنى، قال: "واتفق عليه العلماء" ١، ويدلل عليه باختلاف رواة الصحاح في ألفاظ الحديث الواحد حتى المختصر منها، وكذلك بوجود الإدراج ٢، وقد كرر الشيخ رشيد هذه الشبهة، وهي شبهة ترد على السنة جميعها، فتكون هي - ومسألة الكتابة - ساقين قامت عليهما دعوى رد السنة ودفع الثقة بها، وهو يأتي على كل أبواب الشريعة التي احتج فيها بالسنة لأنه يقال فيها ما يقال في غيرها، لذا يجب دفع هاتين الشبهتين دفعًا، وإقامة البراهين على بطلانهما، لتسلم السنة، وهو ما أرجو أن أكون أديته في الباب الأول ٣.
ثانيًا: أرجع الشيخ رشيد الاختلاف والاضطراب في أحاديث الدجال إلى أن الصحابة والتابعين كانوا يروون عن كل مسلم صادق وغير صادق دون تمييز، ثم إنهم لم يكونوا يفرقون في أداء ما سمعوه، بين ما سمعوه من النبي ﷺ وما سمعوه من غيره ٤، قال: " وقد ثبت أن الصحابة ﵃ كان يروي بعضهم عن بعض وعن التابعين حتى عن كعب الأحبار وأمثاله، والقاعدة عند أهل السنة أن جميع الصحابة عدول فلا يخل جهل اسم رواٍ منهم بصحة السند، وهي قاعدة أغلبية لا مطردة، فقد كان في عهد النبي ﷺ منافقون " ٥. ثم خرج من كل ذلك بتقعيد قاعدة عامة في طرح الأحاديث، فقال: "كل حديث مشكل المتن أو مضطرب الرواية، أو مخالف لسنن الله تعالى في الخلق، أو لأصول الدين أو نصوصه القطعية أو للحسيات وأمثالها من القضايا اليقينية، فهو مظنة لما ذكرنا في هذه الشبهات، فمن صدق رواية مما ذكر ولم يجد فيها إشكالًا فالأصل فيها الصدق ومن ارتاب في كل شيء منها أو أورد عليه بعض المرتابين أو
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٩/ ٥٠٦) ٢ الإدراج: أن تزاد لفظة في متن الحديث من كلام الراوي، وقد يقع في السند. انظر: ابن الصلاح: المقدمة (ص: ١٢٥)، وابن كثير: الباعث الحثيث (ص: ٧٣) ٣ انظر (ص:١٢٧) من هذا البحث. ٤ تفسير المنار (٩/ ٥٠٦) ٥ المصدر نفسه والصفحة.
[ ٨٤٤ ]
المشككين إشكالًا في متونها، فليحمله على ما ذكرنا من عدم الثقة بالرواية لاحتمال كونها من دسائس الإسرائيليات أو خطأ الرواية بالمعنى " ١. وأقول: لقد انتفع بهذه النصائح كل من جاء بعد الشيخ رشيد وأراد الطعن في السنة، فإنه قلد الشيخ رشيد في دعاويه - مع التوسع - وردد نفس الشبهات والطعون، ومن ذلك ما فعل أبو رية ٢.
وأكتفي هنا ببيان ما استشكله الشيخ رشيد في مسألة الدجال، تاركًا ما بقي من المسائل التي بحثت عند الحديث عن السنة وموقفه منها.
إن أحاديث الدجال ليست مشكلة وليست متعارضة لتتساقط، وإنما هو احتجاج أهل الأهواء الذين قصر علمهم عن الاتساع، وعييت أذهانهم عن وجوهها فلم يجدوا شيئًا أهون عليهم من أن يقولوا: متناقضة فأبطلوها كلها ٣.
والدليل على ذلك: أن كل الذي استشكله الشيخ رشيد غير مشكل وكل ما زعم تعارضه غير متعارض، لأن النبي ﷺ كان أوحي إليه بصفات الدجال العامة، ولم يوح إليه شيء في شخصه وعينه، وكذلك زمنه ومكانه، وكان في ابن صياد قرائن محتملة، فكان النبي ﷺ لا يقطع بكونه الدجال، وكان أيضًا لا يعلم زمن خروجه، ثم تبين للنبي ﷺ أن الدجال ليس هو ابن صياد، وأنه يخرج زمن كذا وكذا، ومكانه كذا، فتبين له ﷺ بعد التردد ما لم يكن يعلم، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ ٤، وأما ابن صياد فليس هو الدجال الأكبر، وإنما هو دجال من الدجاجلة من أصحاب الأحوال الشيطانية وإلى ذلك ذهب جمع من العلماء ٥.
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٩/ ٥٠٧) ٢ انظر: أبو رية: أضواء (ص: ١٨١ - ١٨٢، و٣٦٨) وأيضًا: (ص: ٢٣٨ وص: ٢٤١ - ٢٤٣)، وانظر: (ص:١١٩) من هذا البحث. ٣ انظر: أبو عبيد القاسم بن سلام: الإيمان (ص: ٤٠) ٤ سورة النساء، الآية (١١٣) ٥ انظر: ابن كثير: النهاية (ص: ١/٦٥)، وابن حجر: فتح الباري (١٣/ ٣٣٨)، وابن تيمية: الفرقان (ص: ٦٩) ط. مكتبة المعارف، الرياض.
[ ٨٤٥ ]
والذي يدل على صحة هذا الرأي حديث الجساسة الشهير، فعن فاطمة بنت قيس ١ - رضي الله تعالى عنها - قالت - وذكرت قصة تأيمها من زوجها ـ: "فلما انقضت عدتي، سمعت منادي رسول الله ﷺ ينادي: الصلاة جامعة، فخرجت إلى المسجد فكنت في صف النساء التي تلي ظهور القوم، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته جلس على المنبر وهو يضحك، فقال: "ليلزم كل إنسان، ثم قال: أتدرون لماذا جمعتكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إني والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة ولكن جمعتكم لأن تميمًا الداري كان رجلًا نصرانيًا، فجاء فبايع وأسلم، وحدثني حديثًا وافق الذي كنت أحدثكم عن مسيح الدجّال، حدثني أنه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلًا من لخم وجذام، فلعب بهم الموج شهرًا في البحر، ثم أرفؤوا إلى جزيرة في البحر، حتى مغرب الشمس، فجلسوا في أقرب ٢ السفينة، فدخلوا الجزيرة، فلقيتهم دابة، أهلب كثيرة الشعر، لا يدرون ما قُبُله من دُبُرِه من كثرة الشعر، فقالوا: ويلك ما أنت؟ فقال: أنا الجساسة، قالوا: وما الجساسة، قالت: أيها القوم: انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير ٣ فإنه إلى خبركم بالأشواق، قال: لما سمت لنا رجلًا؛ فرقنا منها أن تكون شيطانة. قال: فانطلقنا سراعًا حتى دخلنا الدير، فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خَلْقًا، وأشده وثاقًا، مجموعة يداه إلى عنقه، ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد، قلنا: ويلك ما أنت؟ قال: قدرتم على خبري، فأخبروني ما أنتم؟ قالوا: نحن أناس من العرب، ركبنا في سفينة بحرية، فصادفنا البحر حين اغتلم ٤، فلعب بنا الموج شهرًا، ثم أرفأنا إلى جزيرتك هذه، فجلسنا في أقربها، فدخلنا الجزيرة، فلقينا دابة أهلب كثيرة الشعر لا يدرى ما قُبُله من
_________________
(١) ١ هي: إحدى المهاجرات - رضي الله تعالى عنها - وأخت الضحاك بن قيس، زوجها النبي (من زيد، وتوفيت في خلافة معاوية. السير (٢١/ ٣١٩) ٢ أقرب: بضم الراء: سفن صغار تكون مع السفن الكبار، واحدها قارب، والجمع: قوارب وأقرب. النهاية (٤/ ٣٥)، والنووي: شرح مسلم (١٨/ ٨١) ٣ الدير: بيت يتعبد فيه الرهبان. الحموي: معجم البلدان (٢/ ٤٩٥) ٤ اغتلم: هاج واضطرمت أمواجه. النهاية (٣/ ٣٨٢)
[ ٨٤٦ ]
دُبُره من كثرة الشعر، فقلنا: ويلك ما أنت؟ فقالت: أنا الجساسة، قلنا: وما الجساسة؟ قالت: اعمدوا إلى هذا الرجل في الدير، فإنه إلى خبركم بالأشواق، فأقبلنا إليك سراعًا، وفزعنا منها ولم نأمن أن تكون شيطانة. قال: أخبروني عن نخل بيسان ١؟ قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: أسألكم عن نخلها: هل يثمر؟ قلنا له: نعم. قال: أما إنه يوشك أن لا يثمر. قال أخبروني: عن بحرية طبريّة ٢؟ قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل فيها ماء؟ قالوا: هي كثيرة الماء. قال: إن ماءها يوشك أن يذهب. قال: أخبروني عن عين زغر ٣؟ قالوا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل في العين ماء؟ وهل يزرع أهلها بماء العين؟ قلنا له: نعم، هي كثيرة الماء وأهلها يزرعون من مائها. قال: أخبروني عن نبي الأميين، ما فعل؟ قالوا: قد خرج من مكة ونزل يثرب، قال: أقاتله العرب؟ قلنا: نعم، قال: كيف صنع بهم؟ فأخبرناه أنه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه. قال لهم: قد كان ذلك؟ قلنا: نعم، قال: أما إن ذاك خير لهم أن يطيعوه، وإني مخبركم عني، إني أنا المسيح، وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج فأخرج، فأسير في الأرض، فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة، غير مكة وطيبة، فهما محرمتان عليّ كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة منهما، استقبلني ملك بيده السيف صلتًا يصدني عنها، وإن على كل نقب ٤ منها ملائكة يحرسونها" قالت: قال رسول الله ﷺ، وطعن بمخصرته ٥ في المنبر: "هذه طيبة، هذه طيبة، هذه طيبة - يعني المدينة - ألا هل كنت
_________________
(١) ١ بيسان: بفتح فسكون: مدينة بالأردن، بين حوران وفلسطين، توصف بكثرة النخل. الحموي: معجم البلدان (١/ ٦٢٥)، وقد رآها ياقوت وليس بها إلا نخلتان ٢ طبرية: بحيرة في بلاد الشام على حدود سوريا حاليًا. ٣ زعر: قرية بمشارف الشام. ياقوت (٣/١٦١) معجم البلدان ٤ النقب: الخرق في الجدار، جمعه أنقاب، المعجم الوسيط (٢/٩٤٣) ط. مطبعة مصر، ١٣٨٠هـ ٥ المخصرة: ما يتوكأ عليها كالعصا أو يشار بها في أثنا الخطبة والكلام. المعجم الوسيط (١/٢٣٧)
[ ٨٤٧ ]
حدثتكم ذلك؟ فقال الناس: نعم "فإنه أعجبني حديث تميم أنه وافق الذي كنت أحدثكم عنه، وعن المدينة ومكة، ألا إنه في بحر الشام، أو بحر اليمن، لا بل هو من قبل المشرق ما هو، من قبل المشرق ما هو، من قبل المشرق ما هو وأومأ بيده إلى المشرق" ١.
ولقد وجه الشيخ رشيد عدة سهام لهذا الحديث على وجه الخصوص في تسع نقاط. منها أنها رواية لم تتواتر مع توفر الدواعي لذلك، ولم يرضِ جواب الحافظ ابن حجر عن ذلك بأنه روي أيضًا عن أبي هريرة وعائشة وجابر ﵃ ٢.
ومهما يكن من شيء فإن التواتر ليس شرطًا في قبول الأحاديث، ولا يلزم من صدور الأحاديث عن النبي ﷺ من على المنبر وفي حشد من الناس أن يروى ذلك متواترًا فها هي ذي خطبة حجة الوداع وكانت في أعظم حشد كان في حياة النبي ﷺ، ومع ذلك فلم تتواتر ولم ينقلها إلا عدد قليل من الصحابة ٣.
ولم يمتنع البخاري عن إخراج الحديث - كما زعم الشيخ رشيد ٤ - وأين قال البخاري ذلك، وأين قال أنه خرج كل حديث صحيح؛ إن الذي صرح به البخاري عكس ذلك، إذ قال: "لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا وما تركت من الحديث أكثر"٥.
وفوق ذلك فقد نقل تواتر أحاديث الدجال ٦.
_________________
(١) ١ مسلم: الصحيح، ك: الفتن، ح: ١١٩ (٢٩٤٢) [٤/٢٢٦١] ٢ انظر: تفسير المنار (٩/ ٤٩٢)، وانظر: ابن حجر: فتح الباري (١٣/ ٣٤٠) ٣ انظر: حمود بن عبد الله التويجري: إتحاف الجماعة (٢/ ٦١) ٤ تفسير المنار (٩/ ٤٩٢) ٥ انظر: ابن حجر: هدي الساري (ص: ٩)، وانظر أيضًا: ابن الصلاح: المقدمة (ص: ٣٠) مع شرح العراقي، وابن كثير: الباعث الحثيث (ص: ٢٥) بشرح: أحمد شاكر، والقاسمي: قواعد التحديث (ص: ٨٣) ٦ انظر: الكتاني: نظم المتناثر (ص:١٤٦)
[ ٨٤٨ ]
لقد بلغ الشيخ رشيد مبلغًا بعيدًا في رد هذا الحديث حتى يشم من كلامه تكذيب تميم الداري ﵁ في روايته هذه، وأن النبي ﷺ ليس معصومًا من تصديق الكاذبين ١.
وما كان للشيخ رشيد أن يقحم نفسه في هذا الميدان ويضع نفسه بين هؤلاء الفرسان، اللهم إلا أن تكون كلمات قرائه ومحبيه وأوصافهم المبالغ فيها، التي خلعوها عليه، كمحيي السنة وغيرها قد أثرت فيه وظن بذلك أنه يطاول السماء ويفاخر الشهب، وهو الذي قد أقر على نفسه بقصر باعه في هذا الميدان ٢، كما أقر بذلك على شيخه ٣.
وأقول - وبكل أسى - لقد طاولت هذه الشبهة العقلية المتوهمة غير الشيخ رشيد وبناءً على نفس الحجة، ردت أحاديث أخرى وتؤولت لأن البحارة "قد مسحوا البحرين مسحًا، وجابوا سطحهما طولًا وعرضًا، وقاسوا مياههما عمقًا عمقًا، وعرفوا جزائرهما فردًا فردًا، فلو كانت في أحدهما جزيرة فيها دير أو قصر حبس فيه الدجال وله جساسة فيها تقابل الناس وتنقل إليه الأخبار لعرف ذلك كله كل الناس " ٤. وما هكذا ترد الأحاديث، وما هكذا تورد يا سعد الإبل.
فبناءً على شبهة مثل هذه ردت وتؤولت أحاديث يأجوج ومأجوج ٥،
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٩/ ٤٩٥) ٢ مقدمة مفتاح كنوز السنة (ص: ق) ٣ انظر: مجلة المنار (٣٢/ ٢١) ٤ انظر: تفسير المنار (٩/ ٤٩٤) ٥ انظر: عبد الرزاق العباد: الشيخ عبد الرحمن بن سعدي (ص: ٢٤٧) وما بعدها. وابن سعدي: معاصر للشيخ رشيد، وبينهما رسائل متبادلة. انظر: مجلة المنار (٢٩/ ١٤٣)، وانظر أيضًا: د. محمد مصطفى الأعظمي: دراسات في الحديث النبوي (١/ ٢٨)، وقد ترددت هذه الأفكار عند الكتاب العصريين، مثل أحمد أمين. انظر: ضحى الإسلام (٣/ ٢٤٤) وقد ردد نفس الاتهامات التي وجهها الشيخ رشيد للثقات مثل كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وانظر: تفسير المنار (٩/ ٤٩٨) وأيضًا (٩/ ٥٠٢) وأنكره أيضًا محمد فريد وجدي: دائرة معارف القرن العشرين (٨/٧٨٨ـ ٧٩٧)
[ ٨٤٩ ]
وبهذه الجرأة على الحديث والمحدثين ردت غيرها من الأحاديث، وطعن في الرواة حتى من الصحابة والتابعين، وربما كان ذلك كله رجع صدى لما ينشره الشيخ في مجلته الذائعة الصيت.
ولا ريب أن تكذيب الرواة وتخطئتهم بغير بينة إنما هو شطط وتجاوز للمعقول، لا سيما إن كان الرواة هؤلاء مجمع على صدقهم وعدالتهم، وأمانتهم، كأصحاب النبي ﷺ، وكل ذلك لا لشيء إلا لشبه واهية وحجج داحضة ليست بناهضة.
وأما ما استشكله الشيخ رشيد فيما يتعلق بالفتن التي تكون مع الدجال، وهل هي حقيقية أو خيالية، وتعارض الروايات في ذلك - كما زعم - باعتبار الروايات التي تثبت أن معه جنة ونارًا وأنهارًا وجبالًا خبزًا وماءًا، والروايات التي تصرح بأنه أهون على الله من ذلك. فالجواب عنه: أن معنى هذه الجملة أن الدجال أهون على الله من أن يجعل ما يخلقه على يديه مضلًا للمؤمنين وتشكيكًا لقلوب الموقنين، بل ليزداد الذين آمنوا إيمانًا ويرتاب الذين في قلوبهم مرض والكافرون لا أن قوله هو أهون على الله من ذلك أنه ليس شيء من ذلك معه، بل المراد: أهون من أن يجعل شيئًا من ذلك آية على صدقه ١.
ومن ذلك كله يتبين أن ما استشكله الشيخ رشيد غير مشكل وما زعم أنه تعارض يوجب التساقط، غير متعارض، وبقي أن أقول إن الشيخ رشيد قفى ما ليس له به علم فاتهم المحدثين بالتكلف ٢ وعدم التحري ٣، وتكلم في الرواة بغير بينة وخطأ الثقات حتى اتهم الصحابة المتفق على عدالتهم بالغفلة لأنهم يروون عن الكذابين، بل اتهم تميمًا الداري بالكذب ٤، كل
_________________
(١) ١ انظر: ابن حجر: فتح الباري (١٣/ ٩٩) ٢ تفسير المنار (٩/ ٤٩١ و٤٩٣) ٣ المصدر نفسه (٩/ ٤٩٢) فيفهم من قوله: " ويؤيده امتناع البخاري عن إخراجه في صحيحه لشدة تحريه" يعني حديث الجساسة - أن الإمام مسلم الذي أخرجه بطوله وغيره من الأئمة ليسوا متحرين!!. ٤ انظر: تفسير المنار (٩/ ٥٠٦)
[ ٨٥٠ ]
ذلك من أجل شبهة في غير محلها، وأقل ما يوصف به موقف الشيخ رشيد من أحاديث الدجال بأنه موقف متسرع ومتكلف وغير مبرر.
وبقي أن أقول إن هذا البلاء قد أتى للشيخ رشيد من جهة شيخه المتأثر بالفلسفة القديمة والحديثة، فهو الذي أطلق هذه البلية فقال: "إن الدجال رمز للخرافات والدجل والقبائح" ١. وفيما يتعلق بأشراط الساعة عمومًا فإن الشيخ محمد عبده - كما يقول عنه الشيخ رشيد - كان لا يثق إلا بأقل القليل مما روي في الصحاح من أحاديث الفتن ٢.
ولقد حاول الشيخ رشيد الاعتذار عن هذا الموقف بأنه يدفع الشبهات عن الدين وتبرئة الرسول ﷺ من كل طعن ويزيل الإشكالات والشبهات التي عند كثير من الناس لا سيما في عصره، ولكنه عذر ضعيف، فهو قد كان كمن يدفع عن نفسه طعان أعدائه بأن يطعن هو أيضًا في جسده ٣.
ثانيًا: المهدي:
يخرج في آخر الزمان رجل من آل بيت النبي ﷺ يؤيد الله به الدين، يملأ الأرض عدلًا بعدما ملئت جورًا، تنعم الأمة في عهده نعمة عظيمة، ويعم السلام والرخاء ٤، وقد يبن النبي ﷺ أن اسم هذا الرجل يوافق اسم النبي ﷺ أي "محمد بن عبد الله" ٥، والمهدي لقبه، وقد تواترت
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٣/ ٣١٧) ٢ المصدر نفسه (٩/ ٥٠٦) ٣ انظر: مجلة المنار (٢٨/ ٤٧٥) وانظر أيضًا: تفسير المنار (١/ ١٠) فقد صرح فيه بأنه يراعي حال العصر في تفسيره. ٤ انظر: ابن كثير: النهاية (١/٢٧)، والقرطبي: التذكرة (ص:٧٠١) ط. الريان، وابن القيم: المنار المنيف (ص: ١٣٩) ت: محمود مهدي الإستانبولي، والبرزنجي: الإشاعة (٨٧ـ ٩٠)، وصديق حسن خان: الإذاعة (٩٤) ط. دار المدني، جدة، ١٤٠٦هـ ٥ انظر: ابن كثير: النهاية (١/٢٧) والبرزنجي (ص: ٨٧)
[ ٨٥١ ]
الأحاديث بهذا ١ وأجمع عليه أهل السنة ٢. وفي زمن المهدي ينزل المسيح ﵇ ويساعده في قتل الدجال، لعنه الله ٣.
ولم ينكر المهدي من المتقدمين أحد يعرف، وأول من نقل عنه الإنكار أو التردد: ابن خلدون ٤ في مقدمته ٥. والحق "أن ابن خلدون قد قفا ما ليس له به علم واقتحم قحمًا لم يكن من رجالها وغلبه ما شغله من السياسة وأمور الدولة تهافت في هذا الفصل تهافتًا عجيبًا وغلط فيه أغلاطًا واضحة إن ابن خلدون لم يحسن قول المحدثين "الجرح مقدم على التعديل" ولو اطلع على أقوالهم وفقهها ما قال شيئًا مما قال، وقد يكون قرأ وعرف ولكنه أراد تضعيف أحاديث المهدي، بما غلب عليه من الرأي السياسي في عصره " ٦.
ومن المحدَثين من أنكر المهدي وتكلم على الأحاديث المروية فيه،
_________________
(١) ١ نقل التواتر: أبو الحسن الآجري (ت: ٣٦٣هـ)، نقلًا عن القرطبي: التذكرة (ص: ٧٠١)، وأثبته أيضًا: البرزنجي (ت: ١١٠٣هـ) الإشاعة (ص: ١١٢)، والسفاريني (ت: ١١٨٨هـ): لوامع الأنوار (٢/ ٨٤)، وصديق حسن خان (ت: ١٣٠٧هـ): الإذاعة (ص: ١١٣)، والكتاني: نظم = = المتناثر (ص: ١٤٤ - ١٤٥)، وانظر أيضًا: السيوطي: العرف الوردي (٢/ ٥٧) ضمن الحاوي للفتاوي، وعبد المحسن العباد: عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر (ص: ١٧١)،وحمود بن عبد الله التويجري: إتحاف الجماعة (٢/ ٢١) وما بعدها، ط. الأولى. ٢ انظر: السفاريني: لوامع الأنوار (٢/ ٨٤) ٣ انظر: القرطبي: التذكرة (ص: ٦٩٩) ط. الريان. ٤ هو: عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، مؤرخ مصنف، نشأ في تونس، ثم رحل إلى مصر، وتولى قضاء المالكية فيها، وتوفي بالقاهرة سنة ٨٠٨هـ، ﵀. انظر: ابن العماد: شذرات الذهب (٧/ ٧٦ - ٧٧)، والزركلي: الأعلام (٣/ ٣٣٠) ٥ المقدمة (١/ ٥٧٤)، وأما ما روي عن بعض السلف من قولهم: إن المهدي هو المسيح بن مريم، بناءً على حديث ضعيف. انظر: ابن القيم: المنار المنيف (ص: ١٣٩) ومن قال منهم: إنه عمر بن عبد العزيز [انظر: أبو عمرو الداني: السنن الواردة في الفتن (٥/ ١٠٧٣)، وابن القيم: المنار المنيف (ص: ١٤٨)] فإنه في الحقيقة إثبات لوجود المهدي واختلاف في شخصه. ٦ أحمد شاكر: شرح المسند (٥/ ١٩٧ - ١٩٨)
[ ٨٥٢ ]
وكلهم ليسوا من أهله، ويصح القول عليهم بمثل ما قيل في ابن خلدون، لأنهم أنكروا بناءً على دوافع سياسية غلبت عليهم ١.
وقد كان الشيخ رشيد من المنكرين لخروج المهدي على الصفة التي وردت في السنة ٢. ورد الأحاديث التي جاءت في ذلك بنفس الدعوى التي رد بها أحاديث الدجال، وهي دعوى تعارضها واضطرابها، ومن مظاهر هذا التعارض عند الشيخ رشيد، الاختلاف في اسم المهدي واسم أبيه، فهو عند أهل السنة محمد بن عبد الله وفي رواية أحمد بن عبد الله، وعند الشيعة الإمامية محمد بن الحسن العسكري ٣، وعند الكيسانية ٤ هو محمد بن الحنفية.
ومن مظاهر الاختلاف أيضًا - عند الشيخ رشيد - الاختلاف في نسبه، فتشير بعض الروايات إلى أنه علوي فاطمي حسني، وفي بعضها أنه من ولد الحسين، كما أنه في بعض الأحاديث من ولد العباس. قال: "وأهل الرواية يتكلفون الجمع بين هذه الروايات وما يعارضها باحتمال أن يكون لكل من العباس والحسن والحسين فيه ولادة بعضها من جهة الأب وبعضها من جهة الأم " ٥.
ويرجع الشيخ رشيد هذا الاختلاف إلى أسباب سياسية وخلافات بين الشيعة والعباسيين أدت إلى وضع أحاديث المهدي ممثلًا بحديث ثوبان المرفوع في سنن ابن ماجه ولفظه: "يقتتل عند كنزكم هذا ثلاثة كلهم ابن
_________________
(١) ١ انظر: أحمد أمين: ضحى الإسلام (٣/ ٢٤٤)، ومحمد فريد وجدي: دائرة معارف القرن العشرين (١٠/ ٤٨٠)، ومحمد رشيد رضا: تفسير المنار (١٠/ ٣٩٣ - ٣٩٤) ٢ انظر: مجلة المنار (٧/ ٣٩٤ و٤/ ٦ - ٧ و٧/ ٣٤٠ - ٣٤١ و٧/ ١٤٥ - ١٤٦) ٣ ولد سنة ٢٥٦هـ وتوفي ٢٧٥هـ، على أن وجوده مشكوك فيه. انظر: ابن تيمية: منهاج السنة (٢/ ١٣١)، والزركلي: الأعلام (٦/ ٨٠) . ٤ الكيسانية: أتباع المختار ابن أبي عبيد الثقفي وينسبون إلى كيسان مولى علي - (ـ، وقيل إن كيسان لقب محمد بن الحنفية. انظر: الشهرستاني: الملل والنحل (١/ ١٤٥)، والبغدادي: الفرق بين الفرق (ص: ٣٨) ٥ تفسير المنار (٩/ ٥٠٢)
[ ٨٥٣ ]
خليفة، ثم لا تصير إلى واحد منهم، ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق، فيقتلونهم قتلًا لم يقتلهم قوم - ثم ذكر شيئًا لا أحفظه - فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حبوًا على الثلج فإنه خليفة الله المهدي" ١.
ومن الأسباب التي دفعت الشيخ رشيد إلى إنكار المهدي ورد أحاديثه ما يصرح هو به، إذ يقول: " وقد كان شيوع هذا بين المسلمين من أسباب تقاعدهم عما أوجبه الله تعالى في كل وقت من إعلاء دينه وإقامة حجته، وحماية دعوته، وتنفيذ شريعته، وتعزيز سلطته، اتكالًا على أمور غيبية مستقبلة، لا تسقط عنهم فريضة حاضرة، إن أحاديث المهدي لا يصح منها شيء يحتج به، وأنها مع ذلك متعارضة متدافعة، وإن مصدرها نزعة سياسية شيعية معروفة، وللشيعة فيها خرافات مخالفة لأصول الدين " ٢. وأيد الشيخ كلامه في رد أحاديث المهدي لاختلافها، بأن البخاري ومسلمًا لم يعتدا بشيء منها، فأعرضا عن إخراجها ٣، هذا هو كل ما اعتمد عليه الشيخ رشيد من الحجج في رده لأمر المهدي.
وللجواب عن هذه الشبه أقول:
أولًا: لا ينكر أن الوضع قد وقع في الحديث النبوي، فإنكاره إنكار لأمر محسوس، وكذلك فإن من أكبر أسباب الوضع في الحديث هو الخلافات السياسية، والفتن التي وقعت بين المسلمين ٤. إلا أنه يكون أيضًا من إنكار المحسوس والمعلوم بالضرورة إنكار جهود علماء السنة رحمهم الله تعالى في مقاومة هذه الأحاديث الموضوعة وبيانها والكشف عن رواتها، وقد سلكوا في ذلك كل سبيل، وحيث أن المقام هنا لا يسمح ببيانها على وجه
_________________
(١) ١ انظر: ابن ماجه: السنن: ك: الفتن، باب خروج المهدي، ح: ٤٠٨٤ (٤/ ١٣٦٧) وصححه الحاكم: المستدرك (٤/٤٦٣ـ ٤٦٤)،والبوصيري: مصباح الزجاجة (٢/٣١٤) وابن كثير: النهاية (١/٥٥) ٢ تفسير المنار (١٠/ ٣٩٣ـ ٣٩٤) ٣ تفسير المنار (٩/ ٤٩٩) وردد نفس الشيء: أحمد أمين: ضحى الإسلام (٣/ ٢٣٧) ٤ انظر في تفصيل ذلك: د. عمر حسن فلاته: الوضع في الحديث (١/ ١٧٣ - ٣٠٦)
[ ٨٥٤ ]
التفصيل ١، إلا أنني يمكنني أن أقول: إن أئمة الحديث قد بينوا الصحيح من غيره، وصنفوا في الموضوعات، وسجلوها حتى تعرف فلا تشتبه على أحد، ووضعوا قانونًا في الرواية عن الثقات، وبينوا الضعفاء والمتروكين والمتهمين بالكذب، حتى لم يبق صاحب بدعة أو كذب إلا وأظهروا أمره فحفظ الله تعالى سنة نبيه ﷺ بهم.
ثم إن الوضع في الحديث لم يقتصر على باب دون باب، بل تعددت دوافعه فتعددت موضوعاته ٢ ولا يدفعنا ذلك إذن إلى طرح الثقة بالروايات الصحيحة خوفًا من الوقوع فيما نحذر. فإذا كانت هناك روايات وضعت في المهدي تعصبًا فإن ذلك لا يجعلنا نترك ما صح منها، فقد جاءت الروايات الصحيحة التي فيها ذكر المهدي وصفته واسمه واسم أبيه، فإذا عين إنسان شخصًا وقال: إنه المهدي دون أن يساعده على ذلك الدليل فهي من الدعاوى الباطلة المردودة، ولا يدفعنا ذلك إلى إنكار ما جاء في الصحيح من أمر المهدي ٣.
ثانيًا: إن أحاديث المهدي الكثيرة التي ألف فيها مؤلفون وحكى تواترها جماعة، واعتقد موجبها أهل السنة والجماعة وغيرهم، تدل على حقيقة ثابتة بلا شك، ولا صلة البتة لهذه الحقيقة الثابتة عند أهل السنة بالعقيدة الشيعية، فإن ما يعتقده الشيعة على اختلاف فرقها من مهديين لا حقيقة له ولا أصل، بل هو شيء موهوم لا يقوم على ساق من الأدلة ٤. ولذلك فإن الخلاف بين الشيعة والسنة في ذلك ليس خلافًا معتبرًا فيه حقيقة الخلاف العلمي، بل خلاف بين الدليل والوهم، فلا يعارض بهذا.
_________________
(١) ١ انظر هذه الجهود: د. عمر حسن فلاته: المصدر السابق (٣/ ٣٢٩)، وانظر أيضًا: د. محمد مصطفى الأعظمي: منهج النقد عن المحدثين (ص: ٥ - ١٨)، وأيضًا (ص: ٤٠ - ٤٢)، ومصطفى السباعي: السنة ومكانتها في التشريع (ص: ٩٠ - ١٠٢) ٢ انظر: مصطفى السباعي: السنة ومكانتها في التشريع (ص: ٧٨) وما بعدها، ود. عمر حسن فلاته: الوضع في الحديث (١/ ١٧٣، ١٧٧) ٣ انظر: ابن القيم: المنار المنيف (ص: ١٤٥ - ١٥٣) ٤ انظر: الشيخ عبد المحسن العباد: عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر (ص: ٢٢١)
[ ٨٥٥ ]
ثالثًا: إنه ليس للمسلمين في أي زمن أن يتركوا ما أوجبه الله تعالى عليهم من نصرة الدين اتكالًا على ما جاء في أحاديث المهدي، ولو وقع ذلك منهم لكان خطأ يجب تصحيحه لهم، وإرشادهم إلى ما يجب عليهم من التصديق بأحاديث النبي ﷺ والأخذ بها كلها، فتلك التي ترشد - مع آيات القرآن الكريم - إلى وجوب نصرة الله ورسوله والأخذ بأسباب القوة، والنصر، يجب الإيمان بها، كما يجب الإيمان بأن ظهور المهدي ما هو إلا حلقة في أواخر سلسلة طويلة ينصر الله به في زمنه دينه، ذلك الزمن الذي يستشري فيه الشر والظلم، وينزل فيه الدجال ١.
ثم إنني أقول فوق ذلك: إن الأحاديث المروية في المهدي ترجع إلى عصور الإسلام الأولى، واعتقد ما جاء فيها المسلمون الأولون، في القرون المفضلة ومن بعدهم، وكانت عندهم هذه الأحاديث وهذا الاعتقاد، فلم يحل ذلك بين أخذهم بأسباب القوة والنصر فمكن الله تعالى لهم في الأرض، مع اعتقادهم بهذه العقيدة، وإنما ساء حال المسلمين أخيرًا بسبب سوء اعتقادهم، وفشو البدع فيهم ومنها رد الأحاديث الصحيحة وحملها على غير وجهها والتكذيب بما ورد في الشرع بتأويله أو تضعيفه فأصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا ينكرون.
وأما شبهة عدم ورود شيء من أحاديث المهدي في الصحيحين فقد سبق الكلام عليها ٢، ومع ذلك ففي الصحيحين من ذكر المهدي أحاديث أذكر منها:
أولًا: حديث أبي هريرة ﵁ عند البخاري ٣: قال: قال رسول الله ﷺ: "كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم وإمامكم منكم". وفي
_________________
(١) ١ انظر: عبد المحسن العباد: الرد على من كذب بالأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي (ص: ١٣٣) ٢ انظر (ص:٧٨١) من هذا البحث. ٣ ك: أحاديث الأنبياء، باب: نزول عيسى، ح: ٣٤٤٩، ورواه أيضا: مسلم: الصحيح: ك: الإيمان، باب: تزول عيسى، ح: ٢٤٤ (١/١٣٦)
[ ٨٥٦ ]
صحيح مسلم ١ عن جابر بن عبد الله ﵄: قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة" قال: "فينزل عيسى بن مريم ﷺ فيقول: أميرهم: تعال صلِّ لنا. فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة الله هذه الأمة".
وفي رواية عن غير مسلم: "يقول أميرهم المهدي " الحديث ٢، فهذه الرواية تدل على أن ذلك الأمير المشار إليه في رواية مسلم يقال له: المهدي. ولا محمل له ولأمثاله إلا المهدي ٣.
وفي صحيح مسلم أيضًا عن جابر كذلك قال: قال رسول الله ﷺ: "يكون في آخر أمتي خليفة يحثي المال حثيًا لا يعده عدًا" قال الجريري ٤ - أحد رواة الحديث ـ: "قلت لأبي نضرة ٥ وأبي العلاء ٦: أتريان أنه عمر بن عبد العزيز؟ فقالا: لا" ٧.
فهذه الأحاديث وإن لم يكن فيها ذكر اسم المهدي أو لقبه، إلا أنه لا محمل لها إلا عليه كما قال أهل العلم.
أثر إنكار الشيخ رشيد لأحاديث المهدي:
لقد كان لإنكار الشيخ رشيد لخروج المهدي أثر واسع، نظرًا لانتشار
_________________
(١) ١ ك: الإيمان، باب: نزول عيسى بن مريم، ح: ٢٤٧ (١٥٦) [١/ ١٣٧] ٢ رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده عن جابر. انظر: ابن القيم: المنار المنيف (ص: ١٤٤)، وانظر: الداني: السنن الواردة في الفتن (٦/ ١٢٣٦ - ١٢٣٧)، وانظر حاشية (٦/ ١٢٣٧) ٣ انظر: صديق حسن خان: الإذاعة (ص:١١٨) ٤ هو أبو مسعود: سعيد بن إياس، محدث أهل البصرة، ثقة. انظر: ابن حجر: تهذيب التهذيب (٤/ ٥ـ ٧) ٥ هو: المنذر بن مالك بن قطعة، تابعي ثقة، توفي ١٠٨هـ. انظر: ابن حجر: المصدر السابق (١٠/ ٣٠٢ـ ٣٠٣) ٦ هو: يزيد بن عبد الله الشخير، تابعي ثقة، توفي ١٠٨هـ. انظر: ابن حجر: المصدر السابق (١١/ ٣٤١) ٧ مسلم: الصحيح، ك: الفتن، ح: ٦٧ (٢٩١٣) [٤/٢٢٣٤] .
[ ٨٥٧ ]
مجلته "المنار" فقد تلقف ذلك منه كثيرون، فتأثروا به ورددوا دعاويه التي رددت عليه آنفًا.
لقد ردد أحمد أمين ١، نفس الشبه التي ذكرها الشيخ رشيد ٢، وكذلك أبو ريه ٣، وابن محمود ٤ وغيرهم. وورث تلامذة الشيخ رشيد فيما ورثوا منه هذه الأفكار في إنكار المهدي ورد الأحاديث بلا بينة بل بالتشهي، فقد وجد - من أنصار السنة تلامذة رشيد رضا - من ينكر المهدي، ويرد الأحاديث بنفس الطريقة التي اتبعها الشيخ رشيد ٥.
ثالثًا: نزول المسيح ﵇:
ومما هو ثابت بالكتاب والسنة الصحيحة أن عيسى ﵇ رفعه الله تعالى إلى السماء حيًا عندما تكالبت عليه اليهود وأرادوا قتله، فهو حي في السماء، وسينزل إلى الدنيا قبل القيامة فيقتل الدجال، ويكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية، ونزوله هذا ثابت بالكتاب وبالسنة المتواترة وإجماع المسلمين.
فأما الكتاب، فقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ ٦، والضمير في قوله ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ عائد على عيسى ﵇، أي: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى وذلك حين ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة ٧.
_________________
(١) ١ انظر: ضحى الإسلام: (٣/ ٢٣٥ـ ٢٤٥) وقد ردد نفس شبهات صاحب المنار. ٢ قارن مع رشيد رضا، مجلة المنار (٧/ ٣٩٤ و٣٤٠ـ ٣٤١و٧/ ١٤٥ـ ١٤٦) ٣ أضواء (ص: ٢٣٢ و٢٤١ـ ٢٤٣) ٤ انظر: ابن محمود: "لا مهدي ينتظر" (ص: ٣) وما بعدها. ٥ ألف رئيس فرع الاسكندرية، وهو الأستاذ عبد المعطي محمود، كتابًا يرد فيه أحاديث المهدي، وقرظ له: الأستاذ بخاري عبده، موافقًا، وحكى لي فضيلة الشيخ محمد علي عبد الرحيم الرئيس السابق حكاية هذا المؤلف وذكر لي بعض من رد عليه. ٦ سورة النساء، الآية (١٥٩) ٧ انظر: الأقوال عند: الطبري (٩/٣٧٩ - ٣٨٢)، وقد رجح هذا الرأي واختاره الطبري: التفسير (٩/٣٨٦)، وانظر: محمد خليل هراس: فصل المقال (ص: ١٨) ط. مكتبة السنة، الأولى، ١٤١٠هـ=١٩٩٠م.
[ ٨٥٨ ]
وقال تعالى: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ١، وقال: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ ٢، فأشارت هاتان الآيتان إلى آيتين من آيات المسيح ﵇: الأولى: تكلمه في المهد، والثانية: تكلمه بعد نزوله قبل يوم القيامة وهو في حال الكهولة، وإلا فإن كلام الكهل في معتاد الأحوال أمر مألوف فلا وجه لعطفه على كلام الطفولة ٣.
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ﴾ ٤، وقد فسر النبي ﷺ هذه الآية بأنه خروج عيسى بن مريم ﵇ قبل يوم القيامة ٥، أي: وإن عيسى لعلم للساعة تعلم بنزوله فلا تشكن فيها ٦.
وأما الأحاديث في نزوله ﷺ فمتواترة ٧، وعلى نزوله وقع إجماع المسلمين ٨.
ولقد أنكر الشيخ محمد عبده أحاديث النزول في آخر الزمان، وبنى إنكاره على طريقين: الأول: أنها أحاديث آحاد متعلقة بأمر اعتقادي والتي لا يؤخذ فيها إلا بالقطعي الذي يورث اليقين ٩. والطريق الثاني: التأويل، وقد
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، الآية (٤٦) ٢ سورة المائدة، الآية (١١٠) ٣ انظر: ابن جرير: التفسير (٦/ ٤٢٠)، والآلوسي: روح المعاني (٤/ ١٧٩)، وانظر أيضًا: محمد خليل هراس: الصدر السابق (ص: ٢٠) ٤ سورة الزخرف، الآية (٦١) ٥ انظر: أحمد: المسند (٤/ ٣٢٨ - ٣٢٩) ح: ٢٩٢١، وقال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح. ٦ انظر: محمد خليل هراس: فصل المقال (ص: ٢١) ٧ انظر: صديق حسن خان: الإذاعة (ص: ١٦٠)، والكتاني: نظم المتناثر (ص: ١٤٧)، وأنور شاه الكشميري: التصريح بما تواتر في نزول المسيح. ٨ نقل الإجماع: ابن عطية: المحرر الوجيز (٣/ ١٠٥)، والسفاريني: لوامع الأنوار (٢/ ٩٤) ٩ تفسير المنار (٣/ ٣١٧)
[ ٨٥٩ ]
تأول الشيخ محمد عبده نزول المسيح بغلبة روحه وسر رسالته على الناس وهو ما غلب في تعليمه من الأمر بالرحمة والمحبة والسلم ١.
فأما مسألة أحاديث الآحاد فقد سبق لي أن بينت ما فيها في الكلام على موقف الشيخ رشيد من السنة ٢. ويضاف هنا أن أحاديث نزول المسيح متواترة كما بينت آنفًا، فهي تفيد اليقين الذي يطلبه الشيخ محمد عبده. وأما تأويله فحكايته كافية في رده، وهل غلبة روح المسيح هي التي سوف تكسر الصليب وتقتل الخنزير والدجال؟!؟ ٣.
وأما الشيخ رشيد فقد علق على قوله شيخه بقوله: "هذا ما قاله الأستاذ الإمام في الدرس مع بسط وإيضاح، ولكن ظواهر الأحاديث الواردة في ذلك تأباه" ٤. إلا أنه عطف على ذلك مباشرة - وربما كان ذلك مجاملة لشيخه وحفظًا لماء وجهه - وجهًا يرد به أصحاب التأويل فقال: "ولأهل التأويل أن يقولوا: إن هذه الأحاديث قد نقلت بالمعنى كأكثر الأحاديث والناقل للمعنى ينقل ما يفهمه" ٥، وربما لم يكن الشيخ محمد عبده يستطيع أن يصل إلى هذا المخرج، لولا أن إمكانات الشيخ رشيد الحديثية ساعدته، ومهما يكن من شيء، فإن هذه العبارة من الشيخ رشيد قد انطوت على أمرين سيئين: الأول: خدمته الجليلة لأهل التأويل وعلى رأسهم شيخه بهذه الفائدة وتجويز تأويلهم مستندين إليها. والثاني: وهو أشد الأمرين: زعمه أن أكثر الأحاديث قد رويت بالمعنى، وقد عرفت ما فيه عند مناقشة موقفه من السنة ٦.
وأريد أن أتجاوز هذا الموضع إلى موضع آخر تكلم فيه الشيخ رشيد
_________________
(١) ١ المصدر نفسه والصفحة. ٢ انظر (ص:١١٩) من هذا البحث. ٣ انظر: محمد خليل هراس: فصل المقال (ص: ٥٨) ٤ تفسير المنار (٣/ ٣١٧) ٥ المصدر نفسه والصفحة. ٦ انظر (ص: ١٢٧) من هذا البحث.
[ ٨٦٠ ]
عن نزول المسيح بعد وفاة شيخه. ففي المجلد الثامن والعشرين من مجلة المنار أجاب الشيخ رشيد عن سؤال حول موضوعنا، وتحدث عن نزول المسيح في القرآن وفي السنة، فماذا قال؟، لقد بدا الشيخ رشيد مترددًا أيضًا، فقد قال إن القرآن "ليس فيه نص صريح بأنه ينزل من السماء وإنما هذه عقيدة أكثر النصارى وقد حاولوا في كل زمان منذ ظهر الإسلام إلى الآن بثها في المسلمين، وممن حاول ذلك بإدخالها في التفسير وهب بن منبه الركن الثاني بعد كعب الأحبار " ١.
وأما الأحاديث الكثيرة المتواترة في نزول المسيح، فيقول: عنها الشيخ رشيد: والأحاديث الواردة في نزوله ﵇ كثيرة في الصحيحين والسنن وغيرها، وأكثرها واردة في أشراط الساعة، وممزوجة بأحاديث الدجال، وفي تلك الأشراط ولا سيما أحاديث الدجال والمهدي المنتظر اضطراب واختلاف وتعارض كثير" ٢.
ويقول: "وأما من اطلع على الأحاديث الواردة في نزوله وقتله للدجال، واعتقد صحتها فلا يسعه إلا أن يعتقد أن النبي ﷺ قالها بأعلام من الله تعالى لأنها ليست من الآراء الدنيوية التي يتكلم فيها الأنبياء كغيرهم بحسب الظن وحينئذ يجب عليه الأيمان بصدقه فيها، فإن أنكره ورده عالمًا بصحته غير متأول لمدلوله؛ يكفر، والعياذ بالله تعالى.. " ٣. هذا الحكم لو كان يعتقد صحتها غير متأول، كما تأول "الأستاذ الإمام" فقد أعاد الشيخ رشيد تأويله هنا فقال:"وقد ذكر "الأستاذ الإمام" أن بعضهم تأولها بأن روح المسيح ومقاصده التي جاء بها لإصلاح جمود اليهود على ظواهر الألفاظ.." ٤، ثم كرر الشيخ رشيد ما قاله هناك من أن هذا التأويل " بعيد عن ظواهر الألفاظ في تلك الأحاديث ولكن المتأول يقول: إنها وأمثالها من
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٢٨/ ٧٥٥ـ ٧٥٦) ٢ المصدر نفسه والصفحة. ٣ المصدر نفسه (٢٨/ ٧٥٧) ٤ المصدر نفسه والصفحة
[ ٨٦١ ]
أشراط الساعة وأمور الغيب قد نقلت بالمعنى فغير الرواة ما سمعوا بما فهوا. وقد تقدم البحث في أشراط الساعة " ١.
ويعطي الشيخ رشيد خلاصة رأيه قائلًا: "والخلاصة أنه لا يجب على مسلم أن يقف على تلك الأحاديث وأمثالها لأنها ليست من أركان الإيمان ولا من أركان الإسلام.. ولا يضره في إيمانه وإسلامه الاشتباه في صحتها.." ٢.
والذي يتضح لي أن موقف الشيخ رشيد من نزول المسيح هو امتداد لموقفه من أشراط الساعة كالدجال والمهدي، وهذا الموقف سيمتد أيضًا ليشمل طلوع الشمس من مغربها، وهو في كل هذا يضطرب وينكر معتمدًا على أوهام ليست من الحقيقة على شيء.
ولقد كنا نرجو جميعًا أن يكون موقف الشيخ رشيد قد تغير بعد وفاة شيخه، كما حدث في مسائل أخرى، إلا أن ذلك لم يكن وبدا وكأن هذا الموقف هو عن قناعة ولم يكن تحت تأثير وجود شيخه ٣. وقد تابع الشيخ رشيد في ذلك الموقف تلامذة مدرسة الأستاذ الإمام ٤. إلا أن أحدًا من أنصار السنة لم يتورط في إنكار نزول المسيح، بل إن الشيخ حامد الفقي رد على أحد أعضاء هذه المدرسة، وقد تولى منصب شيخ الأزهر، وكان قد أنكر نزول المسيح كذلك ٥.
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٢٨/ ٧٥٧) ٢ المصدر نفسه والصفحة ٣ وهذا الموقف قديم أيضًا للشيخ رشيد: انظر: مجلة المنار (٥/ ١٣٥) و(١١٤/٥٠٨) ٤ منهم الشيخ المراغي: انظر: مجلة الرسالة: العدد ٥١٩/ ١١ جمادى الآخرة، سنة ١١٣٦٢هـ. ١٤ يونيو ١٩٤٣م. السنة الحادية عشرة (ص: ٤٦٦) ومنهم الشيخ شلتوت: نفس المجلة: العدد (٥١٤، ٦ جمادى ١٣٦٢هـ ١٠ مايو سنة ١٩٤٣م. السنة الحادية عشرة (ص: ٣٦٥) وهو الذي رد عليه حامد الفقي، كما يعتبر مؤلَّف خليل هراس، - رئيس فرع طنطا - دليل على ذلك أيضًا. ٥ انظر: محمد خليل هراس: فصل المقال (ص:٦٤)
[ ٨٦٢ ]
رابعًا: طلوع الشمس من مغربها:
قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ ١. فتشير هذه الآية إلى أنه يأتي يوم لا تقبل فيه التوبة، وهو يوم تظهر فيه بعض الآيات الدالة على اقتراب الساعة، وفي معنى هذه الآية جاء الحديث الذي أخرجه مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "ثلاثة إذا خرجن لم ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا: طلوع الشمس من مغربها، والدجال ودابة الأرض" ٢، وعليه أكثر المفسرين ٣. والمراد: أن كلًا من الثلاثة مستند في أن الإيمان لا ينفع بعد مشاهدتها فأيها تقدم ترتب عليه عدم النفع ٤. وإنما كان كذلك لأن ذلك الوقت يكون حكمه في قبول الإيمان والتوبة كحكم يوم القيامة ٥.
وأما الشيخ رشيد فيظهر مضطربًا هنا أيضًا، فهو أولًا لا يمنع طلوع الشمس من مغربها عقلًا، فيقول: "وقد كان طلوع الشمس من مغربها بعيدًا عن المألوف المعقول، ولا سيما معقول من كانوا يقولون بما تقول به فلاسفة اليونان في الأفلاك والعقول، وأما علماء الهيئة الفلكية في هذا العصر فلا يتعذر على عقولهم أن تتصور حادثًا تتحول فيه حركة الأرض اليومية فيكون الشرق غربًا والغرب شرقًا.." ٦.
ويقول في تفسير الآية: " وقد روي في أحاديث منها الصحيح المسند والضعيف الذي لا يحتج به وحده بأن هذه الآية التي أبهمت وأضيفت إلى
_________________
(١) ١ سورة الأنعام، الآية (١٥٨) ٢ مسلم: الصحيح: ك: الإيمان ح: ٢٤٩ (١/ ١٣٨) ٣ انظر: البغوي: التفسير (٢/ ١٤٤) وابن كثير: التفسير (٢/ ١٨٤) ٤ انظر: الحسيني الهاشمي: شرح المسند (ج: ١٩/ ٢٤) ط. دار المعارف، مصر. ٥ انظر: ابن كثير: النهاية (١/ ٢٢٢) والتفسير (٢/ ١٩٥) ٦ تفسير المنار (٨/ ٢١٠)
[ ٨٦٣ ]
الرب تعالى لتعظيم شأنها وتهويله هي طلوع الشمس من مغربها " ١.
وأما الأحاديث فذكر منها الشيخ رشيد حديثين، الأول: حديث أبي هريرة عند البخاري ٢: أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون فذلك حين ﴿رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ ٣".
ووصف الشيخ رشيد هذا الحديث بأنه أقوى الأحاديث الواردة في الباب ٤، وأورد حديث مسلم الذي صدرت به هذا البحث، وقال: "وهو مشكل مخالف للأحاديث الأخرى الواردة في نزول المسيح بعد الدجال وإيمان الناس به " ٥.
واستطرد قائلًا: "والمشكلات في الأحاديث الواردة في أشراط الساعة كثيرة، أهمها - فيما صحت أسانيده واضطربت المتون وتعارضت أو أشكلت من وجوه أخرى - أن هذه الأحاديث رويت بالمعنى ولم يكن كل الرواة يفهم المراد منها لأنها في أمور غيبية فاختلف التعبير باختلاف الأفهام " ٦.
وهذه الشبهة التي لازمت الشيخ رشيد على امتداد حديثه عن أشراط الساعة، وعمدته أن هذه الأحاديث رويت بالمعنى، وقد بحثت هذه الشبهة في التمهيد، ولكني أجيب هنا على ما استشكله في هذا الحديث بأن خروج الدجال هو أول الآيات العظام المؤذنة بتغيير أحوال العالم الأرضي، وينتهي ذلك بموت عيسى بن مريم، وأن طلوع الشمس من مغربها هو أول الآيات المؤذنة بتغيير أحوال العالم العلوي، وينتهي ذلك بقيام الساعة، ولعل خروج
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (٨/ ٢٠٩) ٢ ك: الرقاق، باب: ٤٠، ح: ٦٥٠٦ (١١/ ٣٦٠) مع الفتح. ٣ سورة الأنعام، الآية (١٥٨) ٤ تفسير المنار (٨/ ٢١٠) ٥ المصدر نفسه والصفحة. ٦ المصدر نفسه والصفحة.
[ ٨٦٤ ]
الدابة يقع في ذلك اليوم الذي تطلع فيه الشمس من مغربها، وعلى كل حال فأيهما خرجت قبل الأخرى فالأخرى في إثرها ١. وقيل في قصة الدجال لا ينفع إيمان من آمن بعيسى عند مشاهدة الدجال وينفعه بعد انقراضه ٢.
والمقصود أن الشيخ رشيد متردد ومضطرب في إثبات هذه الآية لورودها في القرآن، واستشكاله الأحاديث التي رويت فيها، وخشيته أن تكون رويت عن كعب الأحبار، ولذلك فإنه يضع هذه الآية في سلك المتشابهات، وحمل التعارض بين الروايات على ما أشار إليه من الرواية بالمعنى ٣.
وقد بينت أنه لا تعارض بين الروايات وأنها متفقة، ومتعددة المخرج، وإنما التردد من الشيخ رشيد سببه موقفه العام من أشراط الساعة وطعنه في أحاديثها كما سبق أن بينت.
خامسًا: خروج الدابة
ومن الآيات التي تكون قبل الساعة، وورد ذكرها في القرآن، خروج الدابة، قال تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ ٤ كما جاءت في السنة، وقد سبق ذكر بعض الأحاديث، ومنها أيضًا حديث أبي هريرة: "بادروا بالأعمال ستًا " وذكر فيها دابة الأرض ٥. ونقل الإجماع على صحة خروج الدابة ٦.
_________________
(١) ١ انظر: ابن حجر: فتح الباري (١١/ ٣٦١) ٢ المصدر نفسه (١١/ ٣٦٢) ٣ تفسير المنار (٨/ ٢١١) وهنا أيضًا طعن الشيخ رشيد في الرواة بغير بينة، كعبد الرزاق بن همام الصنعاني، والعلاء بن عبد الرحمن، كما أنه طعن في حديث سجود الشمس، وقد بحث ذلك عند بيان موقفه من السنة. انظر (ص:١٠٦) من هذا البحث. ٤ سورة النمل، الآية (٨٢) ٥ مسلم: الصحيح، ك: الفتن، ح: ١٢٩ (٤/ ٢٢٦٧) عبد الباقي. ٦ انظر: الكتاني: نظم المتناثر (ص: ١٤٧)
[ ٨٦٥ ]
والدابة خلق عظيم يخرج من بعض بقاع الأرض، وهي من دوابها وليست بإنسان، لا يفوتها أحد فتسم المؤمن فتكتب بين عينيه (مؤمن) وتسم الكافر وتكتب بين عينيه (كافر) ١.
وقد تكلم الشيخ رشيد - جوابًا لسؤال حول الآية - عن الدابة، وذلك في المجلد العاشر من المجلة ٢، فقال: "هذه الآية مما أخبر الله به عن المستقبل البعيد، فهي من أنباء الغيب التي تؤخذ بالتسليم ما لم يكن ظاهرها محالًا فتحمل على خلاف الظاهر بالتأويل، كما هي القاعدة ٣، وكلام الدواب ليس محالًا في نظر العقل ".
ولكن هذا الكلام متقدم - كما هو ظاهرـ على كلامه السابق في الأشراط الأخرى، ولم أجد له في الدابة غير هذا الموضع، إلا ما ذكره مع طلوع الشمس - وقد سبق - فهل ثبت الشيخ على رأيه في الدابة، لوروده في القرآن، فخصها بالإثبات لذلك، أو تأولها كما أولها غيره؟ ٤.
_________________
(١) ١ انظر: ابن كثير: التفسير (٣/ ٣٧٤ - ٣٧٦)، ولوامع الأنوار (٢/ ١٤٦)، والبرزنجي: الإشاعة (ص: ١٧٤ - ١٧٦) (ص: ٢٨٩) ٣ كان هذا في موقفه القديم من قانون التأويل. وانظر: (ص:٣٤٧) من هذا البحث. ٤ تأولها القرطبي: التذكرة (ص: ٧٨٦) ومحمد فريد وجدي: دائرة المعارف (٤/ ١٤)
[ ٨٦٦ ]
الفصل الرابع: الصور والموازين
المبحث الأول: الصور
المبحث الأول: الصور:
ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بالنفخ في الصور، قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ ١.وقال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً، فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ ٢.
ولقد عرف الشيخ رشيد الصور بأنه: القرن لغة ٣، وأشار إلى ذكره في كتاب العهد القديم ٤، وذكر له تعريفات أخرى ولكنه ردها اعتمادًا على أقوال أهل اللغة ٥.
وقد ورد ذكر الصور في السنة النبوية كذلك، وهو ما أشار إليه الشيخ رشيد بقوله: "وأما الأخبار المرفوعة في الصور فقد أخرجها أصحاب السنن والتفسير المأثور وغيرهم بأسانيد لم يصح منها شيء على شرط الشيخين، ولذلك لم يخرجا منها شيئًا، وأقواها ما رواه أبو داود ٦، والترمذي
_________________
(١) ١ سورة الزمر، الآية (٦٨) ٢ سورة الحاقة، الآية (١٣ - ١٥) ٣ تفسير المنار (٧/ ٥٣١) ٤ المصدر نفسه والصفحة. ٥ المصدر نفسه والصفحة. ٦ ك: السنة، باب: في ذكر البعث والصور، برقم: ٤٧٤٢ (٥/ ١٠٧)
[ ٨٦٩ ]
وحسنه ١، والنسائي ٢، وغيرهم، وصححه الحاكم ٣ من حديث عبد الله بن عمرو، قال: سئل النبي ﷺ عن الصور فقال: "هو قرن ينفخ فيه"، وروي عن ابن مسعود أنه قال: " الصور كهيئة القرن ينفخ فيه" ٤، وورد في روايات يقوي بعضها بعضًا، وصحح بعضها الحاكم ٥ أن الملك الموكل بالصور مستعد للنفخ فيه ينتظر متى يؤمر، وفي بعضها أنه وكل به ملكان " ٦.
وعن عدد هذه النفخات يذهب الشيخ رشيد إلى أنهما نفختان "والنفخة الأولى هي التي يموت فيها جميع أهل الأرض دفعة واحدة والثانية هي التي بها يبعثون وليس بعدها موت وهذه النفخة تسمى نفخة الفزع لقوله تعالى في سورة النمل: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ ٧ ونفخة الصعق لقوله في سورة الزمر: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ ٨ " ٩. فنفخة الفزع والصعق واحدة عند الشيخ رشيد مع اختلاف الوصفين. وهذا هو ما يذهب إليه ابن جرير
_________________
(١) ١ ك: التفسير، باب: ومن سورة الزمر، ح: ٣٢٤٤ (٥/ ٣٧٣) ٢ في الكبرى رقم (١١٣١٢ و١١٤٥٦)، ورواه أحمد في المسند (٢/ ١٦٢ و١٩٢) ٣ المستدرك (٢/ ٤٧٣) وقول الشيخ لا يسلم من انتقاد، فليس كل ما صح على شرط الشيخين أورداه في الصحيح، فإنهما لم يلتزما ذلك، وقد ذكر الصور أيضًا في صحيح مسلم: ك: الفتن، باب: في خروج الدجال ، ح: ١١٦ (٢٩٤٠) «٤/ ٢٢٥٩) ٤ انظر: الطبراني: المعجم الكبير (٩/ ٣٥٣ ح: ٩٧٥٥) وانظر: السيوطي: الدر المنثور (٣/٢٢) ٥ المستدرك (٤/ ٦٠٣ـ ٦٠٤)، وانظر: مجمع الزوائد (١٠/ ٣٣٠ - ٣٣١) ٦ المصدر السابق نفس الموضع. وقد سبق أن الشيخين لم يلتزما استيعاب الصحيح، فلا معنى لما يقوله رشيد رضا. ٧ سورة النمل، الآية (٨٧) ٨ سورة الزمر، الآية (٦٨) ٩ تفسير المنار (٨/ ٣٣٥)
[ ٨٧٠ ]
في تفسيره ١ وابن حجر في فتح الباري ٢ وكذلك القرطبي ٣.
وأما المستثنى من الفزع في الآيات فيرى الشيخ رشيد أن التوقف فيه أولى لأنه "أمر غيبي لا يعلم إلا بتوقيف، ولم يصح في قول منها حديث مرفوع " ٤ ولكنه أشار أيضًا إلى بعض الروايات في ذلك ٥.
وقد تعددت الأقوال فيمن يستثنى من الصعق، والأولى التوقف في التعيين، ولا يمكن الجزم بكل ما استثناه الله في كتابه وقد توقف النبي ﷺ في موسى، فإذا كان النبي لم يخبر بكل من استثنى الله فلا يمكننا نحن ذلك ٦.
_________________
(١) ١ انظر: تفسير الطبري (٢٤/ ٣٩ - ٥٣١) ٢ انظر: الفتح (١١/ ٣٧٧) ٣ انظر: التذكرة (١/ ٢٢٦) ٤ تفسير المنار (٨/ ٣٣٦) ٥ المصدر نفسه والصفحة، وانظر هذه الروايات: القرطبي: التذكرة (١/ ٢٠٦) وما بعدها. ٦ انظر: ابن تيمية: مجموع الفتاوى (٤/ ٢٦١)
[ ٨٧١ ]
المبحث الثاني: الموازين:
الموازين جمع ميزان، وهو الذي توزن به الحسنات والسيئات، وقد ورد ذكر الوزن والموازين في آيات كثيرة من القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ، وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ ٣.
فتدل هذه الآيات وغيرها على إثبات الموازين والوزن يوم القيامة، وأن أعمال العباد خيرها وشرها توزن بالموازين إظهارًا للعدل الإلهي. وأجمع عليه أهل السنة ٤، قال أحمد: "والميزان حق توزن به الحسنات والسيئات،
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية (٨ - ٩) ٢ سورة الأنبياء، الآية (٤٧) ٣ سورة القارعة، الآيات (٦ـ ٩) ٤ انظر: ابن أبي عاصم: السنة (٢/ ٣٦٣)، وابن منده: الإيمان (٣/ ٢٢٤)، والبخاري: الصحيح، ك: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة﴾ (١٣/ ٥٤٧)،وابن أبي العز: شرح الطحاوية (ص: ٦٠٨) وما بعدها. وابن حجر: فتح الباري (١٣/ ٥٤٨)، والقرطبي: التذكرة (ص: ٣٧٣) ط. الكليات الأزهرية.
[ ٨٧٢ ]
كما شاء الله أن توزن" ١.
وأما الشيخ رشيد فعلى قاعدته في الإيمان بعالم الغيب وما يتعلق به، فإنه يثبت الميزان مع تفويض الكيفية، فيقول: "والأصل الذي عليه سلف الأمة في الإيمان بعالم الغيب أن كل ما ثبت من أخباره في الكتاب والسنة فهو حق لا ريب فيه، نؤمن به ولا نحكم رأينا في صفته وكيفيته، فنؤمن إذًا بأن في الآخرة وزنًا للأعمال قطعًا، ونرجح أنه بميزان يليق بذلك العالم يوزن به الإيمان والأخلاق والأعمال، لا نبحث عن صورته وكيفيته، ولا كفتيه " ٢.
وفيما يتعلق بالكفتين، يقول الشيخ رشيد: "وأما الميزان فلم يرد وصفه بما وصفوه به من الكفتين واللسان والصنج ٣ أحاديث صحيحة " ٤.
وهو في هذا متابع لشيخه محمد عبده الذي قال نفس الكلمات في نفس المناسبة ٥. ولم يتغير موقف الشيخ رشيد من كفتي الميزان فيما بعد، فها هو يقول: "ومن الأحاديث الغريبة في هذا الباب، "حديث البطاقة" الذي سبقت الإشارة إليه، فقد رواه الترمذي في باب (من يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا ٦ وجَعْله دليلًا على كون الميزان ذا كفتين غير متعين لإمكان جعل الكلام استعارة مكنية ٧، وجعل الكفة ترشيحًا لها " ٨.
_________________
(١) ١ السنة (ص: ٧٣) ت: الأنصاري، وانظر روايات أخرى عن أحمد وغيره عند اللالكائي: شرح أصول أهل السنة (١/ ١٧٨ و١٨٦ و١٧٥) ٢ تفسير المنار (٨/ ٣٢٣) ٣ الصنج: مثاقيل توضع في كفة الميزان ويوضع الموزون في الكفة الأخرى. ٤ مجلة المنار (٥/ ٩١٢) ٥ وللأسف نسيت الموضع الذي ذكر فيه محمد عبده هذه الكلمات. ٦ انظر: الترمذي: السنن: ك: الإيمان، باب: ما جاء فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله، ح: ٢٦٣٩ (٥، ٢٤) وقال: حسن غريب. وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح. المسند (١١/ ١٧٥ح:٦٩٩٤) ٧ سبق الكلام عن الكناية والمجاز. انظر (ص:٤٠٩) من هذا البحث. ٨ تفسير المنار (٨/ ٣٢٤ - ٣٢٥)
[ ٨٧٣ ]
ويقول: " وإذا لم يكن في الصحيحين ولا في كتب السنة المعتمدة حديث صحيح مرفوع في صفة الميزان ولا في أن له كفتين ولسانًا فلا تغتر بقول الزجاج أنه مما أجمع عليه أهل السنة " ١.
وما أدري ما السبب الذي جعل الشيخ رشيد يتخذ هذا الموقف المتشدد من الكفتين ولِمَ لم يجرِ عليهما قاعدته في تفويض الكيفية التي يكررها دائمًا؟ إنهما كفتان تسعان السماوات والأرض فليست إذن كالمعهودة في الدنيا ٢.
ومهما يكن من شيء فإن الكفتين ثابتتان في السنة فقد روى أحمد ٣، والترمذي ٤، وابن ماجه ٥، حديث البطاقة الذي أشار إليه الشيخ رشيد، وفيه: "فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة "، فثبت بهذا أن للميزان كفتين كما ثبت بغيره من الأحاديث ٦.
وأما الحكمة من وزن الأعمال، فيقول الشيخ رشيد: "أنه يكون أعظم مظهر لعدل الرب ﵎، أي ولعلمه وحكمته وعظمته في ذلك اليوم العظيم " ٧.
وقد اختلف أهل العلم فيما هو الموزون؟ فذهب بعضهم إلى أنه الأعمال نفسها وبعضهم إلى أنه الكتب التي كتبت فيها الأعمال، وبعضهم
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٨/ ٣٢٢) ٢ انظر: القرطبي: التذكرة (٢/ ٣٧٨) ٣ المسند (٢/ ٢١٣) ٤ سبق تخريجه قريبًا. ٥ السنن (٢/ ١٤٣٧، ح:٤٣٠٠)، والحاكم: المستدرك (١/ ٤٧) وصححه وافقه الذهبي. وصححه أحمد شاكر كما سبق في حاشية رقم (٥) (ص:٨٠٣) وكذلك الألباني: الصحيحة (ح: ١٣٥) . ٦ انظر: ابن أبي عاصم: السنة (٢/ ٣٦٢)، وابن أبي العز: شرح الطحاوية (ص: ٦١٠) ت: الأرناؤوط. ٧ تفسير المنار (٨/ ٣٢١و ٣٢٤)
[ ٨٧٤ ]
إلى أنه صاحب العمل ١، والذي دلت عليه السنة أن العمل يوزن لقوله ﷺ: "والحمد لله تملأ الميزان" الحديث ٢. ودلت أيضًا على أن صاحب العمل يوزن كما في إحدى روايات حديث البطاقة، وفيها "توضع الموازين يوم القيامة فيؤتى بالرجل فيوضع في كفة" ٣، كذا قوله ﷺ في ساقي ابن مسعود "والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد" ٤، وغيرها من الأحاديث كما دل حديث البطاقة على وزن السجلات التي كتبت فيها الأعمال.
وأما الذي اختاره الشيخ رشيد فهو أن الأعمال هي التي توزن، واستدل بحديث أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما يوضع في الميزان يوم القيامة أثقل من خلق حسن" ٥.
وهل توزن أعمال الكفار؟ اختلف في ذلك أهل العلم، على قولين ٦. والذي رجحه الشيخ رشيد هو أن أعمال الكفار توزن، قال: "وما من كافر إلا وله حسنات ولكن الكفر يحبطها فتكون هباءً منثورًا، وهي تحصى مع السيئات وتضبط بالوزن الذي به يظهر مقدار الجزاء وتفاوتهم فيه إذ من
_________________
(١) ١ انظر: ابن حجر: فتح الباري (١٣/٥٤٨) ٢ انظر: مسلم: الصحيح، ك: الطهارة، ح: ١ (٢٢٣) [١/ ٢٠٣] ٣ انظر: أحمد: المسند (٢/ ٢٢١)، وقال الهيثمي: وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح. مجمع الزوائد (١٠/ ٨٢)، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح. المسند (٦/ ٢٣، ح: ٧٠٦٦) ٤ انظر: أحمد: المسند (١/٤٢٠) وقال الهيثمي: فيه عاصم بن أبي النجود وهو حسن الحديث على ضعفه، وبقية رجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح. مجمع الزوائد (٩/٢٨٩)، وله شواهد هناك. وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح. المسند (١٢/ ٣٩، ح: ٣٩٩١)، وله شاهد من حديث علي بن أبي طالب برقم: (٩٢٠)، وقال الهيثمي: رواه أحمد وأبي يعلى والطبراني ورجالهم رجال الصحيح غير أم موسى وهي ثقة. مجمع الزوائد (٩/ ٢٨٨ - ٢٨٩) ٥ الترمذي: ك: البر، باب: ما جاء في حسن الخلق، ح: ٢٠٠٢، وقال: حسن صحيح، وح: ٢٠٠٣، وقال: غريب (٤/ ٣٦٢ - ٣٦٣) ٦ انظر: ابن حجر: فتح الباري (١٣/ ٥٤٨)، والقرطبي: التذكرة (٢/ ٣٧٣)
[ ٨٧٥ ]
المتفق عليه والمجمع عليه أن عذاب الكفار متفاوت ولا يعقل أن يكون عذاب أبي جهل كعذاب أبي طالب لولا الخصوصية، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ ١ "٢.
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآية (٤٠) ٢ تفسير المنار (٨/ ٣٢٠)
[ ٨٧٦ ]
الفصل الخامس: الجنة والنار
المبحث الأول: الجنة ونعيمها
المبحث الأول: الجنة ونعيمها:
ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بالجنة وأنها حق لا ريب فيها. والجنة هي دار النعيم التي أعدها الله تعالى لعباده المؤمنين المتقين المشتملة على أصناف النعيم والبهجة والسرور. وقد أكثر الله تعالى من ذكر الجنة ونعيمها في كتابه الكريم، قال تعالى:
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ، فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ. كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ. يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ. لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ ٢.
وأما الأحاديث التي تدل على الجنة ونعيمها فكثيرة، منها: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر"
_________________
(١) ١ سورة الدخان، الآيات (٥١ - ٥٦) ٢ سورة محمد، الآية (١٥)
[ ٨٧٩ ]
قال أبو هريرة اقرأوا إن شئتم ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ ١.
وقد تحدث الشيخ رشيد ﵀ عن الجنة ونعيمها عند كل موضع ذكرت فيه في الكتاب العزيز كما أنه أجاب عن أسئلة قرائه عنها في مجلة المنار، وأثبت الشيخ رشيد نعيم الجنة الروحي والجسمي، فقال في تعريف الجنة: "والجنة في اللغة البستان والجنات جمعها، وليس المراد بها مفهومها اللغوي فقط فالجنة دار الأبرار والمتقين " ٢. وعن الإيمان بها يقول: "وإننا نؤمن بتلك الجنات والحدائق، وأنها أرقى مما نرى في هذه الدنيا وأنه ليس لنا أن نبحث عن كيفيتها لأنها من عالم الغيب " ٣، وهنا نرى امتداد المنهج الذي اختطه الشيخ رشيد في الإيمان بالغيب، وهو تفويض الكيفية مع إثبات الحقائق وهو امتداد لمنهجه السلفي في الإيمان بالصفات الإلهية، ولكنه - وكما رأينا من قبل - يخالفه أحيانًا.
وأثبت الشيخ رشيد - ردًا على سؤال - وجود الجنة والنار الآن، فقال: "ظواهر نصوص الكتاب العزيز والأحاديث الصحيحة المتفق عليها تدل على أن الجنة والنار داري الجزاء للأبرار والفجار، هما عالمان مخلوقان، ولا نرى ما يعارض هذه الظواهر من الدلائل العقلية ولا النقلية " ٤. وهذا الذي ذهب إليه متواتر متفق عليه ٥.
وقسم الشيخ رشيد نعيم الجنة إلى روحاني وجسماني، فقال: "إن من أصول العقائد القطعية المعلومة من الدين بالضرورة أن نعيم الآخرة قسمان: روحاني وجسماني، لأن البشر لا تتقلب حقيقتهم في الآخرة بل
_________________
(١) ١ سورة السجدة، الآية (١٧)، والحديث أخرجه البخاري: ك: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾، ح: ٧٤٩٨ (١٣/ ٤٧٣) ٢ تفسير المنار (١/ ٢٣١) ٣ المصدر نفسه (٤/ ٤٣١) ٤ مجلة المنار (١٩/ ٢٨١ - ٢٨٢) ٥ انظر: الكتاني: نظم المتناثر (ص: ١٤٨)، وابن أبي العز: شرح الطحاوية (ص: ٦١٤) ط. التركي.
[ ٨٨٠ ]
يبقون بشرًا أولي أرواح وأجساد، ولكن الروحانية تكون هي الغالبة على أهل الجنة، فيكون النعيم الروحاني عندهم هو أعلى من النعيم الجسماني " ١.
ويقرر الشيخ رشيد أن أعلى نعيم أهل الجنة لقاء الله تعالى بتجليه عليهم تجليًا يحصل لهم به أعلى ما استعدت له أنفسهم وأرواحهم من المعرفة، كما أن أعظم عقاب لأهل النار حجبهم عن ربهم وحرمانهم من هذا التجلي والعرفان، الخاص بدار الكرامة والرضوان ٢، ويقرر أن هذه هي الرؤية التي أثبتها أهل الأثر "لدلالة ظواهر القرآن ونصوص الأحاديث عليها، ومنعوا قياس رؤية الباري تعالى على رؤية المخلوقات بدعوى استلزامها التحيز والحدود وغير ذلك من صفات الأجسام، وقالوا: إننا لا نبحث في كيفية ذاته ولا صفاته تعالى، فإننا نجزم بأن له علمًا وقدرة وسمعًا وبصرًا، ولكن علمه ليس كعلمنا ناشئًا عن انطباع صور المعلومات في النفس ومكتسبًا لها بالحواس أو الفكر، وكذلك قدرته وسائر صفاته، فنحن نجمع بين الإيمان بالنصوص في أسماء الله وصفاته، وأفعاله وسائر شؤونه، وبين تنزيهه عما لا يليق به من مشابهة خلقه الممنوعة بدلائل النقل والعقل كما قال عزوجل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٣ ثم أشار إلى أن الذين نفوا الرؤية هم: "أهل الكلام والفلسفة بناءً على قياس الخالق ﷾ على المخلوق ودعوة منافاة الرؤية للتنزيه ٤.
وعلى خلاف مذهب الفلاسفة الذين يكذبون باليوم الآخر وبالجنة والنار ويدعون عدم حقيقة ذلك ٥، وكذلك خلافًا لأهل الكتاب الذين
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (١٩/ ٢٨٢) ٢ المصدر نفسه (١٩/ ٢٨٣) ٣ سورة الشورى، الآية (١١) ٤ مجلة المنار (١٩/ ٢٨٣) وقد سبق بحث مسألة الرؤية في الباب الأول من هذا البحث، الفصل الثالث (ص:٣٩٥) بشيء من التفصيل. ٥ انظر: سليمان دنيا: مقدمة حاشية محمد عبده على الدواني (ص: ١٧ - ١٨)
[ ٨٨١ ]
يعتبرون ذلك مجرد نعيم روحي وعذاب روحي ١، يقول الشيخ رشيد بأن الجنة والنار حقيقتان، وإن كان لهما مدلول شرعي غير ما يدل عليه مجرد المعنى اللغوي ٢.
ويقرر الشيخ رشيد وجود اللذات الحسية في الجنة لأن الإنسان "يبعث في الآخرة كما كان في الدنيا أي أن حقيقته لا تبدل فتخرج عن الإنسانية إلى حقيقة أخرى، بيد أنه يكون في الجنة أرقى مما كان في الدنيا فتكون حياته دائمة سليمة من العلل، ومتى كان الإنسان إنسانًا فلا وجه لاستكثار أكله وشربه وغشيان أحد زوجيه للآخر حقيقة. وقد جاءت الآيات صريحة في ذلك فلا وجه لإخراجها عن ظاهرها وتحريفها عن معانيها اتباعًا للهوى والرأي" ٣.
وبناءً على ذلك يثبت الشيخ رشيد لذة الزوجية والمعاشرة في الجنة وما يترتب عليه من أسئلة عن المرأة ذات الزوجين وقسمة نساء الجنة على أهلها، وعن الولادة والتناسل في الآخرة ٤.
خلود نعيم الجنة:
ويبقى هنا - بعد ذكر هذا النعيم - الكلام على دوامه وهل هو باقٍ إلى الأبد أو موقت بوقت يزول فيه. فيرى الشيخ رشيد أن نعيم الجنة باقٍ لا يزول ولا يفنى، فعند قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ٥، قال: "الخلود في اللغة طول المكث، ومن كلامهم: خلدني السجن، كما في الأساس، وفي الشرع الدوام الأبدي، أي: لا يخرجون منها ولا هي تفنى بهم فيزولوا بزوالها، وإنما هي حياة أبدية لا نهاية لها " ٦.
_________________
(١) ١ انظر: فرج الله عبد الباري: اليوم الآخر بين اليهودية والمسيحية والإسلام (ص: ٢٧٦) ٢ مجلة المنار (١٠/ ٤٤٢) ٣ المصدر نفسه (٩/ ٢٠٧ ـ٢٠٩) ٤ انظر: مجلة المنار (٣٢/ ٩١ و٩/ ٢٦١) وتفسير المنار (١/ ٢٣٣ و٣/ ٢٤٨) ٥ سورة البقرة، الآية (٢٥) ٦ تفسير المنار (١/ ٢٣٤)
[ ٨٨٢ ]
فالجنة عند الشيخ رشيد لا تزول ولا تفنى أبدًا، وهذت المذهب هو مذهب أهل السنة وهو ما نص عليه أئمته المحققون ١.
_________________
(١) ١ انظر: ابن أبي العز: شرح الطحاوية (ص: ٦١٣) ط. التركي.
[ ٨٨٣ ]
المبحث الثاني: النار وعذابها:
ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بوجود النار وهي دار أعدها الله سبحانه لأعدائه ولمن عصاه وخالفه، فهي دار العقوبة في الآخرة. وقد ورد ذكر النار وعذابها في كتاب الله تعالى مرات ومرات، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ١، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ٢.
وقد تحدث الشيخ رشيد عن النار وعذابها من خلال تفسيره للآيات ومن خلال مقالاته وأجوبته على قراء مجلته "المنار" فقد قال في تعريفها، عند قوله تعالى: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ ٣ "النار اسم لدار الجزاء المعدة للمشركين والمجرمين، والمثوى: مكان الثواء، والثواء نفسه وهو الإقامة والسكنى " ٤.
وقال أيضًا عند قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، الآية (١٣١) ٢ سورة التحريم، الآية (٦) ٣ سورة الأنعام، الآية (١٢٨) ٤ تفسير المنار (٨/ ٦٨)
[ ٨٨٤ ]
غَوَاشٍ﴾ ١ "جهنم اسم لدار العذاب والشقاء، قيل: أعجمي، وقيل: مأخوذ من قولهم: ركية ٢ جهنام (بتثليث الجيم وتشديد النون) أي: بعيدة القعر " ٣.
وقال في موضع آخر: "جهنم اسم من أسماء دار الجزاء على الكفر والفسوق والعصيان" ٤.
وعن الإيمان بهذه الدار - أعاذنا الله منها - قال الشيخ رشيد: " نؤمن بها لأنها من عالم الغيب الذي أخبر الله تعالى به، ولا نبحث عن حقيقتها، ولا نقول إنها شبيهة بنار الدنيا، ولا أنها غير شبيهة بها. وإنما نثبت لها جميع الأوصاف التي وصفها الله تعالى بها، كقوله: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ ٥ ولا يسبق إلى الفهم أنها لا توجد إلا بوجود الناس والحجارة، إذ يصح أن يكونوا وقودها بعد وجودها" ٦.
ويلاحظ أن مذهب الشيخ رشيد يطرد هنا فيما يتعلق بتفويض الكيفية في كل ما يتعلق بعالم الغيب، وينحى الشيخ رشيد فيه أيضًا - مع طرد مذهبه - منحى السلامة التي لا يعدلها شيء - ليتفادى - إذا ما أراد الخوض في الحقائق - اعتراض المعترضين الذين كانوا يتحينون الفرص لإقامة الشبهات حول الدين ومسائله، وهو ما كان يتفاداه الشيخ رشيد دائمًا ويسعى لإزالته، ويفرح إذا ما وجده في كلام أهل العلم ما يدفعه عن الدين، وهو ما جعله يتخذ الموقف التالي من كلام ابن القيم في مسألة فناء النار على ما أبسطه في المطلب التالي.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية (٤١) ٢ الركية بالتشديد - كقضية - هي: البئر. ابن الأثير: غريب الحديث (٢/٢٦١) ٣ تفسير المنار (٨/ ٤١٩) ٤ المصدر نفسه (٨/ ٣٣٨ - ٣٣٩) ٥ سورة التحريم، الآية (٦) ٦ تفسير المنار (١/ ١٩٧)
[ ٨٨٥ ]
مسألة فناء النار:
خلود الجنة والنار وبقاؤهما بإبقاء الله لهما، وعدم فنائهما، ولا فناء من فيهما، ثابت بالكتاب والسنة، ولا يوجد فرق في النصوص بين خلود الجنة وخلود النار. قال تعالى في الجنة وأهلها: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ٢، وقال تعالى عن النار وأهلها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ ٤، وقد سماها الله تعالى "دار الخلد" فقال: ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ ٥.
وورد في السنة أحاديث تدل على ذلك أيضًا - أعني أبدية الجنة والنار وخلود أهلهما فيهما - من دون فرق بينهما - منها حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ قال: "يُدخل الله أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يؤذن مؤذن بينهم فيقول: يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار: لا موت، كل خالد فيما هو فيه" ٦، ففي هذا الحديث دلالة على خلود الدارين وأهلهما من دون فرق بينهما. وعلى ذلك أجمع السلف وأصحاب الحديث ٧.
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآية (٥٧) ٢ سورة التوبة، الآية (١٠٠) ٣ سورة النساء، الآية (١٦٨ - ١٦٩) ٤ سورة الأحزاب، الآية (٦٤ - ٦٥) ٥ سورة فصلت، الآية (٢٨) ٦ البخاري: ك: الرقاق، باب: يدخل الجنة سبعون ألفًا بغير حساب، ح: ٦٥٤٤ (١١/ ٤١٤) مع الفتح. ٧ انظر: الصابوني: عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص: ٦٦) ت: بدر البدر، وابن تيمية: مجموع الفتاوى (٣/ ٣٠٤، ٨/ ٣٨٠، ١٢/ ٤٥، ١٤/ ٣٤٨، ١٨/ ٣٠٧)، ودرء التعارض (١/ ٢٢٧ - ٢٢٨، ١/ ٣٨، ١/ ٣٠٤ - ٣٠٥)، وابن القيم: اجتماع الجيوش (ص:٩١) ط. السلفية، وطريق الهجرتين (ص: ٢٥٤ - ٢٥٥) ت: عبد الله الأنصاري، وزاد المعاد (١/ ٦٦ - ٦٨) ت" الأرناؤوط.
[ ٨٨٦ ]
وقد نسب القول بفناء النار إلى شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم - رحمهما الله تعالى - واشتهر ذلك بين الناس ١، وقد بحث هذه النسبة عدد من الباحثين، وأثبتوا بالأدلة وقوف الشيخين ابن تيمية وابن القيم في صف أهل السنة في هذه المسألة كغيرها من المسائل ٢.
ولكن ما موقف الشيخ رشيد في هذه المسألة؟ وهل تبع فيها ما اشتهر عن ابن القيم وشيخه ابن تيمية - الذين لم يعرف مذهب السلف إلا عن طريقهما؟ وإن كانت لم تصح نسبة هذا القول إليهما كما سبق، أو خالفهما اتباعًا للأدلة كما هو منهجه في عدم التقليد لأحد كائن من كان؟
لقد نقل الشيخ رشيد كلام ابن القيم في حادي الأرواح بطوله، وأعلن إعجابه به لسببين: الأول: ما في كلام ابن القيم من "دقائق المعرفة بالله تعالى وفهم كتابه، والغوص على درر حكمه وأحكامه وأسراره في أقداره، والإفصاح عن سعة رحمته وخفي لطفه وجليل إحسانه" ٣، ويقرر الشيخ رشيد أن أحدًا لم يسبق ابن القيم ولم يلحقه فيه أحد. وقال: "فنسأله سبحانه أن يكافئه على ذلك أفضل ما يكافئ العلماء العاملين، والعارفين الكاملين وأن يحشرنا وإياه في ثلة المقربين" ٤. والسبب الثاني في إعجاب الشيخ رشيد بكلام ابن القيم وهو أهم من الأول: أنه يزيل شبهة عن الدين،
_________________
(١) ١ انظر: الصنعاني: رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار (ص: ٦٣)، ط. المكتب الإسلامي. ٢ انظر في ذلك: د. جابر الحربي: كشف الأستار. ط" دار طيبة بمكة، وبكر أبو زيد: ابن القيم حياته وآثاره (ص: ١٤٨) ط. المكتب الإسلامي، وانظر أيضًا: محمد علي ناصر الفقيهي، وأحمد بن عطية الغامدي: مقدمة الصواعق المنزلة لابن القيم (١/ ١٢ - ٢٠) ط. الجامعة الإسلامية. ٣ تفسير المنار (٨/م ٩٨) وانظر أيضًا: مجلة المنار (٢٢/ ٣١٥) ٤ المصدر نفسه والصفحة.
[ ٨٨٧ ]
وهي: "قول أهل كل دين من الأديان المشهورة أنهم هم الناجون وحدهم، وأكثر البشر يعذبون عذابًا شديدًا دائمًا لا ينتهي أبدًا بل تمر ألوف الألوف المكررة من الأحقاب والقرون ولا يزداد إلا شدة وقوة وامتدادً، مع قولهم - ولا سيما المسلمين منهم - أن الله تعالى أرحم الراحمين وأن رحمة الأم العطوف الرؤوم بولدها الوحيد ليست إلا جزءًا صغيرًا من رحمة الله التي وسعت كل شيء، وهذا البحث جدير بأن يزيل شبهة هؤلاء فيرجع المستعدون منهم إلى دين الله تعالى مذعنين لأمره ونهيه، راجين رحمته خائفين عقابه، فما أعظم ثواب ابن القيم علىاجتهاده في شرح هذا القول المأثور عن بعض الصحابة والتابعين وإن خالفهم الجمهور " ١.
هذا السبب هو أهم ما جعل الشيخ رشيد يشيد بقول ابن القيم وهو إزالته لشبهة بعض الناس على الدين، وهو من أهداف الشيخ رشيد الهامة.
ولكن هل يعني ذلك أن الشيخ رشيد يقول بفناء النار؟ يبدو من كلام الشيخ رشيد - كما بدا من كلام ابن القيم - الميل إلى هذا القول. فها هو يقول منتقدًا قول الجمهور: "الذين حملوا الخلود والأبد اللغويين في القرآن على المعنى الاصطلاحي الكلامي، وهو عدم النهاية في الواقع ونفس الأمر، لا بالنسبة إلى تعامل الناس وعرفهم في عالمهم كما يقصد أهل كل لغة في أوضاع لغتهم. فالعرب كانت تستعمل الخلود في الإقامة المستقرة غير المؤقتة ولا يتضمن ذلك استحالة الانتقال والنقل، ويعبرون بالأبد عما يبقى مدة طويلة كما صرح به الراغب ويقول أهل القضاء وغيرهم في زماننا: حكم على فلان بالسجن المؤبد أو الأشغال الشاقة المؤبدة - وهو لا ينافي عندهم انتهاءها بعفو السلطان مثلًا " ٢.
ويقول أيضًا مفسرًا الخلود في آية الأنعام: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ ٣ "والخلود المكث الطويل غير الموقت كمكث أهل
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٨/ ٩٩) ٢ تفسير المنار (٨/ ٩٨ - ٩٩) ٣ سورة الأنعام، الآية (١٢٨)
[ ٨٨٨ ]
الوطن في بيوتهم المملوكة لهم فيه. أي: تثوون فيها ثواء خلود أو مقدرين الخلود موطنين أنفسكم عليه، إلا ما شاء الله تعالى مما يخالف ذلك، فكل شيء بمشيئته، وهذا الجزاء يقع باختياره فهو مقيد بها، فإن شاء أن يرفعه كله أو بعضه عنكم أو عن بعضكم فعل لأن مشيئته نافذة في كل شيء ولكن هل يشاء شيئًا من ذلك أم لا؟ ذلك مما يعلمه هو سبحانه حق العلم وحده ولا يعلمه غيره إلا بإعلامه " ١.
يقول الشيخ رشيد - ردًا على من انتقده في ميله هذا - " إننا قد بينا غير مرة في المنار أن المعتمد عندنا في التفسير وأصول الدين وفروعه ظواهر النصوص مجتمعة، وفي اختلاف العلماء ما كان عليه جمهور السلف إن علم بالنقل الصحيح، وإننا إذا أوردنا في المنار أقوالًا أخرى، فإنما نقصد بذلك دفع بعض الشبهات عن الدين أو تقريب بعض مسائله وعلى هذه القاعدة جرينا في تفسير آية الأنعام " ٢.
فما هو إذن موقف الشيخ رشيد الأخير؟ يرى الشيخ رشيد أن ابن القيم توقف في هذه المسألة، ولم يرجح أحد القولين على الآخر، وبناءً على ذلك يتخذ الشيخ رشيد نفس الموقف، وهو التوقف أيضًا وتفويض الأمر لله تعالى وأن مشيئته تعالى في ذلك مجهولة ٣، ويذكر الشيخ رشيد في هذه المناسبة أيضًا توقفه في آية المائدة ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٤ فإن ظاهر هذه الآية جواز مغفرة الشرك، فإن قيل: إن الله تعالى بين أنه لا يغفر الشرك قال الشيخ رشيد: "قلنا إنما يدل هذا على أن العقاب على الشرك حتم مقضي ولكنه لا يدل على أنه سرمدي" ٥.
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٨/ ٦٨) وأريد أن أشير هنا إلى موقف قديم للشيخ رشيد من تأويل الخلود ورفضه. انظر: تفسير المنار (١/ ٣٦٤) ٢ مجلة المنار (٢٢/ ٣١٦) ٣ انظر: المصدر نفسه والصفحة. ٤ سورة المائدة، الآية (١١٨) ٥ مجلة المنار (٢٢/ ٣١٦)
[ ٨٨٩ ]
فالشيخ رشيد متوقف في مسألة فناء النار وانتهاء عذاب المشركين وغفرانه، ولا ريب أنه تبع في ذلك ما اشتهر عن شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم اللذان لم يعرف مذهب السلف إلا عن طريقيهما، فأصبح يتابعهما شبرًا بشبر وذراعًا بذراع. والحق أن ابن تيمية وتلميذه ابن القيم لم يثبت عنهما صراحة إلا القول بالأبدية كما ذكرت قبل قليل.
[ ٨٩٠ ]