الفصل الأول: الإيمان بالملائكة
تمهيد
تمهيد:
الملائكة هم خلق من خلق الله تعالى لهم صفات وخصائص ووظائف خاصة، ومنهم واسطة في البلاغ بين الله تعالى ورسله؛ واسطة في إبلاغ الوحي والرسالة إلى من اصطفاهم الله تعالى من البشر، كما قال تعالى:
﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ﴾ ١.
والإيمان بالملائكة ركن من أركان الإيمان، فلا يتم إيمان امرئ إلا بالإيمان بهم، قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ﴾ ٢.
وقال: ﴿ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ ٣.
وقد تحدث الله في القرآن الكريم عن الملائكة باستفاضة فذكر من صفاتهم الخُلُقية والخَلْقية الشيء الكثير، فمن الأولى أنهم لا يعصون الله تعالى ويفعلون ما يؤمرون به ٤، وأنهم يعبدون الله تعالى دون كلل أو فتور ٥. ومن الثانية: أنهم ذوو أجنحة مثنى وثلاث ورباع ٦.
_________________
(١) ١ سورة الحج، الآية (٧٥) ٢ سورة البقرة، الآية (٢٨٥) ٣ سورة النساء، الآية (١٣٦) ٤ انظر: سورة الأنبياء، الآية (٢٧)، وسورة التحريم، الآية (٦) ٥ انظر: سورة الأنبياء، الآية (٢٠) ٦ انظر: سورة فاطر، الآية (الأولى)
[ ٦٣٧ ]
وقد تناول الشيخ رشيد رضا الحديث عن الملائكة من جوانب متعددة، وأثبت أن الإيمان بهم ركن من أركان الإيمان، وأن الكافر بهم لا يكون مسلمًا، وتحدث عن بعض صفاتهم ووظائفهم، ومع ذلك فقد اتهمه خصومه بإنكارهم، وقد دفع الشيخ عن نفسه ذلك. وفيما يلي أعرض منهج الشيخ رشيد في هذا الفصل.
[ ٦٣٨ ]
المبحث الأول: الملائكة
المطلب الأول: وجوب الإيمان بالملائكة جملة وتفصيلًا
المطلب الأول: وجوب الإيمان بالملائكة جملة وتفصيلًا:
بناء على ما تقدم من أدلة الكتاب العزيز من بيان وجوب الإيمان بالملائكة، وكذلك ما ورد من حديث جبريل المشهور، يجب الإيمان بالملائكة جملة وتفصيلًا فيما ورد مفصلًا. وهذا ما قرره الشيخ رشيد ﵀ إذ قال: "الإيمان بالملائكة هو الركن الثاني من أركان الإيمان، فيجب الإيمان بهم إجمالًا وبمن وردت النصوص بأسمائهم أو صفاتهم تفصيلًا.." ١ وأعاد الشيخ رشيد هذا المعنى كثيرًا ٢.
وبيّن الشيخ رشيد وجوب الإيمان بهذا الركن وبيّن حكم إنكاره، فقال: " والملائكة من عالم الغيب الذي يجب على كل مؤمن الإيمان به كما ورد في خبر الوحي من غير تأويل ولا تحريف، ويكفي في ذلك كونه ممكنًا عقلًا " ٣.
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٢٩/ ٦٦٠ - ٦٦١) ٢ انظر: تفسير المنار (١/ ١٧٥و ٣/ ١٤٤و ٥/ ٤٥٩) ٣ مجلة المنار (١٨/ ٦٠٢ـ ٦٠٤)
[ ٦٣٩ ]
وأما المنكر لهذا الركن فهو كما يقول الشيخ رشيد: "لا يؤمن بوحي الله إلى رسله ولا يكون مسلمًا ولا يهوديًا ولا نصرانيًا ولا مليًا وثنيًا " ١، وذلك لأن الملائكة مذكورون في جميع هذه الديانات وكتبها.
وكما ذكرت قبل أن الملائكة عدد كثير لا يحصيهم إلا الله تعالى، ووظائفهم متعددة، وذكر القرآن من أسمائهم: جبريل وهو ملك الوحي ٢، وميكال وهو الموكل بالقطر وتصاريفه، وورد في القرآن أيضًا منهم:: مالك وهو خازن النار ٣.
وورد في السنة منهم إسرافيل وهو الموكل بالصور ٤.
فما ورد في الكتاب والسنة من أسمائهم يجب الإيمان به ثم التوقف فيما وراء ذلك. وهذا هو ما قرره الشيخ رشيد إذ قال معلقًا على أسماء لم ترد في الشرع: "وأما تسمية ملك الموت بعزرائيل ٥ وما أوهمه كلام بعضهم من وجوب الإيمان بهذا الاسم فغير صحيح، فإن اسم عزرائيل لم يرد في القرآن كاسم جبريل وميكال - وهو ميكائيل ـ، ومالك، ولا في الأحاديث الصحيحة المرفوعة كاسم إسرافيل " ٦.
وأما إبليس فقد وقع خلاف في حقيقته هل هو من الملائكة أو من الجن ٧. والذي رجحه الشيخ رشيد أنه من الملائكة لأنه ظاهر الآيات في قصة السجود لآدم، وأما معارضة قوله تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ ٨ فيجيب عنه الشيخ رشيد بأن: "الجن جنس لهؤلاء المخلوقات الخفية ومنهم
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (٣٢/ ٧٥٣) ٢ انظر: البخاري: الصحيح، ك: التفسير، باب: قوله: ﴿من كان عدوًا لجبريل﴾، ح: ٤٤٨٠، (٨/ ١٥) ٣ انظر: سورة البقرة، الآية (٩٨)، والزخرف الآية (٧٧) ٤ انظر: مسلم: الصحيح، ك: صلاة المسافرين، ح: ٢٠٠ (٧٧٠) (١/ ٥٣٤) ٥ انظر: ابن كثير: البداية والنهاية (١/ ٥٠)، والتفسير (٣/ ٤٤١) ٦ مجلة المنار (٢٩/ ٦٦٠ - ٦٦١) ٧ انظر الأقوال في ذلك عند ابن كثير: التفسير (٣/ ٨٧) ٨ سورة الكهف، الآية (٥٠)
[ ٦٤٠ ]
نوع الملائكة المعصومين لقوله تعالى في العرب الذين كانوا يقولون أن الملائكة بنات الله: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ فالتحقيق إذن أن إبليس وذريته نوع من هذا الجنس أي الجن المكلفين غير المعصومين ومنهم أشرار كالشياطين"٢.
وكون إبليس من الملائكة أو قبيل منهم فهو مروي عن بعض السلف ﵏، قال ابن عباس: " كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم الجن" ٣.
_________________
(١) ١ سورة الصافات، الآية (١٥٨) ٢ مجلة المنار (٣٤/ ٦٩١)، وقارن مع ابن تيمية: مجموع الفتاوى (١٩/ ٣٣ - ٣٤) ٣ انظر: ابن كثير: التفسير (٣/ ٨٧)
[ ٦٤١ ]
المطلب الثاني: وظائف الملائكة وخصائصهم:
وقد ذكر رشيد رضا بعض وظائف الملائكة وخصائصهم. فذكر من وظائف الملائكة التوفي؛ مقررًا هذه الوظيفة ومبينًا عدم تعارضها مع التوحيد فقال: "إن تفويض التوفي إلى بعض الملائكة كتفويض تبليغ الوحي للأنبياء إلى بعضهم، وكتفويض تبليغ الرسالة للناس إلى المرسلين، وكتفويض غير ذلك من الأعمال إلى المخلوقين، كل ذلك لا ينافي التوحيد، والله سبحانه هو المتصرف في الكون " ٤.
إن تفويض هذه الأعمال إلى الملائكة لا يعني أنهم يتصرفون في الكون بإرادتهم ولكنهم موكلون من الله تعالى بهذه الأعمال، وبإقداره تعالى لهم "وهو الذي سخرهم ولو سلبهم ما أعطاهم لما قدروا على شيء " ٥. وفيما يتعلق بتوفي الملائكة للبشر وهل يقوم بذلك ملك واحد فقط أو ملائكة متعددة، يقول الشيخ رشيد في ذلك: " وللموت
_________________
(١) ٤ مجلة المنار (١٠/ ٢٨٥) ٥ المصدر نفسه والصفحة.
[ ٦٤١ ]
أصناف كثيرة لكل منها سنن ونظام في الحياة خاص به، فقبض الألوف من الأرواح في كل لحظة ووضعها في المواضع اللائقة بها عمل عظيم واسع النطاق يقوم بإدارته ونظامه رسل كثيرون، وكل عمل عظيم منظم لا بد أن تكون له جهة واحدة هي مكان الرياسة والنظام منه " ١.
فقبض الأرواح والتوفي يقوم به ملائكة ذوو عدد كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ ٢ "وهؤلاء الرسل هم أعوان ملك الموت الذي قال الله فيه: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ ٣ كما يقول الشيخ رشيد ﵀ ٤.
ومن وظائف الملائكة التي تكلم عنها الشيخ رشيد كتابة أعمال بني آدم وحفظها في الصحف التي تنشر يوم الحساب وهي المرادة - كما يقول الشيخ رشيد - بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ ٥ قال: "وهؤلاء الحفظة هم الملائكة الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ، يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ ٦ وقيل إن الحفظة من الملائكة غير الكاتبين للأعمال، وهم المعقبات في قوله تعالى من سورة الرعد: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ ٧ قيل: إنهم ملائكة يحفظونه من الجن والشياطين، وقيل من كل ضرر يكون عرضة له لم يكن مقدرًا أن يصيبه فإذا جاء القدر تخلو عنه، ولكن لم يصح في ذلك شيء يعتد به وليس عندنا من الأحاديث الصحاح في هذه المسألة إلا حديث أبي هريرة ﵁ في الصحيحين وغيرهما مرفوعًا: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار،
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٧/ ٤٨٤) ٢ سورة الأنعام، الآية (٦١) ٣ سورة السجدة، الآية (١١) ٤ تفسير المنار (٧/ ٤٨٤) ٥ سورة التكوير، الآية (١٠)، وانظر: تفسير المنار (٧/ ٤٨٢) ٦ سورة الإنفطار، الآيات (١٠ - ١٢) ٧ سورة الرعد، الآية (١١)
[ ٦٤٢ ]
يجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي، فيقولون: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون" ١ فإذا كان هؤلاء الملائكة هم الحفظة الكاتبين فلا محل لاختلاف العلماء في تجددهم وتعاقبهم" ٢.
وقد رد الشيخ رشيد على من أنكر هذا الصنف من الملائكة، ورد قوله لأنه "لا هو من أهل العلم بالحديث رواية ولا دراية، وقوله هو المردود وحديث الرسول ﷺ هو المقبول " ٣.
وذكر الشيخ رشيد من خصائص الملائكة أنهم يتشكلون في الصور المختلفة، وأنهم قد يُرون في هذه الحالة فقط، إلا أنهم لا يرون في صورتهم الحقيقية، وهو المختار عند الشيخ رشيد كما يقول: "والمختار عندنا أن البشر في حالتهم العادية غير مستعدين لرؤية الملائكة والجن في حالتهم التي خلقوا عليها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ ٤ " ٥.
غير أن الرؤية على هذه الحالة قد تقع معجزة لنبي أو كرامة لولي كما يقرر الشيخ رشيد، ويقول: "إنه جائز عقلًا ومرويٌ نقلًا " ٦.
_________________
(١) ١ البخاري: الصحيح،: مواقيت الصلاة، باب: فضل صلاة العصر، ح: ٥٥٥. ٢ تفسير المنار (٧/ ٤٨٢) ٣ مجلة المنار (١٧/ ٦٥٨) ٤ سورة الأعراف، الآية (٢٧) ٥ تفسير المنار (٧/ ٣١٦ - ٣١٧) وقارن مع ابن تيمية: مجموع الفتاوى (١٥/ ٢٦) ٦ المصدر نفسه والصفحة.
[ ٦٤٣ ]
المطلب الثالث: التفاضل بين الملائكة والأنبياء:
وقد وقع خلاف بين الناس حول تفضيل الملائكة على الأنبياء وصالحي البشر أو العكس، على أقوال. ثالثها: التوقف، ورابعها: التفصيل
[ ٦٤٣ ]
في ذلك. فالتوقف مذهب أبي حنيفة ﵀ ورجحه شارح الطحاوية ١. والتفصيل مذهب شيخ الإسلام، وهو أن الأنبياء والصالحين أفضل من الملائكة باعتبار كمال النهاية، وذلك إنما يكون إذا دخلوا دار القرار، ونالوا الزلفى، وسكنوا الدرجات العلى، فلا يظهر فضلهم في ابتداء أحوالهم وإنما يظهر فضلهم عند كما أحوالهم، بخلاف الملك الذي تشابه أول أمره وآخره ٢.
وليس الخلاف في هذه المسألة كتفضيل الأنبياء بعضهم على بعض، فإن هذه قد ورد بها نص قرآني، وفي مسألتنا هذه الأدلة متكافئة ٣.
وقد ذكر الشيخ رشيد هذا الخلاف وأدلة كل فريق ثم قال: " والحق أن ظواهر القرآن الواردة في الملائكة والرسل تدل على أن الملائكة أفضل من البشر، ولعله - لولا ذلك - لما قال تعالى في بني آدم ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ ٤، بل لقال على جميع من خلقنا، ومقتضى ذلك أن خواص الملائكة كالمقربين أفضل من خواص الرسل، ولا يتحتم أن يقتضي كون عوام الملائكة أفضل من خواص البشر كالرسل، قد ينافيه كون بعض الملائكة مسخرين لمصالح البشر، ولكن ليس في المسألة نص قاطع في المعنى والأولى أن يفوض هذا الأمر إلى الله تعالى ولا يجعل محل القيل والقال إذ لا فائدة لنا في ذلك " ٥.
فالذي اختاره الشيخ رشيد في هذه المسألة التوقف، وهو كما قلت قبل ذلك مذهب أبي حنيفة ورجحه شارح الطحاوية.
ومن خلال عرض آراء رشيد رضا في فصل الملائكة يتبين عدم صدق
_________________
(١) ١ ابن أبي العز: شرح الطحاوية (ص: ٤١٠ - ٤١١) ط. التركي. ٢ ابن تيمية مجموع الفتاوى (١١/ ٩٥) ٣ ابن أبي العز: شرح الطحاوية (ص:٤١٢) ط. التركي. ٤ سورة الإسراء: الآية (٧٠) ٥ تفسير المنار (٧/٤٢٨ـ ٤٢٩) وانظر أيضًا: المصدر نفسه (٧/٥٨٩)
[ ٦٤٤ ]
الدعوى التي ادعاها يوسف الدجوي ١ على رشيد رضا وهي: "إنكاره للملائكة" وقد ردّ رشيد رضا نفسه هذه الدعوى، ردًا مجملًا ومفصلًا، فمن حيث الجملة قال: "فمن كان لا يؤمن بالملائكة فهو لا يؤمن بوحي الله إلى رسله، ولا يكون مسلمًا ولا يهوديًا ولا نصرانيًا ولا مليًا وثنيًا. فإن كان صاحب المنار من هذا الصنف فلماذا سكت له على كفره هذا علماء الأزهر الأعلام وغيرهم من علماء الإسلام مدة خمس وثلاثين سنة هذا ما نقوله من ناحية الإلزام العقلي ونقضي عليه ببعض الشواهد الناطقة بعقيدة الإيمان بالملائكة واتباعنا عقيدة السلف الصالح فيهم " ٢.ثم أورد الشيخ رشيد سبعة شواهد من تفسيره لتدل تفصيلًا على اعتقاده فيهم.
وأما الشبهة التي اعتمد عليها في توجيه هذه التهمة للشيخ رشيد فهي عبارة نقلها عن الأستاذ محمد عبده كما يقول الشيخ رشيد:"وإنما هي حكاية حكاها الأستاذ الإمام عن بعض الناس ونقلها مؤلف التفسير عنه، فلو كانت كفرًا لكانت من باب حاكي الكفر ليس بكافر، فكيف بالحاكي عن الحاكي" ٣.
والحق أن الشيخ رشيد كان أحيانًا يعقب على آراء محمد عبده، ولكنه كان يسكت في أحيان أخرى، والسكوت علامة الموافقة مما يجعل الحجة تتجه عليه، إلا أنني أميل لقبول رده هذا، لما سبق بيانه في هذا الفصل، وكما أني أميل لقبول رده في المسائل الأخرى، إذا أن الصدق هو الأصل في مثل رشيد رضا ٤.
_________________
(١) ١ سبقت ترجمته: انظر: (ص: ٢١٧) من هذا البحث. ٢ مجلة المنار (٣٢/ ٧٥٣) ٣ المصدر نفسه (٣٢/ ٧٥٨) ٤ انظر: مجلة المنار (٣٢/ ٨٦٢) ونفيه حكاية القول الذي اعتمد عليه الدجوي في اتهام رشيد رضا بذلك، والذي يظهر - وإن كان محمد عبده - يروي هذا الرأي على أنه ليس له، إلا أنه يميل إليه إذ بسطه وشرحه شرحًا فلسفيًا، وقد مضى أن الفلاسفة يكذبون الرسل في أخبارهم بالغيب ولكن أحيانًا - ومن باب التقية - فإنهم لا يصرحون بذلك. وانظر: سليمان دنيا: مقدمته لحاشية محمد عبده على شرح الدواني (١/٢١ـ ٢٢)
[ ٦٤٥ ]
*
المبحث الثاني: الجن والشياطين:
وجود الجن ثابت بكتاب الله وسنة رسوله واتفاق سلف الأمة وأئمتها. وكذلك دخول الجني في بدن الإنسان ثابت باتفاق أئمة أهل السنة والجماعة ١. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ قد خاطب الجن وخاطبوه، وقرأ عليهم القرآن ٢.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لم يخالف أحد من طوائف المسلمين في وجود الجن وهذا لأن وجود الجن تواترت به أخبار الأنبياء، تواترًا معلومًا بالاضطرار، ومعلوم بالاضطرار أنهم أحياء عقلاء فاعلون بالإرادة " ٣.
وبعد ظهور المدنية الحديثة وأفكارها المادية، ظهر اتجاه إنكار وجود الجن - في جملة إنكار ما لا يرى - وقد تصدى رشيد رضا لهذا الاتجاه فأثبت وجود الجن وعدم وجود حجة عند من أنكرهم على ذلك. وأثبت إمكان رؤيتهم ومخاطبتهم. وإن كان تشدد في مسألة دخولهم جسم الإنسان، وفيما يلي تفصيل ذلك.
_________________
(١) ١ انظر: ابن تيمية: مجموع الفتاوى (٢٤/ ٢٧٦ و١٩/ ٣٢) ٢ المصدر نفسه (١٩/ ٣٧ ـ٣٨) ٣ مجموع الفتاوى (١٩/ ١٠) وانظر: (١٩/ ٣٩)
[ ٦٤٦ ]
المطلب الأول: معنى الجن والشيطان:
عرّف رشيد رضا هذين اللفظين في اللغة فقال: "الجن والجان والجنة - بالكسر - مأخوذة من مادة جنن، وهذه المادة تدل على الستر والخفاء والشياطين في اللغة: كل عاتٍ متمرد حتى من الدواب، والشاطن: الخبيث وقيل: إن الشيطان مشتق من شاط يشيط أي احترق غضبًا " ١.
وقد عرّفهم أيضًا تعريفًا شرعيًا فقال: " الجن خلق خفي مستتر من عالم الغيب أثبتتهم جميع الأديان " ٢.
ثم بين حكم الإيمان بهم فقال: "وطريقتنا فيهم الإيمان بكل ما أخبر الله تعالى من أمرهم في كتابه وبكل ما صح عن رسوله ﷺ لمن علم به " ٣.
والإيمان بوجود الجن من الإيمان بالغيب الذي أمر الله تعالى بالإيمان به، قال تعالى: ﴿خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ، وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ٥ فإنكار الجن مخالف للشرع بل لجميع أهل الملل الذين أجمعوا على وجودهم ٦. وهو مخالف أيضًا للعقل، الذي يقضي بأن إنكار الشيء لمجرد عدم رؤيته أو الإحساس به غير سديد. وهذا ما يقرره الشيخ رشيد بقوله: "إنكار شيء ونفيه لعدم الإحساس به مما يمنعه العقل، ولو أنكرنا كل ما لم نطلع عليه وندركه بالحواس لما توجهت نفوسنا إلى
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٧/ ٧٠٢ - ٧٠٧) ٢ المصدر نفسه (٣٢/ ٧٦٧) ٣ المصدر نفسه. وقد سبق في التمهيد الكلام على موقف رشيد رضا من السنة والقيود التي وضعها لقبولها كقوله أنها تقبل عند من صحت عنده - ويريد به قبولها لا سندًا - وقوله لمن علم به ألخ. ٤ سورة الرحمن، الآية (١٤ و١٥) ٥ سورة الذاريات، الآية (٥٦) ٦ انظر: ابن تيمية: مجموع الفتاوى (١٩/ ١٠ و١٩/ ٣٢)
[ ٦٤٧ ]
اكتشاف هذه المجهولات الكثيرة " ١.. ويقول أيضًا: " وجود أي شيء من الموجودات لا يعرف بالأدلة العقلية، وإنما يعرف بالحس أو بالخبر الصادق، فإننا نعتقد وجود كثير من الحيوانات والنباتات والمعادن ولم نرها. أما العقل فإنه يدلنا مع الاختبار بأن في الكون موجودات كثيرة لا نعرفها لأنها لا تدرك بحواسنا هذه، ولو خلق لنا حواس غيرها لأدركنا ما لا ندركه الآن " ٢، ويقول في موضع آخر: "إن عدم وجدان الشيء لا يقتضي عدم وجوده، فتكذيب جميع أصناف البشر في الاعتقاد بوجود عالم خفي لا تظهر آثاره إلا نادرًا لبعض الناس بناءً على أن المكذب لم يدرك ذلك بحواسه - غير سديد ـ" ٣. ويقرر رشيد رضا أن الإيمان بوجود الجن واجب وثابت بخبر الشرع فيقول عن الجن إنه: "عالم خفي أو غيبي أخبرنا بوجوده الأنبياء المؤيدون من خالق الكون بالوحي والإلهام فوجب التصديق بذلك " ٤.
وهذا الموقف من رشيد رضا في مسألة الإيمان بالجن موقف سديد موافق لما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف، فوجود الجن قطعي لثبوته بهذه الأدلة. ولكن وقع الخلاف بعد إثباتهم في مسائل، منها إمكان رؤيتهم على صورتهم الحقيقية، وكذلك مسألة تلبسهم بالإنسي وهو ما أود بيان موقف رشيد رضا منهما.
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٧/ ٧٠٢) ٢ المصدر نفسه (٦/ ٢٦٧) ٣ المصدر نفسه (٧/ ٧٠٢)، وانظر: الوحي المحمدي (ص: ٤٩) ٤ المصدر نفسه (٦/ ٢٦٧)
[ ٦٤٨ ]
المطلب الثاني: رؤية الجن:
اختلف في جواز رؤية الجن، فذهب بعض أهل العلم إلى أن أحدًا لا يراهم في الدنيا واستدلوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا
[ ٦٤٨ ]
تَرَوْنَهُمْ﴾ ١، والصواب في معنى هذه الآية هو ما قاله شيخ الإسلام لما سئل عنها: " الذي في القرآن أنهم يرون الإنس من حيث لا يراهم الإنس، وهذا حق يقتضي أنهم يرون الإنس في حال لا يراهم الإنس فيها، وليس فيه أنهم لا يراهم أحد من الإنس بحال، بل قد يراهم الصالحون وغير الصالحين أيضًا لكن لا يرونهم في كل حال" ٢.
وهذا هو الصواب فليس في الآية ما يدل على عدم رؤيتهم أبدًا، وغاية ما فيها أنه يرانا من حيث لا نراه، وليس فيها أنا لا نراه أبدًا، فإن انتفاء الرؤية منا له في وقت رؤيته لنا لا يستلزم انتفاءها مطلقًا ٣.
وأما السنة فقد ثبت أن النبي ﷺ رآهم وخاطبهم، وهو قول ابن مسعود ﵁ وإن كان ابن عباس يجزم بعدم رؤيتهم إلا أن ابن مسعود مثبت فهو مقدم، وابن عباس ﵁ لم يعلم ما علمه ابن مسعود ٤.
وقد بدا رشيد رضا متشددًا في مسائل الجن - بعد إثبات وجودهم - كما يظهر في هذه المسألة، والمسألة التي تليها، وسبب ذلك ما عرفنا عند تصوير الحالة الدينية يومئذ، والتي كان من أبرز سماتها انتشار البدع والخرافات ومنها عبادة الجن.
ورد سؤال لرشيد رضا عن دعوى بعضهم أن بعض الجن كان يدرس في الأزهر ويحضر الدروس ويلقي الأسئلة على بعض العلماء على مسمع ومرأى من الناس، فأجاب: "إن الجن من العوالم الغيبية، واسمهم يدل على
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية (٢٧) ٢ مجموع الفتاوى (١٥/ ٢٦) ٣ انظر: صديق حسن خان: فتح البيان في مقاصد القرآن (٣/ ٣٠٥) ٤ انظر: رأي ابن مسعود: البخاري: الصحيح، ك: المناقب، باب: ذكر الجن، ح: ٣٨٥٩، ومسلم: الصحيح، ك: الصلاة، ح: ١٥٠ (٤٥٠) ورأي ابن عباس: مسلم: الصحيح، ك: الصلاة، ح: = = ١٤٩ (٤٤٩)، البخاري: الصحيح، ك: التفسير، باب: سورة قل أوحي إلي، ح: ٤٩٢١، وانظر: فتح الباري (٨/ ٥٤٣)، ومجمع الزوائد (٧/ ١٠٦)، وابن تيمية: مجموع الفتاوى (١٩/ ٣٧ - ٣٨)، وانظر أيضًا: ابن كثير في التفسير (٤/ ١٦٦) وما بعدها.
[ ٦٤٩ ]
خفائهم واستتارهم، وقد قال الله في إبليس وهو من الجن: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ ١ وقد نقل عن الإمام الشافعي تشديد عظيم على من يدعي رؤيتهم وقد اختلف النقل عن الصحابة في رؤية النبي ﵌ لهم، فروي عن ابن مسعود أنه رآهم، وروي عن ابن عباس أنه لم يرهم وأنه لو رآهم لما قال تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ ٢، وقال بعض العلماء: إن ابن عباس قال بما يدل عليه القرآن، وابن مسعود قال بما ثبت عنده ولا منافاة. وادعى بعضهم أن رؤيتهم تكون كرامة للأولياء وسيأتي البحث فيه في موضعه ولكن لم يقل أحد من المسلمين ولا من غيرهم أن الجن يظهرون ويسألون العلماء على مرأى من الناس ومسمع. وأن للناس من الحكايات عن الجن في كل قطر وكل شعب ما يكاد يصل إلى حد الجنون. والله يعلم إنهم لكاذبون" ٣.
والذي يدفع رشيد رضا إلى اتخاذ هذا الموقف هو الأمر الذي وصلت إليه البدع من عبادة الجن والتقرب إليهم لاعتقاد الناس أنهم يمرضون الأجسام ويخطفون الأطفال ويشفون المرضى ويردون المفقودين. "ومن ذلك الزار الذي يخرجون به الشياطين من الأجساد بزعمهم، ولهذه الخرافات مضار ورزايا كثيرة في الأبدان والأرواح والأموال والأعراض " ٤.وبينما يقر رشيد رضا بالطب الشرعي أو الروحي إلا أنه ينعى على الناس ما تسرب إليهم من هذا الباب من الخرافات والبدع، فيقول: "ومن المصائب على البشر أن أكثر المؤمنين بطب الدين الروحي في هذه القرون الأخيرة لا يقفون عند حدود ما أنزل الله على رسوله وما فهمه من حملته من السلف الصالح، بل زادوا وما زالوا يزيدون من الخرافات والبدع والضلالات، ما جعلهم حجة على دينهم وفتنة للذين كفروا " ٥.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية (٢٧) ٢ سورة الجن، الآية (١) ٣ مجلة المنار (٦/ ٢٦٦ - ٢٦٧) وانظر أيضًا: تفسير المنار (٨/ ٣٦٨) ٤ تفسير المنار (٨/٣٦٨) ٥ المصدر نفسه (٨/٣٦٧)
[ ٦٥٠ ]
ولذلك يتخذ رشيد رضا موقفًا متشددًا في هذه المسألة، فيرى - وينقله عن الشافعي - أن رؤية الجن خاصة بالأنبياء، ويريد بذلك أن يقطع حجة الدجالين الذين يأكلون أموال الناس بالباطل بولايتهم للشياطين، وولاية الشياطين لهم، "وقد خوفوا الناس منهم حتى أوقعوا الرعب في قلوبهم، وأوقعوهم في ضلالات كثيرة" ١.
والحق أن رؤية الناس الجن وكلامهم إياهم ثابت لا يدفع، وهذا يكون للصالحين على سبيل الكرامة، ولغير الصالحين، كما يقع لبعض السحرة وتسخيرهم لهم في الشرور وغيرها ٢. والفرق بين هؤلاء وهؤلاء بيّن والحمد لله، وسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى - بيان الفرق بين كرامات الأولياء وخوارق الأشقياء.
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (٨/٣٦٨ـ ٣٦٩) ولم أجد هذا الكلام المنسوب للشافعي في مناقب البيهقي، ط. دار التراثن مصر، الأولى، ١٣٩١هـ، ت: السيد صقر. ٢ انظر: ابن تيمية: مجموع الفتاوى (٤/٢٣٢ و١٩/ ٤١ـ ٤٢) وبدر الدين الشبلي: آكام المرجان (ص:١٥) وانظر: عبد الكريم نوفان: عالم الجن في الكتاب والسنة (ص:١٩)
[ ٦٥١ ]
المطلب الثالث: دخول الجن في جسم الإنسان:
وردت إشارة واحدة في القرآن الكريم تشير إلى تأثير الجن في الإنسان، هي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ ٣، أي لا يقومون إلا كما يقوم المصروع حال صرعه وتخبط الشيطان له" ٤.
ووردت في السنة عدة أحاديث تثبت صرع الجن للإنس وغلبتهم على عقله، وورد فيها معالجته ﷺ للمصروعين، منها:
حديث مطر بن عبد الرحمن الأعنق عن أم أبان بنت الوازع عن أبيها
_________________
(١) ٣ سورة البقرة: الآية (٢٧٥) ٤ ابن كثير: التفسير (١/٣٠٨)
[ ٦٥١ ]
أن جدها الوازع ١ انطلق إلى رسول الله ﷺ فانطلق معه بابن له مجنون أو ابن أخت له، قال جدي: فلما قدمنا على رسول الله ﷺ المدينة قلت يا رسول الله إن معي ابن لي، أو ابن أخت لي مجنون آتيك به فتدعوا الله عزوجل له، قال له: "ائتني به". فانطلقت إليه وهو في الركاب فأطلقت عنه، وألقيت عليه ثياب السفر وألبسته ثوبين حسنين وأخذت بيده حتى انتهيت به إلى رسول الله ﷺ، فقال: "ادنه مني، واجعل ظهره مما يليني، قال: فأخذ بمجامع ثوبه من أعلاه وأسفله فجعل يضرب ظهره حتى رأيت بياض أبطيه ويقول: أخرج عدو الله، أخرج عدو الله، فأقبل ينظر نظر الصحيح ليس نظره الأول، ثم أقعده رسول الله ﷺ يبن يديه فدعا له فمسح وجهه"، فلم يكن في الوفد أحد بعد دعوة رسول الله ﷺ يفضل عليه" ٢.
ومنها حديث ابن عباس "أن امرأة جاءت بولدها إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله! إن به لممًا، وإنه يأخذه عند طعامنا فيفسد علينا طعامنا، فمسح رسول الله ﷺ صدره ودعا له، فثع ٣ ثعة فخرج من فيه مثل الجرو ٤ الأسود فشفي" ٥.
ففي هذه الأحاديث دلالة على دخول الجني في جسم الإنسي وصرعه له. وعلى هذا كان السلف. فقد قال عبد الله بن أحمد لأبيه: " إن قومًا يزعمون أن الجني لا يدخل في بدن الإنسي، فقال: يا بني يكذبون، هو ذا يتكلم على لسانه" ٦. وقال ابن تيمية: "وليس في أئمة المسلمين من ينكر
_________________
(١) ١ هو من وفد عبد القيس: انظر: الطبراني: المعجم الكبير (٥/٢٧٥) . ٢ هذا الحديث عزاه ابن تيمية إلى أبي داود في السنن، وليس هناك، وإلى أحمد في المسند ولم أجده فيه، وقال الهيثمي: رواه الطبراني، وأم أبان لم يرو عنها غير مطر. مجمع الزوائد (٩/٢) وهو في المطبوع من الطبراني الكبير (٥/٢٧٥) ت: حمدي عبد المجيد السلفي. ٣ الثع: القيء، والثعة: المرة الواحدة. ابن الأثير: النهاية (١/٢١٢) ٤ الجِرو: صغار القثاء، وقيل الرمان، ويجمع على: أجرٍ. ابن الأثير: النهاية (١/٢٦٤) ٥ رواه أحمد (١/ ٢٥٤، ٢٦٨) وقال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني وفيه فرقد السبخي، وثقه ابن معين والعجلي، وضعفه غيرهما. مجمع الزوائد (٩/٢) ٦ انظر: ابن تيمية مجموع الفتاوى (١٩/١٢)
[ ٦٥٢ ]
دخول الجني في بدن المصروع وغيره، ومن أنكر وادعى أن الشرع يكذب ذلك فقد كذب على الشرع، وليس في الأدلة الشرعية ما ينفي ذلك" ١.
وفي الأناجيل المتداولة الآن أخبار عن المسيح ﵇ تدل على علاجه للمصروعين، وإخراج الجن منهم ٢.
ولقد سئل الشيخ رشيد ﵀ عن دخول الجن والشيطان في بدن الإنسان بناء على ما ذكر في الأناجيل، وبناء على ما ورد عن السلف، لا سيما شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم.
وفيما يتعلق بما أثبتته الأناجيل، فقد أجاب الشيخ أولًا: بأن الأناجيل لا يعتمد عليها إذ ليس لها أسانيد صحيحة ٣.
وقد أمرنا أن لا نصدق أهل الكتاب ولا نكذبهم فيما لا حجة له أو عليه في كتابنا، ثم قال: "على أننا إذا سلمنا بأن بعض الشياطين دخلت في أجسام بعض الناس، وأنها خرجت على يد المسيح معجزة له فلا يلزم من ذلك أن نقيس خرافات عجائز الزار على معجزات الأنبياء المصطفين الأخيار " ٤.
وأما ما ورد عن شيخي الإسلام فيجيب عنه الشيخ رشيد بقوله: " وإن كان شيخا الإسلام من أجل الثقات عندنا فيما يرويانه عن أنفسهما وعن غيرهما بالجزم - فإننا نقول: إن وقائع الأحوال في هذا المقام فيها إجمال، هي قابلة لأنواع شتى من الاحتمال، على أن ما يؤخذ منها على ظاهره لا حجة فيه على شيء من أعمال الدجالين التي ينكرها الشرع والعقل، وأين دجل هؤلاء الفساق المحتالين من معجزة أو كرامة يكرم الله بها نبيًا مرسلًا أو وليًا صالحًا، فيشفي على يديه مصروعًا ألم به شيطان أم لم يلم؟ وما إلمام الشيطان ببعض الناس بالمحال عقلًا حتى نحار في فهم
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى (٢٤/٢٧٧) ٢ انظر: متى: (٤/ ٢٤ و٨/ ١٦ و٩/ ٣٢ - ٣٣) ٣ تفسير المنار (٨/٣٧٠) ٤ مجلة المنار (٦/٧٠٩ - ٧١٠)
[ ٦٥٣ ]
أمثال هذه الروايات النادرة عند أهل الكتاب وعندنا، بل عند جميع الأمم، وإن بعض الأمراض العصبية التي يصرع أصحابها لابسهم الشيطان فيها أم لا لتشفى بتأثير الاعتقاد وتأثير إرادة الأرواح القوية إذا توجهت إلى الله تعالى سائلة شفاءها، وما نحن بالذين يدارون الماديين أو يبالون بإنكارهم لكل ما لا يثبته الحس لهم، بل نرى أن جملة ما روي عن الأنبياء والعلماء وما اشتهر عند كل الأمم يفيد بمجموعه التواتر المعنوي في إثبات أصل المسألة، وما لنا لا نذكر أنه قد وقع لنا من ذلك ما يعده كثير من الناس أمرًا عظيمًا يستبعدون أن يكون من فلتات الاتفاق ونوادر المصادفات.." ثم ذكر بعض ما حدث له من ذلك. ١.
والدجالون الذين يشير إليهم الشيخ رشيد هم عبدة الجن الذين يقيمون الاحتفالات لإرضائهم وهو ما يعرف بالزار. يقول الشيخ رشيد في نفس السياق السابق: "إن مفاسد (الزار) ٢ كثيرة مشهورة في هذه البلاد، وقد وصفناها من قبل في المنار. وسببها اعتقاد الكثيرات من النساء المريضات بأمراض عادية ولا سيما إذا كانت عصبية أن الشياطين قد دخلت في أجسادهن. وأن صانعات الزار يخرجنهم منها بإرضائهم والتقرب إليهم بالقرابين وغيرها. وهذا نوع من عبادة الجن التي كانت في الجاهلية فأزالها الإسلام بإصلاحه، ولما جهل الإسلام في كثير من البلاد وقبائل البدو عادت إلى أهلها " ٣.
والذي يريده رشيد رضا من هذا، هو ما أراده في المسألة السابقة، وهو قطع الطرق على الدجالين كما سبق بيانه، فهو لا ينكر دخول الجن في جسد الإنسان، بدليل ما يرويه هو عن نفسه وما حدث له مع أصحاب الصرع، ولكنه يتشدد في إثبات هذه الوقائع لسد باب الشر، فهو كما يقول بلسانه بعدما روى بعض هذه الوقائع: "إنني لم أذكر مثل هذا إلا لأمرين
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٨/٣٦٩ - ٣٧٠) ٢ سبق تعريف الزار (ص:٥٤٠) ٣ تفسير المنار (٨/ ٣٦٩)، وانظر: الوحي المحمدي (ص/ ٢٢٢ـ ٢٢٣)
[ ٦٥٤ ]
أحدهما: أن لا يظن ظان أني أميل في تشددي في كشف غش الدجالين إلى آراء الماديين، وثانيهما: أن لا يجعل أحد ما نقل عن مثل شيخ الإسلام من إرساله رسولًا إلى المصروع يخرج منه الشيطان حجة على من ينكر دجل هؤلاء الضالين من عباد الشياطين أو الدعاة إلىعبادتهم " ١.
فيريد رشيد رضا إغلاق هذا الباب سدًا للذريعة، على أنه لا ينكر أن يقع ذلك معجزة لنبي أو كرامة لولي ولكن: "أين دجل هؤلاء الفساق المحتالين من معجزة أو كرامة يكرم الله بها نبيًا مرسلًا أو وليًا صالحًا فيشفي على يديه مصروعًا ألم به الشيطان " ٢.
والذي يدل على أن إخراج الجني من المصروع هو من باب "خوارق العادات، أو المعجزات والكرامات، صنيع المؤلفين من المحدثين وغيرهم، الذين يوردون هذه المسألة تحت باب معجزات نبينا ﷺ ٣
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٨/ ٣٧١) ٢ تفسير المنار (٨/ ٣٧٠) ٣ ومن ذلك ما صنع: الدارمي: السنن (١/ ١٩)، والبيهقي: دلائل النبوة (٢/ ٢١ و٢٥) ط. دار الكتب العلمية، بيروت، الأولى، ١٤٠٥هـ، ت: عبد المعطي قلعجي، والهيثمي: مجمع الزوائد (٩/ ٢)، وابن تيمية: الجواب الصحيح (٦/ ١٨٨)
[ ٦٥٥ ]
الفصل الثاني: الإيمان بالكتب
تمهيد
تمهيد:
إن الإيمان بالكتب التي أنزلها الله عزوجل على أنبيائه ورسله ركن من أركان الإيمان الستة، وقد دلت آيات كثيرة على أن الله ﷾ أنزل القرآن على نبينا محمد ﷺ كما دلت على إنزال الكتب السابقة على من سبقه من الأنبياء والمرسلين، كما أنها ذكرت بعض ما تضمنته هذه الكتب السابقة، كما ذكرت ما اعتراها من التغيير والتبديل.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ ١.
وقال: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿آلم، اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ ٣.
وقال ﵎: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا
_________________
(١) ١ سورة الزمر، الآية (٤١) ٢ سورة الزمر، الآية (٢٣) ٣ سورة آل عمران، الآية (١ - ٤)
[ ٦٥٩ ]
قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ. وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ١.
وكان يجب على أهل الكتاب أن يحكموا بما أنزل الله فيه، ولكنهم حرفوه ونبذوه وراء ظهورهم كما أنهم نسوا وأضاعوا جزءًا منه ٢.
والإيمان بهذه الكتب - أي بجنسها - قبل أن يصيبها ما أصابها واجب على المؤمن. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ ٣.
وقد قرر الشيخ محمد رشيد هذه المعاني جميعًا وأثبتها في كتاباته وتحدث عن القرآن الكريم والكتب السابقة عليه، وبين ما اعتورها من تحريف وتبديل.
فقرر الشيخ رشيد أولًا وجوب الإيمان بجنس هذه الكتب، فقال عند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ ٤ " جمهور المفسرين على أن الخطاب فيها للمؤمنين كافة، أمرهم الله أن يجمعوا بين الإيمان به وبرسوله الأعظم خاتم النبيين والقرآن الذي نزل عليه وبين الإيمان بجنس الكتب التي نزلها على رسله من قبل بعثة خاتم النبيين، بأن يعلموا أن الله قد بعث قبله رسلًا، وأنزل عليهم كتبًا، وأنه لم يترك عباده في الزمن الماضي سدى، محرومين من البينات والهدى، ولا يقتضي ذلك أن يعرفوا أعيان تلك الكتب ولا أن تكون موجودة، ولا أن يكون الموجود منها صحيحًا غير
_________________
(١) ١ سورة المائدة، الآية (٤٤ - ٤٥) ٢ انظر: سورة البقرة، الآية (١١٠)، وسورة المائدة، الآية (١٤) ٣ سورة النساء، الآية (١٣٦) ٤ سورة النساء، الآية السابقة.
[ ٦٦٠ ]
محرف، " ١. ثم قال: "فالإيمان بالله هو الركن الأول، والإيمان بجنس الملائكة الذين يحملون الوحي إلى الرسل هو الركن الثاني، والإيمان بجنس الكتب التي نزل بها الملائكة على الرسل هو الركن الثالث " ٢. ثم يتحدث رشيد رضا عن كل كتاب من هذه الكتب على حدة.
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٥/ ٤٥٩) ٢ المصدر نفسه والصفحة.
[ ٦٦١ ]
المبحث الأول: القرآن
ويولي الشيخ رشيد القرآن الكريم عناية خاصة فيشير إلى خصائصه ومكانته بين الكتب الإلهية وما امتاز به عليها وما اشتمل عليه من النور والهدى. فيقول الشيخ رشيد واصفًا هذا الكتاب: "القرآن العظيم، القرآن الكريم، القرآن الحكيم، القرآن المجيد، الكتاب العزيز، الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ١ هو كتاب لا كالكتب، هو آية لا كالآيات، هو معجزة لا كالمعجزات، هو نور لا كالأنوار، هو سر لا كالأسرار، هو كلام لا كالكلام " ٢.
ولم يتعرض القرآن لما تعرض له غيره من الكتب السابقة من التغيير والتبديل والتحريف، لأن الله تعالى تعهد بحفظ هذا الكتاب - ومن أوفى بعهده من الله - وفي هذا يقول الشيخ رشيد: " وما كفل تعالى حفظ كتاب من كتبه بنصه إلا هذا القرآن المجيد الذي قال فيه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٣ وظهر صدق كفالته بتسخير الألوف الكثيرة في كل عصر لحفظه عن ظهر قلب ولكتابة النسخ التي لا تحصى منه في كل عصر، من زمن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم إلى هذا العصر، وناهيك
_________________
(١) ١ سورة فصلت، الآية (٤٢) ٢ الوحي المحمدي: (ص: ١٣٦) ٣ سورة الحجر، الآية (٩)
[ ٦٦٢ ]
بما طبع من ألوف الألوف من نسخه في عهد وجود الطباعة بمنتهى الدقة والتصحيح. ولم يتفق ذلك لكتاب إلهي ولا غير إلهي " ١.
ومن خصائص القرآن الكريم أنه الآية الكبرى لنبينا ﵊، وإنها لآية مشتملة على آيات كثيرة، عقلية وكونية، لو لم يكن لنبينا ﷺ غيرها لكفى، وفي ذلك يقول الشيخ رشيد: " فالقرآن في جملته آية علمية، وفي تفصيله آيات كثيرة عقلية وكونية، وهي دائمة لا تزول كما زالت الآيات الكونية كعصا موسى مثلًا، عامة لا تختص ببعض من كان في عصر الرسول كما كانت آية موسى الكبرى خاصة بمن رآها في عصره، وهي أدل على الرسالة من الآيات الكونية فالآية العلمية القطعية لا يمكن المراء فيها، كما يمكن المراء في الآية الكونية، التي هي أمر غريب غير معتاد يشتبه بكثير من الأمور النادرة التي لها أسباب خفية كالسحر وغيره وقد جاء في الفصل الثالث عشر من سفر تثنية الاشتراع أن من أتى بآية أو أعجوبة من نبي أو حالم، وأمر بعبادة غير الله تعالى لا يسمع له بل يجب قتله لأنه تكلم بالزيغ ٢ فالآيات الكونية إذًا لا تدل على صدق كل من تظهر على يديه، بل تختلف دلالتها باختلاف أحوال من تظهر على أيديهم " ٣.
والقرآن - في الحق - آية كونية كذلك، لأنه من غير المعتاد "أن من عاش أربعين سنة لم يصدر عنه علم ولا عرفان ولا بلاغة لسان، لا يمكن أن يصدر عنه بعد الاكتهال ما لم يكن له أدنى نصيب منه في سن الشباب" ٤. وكما يقول الشيخ رشيد: "فظهور أعلى علوم الهداية على لسان أميّ كان - هو وقومه - أبعد الناس عن كل علم بعبارة أعجزت ببلاغتها قومه كما أعجزت غيرهم، على أنه لم يكن من قبل معدودًا من بلغائهم، أدل
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٨/ ١٤) ٢ انظر: سفر التثنية (١٣/ ١ ـ٣) دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط. ٣ تفسير المنار (٧/ ٣٨٨) ٤ الوحي المحمدي: (ص: ١٤١)
[ ٦٦٣ ]
على كون ذلك موحى به من الله عزوجل من عصا موسى على كون ما جاء به من التوراة موحى به منه تعالى وهي غير معجزة في نفسها، وقد نشأ من جاء بها في دار ملك أربى على سائر ممالك الأرض بالعلوم والشرائع" ١.
وأخيرًا فإن القرآن هو الحكم العدل وشاهد الصدق على ما سبقه من الكتب، ومهيمنًا عليه، ولا طريق لإثبات صدق وحقية ما سبق من الكتب إلا عن طريقه، فهو - أي القرآن - "الأصل في معرفة ما أنزل عليهم والمثبت له، ولا طريق لإثباته سواه لانقطاع سند تلك وفقد بعضها ووقوع الشك فيما بقي منها، فما أثبته كتابنا من نبوة كثير من الأنبياء نؤمن به إجمالًا فيما أجمل وتفصيلًا فيما فصل وما أثبته لهم من الكتب كذلك " ٢.
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٧/ ٣٨٨) ٢ المصدر نفسه (٣/ ٣٥٦)
[ ٦٦٤ ]
المبحث الثاني: التوراة:
وتحدث رشيد رضا عن التوراة حديثًا كثيرًا، ولكني أقتصر عل ما يناسب هذا الموضوع.
يفرق الشيخ رشيد بين التوراة التي ذكرها الله تعالى في القرآن وأنه ﵎ أنزلها على موسى - وبين التوارة الحالية المقدسة عند اليهود والنصارى، فالتوراة المذكورة في القرآن هي ما أنزله الله تعالى من الوحي على موسى ﵊ ليبلغه قومه لعلهم يهتدون به، وقد بين تعالى أن قومه لم يحفظوه كله، كما قال تعالى: ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ ١ كما أخبر عنهم في آيات أنهم حرفوا الكلم عن مواضعه، وذلك فيما حفظوه واعتقدوه ٢، فهذه التوراة القرآنية هي التي يجب أن نؤمن بها ٣.
أما التوراة المتداولة الآن بين أهل الكتاب فيعرفها الشيخ رشيد لغة واصطلاحًا فيقول: "التوراة كلمة عبرانية معناها المراد: الشريعة أو الناموس. وهي تطلق عند أهل الكتاب على خمسة أسفار، يقولون إن موسى كتبها،
_________________
(١) ١ سورة المائدة، الآية (١٤) ٢ سورة النساء، الآية (٤٦) ٣ تفسير المنار (٣/ ١٥٥)
[ ٦٦٥ ]
وهي: سفر التكوين؛ وفيه الكلام عن بدء الخليقة، وأخبار بعض الأنبياء، وسفر الخروج، وسفر اللاويين أو الأخبار، وسفر العدد، وسفر تثنية الاشتراع، ويقال: التثنية فقط " ١.
ويقرر الشيخ رشيد أن التوراة الحالية تشهد بما قرره القرآن من وقوع التحريف فيها، ويستدل على ذلك بأدلة منها:
أولًا: أنه لم يقم دليل على أن موسى هو الذي كتب هذه التوراة، بل قام الدليل عند الباحثين من الأوروبيين على أنها كتبت بعده بمئات السنين. قال الشيخ رشيد: "ولا تعرف اللغة التي كتبت بها التوراة أول مرة، ولا دليل على أن موسى ﵇ كان يعرف اللغة العبرانية وإنما كانت لغته مصرية، فأين التوراة التي كتبها بتلك اللغة ومن ترجمها عنه؟ " ٢.
والحق ما قاله الشيخ رشيد، فمن المعقول جدًا أن تكون التوراة التي نزلت على موسى المصري هي بلسان قومه كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ ٣ وإلا فكيف يخاطب موسى فرعون والمصريين بلغة عبرانية لا يفهمونها، والأقرب أن موسى كان هو وقومه من بني إسرائيل يتكلمون المصرية القديمة، من أن يتكلم المصريون، الذين كانوا يعدون بني إسرائيل عبيدًا لهم، لغة هؤلاء العبيد. إلا أنني لم أجد أحدًا أشار إلى هذه الملاحظة غير رشيد رضا، والجميع يقولون إن التوراة دونت باللغة العبرية لغة إسرائيل ٤.
ثانيًا: أن النسخة التي كتبها موسى فقدت، وكان عندهم قراطيس
_________________
(١) ١ المصدر نفسه والصفحة. ٢ تفسير المنار (٣/ ٢٦٦) ٣ سورة إبراهيم، الآية (٤)، وانظر: ابن كثير: التفسير (٢/ ٥٠٤) ٤ انظر: صابر طعيمة: التراث الإسرائيلي ط. دار الجيل، بيروت، ١٣٩٩هـ (ص: ٣٢٨) وما بعدها. ومحمد علي البار: المدخل لدراسة التوراة ط. دار القلمن دمشق، الأولى، ١٤١٠هـ (ص: ١٢٦)، ود. يحيى ربيع: الكتب المقدسة (ص: ١٠٢) ط. دار الوفاء، الأولى، ١٤١٥هـ.
[ ٦٦٦ ]
متفرقة - يبدونها ويخفون كثيرًا منها - فأرادوا أن يؤلفوا بين الموجود فجاء فيه ذلك الخلط، وقد وقعت هذه المحاولة بعد موسى بعدة مئات من السنين ١.
ثالثًا: أن الإلهام الذي ادعوا أن عزرا جمع تلك الكتب بناءً عليه ويحتجون بذلك على صدقها وسلامتها، لا سبيل إلى إقامة البرهان عليه. "وهو مما يحتاج فيه إلى جمع ما في أيدي الناس الذين لا ثقة بنقلهم، ولو جمع عزرا بالإلهام الصحيح لكتب شريعة موسى مجردة عن الأخبار التاريخية، ومنها ذكر كتابته لها ووضعها في جانب التابوت وذكر موته وعدم مجيء مثله ٢.
رابعًا: أن علماء أوروبا قد قرروا أن أسفار التوراة كتبت بأساليب مختلفة ولا يمكن أن تكون كتابة واحد ٣.
خامسًا: اشتمال التوراة الحالية على حوادث وقعت بعد موسى أي: أن موسى لا يمكنه كتابتها، ومنها خبر موته، وكونه لم يقم في بني إسرائيل نبي مثله "فهذان الخبران عن كتابة موسى للتوراة وعن موته معدودان عندهم من التوراة وما هما في الحقيقة من الشريعة المنزلة على موسى" ٤.
غير أن الشيخ رشيد يقرر أن التوراة الحالية لا بد أن تكون مشتملة على بعض الحقائق "لأن القرآن يقول في اليهود: إنهم أوتوا نصيبًا من الكتاب ٥، كما يقول: إنهم نسوا حظًا مما ذكروا به ٦ ولأنه يستحيل أن تنسى تلك الأمة بعد فقد كتاب شريعتها جميع أحكامها، فما كتبه عزرا
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٥/ ١٤٠ و٣/ ٢٦٦) ٢ تفسير المنار (٣/ ١٥٧ - ١٥٨)، وانظر: الكتاب المقدس: التثنية (٣٤/ ١٠ - ١٢) ٣ تفسير المنار: نفس الصفحة، وانظر: صابر طعيمة: التراث الإسرائيلي (ص: ٣١٠) وما بعدها. ٤ محمد رشيد رضا: تفسير المنار (٣/ ١٥٧) ٥ سورة النساء، الآية (٤٤) ٦ سورة المائدة، الآية (١٤)
[ ٦٦٧ ]
وغيره مشتمل على ما حفظ منها إلى عهده وعلى غيره من الأخبار، وهذا كاف في الاحتجاج على بني إسرائيل بإقامة التوراة وللشهادة بأن فيها حكم الله كما في سورة المائدة ١، وبهذا يجمع بين الآيات الواردة في التوراة وبين المعقول والمعروف في تاريخ القوم" ٢.
_________________
(١) ١ الآية (٤٤ و٤٥) ٢ تفسير المنار (٣/ ١٥٨)
[ ٦٦٨ ]
المبحث الثالث: الإنجيل:
قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ﴾ ١. وقد عرف الشيخ رشيد الإنجيل بحسب اللغة، ثم عرفه بحسب اصطلاح النصارى والمسلمين، فقال عن معنى الإنجيل في اللغة: "أما لفظ الإنجيل فهو يوناني الأصل، ومعناه: البشارة، قيل: والتعليم الجديد " ٢.
وكانت البشرى هي أهم ما احتواه الإنجيل، وأهم ما أخبر عنه المسيح ﵇ ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ ٣.
وأما الإنجيل في اصطلاح القرآن فهو - كما يقول الشيخ رشيد ـ: "ما أوحاه الله إلى رسوله عيسى بن مريم ﵊ من البشارة بالنبي الذي يتمم الشريعة والحكم والأحكام وهو ما يدل عليه اللفظ " ٤.
والإنجيل "يطلق عند النصارى على أربعة كتب تعرف بالأناجيل الأربعة وعلى ما يسمونه العهد الجديد وهو هذه الكتب الأربعة مع كتاب أعمال
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، الآية (٣، ٤) ٢ تفسير المنار (٣/ ١٥٨) ٣ سورة الصف، الآية (٦) ٤ تفسير المنار (٣/ ١٥٩)
[ ٦٦٩ ]
الرسل (أي الحواريين) ورسائل بولس وبطرس ويوحنا ويعقوب ورؤيا يوحنا " ١.
ومن الفرق بين الاصطلاحين - الإسلامي والمسيحي - يتبين أن النصارى لا يقولون إن هذه الأناجيل نزلت من السماء - كما هو المفهوم من تعبير القرآن، بل إنهم يقولون: إنها كتبت بأيدي تلامذته لتحوي سيرته التي شاهدوها، فهي - وكما يقول الشيخ رشيد: " عبارة عن كتب وجيزة في سيرة المسيح ﵇ وشيء من تاريخه وتعليمه، ولهذا سميت أناجيل وليس لهذه الكتب سند متصل عند أهلها، وهم مختلفون في تاريخ كتابتها على أقوال كثيرة " ٢.
وفيما يتعلق أيضًا بتاريخ كتابة هذه الكتب يقول الشيخ رشيد: "وأما كتب النصارى فلم تعرف ولم تشتهر إلا في القرن الرابع للمسيح، لأن أتباعالمسيح كانوا مضطهدين بين اليهود والرومان، فلما آمنوا باعتناق الملك قسطنطين النصرانية سياسة ظهرت كتبهم ومنها تواريخ المسيح المشتملة على بعض كلامه الذي هو إنجيله، وكانت كثيرة فتحكم فيها الرؤساء حتى اتفقوا على هذه الأربعة " ٣.
فالمسلمون يقولون إن الإنجيل هو موحى به من الله تعالى، بينما يقول النصارى إنها كتب ألفت لتحتوي سيرة المسيح، كتبها تلامذته. والحق أن نصوص الإنجيل - الحالي - تشهد لقول المسلمين. إن المسيح نفسه قال - بحسب الإنجيل المتداول - إن الإنجيل أوحي إليه من عند الله كما يعتقد المسلمون وخاطبه به جبريل الأمين، فقال: "الكلام الذي أعطيتني قد أعطيتهم" ٤. ويقول بولس: "كل الكلام هو موحى به من عند الله" ٥.
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (٣/ ١٥٨)، وانظر: صابر طعيمة: الأسفار المقدسة (ص: ٢٥٣) ط. عالم الكتب، الأولى، ١٤٠٦هـ. ٢ تفسير المنار (٣/ ١٥٨) ٣ المصدر نفسه (٣/ ١٥٩) ٤ يوحنا (١٧: ٧) ٥ رسالة بولس الثانية إلى ثيموثاوس (٣: ١٦)
[ ٦٧٠ ]
وتشير الأناجيل المتداولة الآن إلى إنجيل آخر مفقود، هو إنجيل المسيح، وهو بالضرورة مختلف عن الأناجيل الموجودة حاليًا والمنسوبة إلى كاتبيها ١.
وهذا هو ما أراد الشيخ رشيد أن يقرره بقوله: "الإنجيل في الحقيقة واحد، وهو ما جاء به المسيح ﵇ من الهدى والبشارة بخاتم النبيين ﷺ وهو ما كان يدور ذكره على ألسنة كتاب تلك التواريخ الأربعة وغيرهم حكاية عن المسيح وعن ألسنتهم أنفسهم. قال متى حكاية عنه "الحق أقول لكم حيثما يكرز بهذا الإنجيل في كل العالم يخبر أيضًا بما فعلته هذه تذكارًا لها" ٢، أي ما فعلته المرأة التي سكبت قارورة الطيب على رأسه. أوجب عليهم أن يخبروا كل من يبلغونهم الإنجيل في عالم اليهودية كلها بما فعلته تلك المرأة، فخبر تلك المرأة ليس من الإنجيل الذي جاء في كلام المسيح وقد ذكر في تلك التواريخ امتثالًا لأمره. وسميت تلك التواريخ أناجيل لأنها تتكلم عن إنجيل المسيح وتجيء بشيء منه. ولذلك بدأ مرقس تاريخه بقوله "بدء إنجيل يسوع المسيح" ٣ ثم قال حكاية عن المسيح "فتوبوا وآمنوا بالإنجيل" ٤ فالإنجيل الذي أمر الناس أن يؤمنوا به ليس هو أحد هذه التواريخ الأربعة ولا مجموعها. وهو الذي سماه بولس في رسالته الأولى إلى أهل تسالونيكي ٥ "الإنجيل" المطلق (٢: ٤) وإنجيل الله (٢: ٨ و٩) وإنجيل المسيح (٣: ٢) " ٦.
وتحدث الشيخ رشيد باستفاضة عن تاريخ هذه الأناجيل وعن أدلة
_________________
(١) ١ انظر مثلًا: مرقس (١/ ١٤) ومتى (٢٦/ ١٣) ٢ انظر: متى (٢٦/ ١٣) ٣ انظر: مرقس (١/ ١) ٤ مرقس (١/ ١٤)، وانظر للتوسع: صابر طعيمة: الأسفار المقدسة (ص: ٢٣٧ و٢٥٤) ٥ تسالونيكي: كانت تسالونيكي قصبة مكدونية في أيام لرومان، واسمها الحالي: سالونيك في اليونان حاليًا. انظر: وليم ادّى: الكنز الجليل في تفسير الإنجيل (٧/ ٣٠٨) ٦ تفسير المنار (٦/ ٢٩٠)، وانظر هذه النصوص المشار إليها في العهد الجديد: رسالة بولس الأولى إلى أهل تسالونيكي: المواضع التي أشار إليها الشيخ رشيد.
[ ٦٧١ ]
وظروف تحريفها وضياعها، وعن أسباب عدم الثقة فيها. والحق أن للشيخ رشيد بحوثًا وتحقيقات هامة وطويلة في مقارنة الأديان وتاريخها تستحق أن تدرس على حدة، وأسأل الله تعالى أن ينسأ في أجلي وأن يوفقني لبيان جهود رشيد رضا في "مقارنة الأديان وتاريخها" والله تعالى ولي التوفيق.
[ ٦٧٢ ]
الفصل الثالث: الإيمان بالرسل
تمهيد
تمهيد:
إرسال الرسل لوازم ربوبية الله تعالى لخلقه، لأنه لا يحسن أن يترك عباده سدى هملًا لا يعرفهم ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم ١.والإيمان بالنبوة والرسالة ينبني على الإيمان بالربوبية والإلهية، فلا يخاطب بها إلا من يؤمن بالله تعالى وصفاته من العلم والحكمة والمشيئة ٢. وبالتالي فقد أصاب النبوة مثل ما أصاب الربوبية في هذا العصر الحديث، فالنبوة في العصر الحديث لا تزيد على مرتبة العبقرية، عند الكتّاب والأدباء، كما أنهما عند الشيخ محمد عبده غير النبوة المعروفة في الإسلام، إذ أنه يعرف النبي بأنه: "إنسان فطر على الحق علمًا وعملًا، بحيث لا يعلم إلا حقًا ولا يعمل إلا حقًا على مقتضى الحكمة " ٣. فهذه هي النبوة عند الكتاب والفلاسفة في العصر الحديث.
ولقد كان آخر مؤلفات الشيخ رشيد، وأحبها إليه، كتاب يبحث في هذا الموضوع دون غيره، وهو كتاب "الوحي المحمدي". فلدينا إذًا مادة غزيرة في مبحث النبوات عند الشيخ رشيد، أعرض لأهمها في ما يلي.
_________________
(١) ١ انظر: ابن القيم: مدارج السالكين (١/ ٨)، وانظر أيضًا: السفاريني: لوامع الأنوار (٢/ ٢٥٩) ٢ محمد رشيد رضا: تفسير المنار (١/ ٢١٦) ٣ انظر: مصطفى صبري: موقف العقل (١/ ٢٩ ـ٣٠)
[ ٦٧٥ ]
المبحث الأول: تعريف النبي والرسول:
الرسول في لغة العرب مشتق من الإرسال، ومعناه: البعث والتوجيه، فإذا بعثت أحدًا في مهمة؛ فهو رسولك فيها، كما قال تعالى عن ملكة سبأ ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ ١. ويجمع الرسول على أرسل ورسل، ورسلاء، وسمي الرسل بذلك لأنهم مبعوثون وموجهون من قبل الله عزوجل لتبليغ الخلق أمر الله تعالى ووحيه ٢.
وأما النبي في اللغة فهو من النَّبْوَة أي: الرفعة، وسمي نبيًا لرفعة محله عن سائر الناس. والنبوة والنباوة: الارتفاع، ومنه قيل: نبا بفلان مكانه، كقوله: قضّ عليه مضجعه ٣. وقد تكون من النبأ - بالهمز - وهو الخبر ذو الفائدة العظيمة الذي يحصل به العلم أو الظن، وسمي النبي لكونه منبئًا بما تسكن إليه العقول الزكية ٤.
ولقد عرّف رشيد رضا النبي في اللغة والاصطلاح، فقال عن "النبي" لغة: "والنبي في اللغة فعيل من مادة النبأ، بمعنى الخبر المهم العظيم الشأن
_________________
(١) ١ سورة النمل، الآية (٣٥) ٢ انظر: ابن منظور: لسان العرب (١/ ٢٨٣ - ٢٨٤) مادة رسل، والراغب: المفردات (ص: ٣٥٢ - ٣٥٣) رسل، والجوهري: الصحاح (٤/ ١٧٠٩) ٣ الراغب: المفردات (ص: ٧٩٠) ٤ المصدر نفسه (ص: ٧٨٩) .
[ ٦٧٦ ]
أو بمعنى الارتفاع وعلو الشأن، والأول أظهر، وأكثر العرب لا تهمزه، بل نقل أنه لم يهمزه إلا أهل مكة " ١.
وقال في موضع آخر: "النبيءُ في اللغة العربية: وصف من النبأ، وهو الخبر المفيد لما له شأن مهم، ويصح فيه معنى الفاعل والمفعول، لأنه منبئٌ عن الله ومنبأٌ منه، والنبيّ بالتشديد أكثر استعمالًا " ٢.
فيظهر من هذا موافقة رشيد رضا في المعنى اللغوي لما عليه أهل اللغة ٣.
وأما معنى النبي في الاصطلاح، فقد تعددت أقوال العلماء فيه، والذي اختاره شيخ الإسلام: أن " النبي هو الذي ينبئه الله، وهو ينبئ عما أنبأ الله به. فإن أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله إليه فهو رسول، وأما إذا كان إنما يعمل بالشريعة قبله ولم يرسل إلى أحد يبلغه عن الله رسالة، فهو نبي وليس برسول. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ ٤، فذكر إرسالًا يعم النوعين، وقد خص أحدهما بأنه رسول، فإن هذا هو الرسول المطلق الذي أمره الله بتبليغ رسالته إلى من خالف الله كنوح " ٥.
وأما رشيد رضا فقد وقفت له على تعريفين لمعنى النبي في الاصطلاح الشرعي.
الأول: هو التعريف المشهور، وهو: "من أوحى الله إليه وحيًا فإن أمره بتبليغه كان رسولًا، فكل رسول نبي وما كل نبي رسولًا" ٦. وقد اعْتُرِضَ على هذا التعريف بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٩/ ٢٢٥) ٢ الوحي المحمدي (ص: ٤٧) ٣ قارن مع الراغب: المفردات (ص: ٧٨٩ـ ٧٩٠) ٤ سورة الحج، الآية (٥٢) ٥ النبوات (ص: ٢٥٥) ط. دار القلم، بيروت. ٦ الوحي المحمدي (ص: ٤٧)
[ ٦٧٧ ]
نَبِيٍّ﴾ الآية ١. لأنها تدل على أن كلًا منهما مرسل، وأنهما مع ذلك بينهما تغاير ٢. لكن للشيخ رشيد تعريف آخر، يقترب فيه من تعريف ابن تيمية الذي سبق ذكره، فقد قال معرفًا له: "وأما في الاصطلاح فالنبي من أوحى الله إليه وأنبأه بما لم يكن يعلمه بكسبه من خبر أو حكم، يعلم به علمًا ضروريًا أنه من الله عزوجل، والرسول نبي أمره الله بتبليغ شرع ودعوة دين وبإقامته، بالعمل، ولا يشترط في الوحي إليه أن يكون كتابًا يقرأ وينشر ولا شرعًا جديدًا يعمل به ويحكم بين الناس. بل قد يكون تابعًا لشرع غيره كله، كالرسل من بني إسرائيل كانوا متبعين لشريعة التوراة ، وقد يكون ناسخًا لبعضه كما نسخ عيسى ﵇ بعض أحكام التوراة ، وجملة القول أن الرسول أخص في عرف شرعنا من النبي، فكل رسول نبي ولا عكس " ٣.
وكون الرسول أخص من النبي هو المتفق عليه، وإنما الخلاف في وجه هذه الخصوصية. وتعريف ابن تيمية السابق هو الأقرب، وقد اقترب منه رشيد رضا ٤.
ولقد ذكر رشيد رضا تعريف النبي لغة واصطلاحًا عند أهل الكتاب فقال: "إن معنى أصل مادته في العبرانية القديمة: المتكلم بصوت جهوري مطلقًا، أو في الأمور التشريعية " ٥.
وأما اصطلاحًا فهو "يطلق عند أهل الكتاب على الملهم الذي يخبر بشيء من أمور الغيب المستقبلة" ٦.
ويشير رشيد رضا إلى مسألة "ختم النبوة" مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿مَا
_________________
(١) ١ سورة الحج، الآية (٥٢) ٢ محمد الأمين الشنقيطي: أضواء البيان (٥/ ٧٣٥) ٣ تفسير المنار (٩/ ٢٢٥) ٤ وانظر: ابن أبي العز: شرح الطحاوية (ص: ١٥٨) ٥ الوحي المحمدي (ص: ٤٧) ٦ المصدر نفسه والصفحة.
[ ٦٧٨ ]
كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ١ فيقول: إنه "يدل على انقطاع النبوة والرسالة معًا بعد محمد ﷺ " ٢، وذلك بناءً على كون النبوة أعم من الرسالة.
ويقرر رشيد رضا أن النبوة فضل من الله تعالى، ليس لأحد فيها شيء، ولا هي من نوع العبقريات، فيقول: "الرسالة فضل من الله تعالى يختص به من يشاء من خلقه، ولا ينالها أحد بكسبه، ولا يتوسل إليها بسبب ولا نسب، على أنه لا يختص بهذه الرحمة العظيمة والمنقبة الكريمة إلا من كان أهلًا لها بما أهله هو من سلامة الفطرة وعلو الهمة، وزكاء النفس وطهارة القلب وحب الخير والحق " ٣.
ويبين رشيد رضا أن النبوة والرسالة من مقتضى صفات الله تعالى وربوبيته، فيقول: "إن إرسال الرسل وإنزال الكتب شأن من شؤونه سبحانه ومتعلق صفاته في النوع البشري، فإنها من مقتضى الحكمة، وأجل آثار الرحمة " ٤.
ويقول: "إن الإيمان بالنبوة والرسالة ينبني على الإيمان بالربوبية والإلهية" ٥.
موقف الناس من الرسل:
ولقد أرسل الله الرسل لهداية الناس إلى سعادة الدارين، ولكن تباينت مواقف الناس من رسل الله تعالى بين مؤمن ومنكر، فيبين الشيخ رشيد هذا وشبهة كل فريق من المنكرين، ثم يبين حكم الإيمان بهم، فيقول أولًا إن العرب كانت تنكر الوحي والرسالة، إلا قليلًا منهم، وكانت شبهتهم في
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب، الآية (٤٠) ٢ الوحي المحمدي (ص: ٤٧ - ٤٨) ٣ تفسير المنار (٨/ ٣٩) وقارن مع ابن حجر: فتح الباري (١/١٦ - ١٧) ٤ المصدر نفسه (٧/ ٦١٢) ٥ المصدر نفسه (١/ ٢١٦)
[ ٦٧٩ ]
ذلك: "استبعاد اختصاص الله تعالى بعض البشر بهذا التفضيل على سائرهم وهم متساوون في الصفات البشرية بزعمهم " ١.
وقريبًا من موقف العرب، يقف اليهود "الذين أنكروا أن يختص الله تعالى بهذه الرحمة والمنة من يشاء من عباده، وأوجبوا عليه أن يحصر النبوة في شعب إسرائيل وحده على أنهم وصفوا الأنبياء بالكذب والخداع والاحتيال ووافقهم النصارى على حصر النبوة فيهم وأثبتوا قداسة غير الأنبياء من رسل المسيح وغيرهم من البابوات والعباد " ٢.
ومن بين هذه المواقف يأتي موقف المسلمين الوسط بين الأمم، فالمسلمون - وكما يقول الشيخ رشيد - "يؤمنون بأن رب العالمين أرسل في كل الأمم رسلًا هادين مهديين، فهم يؤمنون بهم إجمالًا، وبما قصه القرآن عن بعضهم تفصيلًا فالمسلم صديق ومحب وحبيب لجميع الأنبياء والمرسلين في الدنيا والآخرة، وتجاه هذا يصح أن يقال: إن غير المسلم عدو لله ولهم كلهم، لأن تكذيب بعضهم تكذيب لرسالتهم ولمرسلهم سبحانه " ٣.
والحق ما قال الشيخ رشيد، فإن المسلم هو صاحب أصح موقف بين الأمم باتخاذه الموقف الوسط بينها في الإيمان بجميع رسل الله تعالى، وعدم تفريقه بينهم بالإيمان ببعضهم والكفر ببعضهم، وفي هذا يقول الشيخ رشيد: "ومما بينه القرآن في مسألة الأنبياء والرسل أنه يجب الإيمان بجميع رسل الله تعالى وعدم التفرقة بينهم في الإيمان، وأن الإيمان ببعضهم والكفر ببعض كالكفر بهم كلهم لأن إضافتهم إلى الله تعالى واحدة قال تعالى في خواتيم سورة البقرة: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ ٤، وبين في
_________________
(١) ١ الوحي المحمدي (ص: ١٩٨) ٢ المصدر نفسه والصفحة. ٣ المصدر نفسه (ص: ٢٠٣) ٤ سورة البقرة، الآية (٢٨٥)
[ ٦٨٠ ]
سورة النساء أن التفرقة بينهم في الإيمان هي الكفر حق الكفر، وأن الإيمان بالجميع بغير تفرقة هو الإيمان حق الإيمان ١ وقد انفرد بهذه الحقيقة العادية المسلمون دون أهل الملل الوثنية من المجوس والهندوس، ودون أهل الكتاب الذين لا يؤمنون إلا بأنبياء بني إسرائيل " ٢.
وموقف المسلمين هذا يستند إذًا إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ فهما سداه ولحمته، ولذلك جاء موقفها هذا موقفًا معتدلًا وسطًا، لا غلو فيه ولا إفراط ٣
_________________
(١) ١ انظر: سورة النساء، الآية (١٥٠ - ١٥١) ٢ الوحي المحمدي (ص: ٢٠٢ - ٢٠٣) ٣ انظر: د. محمد باكريم با عبد الله: وسطية أهل السنة (ص: ٢٧٧)
[ ٦٨١ ]
المبحث الثاني: الحاجة إلى الوحي والنبوة:
لا شك أن النبوة ضرورة من ضرورات حياة البشر، لا غنى عنها بحال من الأحوال، فحاجة البشرية إلى النبوة، كحاجة الحياة إلى الروح، وأنهم - أي الرسل - من الأمم بمنزلة العقول من الأشخاص. قال ابن القيم ﵀ مبينًا حاجة العباد إلى الأنبياء والرسل: " ومن ههنا تعلم اضطرار العباد فوق كل ضرورة إلى معرفة الرسول وما جاء به، وتصديقه فيما أخبر به، وطاعته فيما أمر، فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا على أيدي الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الطيب من الخبيث على التفصيل إلا من جهتهم، ولا ينال رضى الله البتة إلا على أيديهم فأي ضرورة وحاجة فرضت، فضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير " ١.
وقد ذهب قوم إلى أن البشر يستغنون عن الدين في انتظام شملهم وقوام مدنيتهم وأن الإنسان يمكن أن يصل بعقله إلى ما فيه سعادته من غير وحي إلهي ولا إرشاد سماوي اكتفاء بالعقل والمشاعر والوجدان والإلهام التي وهبها له مدبر الكون ٢. ويقولون أيضًا: ها هو ذا الدين الذي يقال أنه جامع الكلمة ورسول المحبة كان سببًا في الشقاق والخلاف ٣.
_________________
(١) ١ زاد المعاد (١/ ٦٩) . ٢ انظر: مجلة المنار (١/ ٢٤٣) ٣ انظر: المصدر نفسه (١/ ٢٨٩)
[ ٦٨٢ ]
وقد بين الشيخ رشيد حاجة البشر إلى الرسالة وأجاب عن شبهات المنكرين لهذه الحاجة. قال: "وجه حاجة البشر إلى هداية الأنبياء ﵈ في الجملة: أن موضوع رسالتهم المقصود بالذات، أو القصد الأول ثلاثة أمور، لا تستقل معارفهم المكتسبة بحواسهم وعقولهم بها، ولا يذعنون فيها إلا لأمر ربهم وخالقهم:
أحدها: الإيمان بالغيب ورأسه توحيد الله وصفاته وآياته الدالة على كماله وتنزهه عن النقص، وما يجب من عبادته وشكره وذكره الذي هو أعلى ما تتزكى به الأنفس، وتتطهر من أدران مساويها، وتصل إلى الكمال المستعدة له بفطرتها، ويليه الإيمان بملائكته وما يناط بهم من الوحي والنظام في الخلق والأمر ويجب الوقوف في ذلك عند ما ورد به النص
ثانيها: ما يجب اعتقاده من البعث بعد الموت والحساب والجزاء على الإيمان والأعمال، وهو أكبر البواعث - بعد الإيمان بالله ومعرفته - على اتباع ما شرعه من اتباع الحق، وإقامة العدل، وأعمال البر والخير والصدود عن أضدادها.
ثالثها: وضع حدود وأصول للأعمال التشريعية المشار إليها لا مجال للآراء والأهواء فيها، لتكون جامعة للكلمة، مانعة من التفرقة، متبعة في السر والعلانية " ١. ويبين رشيد رضا - مُفصِلًا ومؤكدًا لهذا المعنى - إن حاجة البشر إلى الوحي تظهر في جهتين: الدنيا والآخرة؛ فأما في الدنيا فمن حيث أن الإنسان يعيش في جماعة - وقد أودع في كل فرد من أفرادها ما يقتضي التباين والتنازع، ولا يتم لنوع الإنسان ارتقاؤه ولا بقاؤه مع هذه الغرائز المتعارضة، فمن ثم كان محتاجًا إلى إرشاد يوفق بين آثار هذه الغرائز وعوارضها، بما يذهب بتعارضها، ويعرف كل فرد من الأفراد حده، ويجعل له من نفسه وازعًا يوقفه عنده، ولم تكمل له هذه الحاجة إلا بالدين ٢. وأما سعادة الآخرة فلا طريق إليها إلا الرسل ﵈ فهم أولًا: يخبرون
_________________
(١) ١ الوحي المحمدي (ص: ٤٨ - ٥٠) باختصار. ٢ انظر: مجلة المنار (٤/ ١٠ و١٤٠)
[ ٦٨٣ ]
بها ويؤكدون ما فطر عليه الإنسان من الإحساس بوقوعها، ثم يبينون السبيل للفوز بنعيمها وسعادتها ١.
وأما كون الدين لم يرفع الشقاق، بل ربما كان سببًا فيه، وهي من الشبه التي يلقيها منكرو الوحي والرسالة، فيجيب عنها الشيخ بقوله: " نعم كل ذاك قد كان ولكن بعد زمن الأنبياء، وانقضاء عهدهم ووقوع الدين في أيدي من لا يفهمه أو يفهمه ويغلو فيه ولكن لم يمتزج حبه بقلبه، أو امتزج بقلبه حب الدين ولكن ضاقت سعة عقولهم عن تصريفه تصريف الأنبياء وإلا فقل لنا: أي نبي لم يأت أمته بالخير الجم، والفيض الأعم، ولم يكن دينه وافيًا بجميع ما تمس إليه حاجتها في أفرادها وجملتها وكذلك الرسل ﵈ أعلام هداية نصبها الله على طريق النجاة، فمن الناس من اهتدى بها فانتهى إلى غايات السعادة، ومنهم من غلط في فهمها وانحرف عن هديها فانكب في مهاوي الشقاء، فالدين هاد والنقص يعرض لمن دُعوا إلى الاهتداء به " ٢.
إن الرسل دعوا إلى كل خير، وتفاوتت الأمم في إجابة دعواتهم، دعت الرسل للتوحيد فأجابهم بعض وأعرض بعض وضل بعدهم آخرون، ودعوا إلى التآلف فعاش فيه الناس حقبة من الدهر ثم نكصوا على أعقابهم، ولو كان الناس على عهد الأنبياء لما وردت مثل هذه الشبهة على الحاجة إلى الوحي والرسالة.
ولم يقف الشيخ رشيد عند إثبات الحاجة إلى الوحي والرسالة، إذ قد يقال: "إن الحاجة إلى الشيء لا تستلزم وقوعه، وكذا إمكانه وعدم استحالته عقلًا لا يقتضي حصوله" ٣، فذهب الشيخ رشيد ليثبت أيضًا وقوع الوحي والرسالة، بالأدلة والبراهين، بما لا يدع مجالًا للشك في وقوعها ٤.
_________________
(١) ١ انظر: المصدر نفسه (٤/ ١٤٢ - ١٤٧) باختصار. ٢ مجلة المنار (١/ ٢٨٩) ٣ انظر: الوحي المحمدي (ص: ٨٨) ٤ الوحي المحمدي (ص: ٩٠) وما بعدها، واتكأ في ذلك على كلام لشيخه محمد عبده. انظر: رسالة التوحيد (ص: ١٠٧ - ١٠٨) ط. دار إحياء العلوم.
[ ٦٨٤ ]
العقل والوحي:
ومن الشبهات التي يطلقها الملحدون بين حين وآخر ويلبسون بها على الأغرار والدهماء دعوى كفاية العقول البشرية عن الرسل - لا سيما بعد رقيها في سلم الحكمة والمعرفة في الاستقلال بوضع ما يكفل سعادة الإنسان، لا سيما وقد قررنا أن معرفة الله تعالى أمر فطري ١، وإن بعض الحكماء المفكرين قد ارتقوا في المعارف العقلية إلى حيث أقاموا البراهين على وجود الله تعالى وحكمته وعلمه، ووجوب تعظيمه وشكره، بل قد قرر بعضهم وجوب بقاء النفس بعد الموت، وقد أثبت التاريخ أن من هؤلاء من وضع أصولًا للفضائل والشرائع، والآداب التي تكفل سعادة الإنسان.
هكذا يعرض الشيخ رشيد هذه الدعوى ثم يجيب عليها بقوله: " نعم لكل ذلك أصل يثبته التاريخ الماضي، ويشهده العصر الحاضر، ولكن بين هداية الأنبياء وحكمة الحكماء وعلومهم فروقًا في مصدر كل منها، وفي الثقة بصحته، وفي الإذعان لحقيقته، وفي تأثيره في أنفس جميع طبقات المخاطبين. فحكمة الحكماء وعلومهم آراء بشرية ناقصة؛ وظنون لا تبلغ من عالم الغيب إلا أنه موجود مجهول، وهي عرضة للتخطئة والخلاف، ولا يفهمها إلا فئة مخصوصة من الناس، وما كل من يفهمها يقبلها، ولا كل من يقبلها ويعتقد صحتها يرجحها على هواه وشهواته، إذ لا سلطان لها على وجدان العالم بها، فلا يكون لها تأثير الإيمان وإسلام الإذعان والتعبد، لأن النوع البشري يأبى طبعه وغريزته أن يدين ويخضع خضوع التعبد لمن هو مثله في بشريته، وإن فاقه في علمه وحكمته، وإنما يدين لمن يعتقد أن له سلطانًا غيبيًا عليه، بما يملكه من القدرة على النفع والضر بذاته دون الأسباب الطبيعية المبذولة لجميع الناس بحسب سنن الكون ونظامه.." ٢. ولقد وجد - على طول التاريخ وعرضه - حكماء وفلاسفة و"عقلاء" دعوا الناس إلى الفضيلة والحكمة، ولكنهم ذهبوا أثرًا بعد عين،
_________________
(١) ١ انظر: (ص:٢٦٦) من هذا البحث. ٢ الوحي المحمدي (ص: ٥٤)
[ ٦٨٥ ]
ولم يستجب لهم من الناس إلا أفذاذ أو أفراد، ثم ذهبت معهم دعوتهم، فاتخذت لنفسها مكانًا معهم في أجداثهم، فهل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزًا؟.
وأين علوم الأنبياء من علوم الحكماء؟ لقد أتى الأنبياء بعلوم وحقائق مات بحسرتها الفلاسفة، وما بلغوا شيئًا منها، وما أتوا إلا بجهالات وسفسطات. يقول الشيخ رشيد: " فمن أعظم مزايا الوحي الدينية على العلمية الكسبية أن جميع طبقات المؤمنين بها يذعنون لها بالوازع النفسي التعبدي، فبذلك تكون عامة ثابتة لا مجال للخلاف والتفرق فيها، ما دام الفهم لها صحيحًا، والإيمان بها راسخًا، ولذلك نرى الشعوب التي ساء فهمها للدين وتزلزل إيمانها به أو زال، لا ينفعها من دونه علوم العلماء ولا حكمة الحكماء، وقد ارتقت العلوم والحكمة في هذا العصر، وعم انتشارها بما لم يعرف مثله في عصر آخر، وهم لا يذعنون في أنفسهم لإرادة ملك أو أمير، ولا لرأي عالم نحرير، ولا فيلسوف شهير، ولا مشرع خبير، بل صاروا إلى فوضى في الأخلاق والآداب والاجتماع، واستباحة الأموال والأعراض، وكذا الدماء لم يعهد لها في البشر نظير، صارت بها الأمم والدول عرضة لفتنة في الأرض وفساد كبير " ١.
وبهذا يبطل رشيد رضا كل الشبه التي قد توجه إلى عدم حاجة البشر إلى الوحي، ويثبت أن هذه الحاجة كانت شديدة، وأننا اليوم بحاجة إلى هداية الأنبياء - ولا نبي بعد محمد ﷺ فلا بد إذن من الرجوع إلى هديه والاهتداء برسالته، وهو ما ألف رشيد رضا كتابه "الوحي المحمدي" من أجله.
_________________
(١) ١ الوحي المحمدي (٥٥ـ ٥٦)
[ ٦٨٦ ]
المبحث الثالث: معنى الوحي وأنواعه، وشبهة الوحي النفسي
المطلب الأول: تعريف الوحي
وبعد تعريف النبوة والرسالة وبيان حاجة الناس إليها ووقوعها فعلًا وإزاحة الشبه عنها، يحسن أن نعرف معنى الوحي وأقسامه، ونعرج بعد ذلك إلى تمحيص شبهة الوحي النفسي التي لجأ لها بعض الماديين بعدما تبين لهم - بلا ريب - صدق الأنبياء وتواترهم بما يحيل كذبهم - وقد ركزوا في ذلك على نبينا ﷺ، وكل ذلك تناوله الشيخ رشيد - رحمه الله تعالى ـ.
المطلب الأول: تعريف الوحي:
عرف رشيد رضا الوحي في اللغة فقال: " إنه الإعلام الخفي السريع الخاص بمن يوجه إليه بحيث يخفى على غيره، ومنه: الإلهام الغريزي كالوحي إلى النحل، وإلهام الخواطر بما يلقيه الله في روع الإنسان السليم الفطرة، كالوحي إلى أم موسى، ومنه ضده وهو وسوسة الشيطان، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ ١، وقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ ٢ " ٣.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام، الآية (١٢١) ٢ سورة الأنعام، الآية (١١٢) ٣ الوحي المحمدي (ص: ٤٤)، وانظر أيضًا: مجلة المنار (٤/ ٢٥٢ و٦/ ٨٦٤)
[ ٦٨٧ ]
وأما الوحي شرعًا فقد عرفه الشيخ رشيد أيضًا، فقال: " هو ما أنزله الله على أنبيائه وعرفهم به من أنباء الغيب والشرائع والحكم، ومنهم من أعطاه كتابًا، أي تشريعًا يكتب ومنهم من لم يعطه " ١.
أنواع الوحي:
ويبين الشيخ رشيد أنواع الوحي معتمدًا على قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ ٢، قال: "فالآية الشريفة ناطقة بأن طرق كلام الله لأنبيائه ثلاثة: أحدها الوحي بلا واسطة وهذا التلقي قد يكون بالإلهام وعبرت عنه الآية بالوحي المطلق. وهذا الحرف مستعمل في القرآن بمعنى الإلهام كما قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ ٣ وقال جل ذكره: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ ٤ الآية وليس كل موحى إليه بالإلهام الصحيح نبيًا أو مرسلًا، بل النبي هو الموحى إليه بالدين الذي يرشد به الناس والرؤيا الصادقة من هذا القسم وكانت أول وحي نبينا ﵊، وأدخل بعضهم الإلقاء في القلب في معنى وحي الإلهام ولكن ورد في الحديث ذكر الإلقاء والنفث في الروع مضافًا إلى روح القدس، فيدل على أنه من القسم الثالث وهو الوحي بواسطة الرسول " ٥. فهذا النوع الأول هو المراد بقوله تعالى: ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾ .
أما النوع الثاني من الوحي فقد قال في تعريفه: " والكلام من وراء حجاب: هو أن يسمع كلام الله من حيث لا يراه، كما سمع موسى ﵇ النداء من وراء الشجرة " ٦. وأما النوع الثالث فهو الوحي بواسطة
_________________
(١) ١ الوحي المحمدي) ص: ٤٤) ٢ سورة الشورى، الآية (٥١) ٣ سورة النحل، الآية (٦٨) ٤ سورة القصص، الآية (٧) ٥ مجلة المنار (٤/ ٢٥٢) ٦ الوحي المحمدي (ص: ٤٥)
[ ٦٨٨ ]
الملك المسمى بالروح القدس، وكما يقول الشيخ رشيد: "فهو ما يلقيه ملك الوحي المرسل من الله إلى رسول الله، فيراه متمثلًا بصورة رجل، أو غير متمثل ويسمعه منه أو يعيه بقلبه" ١.
_________________
(١) ١ الوحي المحمدي (ص: ٤٥)
[ ٦٨٩ ]
المطلب الثاني: الوحي النفسي:
يتبين لنا من أنواع الوحي السابقة أنها كلها تأتي من خارج نفس الإنسان، في كل نوع منها، أي أنه لم يسر إليها بل هي التي سارت إليه، وأنه لم يصعد إليها بل هي نزلت عليه، وأن الناس لم يعرفوا ربهم بنور العقل بل بنور الوحي.
ولكنّ فريقًا من الماديين، وقد أعيتهم حجج النبوة، وبراهين صدق الأنبياء، فلم يكن لهم بد من التسليم بوقوع الوحي، إلا أنهم قالوا إنه وحي من داخل الإنسان، بتأثير عوامل نفسية من نوع الملاحظات والتأملات الفردية، أو من جنس التأثيرات والضرورات الاجتماعية، اللاشعورية. وسموا هذا النوع من الوحي: الوحي النفسي ٢.
ويلخص لنا الشيخ محمد رشيد رأي هؤلاء الماديين فيقول مصورًا شبهتهم: "إن الوحي إلهام كان يفيض من نفس الموحى إليه لا من الخارج، وذلك أن منازع نفسه العالية وسريرته الطاهرة، وقوة إيمانه بالله وبوجوب عبادته، وترك ما سواها من عبادة وثنية وتقاليد وراثية رديئة، يكون لها في جملتها من التأثير ما ينجلي في ذهنه، ويحدث في عقله الباطن الرؤى والأحلام الروحية فيتصور ما يعتقد وجوبه إرشادًا إلهيًا نازلًا عليه من السماء بدون واسطة " ٣.
وأول ما أجاب به الشيخ رشيد على هذه الشبهة إيراده لحديث بدء
_________________
(١) ٢ انظر: الوحي المحمدي (ص:٨٧)، ودراز: الدين (ص: ١٧٢ - ١٧٣) ٣ الوحي المحمدي (ص: ٨٧ - ٨٨)
[ ٦٨٩ ]
الوحي في صحيح البخاري ١ ففيه صفة الوحي وكيف كان بدؤه ثم فتوره، وأثر ذلك على النبي ﷺ، مما يدفع شبهة التخيل والرؤى والوهمية ٢. ثم عقب ذلك بما يراه الشيخ: "أقوى دليلًا، وأقوم قيلًا، وهو موضوع الوحي الذي هو آية نبوته الخالدة، وحجته الناهضة، ومصدر جميع تلك الأنوار الفائقة، وهو آية الله الكبرى - القرآن العظيم" ٣، ووجه الشيخ رشيد الكلام هنا إلى هداية القرآن بأسلوبه وتأثيره وعلومه المصلحة للبشر، وهو القدر الذي يعلم منه أن هذه العلوم أهدى من كل ما حفظه التاريخ عن جميع الأنبياء والحكماء، وواضعي الشرائع والقوانين، فإعجازه من هذه الناحية أقوى البراهين على كونه وحيًا من الله تعالى تقوم به الحجة على جميع البشر. "ومن كان لا يؤمن بوجود هذا الرب الحكيم فهذا القرآن حجة ناهضة على وجوده الحق، بكونه ليس من المعهود في الخلق، وبما اشتمل عليه من الآيات البينات في الأنفس والآفاق" ٤.
وأما ما وصفوا به الأنبياء، لا سيما نبينا - عليهم الصلاة والسلام، من صفاء النفس وحب الخير فهو حق، ولكنه استعداد فطري لا كسبي، فهو عبارة عن جعل الله تعالى روحه الكريمة كمرآة صقيلة حيل بينها وبين كل ما في العالم من التقاليد الدينية والأعمال الوراثية والعادات المنكرة " ٥.
وهذا هو حقيقة الاستعداد الفطري لتلقي الوحي، و﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ٦ وأما الحوادث التي احتج بها هؤلاء الماديين وزعموا أن الوحي النفسي لنبينا ﷺ من جنسها، كقصة جان دارك ٧، فيرد عليها الشيخ
_________________
(١) ١ انظر: البخاري: ك: بدء الوحي، باب: ٣، ح: ٣ (١/ ٣٠) مع الفتح. ٢ الوحي المحمدي (ص: ١١١) وما بعدها. ٣ الوحي المحمدي (ص: ١٣٦) ٤ المصدر نفسه (ص:١٣٩) ٥ المصدر نفسه (ص: ١٣٣) ٦ سورة الأنعام، الآية (١٢٤) ٧ هي فتاة فرنسية ريفية، كثيرة التخيل، كانت تحلم بتحرير فرنسا من أعدائها ثم خيل لها أنها دعيت لتخلص بلادها، وتوسلت إلى الحكام فعينوها قائدًا للجيش وحاربت معهم فانتصرت ومعها عشرة آلاف جندي، ثم زال ما بها من الخيال فهوجمت من السنة التالية فهزمت وانكسرت. انظر: المعلم بطرس البستاني: دائرة المعارف (٦/٣٦٠ - ٣٦٢) مطبعة المعارف، بيروت، ١٨٨٢، ومحمد فريد وجدي: دائرة معارف القرن العشرين (٣/ ١٣ - ٢٠) ط. الثالثة، ١٩٧١، دار المعرفة، بيروت.
[ ٦٩٠ ]
رشيد - بعد بسطه لها - فيقول: "أين هذه النوبة العصبية القصيرة الزمن، المعروفة السبب، التي لا دعوة فيها إلى علم ولا إصلاح اجتماعي، إلا المدافعة عن الوطن عند الضيق التي هي مشتركة بين الإنسان والحيوان، التي لا حجة تدعمها، ولا معجزة تؤيدها، التي اشتعلت بنفخة وطفئت بنفخة أين هي من دعوة الأنبياء إن الأمم التي ارتقت بما أرشدها تعليم الوحي إنما ارتقت بطبيعة ذلك التعليم وتأثيره أين حال تلك الفتاة التي كانت كبارقة خفت (أي: ظهرت وأومضت) ثم خفيت، وصيحة علت ولم تلبث أن خفتت، من حال شمس النبوة المحمدية التي أشرقت فأنارت الأرجاء ولا يزال نورها ولن يزال متألق السناء لا جرم أن الفرق بين الحالين عظيم " ١.
إن المقارنة بين هذه الحالة التي احتجوا بها - ومثلها - وبين حالة الأنبياء وآثارها، هو كالمقارنة بين الثرى والثريا، أو بين السماء والأرض في العلو والسعة، فالأنبياء قد أتوا بالمعجزات وبإصلاح أحوال أممهم، وأحوال الأنبياء لا تخفى على العقلاء. "أنوار التقوى تتلألأ في وجه صاحب المعجزات، وآثار الصلاح تلوح في وجوه أهل الخيرات " ٢.
_________________
(١) ١ الوحي المحمدي (ص: ٩٢ - ٩٣) ٢ انظر: ابن الوزير: إيثار الحق (ص: ٦٧)
[ ٦٩١ ]
المطلب الثالث: الوحي والنبوة عند أهل الكتاب:
تحدث الشيخ رشيد عن معنى الوحي والنبوة عند أهل الكتاب، فنقل تعريفهم لهذين المصطلحين ليقارن بين هذين المفهومين عند المسلمين وأهل الكتاب، فقد نقل عن "قاموس الكتاب المقدس" مع حذفه للشواهد، في معنى كلمة "وحي" ما يلي: "تستعمل هذه اللفظة للدلالة على نبوة خاصة
[ ٦٩١ ]
بمدينة أو شعب" وجاء في جزء (١٢: ١٠) "هذا الوحي هو الرئيس" أي: أنه آية للشعب، وعلى العموم يراد بالوحي الإلهام وهو حلول روح الله في روح الكتاب الملهمين " ١.
وأما كلمة "نبي" فقد نقل ما يلي: "النبوة لفظة تفيد معنى الإخبار عن الله وعن الأمور الدينية ولا سيما عما سيحدث فيما بعد، وسمي هارون نبيًا، لأنه كان المخبر والمتكلم عن موسى نظرًا لفصاحته (خروج: ٧: ١) أما أنبياء العهد القديم فكانوا ينادون بالشريعة الموسوية، وينبئون بمجيء المسيح، ولما قلت رغبة الكهنة وقل اهتمامهم بالتعليم والعلم في أيام صموئيل أقام مدرسة الرامة ٢، وأطلق عليها تلامذتها اسم "بني الأنبياء" فاشتهر من ثم صموئيل بإحياء الشريعة وقرن اسمه باسم موسى وهارون في مواضع كثيرة من الكتاب، وتأسست أيضًا مدارس أخرى للأنبياء وكان يعلم في هذه المدارس تفسير التوراة والموسيقى والشعر " ٣.
ثم انتقد الشيخ رشيد هذه التعريفات، فقال عن تعريفهم للوحي: بأنه حلول روح الله في روح الملهم إنه تحكم، ويلزم منه أن يكونوا آلهة، إذ المسيح لم يكن إلهًا عند النصارى إلا بحلول الروح فيه ٤.
وأما تعريفهم للنبوة: "فيؤخذ منه ما يأتي: "أن أكثر أنبياء بني إسرائيل كانوا يتخرجون في مدارس خاصة بهم، يتعلمون فيها تفسير شريعتهم التوراة والموسيقى والشعر، وأنهم كانوا شعراء ومغنين وعزافين على آلات الطرب، وبارعين في كل ما يؤثر في الأنفس ويحرك الشعور والوجدان ويثير رواكد الخيال، فلا غرو أن يكون عزر ونحميا من أعظم أنبيائهم ساقيين من سقاة الخمر لملك بابل "أرتحشستا" ومغنين له فالنبوة على هذا كانت صناعة
_________________
(١) ١ الوحي المحمدي (ص: ٦٠) ٢ الرامة: من قرى بيت المقدس. انظر: ياقوت: معجم البلدان (٣/٢٠) ط. دار الكتب العلمية، بيروت، الأولى ١٤١٠هـ. ٣ الوحي المحمدي (ص: ٦١) ٤ الوحي المحمدي (ص: ٦٣)
[ ٦٩٢ ]
تعلم موادها في المدارس، ويستعان على الإقناع بها بالتخييلات الشعرية والإلهامات الكلامية، والمؤثرات الغنائية والموسيقية، والمعلومات المكتسبة فأين هذا من نبوة محمد الأميّ الذي لم يتعلم شيئًا ولم يقل شعرًا، وقد جاء مفردًا بأعظم مما جاءوا به كلهم أجمعون مجتمعًا، " ١.
وكان هذا المفهوم للنبوة سببًا في إنكار الماديين للوحي والأنبياء جميعًا، طالما أن النبوة تعلم في مدارس مع الشعر والموسيقى، فكونها صناعة تنال بالكسب يتنافى مع كونها وحيًا من الله تعالى.
_________________
(١) ١ المصدر نفسه والصفحة.
[ ٦٩٣ ]
المبحث الرابع: عدد الرسل:
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا، وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ﴾ ١. وقوله تعالى: ﴿قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ﴾ أي: من قبل هذه الآية في السور المكية وغيرها، وتسمية هؤلاء الأنبياء الذين نص عليهم في القرآن هي: إبراهيم وإسحاق ويعقوب ونوح وداود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس وإسماعيل واليسع ويونس ولوطًا٢. وآدم وإدريس وهود وصالح وشعيب ومحمد وذو الكفل ٣ صلى الله تعالى عليهم. ويروى عن ابن عباس وابن مسعود أن إلياس هو إدريس ٤. كما وقع خلاف في "ذو الكفل" فقيل: إنما هو رجل صالح، وتوقف في ذلك ابن جرير، وظاهر سياقه مع الأنبياء أنه منهم ٥.
_________________
(١) ١ سورةالنساء، الآية (١٦٣) ٢ ذكر أسماء هؤلاء الأنبياء مجتمعة في موضع واحد في نسق سورة الأنعام، الآية (٨٣ - ٨٦) ٣ انظر: ابن كثير: التفسير (١/ ٥٥٤) ٤ انظر: البخاري: الصحيح: ك: أحاديث الأنبياء، باب: ﴿وإن إلياس لمن المرسلين﴾ (٦/ ٤٣٠) ٥ انظر: ابن كثير: التفسير (٣/ ١٨٥)، والطبري: التفسير (١٧/٧٥) ط. الحلبي.
[ ٦٩٤ ]
قال تعالى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ ١.
وأما السنة فقد ورد فيها ذكر أنبياء ليسوا في القرآن، منهم: شيث ٢، ويوشع بن نون ٣. ووقع في السنة ذكر عدد الأنبياء والرسل إجمالًا. ولم يرد ذكر أسمائهم كما قال تعالى: ﴿وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ ٤، فعن أبي ذر ﵁ أنه سأل النبي ﷺ عن عدد الأنبياء فقال: "مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا، فقلت: يا رسول الله: كم الرسل منهم؟ فقال: ثلاثمائة وثلاثة عشرة جم غفير، وسأله: من أولهم؟ فقال: آدم" ٥. وعن أبي أمامة قال: قال أبو ذر قلت يا رسول الله: كم وفاء عدة الأنبياء؟ قال: "مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا، الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جمًا غفيرًا" ٦.
وقد عقد رشيد رضا فصلًا في تفسيره بحث فيه مسألة عدد الأنبياء صلى الله تعالى عليهم كما أنه أشار إلى هذه المسألة في عدة مناسبات.
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء، الآية (٨٥) ٢ في الحديث الذي رواه ابن حبان عن أبي ذر. انظر: ابن حبان: (٢/٧٧ - الإحسان)، وانظر: ابن كثير: التفسير (١/ ٥٥٤) فقد عزاه لابن مردويه. وانظر: له البداية والنهاية (١/ ٩٩) ٣ وهو الذي حبست له الشمس. انظر: انظر: أحمد: المسند: ح: ٨٢٩٨، ط. شاكر. و٨٣١٥ ط. الأرناؤوط، وإسناده صحيح على شرط البخاري، وانظر: مسلم: الصحيح: ك: الجهاد، ح: ٣٢ (١٧٤٧) [٣/١٣٦٦] وانظر: وابن كثير: البداية والنهاية (١/ ٣٢٣)، ٤ سورة النساء، الآية (١٦٣) ٥ رواه: ابن حبان مطولًا في صحيحه (الإحسان: ٢/ ٧٧)، وأحمد: المسند (٥/ ١٧٨ و١٧٩)، والحاكم: المستدرك (٢/ ٢٨٢) . قال الهيثمي: رواه أحمد والبزار والطبراني في الأوسط بنحوه، وعند النسائي طرف منه، وفيه: المسعودي، وهو ثقة ولكنه اختلط. انظر: مجمع الزوائد (١/ ١٦٠)، وانظر أيضًا (١/ ١٩٧ و٨/ ١٩٨ و٨/ ٢١٠)، وقال الألباني: صحيح. انظر: المشكاة (٣/ ١٥٩٩) ط. المكتب الإسلامي، الثالثة، ١٤٠٥ هـ، بيروت. وعزاه ابن كثير في التفسير إلى ابن مردويه وابن أبي حاتم. انظر: التفسير (١/ ٥٥٤ - ٥٥٥) ٦ رواه أحمد: المسند (٥/ ٢٦٥)، والطبراني: في الكبير (٨/ ١٢٧) ح: ٧٨٧١، كلهم من طريق معان بن رفاعة عن علي بن يزيد عن القاسم، وقد ضعف ابن كثير الثلاثة، التفسير (١/ ٥٥٤)، وقال الهيثمي: مداره على علي بن يزيد وهو ضعيف. مجمع الزوائد (١/ ١٥٩)، وانظر أيضًا (٣/ ١١٥) وصححه الألباني: المشكاة (٣/ ١٥٩٩)
[ ٦٩٥ ]
فقرر رشيد رضا أن من أصول العقائد الإسلامية أنه يجب الإيمان بأن الله تعالى أرسل في كل الأمم رسلًا منهم من قص على رسولنا ومنهم من لم يقصص عليه، وأنه يجب الإيمان بمن ذكر منهم في القرآن إيمانًا تفصيليًا، أي تجب معرفتهم بأسمائهم ١ وهؤلاء الرسل الذين يجب الإيمان بهم تفصيلًا - كما يقول رشيد رضا - هم المسرودة أسماؤهم في السور المكية وأجمعها آية سورة الأنعام، وآيات قصصهم في سورة هود ٢ والشعراء ٣، والرسل الذين لم يقصصهم الله ﵎، ويجب الإيمانبهم إجمالًا أي دون معرفة أسمائهم وعددهم؛ هم الرسل الذين أرسلهم الله تعالى إلى الأمم المجهولة علمها وتاريخها. قال: " وحسبنا العلم بأن الله تعالى أرسل الرسل في كل الأمم فكانت رحمته بهم عامة لا محصورة في شعب معين احتكرها لنفسه كما كان يزعم أهل الكتاب غير مبالين بكونه لا يليق بحكمة الله، ولا ينطبق على سعة رحمته، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٤ " ٥.
ويحدد رشيد رضا أسماء الرسل الذين يجب الإيمان بهم تفصيلًا وهم المذكورون في القرآن فقط، ولكنه يذكر أن العدد المتفق على رسالته منهم هو ثلاثة وعشرون فقط - إذا أن هؤلاء هم: "المجمع على وجوب الإيمان برسالتهم" ٦. قال: "فجملة هذه النقول أن آدم مختلف في رسالته وأن إدريس مختلف في رسالته وفي كونه هو إلياس المذكور في آيات سورة الأنعام.." ٧.
ومع أن رشيد رضا يقر بوجود رسل لم يقصصهم الله تعالى علينا إلا أنه لا يعترف بالعدد الوارد في الأحاديث المشار إليها أول هذا المبحث،
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٧/٦٠١) ٢ انظر: سورة هود: الآيات (٢٥، ٥٠، ٦١، ٦٩، ٨٤) ٣ انظر: سورة الشعراء: الآيات (١٠٥، ١٢٣، ١٤٢، ١٦١، ١٧٨) ٤ سورة النحل: الآية: (٣٦) ٥ تفسير المنار (٦/٧٠) ٦ المصدر نفسه (٧/٦٠٥) ٧ المصدر نفسه.
[ ٦٩٦ ]
ومنها حديث أبي ذر لأنه - كما يقول - مختلف فيه بين الضعف والوضع ١.
والذي أريد أن أقف عنده هو مسألة نبوة إدريس وآدم. فالذي ورد فيما يتعلق بإدريس ﷺ الخلاف في كونه هو إلياس أو غيره، ولم أر أحدًا اختلف في كونه نبيًا ولا في كون إلياس نبيًا. فقد قال تعالى عن إلياس: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ٢، وقال عن إدريس: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ ٣.
وقال: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ ٤، فإن كان رشيد رضا يقصد - بناءً على تعريفه للنبوة وأنها أعم من الرسالة - أن إدريس نبي وليس رسولًا فالخلاف يتجه على تعريفه هذا ٥.
وأما آدم فرشيد رضا يرى أنه ليس نبيًا ولا رسولًا، واحتج بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ ﴾ ٦ وبحديث أنس في الشفاعة: " ولكن ائتوا نوحًا أول رسول بعثه الله" ٧.
وأما حديث أبي أمامة: أن رجلًا قال: "يا رسول الله أنبيًا كان آدم؟ قال: نعم، معلم مكلم" ٨ فرده لأنه أحادي ٩ وتأول المعلم بالملهم
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٧/ ٦٠٤ - ٦٠٥) ٢ سورة الصافات، الآية (١٢٣) ٣ سورة مريم، الآية (٥٦) ٤ سورة الأنبياء، الآية (٨٥) ٥ انظر: النووي: شرح مسلم (٣/ ٥٥) ط. الريان. ٦ سورة النساء، الآية (١٦٣) ٧ البخاري: الصحيح: ك: الرقاق، باب: صفة الجنة والنار، ح: ٦٥٦٥ (١١/ ٤٢٥)، ومسلم: الصحيح: ك: الإيمان، ح: ٣٢٢ (١٩٣) ٨ رواه الطبراني: في الكبير (٨/ ١١٨ - ١١٩) ح: ٧٥٤٥، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير أحمد بن خليد الحلبي وهو ثقة. وقال ابن كثير: هذا على شرط مسلم ولم يخرجه. البداية والنهاية (١/ ١٠١)،، ورواه الطبراني أيضًا في الأوسط، وقال: الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، مجمع الزوائد (١/ ١٩٦)، وروي هذا أيضًا عن أبي ذر: انظر: أحمد: المسند (٥/ ٢٦٥)، وقال الهيثمي: فيه المسعودي وهو ثقة ولكنه اختلط، مجمع الزوائد (١/ ١٦٠)، وانظر أيضًا (١/ ١٩٧) ٩ قد سبق بيان موقف رشيد رضا في مسألة أحاديث الآحاد، ولكنه يلجأ أحيانًا إلى هذه القاعدة عند الحاجة فيبدو مضطربًا فيها. فهذا كلام متأخر له إذ أنه انتهى من تفسير هذا الجزء (السابع) في شعبان ١٣٣٧هـ. انظر: تفسير المنار (٧/ ٦٧٣)
[ ٦٩٧ ]
للخير والصواب ١.
ولم يرضَ رشيد رضا بأوجه الجمع التي حاول بها العلماء التوفيق بين الثابت من نبوة آدم وبين ما دلت عليه الآية والحديث من أولية نوح ﵉ ٢، واختار هو طريقًا للجمع فقال: "والذي يتجه في الجمع بغير تكلف هو التفرقة بين هداية من ولدوا على الفطرة وبين بعثة نوح ومن بعده من الرسل إلى من فسدت فطرتهم واختلفوا في الدين الفطري أو في الكتاب الإلهي بأن تجعل هذه الهداية الأخيرة هي الرسالة الشرعية التي يسمى من جاءوا بها رسلًا دون الأولى، وبهذا يجمع بين عدة أجوبة مما نقل عن العلماء في رفع التعارض بتوضيح قليل كقول من قال: إنما كانت رسالة آدم إلى بنيه المؤمنين، ورسالة نوح ومن بعده إلى الكافرين، ومن قال: إنما كانت رسالة آدم إلى بنيه من قبيل تربية الوالد لأولاده، وفيهما أن تسميتها رسالة شرعية بالمعنى المراد من الآيات هو الذي يحقق التعارض، فكيف يجعل دافعًا له؟ وأما إذا أثبتنا ما ذكر لآدم ولم نسمه رسالة بالمعنى الشرعي المذكور فإن التعارض يندفع بغير تكلف ويكون الخلاف أشبه باللفظي، فهو رسول بالمعنى المشهور عند المتكلمين دون المعنى المتبادر من القرآن والحديث" ٣.
فيرى رشيد رضا - جمعًا بين ما هو مشهور من نبوة آدم وبين آية النساء وحديث أنس - أن آدم في هدايته كان على الفطرة التي خلقه الله عليها، فهي هداية فطرية نشأ عليها ونشأت عليها ذريته إلى زمن نوح، ثم فسدت الفطرة فأرسل الله نوحًا نبيًا رسولًا بالمعنى الشرعي الاصطلاحي. فليس آدم نبيًا رسولًا كنوح ومن بعده، لذا فإن الله تعالى لم يذكره معهم في سياقهم.
وهذا التحقيق يشكل عليه سبق شيث وإدريس، فهما قبل نوح. وقد
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٧/ ٦٠٦) ٢ انظر: تفسير المنار (٧/ ٦٠٦ - ٦٠٧) ٣ تفسير المنار (٧/ ٦٠٨ - ٦٠٩)، وانظر أيضًا (٦٠٧)
[ ٦٩٨ ]
يجاب بأن الثلاثة: آدم وشيث وإدريس، كانوا أنبياء ولم يكونوا رسلًا، ولكن يشكل عليه حديث أبي ذر الذي صححه ابن حبان ففيه تصريح برسالة شيث، وإنزال الصحف عليه ١. وهو من علامات الإرسال. وأما إدريس فقد سبق القول بأنه قد يكون هو إلياس، وهو متأخر في بني إسرائيل فيندفع - لو صح - هذا الإشكال ٢.
والذي دفع رشيد رضا إلى اتخاذ هذا الموقف من "نبوة آدم" أن أحد طلاب مدرسته "الدعوة والإرشاد" قد تعرض للحكم بالكفر من المحكمة الشرعية بسبب رأيه في نبوة آدم. وقد دافع عنه رشيد رضا في مجلته "المنار" وهاجم المدعين عليه. وإن كانت محكمة الاستئناف الشرعية قد ألغت هذا الحكم، إلا أن رشيد رضا أراد في تفسيره أن يقرر هذا المذهب على نحو ما رأينا ليقول إن طالبه لم يكن مخطئًا. ولأن هذه القضية شغلت مصر يومئذ بين أنصار "نبوة آدم" وأنصار "عدم نبوته بالأدلة القطعية" ٣.
اتفاق الأنبياء:
هؤلاء الأنبياء - صلى الله تعالى عليهم - على كثرة عددهم وتباعد أوطانهم وأزمانهم، متفقون في أصل دينهم، وإن اختلفت شرائعهم، إلا أنهم جميعًا متفقون في أصل الدين والدعوة إليه، وهو الإيمان بالله تعالى وتوحيده. وهذا ما قرره رشيد رضا، فقال: "فالرسل ﵈ كانوا متفقين في الدعوة إلى الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح، وإنما كانوا يختلفون في تفصيل الأعمال الصالحة والشرائع المصلحة، بحسب اختلاف استعداد أممهم " ٤.
_________________
(١) ١ انظر: ابن حبان (٢/٧٧ - الإحسان)، وعزاه ابن كثير لابن مردويه، وللآجري: التفسير (١/ ٥٥٤ - ٥٥٥) ٢ انظر: ابن حجر: فتح الباري (١١/ ٤٤٢) ٣ انظر: مجلة المنار (٢١/ ٤٩ - ٥٤) وهذه القضية كانت في شهر ربيع سنة ١٣٣٧هـ وهو نفس العام الذي فسر فيه رشيد رضا آية سورة الأنعام، وحقق فيها مسألة عدد الأنبياء ومن اختلف فيه منهم. ٤ تفسير المنار (١: ٢١٦)
[ ٦٩٩ ]
وعند قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ١ قال: "المراد بهذا تقرير وحدانية الألوهية ووحدانية الربوبية، وكلاهما متفق عليه بين الأنبياء، فقد كان إبراهيم موحدًا صرفًا، وقد كان الأساس الأول لشريعة موسى قول الله له (أنا الرب إلهك لا يكن لك آلهة أخرى أمامي، لا تصنع لك تمثالًا منحوتًا، ولا صورة مما في السماء من فوق ومما في الأرض من تحت، وما في الماء من تحت الأرض، لا تسجد لهن ولا تعبدهن) ٢، وعلى هذا درج جميع أنبياء بني إسرائيل حتى المسيح ﵇، وهم لا يزالون ينقلون عنه في إنجيل يوحنا قوله (وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته) ٣. وغير ذلك من عبارات التوحيد، وكان يحتج على اليهود بعدم إقامتهم ناموس موسى (شريعته) وهو لم ينسخ من هذا الناموس إلا بعض الرسوم الظاهرة كالتشديدات في المعاملة، أمّا الوصايا العشر - ورأسها التوحيد والنهي عن الشرك - فلم ينسخ منها شيئًا " ٤.
والذي قرره رشيد رضا هو الصواب، وهو مما اتفقت عليه الأنبياء جميعًا٥.
المفاضلة بين الأنبياء:
ولا يمنع اتفاق الأنبياء في الدعوة من كونهم متفاضلين في الدرجات. فهناك نصوص صريحة في تفضيل بعض الأنبياء على بعض، وبعض الرسل على بعض. قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ٦، وقال:
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، الآية (٦٤) ٢ خروج (٢٠/ ١ـ ٥) ٣ يوحنا (١٧: ٣) ٤ تفسير المنار (٣/ ٣٢٥) ٥ انظر: الشوكاني: إرشاد الثقات (ص: ٥) وما بعدها. ٦ سورة البقرة، الآية (٢٥٣)
[ ٧٠٠ ]
﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ ١ ولكن ما وجه الجمع بين هذه النصوص وبين قوله ﷺ: "لا تفضلوا بين أنبياء الله" ٢ وقوله: "لا تخيروني على موسى" ٣، وقوله: "لا يقولن أحدكم إني خير من يونس بن متى" ٤. ولقد قرر رشيد رضا المفاضلة بين الأنبياء، كما أجاب عن التعارض الظاهري بين النصوص في ذلك.
قال رشيد رضا مقررًا التفاضل بين الأنبياء: " ومن المعلوم بنص القرآن أن بعض الأنبياء والرسل أفضل من بعض، بتخصيص الله تعالى وبما كان لكل نبي من عمل في نفع العباد وهدايتهم وهي متفاوتة جدًا " ٥.
فالسبب في هذا التفاضل كما يشير رشيد رضا في النص السابق: أمران:
الأول: تخصيص الله تعالى لهؤلاء الأنبياء بهذا الفضل، كما قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ ٦ وقال: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ ٧.
الثاني: الأثر والنفع الذي يتركه النبي في أمته، ومقدار هدايته لهم، وكثرة أتباعه منهم. وبناءً على هذين الأمرين نستطيع أن نقرر باطمئنان أن نبينا ﷺ هو أرفع هؤلاء الأنبياء درجة - صلى الله تعالى عليهم - وهو ما يقرره رشيد رضا فيقول: "ومن المعلوم بالدلائل العقلية والنقلية أن محمدًا
_________________
(١) ١ سورة الإسراء، الآية (٥٥) ٢ رواه مسلم: الصحيح، ك: الفضائل، ح: ١٥٩ (٢٣٧٣) (١٥/ ١٣٠) بشرح النووي. ٣ رواه مسلم: الصحيح، ك: الفضائل، ح:١٦٠ (٢٣٧٣) [٤/١٨٤٤] والبخاري: الصحيح، ك: أحاديث الأنبياء، باب: وفاة موسى، ح: ٣٤٠٨ (٦/ ٥٠٨) مع الفتح. ٤ البخاري: الصحيح، ك: أحاديث الأنبياء، ح: ٣٤١٢ (٦/ ٥١٩) مع الفتح، ومسلم: الصحيح، ك: الفضائل، ح: ١٦٦ (٢٣٧٦) [٤/١٨٤٦] وانظر أيضًا: ح: ١٥٩ (٢٣٧٣) [٤/١٨٤٣] ٥ الوحي المحمدي (ص: ٢٠٤ - ٢٠٥) ٦ سورة القصص، الآية (٦٨) ٧ سورة الحج، الآية (٧٥)
[ ٧٠١ ]
خاتم النبيين الذي أكمل الله به الدين وأرسله رحمة للعالمين، هو الذي رفعه الله عليهم كلهم درجات " ١. ويشير رشيد رضا إلى وجه آخر لتفضيل نبينا ﷺ وهو عموم بعثته للعالم أجمع فهو صاحب الدين الكامل والخاتم، والرحمة العامة ٢. وأما الأدلة على هذا فهي من الكتاب والسنة. وإن كانت آيات الكتاب لا تنص صراحة على هذا المعنى إلا أنها تشير إليه إشارة لا تنطبق على غيره ٣ منها قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ ٤ قال رشيد رضا: "ولم يجئ رسول يصدق عليه ما ذكر غير محمد ﷺ ومن ثم اتفقوا على أنه هو" ٥، ومن هذه الآيات كذلك: الآيات التي تشير إلى عموم بعثته ﷺ وكونه خاتم النبيين ٦.
وأما أدلة السنة فهي كثيرة وصريحة، منها قوله ﷺ: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وما من نبي: آدم فمن سواه إلا تحت لوائي" ٧. وكان ينبغي لرشيد رضا أن يستدل بهذا الحديث أيضًا على نبوة آدم.
ثم يجمع رشيد رضا بين هذه النصوص والنصوص التي تنهى عن المفاضلة، فيقول: إن هذه النصوص وردت على سبب والغرض منها: "منع المسلمين من تنقيص أحد من الأنبياء ﵈ ومن التعادي بين
_________________
(١) ١ الوحي المحمدي (ص: ٢٠٥) ٢ مجلة المنار (١٤/ ١٧٨) ٣ المصدر نفسه (٤/ ١٧٧) ٤ سورة آل عمران، الآية (٨١) ٥ مجلة المنار (١٤/ ١٧٨) ٦ المصدر نفسه. ٧ انظر: مسلم: الصحيح، ك: الفضائل، ح: ٣ (٢٢٧٨)، وانظر أيضًا: الترمذي: السنن، ك: القيامة، باب: ما جاء في الشفاعة، ح: ٢٤٣٤ (٥/ ٦٢٢) وك: التفسير، باب ومن سورة بني إسرائيل، ح:٣١٤٨ (٤/ ٣٠٨)
[ ٧٠٢ ]
الناس لأجله، ومن الغلو فيه ﷺ" ١. وكون بعض هذه النصوص ورد على سبب هو الصحيح ٢.
وأما قوله ﷺ: "لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى" ٣ وقوله: "لا تفضلوني على يونس بن متى" ٤ فالنهي عن التفضيل فيه - كما يقول رشيد رضا - " في أصل النبوة لأجل هفوته" ٥. وأيضًا: المراد منه عدم التفريق بين الرسل، والأنبياء، لا منع مطلق التفضيل ٦. وهذا أدب عالٍ من آداب النبوة التي تأدب بها المسلمون، وهذا التشريع المحكم هو الذي ينزه الأنبياء عن تعدي السفهاء.
_________________
(١) ١ الوحي المحمدي (ص: ٢٠٤ - ٢٠٥) ٢ انظر: البخاري: الصحيح، ك: أحاديث الأنبياء، باب: وفاة موسى، ح: ٣٤٠٨ (٦/٥٠٨) ومسلم: الصحيح، ك: المناقب، ح: ١٥٩ (٢٣٧٣) (٤/١٨٤٣) ٣ رواه مسلم: الصحيح، ك: الفضائل، ح: ١٦٦ (٢٣٧٦)، وح: ١٦٧ (٢٣٧٧)، وانظر أيضًا: البخاري: الصحيح، ك: أحاديث الأنبياء، باب قوله الله تعالى: ﴿وإن يونس لمن المرسلين﴾، ح: ٣٤١٢ و٣٤١٣ و٣٤١٤ (٦/ ٥١٩ - ٥٢٠) ٤ روى نحوه البخاري، ك: أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وإن يونس لمن المرسلين﴾، ح: ٣٤١٦ [٦/٥٢٠] ٥ تفسير المنار (٧/ ٥٩٧) ٦ المصدر نفسه.
[ ٧٠٣ ]
المبحث الخامس: صفات الرسل ووظائفهم
المطلب الأول: صفات الرسل
المطلب الأول: صفات الرسل:
النبوة فضل من الله تعالى يختص به من يشاء فالله تعالى يختار ويصطفي هؤلاء الرسل - صلى الله تعالى عليهم - ويخصهم بصفات كمال النوع الإنساني من العلوم والمعارف والفضائل والآداب ١، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ ٢، وقال: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ٣، وقال: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ ٤.
وقد أشار الشيخ رشيد ﵀ إلى بعض صفات الرسل - صلى الله تعالى عليهم - وأول هذه الصفات "أنهم رجال من البشر في جميع الشؤون البشرية الفطرية، ليسوا أربابًا ولا شركاء لرب العباد في علم الغيب ". ولقد كرر الشيخ رشيد هذا المعنى مرارًا للتأكيد عليه ٥.
_________________
(١) ١ انظر: ابن حجر: فتح الباري (١٢/ ٣٦٨) ٢ سورة الحج، الآية (٧٥) ٣ سورة الأنعام، الآية (١٢٤) ٤ سورة القصص، الآية (٦٨) ٥ تفسير المنار (٨/ ٢٨٢ و٨/ ٢٧٥ و٢٧٨)
[ ٧٠٤ ]
وفيما يتعلق بهذه الصفة - أعني البشرية - فقد افترق الناس ثلاث فرق: طرفان ووسط، فأحد الطرفين هو الذي غلا في الأنبياء ﵈، فأفرط في تصوير خصوصيتهم، فرفعهم فوق جنس البشر، وجعل لهم صفات الإلهية والربوبية ١. وآخرون - وقفوا في الطرف الآخرـ وجعلوا هذه الصفة مانعة من النبوة، فلم يروا مزية لهؤلاء الرسل، إذ رأوهم بشرًا وظنوا أن الوحي يخرجهم منها ويجعلهم كالملائكة ٢. وإنما أنزل الله الوحي على البشر "لاقتضاء حكمته أن يكونوا معلمين لسائر البشر ما فيه هدايتهم " ٣. و"كون الرسول إلى البشر بشرًا مثلهم يفهمون أقواله ويتأسون بأفعاله هو المعقول الذي تقتضيه الفطرة وطبيعة الاجتماع" ٤.
ومقتضى بشرية الرسل أنهم "كسائر البشر في سنن الله تعالى فيهم إلا أنه ميزهم بالوحي وعصمهم من الخطأ في تبليغ ما أمرهم بتبليغه قولًا وعملًا " ٥.
ومن صفات الرسل أيضًا أنهم رجال، وكما يقول رشيد رضا، فإن النبوة حصرت في الرجال دون النساء، وهو ما يدل عليه ظاهر آيات القرآن، كما أنها حصرت في ذرية نوح وإبراهيم ﵉ ٦.
وكون الرسل من البشر يبطل "ما سرى إلى المسلمين من أهل الوثنية والكتب المحرفة من الغلو في الأنبياء والصالحين، كزعمهم أنهم يعلمون الغيب ويتصرفون في خزائن ملك الله تعالى بالعطاء والمنع، والضر والنفع، وإلحاقهم بالملائكة من عالم الغيب، حتى صاروا يطلبون ما لا يطلب إلا من الله تعالى، وهذا عين العبادة التي يسمى الذين توجه إليهم آلهة " ٧.
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (٨/ ٢٧٨) ٢ المصدر نفسه (٨/ ٢٧٩) ٣ المصدر نفسه (٨/ ٢٧٨) ٤ تفسير المنار (٨/ ٢٧٨) ٥ المصدر نفسه (٨/ ٢٧٦) ٦ المصدر نفسه (٨/ ١٠٦) ٧ المصدر نفسه (٨/ ٢٧٨)
[ ٧٠٥ ]
وأما مسألة الرسل من الجن، فقد اختلف فيها أهل العلم، والأدلة فيها متكافئة، وقد اختار رشيد رضا التوقف مع التسليم بأن محمدًا ﷺ أرسل إليهم كما أرسل إلى الإنس ١.
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (٨/ ١٠٧)
[ ٧٠٦ ]
المطلب الثاني: وظيفة الرسل:
إن طبيعة الرسل البشرية تساعد على فهم وظيفتهم - صلى الله تعالى عليهم - فإن الآيات المنزلة تفيد حصر "وظيفة جميع المرسلين في التبليغ والتعليم المنقسم إلى التبشير والإنذار، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ ٢ لأنها من أول ما نزل في بيان هذه العقيدة الهادمة لعقائد الكفار في الرسل وخواص أتباعهم، التي منها أنهم وكلاء الله على الأرض بيدهم الهدى والحرمان منه، والإسعاد والإشقاء والرحمة والغفران والعقاب وغير ذلك " ٣
وينتقل الشيخ رشيد من هذا الإجمال إلى شيء من التفصيل في وظائف الرسل - صلى الله تعالى عليهم - فيقول: "الوظيفة الأولى: هي بيان ما يجب اعتقاده في خالق الكون ومقدره وحكيمه، فقد علم أن هذا الاعتقاد مركوز في فطرة الإنسان بصفة مجملة مبهمة يغلط فيها العقل ويضل فيها الفكر
الوظيفة الثانية: بيان ما يجب لهذا الإله العظيم، والمبدع الحكيم، من الشكر على آلائه والعبادة التي ترضيه
الوظيفة الثالثة: ما يجب اعتقاده في الدار الآخرة والحياة في النشأة الثانية
_________________
(١) ٢ سورة الأنعام، الآية (٤٨) ٣ تفسير المنار (٨/ ٢٧٧)
[ ٧٠٦ ]
الوظيفة الرابعة: تهذيب الأخلاق بحملها على الأعمال الصالحة " ١.
الوظيفة الخامسة: حدود العقوبات وأحكام المعاملات " ٢.
وهناك وظيفة يجب أن يعتقد أنها ليست من وظائف الرسل - كم يقول رشيد رضا - وهي: "بيان طرق الكسب وأسباب المعايش، وتعليم الفنون التي يتوسل بها إلى السعة والثروة وقد أشار النبي ﷺ إلى ذلك في مسألة تأبير النخل بقوله: "أنتم أعلم بأمور دنياكم" ٣ " ٤.
ثم يجيب الشيخ رشيد عن كل شبهة واعتراض يرد على هذه الوظائف ٥.
ومما سبق من بيان صفات الرسل ووظائفهم يتقرر أنهم ليس لهم من الأمر شيء - أو كما يقول الشيخ رشيد: "فعلم مما قررناه أن الرسل عليهم الصلاة والسلام لم يعطوا علم الغيب بحيث يكون إدراكه من علومهم الكسبية، كما أنهم لم يعطوا قوة التصرف في خزائن ملك الله، وهي ما لم يمكن البشر من أسبابه فيكون من أعمالهم الكسبية، ولا أعطاهم إياه أيضًا على سبيل الخصوصية، كما أظهرهم على بعض الغيب الذي هو موضوع الرسالة ويتضمن بيان جهل المشركين بحقيقة الإلهية وحقيقة الرسالة إذ كانوا يقترحون على الرسول من الأعمال ما لا يقدر عليه إلا من له التصرف فيما وراء الأسباب وإذا كان الله تعالى لم يؤت الرسل ما لم يؤت غيرهم من أساب التصرف المخلوقات ومن علم الغيب فمن أين جاءت دعوى التصرف في الكون وعلم الغيب، لمن هم دون الرسل منزلة وكرامة عند الله تعالى من المشايخ المعروفين وغير المعروفين حتى صاروا يدعون
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٤/ ٦١٧) ٢ مجلة المنار (٤/ ٦١٧ و٤/ ٦٨٨) ٣ رواه مسلم: الصحيح، ك: الفضائل، ح: ١٤١ (٢٣٦٣) ٤ مجلة المنار (٤/ ٦٨٨) ٥ المصدر نفسه (٤/ ٦٩٠ - ٦٩٢ و٤/ ٧١٤)
[ ٧٠٧ ]
من دون الله تعالى لما عز نيله بالأسباب والسنن الإلهية، و"الدعاء هو العبادة" كما قال النبي ﷺ " ١. وهكذا لا يترك الشيخ رشيد أي مناسبة إلا وينبه فيها على شيء من توحيد الإلهية.
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٧/ ٤٢٤)
[ ٧٠٨ ]
المبحث السادس: عصمة الأنبياء
المطلب الأول: تعريف العصمة
وأعني بالعصمة: أن يكون الرسل والأنبياء معصومين في تحمل الرسالة والتبليغ عن الله، فلا ينسون شيئًا مما أوحاه الله إليهم، ولا يكتمون شيئًا منه. وهذه العصمة الثابتة للأنبياء هي التي تحصل مقصود النبوة والرسالة.
والكلام في هذا المقام مبني على أصل؛ وهو: أن الأنبياء صلوات الله عليهم معصومون فيما يخبرون به عن الله سبحانه، وفي تبليغ رسالاته باتفاق الأمة، ولهذا وجب الإيمان بكل ما أوتوه ١، وأما عصمتهم في غير ما يتعلق بالتبليغ عن الله فاختلف فيه.
وهذه المسألة تناولها وتعرض لها الشيخ رشيد ﵀ عدة مرات في المجلة والتفسير، والوحي المحمدي. فقد ذكر العصمة وأدلتها وقارن بين عصمة الأنبياء عند المسلمين وعند أهل الكتاب وأجاب على شبهات قد ترد على القول بعصمة الأنبياء.
المطلب الأول: تعريف العصمة:
عرّف الشيخ رشيد العصمة لغةً فقال: "هي في اللغة المنع" ٢.
_________________
(١) ١ انظر: ابن تيمية: مجموع الفتاوى (١٠/ ٢٨٩) ٢ مجلة المنار (٥/ ١٨)
[ ٧٠٩ ]
وأما اصطلاحًا، فقد عرفها معتمدًا على مصدرين: أحدهما التعريفات للجرجاني ١، والثاني: المواقف للإيجي ٢، والذي كان يعتبره - حتى المجلد الخامس - هو أعظم كتب الكلام ٣. وشرح الشيخ رشيد قول الجرجاني "العصمة: ملكة اجتناب المعاصي مع التمكن منها" ٤، فقال: "أي أن المعصوم من الشيء يجد في نفسه قدرة عليه ويشرع بزاجر منها يحول دون الوقوع فيه، فالعصمة وازع نفسي راسخ في النفس، وهي في الأنبياء فطرية، وقد يكون لغيرهم - بحسن التربية - من ملكة الفضيلة ما يربأ بنفوسهم عن موافقة الفجور والدنايا ويسمي علماؤنا هذا المعنى حفظًا للتفرقة " ٥. يعني التفرقة بين الأنبياء وغيرهم.
_________________
(١) ١ هو علي بن محمد بن السيد الزين من كبار العلماء بالعربية، فيلسوف، توفي سنة ٨١٦هـ. وانظر: الزركلي: الأعلام (٥/ ٧) ٢ سبقت ترجمته. ٣ مجلة المنار (٥/ ٢١) ٤ التعريفات (ص: ١٣١) ٥ مجلة المنار (٥/ ١٨)
[ ٧١٠ ]
المطلب الثاني: بعض مسائل العصمة:
يفصل رشيد رضا في بعض المسائل المتعلقة بالعصمة، ومنها:
أولًا: العصمة من الصغائر:
وقد وقع خلاف في جواز وقوع صغائر الذنوب من الأنبياء فذهب قوم إلى جوازه، إلا أنهم لا يقرون عليها، بل ينبهون فيتوبون ويستغفرون ٦. وذهب آخرون إلى امتناع ذلك عليهم - صلى الله تعالى عليهم - لأننا مأمورون بالتأسي بهم، وأولوا ما ورد في ذلك مما ظاهره إثبات الذنوب للأنبياء واستغفارهم منها ٧.
_________________
(١) ٦ انظر: ابن تيمية: مجموع الفتاوى (٤/ ٤١٩ و٣٢٠، و١٥/ ١٥٠) ٧ انظر: القاضي عياض: الشفاء (ص: ١٣٦) وما بعدها.
[ ٧١٠ ]
واحتج الأولون بظواهر الآيات التي تدل على ما ذهبوا إليه،
كقوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ ١.
وقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ ٢.
وقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ ٣.
وقوله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ ٤.
وقوله: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ ٥. فهذا وغيره فيه إثبات الأوزار والذنوب والخطايا على الرسل - صلى الله تعالى عليهم - وأجيب عن كل ذلك بأجوبة منها أن ذلك كان من بعضهم قبل النبوة، وأنها - لعلو منزلتهم وشدة خوفهم من الله تعالى، ليست ذنوبًا حقيقية وإنما هي أشياء خافوا منها، وقد وقعت منهم بناءً على اجتهاد لم يسبق فيه نص، أو هي: كانت - كما قيل ـ: حسنات الأبرار سيئات المقربين، أي أنهم يرونها بالنسبة إلى نبوتهم كالسيئات - لذلك استغفروا منها، وأخبروا أنها قد غفرت لهم ٦.
وأما الشيخ رشيد فيقول - بعد إثباته للعصمة كما سبق - أنه ليس معناها أن الأنبياء "آلهة منزهون عن جميع ما يقتضيه الضعف البشري من التقصير في القيام بحقوق الله تعالى على الوجه الأكمل، ومن الخطأ في الاجتهاد في بعض المصالح والمنافع ودفع المضار ولا يمكن أن يحيط بوجوه المصالح والمنافع ودرء المضار والمفاسد إلا من هو بكل شيء عليم، ومن ليس له هذه الإحاطة قد يخطئ في اجتهاده فيعمل العمل وهو يعتقد أنه الصواب والخير فيجيء بخلاف ذلك ومثل هذا يسمى ذنبًا من الكامل والمقرب فإذا وقع
_________________
(١) ١ سورة الفتح، الآية (٢) ٢ سورة محمد، الآية (١٩) ٣ سورة التوبة، الآية (٤٣) ٤ سورة طه، الآية (١٢١) ٥ سورة الشعراء، الآية (٨٢) ٦ انظر: القاضي عياض، الشفاء (ص: ١٤٩ - ١٥٠)
[ ٧١١ ]
هذا من الأنبياء يعاتبهم الله تعالى عليه ويغفره لهم ويأمرهم بتبليغ ذلك لأمتهم ليعرفوا الفرق بين الرب والعبد، فلا يفضي بهم الغلو بتعظيم أنبيائهم والإعجاب بفضائلهم ونزاهتهم إلى عبادتهم مع الله تعالى " ١.
ثم أورد الشيخ رشيد أمثلة لذلك منها قصة الأعمى ٢، ومسألة زيد وزينب ٣، ومسألة أسرى بدر ٤، كأمثلة على اجتهادات خالفت الأولى أو الصواب. ثم قال: "فهذه هي ذنوب الأنبياء وهم يستغفرون منها وهي مغفورة لهم بفضل الله تعالى وإنما فيها فائدةمعرفة الناس أن النبي وإن جل قدره وعلت نفسه فهو بشر مثلهم ميزه الله تعالى بالوحي وجعله إمامًا في الخير وأنه على هذه الخصوصية يعاتب وينسب إليه الذنب والتقصير ويمنحه الله المغفرة دلالة على أنه له أن يغفر له وله أن يعاقبه ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ ٥ " ٦.
إن الشيخ رشيد يثبت العصمة للأنبياء ولكن يثبت أيضًا ما يكون من مقتضى الجبلة البشرية والجنس الإنساني من جواز الخطأ في الاجتهاد واختيار الأقرب والأسهل إلى نفس الإنسان، لأن الأنبياء لا يتحولون بنبوتهم إلى آلهة وهذه هي الذنوب التي تقع منهم ويغفر لهم ولا يقرون عليها.
فالشيخ رشيد قد وافق أهل السنة في إثبات وقوع هذا النوع من الصغائر ٧. إلا أنه أيضًا لم يخالف الفريق الآخر، لأنه لم يثبت ما أنكروه، وهو ما أراه راجحًا في المسألة، وأن الخلاف بين الفريقين لفظي، لأن الذنوب التي ينفيها هؤلاء غير الذنوب التي يثبتها هؤلاء، فإن الذي ينفيه
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٥/ ٤٩) ٢ انظر: سورة عبس، الآيات من (١ ـ١٢) ٣ انظر: سورة الأحزاب، الآيات (٣٧ - ٣٩) ٤ سورة الأنفال، الآيات (٦٧ـ ٦٩) ٥ وانظر: مجلة المنار (٥/ ٤٩ - ٥٠) ٦ مجلة المنار (٥/ ٥٠ - ٥١)، وانظر أيضًا: الوحي المحمدي (ص: ٥٣ - ٥٤)، وتفسير المنار (٧/ ٥١١ - ٥١٣) ٧ انظر: ابن تيمية: مجموع الفتاوى (٤/ ٣١٩)
[ ٧١٢ ]
ليس كذنوب غيرهم ومعاصيهم، وإنما الذنوب التي لغيرهم هي ما يأخذ من اسمها وهو الشيء الدني الرذل، أما الأنبياء فإن أسوأ ما يكون منهم هو ما ذكر من خطأ في اجتهاد أو شيء دفعت إليه الجبلة الإنسانية، لولاه لكان الإنسان ملكًا ١.
وبناءً على ذلك لا يكون النسيان - مثلًا - منافيًا للعصمة، وهو ما يقرره الشيخ رشيد ٢.
ثانيًا: العصمة في التبليغ:
قال الشيخ رشيد نقلًا عن الإيجي: " إن أهل الملل والشرائع قد أجمعوا على عصمة الأنبياء عن تعمد الكذب فيما دل المعجز على صدقهم فيه كدعوى الرسالة وما يبلغونه عن الله تعالى، وإن عاقلًا لا يجمع بين الإيمان بالوحي والنبوة وبين تجويز كذب النبي على الله تعالى فيما يبلغ عنه، فإن كان هذا جائزًا فأي ثقة بالوحي " ٣.
فالشيخ رشيد هنا يعتمد الدليل العقلي على عصمة الأنبياء بناءً على ثبوت نبوتهم حتى إن الدليل على العصمة في التبليغ هو نفس الدليل على النبوة نفسها ٤.
العصمة من الكفر وكبائر الذنوب:
قال الشيخ رشيد: "وأجمع المسلمون من جميع الفرق على عصمتهم من الكفر قبل النبوة وبعدها، وليس هنا شبهة لأحد فنتوسع فيه" ٥.
وأجمع المسلمون على عصمة الأنبياء من الفواحش والكبائر
_________________
(١) ١ انظر: القاضي عياض: الشفاء (ص: ١٥٠)، والوحي المحمدي (ص: ٥٣ - ٥٤ت) ٢ تفسير المنار (٧/ ٥٠٨ - ٥٠٩) ٣ مجلة المنار (٥/ ١٨)، وقارن مع الإيجي: المواقف (ص: ٣٥٨) ٤ المصدر نفسه والصفحة. ٥ المصدر نفسه (٥/ ١٩) وقارن مع: الرازي: عصمة الأنبياء (ص: ٢٦) ط. دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٩هـ.
[ ٧١٣ ]
والموبقات ١. وقد نقل الشيخ رشيد عن الإيجي ذلك الحكم، كما نقل الخلاف بين الأشعرية الذين يقولون بأن دليل ذلك السمع مخالفة للمعتزلة الذين يقولون أن دليل ذلك العقل بناءً على قاعدة التحسين والتقبيح العقليين ووجوب رعاية الصلاح والأصلح، لأن صدور الكبائر عنهم عمدًا يوجب سقوط هيبتهم من القلوب، وانحطاط رتبتهم في أعين الناس فيؤدي إلى النفرة منهم " ٢.
ثم أبدى الشيخ رشيد رأيه في ذلك فقال: "والذي نراه أنه يصح الاستدلال بالعقل على عصمة الأنبياء ﵈ ولا يستلزم ذلك القول بقاعدة التحسين والتقبيح العقليين ولا سلب الاختيار عن الله تعالى، وكذلك يستنبط من كثير من الآيات القرآنية ما يدل على نزاهتهم وكونهم قدوة في الخير والفضائل وفي الكتاب والسنة إسناد الذنوب إلى بعض الأنبياء ﵈ وما جاز على بعضهم جاز على الآخرين والعلماء يأولون ذلك، وقصارى هذا كله وجوب الاعتماد على الدليل العقلي والتوفيق بينه وبين ما ورد من إسناد الذنوب إليهم " ٣.
فالعصمة ثابتة بالعقل وبالنقل، والذي يثبت أيضًا نسبة بعض الذنوب إليهم، ويحتاج هذا إلى الجمع بين ما يظهر من التعارض. فسوف يبين الشيخ رشيد لنا الأدلة العقلية ثم النقلية على وجوب العصمة للأنبياء، ثم يرد ما قد يرد على ذلك من شبهات تقدح - بحسب الظاهر - فيما قررناه.
_________________
(١) ١ انظر: عياض: الشفا بتعريف حقوق المصطفى (٢/ ١٢٦) وانظر: الرازي: عصمة الأنبياء (ص: ٢٧) ٢ مجلة المنار (٥/ ١٩ - ٢٠)، وقارن مع الإيجي: المواقف (ص: ٣٥٩) ٣ مجلة المنار (٥/ ٢١)
[ ٧١٤ ]
المطلب الثالث: الأدلة العقلية والنقلية على ثبوت العصمة:
لقد بنى الشيخ رشيد ﵀ الدليل العقلي على وجوب ثبوت العصمة للأنبياء على ما بينه من وجه الحاجة إليهم ومن وظائفهم التي بينها
[ ٧١٤ ]
إجمالًا ثم تفصيلًا ١. وقد قسم هذه الوظائف إلى قسمين: نوع في بيان الاعتقادات، ونوع في تهذيب النفس وتزكيتها. قال: " وبديهي أن العمدة في بيان النوع الأول صدق الخبر بحيث لا يحوم حوله الشك والريب، والعمدة في الثاني صدق الخبر كذلك مع حسن الأسوة وصحة القدوة بالمخبر ولا تحصل الثقة القطعية بصدق الخبر إلا إذا كان المخبر معصومًا من الكذب والخطأ في التبليغ، ولا تتم القدوة وتحسن الأسوة إلا إذا كان الإمام المقتدى به بريئًا من النقائص إذًا لا تتم حكمة الله تعالى في إرسال الرسل إلا إذا كانوا بحيث ذكرنا من الصدق والنزاهة ولا يلزم من هذا إيجاب شيء على الله تعالى فيكون حجة للمعتزلة " ٢.
وبعد إيراده للدليل العقلي يورد الشيخ رشيد أدلة الكتاب العزيز التي تثبت عصمة الأنبياء، فيقول: "الدليل النقلي على عصمتهم أن الله تعالى ما أرسل المرسلين إلا ليتبعوا ويقتدى بهم وقد أمر باتباعهم كقوله في خاتمهم ﵇: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ٣، فلو كانوا يخالفون ما يجيئون به من الهدى لكان الله تعالى آمرًا بالشيء ناهيًا عنه في آن واحد، وهو محال على الله تعالى. ولو فعلوا الفاحشة لكان الله آمرًا بها من حيث أمر باتباعهم أمر تشريع، وأمر بالتأسي بالعظماء أمر تكوين بأن أودع ذلك في فطرة الإنسان، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ ٤ " ٥.
وهذا الاستدلال من الشيخ رشيد صحيح، ولكن أرى أنه استدلال عقلي أيضًا، كالأول، والأولى عند الاستدلال بالكتاب العزيز أن يستدل بأدلة مباشرة، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ٦ وكقوله تعالى:
_________________
(١) ١ انظر: (ص:٦٥٦) من هذا البحث. ٢ مجلة المنار (٥/ ٤٧) وقارن مع: الرازي: عصمة الأنبياء (ص: ٢٩) ٣ سورة الأعراف، الآية (١٥٨) ٤ سورة الأعراف، الآية (٢٨) ٥ مجلة المنار (٥/ ٤٨) ٦ سورة الأنعام، الآية (١٢٤)
[ ٧١٥ ]
﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١.
فهذا استدلال مباشر بالكتاب على عصمة الأنبياء، وأما استدلال الشيخ فهو بواسطة العقل.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، الآية (٧٩)
[ ٧١٦ ]
المطلب الرابع: دفع شبهات حول العصمة:
وبعد إثبات العصمة عقلًا ونقلًا يحسن دفع ما يرد عليها من شبهات وهو ما فعله رشيد رضا في دفعه عن عدد من الأنبياء شبهات ترد على عصمتهم، منها:
أولًا: قصة آدم وحواء:
تمسك بعضهم بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٢ قالوا: لا شك أن النفس الواحدة هي آدم، وزوجها المخلوق منها هي حواء، وهذا يقتضي صدور الشرك عنهما. وتمسكوا ببعض الآثار التي تشير إلى هذا المعنى، منها حديث سمرة بن جندب ﵁ مرفوعًا: "لما ولدت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال سميه عبد الحارث فإنه يعيش، فسمته عبد الحارث
_________________
(١) ٢ سورة الأعراف، الآية (١٨٩ـ ١٩١)
[ ٧١٦ ]
فعاش، فكان ذلك وحيًا من الشيطان" ١.
وقد أجاب أهل العلم على ذلك بوجوه:
الأول: إن الآية تشير إلى خلق الناس من آدم وحواء كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ ٢.
وقوله: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ ٣.
وإنما وقع الشرك في قوله تعالى: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ﴾ من بعض ذريته، وروي ذلك عن الحسن ٤، واختاره ابن كثير ٥.
الثاني: إن النفس الواحدة في الآية ليست هي آدم، إذ لا دليل في نص الآية على ذلك - مع عدم صحة حديث سمرة - في رأيهم - بل الخطاب في الآية لقريش، والمعنى: خلقكم من نفس قصي وجعل منها زوجها عربية قرشية ليسكن إليها، فلما آتاهما ما طلبا من الولد الصالح سميا أولادهما الأربعة عبد مناف وعبد العزى وعبد قصي وعبد الدار ٦.
الثالث: على التسليم بأن الآية في آدم وحواء وأن الشرك فيها منسوب إليهما، وكما ورد في حديث سمرة، أن هذا الشرك لم يكن شركًا في العبادة، وإنما هو شرك في التسمية واللفظ، فقد قصدت بتسمية
_________________
(١) ١ أخرجه الترمذي: ك: التفسير، باب: ومن سورة الأعراف، ح: ٣٠٧٧ (٥/ ٢٦٧) وقال: حسن غريب. وأحمد في المسند (٥/ ١١) وأعله ابن كثير من ثلاثة أوجه، ورجح وقفه على سمرة. انظر: التفسير (٢/ ٢٦٣)، وقد أخرجه أيضًا الحاكم في المستدرك (٢/ ٥٤٥) وقد ضعفه أحمد شاكر، انظر: حاشية الطبري (١٣/ ٣١٠) ٢ سورة النساء، الآية (١) ٣ سورة الحجرات، الآية (١٣) ٤ انظر: ابن كثير: التفسير (٢/ ٢٦٧) وقال: هذه أسانيد صحيحة عن الحسن. وانظر: الطبري: التفسير (١٣/ ٣٠٣ و٣١٤) ط. شاكر. ٥ ابن كثير: المصدر نفسه (٢/ ٢٦٧) ٦ الرازي: عصمة الأنبياء (ص: ٤٢ و٤٣ـ٤٤) وانظر: الطبري: التفسير (١٣/ ٣١٤)
[ ٧١٧ ]
عبد الحارث أن الحرث سبب لنجاة الولد، فالمعاتبة على ذلك من حيث أنها نظرت إلى السبب دون المسبب، والشرك في الألفاظ مما يقع وحكمه الاستغفار منه والتوبة منه، وعدم العود إليه ١.
وأما رشيد رضا فقد رجح في معنى الآية أن المراد جنس الذكر والأنثى ولا يقصد فيه إلى معين، آدم ولا غيره، فالمعنى خلقكم جنسًا واحدًا وجعل أزواجكم منكم أيضًا لتسكنوا إليها سكونًا زوجيًا، فلما تغشى الجنس الذي هو الذكر الجنس الآخر الذي هو الأنثى جرى من هذين الجنسين ما حكي في الآية ٢. فيرى رشيد رضا أن الآية ليست نصًا في آدم وحواء. وأما الحديث والآثار المروية كحديث سمرة فيهذب رشيد رضا إلى أنه ضعيف، ومأخوذ من الإسرائيليات لأن فيه طعنًا صريحًا في آدم وحواء، ورميًا لهما بالشرك. وقد نقل كلام ابن كثير بطوله ٣ واستحسنه، لأنه يؤيد رأيه في الآثار المروية وكونها من الإسرائيليات المروية عن أهل الكتاب. قال: "إن هذه الآثار مأخوذة من الإسرائيليات ولما كانت طعنًا في عقيدة أبوينا آدم وحواء ﵉ بما تبطله عقائد الإسلام، وجب الجزم ببطلانها وتكذيبهم فيها"٤.
ثانيًا: قصة يوسف ﵇:
وتمسك الطاعنون في العصمة بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ انظر: الطبري: التفسير (١٣/ ٣١٥) وهذا هو الذي اختارد ابن جرير، وانظر: صديق حسن خان: فتح البيان (٣/ ٤٧٥)، وانظر: سليمان بن عبد الله: تيسير العزيز الحميد (ص: ٥٩٣)، والميلي: الشرك ومظاهره (ص: ٢٧٦ - ٢٧٧) ٢ انظر: تفسير المنار (٩/ ٥١٧ و٥٢٠) ٣ تفسير المنار (٩/ ٥٢١ - ٥٢٥) وقارن مع ابن كثير: التفسير (٢/ ٢٦٣ - ٢٦٤) ٤ انظر: تفسير المنار (٩/ ٥٢٥) ٥ سورة يوسف، الآية (٢٤)
[ ٧١٨ ]
وقد اختلف في معنى الهم في الآية، فقيل هو: الهم منها بالفاحشة ١، وقيل المراد به منه: حديث النفس ٢، كقوله ﷺ حكاية عن الله تعالى: "إذا هم عبدي بحسنة فاكتبوها له حسنة وإن هم بسيئة فلم يعملها فاكتبوها حسنة " ٣.
ولكن الشيخ رشيد يذهب في ذلك مذهبًا خاصًا، فإنه يرى أن الهم بالفاحشة لم يقع منها ولا منه ﵇ وإنما الذي وقع منها هو المراودة، فلما امتنع وكان ذلك إهانة لها وكسرًا لطبيعة الأنثى التي فطرت على أن تكون مُرَاوَدة لا مراوِدة، من عبدها العبراني، وعدّت هذا احتقارًا منه، أرادت الانتقام منه بالاعتداء عليه والبطش به في ثورة غضبها وهو انتقام معهود من مثلها ومن دونها في كل زمان ومكان، والهم منه كان همًا بدفع اعتدائها عليه، والبرهان الذي رآه يوسف - كما يرى رشيد رضا - هو آية رآها يوسف في نفسه، وهي إما النبوة التي آتاه الله إياها بعد الحكم، أو مقدمات هذه النبوة من مقام الصديقية العليا وهي: مراقبته لله تعالى، ورؤية ربه متجليًا له ناظرًا إليه، فهذا هو البرهان الذي رآه يوسف ﵇ ٤، ويرفض رشيد رضا كل ما روي في معنى الهم منها ومنه، ويعده من الإسرائيليات التي انخدع بها كثير من الناس ٥، كما يرفض الروايات في البرهان الذي رآه يوسف ٦.
ومهما يكن من شيء في معنى الهم فإن يوسف ﵇ كان
_________________
(١) ١ انظر: ابن جرير: التفسير (١٦/ ٣٥ - ٣٧) ٢ انظر: ابن كثير: التفسير (٢/ ٤٥٦)، والرازي: عصمة الأنبياء (ص: ٧٦)، وانظر أيضًا: الطبري: التفسير (١٦/ ٣٤) ٣ رواه مسلم: الصحيح، ك: الإيمان، ح: ٢٠٣ (١٢٨) و٢٠٤ و٢٠٥ (١٢٩) [١/ ١١٧] ٤ تفسير المنار (١٢/ ٢٧٥ - ٢٧٦) وقريب منه أيضًا رأي عند الطبري: انظر: التفسير (١٦/ ٣٨) ٥ المصدر نفسه (١٢/ ٢٨٠) ٦ المصدر نفسه (١٢/ ٢٧٩) وانظر: الآراء في هذا البرهان: الطبري: التفسير (١٦/ ٣٩ - ٤٣)
[ ٧١٩ ]
معصومًا كالأنبياء ولم يرتكب الفاحشة قط، فقد شهد ببراءة يوسف من الذنب كل من له تعلق بتلك الواقعة من زوج وحاكم ونسوة وملك، وادعى يوسف ذلك واعترف له خصمه بصدق ما قال مرتين، وشهد بذلك رب العالمين وهو أصدق القائلين ١.
ثالثًا: سحر النبي ﷺ:
ومما يشبه أن يكون شبهة على عصمة الأنبياء، ما روي من "أن اليهود سحروا النبي ﷺ حتى أنه كان يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله" ٢. وفي رواية: "حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن" ٣، وطعن بعض الملحدة في الشرع متمسكين بهذا الحديث ٤، كما أن بعض المبتدعة أنكرته بزعم أن تجويز ذلك يطرح الثقة بالشرائع. وممن أنكر أحاديث سحر النبي ﷺ الشيخ محمد عبده ٥.
وكان رشيد رضا قد أورد هذه الأحاديث ضمن الأحاديث التي ينبغي أن ترد لعلة في متنها لأنها تمثل شبهة على الدين، ولأن نفس النبي ﷺ أقوى من أن يكون لمن دونه تأثير فيها ٦، ونسب رشيد رضا رد هذه الرواية للأستاذ الإمام. ولكن رشيد رضا أورد هذا الحديث في السياق الذي أشرت إليه ليمثل للأحاديث التي ترد لعلة في متنها، وإن صح بحسب صناعة تعديل الرجال سندها ٧. إلا أنه عندما هاجمه يوسف الدجوي ـ
_________________
(١) ١ انظر: الرازي: عصمة الأنبياء (ص: ٧٥ - ٧٦) ٢ انظر: البخاري: الصحيح، ك: الطب، باب: السحر، ح: ٥٧٦٣ و٥٧٦٦، ومسلم: الصحيح، ك: السلام، ح: ٤٣ (٢١٨٩) ٣ البخاري: الصحيح، ك: الطب، باب: هل يستخرج السحر، ح: ٥٧٦٥. ٤ انظر: القاضي عياض: الشفا (ص: ١٦٠)، وابن القيم: زاد المعاد (٤/ ١٢٤)، وابن حجر: فتح الباري (١٠/ ٢٣٧) ٥ انظر: محمد عبده: تفسير جزء عم (ص:١٨٣ - ١٨٤) ط. الجمعية الخيرية الإسلامية بالقاهرة، ط. الثانية، بمطبعة مجلة المنار، مصر، ١٣٢٩هـ ٦ مجلة المنار (١٤/ ٦٢٣) ٧ المصدر نفسه (١٤/ ٦٢٤)
[ ٧٢٠ ]
محرر مجلة الأزهر - أنكر رشيد رضا رده للحديث واعتبر كلام الدجوي بهتًا له. وقال: " إنني ناقل لهذه المسألة عن الأستاذ الإمام ولست أنا الذي رددت الحديث، فإسناد الرد إليّ، بهت لي وافتراء عليّ" ١.
ولكن أليس السكوت في موطن الحاجة بيان وهو علامة الموافقة؟ لقد أورد رشيد رضا عبارة "الأستاذ الإمام" من تفسير جزء عم بطولها، وفيها حجته ومنها قوله: "ولا يخفى أن تأثير السحر في نفسه ﵇ حتى يصل به الأمر إلى أن يظن أنه فعل شيئًا وهو لا يفعله، ليس من قبيل تأثير الأمراض في الأبدان، ولا من قبيل عروض السهو والنسيان في بعض الأمور العادية، بل هو ماس بالعقل، آخذ بالروح، وهو مما يصدق قول المشركين فيه: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ ٢ وليس المسحور عندهم إلا من خولط في عقله، وخيل له أن شيئًا يقع وهو لا يقع، فيخيل إليه أنه يوحى إليه ولا يوحى إليه وقد قال كثير من المقلدة الذين لا يعقلون ما هي النبوة ولا ما يجب لها أن الخبر بتأثير السحر في النفس الشريفة قد صح، فيلزم الاعتقاد به، وعدم التصديق به من بدع المبتدعين " ٣. ثم علق رشيد رضا قائلًا: "هذه حجة "الأستاذ الإمام" على إنكاره لوقوع السحر على تلك النفس القدسية العليا فهو يجلها أن يؤثر فيها سحر ذلك اليهودي الرجيم وإننا لم نرَ من علماء الملة متقدميهم ومتأخريهم من بين لنا من فضل تلك النفس الزكية العلوية، والشخصية الشريفة المحمدية، ما بينه لنا هذا الإمام الجليل " ٤، وهذا التعليق من الشيخ رشيد يدل على استحسانه لرأي الشيخ محمد عبده وموافقته له وإعجابه به.
والذي أريد أن أشير إليه هنا هو حديث الشيخين هنا محمد عبده ورشيد رضا عن النفس وسيأتي أيضًا كلام لرشيد رضا عن "قوى النفس"،
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٣٣/ ٣٩) ٢ سورة الفرقان، الآية (٨) ٣ مجلة المنار (٣٣/ ٤١) ٤ مجلة المنار (٣٣/ ٤٣)
[ ٧٢١ ]
فقول محمد عبده عن المثبتين للسحر المتمسكين بالحديث أنهم "لا يعقلون ما هي النبوة ولا ما يجب لها" وإنكاره عليهم قولهم: "إن الخبر بتأثير السحر في النفس الشريفة قد صح فيلزم الاعتقاد به " هو صحيح، إذ أن النبوة عند الفلاسفة الذين أعجب بهم محمد عبده بعد درسه للإشارات، هي من قوى النفس فالطعن في "قوى النفس" طعن في النبوة. وغني عن البيان أن هؤلاء الفلاسفة هم الذين "لا يعقلون ما هي النبوة ولا ما يجب لها" ولا أحد يطعن في الأنبياء طعنهم، إذا أنهم يقولون إن الأنبياء لا يخبرون بالحقائق على ما هي عليه، بل يتابعون "الجمهور" في ما يعتقدون ويخبرونهم بما "يفهمونه ويتخيلونه" بضروب من التمثيل والتخييل ١. كما أنني أريد أن أشير إلى قول رشيد رضا أيضًا أنه "لم ير من علماء الملة متقدميهم ومتأخريهم، من بين لنا فضل تلك النفس الزكية العلوية ما بينه لنا هذا الإمام الجليل" وأقول إن هذا "بهت وافتراء" على علماء الملة "متقدميهم ومتأخريهم" إذ أنهم رحمهم الله تعالى قد قاموا ببيان حقيقة النبوة ووضعوها في موضعها، ونقلوا لنا حقيقة هذه "النفس العلوية" بما لم تقم به أمة من الأمم، حتى صار عملهم ذلك من علامات نبوة نبينا ﷺ. وبعد ذلك كله ذكر رشيد رضا أقوالًا أخرى لمنكري السحر ثم ختم ذلك بقوله: "وإن لنا في هذا الحديث كلمتين:
إحداهما في سنده: وهي: أن الذين أعلوا الحديث بهشام بن عروة ٢، ورد عليهم العلامة ابن القيم باتفاق الجماعة على تعديله لهم وجه
_________________
(١) ١ انظر: ابن تيمية: درء التعارض (١/ ٨ - ١٠ وص: ١٧٩ - ١٨٠) ٢ هو: هشام بن عروة بن الزبير، الإمام الثقة، شيخ الإسلام، راى ابن عمر ودعا له ومسح برأسه، كان مثل الحسن وابن سيرين، ثقة ثبت حجة. السير (٦/ ٣٤ - ٤٦) . ولم يقتصر طعن رشيد رضا هنا في هشام بن عروة بل طعن في ابن حجر أيضًا بأنه "من الرجال الذين انحصرت قوة تحقيقهم في الروايات وحفظ ما قاله أهل الجرح والتعديل في أسانيدها وسائر العلماء في متونها، والترجيح بينها بمقتضى قواعدهم التي هي آراء لهم. فبضاعته ضعيفة في تحقيق مسائل المتون وبنائها على قواعد المعقول والمنقول " مجلة المنار (٣٣/ ٤٨) . بل إنه طعن بهذه المناسبة، في جميع المحدثين، فقال: "أما علماء الروايات فليسوا ممن يطلب منهم معرفة هذه الحقائق في نقد المتون". مجلة المنار (٣٣/ ٤٤) . فإذا كنا لا نأخذ الحديث من المحدثين، ولا من "علماء المناقشات اللفظية" يعني الفقهاء، فلا بد أن نأخذها من الفلاسفة ومنهم "الأستاذ الإمام" حكيم الإسلام".
[ ٧٢٢ ]
وجيه ومستند من أقوال أئمة الجرح والتعديل فالقول بوقوع الخطأ منه أهون من قبول روايته هذه وهو أوثق من روى هذا الحديث.
الثانية في متنه: وهو أن الروايات عن عائشة تدور على أمر واحد وهو ما يتعلق بالنساء، فقولها كان يخيل إليه إنه يفعل الشيء وهو لم يفعله كناية عن ذلك الأمر حياء من التصريح به على أنها صرحت في رواية أخرى فظن بعض الرواة أنه عام في كل فعل فعظمت الشبهة فيه على علماء الأصول والعقائد، ويؤيد حصر التأثير فيما ذكر ما في طبقات ابن سعد عن ابن عباس: مرض النبي ﷺ وأخذ عن النساء والطعام والشراب، وفي مرسل يحيى بن يعمر عند عبد الرزاق: سحر النبي ﷺ عن عائشة حتى أنكر بصره. فجملة القول أنه مرض مرضًا أثر في الجهاز الهضمي والجهاز التناسلي فقط، وما زالت الناس تعد هذا من أنواع السحر ويعبر عنه العوام في زماننا بالعقد ويسمون الواقع عليه "معقودًا" وكانت العرب تسميه مطبوبًا، "١. ثم قال الشيخ رشيد مبينًا قصده من ذلك: "وإننا على هذا قد محصنا أقوال علماء المعقول والمنقول في الراوية متنًا وسندًا بما يهون فيها أمر منكري الرواية بما قيل في هشام، وبما يرجع أقوال مثبتيها إلى كون التأثير الذي وقع على قولهم هو خاص بمباشرة الراوية له (عائشة) على أن أستاذنا - رحمه الله تعالى - فوض الأمر في تأويل الحديث لأهله، ولم يرد روايته كغيره" ٢.
وأما الشيخ محمد عبده فإن دفاع رشيد رضا عنه لا يجديه، فإن رده للمسألة هو ردٌ للحديث بلا شك.
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٣٣/ ٤٦) ٢ المصدر نفسه (٣٣/ ٤٩)
[ ٧٢٣ ]
ومهما يكن من شيء فإن السحر مرض من الأمراض، وعارض من العوارض والعلل، يجوز عليه ﷺ كأنواع الأمراض مما لا ينكر، ولا يقدح في نبوته ١، بل هو من جنس ما كان يعتريه ﷺ من الأسقام والأوجاع، وإصابته به كإصابته بالسم لا فرق بينهما ٢.
_________________
(١) ١ انظر: عياض: الشفا (٢/ ١٦٠) ٢ انظر: ابن القيم: زاد المعاد (٤/ ١٢٤)، وابن حجر: فتح الباري (١٠/ ٢٣٧)
[ ٧٢٤ ]
المطلب الخامس: عصمة الأنبياء عند أهل الكتاب:
ويقارن رشيد رضا بين العصمة التي قررها المسلمون للأنبياء، وبين مذهب أهل الكتاب في عدم عصمة الأنبياء ونسبتهم إلى سائر الشرر والمعاصي. إلا أنه لا يسلم لهم هذه الدعوى، ويستدل بنصوصهم المقدسة على ذلك.
وأريد هنا - وقبل أن أعرض لمقارنة الشيخ رشيد هذه - أن أذكر - وباختصار - بعض الآيات القرآنية التي تبين تزكية الله تعالى لأنبيائه في كتابه، وتبين موقف المسلمين من هؤلاء الأنبياء صلى الله تعالى عليهم؛ يقول الله تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ. وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ. أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ﴾ ٣. ونلاحظ أن الأمر الأخير بالاقتداء بهم - صلى الله تعالى عليهم - قد جاء بعد ذكرهم والثناء عليهم وذكر صلاحهم، وإحسانهم وهدى الله تعالى لهم. وهذا
_________________
(١) ٣ سورة الأنعام، الآيات (٨٤ - ٩٠)
[ ٧٢٤ ]
هو ما نقول أنه موجب العصمة. إلا أن أهل الكتاب لا يقولون بهذه العصمة للأنبياء يقول رشيد رضا: "وأهل الكتاب لا يقولون بهذه العصمة، وكتبهم المقدسة ترمي بعض الأنبياء بكبائر الفواحش المنافية لحسن الأسوة، بل المجرئة على الشرور والمفاسد.." ١.
ولا يقف الأمر بأهل الكتاب عند مجرد الدعوى النظرية بل ينسبون إلى الأنبياء في كتبهم ارتكاب جميع الموبقات التي يستنكف عامة المسلمين عن مجرد الحديث عنها. وسأقتصر هنا على ذكر أسماء بعض الأنبياء الذين ورد ذكرهم في الآية السابقة، فمثلًا تنسب التوراة إلى يعقوب ﵇ أنه سرق مواشي من حميه وخرج خلسة دون أن يراه أحد ٢. وأما إبراهيم الخليل ﵇ فقد قدم - بحسب رواية التوراة - امرأته سارة إلى فرعون حتى ينال الخير بسببها ٣. ومن ذلك أيضًا: أن لوطًا ﵇ شرب خمرًا حتى سكر، ثم قام على ابنتيه فزنا بهما الواحدة بعد الأخرى كما تزعم رواية التوراة ٤. وأما دواد الذي يقول في صفته القرآن ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ ٥ فيقول العهد القديم: إنه زنا بزوجة رجل من قواد جيشه ثم دبر حيلة لقتل الرجل، فقتل وأخذ داود الزوجة وضمها إلى نسائه فولدت له سليمان ٦. وأما سليمان الذي يصفه القرآن بأنه ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ ٧، فيقولون: إنه ارتد في آخر عمره وعبد الأصنام، وبنى لها المعابد بسبب حب النساء الوثنيات اللاتي أملن قلبه ٨. ويقولون: إن هارون صنع عجلًا وعبده مع بني إسرائيل ٩.
_________________
(١) ١ الوحي المحمدي (ص: ٥١) ٢ انظر: التوراة: سفر التكوين: إصحاح: ٣١ عدد١٧ ٣ المصدر نفسه الخروج: إصحاح: ١٢ عدد ١١٤ ٤ المصدر نفسه تكوين: إصحاح: ١٩: عدد٣٠ ٥ سورة ص: الآية (١٧) والأواب: التواب (الراغب: المفردات، ص: ٩٧، أوب) ٦ صموئيل الثاني: إصحاح: ١١/ عدد: ١ ٧ سورة: ص: الآية (٣٠) ٨ الملوك: الأول: (١١/٥) ٩ الخروج: (٣٢/ ١) .
[ ٧٢٥ ]
واستغل النصارى هذه الروايات الغريبة لصالحهم، - وبما أنهم لا بدّ أن يؤمنوا بالتوراة - فقد اتخذوا من هذه الروايات سندًا يستندون إليه في تصحيح عقيدتهم في المسيح ﵇ كما يقول الشيخ رشيد: " والنصارى منهم يحعلون معاصي الأنبياء دليلًا على عقيدتهم، وهي أن المسيح هو المعصوم وحده لأنه رب وإله، ولأنه هو المخلص للناس من العقاب على الخطيئة اللازبة اللازمة لكل ذرية آدم بالوراثة عنه، وأنه لا شفيع ولا مخلص لهم غيره، لأن المخطئ لا يخلص المخطئين وهو منهم، وهذه العقيدة الوثنية مخالفة لدين الأنبياء وكتبهم وللعقل، ومطابقة للأديان الوثنية الهندية وغيرها" ١.
ولكن الحقيقة لا تزول أبدًا فلا بدّ أن نجد طريقًا لها، يقول الشيخ رشيد: " إن كتب العهدين القديم والجديد المقدسة عندهم والمحرفة في اعتقادنا لا تشهد لهم برمي جميع أنبيائها بالذنوب فضلًا عن المعاصي التي هي أشد من الذنوب، فإن يوحنا المعمدان: يحيى بن زكريا ﵉ لم يوصم بخطيئة قط، بل شهدت له أناجيلهم بما يدل على أنه كان أعظم من المسيح في عصمته، ففي إنجيل لوقا: "إنه يكون عظيمًا أمام الرب وخمرًا ومسكرًا لا يشرب، ومن بطن أمه يمتلئ بروح القدس" ٢ وفيه: "كانت يد الرب معه" ٣، وقال المسيح فيه: "الحق أقول لكم إنه لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان" ٤، ثم قال فيه: "جاء يوحنا لا يأكل ولا يشرب فيقولون فيه شيطان، وجاء ابن الإنسان يأكل ويشرب فيقولون هو ذا إنسان أكول وشريب خمر محب العشارين والخطاة" ٥ بل شهدت الأناجيل أن المسيح ﵇ أهان أمه وأخواته
_________________
(١) ١ الوحي المحمدي (ص: ٥١) ٢ انظر: لوقا (١:٦٥) ٣ لوقا (١: ٦٦) ٤ متى (١١: ١١) ٥ متى (١١: ١٨)
[ ٧٢٦ ]
ولم يسمح لهم بلقائه، وقد استأذنوا عليه ليكلموه، وعلل ذلك بأنهم مخالفون لمشيئة أبيه كما تراه في آخر الفصل الثاني عشر من إنجيل متى وآخر الثالث من مرقس بالمعنى نعم إن إخوته لم يكونوا مؤمنين به كما هو مصرح به في موضع آخر، ولكن هل كانت أمه كذلك؟ وهل يجازيها هذا الجزاء؟ وإهانة الأم ذنب في جميع الشرائع والآداب، كما أن المبالغة في شرب الخمر ذنب حتى في الشرائع التي لم تحرمها مطلقًا، وجاء في هذه الأناجيل أن الشيطان استولى عليه أربعين يومًا يجربه ويدعوه إلى عبادته ١ ونحن نبرئه من كل ذلك. وهنا شهدت الأناجيل أيضًا بأن يوحنا كان يعمد الناس للتوبة ومغفرة الخطايا، وأنه عمد المسيح نفسه، وبأن أباه زكريا وأمه إليصابات " كان كلاهما بارين أمام الله سالكين في جميع وصايا الرب وأحكامه بلا لوم" ٢، وهذه شهادة بالعصمة التامة. وهناك أنبياء آخرون شهدت لهم نبوات العهد القديم بالبر ولم ينسب إلى أحد منهم أدنى خطيئة، وآدم عندما ارتكب الخطيئة لم يكن نبيًا مرسلًا إلى أحد، ولا كان معه قوم يسيئون الاقتداء به، وكان قد نسي النهي عن الأكل من الشجرة " ٣.
ويريد الشيخ رشيد من هذا كله إثبات العصمة للأنبياء حتى بدلالة الكتب المقدسة عند أهل الكتاب، وأن عصمة المسيح من الذنوب التي يدعيها النصارى دليلًا على ألوهيته ليست كذلك.
وقد سبق الجواب عن الآيات القرآنية التي تتحدث عن استغفار الأنبياء من الذنوب ومغفرتها لهمن كقوله تعالى لخاتمهم: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ ٤ وقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ ٥
_________________
(١) ١ انظر: لوقا (٤:١ـ ١٣) ٢ لوقا (١: ٦) ٣ الوحي المحمدي (ص: ٥٢ - ٥٣) ٤ سورة الفتح، الآية (٢) ٥ سورة محمد، الآية (١٩)
[ ٧٢٧ ]
فالذنب فيه - كما يقول الشيخ رشيد ـ: "جاء على أصل معناه اللغوي المشتق من ذنب الدابة، وهو كل عمل له عاقبة ضارة أو منافية للمصلحة، أو لما هو أولى وأنفع، ويدخل فيه الاجتهاد في الرأي المباح شرعًا كإذن النبي ﷺ لمن استأذنه من المنافقين في التخلف عن غزوة تبوك وعاتبه الله عليه بقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ ١، وإنما العصمة للأنبياء من معصية الله بمخالفة وحيه إليهم، إذ لو عصوه لكان أتباعهم مأمورين من الله بالمعصية لأنه أمرهم باتباعهم، وقال في نبينا ﷺ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ ٢ " ٣.
ومهما يكن من شيء فإن الله تعالى يعصم الأنبياء بعد الأخطاء فيبينها لهم فيعرفونها ويتوبون منها ويتوب الله عليهم فيغفرها لهم، فلا خوف من ذلك على الأنبياء ولا أتباعهم.
_________________
(١) ١ سورة التوبة، الآية (٤٣) ٢ سورة الأحزاب، الآية (٢١) ٣ الوحي المحمدي (ص: ٥٣)
[ ٧٢٨ ]
المبحث السابع: آيات الأنبياء، وكرامات الأولياء، وخوارق الأشقياء
تمهيد
آيات الأنبياء هي أدلتهم وبراهين صدقهم، كما سماها الله تعالى آيات وبراهين ١، فالأنبياء الذين بعثهم الله تعالى لهداية الناس لا بد أن يقيموا على دعواهم دليل الصدق لتقوم الحجة بهم على الناس، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ ٢ فإذًا كان المقصود هو معرفة صدق مدعي النبوة أو كذبه، فالتمييز بين الصادق والكاذب له طرق كثيرة فيما هو دون دعوى النبوة، فكيف بدعوى النبوة؟ فطرق العلم بالرسالة كثيرة جدًا ومتنوعة، منها دلالة المعجزة وغير المعجزة ٣.
ولقد كتب الشيخ رشيد عن آيات الأنبياء ومعجزاتهم، فعرفها بعد أن أثبتها - وقارن بينها وبين آيات نبينا ﷺ ورجح آية نبينا ﷺ الباقية على مر الأيام والسنين، شاهدة شهادة صدق دائم لا يغيب. كما تحدث الشيخ عن كرامات الأولياء حديثًا طويلًا مسهبًا وقارن بينها وبين آيات الأنبياء - وبين السحر كذلك، وفيما يلي أعرض للنواحي التي تناولها الشيخ رشيد في مبحث الآيات.
_________________
(١) ١ انظر: ابن تيمية: النبوات (ص: ٥) ٢ سورة الحديد، الآية (٢٥) ٣ انظر: ابن تيمية: شرح الأصفهانية (ص: ١٢٠) وما بعدها.
[ ٧٢٩ ]
المطلب الأول: تعريف الشيخ رشيد للآية والمعجزة:
يلاحظ الشيخ رشيد أولًا: أن القرآن عبر عما أيد الله تعالى به الأنبياء من أجل إيمان الناس بهم بالآيات، بينما اصطلح المتكلمون على تسميتها معجزات، واختلفوا في وجه دلالتها على صدق النبي هل هي عقلية أو عادية أو وضعية؟ ١، ويعرض الشيخ رشيد - كما هي عادته - عن الخوض فيما خاض فيه المتكلمون، ويقول: "ولا نبحث في مثل هذه الخلافات النظرية، وإنما نقول إن القصد منها الحمل على قبول الدعوة والإذعان للرسالة عند استعداد الأمة لذلك وإقامة الحجة البالغة على المعاندين بحيث ينقطع لسان الاعتذار من أهل الجحود والإنكار " ٢. ثم يعرفها - الآية أو المعجزة - بأنها "أمر يؤيد الله تعالى به نبيه ويخضع له به النفوس، وكان يختلف باختلاف الأمم ومعارفها ودرجات ارتقائها " ٣.
وقد قرر الشيخ رشيد أن الله تعالى قد أعطى كل نبي من الآيات الدالة على صدقه وصحة دعوته ما شأنه أن يؤمن البشر بدلالة مثله، وأشار إلى أن البينة هي كل ما يتبين به الحق فهي تشمل المعجزات الكونية والبراهين العقلية ٤. وقد اعتمد الشيخ رشيد في تقريره ذلك على حديث الصحيحين: "ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة" ٥.
وسيأتي - إن شاء الله تعالى - في كلام الشيخ رشيد بيان الفرق بين
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٤/ ٣٧١)، وانظر أيضًا: تفسير المنار (١/ ٢١٧) ٢ مجلة المنار (٤/ ٣٧١) ٣ المصدر نفسه والصفحة. ٤ تفسير المنار (٨/ ٥٢٤ - ٥٢٥) ٥ رواه البخاري: الصحيح: ك: الاعتصام، باب قول النبي (: بعثت بجوامع الكلم، ح: ٧٢٧٤، ومسلم: الصحيح: ك: الإيمان، ح: ٢٣٩ (١٥٢) [١/ ١٣٤]
[ ٧٣٠ ]
آيات الأنبياء وآية نبينا عليهم الصلاة والسلام. إلا أنني هنا أريد أن أؤكد على ما يشير إليه الشيخ رشيد بقوله إن "الآيات التي أيد الله بها الأنبياء ليست محصورة في الخوارق الكونية " ١.
فعند قوله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ ٢ قال إن معنى الآيات فيها: "الدلائل والبينات من براهين عقلية، نظرية كانت أو علمية أو كونية، كآياته تعالى في الأنفس والآفاق، ومنها معجزات الأنبياء ﵈ وأظهرها وأقواها القرآن العظيم من حيث هو دال على صدق النبي الأمي في دعوى الرسالة من وجوه كثيرة " ٣.
_________________
(١) ١ مجلة المنار (١١/ ٩١٣) ٢ سورة الأعراف، الآية (١٤٦) ٣ تفسير المنار (٩/ ١٩٩)
[ ٧٣١ ]
المطلب الثاني: أنواع الآيات:
لقد قسم الشيخ رشيد آيات الله تعالى إلى أقسام، فقسمها أولًا إلى: آيات كونية آفاقية - أي متعلقة بالكون والآفاق كآيات موسى وآيات المسيح صلى الله تعالى عليهما، وأشار الشيخ رشيد إلى أن هذا النوع من الآيات غايته إخضاع النفوس أمام صاحب الآية، وإن كانت نفس الآية لا تشتمل على بيان أمور الدين ومسائله. وأنها أيضًا قد تشتبه على المؤمنين بها وغير المؤمنين بالسحر والشعوذة ٤.
وقسيم هذا النوع عند الشيخ رشيد - نوع آخر من الآيات هو أولى وأقوى من تلك وهو الآيات النفسية العلمية - وهي كما يعرفها الشيخ: "ما تدل على صدق النبي دلالة حقيقية بالبرهان الذي يجزم العقل بأن صاحبها مؤيد من الله تعالى وموحى إليه ما بلغه ودعا إليه لأنها عبارة عن كون حال
_________________
(١) ٤ مجلة المنار (٤/ ٣٧٢ - ٣٧٣)
[ ٧٣١ ]
النبي وما جاء به يشهدان بأنهما لا يمكن أن يكونا إلا بإمداد إلهي ووحي سماوي، لأنها كحجة من يدعي الطب ويستدل على دعواه بمعالجة المرضى وشفائهم على يده وبالإتيان بكتاب في الطب إذا عمل به الناس تذهب أمراضهم وتحفظ صحتهم " ١.
والفرق بين النوعين من الآيات أن "مدعي الطب إذا استدل على صدقه بأنه يقلب العصا حية ويكشف حيلة مشعوذ يُري الناس الحبال والعصي حيات وثعابين وفعل ذلك لم يكن بين الدليل والمدلول اتصال يربط أحدهما بالآخر " ٢.
وهذا هو الفارق بين آية خاتم النبيين وآيات من سبقه من الأنبياء - صلى الله تعالى عليهم - وهو ما أشار إليه الحديث السابق في قوله: "وإنما كان الذي أوتيته وحيًا" وسيأتي مزيد بيان لذلك - إن شاء الله ـ.
وأود أن أشير هنا إلى قول الشيخ رشيد في النوع الثاني: "إنها عبارة عن كون حال النبي وما جاء به يشهدان بأنهما لا يمكن أن يكونا إلا بإمداد إلهي" وإلى أن هذا يعني الاستدلال من جهتين:
الأولى: حال النبي: وهو استدلال شخصي، وهو ما استدل به ملك الروم في سؤالاته لأبي سفيان ٣.
والثاني: نوعي: وهو المقارنة بين ما جاء به ومعرفة نوعه، مع نوع ما جاء به الأنبياء - وهو ما استدل به النجاشي ٤ وورقة بن نوفل ٥. يقول الشيخ رشيد: "لقد كانت عمدة هذا الرسول ﵊ في الاستدلال على
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (٤/ ٣٧٣) ٢ المصدر نفسه (٤/ ٣٧٣) ٣ انظر: البخاري: الصحيح: ك: بدء الوحي، باب: ٦، ح: ٧ (١/ ٤٢) مع الفتح. ٤ انظر: ابن هشام: السيرة النبوية (١/ ٣٤٩ - ٣٥٠) ط. دار الفكر، القاهرة. ٥ انظر: البخاري: الصحيح: ك: بدء الوحي، باب: ٢، ح: ٢ (١/ ٢٥ - ٢٦) مع الفتح، وفيه أيضًا: استدلال السيدة خديجة بالقسم الأول. وانظر: ابن تيمية: شرح الأصفهانية (ص: ١٢٥) وما بعدها.
[ ٧٣٢ ]
نبوته ورسالته: نفسَه وما جاء به من النور والهدى كالطبيب الذي يستدل على إتقانه صناعة الطب بما بيديه من العلم والعمل والنجاح فيها" ١.
ويقسم الشيخ رشيد آيات الله تعالى أيضًا - وبشكل عام - إلى نوعين: الأول: الآيات الجارية على سننه تعالى العامة المطردة في نظام الخلق والتكوين، وهي أكثرها، وأظهرها وأدلها على كمال قدرته وإرادته وإحاطة علمه وحكمته وسعة فضله ورحمته" ٢.
والنوع الثاني: "الآيات الجارية على خلاف السنن المعروفة للبشر وهي أقلها، وربما كانت أدلها عند أكثر الناس على اختياره عزوجل في جميع ما خلق وما يخلق وكون قدرته ومشيئته غير مقيدتين بسنن الخلق التي قام بها نظام العالم، فالسنن مقتضى حكمته وإتقانه لكل شيء خلقه، وقد يأتي بما يخالفها لحكمة أخرى من حكمه البالغة " ٣.
وفيما يخص النوع الثاني - وهو ما جاء على خلاف السنن - فإن الشيخ رشيد يقسمه أيضًا إلى حقيقي وصوري. فالحقيقي هو "آيات الله تعالى الحقيقية التي نسميها المعجزات هي فوق هذه الأعمال الصناعية الغريبة، لا كسب لأحد من البشر، ولا صنع لهم فيها، وإن ما أيد الله به رسله منها لم يكن بكسبهم ولا عملهم ولا تأثيرهم حتى ما يكون بدؤه بحركة إرادية يأمرهم الله تعالى بها " ٤.
وأما القسم الصوري: فهو الأعمال الصناعية "فإن منها ما له أسباب مجهولة للجمهور، وإن منها لما هو صناعي يستفاد بتعليم خاص، وإن منها لما هو من خصائص قوى النفس في توجيهها إلى مطالبها وفي تأثير أقوياء الإرادة في ضعفائها " ٥.
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٤/ ٣٧٤) ٢ الوحي المحمدي (ص: ٢٠٦) ٣ المصدر نفسه والصفحة. ٤ الوحي المحمدي (ص: ٢٠٩ - ٢٠٠) ٥ الوحي المحمدي (ص: ٢٠٩)
[ ٧٣٣ ]
وأخيرًا يقسم الشيخ رشيد آيات الأنبياء إلى معجزات كونية، كآيات موسى، وروحانية كآيات المسيح صلى الله تعالى عليهما، ويفرق بينهما بأن الأولى منها لا تحتمل أن تكون بسبب من الأسباب المعروفة بين الناس كالرياضة وتوجيه الإرادة أو خواص المادة، وإن الثانية: على كونها خارقة للعادات الكسبية وعلى خلاف السنن المعروفة للناس - إلا أنها قد يظهر فيها أنها على سنة الله في عالم الأرواح ١.
على أن هذه الفروق قد لا تسلم للشيخ رشيد - وهولم يسبق إليها - على أنه كان يعرض هذا في مقام المناظرة وإقامة الحجة على أهل الكتاب - والغلبة يومئذ لهم - وفي سياق إثبات الوحي المحمدي وعلوه وتفوقه على غيره.
وأما كون بعضها من قوى النفس، وكما سبق أن أشرت فهذا من أثر فلسفة الشيخ محمد عبده في رشيد رضا، فإن الفلاسفة يقولون: إن معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء وخوارق السحرة: هي قوى أنفس، فأقروا من ذلك بما يوافق أصولهم من قلب العصا حية دون انشقاق القمر ونحو ذلك فإنهم ينكرونه ٢.
إثبات معجزات الأنبياء بالقرآن:
أشار الشيخ رشيد إلى حقيقة هامة وهي "أنه لا يمكن إثبات معجزات الأنبياء في هذا العصر بحجة لا يمكن لمن عقلها ردها، إلا هذا القرآن العظيم، وما ثبت فيه بالنص الصريح منها " ٣.
وهذه الحقيقة التي أشار إليها الشيخ رشيد ترد على شبهتين أدتا إلى إنكار المعجزات ودلالتها على النبوة: الأولى منهما: أن التواتر غير متوافر
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (ص: ٢٢١ - ٢٢٤) بتصرف واختصار. ٢ انظر: ابن تيمية: الفرقان (ص: ٤٢) ط. المعارف، وسيأتي إنكار رشيد رضا لانشقاق القمر وشبهته في ذلك. ٣ الوحي المحمدي (ص: ٢٢٩ - ٢٣٠)
[ ٧٣٤ ]
في كتب أهل الكتاب التي نقلت هذه المعجزات، وهو الذي يحملنا على تصديقها. والثانية: أن وقوع الخوارق المذكورة فيها لا يدل على النبوة والرسالة، وأنها خوارق غير حقيقية ١.
أما آية القرآن "فهي باقية ببقائه إلى يوم القيامة، وكل واقف على تاريخ الإسلام يعلم علمًا قطعيًا أنه متواتر تواترًا متصلًا في كل عصر، وإذ قد ثبت بذلك كونه وحيًا من الله تعالى فقد وجب الإيمان بكل ما أثبته من آياته في خلقه وكما يجب على كل مؤمن أن يؤمن بها، يجب أن يؤمن بانقطاع معجزات الرسل بعد ختم النبوة بمحمد ﷺ " ٢.
وهذه أيضًا من الفروق بين آية خاتم النبيين وآيات من سبقه من المرسلين - صلى الله تعالى عليهم - فهي باقية بقاء الدهر، ثابتة بنفسها مثبتة لما سبقها، لا يتطرق إليها احتمال الاشتباه بالخرافات والشعوذات والحيل، كما تطرق إلى ما سبقها من آيات الرسل الكونية، وكما تأولها من تأولها من الملحدين، وأخيرًا فإن القرآن - وهو آية كونية أيضًا - كما يقرر الشيخ رشيد - فهو آية علمية عقلية، ويمتاز أيضًا بأنه يدل على صدق الرسالة كما يدل على موضوعها ومضمونها ٣. وسيأتي مزيد بيان لهذا المعنى.
_________________
(١) ١ المصدر نفسه والصفحة. ٢ المصدر نفسه (ص: ٢٣٠ - ٢٣١) ٣ انظر: مجلة المنار (٤/ ٣٧٤)، والوحي المحمدي (ص: ٧١ و٧٩) وما بعدها و(ص: ٨١ - ٨٣)
[ ٧٣٥ ]
المطلب الثالث: كرامات الأولياء:
ومما يناسب الحديث عن معجزات الأنبياء الحديث عن كرامات الأولياء، لأن كرامات الأولياء إنما حصلت ببركة اتباع الرسول ﷺ، فهي في الحقيقة تدخل في معجزات الرسول ٤.
_________________
(١) ٤ انظر: ابن تيمية: الفرقان (ص: ٦٥) ط. المعارف بالرياض.
[ ٧٣٥ ]
ولقد أطال الشيخ رشيد الحديث في موضوع الكرامات وأعاد وكرر ذلك في مجلته وتفسيره وغيرها من مؤلفاته. وسوف أحاول أن اخلص من بين ذلك كله إلى تصوير رأيه ومنهجه في هذا البحث من خلال النقاط التالية:
أولًا: تعريف الولي:
عرف الشيخ رشيد كلمة "الولي" لغة وشرعًا، فقال: "الولي في اللغة الناصر والمتولي للأمور وقد نهى الله المؤمنين أن يتخذوا من دونه أولياء وقال: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ١، وقال: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ ٢، وقال ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ٣.وأولياء الله هم أنصار دينه، والمميز لهم كمال الاتباع المعبر عنه بالتقوى، فكل مؤمن تقي ولي، وليس عمل الغرائب ولا صدور الخوارق دليلًا على التقوى ولا على الولاية. قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ ٤ " ٥.
ثم بين الشيخ رشيد أن هناك اصطلاحًا - جاء لاحقًا - هو: "أن الأولياء صنف من الناس تظهر على أيديهم الخوارق ويتصرفون في الكون بما وراء الأسباب، ولم يعرف الصحابة هذا المعنى " ٦.
وهذا المعنى هو الذي حاربه الشيخ رشيد، وبين الفرق بين أصحابه المدعين للولاية وبين أولياء الله الحقيقيين الذين وصفهم القرآن بالإيمان والتقوى وبين أن هذا المعنى الاصطلاحي الحادث للولاية لم يكن معروفًا في صدر الإسلام. فقال: "إن ما يعتقده عوام المسلمين في الولاية في هذه الأزمنة لم يكن معروفًا
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية (٢٥٧) ٢ سورة الأعراف، الآية (٣) ٣ سورة الزمر: الآية (٣) ٤ سورة يونس، الآية (٦٢ـ ٦٣) ٥ مجلة المنار (٦/ ١٨٥) ٦ تفسير المنار (١/ ٢٢)
[ ٧٣٦ ]
في صدر الإسلام بالمرة، فلم يكن الصحابة يدعون بعض عبادهم بالأولياء. والولي في اللغة الناصر والصديق والمتولي الأمر، وجاء في القرآن أن لله أولياء وللشيطان أولياء، فولي الله من ينصر دينه ويقيم سنته وشريعته " ١.
وأما الأولياء الجدد فإنهم لا تنطبق عليهم هذه الصفات الشرعية، يقول الشيخ رشيد: "إنك إذا بحثت في حال الذين يدعون الخوارق تجدهم طلاب مال وطلاب جاه، وإنهم يقصدون بما يأتون استرهاب الناس بما يوهمونهم من قدرتهم على إيذائهم متى شاءوا أو تعليق آمالهم بهم وإيهامهم أن بأيديهم مقاليد الرزق ومفاتح الغيب، أو الجمع بين الأمرين، حتى إنهم جعلوا إرادة الله تابعة لإرادتهم، كما قالوا في الكلمة المأثورة عن الربانيين منهم: إن لله عبادًا إذا أرادوا أراد " ٢.
ويصف أحد هؤلاء الأولياء المدعين، بما يبين الحال التي وصل إليها مفهوم الهداية عند الناس: "في الجيزة ٣ شيخ من الذين يعتقد الناس فيهم الولاية وينسبون لهم الكرامات، وهذا الشيخ متهتك مدمن خمر يجلس في الحانات التي في الشوارع العمومية ويشرب في مجلس واحد أكثر من ثلاثين كأسًا، ونقل إلينا أن بعض الأغنياء الموصوفين بالصلاح يتقربون إلى الله - تعالى وتنزه عن تقربهم - بدفع ثمن الخمرة التي يشربها ويزعمون أن سؤره من الخمر فيه شفاء وبركة فيشربونه بهذه النية وحزب ولي الجيزة يعتقدون أنه يشرب الخمر فينزل في جوفه خمرًا، ولكنه من أحباب الله (حاشا لله) الذين لا يؤاخذهم ولا يؤاخذ من ينتمي إليهم ويتصل بهم، وهذا الاعتقاد كفر وخروج عن ملة الإسلام بلا خلاف بين الأئمة. وما أوقع
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٩/ ١٣٩) ٢ المصدر نفسه (٦/ ٥٧ - ٥٨) وقارن مع: الوكيل: هذه هي الصوفية (ص: ١١٧ - ١١٨) ٣ الجيزة: إحدى محافظات مصر، جنوب القاهرة.
[ ٧٣٧ ]
الناس فيه إلا الغلو في اعتقاد الكرامات وجعلها صناعة من الصناعات " ١.
وهكذا تحول معنى الولي من الالتزام بالدين بدرجة كبيرة من الإيمان والتقوى، إلى أن أصبح الخروج من الدين إلى الكفر. لقد وصل الأمر بهؤلاء المدعين للكرامات إلى دعوى أنهم يتصرفون في الكون نيابة عن الله تعالى؛ فيسعدون ويشقون، ويحيون ويميتون، ويعزون ويذلون، يقول الشيخ رشيد في ذلك: "حتى قال بعضهم إنهم يخرجون من قبورهم بأجسادهم، ويتولون قضاء الحاجات، وكشف الكربات، ولو كانت كذلك لما كانت من خوارق العادات. وقال بعضهم في كتاب مطبوع: إن فلانًا من الأقطاب يميت ويحيي، ويسعد ويشقي، ويفقر ويغني، بل قالوا وكتبوا ما هو أبعد من ذلك عن نصوص الكتاب والسنة القطعية المحكمة والعقائد المجمع عليها المعلومة من الدين بالضرورة في الأصل وما كان عليه مسلمو القرون الأولى، فصارت بانتشار الخرافات والجهل من الكرامات " ٢.
فليس وقوع الخوارق على يد بعضهم دليلًا على ولايتهم، وإنما يعرف ولي الله تعالى بالأوصاف التي وصفهم بها الله تعالى. يقول الشيخ رشيد: "وإنما يعرف ولي الله تعالى والصالح من عباده بأمر واحد وهو مطابقة اعتقاده للحق المؤيد بالبراهين الصحيحة، وموافقته في أخلاقه وسجاياه وأعماله السرية والجهرية لما أرشد إليه الدين والعقل " ٣. ومذهب الأشعرية أن الخوارق تقع على يد الجميع حتى الكفار والفساق، فيقول الشيخ رشيد معلقًا "وفي كتب العقائد التي تقرأ في الأزهر وغيره أن خوارق العادات تظهر على أيدي جميع أصناف الناس حتى الكفار
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٤/ ٦٧٩) وقارن معك الوكيل: هذه هي الصوفية (ص: ١٠٩) ٢ الوحي المحمدي (ص: ٢١٤)، وأشار الشيخ رشيد في موطن آخر إلى أن هذا الكتاب هو "ترياق المحبين" وكتاب "طبقات الوتري" والمدعي فيه ذلك هو "عبد الرحيم الرفاعي" انظر: مجلة المنار (٦/ ١١١) وقارن مع: الوكيل: المصدر السابق (ص: ١١٢) ٣ مجلة المنار (٥/ ٥٧ - ٥٨)
[ ٧٣٨ ]
والفساق وإننا نقول لمن يأخذون أقوال هؤلاء بالتسليم: إذا كانت الخوارق تقع على أيدي جميع طبقات الناس فلا يجوز الاستدلال بها على أن من تظهر على يديه محق في اعتقاده أو مرضي عند ربه " ١.
هذه الحالة التي وصل إليها مفهوم الولاية والكرامة حتى وصلت للشرك بالله تعالى هو الذي جعل الشيخ رشيد يعلن الحرب على خوارق الدجالين المشعوذين، ويتخذ مع مبحث الكرامات عمومًا موقفًا متشددًا. وهو ما نراه في المبحث التالي.
ثانيًا: الكرامات:
لقد بحث الشيخ رشيد مسألة الكرامات ضمن المجلدين الثاني والسادس، وفي غيرهما من مؤلفاته. وقد حصر الكلام في هذه المسألة في النقاط التالية: حقيقتها، والحكمة فيها، حجج القائلين بجوازها ووقوعها، حجج المنكرين لها، ادعاء جميع الأمم لها، منفعة الاعتقاد بها ومضرته، وتمحيص الحقيقة فيما نقل من الكرامات.
وقد يبدو من سياق حديث الشيخ في المجلد الثاني - بادئ الرأي - أنه ينكر الكرامات أو على الأقل يرجح أدلة المنكرين، ولكن يحسن بنا أن نتريث حتى نصل إلى النهاية.
أ) - تعريف الكرامة:
عرف الشيخ رشيد الكرامة، فقال: "بأنها الأمر الخارق للعادة يظهر على يد العبد الصالح وهو من يقوم بحقوق الله تعالى وحقوق العباد. والأمر الخارق للعادة إما أن يكون خرقه لها بمجيئه على خلاف سنن الكون المعروفة ونقيض ما تقتضيه، أو بكونه لم تعرف له سنة طبيعية يندرج فيها، وإن كان في الواقع ونفس الأمر مندرجًا تحت ناموس طبيعي غير معروف عند كافة الناس. مثال الأول: العلم والتهذيب اللذين كان عليهما نبينا عليه
_________________
(١) ١ المصدر نفسه والصفحة، وقارن مع ابن تيمية: الفرقان (ص: ٣٤) وما بعدها.
[ ٧٣٩ ]
الصلاة والسلام مع كونه لم يتعلم ولم يتربَ ومنه إحياء الموتى لسيدنا عيسى، وعصا سيدنا موسى ﵉، ومثال الثاني: المكاشفات ومعرفة بعض الأمور قبل وقوعها، فإن للنفوس البشرية والأرواح الإنسانية استعدادًا لهذا الأمر ولله تعالى فيه سنة روحية ولكن هذه السنة لم تزل من الأمور الغامضة التي لم يهتد إليها أكثر الناس " ١.
ثم أورد الشيخ رشيد حجج المثبتين للكرامات، ولخصها بأنها على ضربين:
الأول: ما جاء في الكتاب العزيز، وقد أول الشيخ رشيد هذه الآيات محاولًا صرفها عن دلالتها على وقوع الكرامات لغير الأنبياء.
الثاني: ما ورد عن السلف ومن بعدهم إلى يومنا هذا، وتتبع الشيخ ما روي في ذلك، فأوّل بعضها وسلّم بعضها ٢. قال الشيخ رشيد: "فتخلص مما تقدم أن قصارى ما يحتج به من الآيات الكريمة أن الله أكرم أم موسى بالإلهام الصحيح، وأكرم السيدة مريم بكلام الملائكة، وليس في هذين الأمرين مخالفة لسنن الله تعالى في الخلق، وأن لله تعالى في خلقه آيات لا تنطبق على سنن الكون المعروفة كحبل مريم وولادتها من غير اقتران برجل، وكالضرب على آذان أهل الكهف سنين عددًا. فأما الإلهام فإنه لا يزال يقع في كل عصر لأصحاب النفوس العالية، فهو كرامة اختصوا بها من دون سائر الناس. وأما كلام الملائكة للناس فلم يثبت لغير الأنبياء بوجه قطعي إلا لمريم، فإن كانت غير نبية فهو كرامة قطعية لها تدل على جوازه لغيرها " ٣.
وإذا كان لله تعالى آيات خارجة عن سنن الكون فهذه هي التي نقول إنها: الكرامة. وهو ما سلمه الشيخ رشيد نفسه إذ يقول: "ونقول نحن في
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٢/ ٤١٧) وأكرر هنا ما علقت به في (ص:٦٧٠) على مسألة "قوى النفس" عند الفلاسفة. ٢ انظر: مجلة المنار (٢/ ٤٨١ - ٤٨٩ و٢/ ٥٤٥ - ٥٥٢) ٣ المصدر نفسه (٢/ ٤٨٨)
[ ٧٤٠ ]
هذا المقام إن لله تعالى في خلقه آيات تدل على أن قدرته تعالى حاكمة على سنن الكون لا محكومة بها. وقد قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ ١، فحبلها على غير النحو المعهود في الخلق ليس لها فيه كسب ولا عمل بوجه ما، بل كانت كارهة له، فإن كان يعد مما نحن فيه فقصارى ما يدل عليه جواز وقوع مثله، وهذا هو مراد السبكي وغيره بالاستدلال به وبنحوه مما يأتي، أما الوقوع بالفعل، فلا يثبت إلا بدليل قطعي كالمشاهدة وكنص القرآن أو الخبر المتواتر تواترًا حقيقيًا " ٢. ويقول في مسألة الثبوت: "على أنني إذا ثبت عندي أثر ابن عمر ﵄ بسند صحيح فإني أعده كرامة أكرمه الله بها بإلهام الأسد التنحي عن الطريق، ولكن لا أقول إن فيه مخالفة لسننه تعالى في الخلق، فإن مثل هذه الإلهامات بخلاف ما تقتضيه العادات الطبيعية الغالبة معهود في العجموات وفي الإنسان أيضًا " ٣.
والذي أريده الآن هو ثبوت الكرامة بالسند الصحيح فيضاف إلى الطرق التي بينها الشيخ رشيد: القرآن والتواتر.
وأما مسألة مخالفة السنن فهي التي تحتاج إلى استفهام من الشيخ رشيد. إنه يقول: "إن الله تعالى قد أقام نظام هذا الكون على سنن ثابتة مطردة وقال: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ ٤، وهذا نص قطعي لا معارض له إلا بقطعي مثله من مشاهدة أو تواتر صحيح وإذا أمكن إثبات الكرامات بدليل قطعي كالتواتر الصحيح أو النص القرآني الصريح، فهناك حجة الإثبات ناهضة " ٥.
فهل يرى الشيخ رشيد أن الآية تدل على عدم جواز وقوع الكرامات
_________________
(١) ١ سورة المؤمنون، الآية (٥٠) ٢ مجلة المنار (٢/ ٤٨١) ٣ المصدر نفسه (٢/ ٦٦١) ٤ سورة فاطر، الآية (٤٣) ٥ مجلة المنار (٢/ ٤٤٥)
[ ٧٤١ ]
التي هي خرق للعادة والسنن الكونية، ولكن ما القول في معجزات الأنبياء، وهو يثبتها، وقد وقعت مخالفة لهذه السنن كما رأينا؟ وليس لأحد أن يفرق بين المعجزة والكرامة في أصل التبديل والتحويل لما هو معتاد في نظام الكون.
والحق أن الشيخ رشيد لا ينكر كرامات الأولياء إلا أنه يريد أن يضيق الباب أو يغلقه في وجه الدجالين والمشعوذين، كما أنه يريد أيضًا - وهو ما صرح به - رد حجة أهل الكتاب الذين لا يحتجون على صحة دينهم إلا بالعجائب - خوارق العادات - وليس لهم برهان على عقائدهم، ولا سند متواتر على صحة كتابهم، بل ويحتجون على المسلمين بأن القرآن لم يثبت لنبينا ﷺ العجائب والخوارق، فهو إذن ليس نبيًا، ولا يرون العلم الإلهي والشرائع الدينية والمدنية وتكوين الأمم وسياستها من رجل أمي تربى يتيمًا في جاهلية جهلاء وأمه أمية، لا يرون هذا كله تأييدًا إلهيًا وبرهانًا على صدقه قطعيًا، وإنما البرهان عندهم هو تلك الحكايات التي ينقلونها في عجائب مقدسيهم وينقل الوثنيون عن كهنتهم أعظم منها ١.
وأما مسألة السنن ومخالفتها: فيفسر الشيخ رشيد ذلك بأن مراده السنن العامة لأن مخالفة آيات الأنبياء وكرامات الأولياء للسنن المادية مشاهد ومنقول بنص الكتاب العزيزـ هكذا يقول الشيخ رشيد ٢ إلا أنه لم يقل لنا ماذا يقصد بالسنن العامة والسنن الأخرى الخاصة.
لقد اتخذ الشيخ رشيد موقفًا متشددًا من الكرامات لهذين السببين اللذين ذكرهما، أما معجزات الأنبياء، فكانت عنده مصونة من كل خطر، لا يتطرق إليها الشك ٣ وأما هذا الموقف المتشدد من الكرامات فقد اتخذه - أيضًا - لما أوقع فيه مما يسميه: "ضرر الاعتقاد بها" وأكبر ذلك: أنها صارت صناعة من الصناعات وزلزلت قاعدة العقائد الكبرى وهي توحيد الله
_________________
(١) ١ مجلة المنار (١١/ ٩١٣ - ٩١٧) ٢ المصدر نفسه (١١/ ٩١٧) ٣ انظر: مجلة المنار (٦/ ١٢ و١١/ ٩١٤)
[ ٧٤٢ ]
تعالى وأوقعت الناس في ضروب من الشرك الأصغر والأكبر ١، ومنها أيضًا: أنها أدت إلى إباحة الموبقات وتحريم الواجبات لأنه لا يجوز الإنكار على الأولياء لأن المعصية التي تشاهد منهم هي صورية لا حقيقية ولذا يجب تأويلها، فإذا رأيت أحدهم يشرب الخمر فاعتقد أنه انقلبت عينها كرامة له فصارت لبنًا أو عسلًا، وإذا رأيته يترك الصلاة فاعتقد أنه يصلي بمكة أخذًا من قول السيد البدوي في الرد على الذين اتهموه بذلك:
ولم يعلموا أني أصلي بمكة
مع السادة الأقطاب أهل الطريقة ٢.
وفي ضندتا قالوا صلاتي تركتها
أصلي صلاة الخمس في البيت دائمًا
هذا - وغيره - مما ذكره الشيخ رشيد من ضرر على اعتقاد المسلمين، بسبب ما آلت إليه مسألة الكرامات.
ويقول الشيخ رشيد: "إننا لا نقول بأن ما يعبر عنه بخوارق العادات غير جائز ولا غير واقع بل نقول الآن، كما قلنا من قبل إنه جائز وواقع وإن كانت الآيات التي أيد الله بها الأنبياء ليست محصورة في الخوارق الكونية " ٣. ويبين غرضه من موقفه فيقول: "ويعلم الله أن غرضي من فتح باب التأويل المحافظة على دين الله تعالى وإرشاد عباده إلى التمييز بين الحقائق والأوهام " ٤.
وخلاصة الأمر أن الشيخ رشيد يثبت الكرامات الصحيحة لأولياء الله الحقيقيين: حتى إنه نفسه من أصحاب الكرامات كما يحكي لنا ذلك في "المنار والأزهر" ٥ ويقول: "وههنا نرجع إلى مذهب جمهور أهل السنة فنقول: إن الكرامة جائزة " ٦.
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٦/ ١١ - ١١٢) ٢ المصدر نفسه والصفحة. ٣ مجلة المنار (١١/ ٩١٣) ٤ مجلة المنار (٢/ ٦٦٣) ٥ المنار والأزهر (ص: ١٦٦) ٦ مجلة المنار (٦/ ١١٢) وأيضًا (٢/ ٦٥٧ و٢/ ٤٨٢)
[ ٧٤٣ ]
ب) - الحيلة في دعوى الكرامة:
ويبين الشيخ رشيد أن الكرامة صارت تقع بالحيل والكذب، فمن ذلك ما راج بين ألوف المصريين - ذلك الحين - أن أرواح الشهداء تطوف في أعلى قبة في إحدى القرى، وقد كشف تلك الحيلة بعض علماء الأزهر - فذهب غير واحد إلى هناك فتبين لهم أن هذه الكرامة مصنوعة للمرتزقين هناك من السدنة وأن الذي يرى في القبة إنما هو ظلال رجال يطوفون للمرتزقين وقت الأصيل حول القبة في مكان يحاذي الكوىمن أعلاها، فيوهم السدنة النساء والأطفال ومن في حكمهم من الرجال أنهم شخوص الشهداء وزاد بعضهم أنه اكتشف حيلة أخرى وهي أنهم يطلعون الناس في قبر هناك على رأس مكسو بشعر طويل يزعمون أنه رأس شهيد لم يتغير بمرور القرون عليه، ولكن الشيخ وصل إلى الرأس فإذا هو جمجمة قديمة بالية وإذا بالشعر قد ألصق عليها حديثًا بنحو صمغ أو غراء ١.
وروى الشيخ رشيد أيضًا حكايات تتعلق بالطعام والشراب مما عدّ من الكرامات، وما هو إلا حيل وكذب ٢.
ونكتفي بذلك - عن الحديث عن الكرامات الكاذبة التي وقف الشيخ رشيد منها هذا الموقف، ونعود إلى الحديث عن الكرامات الصادقة ونرى تفريق الشيخ رشيد بينها وبين معجزات الأنبياء، وبين هذه وبين السحر والشعوذة.
جـ) - الفرق بين معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء وخوارق الأشقياء:
خوارق العادات على ثلاث مراتب: الأولى: آيات الأنبياء، والثاني: كرامات الأولياء، ثم خوارق الأشقياء كالسحرة والكهان ٣.
والحق أن آيات الأنبياء وكرامات الأولياء من جنس واحد، فإنه - وكما
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٧/ ٤١٣ - ٤١٤) ٢ انظر: تفسير المنار (٧/ ٢٥٣) وما بعدها. ٣ انظر: ابن تيمية: النبوات (ص: ٨)
[ ٧٤٤ ]
ذكرت قبل - تعد كرامات الأولياء من معجزات الأنبياء، فإنهم يقولون: نحن إنما حصل لنا ذلك باتباع طريق الأنبياء. ومثل ذلك أيضًا ما تقدم من الإرهاص ١ ومع ذلك فإن كرامات الأولياء لا تبلغ قط إلى مثل معجزات الأنبياء والمرسلين، فالولي دون النبي والرسول فكما أنهم لا يبلغون في الفضيلة والثواب مبلغهم، فلا تبلغ كراماتهم مبلغ آياتهم ٢.
وقد ذكر الشيخ رشيد فروقًا بين آيات الأنبياء وكرامات الأولياء - تبع فيها المتكلمين في تفرقتهم - والحق أن الفروق التي ذكروها فروق ضعيفة، كقولهم: الكرامة يخفيها صاحبها، أو لا يتحدى بها فلا تكون مقرونة بدعوى النبوة وأنها لا تتكرر ٣، إلا أن الشيخ رشيد ذكر فرقًا صحيحًا وهو قوله: "إن الكرامة لا تبلغ مبلغ المعجزة كإحياء الموتى وإنما تكون فيما دون ذلك كشفاء مرض ومكاشفة خلافًا للقول المشهور (ما جاز أن يكون معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي) " ٤.
وعن هذه العبارة يقول الشيخ رشيد: "العبارة ليست حديثًا ولا أثرًا عن الصحابة، وهذه الاصطلاحات من المعجزة والكرامة والولاية قد حدثت من بعدهم، وإنما هي كلمة لبعض المشايخ، وافقت هوى الناس فتلقوها بالقبول وصارت عندهم من قبيل القواعد الدينية وسارت بها الأمثال فيما بينهم، ونحمد الله أننا لم نعدم في شيوخ التصوف والعلم من أنكرها " ٥.
وهذا الفرق صحيح فلا تبلغ كرامات الأولياء آيات الأنبياء، كالفرق بين الأنبياء والأولياء، ومهما يكن من شيء، فإن كرامات الأولياء مؤيدة لمعجزات الأنبياء، بمنزلة ما تقدمهم من الإرهاصات ولكن الذي يحتاج إلى
_________________
(١) ١ المصدر نفسه والصفحة. ٢ المصدر نفسه والصفحة. ٣ انظر: الوحي المحمدي (ص: ٢١١ - ٢١٤)، وانظر أيضًا: البغدادي: أصول الدين (ص: ١٧٤ - ١٧٥) والسبكي: طبقات الشافعية (٢/ ٣١٨ - ٣٢١) ٤ مجلة المنار (٦/ ٦١ - ٦٢) ٥ المصدر نفسه (١٠/ ١١٥)
[ ٧٤٥ ]
الفرق هو ما يحدث للأشقياء من الخوارق كالسحرة والكهان وغيرهم، ليظهر الفرق بين الحق والباطل، كما يعرف الفرق بين النبي والمتنبي.
[ ٧٤٦ ]
المطلب الرابع: الفرق بين آيات الأنبياء وخوارق الأشقياء:
والفرق بين هذين الصنفين ميسور بحمد الله فإن آيات الأنبياء خارجة عن مقدور الإنس والجن بخلاف خوارق الأشقياء فإنها معهودة في البشر كقتل الساحر لغيره وتمريضه له، وكاستراق السمع من الجن، وإطلاع أوليائهم من الكهان مع الكذب والخطأ في بعضها، بخلاف أخبارهم عما يأكلون وما يدخرون فهذا لا تظهر عليه الشياطين ١.
ومن خصائص معجزات الأنبياء أنه لا يمكن معارضتها أبدًا بخلاف هذه الخوارق التي تعارض من جنس هؤلاء الكهان وغيرهم ٢.
وأما الشيخ رشيد فقد ذكر فروقًا بين هذين الجنسين.
أهمها: التمييز بحال من تظهر عليه هذه الخوارق، فإنه وكما يقول الشيخ رشيد: "أن بعض ما ينقل عنهم معصية باتفاق أئمة الإسلام كأكل الحيات حية، وبعضها يحصل بالتعود والتمرن لكل من حاوله وزاوله كإلقاء الرجل نفسه من شاهق وأما دخول النار والدنو من السباع الضارية فقد يكون كرامة وقد يكون حيلة وشعوذة وغير ذلك، ومعلوم أن علماء الدين يشترطون ليكون الخارق كرامة أن تصدر من ظاهر الصلاح سالك سبيل التقوى، والرفاعية المشهور عنهم ذلك ليسوا كذلك " ٣.
وهذا الفرق صحيح فإن الناس رجلان: موافق للأنبياء ومخالف لهم، فالمخالف مناقض، فلا يجوز أن يوجد مع المناقض مثلما يوجد مع النبي
_________________
(١) ١ انظر: ابن تيمية: النبوات (ص: ٩، ١٠، ١٢) ٢ المصدر نفسه (ص: ٣٥) ٣ مجلة المنار (١/ ٥٩٨)
[ ٧٤٦ ]
الصادق، فالأشقياء يستعينون بهذه الخوارق على الفواحش والظلم والشرك والقول الباطل، وهذا كله مناقض للنبوة، ومن هذا الجنس ما يفعله أهل الطريقة الرفاعية، فهي من جنس خوارق السحرة والكهان والفجار ١، فالفرق حاصل بين الأنبياء وغيرهم، في نفس صفات هذا وصفات هذا، وأفعال هذا وأفعال هذا، وأمر هذا وأمر هذا، وخبر هذا وخبر هذا، وآيات هذا وآيات هذا ٢.
وذكر الشيخ رشيد فرقًا ثانيًا وهو: أن السحر صناعة تتعلم، كما أنها أيضًا خداع باطل وتخييل يري ما لا حقيقة له في صورة الحقائق. فقال: "ومما سبق بيانه في هذا الباب تخطئة من قال من المتكلمين إن السحر من خوارق العادات الذي هو الجنس الجامع لمعجزات الأنبياء وكرامات الأولياء، وفاتهم أنه السحر صناعة تتلقى بالتعليم كما ثبت بنص القرآن وبالاختبار " ٣.
وهذا فرق صحيح فإن السحر وجنسه متيسر لمن تعلمه وتمرن عليه بخلاف آيات الأنبياء، فإنها خارجة عن مقدور الإنس والجن.
_________________
(١) ١ انظر: ابن تيمية: النبوات (ص: ٩) ٢ المصدر نفسه (ص: ١٣) ٣ تفسير المنار (٩/ ٤٦)، وانظر أيضًا (٧/ ٣١١)
[ ٧٤٧ ]
المبحث الثامن: نبوة نبينا ﷺ
المطلب الأول: حاجة العالم لبعثة خاتم المرسلين ﷺ
تمهيد:
ومن المناسب أن يفرد خاتم النبيين وأفضلهم على الإطلاق، ببحث مستقل، وقد سلك رشيد رضا في "نبوة نبينا ﷺ" مسلكًا صحيحًا إذ أنه بين أولًا حاجة العالم لهذا النبي ﷺ ورد شبهة كفاية أديان أهل الكتاب عن رسالته، ثم بين استعداد العالم لهذه الرسالة، ثم بين أدلة صدق هذه النبوة، حتى إنه لا تثبت نبوة نبي قبله ما لم تثبت نبوته بهذه الأدلة. وهو ما أعرضه في المطالب التالية.
المطلب الأول: حاجة العالم لبعثة خاتم المرسلين ﷺ:
بين رشيد رضا - تمهيدًا لإثبات نبوة نبينا ﷺ حاجة العالم لهذه النبوة واستعداده لها. فقال: "كان العالم الإنساني قبل ظهور الإسلام في غمرة من الشقاء والتعاسة، وظلمات من الفتن، وفساد الأخلاق، وتداعي أركان المدنية السابقة وصدع بنيانها، فأراد الحي القيوم أن يحيي هذا النوع حياة طيبة ويقيم مدنيته على أساس من الحكمة، يثبت ويبقى إلى ما شاء الله تعالى، ويبلغ به الإنسان كماله المستعد هو له في أصل الفطرة القويمة،
[ ٧٤٨ ]
فأظهر له جل ثناؤه الإسلام في الأمة العربية فحملته وطافت به العالم المستعد لقبوله بما سبق له من المدنية، فما كان كلمح البصر أو هو أقرب حتى عم نوره المشرق والمغرب " ١. ويقول: "بيان حاجة الأمم إلى الإصلاح المحمدي يتوقف على معرفة تاريخ الأمم قبل الإسلام، لا سيما تاريخ أهل الكتاب الذين يدعون أن في كتبهم ما يغني عن هداية الإسلام وإصلاحه " ٢. ويستند رشيد رضا إلى عبارة شيخه محمد عبده في وصف هذه الحاجة فيقول: "كيف كانت حاجة سكان الأرض ماسة إلى قارعة تهز عروش الملوك وتزلزل قواعد سلطانهم الغاشم وصيحة فصحى تزعج الغافلين وبالجملة تؤب ٣ بهم إلى رشد يقيم الإنسان على الطريق التي سنها الله له: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ ٤ ليبلغ بسلوكه كماله، ويصل على نهجها إلى ما أعد في الدارين له " ٥. وفصل رشيد رضا في بيان الحالة التي كانت دول ذلك الزمان قد وصلت إليها من التدني والسقوط.
وأما حاجة أهل هذا العصر لهداية هذه الرسالة - فكما يقول ـ: "إن حاجة الأمم قد اشتدت في عصرنا هذا إلى هدايته، حتى أشدها إمعانًا في عداوته ولجاجًا في نكايته، وجهلًا بحقيقته" ٦.
ويرى رشيد رضا أن هذه البعثة كانت قمة " التطور" للمراحل التي مرت بها البشرية، فالاستعداد لها وقبول دعوتها مرحلة من المراحل التي سارت فيها الإنسانية على سنة الترقي والتدرج، فلما بلغت البشرية "سن الرشد" وهذا الحد من العقل وهبها الله تعالى تلك الهداية الجديدة وأيدها بالدلائل التي بلغ من قوة العقول أن تدركها، وأن تصل من مقدماتها إلى
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٦/ ١٧٣) ٢ المصدر نفسه (٥/ ٣٢٩ - ٣٣٨) ٣ تؤب: أب لكذا أي تهيأ له. المفردات (ص: ٥٩) ٤ سورة الإنسان، الآية (٣) ٥ مجلة المنار (٥/ ٣٣٨) ٦ الوحي المحمدي (ص: ٤٠ - ٤١)
[ ٧٤٩ ]
نتائجها، وقد كانت النبوات السابقة وآياتها تلائم حالاتهم النفسية ومكانتها العقلية، ولما كان الاستعداد يتفاوت في الأمم كانت أمة أولى من أمة بتقدم عهد النبوات فيها، وكانت تلك الأمة المتقدمة جديرة بأن تكون إمامًا للأمة المتأخرة، سنة الله في الخلق ١.
وبناءً على ذلك فإن آية هذه البعثة ليست كآيات من سبقه من الأنبياء لأن "الله تعالى جعل نبوة محمد ورسالته قائمة على قواعد العلم والعقل في ثبوتها وفي موضوعها، لأن البشر قد بدؤوا يدخلون بها في سن الرشد والاستقلال النوعي الذي لا يخضع عقل صاحبه فيه لاتباع من تصدر منهم أمور عجيبة مخالفة للنظام المألوف في سنن الكون، بل لا يكمل ارتقاؤهم واستعدادهم العقلي مع هذا الخضوع فجعل حجة خاتم النبيين عين موضوع نبوته وهو كتابه المعجز للبشر بهدايته وعلومه وبإعجازه اللفظي والمعنوي، وبأنباء الغيب الماضية والحاضرة والآتية، ليربي البشر على الترقي في هذا الاستقلال إلى ما هم مستعدون له من الكمال، هذا الفصل بين النبوات الخاصة الماضية والنبوة العامة الباقية، قد عبر عنه النبي ﷺ بقوله: "ما من الأنبياء نبي إلى وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة" ٢ " ٣.
وأما الآيات الكونية التي ظهرت على يد النبي ﷺ، فيثبتها رشيد رضا إلا أن له فيها رأيًا سوف نراه قريبًا.
ويورد رشيد رضا اعتراضًا على تقريره حاجة العالم لبعثة نبينا ﷺ ويجيب عليه فيقول: "فإذا قيل: إنه كان في الدنيا دينان سماويان، أي دين اليهود ودين النصارى، وكتابان إلهيان وهما: التوراة والإنجيل، فكان يغني عن بعثة محمد ﷺ إلهام الله تعالى رؤساء الدينين وحملة الكتابين أن يقيما
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٢/ ٢٩٤ - ٢٩٥) بتصرف. ٢ سبق تخريجه (ص:٦٧٩) ٣ الوحي المحمدي (ص: ٧٩ - ٨٠)
[ ٧٥٠ ]
أصولهما ويسيرا على صراطهما، ويدعون الناس إلى ذلك. نقول في الجواب: إن دين اليهود كان خاصًا بشعب إسرائيل، وهم المخاطبون بالتوراة دون من سواهم، لعلم الله تعالى أن هذا الكتاب يصلح لهدايتهم وحدهم في زمانهم الذي أنزل فيه وبعده إلى أجل مسمى. وبعد ذلك أفسد بنو إسرائيل في الأرض فسلط الله عليهم الوثنيين فسبوهم وخربوا ديارهم وأحرقوا كتابهم ولولا أن الله أخبرنا في كتابه بأن اليهود نسوا حظًا مما ذكروا به لا جميع ما ذكروا به، ولولا أنه احتج عليهم بعدم العمل بالتوراة والحجة تقوم ببعض كلام الله تعالى كما تقوم به كله - لما صدقنا كلمة واحدة من كتبهم ولا وثقنا بحكم واحد من أحكام شريعتهم. وحاصل القول: أن الله تعالى لم يجعل التوراة منذ شرعها هداية عامة مرشدة لجميع البشر إلى كمال الفطرة فكيف تصلح لذلك بعدما طرأ عليها وعلى الناس ما طرأ؟
وأما السيد المسيح ﵇ فإنه لم يأت بدين جديد وإنما ديانته اليهودية وشريعته التوراة، ولكنه كان مكملًا لأن اليهود جمدوا على ظواهر الشريعة حتى صاروا كالماديين، فأرسله الله "إلى خراف إسرائيل الضالة" وأما "الديانة البولسية" التي انتشرت في أوروبا بتعليم بولس ١ ثم مساعدة قسطنطين ومن بعده من الملوك فهي لا تنطبق على ما قلناه سابقًا في وجه حاجة البشر إلى إرسال الرسل لهدايتهم إلى سعادة الدنيا والآخرة، بتربية الروح والجسد وليس فيها قاعدة واحدة من قواعد الفطرة، وإنما هي عبارة عن شيء واحد، وهو الإيمان بالمسيح على الوجه الذي يقولونه وأنه لا حاجة مع هذا الإيمان إلى العمل بالشريعة " ٢.
وإذن لم يكن وجود هذين الدينين كافيًا ومغنيًا عن بعثة النبي الخاتم ﷺ.
_________________
(١) ١ هو: أحد تلامذة الحواريين، ادعى الإيمان بعد محاربة تلامذة المسيح، وبذل جهودًا كبيرة في تطوير المسيحية، ونجح في ذلك. انظر: شارل حينيبير: المسيحية نشأتها وتطورها (ص:١٠١) وما بعدها ترجمة د. عبد الحليم محمود، ط. المكتبة العصرية بيروت. ٢ مجلة المنار (٥/ ٣٣٣ - ٣٣٤)
[ ٧٥١ ]
استعداد العالم لبعثة نبينا:
ثم بين الشيخ رشيد استعداد العالم لهذه الرسالة الخاتمة - بناء على وجه الحاجة - فقال: "حاجة الناس إلى الشيء تولد فيهم الاستعداد له، فإذا استدللنا بالعلة على المعلول فلنا أن نستنبط استعداد الأمم لمصلح عام يرسله الله تعالى لهداية الأمم من شدة حاجة الأمم إلى ذلك الإصلاح، وإذا استدللنا بالمعلول على العلة فالدليل أوضح لأنه ههنا وجودي مشهود لا نظري مستنبط، وهو قبول الأمم على اختلافها في الأديان واللغات والمواقع هذا الإصلاح الروحي الاجتماعي الذي جاء به محمد ﵊، بالوحي الإلهي والإلهام، فقد انتشر الإسلام في المشرق والمغرب بسرعة لم يعرف التاريخ مثلها حتى كان ملك الإسلام بعد ثمانين سنة من ظهوره أوسع من ملك الرومان بعد ثمانمائة سنة والرومان أعظم أمم التاريخ الماضي في الحروب والفتوحات " ١.
وبهذا القدر من البيان يظهر حاجة العالم إلى هذه الرسالة الخاتمة، واستعداده لها، ولكن - وكما ذكرت قبل - ليست الحاجة دليلًا على الوقوع فيجب إثبات هذا الوقوع بدليله، وهو ما نراه في المبحث التالي.
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (٥/ ٣٣٤ - ٣٣٥)
[ ٧٥٢ ]
المطلب الثاني: أدلة نبوة نبينا ﷺ:
يشير الشيخ رشيد أولًا إلى أنه "لا يشترط في صحة الإيمان بنبوته ﷺ النظر الاستدلالي المعروف عند المتكلمين بل يكفي فيها الاطمئنان النفسي لصدقه بمعرفة حاله، وحسن ما دعا إليه" ٢.
فطريقة المتكلمين التي رفضها الشيخ رشيد في الاستدلال على وجود الله وصفاته، يرفضها هنا أيضًا عند الاستدلال على نبوة الأنبياء صلى الله تعالى عليهم.
_________________
(١) ٢ تفسير المنار (٢/ ٩٣)
[ ٧٥٢ ]
ويشير أيضًا - كما أشار سابقًا - إلى أن "آيات النبوة أعم من المعجزات، فمن آيات نبوته بشائر الأنبياء السابقين، وهي لا تسمى معجزات " ١. وآيات نبوة نبينا ﷺ التي اعتمد عليها الشيخ رشيد هي:
أولًا: القرآن الكريم:
يعتبر الشيخ رشيد القرآن الكريم هو أقوى حجة وبرهان على صدق رسولنا ﷺ فيقول: " إن آية القرآن أقوى الحجج وأظهر الدلالات، وهي مشتملة ومرشدة إلى كثير من الآيات والبينات " ٢.
ويقول: إنه - أي القرآن - "الجامع لأقوى طرق الاستدلال العلمية والعقلية، على كونه آية في نفسه من وجوه كثيرة، وآية باعتبار كون من أنزل على قلبه وظهر على لسانه كان أميًا لم يتعلم شيئًا من أنواع العلوم الإلهية والشرعية والاجتماعية والتاريخية التي اشتمل عليها " ٣. ثم يفصل هذا الإجمال - في موضع آخر - فيقول: "إن الآية الكبرى لخاتم الرسل ﷺ على نبوته هي القرآن وإنها لآية مشتملة على آيات كثيرة، وقد احتج عليهم به وتحداهم بسورة من مثله، فعجزوا، واحتج عليهم أيضًا ببعض ما اشتمل عليه من الآيات كأخبار الغيب ، فالقرآن في جملته آية علمية، وفي تفصيله آيات كثيرة عقلية وكونية، وهي دائمة لا تزول كما زالت الآيات الكونية، كعصا موسى مثلًا، عامة لا تختص ببعض من كان في عصر الرسول كما كانت آية موسى الكبرى خاصة بمن رآها في عصره، وهي أدل على الرسالة من الآيات الكونية، لأن موضوع الرسالة علمي، فهو علم موحى به غير مكسوب يقصد به هداية الخلق إلى الحق، فظهور أعلى علوم الهداية على لسان أميّ كان - هو وقومه - أبعد الناس عن كل علم بعبارة أعجزت ببلاغتها قومه كما أعجزت غيرهم، على أنه لم يكن من قبل معدودًا من بلغائهم؛ أدل على كون ذلك موحى به من الله عزوجل من
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٦/ ٦٧) ٢ تفسير المنار (٨/ ٢٨٠) ٣ المصدر نفسه والصفحة.
[ ٧٥٣ ]
عصا موسى على كون ما جاء به من التوراة موحى به منه تعالى، وهي غير معجزة في نفسها، وقد نشأ من جاء بها في دار ملك أربى على سائر ممالك الأرض بالعلوم والشرائع. فالآية العلمية القطعية لا يمكن المراء فيها كالمراء في الآية الكونية التي هي أمر غريب غير معتاد يشتبه بكثير من الأمور النادرة التي لها أسباب خفيةكالسحر وغيره " ١.
ويقول في موضع آخر مؤكدًا على نفس المعنى: " فإنزاله مشتملًا على الحكم التفصيلي للعقائد والشرائع وغيرها عل لسان رجل منكم أمي مثلكم هو أكبر دليل وأوضح آية على أنه من عند الله تعالى لا من عنده هو كما قال بأمر الله في آية أخرى: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ﴾ ٢ جاوز الأربعين من السنين ولم يصدر عني فيه شيء من مثله في علومه ولا في إخباره بالغيب ولا في أسلوبه ولا في فصاحته وبلاغته ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أن مثل هذا لا يكون إلا بوحي من العليم الحكيم؟ " ٣.
وحجة إعجاز هذا القرآن ودلالته على نبوة نبينا دلالة علمية عقلية - كما يقول الشيخ رشيد ـ: " إذ لا يتصور عاقل يؤمن برب العالمين أن يصدر هذا الكتاب المشتمل على هذا القدر السنيع ٤ من المعاني، في هذا الأسلوب البديع، والنظم المنيع من المباني، من رجل أمي ولا متعلم أيضًا، إلا أن يكون وحيًا اختصه به الرب عزوجل، ناهيك به وقد جزم بعجز الإنس والجن عن أن يأتوا بمثله، ثم تحداهم بأن يأتوا بسورة من مثله ٥، فهذا التحدي حجة مستقلة على نبوة محمد ﷺ بصرف النظر عن المتحدى به ما هو " ٦.
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٧/ ٣٨٦) ٢ سورة يونس، الآية (١٦) ٣ تفسير المنار (٨/ ١٠) ٤ السنيع: الجامع بين الطول والحسن من سنع سنوعًا وسناعة. لسان العرب (٣٣/١٦٨) ٥ يشير إلى آيتي: البقرة (٢٣)، ويونس (٣٨) ٦ تفسير المنار (١/ ٢١٨)
[ ٧٥٤ ]
إن هذا القرآن هو أمر "خارق للعادة" كسائر خوارق الأنبياء، إلا أنه أجلاها وأقواها. ولا يقتصر إعجازه على بلاغته وبيانه - وكما يقول الشيخ رشيد ـ: "وإعجازه ليس مقصورًا على أسلوبه البديع وارتقائه أسمى درج البلاغة وعلى إخباره بالمغيبات المستقبلة وسرده قصص الماضين من غير الاطلاع عليها، بل فيما اشتمل عليه من العلوم والمعارف في تهذيب البشر وبيان مصالحهم في أمور معاشهم ومعادهم أعظم خارق لحجب العوائد " ١.
لقد تحدث الشيخ رشيد على أوجه الإعجاز اللفظي والمعنوي بالإجمال والإيجاز وقسمها إلى أنواع، عند حديثه عن آية التحدي في سورة البقرة ٢. كما تحدث عن التحدي ببلاغته ونظمه في سورة يونس ٣. ووجه الكلام في " الوحي المحمدي" إلى هداية القرآن بأسلوبه وتأثيره وعلومه المصلحة للبشر بما يحتمله المقام من البسط والتفصيل، وهو القدر الذي يعلم منه أن هذه العلوم أهدى من كل ما حفظه التاريخ عن جميع الأنبياء والحكماء وواضعي الشرائع والقوانين وأن إعجازه من هذه الناحية أقوى البراهين على كونه وحيًا من الله تعالى تقوم به الحجة على جميع البشر " ٤.
ونرى الشيخ رشيد كثيرًا ما يلجأ إلى المقارنة، فقد قارن بين آيات نبينا وآيات الأنبياء قبله من حيث ذاتها وحقيقتها ومن حيث قوة دلالتها، ومن حيث أثرها الذي طبعته في نفوس أممها، فقد قارن بين أثر القرآن في العرب وأثر التوراة في بني إسرائيل وبين أثر القرآن في نفس المسلمين والمشركين ٥. وخلص من ذلك كله إلى أن: "ما جاء به محمد ﷺ هو
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٢/ ٤١٨) ٢ انظر: تفسير المنار (١/ ١٩١ - ٢٢٨) ٣ انظر: المصدر نفسه (١١/ ١٩٥ - ١٩٧) ٤ الوحي المحمدي (ص: ١٣٨ـ ١٦٦) ٥ الوحي المحمدي (ص:٦٥، ٧١، ١٤٨)
[ ٧٥٥ ]
أعلى وأكمل مما جاء به من قبله من جميع الأنبياء والحكماء والحكام فهو برهان علمي على أنه من عند الله تعالى، لا من فيض استعداده الشخصي" ١.
وقد سبق أن أشرت إلى أن الشيخ رشيد يثبت وقوع آيات كونية للنبي ﷺ إلا أنه لم يقصد بها التحدي وإقامة الحجة على نبوته ورسالته، بل كان ذلك لأسباب أخرى ٢.
ومن منهج المقارنة الذي يعتمده الشيخ رشيد رضا للوصول إلى الحقائق، أنه قارن أيضًا بين آيات النبيين قبل نبينا وآياته، والحق أن المقارنة تقوم مقام التجربة في البحوث العلمية؛ وتتساوي نتيجتها في القوة مع تلك أو تعلو عليها. لذلك فإن الشيخ رشيد يعتمد منهج المقارنة، لإثبات نبوة نبينا ﷺ كما نبين في المبحث التالي.
ثانيًا: المقارنة:
لدينا قوانين مستقرة في بداهة العقول، منها قانون التماثل، وهو: "أن المثلين يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر، ويجب له ما يجب له ويمتنع عليه ما يمتنع عليه" ٣. ولدينا أيضًا قانون الأولى: وهو: لو أن مثلين اشتركا في صفة أو صفات وزاد أحدهما على الآخر في الصفة أو الصفات فهو أولى بالحكم من صاحبه ٤.
وينتج عن هذين قانون آخر هو: أن التفريق بين المتماثلين كالجمع بين المتناقضين. وعلى هذه القوانين العقلية تكون المقارنة حجة عقلية تنتج حكمًا صحيحًا لا مرد له، وعلى هذا الأساس فقد قارن الشيخ محمد رشيد
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (ص: ١٦٧) ٢ الوحي المحمدي (ص: ٨٠ - ٨١) ٣ انظر: ابن تيمية: شرح الأصفهانية (ص: ٥٢) ٤ انظر: المصدر السابق (ص: ١١٦ - ١١٧) فقد استخدم هذا القياس في حق الله تعالى. وانظر أيضًا: منهاج السنة (٢/ ٥٥ - ٦١) فقد استخد نفس القياس في حق الأنبياء، ثم في حق الصحابة.
[ ٧٥٦ ]
بين نبينا ﷺ وبين من سبقه من الأنبياء للوصول إلى حقيقة عالية هي: أن النبوة أولى بنبينا ﷺ من غيره، وإذا لم تثبت نبوته فلا تثبت نبوة نبي قبله.
فالمقارنة الأولى التي عقدها الشيخ رشيد كانت بين نبينا وبين موسى - صلى الله عليهما - فقال: "فأما الأول الخاص بشخص الرسول، فإن العاقل المستقل الفكر إذا عرف تاريخ محمد ﷺ وتاريخ أنبياء بني إسرائيل ﵈، فإنه يرى أن محمدًا قد نشأ أميًا لم يتعلم القراءة والكتابة، وأن قومه الذين نشأ فيهم كانوا أميين وثنيين جاهلين بعقائد الملل وتواريخ الأمم وعلوم التشريع والفلسفة والأدب، حتى إن مكة عاصمة بلادهم وقاعدة دينهم ومثوى كبرائهم ورؤسائهم، ومثابة الشعوب والقبائل للحج والتجارة فيها، والمفاخرة بالفصاحة والبلاغة في أسواقها التابعة لها لم يكن يوجد فيها مدرسة ولا كتاب مدون قط، فما جاء به من الدين التام الكامل والشرع العام الجامع، لا يمكن أن يكون مكتسبًا ولا أن يكون مستنبطًا بعقله وفكره، كما بيناه من قبل ويرى تجاه هذا أن موسى ﵇ أعظم أولئك الأنبياء في علمه وعمله، وفي شريعته وهدايته، قد نشأ في أعظم بيوت الملك لأعظم شعب في الأرض وأرقاه تشريعًا وعلمًا وحكمة وفنًا وصناعة، وهو بيت فرعون مصر، ورأى قومه في حكم هذا الملك القوي القاهر مستعبدين مستذلين تذبح أبناؤهم وتستحيا نساؤهم، تمهيدًا لإبادتهم ومحوهم من الأرض، ثم إنه مكث بضع سنين عند حميه في مدين وكان نبيًا - أو كاهنًا كما يقولون - فمن ثم يرى منكرو الوحي أن ما جاء به موسى من الشريعة الخاصة بشعبه ليس بكثير على رجل كبير العقل عظيم الهمة، ناشئ في بيت الملك والتشريع والحكمة إلخ ثم يرى الناظر أن سائر أنبياء العهد القديم كانوا تابعين للتوراة متعهدين بها، وأنهم كانوا يتدارسون تفسيرها في مدارس خاصة بهم وبأبنائهم مع علوم أخرى، فلا يصح أن يذكر أحد منهم مع محمد ذكر موازنة ومفاضلة، ويرى أيضًا أن يوحنا المعمدان الذي شهد المسيح بتفضيله عليهم كلهم ١ لم يأت بشرع
_________________
(١) ١ انظر: متَّى (١١/ ١١)
[ ٧٥٧ ]
ولا بنبأ غيبي، بل يرى أن عيسى ﵇ وهو أعظمهم قدرًا، وأعلاهم ذكرًا، وأحلاهم أثرًا، لم يأت بشريعة جديدة، بل كان تابعًا لشريعة التوراة مع نسخ قليل من أحكامها فأمكن لجاحدي الوحي أن يقولوا: إنه لا يكثر على رجل مثله زكي الفطرة، زكي العقل ناشئ في حجر الشريعة اليهودية، والمدنية الرومانية، والحكمة اليونانية، غلب عليه الزهد والروحانية، أن يأتي بتلك الوصايا الأدبية، ونحن المسلمين لا نقول بهذا ولا ذاك، وإنما يقوله الماديون والملحدون والعقليون، وألوف منهم ينسبون إلى المذاهب النصرانية " ١.
والذي نقوله نحن المسلمين بعد هذا العرض والمقارنة: إن البينات لمحمد أعظم من البينات للمسيح، وبعد أمر محمد عن الشبهة أعظم من بعد المسيح عن الشبهة، فإذا جاز القدح فيما دليله أعظم وشبهته أبعد عن الحق فالقدح فيما دونه أولى، وإن كان القدح في المسيح باطلًا، فالقدح في محمد أولى بالبطلان، وإذا ثبتت الحجة التي غيرها أقوى منها فالقوية أولى بالإثبات ٢.
ثم يقارن الشيخ رشيد بين ما جاء به نبينا من العقائد والأحكام وبين ما جاء به غيره - فيقول: "وأما الوجه الثاني: وهو عقائد الدين وعباداته وأحكامه، فلا يرتاب العقل المستقل الفكر غير المقلد لدين من الأديان، أن عقائد الإسلام من توحيد الله وتنزيهه عن كل نقص، ووصفه بصفات الكمال والاستدلال عليها بالدلائل العقلية والعلمية الكونية، ومن بيان هداية رسله به ومن عباداته وآدابه المزكية للنفس المرقية للعقل، ومن تشريعه العادل، وحكمه الشوري المرقي للاجتماع البشري - كل ذلك أرقى مما في التوراة والأناجيل وسائر كتب العهد القديم والجديد " ٣. وبالمقارنة فيما يتعلق بالله تعالى وصفاته وفيما يتعلق بالأنبياء والرسل، يقول الشيخ رشيد
_________________
(١) ١ الوحي المحمدي (ص: ٦٦ - ٦٨)، وأيضًا: مجلة المنار (٤/ ٣٧٩ - ٣٨٦) ٢ انظر: ابن تيمية: منهاج السنة (٢/ ٥٥ـ ٥٦) ٣ الوحي المحمدي (ص: ٦٨)
[ ٧٥٨ ]
مقارنًا بين ما جاء به نبينا وما جاءت به كتب أهل الكتاب: "ومن نظر في قصص آدم ونوح وإبراهيم ولوط وإسحاق ويعقوب ويوسف من سفر التكوين، وسيرة موسى وداود وسليمان وغيرهم من الأنبياء في سائر أسفار العهد القديم، ثم قرأ هذه القصص في القرآن يرى الفرق العظيم في الاهتداء بسيرة هؤلاء الأنبياء العظام، ففي أسفار العهد القديم يرى وصف الله تعالى بما لا يليق به من الجهل والندم على خلقه البشر والانتقام منهم، ووصف الأنبياء أيضًا بما لا يليق بهم من المعاصي مما هو قدوة سوءى، من حيث يجد في قصص القرآن من حكمة الله تعالى ورحمته وعدله وفضله وسننه في خلقه، ومن وصف أنبيائه ورسله بالكمال، وأحاسن الأعمال، ما هو قدوة صالحة وأسوة حسنة تزيد قارئها إيمانًا وهدى، فأخبار الأنبياء في كتب العهدين تشبه بستانًا فيه كثير من الشجر والعشب والشوك والأزهار والحشرات، وأخبارهم في القرآن تشبه العطر المستخرج من تلك الأزهار، والعسل المشتار من جنى تلك الثمار وندع هنا ذكر ما كتبه علماء الإفرنج الأحرار في نقد هذه الكتب والطعن فيها، ومن أخصرها وأغربها كتاب "أضرار تعليم التوراة والإنجيل" لأحد علماء الإنجليز ١، وما فيها من مخالفة العلم والعقل والتاريخ، والقرآن خالٍ من ذلك ٢" ٣.
والذي أريد أن أثبته هنا، هو أن المسلمين لا يقولون بصحة ما ورد في الكتب المقدسة عند أهل الكتاب فيما يتعلق بصفات الله ورسله، ولكننا نقول: إذا كان يمكن الإيمان بهذه الكتب وهؤلاء الأنبياء والحالة هذه،
_________________
(١) ١ هو: تشارلز وطس: مطبعة الموسوعات في مصر، سنة ١٣١٩هـ = ١٩٠١م. انظر: صابر طعيمة: الأسفار المقدسة (ص: ١٦٨) وما بعدها. ٢ ومن البحوث الجديدة في ذلك: ما كتبه موريس بوكاي في المقارنة بين الحقائق العلمية في الكتب المقدسة. انظر: موريس بوكاي: الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة، دار المعارف، مصر، الترجمة العربية. وانظر أيضًا: مقارنة دراز: مدخل إلى القرآن الكريم (ص: ٩٧ - ١٠٢) ٣ الوحي المحمدي (ص: ٦٨ - ٦٩)
[ ٧٥٩ ]
فالإيمان بنبينا وكتابه أولى وأحرى وهو سالم من كل هذه المطاعن.
وقد قارن الشيخ رشيد أيضًا بين آيات نبينا وآيات الأنبياء قبله، وقد سبق الإشارة إلى ذلك فلا أعيده هنا وأكتفي بما كتبت ونقلت هناك ١. وجانب آخر قارن فيه الشيخ رشيد لنفس السبب هو الأثر الذي تركه نبينا في أمته من بعده وأثر الأنبياء قبله ٢.
ونتيجة هذه المقارنات - كما يقول الشيخ رشيد: " أنه لا يستطيع أحد أن يؤمن إيمانًا علميًا بأن تلك الكتب وحي من الله، وأن الذين كتبوها أنبياء معصومون فيما كتبوه، ثم لا يؤمن بأن القرآن وحي من الله تعالى، وأن محمدًا نبي معصوم فيما بلغه عن الله تعالى " ٣.
ثالثًا: البشارات:
أثبتت آيات القرآن الكريم أن الكتب القديمة فيها بشارات بنبينا ﷺ وأنه ذكر باسمه على لسان المسيح ﵇، فقال تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ.. .﴾ ٥ ففي الآية الأولى: ذكر اسمه، وفي الآية الثاني: ذكر وصفه ووصف شريعته.
وعند تفسير الآية الثانية وقف الشيخ رشيد وعقد فصلًا طويلًا في بشارات الكتب السابقة بنبينا ﷺ. واعتمد فيه على ما أورده العلامة رحمة الله الهندي في كتابه "إظهار الحق" فقد أورد كلامه بطوله ولفظه، وسبق ذلك أيضًا بالمقدمات التي مهد بها رحمة الله لهذه البشارات، وهي ثمان
_________________
(١) ١ انظر (ص:٧٠٢) من هذا البحث. ٢ انظر: الوحي المحمدي (ص: ١٤٨ وص: ١٥١ - ١٦٥) ٣ الوحي المحمدي (ص: ٥٨) ٤ سورة الصف، الآية (٦) ٥ سورة الأعراف، الآية (١٥٧)
[ ٧٦٠ ]
مقدمات ١ أُوردُ منها أهمها مع الاختصار:
الأولى: أن إخبار النبي المتقدم عن المتأخر يكون مجملًا خفيًا ولكنه يتضح بالقرائن والعلامات.
الثانية: أن أهل الكتاب كانوا ينتظرون ثلاثة: إيليا - وهو يحيى ﵇ والمسيح - ونبيًا آخر بعد المسيح ليس هو إيليا - يحيى - ولا المسيح، فادعاء أن المسيح هو الخاتم باطل ٢.
الثالثة: أن اليهود ينكرون ما يستدل به النصارى من بشارات العهد القديم كما ينكر النصارى البشارات بنبي الإسلام، مع أن هذه أظهر وأقوى من تلك التي يحتج بها النصارى.
الرابعة: وهي أهم هذه المقدمات، وهي مسألة ترجمة أهل الكتاب لنصوص كتبهم بالمعنى الذي يكون على قدر ما يفهم المترجم، فقد ترجمت الأسماء في هذه الكتب بمعانيها أحيانًا كما أنهم أضافوا - أثناء عملية الترجمة عبارات تفسيرية لبعض النصوص دون الإشارة إلى ما يميز هذه العبارة الإلحاقية عن النص الأصلي. ومثال الأول: ما جاء في العهد القديم - سفر التثنية في قول كاتب العهد القديم: "فمات هناك موسى عبد الرب" ٣، وفي ترجمة أخرى: "فمات هناك موسى رسول الله" ٤ وهاتان الترجمتان في اللغة العربية، فلو بدل لفظ رسول الله في البشارات المحمدية بلفظ آخر لما كان غريبًا، ومثال آخر من الإنجيل: ففي إنجيل يوحنا - في الترجمة العربية كذلك - قول المؤلف: "لما علم يسوع" وفي ترجمة أخرى - عربية كذلك - "لما علم الرب" ٥، فبدل المترجم لفظ يسوع
_________________
(١) ١ انظر: تفسير المنار (٩/ ٢٣٠ - ٢٥٠)، وقارن مع: رحمة الله الهندي: إظهار الحق (٤/ ١٠٧٨ ت ١١١٥) ط. ملكاوي. ٢ انظر: يوحنا: ١/١٩ـ ٢٦ ٣ العهد القديم: تثنية (٣٤/ ٥) ٤ رحمة الله الهندي: إظهار الحق (٤/ ١١٠٠ـ ١١٠١)، وتفسير المنار (٩/ ٢٤٧) ٥ بشارة يوحنا (٤/ ١)، وانظر: رحمة الله الهندي: المصدر السابق (٤/ ١١٠٣)، وتفسير = = المنار (٩/ ٢٤٧)
[ ٧٦١ ]
وهو علم على المسيح بلفظ الرب، فلو بدلوا اسمًا من أسماء النبي ﷺ بآخر لما كان بعيدًا ومثال الأمر الثاني: وهو العبارات الملحقة ضمن النص - ما كتبه مؤلف متى في قوله: "ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلًا إيلي إيلي لماذا شبقتني؟ أي: إلهي إلهي لماذا تركتني؟ "١ فلا ريب أن هذه العبارة التفسيرية ليست من كلام المصلوب.
ويشير الشيخ رشيد إلى أن هذه الأمور عندهم لا تعاب من أهل الدين فكيف بمن ليسوا كذلك، بل بدلوا وحرفوا عمدًا، بالزيادة والنقصان ٢.
وبعد ذلك أورد الشيخ رشيد نقلًا عن الشيخ رحمة الله البشارات التي وردت في التوراة والإنجيل مع الشرح ورد المطاعن فيها، ونقل عن "إظهار الحق" البشارات بطولها، وكان يعلق أحيانًا ويقوم بتحقيق بعض المسائل، كما حقق معنى كلمة "البارقليط" الواردة في بعض هذه البشارات فحقق معناه في اللغة الإنجليزية ٣.
ولم يكتف رشيد رضا بالنقل عن رحمة الله الهندي، بل إنه استدرك عليه ما لم يعلمه. وذلك أن الشيخ رشيد قد وقف على إنجيل برنابا - الذي نقل عنه الشيخ رحمة الله بالواسطة - ولذلك فإنه أورد منه بشارة صريحة فيها ذكر اسم نبينا ﷺ العلم "محمد". وذكر الشيخ رشيد أن ذلك موضع ارتياب الباحثين من علماء أوروبا، لأن المعهود في البشارات أن تكون بالكنايات والإشارات، وأجاب عن ذلك بعدة أجوبة: فقال: "بقي أمر يستنكره الباحثون في هذا الإنجيل بحثًا علميًا لا دينيًا أشد الاستنكار وهو تصريحه باسم "النبي محمد" ﵊ قائلين: لا يعقل أن يكون ذلك كتب قبل ظهور الإسلام إذ المعهود في البشارات أن تكون بالكنايات والإشارات، والعريقون في الدين لا يرون مثل ذلك مستنكرًا في خبر
_________________
(١) ١ انظر: بشارة متى (٢٧/ ٤٥)، ورحمة الله الهندي: المصدر نفسه (٤/ ١١٠٣)، وتفسير المنار (٩/ ٢٤٧) ٢ رحمة الله الهندي: المصدر نفسه (٤/ ١١١٠) ٣ تفسير المنار (٩/ ٢٧٩)
[ ٧٦٢ ]
الوحي، وقد نقل الشيخ محمد بيرم ١ عن رحالة إنجليزي أنه رأى في دار الكتب البابوية في الفاتيكان نسخة من الإنجيل مكتوبة بالقلم الحميري قبل بعثة النبي ﷺ وفيها يقول المسيح: (ومبشرًا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد) وذلك موافق لنص القرآن بالحرف، ولكن لم ينقل عن أحد من المسلمين أنه رأى شيئًا من هذه الأناجيل التي فيها البشارات الصريحة، فيظهر أن في مكتبة الفاتيكان من بقايا تلك الأناجيل والكتب التي كانت ممنوعة في القرون الأولى ما لو ظهر لأزال كل شبهة عن إنجيل برنابا وغيره. على أنه لا يبعد أن يكون مترجم إنجيل برنابا باللغة الإيطالية قد ذكر اسم "محمد" ترجمة، وأن يكون قد ذكر في الأصل الذي ترجم هو عنه بلفظ يفيد معناه كلفظ "البارقليط"، ومثل هذا التساهل معهود عند المسيحيين في الترجمة كما بينه الشيخ رحمة الله وإنني أزيد مثالًا على ما سبق من اختلاف ترجمة الأعلام والألقاب والصفات في كتب أهل الكتاب يقرب لفهم القارئ هذه المسألة وهو ما جاء في نبوة النبي حجي من البشارة بنبينا ﷺ " ٢.
والنبي حجي هو أحد أنبياء العهد القديم وله سفر قصير فيه إصحاحان فقط، وقد أورد الشيخ رشيد هذه البشارة وشرحها كما يلي:
بشارة النبي حجي بمحمد ﷺ:
نقل الشيخ رشيد نص البشارة، وهو: " (٢:٦) هكذا قال رب الجنود: هي مرة بعد قليل فأزلزل السماوات والأرض والبحر واليابسة، ٧ وأزلزل كل الأمم، ويأتي مشتهى كل الأمم فأملأ هذا البيت مجدًا، قال رب الجنود ٨ لي الفضة ولي الذهب يقول رب الجنود ٩ مجد هذا البيت الأخير يكون أعظم من مجد الأول، قال رب الجنود ١٠ وفي هذا المكان أعطي السلام، يقول رب الجنود" ٣. ثم علق الشيخ رشيد أولًا بملاحظة تتعلق بالترجمة كشاهد آخر على تصرف المترجمين في الأسماء فقال: "أقول قبل كل شيء
_________________
(١) ١ انظر: ترجمته: الزركلي: الأعلام (٧/١٠١) ٢ تفسير المنار (٩/ ٢٩٧ - ٢٩٨) ٣ حجي (٢/ ٦ - ١٠)
[ ٧٦٣ ]
إن اسم أو لقب مشتهى الأمم" هو في الأصل العبراني عند اليهود "حمدوت" ومعناه الذي يحمد، فهو صيغة مبالغة من الحمد كملكوت من الملك، فحمدوت الأمم هو الذي تحمده الأمم، وهو معنى محمد ومحمود، فالأول اسم فاعل من حمده بالتشديد إذا حمده كثيرًا؛ ومن تحمده الأمم يكون محمودًا حمدًا كثيرًا أي محمدًا، والثاني اسم مفعول من حمد الثلاثي، ومحمود من أسمائه ﷺ، فهل بعد هذا يبعد أن يكون لفظ الفارقليط اليوناني مترجمًا من لفظ حمدوت العبراني، ونسخ الإنجيل العبرانية التي نقلت ألفاظ المسيح ﵇ بحروفها قد فقدت ؛ثم إن بقية بشارة حجي لا تصدق على غير نبينا ﷺ محمد الأمم فهو الذي زلزل رب الجنود ببعثته العالم، ونصره بالجنود وبالحجة جميعًا، وكان مجد دين الله به أعظم من مجده بموسى وسائر أنبياء قومه، وفرضت شريعة الزكاة وخمس الغنائم لتنفق في سبيل الله فكانت الفضة والذهب لله " ١.
إن الترجمة هي الباب الذي دخل منه العبث بنصوص الكتب المقدسة السابقة على الإسلام، والترجمة ليست هي الأصل ولو مع وجوده، فكيف إذا فقد النص الأصلي، وأرى أن أنقل هنا اعترافًا لأحد المترجمين للعهد الجديد يبين فيه حقيقة الترجمة فيقول: "إن كل كلمة في أي لغة تحمل عادة معاني عديدة، وعلى المترجم في حال كهذه أن يختار معنى واحدًا، يستخدمه في ترجمته، إلى ماذا يستند المترجم عندما يختار ذلك المعنى الواحد من بين المعاني المتعددة؟ إنه يختار ذلك المعنى الذي يشعر أنه يتفق مع فكرة القرينة، لكن هل يكون مصيبًا دائمًا في اختياره؟ إنه يظن ذلك. لكن قد يكون هناك من يخالفه في الرأي " ويقول أيضًا: "المترجم كائن بشري عرضة للخطأ، وكلنا خطاة ضعفاء، إن الذي يحدث هو أن المترجم يقوم بتفسير الآية بالإضافة إلى ترجمته، والقارئ الذي لا يعرف اللغة الأصلية للكتاب المقدس يصبح تحت رحمة المترجم"، ويقول: "إن من السهل أن يغرب عن البال أن الترجمات
_________________
(١) ١ تفسير المنار (٩/ ٢٩٨ - ٢٩٩)
[ ٧٦٤ ]
العربية للكتاب المقدس هي ترجمات وليست الأصل" ١.
إن اللغة التي كتبت بها الأسفار المقدسة هي العبرية، وهذه النصوص لم تصل إلينا في لغتها الأصلية. فصرنا جميعًا تحت رحمة المترجمين - وأمانتهم، ولولا أن منّ الله علينا برسوله الخاتم وكتابه العظيم لضاعت الحقيقة.
رابعًا: الشهادة:
هذا دليل شرعي عقلي، أعني أنه جاء به الشرع وأيده العقل. وهو دليل معتمد عند أهل الكتاب. قال تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ ٢ وقال: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ ٣، وقال: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ ٤، وأما العقل: فإنه يقول إن الله تعالى سميع بصير - وهذا باتفاق - فكان يرى نبينا ويسمعه، ويعلم دعواه التي أقام عليها ثلاثًا وعشرين سنة، فإما أنه - تعالى - كان يعلم أو لا يعلم، وفي الثاني نسبته تعالى للجهل. أو كان يعلم ولا يقدر على تغييره وفي ذلك نسبته إلى العجز المنافي للربوبية، أو كان قادرًا ومع ذلك أعزه ونصره وأيده بكل طريق - أي وهو كاذب - فهذا من أعظم الظلم والسفه الذي لا يليق بالعقلاء، فكيف برب السماء، فكيف وهو يشهد له بإقراره على دعوته وبتأييده وبكلامه. فلا بد أن يكون عالمًا قادرًا شاهدًا بالحق، ولا بد أن يكون محمد نبيًا صادقًا ٥.
ويعتمد أهل الكتاب هذا دليلًا على صدق المسيح "أي أنه رسول الله
_________________
(١) ١ د. كينيث بايلي: الفهرس العربي لكلمات العهد الجديد: لغسان خلف. دار النشر المعمدانية، بيروت، ١٩٧٩م (ص: ١٦) [عن الكتب المقدسة بين الصحة والتحريف (ص: ١٠٤)] ٢ سورة النساء، الآية (١٦٦) ٣ سورة الأنعام، الآية (١٩) ٤ سورة الرعد، الآية (٤٣) ٥ انظر تقرير هذا الدليل: ابن القيم: هداية الحيارى (ص: ١٠٤) ط. دار الكتب العلمية.
[ ٧٦٥ ]
بشهادة يوحنا المعمدان، وبشهادة الأب له بالآيات التي صنعها على يده وبالنبوءات التي تمت به، ومن ثم حق له أن يطلب تصديق دعواه بمجرد قوله" ١.
لذلك كله فإن الشيخ رشيد قرر هذا الدليل أيضًا من أدلة نبوة نبينا ﷺ. لقد عرف الشيخ رشيد كلمة "شهادة" فقال: "شهادة الشيء حضوره ومشاهدته، والشهادة به: الإخبار به عن علم ومعرفة، واعتقاد مبني على المشاهدة بالبصر أو بالبصيرة: أي العقل والوجدان، ومنه: الشهادة بالتوحيد، وإثبات الشيء بالدليل والبرهان شهادة به " ٢.
ويعلق على قوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ قائلًا: "أي شيء شهادته أكبر شهادة وأعظمها، وأجدر بأن تكون أصحها وأصدقها؟ أكبر الأشياء شهادة الذي لا يجوز أن يقع في شهادته كذب ولا زور ولا خطأ هو الله تعالى وهو شهيد بيني وبينكم، وأوحى إليّ هذا القرآن من لدنه لأنذركم به عقابه على تكذيبي فيما جئت به مؤيدًا بشهادته سبحانه " ٣.
ثم بين الشيخ أقسام هذه الشهادة فقال إنها قسمان:
الأول: شهادته سبحانه برسالة الرسول ﷺ.
الثاني: شهادته بما جاء به الرسول ﷺ، وقسم القسم الأول: وهو شهادته عزوجل برسالة رسوله إلى ثلاثة أنواع: الأول: إخباره برسالته في كتابه كقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ ٤ وقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ ٥، وقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ
_________________
(١) ١ انظر: د. وليم إدي: الكنز الجليل في تفسير الإنجيل (٣/ ٨٥ و٣/ ١٣٥) ٢ تفسير المنار (٧/ ٣٣٨) ٣ المصدر نفسه والصفحة. ٤ سورة الفتح، الآية (٢٩) ٥ سورة البقرة، الآية (١١٩)
[ ٧٦٦ ]
الْمُرْسَلِينَ﴾ ١، وهذا النوع شهادة بغير لفظ الشهادة، قال: "وهي غير شرط في صحتها خلافًا لبعض الفقهاء" ٢، ولكن وردت الشهادة بلفظها أيضًا - كما في الآيات التي في صدر البحث. وأورد منها الشيخ رشيد قوله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ ٤، فهذا النوع الأول يشمل الشهادة بلفظ الشهادة وبغير لفظ الشهادة، وأما النوع الثاني من شهادة الله لرسوله بالرسالة فهو: تأييده له بالآيات الكثيرة، وأعظمها القرآن. ومنها غير القرآن من الآيات الحسية، والأخبار النبوية بالغيب. والنوع الثالث من شهادته تعالى لرسوله: شهادة الكتب السابقة له وبشارة الرسل به ٥.
وأما القسم الثاني: وهو شهادة الله تعالى لما جاء به الرسول من التوحيد والبعث، فيقسمه الشيخ رشيد إلى ثلاثة أنواع كذلك:
أحدها: شهادة كتابه بذلك، كقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٦.
ثانيها: ما أقامه من الآيات البينات في الأنفس والآفاق على توحيده واتصافه بصفات الكمال.
ثالثها: ما أودعه جل شأنه في الفطرة البشرية من الإيمان الفطري، وبالألوهية وبقاء النفس وما هدى إليه العقول السليمة من تأييد هذا الشعور الفطري بالدلائل والبراهين ٧.
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية (٢٥٢) ٢ تفسير المنار (٧/ ٣٣٩) ٣ سورة النساء، الآية (١٦٦) ٤ سورة الرعد، الآية (٤٣) ٥ تفسير المنار (٧/ ٣٣٩ - ٣٤٠) ٦ سورة آل عمران، الآية (١٨) ٧ تفسير المنار (٧/ ٣٤٠)
[ ٧٦٧ ]
ويلخص الشيخ رشيد هذا المعنى كله بقوله: "علم مما بيناه أن شهادته تعالى هي شهادة آياته في القرآن، وآياته في الأكوان، وآياته في العقل والوجدان، وهذه الآيات قد بينها القرآن وأرشد إليها، فهو الدعوى والبينة والشاهد والمشهود له، وكفى به ظهورًا بالحق وإظهارًا له، أنه لا يحتاج إلى شهادة غيره له " ١.
خامسًا: الآيات الكونية:
وفي سياق المقارنة بين آيات نبينا ﷺ العقلية العلمية، وآيات من سبقه، أثبت رشيد رضا وقوع آيات كونية لنبينا ﷺ على نحو ما وقع لمن سبقه من الأنبياء، إلا أن آيات نبينا ﷺ قد رويت "بالأسانيد المتصلة تارة والمرسلة ٢ أخرى" وهي "أكثر من كل ما رواه الإنجيليون وأبعد عن التأويل" ٣، ومع ذلك فإنه "لم يجعلها برهانًا على صحة الدين ولا أمر بتلقينها للناس" ٤، وذلك لأن "الله تعالى جعل نبوة محمد ورسالته قائمة على قواعد العلم والعقل في ثبوتها وفي موضوعها، لأن البشر قد بدؤوا يدخلون بها في سن الرشد والاستقلال" ٥.
وأما هذه الآيات الكونية "فلم يكن لإقامة الحجة على نبوته ورسالته، بل كان من رحمة الله تعالى وعنايته به وبأصحابه في الشدائد" ٦، ومن هذه الآيات: "شفاء المرضى ٧، وإبصار الأعمى ٨، وإشباع العدد الكثير
_________________
(١) ١ المصدر نفسه والصفحة. ٢ الرواية المرسلة: هي التي لم يذكر فيها اسم الصحابي. انظر: ابن الصلاح: المقدمة (ص: ٧١)، وأحمد شاكر: شرح ألفية السيوطي في علم المصطلح (ص: ٢٦) ٣ الوحي المحمدي (ص: ٧٩) ٤ المصدر نفسه. ٥ المصدر نفسه (ص: ٧٩ - ٨٠) ٦ الوحي المحمدي (ص: ٨٠ - ٨١) ٧ انظر: الطبراني: المعجم الكبير (٥/ ٢٧٥)، والهيثمي: مجمع الزوائد (٨/ ٢٩٨) ٨ انظر: الهيثمي: مجمع الزوائد (٨/ ٢٩٧ - ٢٩٨)، وانظر أيضًا: الترمذي: ك: الدعوات، باب: ١١٩، ح: ٣٥٧٨.
[ ٧٦٨ ]
من الطعام القليل في غزوة الأحزاب ١، وفي غزوة تبوك ٢، كما وقع للمسيح ﵇ ٣، ومنها: تسخير الله السحاب لإسقاء المسلمين، وتثبيت أقدامهم التي كانت تسيخ في الرمل ببدر، ولم يصب المشركين من غيثها شيء ٤، ومثل ذلك في غزوة تبوك إذ نفد ماء الجيش في الصحراء والحر شديد، حتى كانوا يذبحون البعير ويخرجون الفرث من كرشه ليعتصروه ويبلوا ألسنتهم، على قلة الرواحل معهم ٥ " ٦.
ويرى رشيد رضا أن معجزات الأنبياء من هذا النوع لا تتفق مع عقلية العصر الحديث التي أصبحت لا تؤمن إلا بالمعقول وبما تحسه فقط، وتنكر ما يخرح عن قوانين الطبيعة، فمعجزات الرسل قبل نبينا ﷺ أصبحت شبهة على الدين عند علماء العصر، وكما يقول رشيد رضا "إن القرآن وحده هو حجة الله القطعية على ثبوت نبوة محمد ﷺ بالذات، ونبوة غيره من الأنبياء وآياتهم بشهادته، ولا يمكن في عصرنا إثبات آية إلا بها، وإن الخوارق الكونية شبهة عند علمائه لا حجة" ٧. ولكن يرد رشيد رضا من هذه الآيات: انشقاق القمر.
_________________
(١) ١ انظر: البخاري: الصحيح، ك: المغازي، باب: غزوة الأحزاب، ح: ٤١٠١، و٤١٠٢. ٢ انظر: مسلم: الصحيح، ك: الفضائل، ح: ١١ (١٣٩٢) ٣ انظر: متى (١٤/ ١٣ - ٢١)، ويوحنا (٦/ ٥ - ١٤) ٤ انظر: ابن كثير: التفسير (٢/ ٢٧٩ـ ٢٨٠)، وابن هشام: السيرة (٢/ ٦٥٨)، وأحمد: المسند (٢/١٩٢) ح: ٩٤٨، ت: شاكر. وقال: إسناده صحيح، وقال الهيثمي: ورجال أحمد رجال الصحيح، غير حارثة بن مضر وهو ثقة. مجمع الزوائد (٦/ ٧٦) ٥ انظر: ابن خزيمة (١/ ٥٢ - ٥٣)، وابن حبان: الإحسان (٢/ ٣٣١)، والحاكم (١/ ١٥٩)،وقال الهيثمي: رواه البزار والطبراين في الأوسط ورجال البزار ثقات: مجمع الزوائد (٦/ ١٩٤ - ١٩٥) ٦ الوحي المحمدي (ص: ٨١) ٧ مجلة المنار (٣٤/ ٧٩٣) وقد نسب مصطفى صبري لرشيد رضا بناء على هذه الكلمة إنكاره لمعجزات النبياء. انظر: مصطفى صبري: موقف العقل (١/ ٣٤٧ و١/ ٢٥)
[ ٧٦٩ ]
انشقاق القمر:
من الآيات التي أكرم الله تعالى بها نبيه آية انشقاق القمر نصفين بناء على اقتراح أهل مكة وسؤالهم ١، وقد تواترت بذلك الأحاديث ٢، وأجمع على الإيمان بها أهل السنة ٣، وأنكرها جمهور الفلاسفة بحجج لا تستحق أن يلتفت إليها ٤، وقد قال الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ ٥ "ومعلوم بالضرورة في مطرد العادة، أنه لو لم يكن انشق لأسرع المؤمنون بها إلى تكذيب ذلك، فضلًا عن أعدائه الكفار والمنافقين، ومعلوم أنه كان أحرص الناس على تصديق الخلق له، واتباعهم إياه، فلو لم يكن انشق لما كان يخبر به ويقرئه على جميع الناس ويستدل به ويجعله آية له" ٦.
لقد رد الشيخ رشيد دعوى تواتر أحاديث انشقاق القمر، ثم طفق يوهن من أمر ما روي في الصحيحين، فقال إن ما روي على شرط الشيخين هو حديث واحد عن عبد الله بن مسعود ﵁ ٧، وأما حديثا أنس ٨ وابن عباس ٩ ﵄ فزعم أنهما مرسلان. قال: "والخلاف في الاحتجاج بالمراسيل معروف ومن يحتج بمراسيل الصحابة مطلقًا يبني احتجاجه على أنهم يروون عن مثلهم، ولكن ثبت أن بعضهم
_________________
(١) ١ انظر: البخاري: الصحيح، ك: المناقب، باب: وانشق القمر، ح: ٤٨٦٥ - ٤٨٦٧ (٧/ ١٨٢) مع الفتح. ٢ حكى التواتر: ابن كثير: التفسير (٤/ ٢٦٣)، وابن حجر: الفتح (٧/ ١٨٣ و١٨٥)، وابن تيمية: الجواب الصحيح (٦/ ١٦٠) ٣ انظر: القاضي عياض: الشفا (١/ ٢١٣) ٤ ابن حجر: الفتح (٧/ ١٨٣)، وابن تيمية: الجواب الصحيح (٦/ ١٨٠) ٥ سورة القمر، الآية (١) ٦ ابن تيمية: الجواب الصحيح (٦/ ١٦١) ٧ البخاري: التفسير: سورة اقتربت الساعة، باب: ومن سورة القمر، ح: ٤٨٦٤ (٨/ ٦١٧)، ومسلم: صفات المنافقين، باب: انشقاق القمر، ح: ٤٣ (٢٨٠٠) (٤/ ٢١٥٨) ٨ البخاري: مناقب الأنصار، باب: انشقاق القمر، ح: ٣٨٦٨ (٧/ ١٨٢) ٩ البخاري: التفسير: سورة اقتربت الساعة، باب: وانشق القمر، ح: ٤٨٦٦ (٨/ ٦١٧)
[ ٧٧٠ ]
كان يروي عن بعض التابعين حتى كعب الأحبار، وعلى كل حال لا يصح في مراسيلهم ما اشترط في التواتر من الرواية المتصلة إلى من شاهد المروي ورواية الشيخين المتصلة من طريقين فقط " ١.
ثم ذكر الشيخ رشيد أيضًا مطعنًا آخر وهو دعوى اختلاف المتون في أحاديث انشقاق القمر ٢، وإشكال خفاء هذه الحادثة على جميع الأقطار ٣، ثم أورد ما أسماه الإشكال الأصولي الأعظم وهو "أن سنته قد مضت بأن ينزل عذاب الاستئصال لكل قوم اقترحوا آية على رسولهم ولم يؤمنوا بإجابتهم إلى ذلك " ٤. وقال: "وجملة القول أنه لو صح أن قريشًا سألوا النبي ﷺ آية تدل على صدق نبوته وأن الله تعالى أجابهم إلى طلبهم فجعل انشقاق القمر آية كما هو نص حديث أنس في الصحيحين وغيره في غيرهما لعذب الله أمته وقومه باستئصالهم على حسب القاعدة الصحيحة الثابتة بالنص القطعي " ٥.
ولذلك فإن الشيخ رشيد خص حديث أنس ﵁ الذي يثبت اقتراح قريش لهذه الآية - بمزيد من الطعن.
ثم إن الشيخ رشيد حمل آية الانشقاق في سورة القمر على وجه آخر حاول فيه الاعتضاد بمعاجم اللغة. واتهم المفسرين أيضًا بالتساهل في تصحيح روايات انشقاق القمر حبًا في تكثير دلائل النبوة بالمعجزات الكونية ٦.
والحق أن الشيخ رشيد كان في غنى عن كل ذلك، لأن الأحاديث المروية كافية في إثبات هذا الحادث العظيم، وكل ما أورده هو ومن قبله من الاعتراضات ليست مما يصمد أمام الفحص والنظر الصحيح.
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٣٠/ ٢٦٢ - ٢٦٣) ٢ المصدر نفسه (٣٠/ ٢٦٤) ٣ المصدر نفسه (٣٠/ ٢٧٠) ٤ المصدر نفسه (٣٠/ ٣٦٤) ٥ المصدر نفسه. ٦ مجلة المنار (٣٠/ ٣٧٢)
[ ٧٧١ ]
فتواتر الأحاديث في هذا مروي عن عدد من المحدثين ١ وهم المرجع في ذلك "وأنه قد يتواتر عند أهل العلم بالشيء ما لا يتواتر عند غيرهم، وأهل العلم بالحديث أخص الناس بمعرفة ما جاء به الرسول ومعرفة أقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فإليهم المرجع في هذا الباب، لا إلى من هو أجنبي عن معرفته " ٢.
وأما خفاء هذا الحادث على جميع الأقطار فهي شبهة واهية لأن "الأمر في هذا خارج عما ذهبوا إله من قياس الأمور النادرة الغريبة إذا ظهرت لعامة الناس وذلك أن هذا شيء طلبه قوم خاص من أهل مكة على ما رواه أنس بن مالك فأراهم النبي ﷺ ذلك ليلًا لأن القمر آية الليل ولا سلطان له بالنهار، وأكثر الناس في الليل تنام ومستكنون بأبنية وحجب والأيقاظ البارزون منهم في البوادي والصحاري قد يتفق أن يكونوا في ذلك الوقت مشاغيل بما يلهيهم من سمر وحديث وكثيرًا ما يقع للقمر كسوف فلا يشعر به الناس حتى يخبرهم الآحاد منهم، والأفراد من جماعتهم ولو أحب الله أن تكون معجزات نبيه ﵇ أمورًا واقعة تحت الحس قائمة للعيان حتى يشترك في معاينته الخاصة والعامة لفعل ذلك، ولكنه سبحانه قد جرت سننه بالهلاك والاستئصال في كل أمة أتاها نبيها بآية عامة يدركها الحس فلم يؤمنوا بها، وخص هذه الأمة بالرحمة فجعل آية نبيها التي دعاهم إليها وتحداهم بها عقلية، وذلك لما أوتوه من فضل العقول وزيادة الأفهام، ولئلا يهلكوا فيكون سبيلهم سبيل من هلك من سائر الأمم المسخوط عليهم المقطوع دابرهم، قلم يبق لهم عين ولا أثر، والحمد لله على لطفه بنا " ٣. ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ ٤، فهذه الأمة مرحومة
_________________
(١) ١ انظر: ابن حجر: فتح الباري (٦/ ٧٣٠)، وحاشية (٦) (ص:٧١٦) ٢ ابن تيمية درء التعارض (٧/ ٣٢) ٣ الخطابي: أعلام الحديث (٣/ ١٦١٨ - ١٦٢٠)، وانظر أيضًا: ابن تيمية: الجواب الصحيح (٦/ ٤٤٧ - ٤٥١)، وانظر أيضًا: عياض: الشفا (ص: ٢١٥) ٤ سورة الأنفال، الآية (٣٣)
[ ٧٧٢ ]
موعودة بألا تستأصل بسنة عامة ١. فهذا جواب لشبهتين أوردهما الشيخ رشيد في آن واحد - وأما تفسير الآية بما يوافق الأحاديث فهو ما عليه المفسرون ٢. فيكون الشيخ رشيد قد جانب الصواب في هذه المسألة ٣.
_________________
(١) ١ انظر: الترمذي: السنن، ك: الفتن، باب: ما جاء في سؤال النبي (ثلاثًا في أمته، ح: ٢١٧٥ و٢١٧٦ (٥/ ٤٧١ - ٤٧٢) ٢ انظر: الزجاج: معاني القرآن (٥/ ٨١) وذكر أنه إجماع المفسرين. ٣ وقد أشرت قبل قليل إلى أنه يمكن أن رشيد رضا قد أخذ هذا من فلسفة محمد عبده بناءً على مذهب الفلاسفة في مثل هذه الآيات.
[ ٧٧٣ ]
المبحث التاسع: منهج رشيد رضا في الصحابة:
عرف الشيخ رشيد الصحابي بقوله: "الصحابي من اجتمع بالنبي ﷺ مؤمنًا، واشترط بعضهم طول الاجتماع به والرواية عنه، وبعضهم أحدهما، وقال بعضهم هم كغيرهم من الناس" ١.
ومعتمدًا على قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾ الآية ٢. قسم رشيد رضا الصحابة إلى ثلاث طبقات: الأولى: السابقون الأولون من المهاجرين، والثانية: السابقون الأولون من الأنصار، والثالثة: الذين اتبعوا هؤلاء السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ٣. قال: "ولفظ الاتباع فيها نص في الصحابة المتأخرين الذين اتبعوا الأولين من المهاجرين والأنصار في صفتيهم: الهجرة والنصرة، وهو بصيغة الماضي، فلا يدخل في عمومه التابعون الذين تلقوا الدين والعلم من الصحابة ولم ينالوا شرف الصحبة والهجرة والنصرة، وتسمية هؤلاء بالتابعين اصطلاحية حدثت بعد نزول القرآن" ٤. وأما حكم هذه الطبقات الثلاث، فيقول عنهم: "هذه الشهادة من
_________________
(١) ١ مجلة المنار (٣٤/ ١١٧) ٢ سورة التوبة، الآية (١٠٠) ٣ تفسير المنار (١١/ ١٣ - ١٧) بتصرف. ٤ المصدر نفسه.
[ ٧٧٤ ]
رب العالمين للطبقات الثلاث من أصحاب رسول الله ﷺ، يدفع حقها باطل الروافض الذين يطعنون فيهم، ويحثو التراب في أفواههم، والذي سن لهم هذا الطعن في جمهورهم الأعظم عبد الله بن سبأ اليهودي الذي أظهر الإسلام لأجل إيقاع الشقاق بين المسلمين وإفساد أمرهم ثم نظم الدعوة لذلك زنادقة المجوس بعد فتح المسلمين لبلادهم ثم جُعل الرفض مذهبًا، له فرق ذات عقائد، منها ما هو كفر صريح ومنها ما هو ابتداع قبيح ومنها ما هو دون ذلك " ١.
ويرى رشيد رضا أن هذه الطبقات الثلاث من الصحابة قد جاوزوا القنطرة، فيقول: "إن جميع أفراد هذه الطبقات الثلاث قد جاوزوا القنطرة واستبقوا الصراط وما يؤثر في كمال إيمانهم شيء، لأن نورهم يمحوا كل ظلمة تطرأ على أحد منهم بإلمامه بذنب " ٢.
وعند قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ ٣، قال: "هذا خبر مؤكد بلام القسم على حرف التحقيق بين به الله فضل عطفه على نبيه وأصحابه المؤمنين الصادقين من المهاجرين والأنصار وتجاوزه عن هفواتهم لاستغراقها في حسناتهم الكثيرة، على كونهم لا يصرون على شيء منها، وإنما كانت هفواتهم هذه مقتضى الطباع البشرية، واجتهاد الرأي فيما لم يبينه الله تعالى لهم بيانًا قطعيًا يعد مخالفه عاصيًا " ٤.
وقال ردًا على سؤال عن عدالة الصحابة: " وورد من الأحاديث النبوية في تعديلهم والثناء عليهم، والنهي عن سبهم وحظر بغضهم، ما لا محل لذكر شيء منه في هذا الجواب الوجيز" ٥. وأيضًا فقد "كان من سيرتهم المتواترة في نشر الإسلام في العالم وإصلاح البشرية، ما هو أكبر
_________________
(١) ١ تفسير المنار (١١/ ١٦) ٢ المصدر نفسه (١١/ ١٧) ٣ سورة براءة، الآية (١١٧) ٤ تفسير المنار (١١/ ٦٤) ٥ مجلة المنار (٣٤/ ١١٨)
[ ٧٧٥ ]
حجة علمية تاريخية على تفضيل أصحاب محمد ﷺ على جميع أصحاب الأنبياء والمرسلين " ١.
وهذه المكانة العالية لأصحاب النبي ﷺ لا تمنع أن يرتكب بعضهم الذنوب ومنها الكبائر - يقول رشيد رضا - إلا أن هذا "لا يبيح هتك حرمة هؤلاء الأخيار في جملتهم" ٢.
إلا أن رشيد رضا يرى أن القول بعدالة جميع الصحابة على اصطلاح من لا يشترط في الصحبة طول العشرة وتلقي العلم والتربية النبوية مطلقًا فيه إفراط، ويفرق بين من رأى النبي ﷺ طفلًا - مثلًا - ولا يعي وبين من عاشر النبي ﷺ ولازمه ٣.
وقد تابع رشيد رضا في ذلك أبو رية وغيره ٤. ولا ريب أن الاعتقاد بعدالة كافة الصحابة هو قول جمهور أهل السنة. وكافة المحدثين، وعليه سلف الأمة وجماهير الخلف ٥.
وعدالة الصحابة كافة هي ما تدل عليه آيات القرآن الكريم دون استثناء. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ٦، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ ٧،وقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٨، وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ
_________________
(١) ١ المصدر نفسه والصفحة. ٢ المصدر نفسه. ٣ المصدر نفسه. ٤ انظر: أضواء (ص: ٣٢٤)، وأحمد أمين: فجر الإسلام (ص: ٢١٦ - ٢١٧) ٥ انظر: الأعظمي: منهج النقد عند المحدثين (ص: ١٠٥) ٦ سورة البقرة، الآية (١٤٣) ٧ سورة الفتح، الآية (١٨) ٨ سورة الحشر، الآية (٩)
[ ٧٧٦ ]
الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ..﴾ ١.
وهذه الآيات وغيرها ترد مذهب رشيد رضا إذ أنها تشير إلى تعديل كافة الصحابة دون استثناء، بما فيهم معاوية ﵁ والذي اتخذ منه رشيد رضا موقفًا غير مرضي كما سيأتي بيانه بعد قليل.
ترتيب الخلفاء الأربعة في الفضل والخلافة:
يرى الشيخ رشيد أن ترتيب الصحابة في الخلافة هو على ترتيبهم في الفضل، وأن ذلك بحكمة الله ورحمته. فيقول: "وكان من حكمة الله ورحمته أن خلف رسول الله ﷺ فيه خير أصحابه علمًا وحكمة وإخلاصًا ليكونوا قدوة لمن بعدهم وحجة لله عليهم، وألهم أهل الحل والعقد أن يقدموا أقصرهم فأقصرهم عمرًا من حيث لا يدرون لتستفيد الأمة من كل واحد منهم، وهذه حكمة ألهمني الله تعالى إياها منذ عشرات السنين لم أروها ولم أسمعها من أحد، وهاك وجه كل واحد منهم ﵃ أجمعين - " ٢. ثم طفق يبين وجه الحكمة تفصيلًا. والشاهد من ذلك تقرير الشيخ رشيد لمنهج السلف في ترتيب الخلفاء في الخلافة والفضل.
حكم سب ولعن الصحابة:
ويرى الشيخ رشيد أن سب الشيخين معصية فيقول جوابًا على سؤال عن حكم من فعل ذلك، وهل تطلق زوجته: "سب الشيخين عليهما الرضوان معصية، والمعاصي لا تحل عقد الزوجية، وإلا لما صح لفاسق زوجية ولا نسب " ٣.
وفيما يتعلق بالصحابي معاوية ﵁، فإن الشيخ رشيد يرى تحريم لعنه مطلقًا - كغيره من الصحابة - لأسباب عديدة منها: النهي الوارد
_________________
(١) ١ سورة التوبة، الآية (١٠٠) ٢ مجلة المنار (٣٥/ ٧) ٣ مجلة المنار (٧/ ٣٨٠)
[ ٧٧٧ ]
في السنة عن اللعن الذي يتساهل فيه أهل الأهواء من السفهاء ١. ولأنه لا يستحق اللعن إلا من مات كافرًا بالله وغضب الله عليه، وهذا لا يعرف إلا بوحي من الله تعالى، ولأن الخاتمة مجهولة ٢ ووراء ذلك كله: "إن السواد الأعظم من المسلمين يعدون سب معاوية ولعنه من الكبائر، ويرمون سابه بالرفض والابتداع، وأن السني من المسلمين ليعادي الشيعي على سب معاوية وأبي سفيان بلهَ الخلفاء الثلاثة، ويعادي الخارجي على سب عثمان وعلي ما لا يعادي غيرهما على ترك فريضة من الفرائض أو ارتكاب فاحشة من الفواحش، فهذا الطعن في عظماء الصحابة وحملة الدين الأولين لو كان جائزًا في نفسه لكفى في تحريمه ما يترتب عليه من زيادة التفريق بين أهل القبلة وتمكين العداوة في قلوبهم حتى يكفر بعضهم بعضًا. لهذا لا أبالي أن أقول لو اطلع مطلع على علم الغيب فعلم أن معاوية مات على غير الإسلام لما جاز له أن يلعنه " ٣. وقد استفتي الشيخ رشيد في لعن معاوية غير مرة فلم يفتِ به ولم يرضه ٤.
ورغم ذلك فإن موقف الشيخ رشيد من معاوية ﵁ غير مرضي. إنه يقول: "إن سيرة معاوية تفيد بجملتها وتفصيلها أنه كان طالبًا للملك ومحبًا للرياسة، وإنني لأعتقد أنه قد وثب على هذا الأمر مقتاتًا، وأنه لم يكن له أن يحجم عن مبايعة علي بعد أن بايعه أولو الأمر وإنني على اعتقادي هذا لا أرى للمسلمين خيرًا في الطعن في الأشخاص والنبز بالألقاب واللعن والسباب، وإنما عليهم أن يبحثوا عن الحقائق ليعلموا من أين جاءهم البلاء فيسعوا في تلافيه مع الاتحاد والاعتصام، والاقتداء بالسلف الصالح في حسن الأدب مع الصحابة الكرام" ٥.
ويقول أيضًا: " ونحن من أولياء علي ﵇ والرضوان - لا
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (٨/ ٦٢٩ - ٦٣٠) ٢ مجلة المنار (٨/٦٢٦) ٣ مجلة المنار (٨/٦٣٠) ٤ المصدر نفسه والصفحة ٥ المصدر نفسه (٩/ ٢١٣)
[ ٧٧٨ ]
من أولياء معاوية وفئته الباغية - عليهم من الله ما يستحقون - ولكننا لسنا بسبابين ولا لعانين كما ورد في وصف المؤمنين. وقد ذكرت في ترجمة الوالد ﵀ من المجلد الثامن - أنه كان يقول: "لا نحب معاوية ولا نسبه" وكيف نحب من بغى على جدنا وخرج عليه ١ وكان سببًا في تلك الفتن التي كانت نكتة سوداء في تاريخ عصر النور الأول لنور الإسلام. وبه تحول شكل الحكومة الإسلامية عن القاعدة التي وضعها لها الله تعالى في كتابه بقوله في المؤمنين: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ ٢ إلى حكومة شخصية استبدادية " ٣.
والحق أن في هذا الموقف من الشيخ رشيد - رغم رفضه للعن والسب - قصور شديد وبخس لحق هذا الصحابي الجليل، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ ٤ ومعاوية ﵁ هو من جملة أصحاب النبي ﷺ وينطبق عليه ما ينطبق عليهم.
فمعاوية بن أبي سفيان ﵄ خال المؤمنين وكاتب وحي رب العالمين ٥، ولاه عمر ﵁ الشام، وأقره عليها عثمان ٦. أسلم يوم العقبة وكتم إسلامه خوفًا من أبيه ٧. كنيته: أبو عبد الرحمن ٨.
_________________
(١) ١ ليست المسألة مسألة عصبية للآباء والأجداد، ويجب أن يكون الكلام علميًا لا عصبيًا على سنن الجاهلية. ٢ سورة الشورى، الآية (٣٨) ٣ مجلة المنار (١٢/ ٩٥٤) ٤ سورة هود، الآية (٨٥) ٥ ابن عساكر: تاريخ دمشق (٥٩/ ٥٥) ط. دار الفكر، الأولى، سنة ١٤١٨هـ، وانظر: الطبراني: المعجم الكبير (١٩/ ٣٠٤)، والذهبي: تاريخ الإسلام: عهد معاوية (ص: ٣٠٦)، والسير (٣/ ١١٩)، وأخته أم المؤمنين حبيبة بنت أبي سفيان. الذهبي: تاريخ الإسلام (ص: ٣٠٨) ٦ ابن عساكر: المصدر السابق (٥٩/ ١١١) ٧ ابن عساكر (٥٩/ ٥٥)، والذهبي: السير (٣/ ١٢٠)، والتاريخ (ص: ٣٠٨) ٨ ابن عساكر (ص: ٥٩)
[ ٧٧٩ ]
ولي الخلافة حين سلم الأمر إليه الحسن بن علي ﵄ وذلك سنة إحدى وأربعين ١. شهد له ابن عباس ﵄ بالأمانة والفقه ٢. كان أبيض طويلًا أبيض الرأس واللحية ٣، إذا ضحك انقلبت شفته العليا ٤. اتخذه النبي ﷺ كاتبًا بوصية جبريل ﵇ ٥. وبشره بالخلافة وأوصاه بالمسلمين ٦، ودعا له كثيرًا ٧.
ولما كان معاوية هو أحد الذين أكرمهم الله تعالى بصحبة نبيه ﷺ فكل كلام يقال في الصحابة فإن معاوية يدخل فيه، وللسلف كلام فيه يخصه ﵁.
فقد روى البخاري أن معاوية أوتر بعد العشاء بركعة، وعنده مولى لابن عباس، فأتى ابن عباس، فقال: "دعه فإنه صحب رسول الله ﷺ" وفي رواية: فقال ابن عباس: "إنه فقيه" ٨.
وروى أحمد في مسنده عن مجاهد عن ابن عباس أن معاوية أخبره "أن رسول الله ﷺ قصر شعره بمشقص" فقلت لابن عباس: ما بلغنا هذا الأمر إلا عن معاوية! فقال: " ماكان معاوية على عهد رسول الله ﷺ متهمًا ٩.
وعن أبي الدرداء: "ما رأيت أحدًا بعد رسول الله ﷺ أشبه صلاة برسول الله ﷺ من أميركم هذا - يعني معاوية ـ" ١٠.
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (ص: ٦٠) ٢ المصدر نفسه (ص: ١٦٦ - ١٦٧)، وانظر: البخاري: الصحيح: فضائل الصحابة، باب ذكر معاوية، ح: ٣٧٦٥ (٧/١٣٠) مع الفتح. ٣ ابن عساكر (ص: ١٠٩) وانظر: الهيثمي: مجمع الزوائد (٩/ ٣٥٦) ٤ الذهبي: تاريخ الإسلام: عهد معاوية (ص: ٣٠٨) ٥ ابن عساكر: المصدر السابق (ص: ٦٨) وما بعدها. ٦ المصدر نفسه (ص: ١٠٩)، وانظر: الهيثمي: مجمع الزوائد (٩/ ٣٥٦) ٧ ابن عساكر (ص: ٧١) وما بعدها. ٨ البخاري: الصحيح، ك: فضائل الصحابة، باب: ذكر معاوية، ح: ٣٧٦٤و٣٧٦٥ (٧/١٣٠) (٤/ ١٠٢) ورواه مسلم: ك: الحج: ح: ٢١٠ (١٢٤٦) [٢/ ٩١٣] ١٠ انظر: الهيثمي: مجمع الزوائد (٩/ ٣٥٧) وقال: رجاله رجال الصحيح غير قيس وهو ثقة.
[ ٧٨٠ ]
وروى أحمد في مسنده ١ عن العرباض بن سارية السلمي، قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو يدعونا إلى السحور في شهر رمضان: "هلموا إلى الغداء المبارك" ثم سمعته يقول: "اللهم علم معاوية الكتاب وقه العذاب"
وعن قبيصة بن جابر قال: "صحبت معاوية فما رأيت أحدًا أنبل حكمًا ولا أبعد أناة منه" ٢. وسئل سعيد بن المسيب عن أصحاب رسول الله ﷺ فقال: "من مات محبًا لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وشهد للعشرة بالجنة وترحم على معاوية كان حقيقًا على الله أن لا يناقشه الحساب" ٣. وسئل عبد الله بن المبارك عنه فقال: "ما أقول في رجل قال رسول الله ﷺ: "سمع الله لمن حمده"، فقال: معاوية من خلفه: "ربنا ولك الحمد". فقيل له: ما تقول في معاوية - هو أفضل أم عمر بن عبد العزيز؟ فقال: "لتراب في منخري معاوية مع رسول الله ﷺ خير - أو أفضل - من عمر بن عبد العزيز" ٤، وقال الربيع بن نافع ٥:"معاوية بن أبي سفيان ستر أصحاب النبي ﷺ فإذا كشف الرجل الستر اجترأ على ما وراءه" ٦. وسئل أحمد عن رجل انتقص معاوية وعمرو بن العاص أيقال إنه رافضي؟ قال: "إنه لم يجترئ عليهما إلا وله خبيئة سوء، وما يبغض أحد أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ إلا وله داخلة سوء" ٧. وقال ابن المبارك: "معاوية عندنا محنة، فمن رأيناه ينظر إلى معاوية
_________________
(١) (٤/ ١٠١) وقال الهيثمي: فيه الحارث بن زياد ولم أجد من وثقه، ولم يرو عنه غير يونس، وبقية رجاله ثقات وفي بعضهم خلاف. مجمع الزوائد (٩/ ٣٥٦) ٢ المصدر نفسه (٥٩/ ١٧٨) وكان يضرب المثل بحلمه (، وألف ابن أبي الدنيا، وابن أبي عاصم تصنيفًا في ذلك. انظر: الذهبي: تاريخ الإسلام: عهد معاوية (ص: ٣١٥) ٣ ابن عساكر: تاريخ دمشق (٥٩/ ٢٠٧) ٤ المصدر نفسه والصفحة. ٥ الربيع بن نافع: الإمام الثقة الحافظ ولد سنة ١٥٠، حدث عنه أبو حاتم، وأبو داود في سننه، وروى عنه البخاري ومسلم بالواسطة، توفي سنة ٢٤١ (السير ١٠/ ٦٥٣) ٦ ابن عساكر (٥٩/ ٢٠٩) ٧ المصدر نفسه (٥٩/ ٢١٠)
[ ٧٨١ ]
شزرًا، اتهمناه على القوم يعني على أصحاب محمد ﷺ"١. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "من لعن أحدًا من أصحاب النبي ﷺ كمعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ونحوهما فإنه مستحق للعقوبة البليغة باتفاق أئمة الدين، وتنازع العلماء هل يعاقب بالقتل؟ أو ما دون القتل " ٢. وقال أيضًا: " "ومعاوية لم يدّع الخلافة، ولم يبايع له بها حين قاتل عليًا، ولم يقاتل على أنه خليفة، ولا أنه يستحق الخلافة، ويقرون له بذلك، وقد كان معاوية يقر بذلك لمن سأله عنهن ولا كان معاوية وأصحابه يرون أن يبتدوا عليًا وأصحابه بالقتال " ٣. وقال: " فمن لعنهم فقد عصى الله ورسوله " ٤.
فهذا موقف السلف من "أمير المؤمنين ملك الإسلام" ٥ "معاوية بن أبي سفيان" ﵄ وقد روى المحدثون في فضائله أحاديث وأفردوا لذلك أبوابًا وفصولًا ٦، ومن هنا تعلم مدى تقصير الشيخ رشيد في حق هذا الصحابي الجليل المشهود له بالفقه والأمانة، وبكل أسى فقد اشتهر الطعن فيه، لا سيما في المتأخرين، ومن المنتسبين لأهل السنة ٧، وذاع ذلك حتى بين العامة، ورحم الله تعالى أمير المؤمنين وخليفة رسول رب العالمين، وكاتب الوحي الأمين، وسائر أصحاب نبينا، والتابعين لهم بإحسان ومن أحبهم وترضى عنهم.
_________________
(١) ١ المصدر نفسه. ٢ مجموع الفتاوى (٣٥/ ٥٨) ٣ المصدر نفسه (٣٥/ ٧٢) ٤ المصدر نفسه (٣٥/ ٦٦) ٥ انظر: الذهبي: السير (٣/ ١٢٠) ٦ انظر: البخاري: الصحيح: ك: فضائل الصحابة، باب: ذكر معاوية (٧/ ١٠٣) مع الفتح، وانظر أيضًا: الهيثمي: مجمع الزوائد (٩/ ٣٥٤) وما بعدها، والطبراني: المعجم الكبير (١٩/ ٣٠٤) وما بعدها. ٧ انظر مثلًا: محمد الطيب النجار: تاريخ العالم الإسلامي، (ص:٦٨ـ ٦٩) ط. مكتبة المعارف، الرياض، وانظر: ربيع بن هادي المدخلي: مطاعن سيد قطب في أصحاب رسول الله (مكتبة الغرباء، الثانية ١٤١٦هـ - ١٩٩٥م.
[ ٧٨٢ ]
المبحث العاشر: الخلافة والإمامة
المطلب الأول: تعريف الخلافة والإمامة
تعد الإمامة والخلافة من أهم المسائل الدينية التي تبحث ضمن موضوعات العقيدة، لذا فإن علماء أهل السنة قد عُنوا ببحثها وبيان المنهج الواجب اتباعه فيها. وقد تعرضت الخلافة في عصر رشيد رضا إلى هزة عنيفة، وفي حياته أعلن سقوط آخر خليفة عثماني، وإلغاء هذا المنصب ١، الذي لم يكن له في الحقيقة يوم ألغي أي أثر فعلي. لقد كان لهذا الحدث أثر بالغ في حياة المسلمين واضطربوا لذلك اضطرابًا شديدًا، وكثرت المناقشات حول هذا الموضوع بين العلماء، وكان رشيد رضا طرفًا هامًا في هذا النقاش، وألف كتابًا مستقلًا في هذا الموضوع، فضلًا عما كتبه في مجلته وتفسيره. ومن خلال هذه الكتابات أحاول - بما يسعه المقام - أن أبين منهج رشيد رضا في هذا المبحث ٢.
المطلب الأول: تعريف الخلافة والإمامة:
عرف رشيد رضا الخلافة والإمامة، فقال: "الخلافة والإمامة العظمى، وإمارة المؤمنين، ثلاث كلمات معناها واحد، وهو: رئاسة الحكومة
_________________
(١) ١ انظر: مجلة المنار (٢٣/٧٠٣ و٢٥/ ٢٥٧ـ ٢٧٢) ٢ اعتمدت في هذا على كتاب الخلافة لرشيد رضا، وأصل الكتاب - كغيره - مقالات في المجلة. انظر: مجلة المنار (٢٣/ ٧٢٩) وما بعدها و(٢٤/ ٣٣) وما بعدها. و(٢٤/ ٤٥٩، ٧٦٦)
[ ٧٨٣ ]
الإسلامية الجامعة لمصالح الدين والدنيا.." ١.
ويرى رشيد رضا أن نصب الإمام واجب عقلًا وشرعًا لا عقلًا فقط، كما قال بعض المعتزلة. قال: "أجمع سلف الأمة وأهل السنة وجمهور الطوائف الأخرى على أن نصب الإمام - أي توليه على الأمة - واجب شرعًا لا عقلًا فقط كما قال بعض المعتزلة.." ٢.
وأما الأدلة؛ فقد حكى رشيد رضا عن بعض المتكلمين أنه استدل بالإجماع والعقل على هذا الحكم، لكنه اعترض عليه بالغفلة عن الاستدلال بالسنة، فقال: "وقد غفل هو وأمثاله عن الاستدلال على نصب الإمام بالأحاديث الصحيحة الواردة في التزام جماعة المسلمين وإمامهم، وفي بعضها التصريح بأن "من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية" رواه مسلم ٣ وسيأتي حديث حذيفة المتفق عليه وفيه قوله ﷺ له: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم" ٤.." ٥.
وقد استدل بعض أهل العلم المثبتين للإمامة بآيات من كتاب الله تعالى على وجوب نصب الإمام ٦.
ويبين رشيد رضا أن هذا الواجب هو واجب كفائي، وأن المطالب به هم أهل الحل والعقد ٧. وعرف أهل الحل والعقد بأنهم:"زعماء الأمة وأولو المكانة وموضع الثقة من سوادها الأعظم، بحيث تتبعهم في طاعة من يولونه عليهم، فينتظم به أمرها، ويكون بمأمن من عصيانها وخروجها
_________________
(١) ١ الخلافة (ص:١٧) ط. الزهراء للإعلام العربي ١٤٠٨هـ. ٢ المصدر نفسه. ٣ الصحيح: ك: الإمارة، ح: ٥٨ (١٨٥١) ٤ رواه البخاري الصحيح: ك: الفتن، باب: كيف الأمر إذا لم تكن جماعة، ح: ٧٠٨٤، ومسلم: الصحيح: ك: الإمارة، ح: ٥١ (١٨٤٧) [٣/ ١٤٧٥] ٥ الخلافة (ص:١٨) ٦ انظر: القرطبي: الجامع لأحكام القرآن (١/ ١٦٤) ٧ الخلافة (ص:١٩)
[ ٧٨٤ ]
عليه.. وإنما تصح المبايعة باتفاقهم، أو اتفاق الرؤساء الذين يتبعهم غيرهم.. " ١. ويمثل رشيد رضا لهؤلاء فيقول: "ومن رؤسائهم في هذا العصر: قواد الجيش، كوزيري الحربية والبحرية وأركان الحرب لهما.." ٢.ولكن رشيد رضا لا يطلق ذلك بل يقيده - في هذا العصر - بحزب الأستاذ الإمام، فهم - في رأيه - أهل الحل والعقد: "لقد وصل الأستاذ الإمام - رحمه الله تعالى - إلى مقام الزعامة في هذه الأمة، ومرتبة أهل الحل والعقد في الأمور الدينية والدنيوية.." ٣. ويقول:" وهذا الحزب هو الذي يمكنه إزالة الشقاق من الأمة.. فإن موقفه في الوسط يمكنه من جذب المستعدين لتجديد الأمة من الطرفين، وهو الحزب الذي سميناه في المقالة الثالثة من مقالات" مدينة القوانين" بحزب الأستاذ الإمام" ٤.
شروط من يختار الخليفة:
ذكر رشيد رضا أن الشروط المعتبرة في الذين يختارون الخليفة، هي ثلاثة: العدالة، والرأي والحكمة والعلم. وقال: "لهذه الشروط مأخذ من هدي السلف.."٥.
وتوقف رشيد رضا عند شرط العلم فقال: "ومن ظن أن كل من يوصف بالعلم والوجاهة تنعقد ببيعتهم الإمامة ويجب على الأمة اتباعهم فيها، فقد جهل معنى الحل والعقد ومعنى الجماعة ومعنى الإجماع.." ٦. وأود هنا أن أذكر بموقف رشيد رضا من مسألة الإجماع وأهله، قد تبين لي هناك أنه هو الذي لا يعرف معنى الإجماع ولا أهله ٧. وأما أهل العلم الذين يقصدهم
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (ص: ١٩ـ ٢٠) ٢ المصدر نفسه، وانظر: تفسير المنار (٥/ ١٨١) ٣ الخلافة (ص: ٦٧) ٤ المصدر نفسه (ص: ٧٠) ٥ المصدر نفسه (ص:٢٣) ٦ الخلافة (ص: ٢٥) ٧ انظر: (ص: ١٤٣) من هذا البحث.
[ ٧٨٥ ]
رشيد رضا فهم أصحاب العلم " الاستقلالي المعبر عنه بالاجتهاد" ١، لا حزب حشوية الفقهاء الجامدين" فإن هؤلاء " يعجزون عن جعل القوانين العسكرية والمالية والسياسية مستمدة من الفقه التقليدي ويأبون القبول بالاجتهاد المطلق في كل المعاملات الدنيوية، ولو فوض إليهم أمر الحكومة على أن ينهضوا بها لعجزوا قطعًا.." ٢. وهم - أي أصحاب الفقه الاستقلالي: "حزب الإصلاح الإسلامي المعتدل" ٣. وطبعًا هم حزب الأستاذ الإمام.
الشروط المعتبرة في الخليفة:
ذكر رشيد رضا أن الشروط المعتبرة في الخليفة سبعة، وهي: العدالة والعلم وسلامة الحواس وسلامة الأعضاء، والشجاعة والرأي والنسب ٤. وكما توقف عند شرط العلم في المختارين للإمام، فقد توقف عند شرط النسب في الإمام، فقال: إنه قد ثبت الإجماع عليه، قال: "أما الإجماع على اشتراط القرشية فقد ثبت بالنقل والفعل، رواه ثقات المحدثين، واستدل به المتكلمون، وفقهاء مذاهب السنة كلهم، وجرى عليه العمل بتسليم الأنصار وإذعانهم لبني قريش ثم إذعان السواد الأعظم من الأمة عدة قرون حتى إن الترك الذين تغلبوا على العباسيين وسلبوهم السلطة بالفعل لم يتجرأ أحد منهم على ادعاء الخلافة ولا التصدي لانتحالها.. وما ذلك إلا لأن الأمة مجمعة على ما ذكر.." ٥. ويستدل رشيد رضا لهذا الشرط بالسنة، فيقول: "وأما الأحاديث في ذلك فكثيرة مستفيضة في جميع كتب السنة، وقد أخرجوها في كتب الأحكام وأبواب الخلافة أو الإمارة والمناقب وغيرها.."٦. ويذكر رشيد رضا من هذه الأحاديث
_________________
(١) ١ الخلافة (ص:٢٤) ٢ المصدر نفسه (ص: ٧٢) ٣ المصدر نفسه (ص:٦٩) ٤ المصدر نفسه (ص: ٢٥ـ ٢٢٦) ٥ الخلافة (ص: ٢٧) ٦ المصدر نفسه.
[ ٧٨٦ ]
قوله ﷺ: "الأئمة من قريش" ١، ويقول: " وحسبنا من قوة حديث "الأئمة من قريش" من حيث الرواية قول الحافظ في فتح الباري عند ذكره في "المناقب" من صحيح البخاري ما نصه: "قد جمعت طرقه عن نحو أربعين صحابيًا" ٢ فمن علم هذا لا يلتفت إلى ما ذكره بعض أهل هذا العصر من تأويل تلك الأحاديث والبحث في أسانيد بعضها " ٣، هذا من حيث الراوية، وأما من حيث الدراية فبين رشيد رضا الحكمة من اشتراط هذا الشرط فيقول؛ بعد أن نقل آراء بعضهم: "فحكمة جعله - صلوات الله وسلامه عليه - خلافة نبوته فيها - يعني قريش - وسببه: أمران: الأول: كثرة المزايا التي تنتشر بها الدعوة، وتكون - بسبب طباع البشر - سببًا لجمع الكلمة، ومنع المعارضة، والمزاحمة أو ضعفها، وكذلك كان، فإن الناس أذعنوا لهم على تنازلهم وكثرة من لم يقم بأعباء الخلافة منهم ولا أخذها بحقها والثاني: أن تكون إقامة الإسلام متسلسلة في سلاسل أول من تلقاها ودعا إليها ونشرها حتى لا ينقطع اتصال سيرها المعنوي والتاريخي، فإن الحقوق الخاصة من الملل والأمم وليدة التاريخ " ٤.
والذي دفع رشيد رضا إلى الوقوف عند هذا الشرط - وهو ما صرح به - محاولة البعض تصحيح خلافة بني عثمان - بينما يرى رشيد رضا أنها خلافة بالتغلب - وسيأتي بيان رأيه فيها - وشيء آخر لم يصرح به، وهو ما وقع في نفوس البعض من ملوك ذاك العهد وتطلعهم لشغل هذا
_________________
(١) ١ روي هذا اللفظ عن عدد من الصحابة. انظر: ابن حجر: فتح الباري (١٣/ ١٢٢ - ١٢٣)، والهيثمي: مجمع الزوائد (٥/ ١٩١ - ١٩٢)، وترجم البخاري بلفظ: الأمراء من قريش، إذ لم يصح على شرطه: الصحيح، ك: الأحكام، باب: الأمراء من قريش، والمعنى ثابت في أحاديث أخرى في الصحيحين: انظر: البخاري: ك: الأحكام، باب: الأمراء من قريش، ح: ٧١٣٩ ٧١٤٠، ومسلم: الصحيح، ك: الإمارة، ح: ١٨١٨ وما بعده. ٢ انظر: فتح الباري (٦/ ٦١٣) ٣ الخلافة (ص: ٢٨) ٤ الخلافة (ص: ٣٠)
[ ٧٨٧ ]
المنصب بعد فراغه ١.
_________________
(١) ١ لقد عقد مؤتمر بالقاهرة يناقش هذه المسألة، وأشيع يومئذ أن هذا المؤتمر كان لغرض ترشيح أحد ملوك ذلك الوقت لهذا المنصب: انظر: مجلة المنار (٢٧/ ٢٠٨ و٢٨٠ و٣٧٠ و٤٤٩ و٤٥٨) وأيضًا (٢٥/ ٥٢٥ و٥٩٩ و٢٦/ ٧٨٩) وانظر: رسالة رشيد رضا لهذا المؤتمر: مجلة المنار (٢٧/ ١٣٨)
[ ٧٨٨ ]
المطلب الثاني: طرق التولي:
ذكر الشيخ رشيد ثلاث طرق للولاية: أحدها: المبايعة، فقال: "الإمامة عقد تحصل بالمبايعة من أهل الحل والعقد لمن اختاروه إمامًا للأمة، بعد التشاور بينهم، والأصل في البيعة أن تكون على الكتاب والسنة وإقامة الحق والعدل من قبله، وعلى السمع والطاعة في المعروف من قبلهم وقد صح أن النبي ﷺ هو الذي كان يلقنهم قيد الاستطاعة عند المبايعة، وقد بايعوه أيضًا على الإسلام، وعلى الهجرة، وعلى الجهاد، والصبر وعدم الفرار من القتال، وعلى بيعة النساء المنصوصة في القرآن ٢ " ٣.
وهذه الطريق هي إحدى الطرق الصحيحة عند أهل السنة ٤.
وأما الطريق الثاني التي يقررها رشيد رضا فهي التولية بالاستخلاف والعهد، فيقول: "اتفق الفقهاء على صحة استخلاف الإمام الحق والعهد منه بالخلافة إلى من يصح العهد إليه على الشروط المعتبرة فيه، أي في الإمام الحق، فالعهد أو الاستخلاف لا يصح إلا من إمام مستجمع لجميع شروط الإمامة لمن هو مثله في ذلك. هذا شرط العهد إلى فرد، واستدلوا على ذلك باستخلاف أبي بكر لعمر، وأما العهد إلى الجميع وجعله شورى في
_________________
(١) ٢ انظر: سورة الممتحنة، الآية (١٢) ٣ الخلافة (ص: ٣٣) ٤ انظر: الماوردي: الأحكام السلطانية (ص: ٣٣)
[ ٧٨٨ ]
عدد محصور من أهل الحل والعقد، فاشترطوا فيه أن تكون الإمامة متعينة لأحدهم، بحيث لا مجال لمنازعة أحد لمن يتفقون عليه منهم، وهو الموافق لجعل عمر إياها شورى في الستة ﵃ " ١. ويرى الشيخ رشيد أن هذه الطريق وإن كانت صحيحة فهي متوقفة على إقرار أهل الحل والعقد للخليفة المستخلف احترازًا عن وضعها في غير موضع باستخلاف من ليس أهلًا لها ولا مستجمعًا لشروطها. قال: "وأما المتغلبون بقوة العصبية فعهدهم واستخلافهم كإمامتهم، وليس حقًا شرعيًا لازمًا لذاته، بل يجب نبذه كما تجب إزالتها، واستبدال إمامة شرعية بها عند الإمكان والأمان من فتنة أشد ضررًا على الأمة منها، وإذا زالت بتغلب آخر فلا يجب على المسلمين القتال لإعادتها " ٢.
وسيأتي الكلام حول مسألة الخروج على الإمام الفاسق والكافر غير أني أشير هنا إشارة إلى أن محاولات الخروج على أئمة الجور قديمًا وحديثًا قد أدت دائمًا إلى ما هو أشد من جورهم، حتى كانت ولايتهم بالنسبة لما حدث بعدهم نعمة ود الناس لو دامت عليهم.
والطريق الثالث التي يكون بها الخليفة هي طريق الضرورة والغلبة، وخلافة الضرورة - كما يراها الشيخ رشيد - هي خلافة من لم يستجمع شروط الخلافة المعتبرة، فإذا تعذر وجود بعض الشروط تدخل المسألة في حكم الضرورات، والضرورات - كما يقول الشيخ رشيد - تقدر بقدرها فيكون الواجب حينئذ مبايعة من كان مستجمعًا لأكثر الشرائط من أهلها، مع الاجتهاد والسعي لاستجماعها كلها ٣.
وأما خلافة التغلب - وهي جائزة للضرورة أيضًا - إلا أن الفرق بينها وبين ما قبلها أن الأولى صدرت من أهل الحل والعقد باختيارهم لمن هو أمثل الفاقدين لبعض الشرائط وأما الثانية: فصاحبها هو المعتدي على
_________________
(١) ١ الخلافة (ص: ٤١) ٢ الخلافة (ص: ٤٢) ٣ الخلافة (ص: ٤٣)
[ ٧٨٩ ]
الخلافة بقوة العصبية لا باختيار أهل الحل والعقد له، لعدم وجود من هو أجمع للشرائط منه، فذاك يطاع اختيارًا، وهذا يطاع اضطرارًا " ١.
ويثبت الشيخ رشيد كما وضح من النص السابق وجوب طاعة الإمام في كلا الحالتين.
غير أنه يقول إن حالة سلطة التغلب كأكل الميتة ولحم الخنزير عند الضرورة لتنفذ بالقهر وتكون أدنى من الفوضى. ومقتضاه - كما يقول - "إنه يجب السعي دائمًا لإزالتها عند الإمكان، ولا يجوز أن توطن النفس على دوامها " ٢.
والحق أن الاستخلاف بالغلبة متى تم واستقر أصبح له حكم الخلافة الشرعية من وجوب الطاعة وعدم الخروج ٣، وهو الواجب على الرعية الذي بينه الشيخ رشيد فيما يلي:
طاعة أولي الأمر:
قال الشيخ رشيد: "ومتى تمت البيعة وجب بها على المبايعين وسائر الأمة بالتبع لهم الطاعة للإمام في غير معصية الله والنصرة له، وقتال من بغى عليه أو استبد بالأمر دونه وأهم ما يجب التذكير به من طاعة الإمام الحق على كل مسلم، وكذا إمام الضرورة أو التغلب على كل من بايعه بالذات، ومن لزمته بيعة أهل الحل والعقد - أداء زكاة المال والأنعام والزرع والتجارة والجهاد الواجب وجوبًا كفائيًا على مجموع الأمة كما يجب عليهم طاعة من ولاهم أمر البلاد من الولاة السياسيين والقضاة، وقواد الجيوش دون غيرهم، ويجب على هؤلاء الخضوع له فيما يفيد به سلطتهم، وفي عزله إياهم إذا عزلهم، والشرط العام في الطاعة أن لا تكون في معصية الله تعالى " ٤.
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (ص: ٤٥) ٢ الخلافة (ص: ٤٥) ٣ انظر: ابن أبي العز: شرح الطحاوية (ص: ٣٧٩) ط. المكتب الإسلامي. ٤ الخلافة (ص: ٣٤)
[ ٧٩٠ ]
وهذا الذي ذهب إليه الشيخ رشيد مجمع عليه بين أهل السنة، فيقولون بوجوب طاعة الإمام، وأنها من طاعة الله تعالى وطاعة رسوله ١.
_________________
(١) ١ انظر: ابن أبي العز: المصدر السابق (ص: ٣٨١)
[ ٧٩١ ]
المطلب الثالث: وظيفة الإمام:
قال الشيخ رشيد: "يجب على الإمام نشر دعوة الحق، وإقامة ميزان العدل، وحماية الدين من الاعتداء والبدع، والمشاورة فيما ليس فيه نص، وهو مسئول عن عمله يراجعه كل أحد من الأمة فيما يراه أخطأ فيه، يحاسبه عليه أهل الحل والعقد " ٢. وانتقد الشيخ رشيد على الماوردي إغفاله لواجب الشورى. فإن الشيخ رشيد يعتبره واجبًا شرعيًا على الإمام، فيقول: "وأهم ما يجب على الإمام المشاورة في كل ما لا نص فيه عن الله ورسوله، ولا إجماعًا صحيحًا يحتج به، أو ما فيه نص اجتهادي غير قطعي ولا سيما أمور السياسة والحرب فهو ليس حاكمًا مطلقًا كما يتوهم الكثيرون بل مقيد بأدلة الكتاب والسنة وسيرة الخلفاء الراشدين العامة وبالمشاورة، ولو لم يرد فيها إلا وصف للمؤمنين بقوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ ٣، وقوله لرسوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ ٤ لكفى " ٥. فيرى الشيخ رشيد أن سلطة الخليفة مقيدة، بالشورى وبما ذكر معها، فهل الشورى واجبة على الإمام، أو هي جائزة له؟
الذي ترشد إليه أدلة الكتاب والسنة وأقوال السلف أن الشورى مستحبة للإمام، لا واجبة عليه، وأشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ٦ وصرح به
_________________
(١) ١٢ الخلافة (ص: ٣٥) ٣ سورة الشورى، الآية (٣٨) ٤ سورة آل عمران، الآية (١٥٩) ٥ الخلافة (ص: ٣٨) ٦ السياسة الشرعية (ص: ١٥٧) ط. دار الكتاب العربي، بيروت، الرابعة ١٩٦٩م. وانظر: مجموع الفتاوى له (٢٨/ ٣٨٦)
[ ٧٩١ ]
الإمام ابن القيم، فقال: "ومنها استحباب مشاورة الإمام رعيته وجيشه استخراجًا لوجه الرأي واستطابة لنفوسهم، وأمنًا لعتبهم، وتعرفًا لمصلحة يختص بعلمها بعضهم دون بعض، امتثالًا لأمر الرب " ١. وممن قال بالاستحباب الحافظ ابن حجر ٢، وهو مذهب الماوردي وأبي يعلى، ويدل عليه ظاهر فعلهما ٣، فكلاهما لم يورد الشورى بين واجبات الإمام. والندب مذهب الشافعي ٤، وأحمد ٥، فتبين من ذلك كله أن الحق أن الشورى ليست واجبة بل هي جائزة ومستحبة، ومن قال بالوجوب - وأكثرهم من المحدَثين ٦ - فلا أرى إلا أنهم متأثرون بالدعاية الجديدة والمبادئ الحادثة في نظام الحكم، وأكثرها من فلسفات لا تتعبد بشرع وبنظم لا تقول بوجوب الطاعة والسمع. وعلى رأي المحدَثين القائلين بالوجوب: الشيخ محمد عبده وتلميذه الشيخ رشيد رضا ٧.
_________________
(١) ١ زاد المعاد (٢/ ١٤١) وانظر: أعلام الموقعين (٤/ ٢٥٦) ٢ فتح الباري (١٣/ ٣٤١) ٣ انظر: الماوردي: الأحكام السلطانية (ص: ٥١ - ٥٢)، وأبو يعلى: الأحكام السلطانية (ص:٣٧) ٤ انظر: الأم (٥/ ١٨) ط. الثانية ١٣٩٣هـ. ٥ انظر: المغني والشرح الكبير (١١/ ٣٩٦) ٦ انظر: عبد القادر عودة: الإسلام وأوضاعنا السياسية (ص: ١٩٤)، محمد أبو زهرة: ابن حزم (ص: ٢٥٢)، ومحمود شلتوت: الإسلام عقيدة وشريعة (ص: ٤٣٨)، وعبد الكريم زيدان: أصول الدعوة (ص: ٢٠٧) ٧ ويصرح رشيد رضا بألفاظ محدثة (كالديمقراطية) وتقييد سلطة الملوك والآراء. انظر: مجلة المنار (١/ ٨٦٩) وهو ما يدل على تأثره بالأفكار الآتية من أوروبة.
[ ٧٩٢ ]
المطلب الرابع: ما يخرج به الخليفة عن الإمامة:
اعتمد الشيخ رشيد في هذا على ما أورده الماوردي ولخصه، وعلق عليه بعض التعليقات ٨، فقال: "وما ذكره من انعزال الإمام بالفسق قد
_________________
(١) ٨ انظر: الماوردي: الأحكام السلطانية (ص: ٥٣ - ٦٠)
[ ٧٩٢ ]
اختلف فيه، والمشهور الذي حققه الجمهور أنه لا يجوز تولية الفاسق، ولكن طروء الفسق بعد التولية لا تبطل به الإمامة مطلقًا، وبعضهم فصل " ١.
وبين الشيخ رشيد اتفاق العلماء على وجوب الخروج على الإمام بالكفر، وأنهم اختلفوا في الظلم والفسق بتعارض الأدلة، ومنها سد ذريعة الفتنة، والتحقيق المختار أن على الأفراد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشروطهما دون الخروج على ولي الأمر بالقوة، وأما أهل الحل والعقد فيجب عليهم ما يرون فيه المصلحة الراجحة حتى القتال ٢.
وقال: "وقد استدل من قال يخلع بالكفر دون المعصية بحديث عبادة بن الصامت في المبايعة عند الشيخين ٣، قال: "دعانا النبي ﷺ فبايعناه فكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرًا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان" وقد ذكر الحافظ في شرح قوله: "إلا أن تروا كفرًا بواحًا" روايات أخرى بلفظ المعصية والإثم بدل الكفر ٤ وقال في شرح قوله: "عندكم من الله فيه برهان" أي من نص آية أو خبر صحيح لا يحتمل التأويل، ومقتضاه أنه لا يجوز الخروج عليهم ما دام فعلهم يحتمل التأويل " ٥.
ولخص الشيخ المسألة بقوله: "وملخصه أن أهل الحل والعقد يجب عليهم مقاومة الظلم والجور والإنكار على أهله بالفعل وإزالة سلطانهم الجائر
_________________
(١) ١ الخلافة (ص: ٤٨) ٢ المصدر نفسه (ص: ٣٣) ٣ البخاري: الصحيح، ك: الفتن، باب: قول النبي (: "سترون بعدي أمورًا تنكرونها"، ح: ٧٠٥٥ و٧٠٥٦، ومسلم: الصحيح، ك: الإمارة، ح: ٤١ (١٧٠٩) وما بعده (٣/ ١٤٧٠) ٤ انظر: فتح الباري (١٣/ ١٠ - ١١) ٥ المصدر نفسه والصفحة.
[ ٧٩٣ ]
ولو بالقتال إذا ثبت عندهم أن المصلحة في ذلك هي الراجحة والمفسدة هي المرجوحة " ١. وبذلك يضع الشيخ رشيد ضابطًا لمسألة الخروج هو قياس المصلحة والمفسدة، ويوضح رأي الشيخ رشيد أكثر ما يلي من تقسيمه الدور إلى دار عدل ودار جور.
تقسيم البلاد إلى دار عدل ودار جور:
عرف الشيخ رشيد دار العدل فقال: " دار العدل وهي دار الإسلام التي نصب فيها الإمام الحق، الذي يقيم ميزان العدل، تسمى بذلك إذا قوبلت بدار البغي والجور، وهي ما كان الحكم فيها بتغلب أهل العصبية من المسلمين وعدم مراعاة أحكام الإمامة الشرعية وشروطها ، وهاتان الداران قد توجدان معًا في وقت واحد وقد توجد إحداهما دون الأخرى ولكل منهما أحكام " ٢.
ويبين الشيخ رشيد أحكام دار العدل فيقول: "أما دار العدل فطاعة الإمام فيها في المعروف واجبة شرعًا، ظاهرًا وباطنًا، ولا تجوز مخالفته إلا إذا أمر بمعصية لله تعالى ثابتة بنص صريح من الكتاب والسنة دون الاجتهاد والتقليد، ويجب قتال من خرج عليه من المسلمين أو بغى في بلاده الفساد بالقوة، كغيره من القتال الواجب شرعًا، وتجب الهجرة من دار الحرب ودار البغي إلى هذه الدار على من استضعف فيهما فظلم أو منع من إقامة دينه " ٣.
ويبين أيضًا بعض أحكام دار الجور والبغي، فيقول: "وأما دار البغي والجور فالطاعة فيها ليست قربة واجبة شرعًا لذاتها، بل هي ضرورة تقدر بقدرها ومن الظلم الموجب للهجرة منها على من قدر إلى دار العدل - إن وجدت - حمل المتغلبين من يخضع لهم على القتال لتأييد عصبيتهم
_________________
(١) ١ الخلافة (ص: ٤٩) ٢ المصدر نفسه (ص: ٥٠) ٣ الخلافة (ص: ٥٠)
[ ٧٩٤ ]
والاستيلاء على بعض بلاد المسلمين، فمن قدر على الفرار من ذلك وجب عليه، فأمرها دائمًا دائر على قاعدة ارتكاب أخف الضررين، والظاهر أن يفرق بين قتالهم لأهل العدل فلا تباح الطاعة فيه بحال، وبين قتال غيرهم كأمثالهم من المتغلبين وأما الجهاد الشرعي فيجب مع أئمة الجور، ومنه دفاعهم عن بلادهم إذا اعتدى عليها الكفار " ١.
فيرى الشيخ رشيد أن الحال في دار البغي والجور مرتبطة بارتكاب أخف الضررين ودفع أشد المفسدتين، درءًا للمفسدة وحفظًا للمصلحة الراجحة، والحق أنه يجب طاعة أولي الأمر مطلقًا وإن جاروا وظلموا أوخذوا أموالنا وجلدوا ظهورنا، لأن الخروج عليهم يترتب عليه من المفاسد أضعاف ما يحصل من جورهم، بل في الصبر على جورهم تكفير للسيئات ومضاعفة للحسنات، فإن الله تعالى ما سلطهم علينا إلا لفساد أعمالنا، والجزاء من جنس العمل. قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ ٢، والواجب ساعتئذ الاجتهاد في العمل والتوبة ٣.
_________________
(١) ١ المصدر نفسه والصفحة. ٢ سورة الشورى، الآية (٣٠) ٣ انظر: ابن أبي العز: شرح الطحاوية (ص: ٣٨١) ط. المكتب الإسلامي، التاسعة، وانظر: أدلة وجوب طاعة الإمام: البخاري: الصحيح، ك: الفتن، باب قول النبي (: "سترون بعدي أمورًا تنكرونها"، ح: ٧٠٥٢ وما بعده، وك: الأحكام، باب: قول الله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، ح: ٧١٣٧ وما بعده. ومسلم: الصحيح، ك: الإمارة، ح: ٣١ (١٨٣٤) وما بعده.
[ ٧٩٥ ]
المطلب الخامس: تعدد الأئمة:
يرى الشيخ رشيد أن الأصل هو وحدة الإمام، وقال إنه: "أمر إجماعي" ٤، إلا أنه يرى أن التعدد جائز في حال اتساع رقعة الدولة
_________________
(١) ٤ الخلافة (ص: ٥٦)
[ ٧٩٥ ]
الإسلامية وتباعد الأقطار وتعذر الاتصال، فيكون التعدد حينئذ للضرورة، التي يجب أن تقدر بقدرها، وأن يجتهد في إثباتها، فإن: "بُعْد الشقة بين البلاد وتعذر المواصلات التي يتوقف عليها تنفيذ الأحكام، مما يختلف باختلاف الزمان والمكان، فلا يصح أن يجعل عذرًا دائمًا لصدع وحدة الإسلام " ١.
ويرى الشيخ رشيد أن أمام وحدة الإمام واجبات كثيرة، قد فرط فيها المسلمون من قبل، "فأي واجب أقاموا حتى يطالبوا بهذا الواجب" ٢، ويقول: "وحدة الإمام تتبع وحدة الأمة، وقد مزقت العصبية المذهبية ثم الجنسية الشعوب الإسلامية بعد توحيد الإسلام إياها بالإيمان برب واحد وإله واحد وكتاب واحد، والخضوع لحكم شرع واحد، وتلقي الدين والآداب بلسان واحد، فأنى يكون لها اليوم إمام واحد وهي ليست أمة واحدة " ٣.
لقد خالف الشيخ رشيد هنا الماوردي ٤ وتابع صاحب الروضة الندية في هذا التفصيل ٥، إن ذلك لا يعني أنه كان مقلدًا في مذهبه هنا - فقد عرفت موقفه من التقليد - إنه كان عارضًا ناقدًا يختار من كلام الفقهاء ما يراه مناسبًا لحال العصر ولا يتقيد بالتقريرات والحواشي القديمة، التي لا تتناسب مع هذا الزمان، فليست الشريعة محصورة في جلود كتب الحنفية ٦.
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (ص: ٥٩) ٢ المصدر نفسه والصفحة. ٣ المصدر نفسه (ص: ٦٠) ٤ انظر: الأحكام السلطانية (ص: ٣٧ - ٣٨) ٥ انظر: صديق حسن خان: الروضة الندية (٢/ ٧٧٤) ط. دار الأرقم، بريطانيا، الثانية، ١٤١٣هـ. ٦ انظر: مجلة المنار (٦/ ٥٠٨)
[ ٧٩٦ ]