علم الكلام على مفترق الطرق
- السلف والأشاعرة.
- محنة القرآن ونتائجها المنهجية.
- التعريف بابن كُلاَّب.
- إثبات صفة العلو لله تعالى شرعًا وعقلًا.
- الإمام أبو الحسن الأشعري والمنهج السلفي.
التمييز بين الأشاعرة والسلف عقيدة ومنهجًا:
- صفات الله ﷾.
- نظرية الكسب الأشعرية وتفسير أفعال الإنسان.
- عدل الله وحكمته.
- نظرية الجوهر الفرد وتفسير الخلق والبعث.
- توافق أدلة الكتاب والسنة مع الواقع المشاهد.
- صعوبات أمام النظرية في تفسير البعث.
ظهور الحقيقة لأئمة الأشاعرة:
- تحول أئمة الأشعرية إلى طريقة السلف.
- تقييم ابن تيمية لشيوخ الأشاعرة.
- طريقة السلف أعلم وأحكم.
[ ١٥٩ ]
علم الكلام على مفترق الطرق
السلف والأشاعرة:
تبين لنا مما تقدم أن علماء الحديث والسنة وقفوا طويلًا أمام علم الكلام نابذين أصحابه، مبتعدين عن الخوض فيه، ثم دخلوا الميدان حينما قويت شوكة المعتزلة، فاضطروا اضطرارًا إلى مجابهتهم - لا سيما عند محنة خلق القرآن - ولكن بمنهج مخالف، فكانت طريقتهم في الدفاع عن أصول الدين اتباع منهج السلف أي: مراعاة المعاني الصحيحة والألفاظ الشرعية، والرد على من تكلم بلفظ مبتدع يحتمل حقًا وباطلًا، ومثال ذلك ما مر بنا من طريقة الإمام أحمد في المحنة، فقد دأب على الامتناع عن التلفظ بألفاظ لم ترد بالشرع، فلما حاولوا إلزامه القول بالجسمية، امتنع وأجاب (هو أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد) (١) .
ورأى المحدثون بعده أن طريقة الإمام ابن حنبل هي كفيلة وحدها بالرد على أهل السنة من المتكلمين وغيرهم، ومن ثم لم ينكروا جنس النظر والاستدلال فيما يتعلق بأصول الدين، ولكنهم أنكروا الاصطلاحات التي أوردها أهل الكلام وخالفوا بها الأصول الشرعية، ومنذ ذلك الحين، يمكن التمييز بين نوعين من الكلام: أحدهما كما يذكر السفاريني - هو العلم المشحون بالفلسفة والتأويل عن حقائقها الباهرة، والثاني: علم السلف ومذهب الأثر وما جاء في الذكر الحكيم وصحيح الخبر (٢) ويعني ذلك: الاستدلال بالآيات والأحاديث.
وكانت حجة علماء الحديث أن الشارع - ﷺ - لم يترك شيئًا من أصول الدين وفروعه إلا أوضحه، كيف تترك آثاره ويستند إلى آراء غيره؟ ومن هذه الوجهة لخص الإمام أحمد موقف علماء الحديث جميعًا، إذ لما سئل عن الكرابيسي (٢٤٥ هـ) وهو أحد زعماء المتكلمين - أجاب (إنما جاء بلاؤهم من هذه الكتب التي وضعوها، تركوا آثار رسول الله - ﷺ - وأصحابه، وأقبلوا على هذه الكتب (٣) .
_________________
(١) ابن تيمية - موافقة صحيح المنقول مع صريح المعقول ج ١ ص ١٥٣.
(٢) شرح عقيدة السفاريني ج ١ ص ٩٤.
(٣) الخطب البغدادي: شرف أصحاب الحديث ص ٦، ٧، ٨ - تحقيق د. محمد سعيد خطيب =
[ ١٦١ ]
كذلك اكتفى علماء السنة والحديث وأتباعهم بالحديث النبوي حيث أوضح أصول الدين أفضل توضيح، وبيَّنها أحسن بيان بحيث يغني عن الالتجاء إلى غيره مصدرًا أو طريقًا.
يقول الخطيب البغدادي في كتابه (شرف أصحاب الحديث):
(ولو أن صاحب الرأي المذموم شغل نفسه من العلوم، وطلب سنن رسول رب العالمين - ﷺ -، واقتفى آثار الفقهاء والمحدثين. لوجد ذلك ما يغنيه عما سواه، واكتفى بالأثر عن رأيه الذي رآه، لأن الحديث يشتمل على معرفة أصول التوحيد، وبيان ما جاء من وجوه الوعد والوعيد، وصفات رب العالمين تعالى عن مقالات الملحدين، والإخبار عن صفات الجنة والنار، وما أعد الله تعالى فيهما للمتقين والفجار، وما خلق الله في الأرضين والسموات من صنوف العجائب وعظيم الآيات، وذكر الملائكة المقربين ونعت الصافين والمسبحين.
وفي الحديث قصص الأنبياء، وأخبار الزهاد والأولياء ومواعظ البلغاء وكلام الفقهاء وسير ملوك العرب والعجم، وأقاصيص المتقدمين من الأمم، وشرح مغازي الرسول - ﷺ - وسراياه، وجمل أحكامه وقضاياه، وخطبه وعظاته وأعلامه ومعجزاته، وعدد أزواجه وأولاده وأصهاره وأصحابه، وذكر فضائلهم ومآثرهم، وشرح أخبارهم ومناقبهم، ومبلغ أعمارهم، وبيان أنسابهم (١) .
أما المنهج الكلامي المعتزلي، فكانت أبرز معالمه - فضلًا عما تقدم من التزامهم بالأصول الخمسة - مخاصمة أهل الحديث والطعن في الأحاديث النبوية؟ إذ تحامل المعتزلة على المحدثين، واتخذوا من الجدل أساسًا للطعن في النصوص، وأولوا المتشابه من آي القرآن الكريم تأويلًا لم يقرهم أهل السلف عليه، وكانت مسألة الصفات الإلهية من أهم مسائل النزاع بينهما، حتى أصبحت علمًا مميزًا بين الطائفتين أو بين المثبتين والنافين لها، يقول الشهرستاني: (اعلم أن جماعة كبيرة من
_________________
(١) = أوغلي ط دار إحياء السنة النبوية - أنقرة ١٩٧٢ م.
(٢) الخطيب البغدادي: شرف أصحاب الحديث ص ٦، ٧، ٨. تحقيق د. محمد سعيد خطيب أوغلي ط دار إحياء السنة النبوية - أنقرة ١٩٧٢ م.
[ ١٦٢ ]
السلف كانوا يثبتون لله تعالى صفات أزلية من العلم والقدرة والحياة والإرادة والسمع والبصر والكلام والجلال والإكرام والجود والإنعام والعزة والعظمة، ولا يفرقون بين صفات الذات وصفات الفعل، بل يسوقون الكلام سوقًا واحدًا.
ولما كانت المعتزلة ينفون الصفات، والسلف يثبتون، سمي السلف "صفاتية" والمعتزلة "معطلة" (١) .
وبلغت ذروة الخلاف بين الاتجاهين عند محنة خلق القرآن التي عرضنا تفاصيلها في الباب السابق ثم تفجر الموقف بعدها عن اتجاه آخر جديد، سنعرض له فيما يلي:
محنة خلق القرآن ونتائجها المنهجية:
كانت محنة خلق القرآن بحق - كما يرى أستاذنا الدكتور إبراهيم مدكور - نقطة تحول واضحة في تاريخ الحياة الفكرية والعقائدية في تاريخ المسلمين، ذلك لأنها أثارت في نفوس المسلمين ما أثارت من سخط وغضب، وعززت النزعة السلفية لمواجهة تيار العقليين الغلاة (٢) .
ومنذ ذلك الوقت تميزت المواقف إزاء أصول الدين فكانت الغالبية العظمى من أهل الحديث والسنة في موقف المعارضة للقول بخلق القرآن بخاصة ونفي الصفات الإلهية بعامة الذي تبناه المأمون والخليفتان من بعده وبالنظر لقانون الفعل ورد الفعل، كان أظهر ردود الفعل على يد أحد أئمة المتكلمين المنتسبين للسنة وهو عبد الله بن سعيد بن كلاب (٣) (وفاته بعد ٢٤٠ هـ)، وأصبح التابعون لآرائه ينسبون إليه باسم (الكلابية) .
وسار على طريقته أبو الحسن الأشعري (٣٢٤ هـ أو ٣٣١ هـ) الذي كان منتسبًا إلى المعتزلة نحو أربعين سنة ثم أعلن خروجه عليهم ونبذ عقائدهم وتبني عقائد الإمام أحمد بن حنبل.
_________________
(١) الشهرستاني: الملل والنحل ج ١ ص ٩٥ ط صبيح ١٣٤٧ هـ.
(٢) د. إبراهيم مدكور: فى الفلسفة الإسلامية منهج وتطبيق ج ٢ ص ١١٣.
(٣) كخطاف لفظًا ومعنى كما في (طبقات الشافعية لابن السبكي) .
[ ١٦٣ ]
وينسب الأشعري إلى ابن كلاب لاعتناقه بعض عقائده - كما سنرى - ثم صارت الشهرة بعد ذلك لأبي الحسن الأشعري، وصار على نهجه كبار الأئمة المنتسبين إليه كالباقلاني ٤٠٢ هـ، والجويني ٤٧٨ هـ، والغزالي ٥٠٥ هـ، والشهرستاني ٥٤٨ هـ، والرازي ٦٠٦ هـ، وغيرهم.
ومنذ قيام الأشعري والأشعرية بعده بالرد على المعتزلة ومعارضتهم، أصبح هناك تياران يعيشان جنبًا إلى جنب، كل منهما ينتهج منهجًا متميزًا وإن كان الاثنان يرتبطان بالسنة والجماعة تميزهما عن الفرق الخارجة عن الجماعة كالخوارج والشيعة والمعتزلة والقدرية والجهمية.
والمنهجان ينتسبان إلى السنة ويعلنان أنهما يتمسكان بها، ولكن المحدثين يرون أن منهجهم وحده الذي يلتزم باتباع طريقة السلف.
وكانت الضربة القاضية للمعتزلة على يد واحد كان منهم - ونعني بذلك أبا الحسن الأشعري، وتاريخه الذي يعبر تعبيرًا صادقًا عن الأزمة النفسية والاضطرابات التي لاقاها بعد أن عاش أربعين سنة على الاعتزال متتلمذًا على أبي علي وولده أبي هاشم الجبائي ٣٠٣، ٣٢١ هـ ولكنه عندما عرف طريقة الإمام أحمد ومنهجه وعقيدة أهل السنة والجماعة التي امتحن وابتلي بسببها، عندما عرف ذلك كان شجاعًا في التصريح بنبذه منهج المعتزلة وعقائدهم، وأخذ يؤلف كتبه للرد عليهم ونقض آرائهم وتابعه الأئمة المنتسبون إليه بعده كالباقلاني والجويني والغزالي وغيرهم.
ولم يكن طعن المنهج الاعتزالي وتأويلاته بالقهر والقسر كما فعل المأمون وخلفاؤه في قضية خلق القرآن، ولكن بمقارعة الحجة بالحجة، واستخدام المنهج العقلي سواء بطريقة أبي الحسن الأشعري وأتباعه، أو بالمنهج الذي أضله علماء الحديث والسنة الذي درسنا فكرة عنه، على لسان الإمام أحمد بن حنبل وعبد العزيز المكي وغيرهما.
ولكن الصحيح أيضًا أنه قامت موجة عارمة بواسطة علماء الحديث لصد موجة الاعتزال، ولكنها مهما أخذت شكل العنف أحيانًا أو الالتجاء إلى أولي الأمر، فإنها لم تصل إلى ما وصلت إليه على يد المأمون، الذي شاء (أن يجعل من تعاليمهم
[ ١٦٤ ]
عقيدة رسمية. واتخذ موضوع (خلق القرآن) شعارًا لذلك. وجاراه في هذه الخليفتان التاليان المعتصم والواثق، وقضى المسلمون ما يقرب من نصف قرن في قلق فكري، وجدل متواصل، وامتحان لبعض الأئمة وقادة الرأي، لم يسلم فيه بعضهم من السجن والتعذيب والقتل) (١) .
وقد أثبت أستاذنا الدكتور إبراهيم مدكور في دراسته عن المحنة أن بطلها بلا منازع كان الإمام أحمد بن حنبل الذي أبى أن يجاري الحكام فيما ذهبوا إليه، أو أن يأخذ بالتقية في أمر يمس العقيدة، لأنه كان يرى أنه (إذا أجاب العالم تقية، والجاهل بجهل، فمتى يتبين الحق؟) ولم تسكن هذه العاصفة إلا يوم أن تولى المتوكل سنة ٢٣٢ هجرية وأخذ يعالج الموقف في حذر وحكمة، واستطاع في عام ٢٣٧ أن يأمر بوقف هذا الصراع، فهدأت نفوس ثائرة، وسكنت جماهير متحركة، وأحس أنصار السلف بتأييد رسمي لهم، إلى جانب تأييد الرأي العام. ولم يلبث هؤلاء أن غلوا بدورهم في الجمود والمحافظة غلوًّا ربما زاد على غلو المعتزلة، فتطرفوا في آرائهم، واستمسكوا بحرفية النصوص، وانتقلنا من غلو عقلي إلى غلو آخر نقلي، وعلى رأس هؤلاء الغلاة جماعة الحنابلة الذين أصبح لهم نفوذ عظيم ببغداد في أخريات القرن الثالث للهجرة حتى أصبح يهدد الأمن والنظام، وقد امتد بعض الوقت.
أضف إلى ذلك أن موقف الحنابلة لم يكن طارئًا جديدًا على مسرح الأحداث، بل كان امتدادًا لمنهج علماء الحديث والفقهاء قبلهم بزمن طويل.
وكان اضطهاد المأمون لمعارضيه شاملا الحنابلة وغيرهم من أئمة السنة والحديث (٢) .
ولكننا نرى أنه مهما كان نفوذ الحنابلة في ذلك الحين، فلم يبلغ نفس النفوذ المفروض بالقوة الذي بدأ به المأمون وأتباعه أمثال بشر المريسي وابن أبي دؤاد. أضف إلى ذلك أنه لم يظهر دور الحنابلة المميز في ذلك الوقت المبكر، لأن الفقهاء والمحدثين وأتباعهم كانوا مجتمعين تحت لواء واحد ولم تظهر الفرقة بين الحنابلة
_________________
(١) د. مدكور في الفلسفة الإسلامية: منهجه وتطبيقه ج ٢ ص ١١٤.
(٢) د. مدكور في الفلسفة الإسلامية: منهجه وتطبيقه ج ٢ ص ١١٤.
[ ١٦٥ ]
والأشاعرة بشكل مؤثر إلا في عصر متأخر عندما قامت فتنة القشيري عام ٤٦٩ هـ أي: بعد المحنة بما يقرب من قرنين ونصف قرن.
وتخبرنا كتب التاريخ عن حوادث عارضة حيث تنازع الفريقان وأتباعهم، مثل ما حدث بين الإمام ابن خزيمة وأتباعه وابن كلاب وأتباعه، وكان إثبات صفات الله تعالى هو المعروف عند أهل السنة والحديث كالبخاري وأبي زرعة وأبي حاتم ومحمد بن يحيى الذهلي وغيرهم من العلماء الذين أدركهم ابن خزيمة وتابعهم في العقيدة حيث استقرت على الإيمان بأن الله تعالى لم يزل متكلمًا إذا شاء، وأنه يتكلم بالكلام الواحد مرة بعد مرة.
وترتب على ذلك أن صار الناس حينذاك حزبين، منهم من وافق ابن خزيمة كالحاكم والسلمي والشهرستاني وابن مندة، ومنهم من وافق ابن كلاب كأبي ذر الهروي وأبي بكر البيهقي (١) .
ولكن صدى هذا الخلاف لم يتعد أن أمر ابن خزيمة - في رواية - ولاة الأمر بتأديبهم لمخالفتهم له وكانوا من أتباعه. وفي رواية أخرى أنه هب مناقشًا لآراء الكلابية (فلم يزل يصيح بتشويهها، ولقن في الكتاتيب ونقش في المحاريب، أن الله تعالى متكلم.. إن شاء الله تكلم وإن شاء سكت..) (٢) .
وهناك حادثة ثانية كانت بمثابة فصل الخطاب في النزاع بين الأشعرية والحنابلة، ولكنها لم تخرج أيضًا عن خلاف بين الفريقين وأسفر - كما يذكر ابن كثير في تاريخه - عن مقتل رجل واحد.
وتسمى هذه الحادثة بفتنة القشيري، من حوادث عام ٤٦٩ هـ بسبب أن ابن القشيري قدم بغداد، فجلس يتكلم في المدرسة النظامية وأخذ يذم الحنابلة وينسبهم إلى التجسيم، وكتب إلى نظام الملك يشكو إلى الله الحنابلة ويسأل المعونة عليهم، كما أرسل بعض مؤيديه إلى الشريف ابن جعفر شيخ الحنابلة وهو في مسجده للاعتداء عليه فدافع عنه أتباعه، واقتتل الناس بسبب ذلك وقتل رجل خياط
_________________
(١) ابن تيمية - موافقة ج ٢ ص ٦-٧.
(٢) نفس المصدر ص ٤٢.
[ ١٦٦ ]
وجرح آخرون ثم انتهت الفتنة بالمصالحة بين الشيوخ الطرفين، واستدعى الخليفة أبو جعفر (شيخ الحنابلة) إلى دار الخلافة للسلام عليه والتبرك بدعائه.
ولكن يفهم من سياق الحادثة أن البادئ هم أتباع الأشعرية لا الحنابلة، كما يستخلص منها أيضًا أن الأشعرية كانوا أقوى شوكة وأنهم استندوا إلى قوة الوزير في إثارة الناس على الحنابلة. وجاء هذا على لسان شيخ الحنابلة إلى الشيخ أبي إسحاق ( إلا أنك لما كنت فقيرا لم تظهر لنا ما في نفسك، فلما جاء الأعوان والسلطان ونظام الملك أي الوزير وشبعت، أبديت ما كان مختفيًا في نفسك) (١) .
ونضطر للتساؤل، أين مثل هذه الحوادث بحجمها ونتائجها مع ضراوة الأساليب التي اتخذها المأمون والخليفتان من بعده؟
وبغير استطراد في سرد ألوان الاضطهاد والتعذيب مما تحشده كتب التاريخ عن المحنة - حتى أصبح اللفظ مصطلحًا معبرًا عن محنة خلق القرآن وحدها - سنكتفي بالواقعة المشهورة المذهلة التي تتلخص في اختبار أسرى المسلمين بقضية خلق القرآن ونفي رؤية الله ﷿ في الجنة، فإن أجابوا بالإيجاب، فك أسرهم، وإن لم يفعلوا أعيدوا إلى الأعداء مرة أخرى (٢) .
قال المسعودي يصف هذه المأساة: (وحضر هذا النداء رجل يكنى أبا رملة من قبل أحمد بن أبي دؤاد قاضي القضاة. يمتحن الأسارى وقت المفاداة فمن قال منهم بخلق التلاوة ونفي الرؤية فودي به، وأحسن إليه، ومن أبى ترك بأرض الروم. فاختار جماعة من الأسارى الرجوع إلى أرض النصرانية على القول بذلك. وأبى أن يسلم الانقياد إلى ذلك، فنالته محن ومهانة إلى أن تخلص (٣) .
_________________
(١) ابن كثير: البداية والنهاية ج ١٢ ص ١١٥.
(٢) ومع هذا يؤسفنا أن نجد باحثًا جادًا، كالدكتور محمد عمارة في كتاب (تيارات في الفكر الإسلامي) يغض الطرف عن هذه الحقيقة ويقصر وصف المحنة على ما حدث لبعض المعتزلة نتيجة خروجهم.
(٣) وقدر عدد الأسرى حينذاك بأربعة آلاف وثلاثمائة واثنين وستين من ذكر وأنثى وقيل أربعة آلاف وسبعة وأربعين. المسعودي: التنبيه والإشراف ط القاهرة ١٣٥٧ هـ ص ١٦١ - ١٦٢.
[ ١٦٧ ]
أما عن الفكرة الشائعة عن الغلو في التمسك بالنصوص، فسنحاول توضيحها في الصفحات القادمة، عندما ندرس آراء ابن كلاب والأشعري في ضوء مؤلفات لعلماء الحديث والسنة تتضمن المنهج العقلي حيث برهنوا به على أن طريقة المتكلمين لم تخل من ثغرات كبيرة لا يمكن سدها إلا بالتأويل الصحيح لنصوص التنزيل.
وبذلك فإن وصفهم بـ (النصيين) لا ينطبق بالمعنى الحرفي عليهم، وإذا كانت طريقتهم مبنية على تفضيل أدلة الشرع فإنهم ما فعلوا ذلك إلا بناء على فهمهم لتفسيرها الصحيح، ومعرفتهم لأساليب اللغة وأسرارها وأسباب النزول، واستدلالات الأوائل بها. ولذلك مضى علماء السنة يستدلون بآيات القرآن والأحاديث بناء على إدراكهم العميق لها وامتلاكهم لنواصي منهج البحث العلمي كاملا في قضايا أمور الدين وأصوله مما جعلهم فرسانًا في هذا الميدان لا يجاريهم فيه أحد؟ فلم يقتصروا على ظاهر النصوص كالظاهرية مثلًا.
وللتعريف بهم وبمنهجهم في البحث العلمي نورد طرفًا من وصف إمام الحرمين مع أبي الحسن الكرجي (٥٣٢ هـ) لهم ووصف قدراتهم وعلومهم وأسباب تفضيلهم على غيرهم (١)، قال: لأنهم أجمع لشرائط (القدوة والإمامة من غيرهم وأكثر لتحصيل أسبابها وأدواتها مع جودة الحفظ والبصيرة، والفطنة والمعرفة بالكتاب والسنة، والإجماع والسند والرجال والأحوال، ولغات العرب ومواضعها والتاريخ والناسخ والمنسوخ، والمنقول والمعقول، والصحيح والمدخول في الصدق والصلابة، وظهور الأمانة والديانة ممن سواهم) وإذا فرض ولم يستكمل أحدهم هذه الشرائط جميعًا جبر تقصيره قرب عصره من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، باينوا هؤلاء بهذا المعنى من سواهم فإن غيرهم من الأئمة - وإن كانوا في منصب الإمامة - لكن أخلوا ببعض ما أشرت إليه مجملًا من شرائطها (٢) .
_________________
(١) ويقصد بهم أئمة أهل السنة في أنحاء العالم الإسلامي كالشافعي ومالك والثوري والبخاري وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك والأوزاعي والليث بن سعد وإسحاق بن راهويه وغيرهم.
(٢) ابن تيمية: نقض المنطق ص ١٤٣ - ١٤٤ نقلًا عن شيخ الحرمين أبي الحسن الكرجي (٥٣٢ هـ) بكتابه (في الأصول عن الأئمة الفحول) . =
[ ١٦٨ ]
أسفرت المحنة إذن - كما تبين آنفًا - عن التمييز بين منهجين معارضين للمعتزلة.
أحدهما: منهج علماء الحديث المتصل بسلسلة طويلة من الأئمة، بادئة بعصر الصحابة والتابعين، ولكن أصبح الإمام ابن حنبل علمًا له واشتهر باسمه بسبب ما لاقاه وحده في المحنة من عذاب وابتلاء، بينما كان موقفه في الحقيقة معبرًا عن طريقة العلماء من معاصريه والسابقين عليه السائرين على طريق السنة.
الثاني: موقف جديد معارض للمعتزلة أيضًا، لكن استخدم طريقة علماء الكلام مع محاولة التوفيق - في رأيهم - بين المنقول والمعقول وقد بدأه أبو الحسن الأشعري، موافقًا مذهب السنة والحديث في أصولهم العامة فأثبت صفات الله تعالى خلافًا للنفاة وإثبات القدر وأن أعمال الناس وغيرهم بمشيئة الله وقدرته، خلافًا لنفاة القدر، وإثباته لفضائل الصحابة لا سيما الخلفاء الأربعة، وموافقته لأهل السنة في عقائدهم في الشفاعة والصراط والميزان. كما قام بالرد على المعتزلة والشيعة والجهمية مبينًا تناقضهم (١) .
ولما كان الأشعري بعد رجوعه عن الاعتزال قد سلك طريقة ابن كلاب، فإننا سنعرض أولًا لعقيدة ابن كلاب، قبل الحديث عن الشيخ الأشعري لمعرفة الصلة بينهما، لا سيما في موقفهما من موضوع كلام الله تعالى.
التعريف بابن كلاب:
تروي كتب الفرق أن أبا الحسن الأشعري لما رجع عن الاعتزال سلك طريقة أبي محمد بن كلاب، الذي قام مدافعًا عن عقيدة أهل السنة في مواجهة المعتزلة مبينًا
_________________
(١) = ويرى الكرجي أنه يلزم كل من يتبع أحدًا من الأئمة في الفروع أن يتبعه فى الأصول أيضًا، فانتحال مذهبه، مع مخالفته له في العقيدة، مستنكر شرعا وطبعًا. فمن قال: أنا شافعي الشرع، أشعري الاعتقاد، قلنا له: هذا من الأضداد، لا بل من الارتداد إذ لم يكن الشافعي أشعري الاعتقاد ومن قال: أنا حنبلي فى الفروع معتزلي في الأصول، قلنا: قد ضللت إذًا عن سواء السبيل عما تزعمه، إذ لم يكن أحمد معتزلي الدين والاجتهاد.
(٢) ابن تيمية: مجموع فتاوى ج ٤ ص ١٣ ط الرياض ١٣٨١ هـ وفي موضع آخر يدافع عن الأشعري بحرارة مقررًا أنه بين من تناقض أقوال المعتزلة وفسادها ما لم يبينه غيره حتى جعلهم في قمع السمسمة (شرح حديث النزول ص ١٧٢) .
[ ١٦٩ ]
فساد قولهم بنفي علو الله تعالى، ونفي صفاته وصنف كتبًا كثيرة في أصل التوحيد والصفات، وبين بأدلة كثيرة عقلية على فساد قول الجهمية، وبين فيها أن علو الله على خلقه، ومباينته لهم من المعلوم بالفطرة والأدلة العقلية القياسية، كما دل على ذلك الكتاب والسنة، إذْ كان الجهمية النفاة المعطلة للصفات في عصره يقولون: إن الله لا يرى ولا له علم ولا قدرة وأنه ليس فوق العرش رب، ولا على السموات إله، وأن محمدًا - ﷺ - يعرج به إلى ربه. وقد أنصفه ابن تيمية فأقر بما كان له من فضل وعلم ودين ودافع عنه إزاء من يتهمونه بأنه ابتدع ما ابتدعه ليظهر دين النصارى في المسلمين ورأى أنه كذب عليه (١)، وإنما افترى هذا عليه المعتزلة والجهمية الذين رد عليهم، لأنهم يزعمون أن من أثبت الصفات فقد قال بقول النصارى، بينما كان ابن كلاب أقرب إلى السنة من الجهمية والمعتزلة (٢) .
ولكن وجه الخطأ في تأويل ابن كلاب ومن وافقه ظنه أنه لا يمكن رد قول الجهمية في القرآن إلا إذا قيل: إن الله تعالى لم يتكلم بمشيئته وقدرته، ولا كلم موسى حين أتاه، ولا قال للملائكة: اسجدوا لآدم بعد أن خلقه، ولا يغضب على أحد بعد أن يكفر به، ولا يرضى عنه بعد أن يطيعه، ولا يحبه بعد أن يتقرب إليه بالنوافل، ولا يتكلم بكلام بعد كلام، فتكون كلماته لا نهاية لها.
_________________
(١) شرح حديث النزول ص ١٧١.
(٢) وبذلك طعن ابن تيمية في الرواية التي يحكيها خصوم ابن كلاب، وتتلخص فى الادعاء بأنه كان نصرانيا فأسلم وفارق قومه، وكانت له أخت أكبر منه عالمة بدين النصرانية، لها عندهم قدر عظيم فهجرته حين أسلم وأبعدته من المحلة، لأنها كانت راهبة للنصارى مقبولة القول عندهم، يصدرون عن رأيها، فتحيل عليها كل أحد من المسلمين والنصارى من الجيران، في أن تمكنه من الدخول إليها فلم تفعل فاحتال حتى تسلق عليها من بعض بيوت الجيران، فلما رأته صاحت فقال لها: يا سيدتي اسمعي مني كلمة واحدة، ثم افعلي ما بدا لك. فقالت: هات. فقال: اعلمي أني وجدت هذا الإسلام ينشر ويزداد كل يوم ظهورًا، والنصرانية تضمحل آثارها، فوضعت فصولا وعلمت مسائل - ذكرها لها - أودعتها معنى النصرانية وأسسها في الإسلام، وشوشت عليهم أصولهم - فلما سمعت بذلك طابت نفسها. (عباس بن منصور السكسكي الحنبلي (متوفى ٦٨٣ هـ) البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان ص ١٩ تحقيق خليل أحمد إبراهيم الحاج، دار التراث العربي ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م) .
[ ١٧٠ ]
وكانت هذه العقيدة التي اتخذها ابن كلاب وأتباعه بمثابة رد فعل لما زعمه الجهمية بأن القرآن مخلوق، فظنوا أن دفع هذا القول والرد عليه يقتضي الاعتقاد بأن كلام الله تعالى معنى واحد قائم بذاته، وبذلك خالفوا سلف الأمة وجمهورها القائلين بأن كلام الله بعضه أفضل من بعض، كما بين ذلك الكتاب والسنة وآثار الصحابة والتابعين من غير خلاف يعرف في ذلك عنهم (١) .
لذلك أنكر بعض أصحاب مالك والشافعي على ابن كلاب هذا الأصل وأمر أحمد بن حنبل وغيره بهجر الكلابية حتى هجر الحارث المحاسبي لأنه كان صاحب ابن كلاب، وكان قد وافقه على هذا الأصل، ثم روي عنه أنه رجع عن ذلك، وكان الإمام أحمد يحذر من الكلابية (٢) .
والصحيح في رأي ابن تيمية أن القرآن الكريم - وإن كان كله كلام الله تعالى وكذلك التوراة والإنجيل والأحاديث القدسية (أو الإلهية) التي يحكيها الرسول - ﷺ - عن الله ﵎ كقوله: (يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا) وكقوله: (من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي) وأمثال ذلك، فهي وإن اشتركت في كونها كلامًا إلا أن بعضها أفضل من بعض، وشرح ذلك يحتاج إلى بيان.
إن الكلام له نسبتان: نسبة إلى المتكلم به، ونسبة إلى المتكلم فيه. فهو يتفاضل باعتبار النسبتين وباعتبار نفسه أيضًا، فإن (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) و(تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ) كلاهما كلام الله تعالى، وهما مشتركان من هذه الجهة، لكنهما متفاضلان من جهة المتكلم فيه، المخبر عنه، فالآيات الأولى كلام الله وخبره الذي يخبر به عن نفسه، وصفته التي يصف بها نفسه، وكلامه الذي يتكلم به عن نفسه تعالى، والآيات الثانية كلام الله الذي يتكلم به عن بعض خلقه، ويخبر به ويصف به حاله، وهما في هذه الجهة متفاضلان بحسب تفاضل المعنى المقصود بالكلامين (٣) .
_________________
(١) ابن تيمية: جواب أهل العلم والإيمان ص ٥٢ - ٥٣.
(٢) نفس المصدر ص ٥٥.
(٣) ابن تيمية: جواب أهل العلم والإيمان ص ٥٧.
[ ١٧١ ]
ولكن، لا ينكر ابن تيمية فضل ابن كلاب عندما قام في وجه المعتزلة مثبتًا صفات الله تعالى، ومنها صفة العلو، وهي بإيجاز تتلخص فيما يلي:
إثبات صفة العلو لله تعالى شرعًا وعقلًا:
نقد ابن كلاب بشدة رأي المعتزلة القائل بأن الله - ﷾ - لا هو في العالم ولا خارج منه لأن هذا النص يتساوى مع وصف العدم. وعلى هذا فإن دعواهم هي النفي الخالص بدعوى التوحيد الخالص، مع أنهم عقليون قياسيون وعرض آرائهم على العقل يكشف أخطاءهم، وفيما يلي رأي ابن كلاب بإيجاز:
يستند ابن كلاب في إيراد حجته لإثبات استواء الله على العرش إلى حجج عقلية وشرعية، فمن الحجج العقلية أن المعتزلة إذا وصفوا الله ﷿ بأنه ليس فوق ولا تحت، فإنهم بذلك يصفون العدم. وهم يعتقدون أن الله في الأمكنة كلها، فيتساءل ابن كلاب معجبًا: (وإن كنتم تذهبون إلى خلوه من استوائه عليها كما استوى على العرش، فنحن لا نحتشم أن نقول: استوى الله على العرش ونحتشم أن نقول: استوى على الأرض واستوى على الجدار، وفي صدر البيت) .
وأيضًا يلزمهم بالفوقية؛ لأنهم يعنون بها القدرة والعزة، وليس هذا إجابة عن سؤاله لهم؛ لأنهم من ناحية أخرى يصفونه بأنه ليس هو فوق وليس هو تحت - ويلزمهم بالتناقض - لأن ما كان لا تحت ولا فوق فعدم، ويتناقضون أيضًا بقولهم هو تحت وهو فوق، فساووا بين الجهتين، وهذا تناقض.
أما التفسير فهو في جانب إثبات صفة العلو لله تعالى، فإذا تعمقنا في غور الفطرة الإنسانية، لوجدنا من المفطور فيها معرفة ربها في السماء، ومعارف الآدميين هنا لا شيء أبين منه ولا أوكد، فلا تسأل أحدًا من الناس عربيًا ولا عجميًا ولا مؤمنًا ولا كافرًا: أين ربك؟ إلاّ وأجاب بأنه في السماء، ولا رأينا أحدًا إذا دعا إلا رافعًا يديه إلى السماء، فكيف يضل الناس جميعًا ويهتدي جهم وأتباعه، ويدعون أنهم أفضل الناس كلهم؟
ويضيف ابن كلاب إلى ذلك الدليل الشرعي في الحديث النبوي عن سؤال الرسول - ﷺ - جارية: (أين الله؟) فأجابت: (في السماء) فأجاز إجابتها الرسول، وأنه
[ ١٧٢ ]
صواب، ومن أجله شهد لها بالإيمان (١) .
وبعد، فإن وقوف ابن كلاب في وجه المعتزلة وإثباته للصفات الإلهية كان بمثابة تمهيد لآراء أبي الحسن الأشعري بعده، ولهذا عده صاحب (الفهرست) من الكلابية (٢) .
ويرى الأشاعرة بعامة - كما يذكر ابن عساكر المتكلم بلسانهم - في ظهور آراء إمامهم أبي الحسن الأشعري حسمًا للمشاكل الكلامية المثارة حينذاك على مسرح الفكر الإسلامي من الوجهين المنهجي والموضوعي، قد استطاع منهجيًا استخدام نفس أسلوب المعتزلة لدحض آرائهم مستخدمًا المنهج الكلامي الجدلي، كما استطاع موضوعيا إيجاد الحلول للمسائل المتنازع عليها بين طائفتي أهل الحديث والسنة والمعتزلة، وأهمها الصفات الإلهية والقدر ورؤية الله ﷿ في الآخرة.
يقول الدكتور حمودة غراب: (وعلى يديه وحده تمت هزيمة المعتزلة بعد أن نازلهم بنفس سلاحهم وناقشهم بأسلوب يعتمد على العقل والمنطق) (٣) .
ويقرر ابن عساكر أن الأشعري لم يكن أول من تكلم بلسان أهل السنة، ولكنه جرى على سنة غيره، مناصرًا المذهب فزاد حجة وبيانًا (ولم يبتدع مقالة اخترعها ولا مذهبًا انفرد به. وليس له في المذهب أكثر من بسطه وشرحه وتأليفه في نصرته) (٤) .
وسنعرض فيما يلي لأهم القضايا الكلامية من وجهة نظر الإمام الأشعري، ثم نتبعها بآراء شيخ الإسلام ابن تيمية باعتباره ممثلًا للمذهب السلفي ومدافعًا عنه.
الإمام أبو الحسن الأشعري والمنهج السلفي:
هو أبو الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر الأشعري، من أهل البصرة، وكان معتزلي النشأة والعقيدة، ثم رجع عن القول بآرائهم. وأعلن في المسجد الجامع
_________________
(١) ابن تيمية: مجموع فتاوى ج ٥ ص ٣١٨ - ٣٢٠ ط السعودية.
(٢) ابن النديم: الفهرست ص ١٨١ ط فلوجل ليبسك ١٨٧١ م.
(٣) د. حمودة غراب: أبو الحسن الأشعري ص ٥٩ من مطوعات مجمع البحوث الإسلامية ١٣٩٣ هـ ١٩٧٣ م.
(٤) ابن عساكر: تبيين كذب المفتري على الإمام أبي الحسن الأشعري ص ١١٨.
[ ١٧٣ ]
بالبصرة، في يوم الجمعة مناديًا بأعلى صوته (من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أعرفه نفسي. أنا فلان ابن فلان.. كنت أقول بخلق القرآن، وأن الله لا يرى بالأبصار، وأن أفعال الشر أنا أفعلها، وأنا تائب مقلع) (١) .
ولن نخوض في الدراسة التفصيلية لآراء الأشعري وأئمة المذهب بعده، فإن المؤلفات العديدة قديمًا وحديثًا قد كفتنا مؤونة ذلك، ولكننا سنشغل أنفسنا ببيان أهم الموضوعات التي كانت مثار مناقشة بين الاتجاهين البارزين في دائرة علم الكلام عبر قرون طويلة ممتدة حتى عصرنا الحاضر، وهو السبيل لتوضيح المنهج عند كل منهما ونعني بذلك الاتجاهين:
المذهب الأشعري بإمامه أبي الحسن الأشعري، والسلفي بإمامه شيخ الإسلام ابن تيمية، وبالرغم من أنهما ليسا متعاصرين، إلا أنهما استأثرا بجذب علماء المسلمين وعامتهم منهجيًا وعقائديًا، ولكن الفرق بينهما أن الأول كما قلنا نشأ في بيئة الفكر الاعتزالي ثم خرج عليه مفضلًا التأويل في أغلب آرائه - ثم روي أنه رجع في نهاية حياته إلى اعتناق مذهب الإمام أحمد بن حنبل - ولكن الثاني، أي: ابن تيمية، وإن عاش في العصور المتأخرة - خلال القرن السابع - الثامن الهجري (مولده ٦٦١ هـ ووفاته ٧٢٨ هـ)، إلا أنه استمسك بمنهج الأوائل منذ الصحابة والتابعين - فضلا عن أدلة الكتاب والسنة - مدافعًا عن الإسلام بعامة، وأصوله بخاصة بأسلوب الحجاج العقلي، مؤكدًا اتفاق الأدلة العقلية مع الأدلة الشرعية، وظهر أثره الإيجابي في كثير من رجال الفكر والدعوة في العصر الحديث كمحمد بن عبد الوهاب والأفغاني ومحمد عبده وابن باديس ومحمد إقبال وغيرهم.
أما منهج الأشعري، فقد كان نتاجًا للنزاع العميق الذي تفجر بين المعتزلة وعلماء الحديث والسنة في عصره، وبدأ محاولاته الجدلية الكلامية بعد انفصاله عن
_________________
(١) ابن النديم: الفهرست ص ١٨١ لييسك ١٨٧١ م تحقيق فلوجل وكان الأشعري شديد المعارضة للمعتزلة بعد خروجه من صفوفهم ومن مظاهر ذلك أنه كتب مدللًا على كفر النَّظَّام، فروى البغدادي في كتابه (الفرق بين الفرق) ذلك بقوله: (ولشيخنا أبي الحسن الأشعري ﵀ في تكفير النظام ثلاثة كتب) ص ١٣٣ بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد ط مكتبة محمد علي صبيح بالأزهر.
[ ١٧٤ ]
صفوف المعتزلة، وكان يظن بحكم ثقافته ونشأته وتكوينه بافتراق طريقي العقل والنقل، وأن دوره يقتضي الجمع بينهما، وكان حريصًا على الارتباط بأهل السنة والحديث في شخص إمامهم أحمد بن حنبل ولذلك ذيل مقالتهم في كتابه (مقالات الإسلاميين) بقوله: (وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول، وإليه نذهب، وما توفيقنا إلا بالله، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وبه نستعين، وعليه نتوكل، إليه المصير) (١) .
وظل المذهب الأشعري ينتقل من طور إلى آخر بواسطة شيوخ المدرسة، كالبلاقاني [[كذا في الأصل، والصواب: كالباقلاني.]] والجويني والشهرستاني والغزالي والآمدي والرازي. وما زال يلقى قبولًا وتأييدًا لدى الغالبية العظمى من المسلمين، فلسنا بإزاء قضايا تاريخية انقطعت صلتهم بها بل ما زالت تلقى اهتمامًا في دوائر الفكر الإسلامي المعاصر أيضًا. ويقابلها الاتّجاه السلفي المتصل بابن تيمية. ويقول الأستاذ الشيخ مصطفى عبد الرازق:
(أما النهضة الحديثة لعلم الكلام فتقوم على نوع من التنافس بين مذهب الأشعرية ومذهب ابن تيمية. وإنا لنشهد تسابقًا في نشر كتب الأشعرية وكتب ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، ويسمي أنصار هذا المذهب الأخير أنفسهم بالسلفية، ولعل الغلبة في بلاد الإسلام لا تزال إلى اليوم لمذهب الأشاعرة) (٢) .
ومع تقديرنا البالغ لعلمائنا الذين بذلوا الجهد الكبير وأفنوا أعمارهم في خدمة الإسلام عقيدة وشريعة، ورغبتنا في التوحيد والتآلف بين الصفوف، نرى أن إسهامنا في توضيح مذهب أهل السنة والحديث - وابن تيمية واحد من أبرزهم - يعبر عن اقتناع بتفضيل منهج السلف لاتصاله الوثيق بالقرآن والحديث والكشف عن الطرق العقلية بهما، وهما لا شك باقيان أبدًا، وينبغي أن يكونا دائمًا جامعين للمسلمين.
ولعل الدور الذي قام به شيخ الإسلام ابن تيمية يوضح أكثر من الإمام الأشعري التقاء المعقول بالمنقول، بل التحامهما، وذلك بسبب بيئته الثقافية وتكوينه العلمي ومواهبه الذهنية والقضايا المثارة في عصره؛ فقد عاش في زمن انقسمت فيه
_________________
(١) مقالات الإسلاميين ج ٢ ص ٣٢٥.
(٢) الشيخ مصطفى عبد الرازق: تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية ص ٣٩٥ ط لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة ١٣٦٣ هـ - ١٩٤٤ م.
[ ١٧٥ ]
الفرق الإسلامية انقسامًا كبيرًا وتضخمت المشكلات الكلامية والفلسفية، وتوقفت الاجتهادات الفقهية فشاع التقليد والتعصب للمذهبية الضيقة، كذلك عانى المسلمون الأمرين بسبب آثار حروب طاحنة متوالية بسبب الحروب الصليبية وغزوات التتار، فتنبه الشيخ السلفي إلى صلة العقيدة بالواقع الثقافي والاجتماعي والسياسي، بل أرجع هذه الحروب إلى تراخي العلاقة بين المسلمين وعقيدتهم، وبسبب تفرقهم وتنازعهم.
وكان نفوذ الأشعرية هو السائد آنذاك، فأثاروا مع ابن تيمية عدة مناقشات تتعلق بأصول الدين، واجتاز بسببها المحن تلو المحن، وكانت دوافعه تنبيه المسلمين إلى منهج السلف، بعد أن قام بدراسة نتائج شيوخ الأشاعرة، وهاله أن يجد اختلاط الكلام بالفلسفة اليونانية، واستخدام الحدود والأقيسة المنطقية الأرسطية، فوقف ابن تيمية ليدافع بشدة عن قضية موافقة الشرع للعقل، ولم يدع لنفسه تجديدًا - مع أنه كذلك - وعكف على قراءة واستيعاب مئات المؤلفات لعلماء الحديث والسنة قبله، وأخذ يدعم منهجهم ويشرحه لمعاصريه، مستخدمًا اصطلاحات المتكلمين والفلاسفة أيضًا، معالجًا لكافة القضايا المثارة، فاهمًا بعمق للمنهج السلفي ومدافعًا عنه بكافة الأساليب المتاحة، فضلا عن إبرازه لأحد سمات الإسلام البارزة بشموله وسعة دائرته لأمور الدين والدنيا، ولا بأس هنا من الإشارة بصفة عاجلة لأهم القواعد التي استند إليها، قبل أن ننتقل لعرض منهجه بالتفصيل، وهي:
أولًا: أن أصول الدين وفروعه قد بينها الرسول - ﷺ -.
ثانيًا: أصحاب القرون الأولى هم الأفضل مستندًا إلى قول الله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ) [التوبة، الآية: ١٠٠]، وحديث الرسول - ﷺ - "خير القرون الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم"، وتفسير ذلك أنه رضي عمن اتبعهم بإحسان، وذلك متناول لكل من اتبعهم إلى يوم القيامة (١) .
ثالثًا: إن الأولى استخدام طرق القرآن في الحجاج والجدل، والتعبير عن حقائق
_________________
(١) النبوات ص ١٦١.
[ ١٧٦ ]
الإيمان بكلمات القرآن أفضل، لأنها نفس أساليب الرسل في مناقشة الأمم الذين بعثوا إليهم (١)، والأمثلة كثيرة: منها أن الله تعالى قد أخبر عن قوم نوح وإبراهيم ومجادلتهم للكافرين (قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا) [هود، الآية: ٣٢] وعن قوم إبراهيم (وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ) إلى قوله: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ) [الأنعام، الآيات: ٨٠ - ٨٣] كما فصل محاجة إبراهيم ﵇ للنمرود.
وأيضًا فإن الدارس للقرآن المتدبر لآياته يلتقي مع مناظرات متعددة للكفار والاحتجاج عليهم بالأدلة العقلية الكافية والشافية، وأن الله تعالى أمر بالجدل بالتي هي أحسن فقال: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) [العنكبوت، الآية: ٤٦] وقال سبحانه: (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [النحل، الآية: ١٢٥] .
رابعًا: إن آيات الله السمعية والعقلية والعيانية كلها متوافقة، فلا تعارض إذن بين أدلة الشرع وأدلة العقل (٢) .
وربما كان أكثر ما أثار شيخ الإسلام ابن تيمية هو اعتبار المنهج الذي اختصته الأشاعرة لأنفسهم أفضل من منهج السلف، فاعتبروا طريقة السلف أسلم وطريقتهم هم أعلم وأحكم، ولا شك أن مثل هذا الشعار يؤدي إلى تفضيل الخلف على السلف في العلم والبيان والتحقيق والعرفان، ويصف السلف بالنقص في ذلك والتقصير فيه، أو الخطأ والجهل، ويؤدي إلى الزعم أيضًا بأن (أهل القرون المفضولة في الشريعة أعلم وأفضل من أهل القرون الفاضلة) (٣) .
لذلك بذل ابن تيمية المحاولات تلو الأخرى في كتبه ومناقشاته لإثبات أن السلف كانوا أهل نظر ودراية إلى جانب كونهم أهل نقل ورواية، وأنهم آثروا عدم تضييع جهودهم وأوقاتهم في محاولات عقيمة؛ إذ رأوا في كتاب الله تعالى وسنة رسوله - ﷺ - الكفاية، وأقاموا البناء كاملًا في العقيدة والشريعة والعبادات والنظم
_________________
(١) نفس المصدر ص ١٥٧.
(٢) نفس المصدر ص ٣٠٣.
(٣) ابن تيمية: نقض المنطق ص ١٢٨.
[ ١٧٧ ]
مدى التمايز بين المنهجين
والأخلاق جميعًا، فإذا أرادت الأمة أن تأخذ بزمام أمورها من جديد بين الأمم، فعليها باتباع طريقتهم، وهذا معنى قول عبد الله بن مسعود: (من كان منكم مستنًّا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد - ﷺ -: كانوا أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بدينهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم) ويمضي الشيخ في شرح ذلك فيصف الصحابة بالمقارنة بغيرهم بأنهم كانوا أقل الناس تكلفًا، يصدر عن أحدهم الكلمة والكلمتان من الحكمة أو من المعارف، ما يهدي الله بها أمة، وهذا من منن الله على هذه الأمة، ونجد غيرهم يحشون الأوراق من التكلفات والشطحات (١) .
ونرى ابن تيمية محقًا في نظرته، وإذا كان المجال هنا غير مناسب للكشف عن درايته العميقة بأصول التفسير التاريخي، أو ما يسمى بفلسفة التاريخ، إلا أنه كثيرًا ما كان يعالج في مؤلفاته أسباب هزائم المسلمين وطمع أعدائهم فيهم ويعللها بسبب التفرق والاختلاف، وقد أصاب تفسيره إذ شغلوا أنفسهم بالبحث في حقائق توقيفية مصدرها الوحي، فانصرفوا عن العمل والتنفيذ، وكان بوسعهم المضي قدمًا في مجالات العلوم والمعارف النافعة، وكان لعلمائهم جهود لا تنكر في هذه الميادين، كما أسفرت عنه الدراسات الحديثة المنصفة.
والآن نتساءل: هل وفق الأشاعرة في التعبير عن أئمة السلف عقيدة ومنهجًا؟ (٢) . تقتضي الإجابة دراسات متشعبة يضيق عنها نطاق هذا الكتاب، مما اضطرنا إلى اختيار بعض القضايا التي دار حولها النقاش؛ لكي نعرف بالمقارنة مدى التمايز بين المنهجين وهي كما يلي:
_________________
(١) ١١ (نفس المصدر ص ١١٣ - ١١٤ وأيضًا جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ج ٢ ص ١١٩.
(٢) سبقنا إلى طرق هذا البحث أستاذنا الدكتور محمد علي أبو ريان بكتابه (تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام)، وانتهى إلى أن البون شاسع بين موقف السلف ومذهب الأشاعرة من حيث أنه لم يثبت أن السلف قد استخدموا الكلام في شرح العقيدة، أو مالوا إلى التأويل في تفسيرها ص ٢٢٣. مع العلم بأن السلف يرون أن هناك نوعين من الكلام: مذموم وممدوح، وقد نقدوا الأول واستخدموا الثاني كما بينا.
[ ١٧٨ ]
أولا: صفات الله ﷾:
فرق الأشاعرة بعامة بين صفات الذات وصفات الأفعال الإلهية قال الآمدي: (مذهب أهل الحق: أن الواجب بذاته مريد بإرادة، عالم بعلم، قادر بقدرة، حي بحياة، سميع بسمع، بصير ببصر، متكلم بكلام، وهذه كلها معان وجودية أزلية زائدة على الذات) (١) .
ولقد تعرض هذا الموقف للنقد بواسطة شيخ الإسلام ابن تيمية لأنهم اقتصروا على هذه الصفات وحدها، مؤكدًا أن تضمن الأسماء والصفات التامة الكاملة لله ﷾، مثل قوله سبحانه: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) [البقرة، الآية: ١٦٣] وقوله ﷿: (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) [غافر، الآيتان: ١٥، ١٦] . وقال تعالى: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) [البقرة، الآية: ٢٥٥] وقوله: (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ) [طه، الآية: ١١١] .
ومما يدل على دقة الشيخ في النقد أنه مع إقراره بالمعنى الصحيح لصفتي مريد متكلم إلا أنه بإحصاء الآيات القرآنية يتبين أن هذين الاسمين لم يردا في القرآن الكريم ولا في الأسماء الحسنى المعروفة، ولكن معناهما حق.
ويقرر ابن تيمية أن صفات الله ﷿ ثابتة بالشرع والعقل، ويعجب من موقف الأشاعرة وغيرهم من الصفاتية الذين أثبتوا الصفات السبع لأنها عندهم قد دل عليها العقل، ويرى أن وجه القصور في هذا المنهج يرجع إلى أنهم لم ينتبهوا إلى أن هناك من الأسماء والصفات المقدسة ما هو ثابت بالشرع - ولكن لا يلزم من عدم الدليل المعين المدلول فلا يلزم نفي ما سوى هذه الصفات إذ إن السمع قد أثبت صفات أخرى، واستطرد مثبتًا الأسماء والصفات التي تدل على الرحمة والمحبة وغيرهما، ثم يميز بين نوعي الفعل: المتعدّي واللازم، واتخذ من آيات الله تعالى أدلة على الجمع بين صفات الأفعال بمثل قوله سبحانه: (الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا
_________________
(١) سيف الدين الآمدي (٥٥١ - ٦٣١ هـ): غاية المرام في علم الكلام تحقيق د. حسن عبد اللطيف ص ٣٨ المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة ١٣٩١ هـ - ١٩٧١ م.
[ ١٧٩ ]
بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) وأخذ في تدبر الآيات الأخرى وإحصائها مثبتًا أن هذا الأصل ورد في القرآن في أكثر من مائة موضع.
كذلك لا يرى سببًا يدعو إلى إنكار صفات الأفعال مستندًا إلى دليل عقلي مقتضاه (أن دلالة السمع على علم الله تعالى وقدرته وإرادته وسمعه وبصره، كدلالته على رضاه ومحبته وغضبه واستوائه على عرشه ونحو ذلك) .
ويصبح التساؤل هنا في موضعه تمامًا، إذ أين الصفات السبعة التي اقتصر عليها الأشاعرة من الأسماء والصفات التي أثبتها الله تعالى لنفسه؟ لقد أخبرنا في كتابه أنه حي، قيوم، حكيم، غفور، رحيم، سميع، بصير، عظيم، خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش، وكلم موسى، وتجلى للجبل فجعله دكًّا، يرضى عن المؤمنين، ويغضب على الكافرين، إلى أمثال ذلك من الأسماء والصفات.
هذا من حيث إثبات الصفات والأفعال.
أما من حيث النفي، فإن الله - تعالى - يصف نفسه بأنه (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى، الآية: ١١] (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) [الإخلاص، الآية: ٤] (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) [مريم، الآية: ٦٥]؟ (فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا) [البقرة، الآية: ٢٢] فنفى بذلك أن تكون صفاته كصفات المخلوقين.
وبعد هذه المقارنة التي عقدها الشيخ، لفت نظره اختلاف طريقة الأنبياء والرسل وطريقة المتكلمين في التحدث عن صفات الله تعالى وبيانها، إن القارئ للقرآن يتضح له أن الله ﷾ بعث أنبياءه ورسله بإثبات مفصل لأسمائه وصفاته ونفي مجمل لها أي: نفوا عنه مماثلة المخلوقات كقوله تعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى، الآية: ١١] ولكن جاء النظار (أي أهل النظر من المتكلمين النفاة والفلاسفة وغيرهم) فعكسوا القضية فجاءوا بنفي مفصل وإثبات مجمل، أي يقولون: (ليس كذا.. ليس كذا) والقارئ الذي يراجع هذا الحكم يجده صحيحًا تمامًا، خير شاهد على ذلك عقيدة المعتزلة في صفات الله تعالى (١) .
أما الرسل صلوات الله عليهم، فطريقتهم طريقة القرآن، وطريقة القرآن النفي
_________________
(١) ينظر مقالات الإسلاميين ج ١ ص ٢٣٥ - ٢٣٦ وكلها تتضمن النفي في وصف الله تعالى.
[ ١٨٠ ]
المجمل والإثبات المفصل، وقد رد الله تعالى على كل المخالفين لهذه الطريقة بقوله: (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الصافات، الآيات: ١٨٠ - ١٨٢] (١) .
ويلح ابن تيمية دائمًا في مؤلفاته على قاعدة أصلية يجب الاستناد إليها في توضيح أصول الدين، وهي أن الأولى بيان الحق الذي جاء به الرسول - ﷺ - مستخدمًا الأقيسة العقلية والأمثال المضروبة، لأنها طريقة الكتاب والسنة وسلف الأمة. والآيات القرآنية كثيرة تدل على ضرب الأمثال كما قال تعالى: (وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا) [الفرقان، الآية: ٣٣] كما بين سبحانه بالبراهين العقلية توحيده وصدق رسله والبعث وغيرها من قضايا أصول الدين مجيبًا بها على معارضة المشركين، إذ لما سئل النبي - ﷺ - عن إحياء الموتى ضرب له المثل بإحياء النبات كما في سورة (يس) وغيرها.
والأحاديث مملوءة أيضًا بذكر صفات الله تعالى، فقال رسول الله - ﷺ -: "ما منكم من أحد إلا سيخلو به ربه، كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر"، فسأله أبو رزين العقيلي: كيف يا رسول الله وهو ونحن كثير؟ فأجابه الرسول - ﷺ - ضاربًا المثل، قال: (سأنبئك بمثل ذلك في آلاء الله، هذا القمر من آيات الله كلكم يراه مخليًا به، فالله أعظم) .
ولكن التشبيه هنا تشبيه للرؤية لا للمرئي بالمرئي فإن الله تعالى ليس كمثله شيء. وكانت طريقة الصحابة أيضًا، فقد روي عن ابن عباس أنه لما أخبر بالرؤية عارضه السائل بقوله: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ) [الأنعام، الآية: ١٠٣]، فقال له: (ألست ترى السماء؟) فقال: بلى فسأله مرة ثانية: تراها كلها؟، أجاب: لا، وبهذا بين ابن عباس للسائل أن نفي الإدراك لا يقتضي نفي الرؤية (٢) .
ومضى أئمة الحديث والسنة على نفس الطريقة، إذ عندما أثيرت صفات الله تعالى أيام المحنة، ومنها صفة العلو لله ﷿، بين الإمام أحمد دلالة القرآن على
_________________
(١) ابن تيمية: اقتضاء الصراط المستقيم فى مخالفة أصحاب الجحيم ص ٤٦٦ - ٤٦٧.
(٢) ابن تيمية: موافقة صحيح المنقول ج ١ ص ١٤٢ - ١٥٢.
[ ١٨١ ]
علوه تعالى واستوائه على عرشه، وأنه مع ذلك عالم بكل شيء، كما دل على ذلك قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [الحديد، الآية: ٤] وفسر الإمام ابن حنبل المراد بذكر المعية في الآية أنه بهم، وكما افتتح الآية بالعلم وختمها بالعلم، وأنه سبحانه بين أنه مع علوه على العرش يعلم ما الخلق عاملون، كما في حديث العباس بن عبد المطلب الذي رواه أبو داود وغيره، عن النبي - ﷺ - قال فيه: "والله فوق عرشه وهو يعلم ما أنتم عليه".
وقد شرح الإمام أحمد هذا الحديث بالقياس العقلي وضرب مثلين، ولله المثل الأعلى، فقال: (لو أن رجلًا في يده قوارير فيها ماء صاف، لكان بصره قد أحاط بما فيها، مع مباينته له، فالله - ولله المثل الأعلى - قد أحاط بصره بخلقه، وهو مستور على عرشه) والمثال الثاني: لو أن رجلًا بنى دارًا لكان مع خروجه عنها يعلم ما فيها، فالله الذي خلق العالم يعلمه مع علوه عليه، كما قال تعالى: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الملك، الآية: ١٤]؟ (١) .
ثانيًا: نظرية الكسب الأشعرية وتفسير أفعال الإنسان:
نشأ الأشعري كما علمنا في بيئة الاعتزال، ومن أصولهم العدل ومؤداه أن العدل الإلهي في رأيهم يقتضي أن الله ﷾ لم يخلق أفعال العباد، فالإرادة الإنسانية حرة، والإنسان نفسه هو خالق أفعاله، ومن ثم يستحق الثواب والعقاب (٢) وكان موقفهم هذا بمثابة رد فعل للجبرية القائلين بعدم قدرة العبد على إحداث الفعل.
ومن هنا وصف المعتزلة أنفسهم بأنهم أهل العدل، لأنهم يهدفون بإثبات الفعل للإنسان، نفي الظلم عن الله سبحانه التي تتجه أفعاله نحو قصد وغاية، وتتفق مع ما يقتضيه العقل من التمييز بين الحسن والقبيح والخير والشر، فأجمعوا - كما يذكر
_________________
(١) ابن تيمية: موافقه صحيح المنقول ج ١ ص ١٤٣.
(٢) د. أبو ريان: تاريخ الفكر ص ١٦٧.
[ ١٨٢ ]
الشهرستاني - على أن العبد قادر على الأفعال خيرها وشرها، مستحق على كل ما يفعله ثوابًا وعقابًا في الدار الآخرة والرب تعالى منزه أن يضاف إليه شر وظلم، وفعل هو كفر ومعصية (١) .
واستدل المعتزلة ببعض الآيات القرآنية التي تثبت نفي الظلم والشر والقبح عن الله ﷾، مثل قوله: (وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ) [غافر، الآية: ٣١] وقوله: (وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) [ق، الآية: ٢٩] وقوله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [النحل، الآية: ٩٠] وغيرها من الآيات الدالة على أن الله لم يجبر أحدًا على الخير أو الشر أو الحسن أو القبح، بل ترك لكل إنسان حرية الاختيار فيما يفعل (٢) .
ثم جاء الأشعري فاختط طريقًا وسطًا بين فكرة المعتزلة ورأي الجبرية، فأثبت الحرية الإلهية الغير الخاضعة للمعيار الإنساني، فليس لأحد أن يوجب عليه سبحانه فعل الصلاح أو الأصلح لعباده، كما أراد إثبات حرية الإنسان وقدرته على الفعل فميز في الإنسان بين حركات الرعدة والرعشة، وبين حركات الاختيار والإرادة، الذي يجد الإنسان في نفسه تمييزًا واضحًا بينهما، فالتفرقة راجعة إلى أن الحركات الاختيارية حاصلة تحت القدرة، متوقفة على اختيار القادر، ويسمى هذا الفعل (كسبًا) فيكون خلقًا من الله تعالى، إبداعًا وإحداثًا وكسبًا من العبد، حصولًا تحت قدرته (٣) .
_________________
(١) الشهرستاني: الملل والنحل ج ١ ص ٣٦ - ٤٠ ط بدران.
(٢) يذكر الأشعري المقالات المختلفة في فكرة (الكسب) يقول: عند المعتزلة الإنسان فاعل محدث ومخترع ومنشئ على الحقيقة دون المجاز. وكثير من أهل الإثبات يقولون: إن الإنسان فاعل في الحقيقة بمعنى مكتسب ويمنعون أنه محدث. مقالات الإسلاميين ج ٢ ص ٢١٩. ثم يذكر رأيه (والحق عندي أن معنى الاكتساب هو أن يقع الشيء بقدرة محدثه، فيكون كسبًا لمن وقع بقدرته) (نفس المصدر ص ٢٢١) . والحق أن مؤدى الفكرة يتفق مع الجبرية المحضة بطريقة غير مباشرة.
(٣) الملل والنحل ج ١ ص ٨٨ - ٨٩.
[ ١٨٣ ]
فإذا عدنا للنظرية الجبرية عن الفعل الإنساني، لما وجدناها تختلف عن فكرة الكسب الأشعرية، فالجبرية ينفون الفعل حقيقة عن العبد ويضيفونه إلى الله تعالى، ولا يختلف ذلك في جوهره عن قول أبي الحسن الأشعري: إن الفعل الحاصل إذا أراده العبد وتجرد له سمي هذا الفعل كسبًا، فيكون خلقًا من الله تعالى - وإبداعًا وإحداثًا - وكسبًا من العبد - حصولًا تحت قدرته (١) .
وربما أحس الشهرستاني نفسه - باعتباره أشعريًا - بهذا المأزق، فتراه عند عرضه للمذهب الجبري، يفرق بين ما سماه بالجبرية الخالصة التي لا تثبت للعبد فعلًا أو قدرة على الفعل أصلًا، والجبرية التي يسميها المتوسطة - وهي التي تثبت للعبد قدرة غير مؤثرة، ثم اضطر إلى اصطناع موقف الدفاع عن فكرة الكسب فقال: (فأما من أثبت للقدرة الحادثة أثرًا ما في الفعل، وسمى ذلك كسبًا، فليس بجبري) (٢) .
نقد ابن تيمية لنظرية الكسب:
لم يكن ابن تيمية متعسفًا إزاء الأشعري، عندما أظهر تناقضه بين الجبريين والقدريين وهذا يفضي بنا إلى بيان النقد التفصيلي الذي يوجهه شيخ الإسلام إلى نظرية الكسب الأشعرية، ونقطة البداية في شرح المسألة أنه ينبغي التمييز في الإرادة الإلهية بين نوعين: إرادة تتعلق بالأمر المتضمنة للمحبة والرضا وهي الإرادة الدينية، وإرادة تتعلق بالخلق وهي المشيئة، أي: الإرادة الكونية القدرية (٣) لإثبات أن كل الأفعال خاضعة لقدرة الله تعالى، في مثل قوله: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ) [السجدة، الآية: ٧] وقوله ﷿ (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) [النمل، الآية: ٨٨] فإذا نظرنا إلى أفعال العباد من الطاعات لوجدناها موافقة للأمر الإلهي، لا موافقة للإرادة الإلهية، وذلك لينفي فكرة الجبرية، لأن الطاعة والمعصية باختيار العباد.
_________________
(١) نفس المصدر الصفحة ٨٩. وينظر أيضا نشأة الفكر للدكتور النشار ص ٧٨ حيث يحكم على هذا المذهب أنه جبري خالص ط مكتبة النهضة لسنة ١٩٥٤م.
(٢) نفس المصدر ص ٧٩.
(٣) ابن تيمية - منهاج ج ٢ ص ٢٨ - ٢٩. واستند ابن تيمية إلى قواعد اللغة العربية في شرح وبيان ما قد يغمض على البعض فهمه في هذه الفكرة.
[ ١٨٤ ]
وينتقل إلى نقطة أخرى، فيؤكد أن الله - ﷾ - خالق أفعال العباد بإرادته، ولكنه لم يأمر بالكفر والفسوق والعصيان، كما لا يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر، وهذا ما فهمه السلف الصالح، كقول أبي بكر وعمر وابن مسعود ﵃: (أقول برأيي فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان) (١) ففهموا - أي السلف جميعًا - أن الشر مخلوق لحكمه، ولكنه لا ينسب إلى الله تعالى مفردًا، ولكن إما يدخل في العموم كقوله تعالى: (خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) [غافر، الآية: ٦٢] أو يضاف لسبب (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ) [الفلق، الآية: ١، ٢]، أو يحذف فاعله كقوله فيما حكاه عن الجن: (وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا) [الجن، الآية: ١٠] .
ويشرح ابن تيمية ضمن أبحاثه اللغوية التي يستقيها من البخاري في (خلق أفعال العباد)، لكي يؤكد أنه لا تقوم بالله ﷾ أفعال العباد ولا يتصف بها، ولا تعود إليه أحكامها؛ ولهذا قال أكثر المثبتة للقدر بأن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى وهي فعل العبد فإذا قيل هي فعل الله، فالمراد أنها مفعولة له لا أنها هي الفعل الذي هو مسمى المصدر، وأكثر الأئمة يفرقون بين الخلق والمخلوق (٢) والمسلمون جميعًا ينزهون الله تعالى عن الظلم، فليس كل ما كان ظلمًا من العبد يكون ظلمًا من الرب، ولا ما كان قبيحًا من العبد يكون قبيحًا من الرب، فإن الله ليس كمثله شيء، ولا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.
ويعتمد شيخ الإسلام في نفي الظلم عن الله تعالى على دليل عقلي؛ لأن من قوانين الفطرة الإنسانية ألا يعتبر الإنسان مقابلة الظالم على ظلمه بمثابة الظلم له، فالله تعالى أولى أن لا ينسب إلى الظلم، فإذا أخذ الله العبد بما فعله، فلأنه تم باختياره. ولكن مرد خطأ المعتزلة ونفاة القدر بعامة، أنهم قاسوا أفعال الله على أفعال خلقه، وعدله على عدلهم، وهو قياس ظاهر الفساد - وسنعود لشرح رأيه عن عدل الله وحكمته، وعلى النقيض من ذلك غلاة المثبتة للقدر أي: الجبرية، الذين
_________________
(١) منهاج ج ٢ ص ٢٥.
(٢) نفس المصدر ص ٢٦.
[ ١٨٥ ]
سلبوا العبد قدرته، زاعمين أن حركته حركة الأشجار بالريح، وأشد الطوائف اقترابًا منهم - في رأي ابن تيمية - الأشعري ومن وافقه، إذ يظهر اضطرابه بين إثباته للعبد قدرة محدثة واختيارًا، وأن الفعل كسب للعبد، وبين نفيه لتأثير قدرة العبد في إيجاد المقدور، فخالف بذلك قول أهل الإثبات، بأن العبد فاعل لفعله حقيقة، وله قدرة واختيار، وقدرته مؤثرة في مقدورها، كما تؤثر قوى الطائع، لهذا قال من قال: (هذا الكسب الذي أثبته الأشعري غير معقول) (١) .
بقيت النقطة المشار إليها في السياق، وهي تتصل بفكرة العدل والظلم، ولهذا سنفرد لها الحديث من وجهة نظر ابن تيمية، حيث يرى أن فكرة الكسب في جوهرها جبرية، والجبريون لا ينزهون الله تعالى عن الظلم.
عدل الله تعالى وحكمته:
كانت حجة المعتزلة في نفي القدر إثبات العدل الإلهي كما رأينا، ولكن أهل الحديث والسنة مع إثباتهم لعدل الله تعالى يؤمنون بالقدر أيضًا، ولا يتنافى هذا مع ذلك، ولما رأوا أن فكرة (الكسب) تؤدي للجبرية، عادوها موضحين الموقف الصحيح فإن الله تعالى منزه عن الظلم، ولا يفعل السوء ولا السيئات - مع أنه سبحانه خالق كل شىء: أفعال العباد وغيرها. وقد يحدث الالتباس في فهم البعض بسبب الخلط بين نسبة الفعل إلى العبد ونسبته إلى الله تعالى، فإن الإنسان إذا فعل القبيح المنهي عنه أصبح شرًا وظلمًا بالنسبة إليه، ومع أن الرب قد جعله فاعلًا لذلك، بناء على اختياره، إلا أن ذلك منه سبحانه عدل ورحمة ووضع للأشياء مواضعها، فهو منه عدل وحكمة وصواب وإن كان من المخلوق عيبًا.
ويضرب ابن تيمية لذلك مثلًا لتقريبه للأذهان؛ لأن مثل هذا يحدث في الفاعلين المخلوقين، فإن الصانع إذا أخذ الخشبة المعوجة، والحجر الرديء، واللبنة الناقصة فوضعها في موضع يليق بها ويناسبها، كان ذلك منه عدلا واستقامة وصوابا وهو محمود، وإن كان في تلك عوج وعيب هي به مذمومة، ومن أخذ الخبائث فجعلها في المحل الذي يليق بها كان ذلك حكمة وعدلا، وإنما السفه والظلم أن
_________________
(١) نفس المصدر ص ١٦.
[ ١٨٦ ]
يضعها في غير موضعها (١) وله المثل الأعلى، فإنه سبحانه لا يضع شيئًا إلا موضعه، فلا يكون إلا عدلًا ولا يفعل إلا خيرا، وهو سبحانه له الخلق والأمر، فأمر بتحصيل المصالح وتكميلها وبتعطيل المفاسد وتقليلها، إذا تعارض أمران رجح أحسنهما، وليس في الشريعة أمر بفعل إلا ووجوده للمأمور خير من عدمه، ولا نهي عن فعل إلا وعدمه خير من وجوده وهو فيما يأمر به قد أراده إرادة دينية شرعية واجبة ورضيه، فلا يحب ويرضى شيئًا إلا ووجوده خير من عدمه، ولهذا أمر عباده أن يأخذوا بأحسن ما أنزل إليهم من ربهم، فإن الأحسن هو في المأمور، وهو خير من المنهي عنه.
والقارئ لمؤلفات ابن تيمية، يلحظ أنه كثيرًا ما يعالج قضايا متشابكة في مؤلف واحد أو رسالة واحدة، ولكن وراءها ضابط يمسك بزمامها فإذا ما وجه الباحث عنايته إليها ظهر الحل واضحًا جليًا.
وقضية كهذه - أي: قضية الإيمان بالقضاء والقدر وصلتها بأفعال العباد - من أهم القضايا وأعمقها، وقد حارت بها العقول والأفهام، ولهذا نجد ابن تيمية يعالجها من مداخل عدة: مدخل الإيمان بأن الله تعالى رب كل شيء ومليكه، وأنه سبحانه خالق العباد وأفعالهم، وإثبات صفات الله تعالى من الحكمة والعدل والرحمة كما يفضل أحيانًا عرض آرائه من خلال التمييز بين الإرادة الكونية القدرية والإرادة الدينية.
ويرى ابن تيمية أن سوء الفهم والاعتقاد بين القدرية والجبرية راجع إلى الخلط بين خلق الله تعالى وتقديره، وأمره وتشريعه، فإن أمره وتشريعه مقصوده بيان ما ينفع العباد إذا فعلوه، وما يضرهم، بمنزلة أمر الطبيب المريض بما ينفعه وحمايته مما يضره. فأخبر الله على ألسنة رسله بمصير السعداء والأشقياء، وأمر بما يوصل إلى السعادة، ونهى عما يوصل إلى الشقاوة. وأما خلقه وتقديره فيتعلق به وبجملة المخلوقات، فيفعل ما له فيه حكمة متعلقة بعموم خلقه، وإن كان في ضمن ذلك مضرة للبعض. مثال ذلك: أنه ينزل الغيث رحمة وحكمة، وإن كان في ضمن ذلك
_________________
(١) ابن تيمية: رسالة فى معنى كون الرب عادلا وفي تنزيهه عن الظلم ص ١٣٠ - ١٣١ بكتاب (جامع الرسائل) المجموعة الأولى - تحقيق الأستاذ الدكتور محمد رشاد سالم مطبعة المدني ١٣٨٩ هـ - ١٩٦٩ م.
[ ١٨٧ ]
ضرر للبعض بسقوط منزله أو انقطاعه عن سفره أو تعطيل معيشته. ويرسل الرسل رحمة وحكمة وإن كان في ضمن ذلك أذى قومه وسقوط رياستهم. فإذا قدر على الكافر كفره قدره لما في ذلك من الحكمة والمصلحة العامة، وعاقبه لاستحقاقه ذلك بفعله الاختياري، ولما في عقوبته من الحكمة والمصلحة العامة (١) .
وهناك عاملان آخران يسهمان في سوء الفهم والخلط في هذه المسألة أحدهما - قياس أفعال الله تعالى على أفعالنا وهو خطأ ظاهر. ولزيادة إيضاح ذلك فإن السيد يأمر عبده بأمر لحاجته إليه ولغرضه، فإذا أثابه على ذلك كان من باب المعاوضة، إنما أمرهم بما ينفعهم ونهاهم عما يضرهم أمر إرشاد وتعليم، فإن أعانهم فعل المأمور فقد تمت نعمته، وإن خذل ولم يعن العبد حتى فعل الذنب كان له في ذلك حكمة أخرى، وأن كانت مستلزمة. وتألم هذا فإنما يألم بأفعاله التي من شأنها أن تورثه نعيمًا أو عذابًا، وإن ذلك الإيراث بقضاء الله وقدره، فلا منافاة بين هذا وهذا.
العامل الثاني - موقف الناس من حكمة الله تعالى الكلية، فليس على الناس معرفتها وقد تكون فوق مداركهم القاصرة المخلوقة، ويكفيهم التسليم لمن قد عرفوا وآمنوا بحكمة الله تعالى ورحمته وقدرته. فمن المعلوم ما لو علمه كثير من الناس لضرهم علمه، فحكمه سبحانه أكبر من العقول، لذلك قال تعالى: (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) [المائدة، الآية: ١٠١] .
ختام ذلك كله في كلمات قليلة ولكنها تلخص المسألة وتشرحها بما فيه الكفاية.
قال ابن تيمية: (وهذه المسألة مسألة غايات أفعال الله تعالى ونهاية حكمته، ولعلها أجل المسائل الإلهية، وما ضلت القدرية إلا من قياس الله بخلقه في عدلهم وظلمهم، كما ضلت الجبرية الذين لا يجعلون لأفعال الله حكمة، ولا ينزهونه عن ظلم، ودين الله بين الغالي فيه والجافي عنه) (٢) .
_________________
(١) ابن تيمية: منهاج السنة ج ١ ص ٢٧١ - ٢٧٢.
(٢) نفس المصدر السابق.
[ ١٨٨ ]
نظرية الجوهر الفرد وتفسير الخلق والبعث:
تنسب النظرية الذرية العامة إلى ديمقريطس من فلاسفة اليونان، وتتلخص في تقسيم الوجود إلى عدد غير متناه من الوحدات المتجانسة غير المنقسمة غير المحسوسة لتناهيها في الدقة، تتحرك في الخلاء، ويحدث بتلاقيها وافتراقها الكون والفساد.
واحدها الجوهر الفرد أو الجزء الذي لا يتجزأ، وهي متشابهة الطبيعة تمام التشابه، وليست لها أية كيفية، ولا تتمايز بغير خاصتين: وهما الشكل والمقدار (١) .
ولكن ثمة نقاطٌ كثيرة هامة في النظرية لم تعالجها مثل مسألة ما إذا كانت الذرات ذات ثقل ومسألة المصدر الأصلي للحركة ومسألة الضرورة، فما زالت موضعًا للتخمين (٢) .
هذه هي النظرية الذرية في وضعها الأصلي، صدرت في محيط فلسفي يوناني، وبيئة وثنية لا تعرف إلهًا ولا كتابًا ولا نبيًّا، ولعل الفكرة نشأت بسبب التخبط في تفسير خلق العالم.
وكل ما هنالك أن الفلاسفة القائلين بالصورة والهيولى القديمتين زعموا أزلية العالم وحركته عندهم دائرة ولهذا فهي قديمة مثلها في ذلك مثل مادته ولكن أصحاب النظرية الذرية خالفوهم فاعتقدوا أن الحركة في هذه الجواهر مستقيمة فهي ليست أزلية ولا أبدية (٣) .
واقتبس المتكلمون - المعتزلة والأشاعرة - هذه النظرية (ما عدا النظام) (٤) مع
_________________
(١) يوسف كرم: تاريخ الفلسفة اليونانية ص ٣٨ - ٣٩ - لجنة التأليف والترجمة والنشر ١٣٧٨ هـ ١٩٥٨ م.
(٢) الموسوعة الفلسفية المختصرة ص ١٤٦ مكتبة الأنجلو المصرية سنة ١٩٦٣ م.
(٣) د. محمد علي أبو ريان: تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام ص ١٩٧ دار الجامعة المصرية بالإسكندرية.
(٤) ولكن النظام يرى أنه لا جزء إلا وله جزء، ولا بعض إلا وله بعض، ولا نصف إلا وله نصف وأن الجزء جائز تجزئته أبدًا، ولا غاية له من باب التجزؤ (مقالات الإسلاميين للأشعري ج ٢ ص ١٧) .
[ ١٨٩ ]
اختلاف في التفاصيل، ولكن الأشاعرة حولوا هذه النظرية إلى القول بالمناسبات في الفعل الإلهي، أي: إنكار خاصية الأشياء وفاعليتها، فالنار لا تحرق عند التقائها بالخشب مثلا، ولكن الله تعالى يخلق الاحتراق عند التقائهما، لا بسبب النار أنها محرقة. وتنسب النظرية إلى الباقلاني (٤٠٢ هـ) وترتيبه الثاني في المذهب الأشعري بعد أبي الحسن شيخه - فقال بأن العالم مؤلف من جواهر فردة لا حصر لها ولا تتجزأ، والعقل هو الذي يضفي على هذه الجواهر الكيفيات التي ليست من طبيعتها وإنما هي من العقل قط، والجواهر متغيرة محدثة وكذلك أعراضها، وليست لها خواص أو صفات فعالة بذاتها، إذ أن الله تعالى هو الخالق للجواهر وأعراضها، وهو سبحانه الذي يحدث فيها خصائصها، مثال ذلك أن الله تعالى يخلق فعل الإحراق، وما اجتماع النار والخشب إلا مناسبة للاحتراق.
وجاء الغزالي (٥٠٥ هـ) بعده فأنكر قانون السببية أو العلية وأرجعه إلى مبدأ العادة والتكرار (١) .
ويبدو من سياق النظرية في صياغتها العامة إثبات قدرة الله تعالى في المخلوقات، وأنه - ﷾ - هو وحده الفعال لما يريد، إن شاء خلق في الأشياء خصائصها وإن شاء لم يخلقها.
ولكننا ما دمنا في مجال الدفاع عن أصول الدين بالأدلة العقلية، فإن حسن النوايا لا تكفي، بل لابد أن يتوافر معها الأقوال المتفقة مع أدلة العقول، وما يتفق مع المشاهد المجرب المتفق عليه بين البشر، فضلًا عن اتفاقه مع النصوص الشرعية المتوافقة مع الأدلة العقلية التي تثبت أن لله تعالى سننا في خلق العالم وحركته.
من هذه الزاوية، نقد شيخ الإسلام ابن تيمية هذه النظرية مقدمًا الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة المتوافقة مع المعقولات وما يعلمه الناس بالفطرة والتجربة العملية والمشاهدات العيانية.
ونقطة البداية في معارضته للنظرية تتلخص في إثبات أن المتكلمين الآخذين بها لا يجعلون الله تعالى خلق شيئًا بسبب، ولا لحكمة، ولا يجعلون للإنسان قدرة تؤثر
_________________
(١) د. أبو ريان: تاريخ الفكر الفلسفي. ص ٢٠٥ - ٢٠٦.
[ ١٩٠ ]
في مقدورها، ولا لشيء من الأجسام طبيعة، ولا غريزة بل يقولون: (فعل عنده لا به) . وخالفوا بذلك الكتاب والسنة، وإجماع السلف والأئمة، وصرائح العقول (١) .
وسنلخص فيما يلي الأدلة التي قدمها ابن تيمية وهي مستمدة من الكتاب والسنة ومن آراء العلماء والفلاسفة نتيجة التجارب والنظر والمعقول:
توافق أدلة الكتاب والسنة مع الواقع المشاهد:
اختار ابن تيمية من النصوص ما يبرهن به على إثبات الأسباب، مثل قوله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [البقرة، الآية: ١٦٤] وقال سبحانه: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [الأعراف، الآية: ٥٧] .
وقال ﷿: (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ) [ق، الآية: ٩] .
وهناك آيات كثيرة أخرى في كتاب الله تعالى حيث يذكر سبحانه أنه فعل هذا بها، كما ذكر أنه أنزل الماء بالسحاب، وأنه أحيا الأرض بالماء.
أما ما ورد في السنة، فكثير أيضًا، فقد ثبت في الصحيحين عن النبي - ﷺ - أنه قال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تنكسفان لموت أحد ولا لحياته. ولكنهما آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده. فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة".
وأمر - ﷺ - عند الكسوف بالصلاة والذكر، والدعاء، والصدقة، والعتاقة، والاستغفار، وكذلك عند سائر الآيات التي يخوف الله بها عباده.
وقوله - ﷺ -: "لا تنكسفان لموت أحد ولا لحياته" رد لما كان قد توهمه بعض
_________________
(١) ابن تيمية: الرد على المنطقيين ص ٢٧٠.
[ ١٩١ ]
الناس من أن كسوف الشمس كان لأجل موت إبراهيم ابن النبي - ﷺ - وكان قد مات وكسفت الشمس، فتوهم بعض الجهال من المسلمين أن الكسوف كان لأجل هذا، فبين لهم النبي - ﷺ - أن الكسوف لا يكون سببه موت أحد من أهل الأرض، نفى بذلك أن يكون الكسوف معلولًا عن ذلك وبين أن ذلك من آيات الله التي يخوف بها عباده (١) .
وما يثبت أيضًا أن التخويف إنما يكون سببًا للشر وعلة له، ما قاله تعالى في سورة الإسراء: (وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا) [الإسراء، الآية: ٥٩] وقياسًا على ذلك فلو كان الكسوف وجوده كعدمه بالنسبة إلى الحوادث، لم يكن سببًا لشر، وهو خلاف نص الرسول - ﷺ -.
ويدعم ذلك ما ورد في سنن - الترمذي والنسائي وأحمد - أن النبي - ﷺ - نظر إلى القمر وقال لعائشة: "يا عائشة، تعوذي بالله من شر هذا، فإن هذا هو الغاسق إذا وقب". وتفسير الحديث أيضًا يدل على أن الاستعاذة إنما تكون مما يحدث عنه شر.
أضف إلى ذلك أنه - ﷺ - أمر عند انعقاد أسباب الشر بما يدفع موجبها بمشيئة الله تعالى وقدرته من الصلاة والدعاء، والذكر، والاستغفار، والتوبة، والإحسان بالصدقة والعتاقة فإن هذه الأعمال الصالحة تعارض الشر الذي انعقد سببه، كما في الحديث "إن الدعاء والبلاء ليلتقيان بين السماء والأرض فيعتلجان" ومثل ذلك مثلما جاء عدو فإنه يدفع بالدعاء، وفعل الخير، وبالجهاد له، ومثلما يفعله المرء إذا هجم البرد، يدفعه باتخاذ الدفء فكذلك الأعمال الصالحة والدعاء.
وإذا كانت الحكمة ضالة المؤمن، فإن ابن تيمية لا يكتفي بهذه الأدلة فيضيف إليها اتفاق أهل الملل وأساطين الفلاسفة، مؤيدًا ذلك لهما ذكر عن بطليموس أنه قال (واعلم أن ضجيج الأصوات في هياكل العبادات بفنون اللغات يحلل ما عقدته الأفلاك الدائرات) (٢) .
_________________
(١) ابن تيمية: الرد على المنطقيين ص ٢٧٠- ٢٧١.
(٢) الرد على المنطقيين ص ٢٧٢ ويرى أن ذلك مخالف للحس والعقل والخلق عندهم الموجود في زماننا إنما هو جمع وتفريق لا ابتداع عين وجوهر قائم بنفسه، ولا خلق لشيء قائم لا إنسان ولا غيره وإنما يخلق أعراضًا.
[ ١٩٢ ]
من هذا يتضح خطأ تفسير الخلق - أو النشأة الأولى - بنظرية الجواهر الفردة كما فعل المتكلمون من المعتزلة والأشاعرة، فالثابت أن كل ما سوى الله تعالى محدث وأنه سبحانه خلق الأسباب والمسببات، وبذلك ينتظم الكون وفق نواميس ثابتة منتظمة.
أما الإعادة والبعث فإن النظرية أيضًا تقصر عن تفسيره والبرهنة عليه، فأدى إلى تقوية شبهات الفلاسفة المنكرين لمعاد الأبدان، ونتج عنها صعوبات لن تجد حلًا إلا بالأدلة الشرعية والعقلية، سنعرض لها كما يلي:
صعوبات أمام النظرية في تفسير البعث:
لما كان أصل رأيهم في ابتداء الخلق إثبات الجوهر الفرد، وجعلوه أيضًا في المعاد والبعث، ولكن اختلفوا بين رأيين:
أحدهها: تعدم الجواهر ثم تعاد.
الثاني: تتفرق الأجزاء ثم تجتمع.
ولكن هذين الرأيين أثارا صعوبات أمامهم في مواجهة الفلاسفة المنكرين لبعث الأبدان حيث تساءل هؤلاء الفلاسفة عن الآتي:
(١) الإنسان الذي يأكله حيوان، وذلك الحيوان أكله إنسان آخر، فإن الأجزاء في هذه الأجساد قد اختلطت.
(ب) إن الإنسان يتحلل دائمًا، فما الذي يعاد، أهو الذي كان وقت الموت؟ فإن أجيب بالإيجاب، لزم أن يعاد على صورة ضعيفة، وهو خلاف ما جاءت به النصوص، وإن كان غير ذلك ليس بعض الأبدان بأولى من بعض، أي أنها تتفاوت في القوة والضعف.
واضطر المتكلمون أمام هذه الصعوبات إلى القول. بأن الله تعالى يخلق بدنًا آخر تعود إليه الروح، فالمقصود تنعيم الروح وتعذيبها سواء كانت في هذا البدن أو في غيره.
وهذا أيضًا يخالف النصوص الصريحة بإعادة هذا البدن، كما يخالف عقائد السلف للأجسام التي يشاهد حدوثها أنه يقلبها ويحيلها من جسم إلى جسم.
وتفصيل ذلك أن الفقهاء يبحثون في النجاسة مثلا، هل تطهر بالاستحالة أم
[ ١٩٣ ]
لا؟ كما تستحيل العذرة رمادًا والخنزير وغيره ملحًا ونحو ذلك.
والأطباء كذلك يقررون بأن المني الذي في الرحم يقلبه الله تعالى علقة ثم مضغة، وهذا التحول يسري على بني أدم.
أما آدم ﵇ فقد خلق من طين، فقلب الله - ﷾ - حقيقة الطين فجعلها عظمًا ولحمًا وغير ذلك من أجزاء البدن، والمضغة أيضًا يقلبها عظامًا وغير عظام. قال الله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ) [المؤمنون، الآية: ١٢ - ١٦] .
وكذلك الثمر يخلق بقلب المادة التي يخرجها من الشجر من الرطوبة مع الهواء والماء الذي سقيت به أو نزل عليها وغير ذلك من المواد التي يقلبها ثمرة بمشيئته وقدرته، والحبة أيضًا يفلقها وتتقلب المواد التي يخلقها منها سنبلة وشجرة وغير ذلك.
وكذلك النار يخلقها بقلب بعض أجزاء الزناد نارًا كما قال تعالى: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا) [يس: ٨٠] .
ويجمع ابن تيمية هذه الأمثلة لما يربط بينها من حقيقة التحول الخاضعة للمشاهدة والتجربة، فيقول: (نفس تلك الأجزاء خرجت من الشجر الأخضر، جعلها الله نارًا من غير أن يكون في الشجر الأخضر نارًا أصلًا، كما لم يكن في الشجر ثمر أصلًا، ولا كان في بطن المرأة جنين أصلًا بل خلق هذا الموجود من مادة غيره، بقلبه تلك المادة إلى هذا، وبما ضمه إلى هذا من مواد أخرى) (١) .
_________________
(١) ابن تيمية: تفسير سورة الإخلاص ٢٥. ويختار شيخ الإسلام بين الأقوال المختلفة في الجوهر الفرد أن الجسم يقبل القسمة إلى غاية، من غير إثبات الجوهر الفرد، مدللًا على ذلك بأن الجسم - كالماء مثلا - يقبل انقسامات متناهية إلى أن تتصاغر أجزاؤه، فإذا تصاغرت استحالت إلى جسم آخر، لا يبقى ما ينقسم إلى غير غاية، بل يستحيل عند تصاغره، فلا يقبل الانقسام بالفعل مع كونه فى نفسه يتميز منه شيء عن شيء، وليس كل ما تميز منه شيء عن شيء لزم أن يقبل =
[ ١٩٤ ]
ويرى شيخ الإسلام أن عقيدة السلف وما أجمع عليه العقلاء وما اتفق عليه الأطباء أن الأجسام تنقلب من حال إلى حال، ويؤيد هذا الأطباء بصفة خاصة في تناولهم لخلق الإنسان وأطوار نموه، فالله تعالى يقلبه ويجعله من جسم إلى جسم. وأيضًا فإن معنى الإعادة يدل على أن الله ﷾ يعيد الجسم بعد أن يبلى (ولهذا يقال: هو مثله، ويقال: هذا هو هذا، فإن فعل مثل غيره، لا يقال: أعاده، وإنما يقال: حاكاه وشابهه، بخلاف ما إذا فعل ثانيًا مثل ما فعل أولًا، فإنه يقال: أعاد فعله)، مثلما هُدم بيت ثم أعيد بناؤه.
وبعبارة أخرى، فإن الله ﷿ يعيد الخلق بعدما استحالت الأجسام إلى غيرها، فيعيدها من تلك الأجزاء التي انقلبت واستحالت إليها، والنشأة الأولى خلقة فساد وفناء وملاءمة للحياة الدنيا وطبيعتها الفانية بينما الثانية للبقاء فهما يتشابهان من وجه ويتنوعان من وجه آخر، فباعتبار اتفاق المبدأ والمعاد فهو هو، وباعتبار ما بين النشأتين من الفرق فهو مثله.
فلابد إذن من الاستناد إلى الحقيقة القرآنية الممثلة في خلق الله، منها قوله تعالى: (أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا) [مريم، الآية: ٦٧] وهو أمر للإنسان بأن يتذكر خلقه من نطفة، فإذا ما فسر الإنسان المخلوق في ضوء نظرية الجواهر الفردة، فإن جواهر الإنسان عندهم ما زالت باقية وحدث لها الأعراض، ومعلوم أن تلك الأعراض وحدها ليست هي الإنسان، فإن الإنسان مأمور، منهي، حي، عليم، قدير، متكلم، سميع، بصير، موصوف بالحركة والسكون، وهذه صفات الجواهر، والعرض لا يوصف بشيء لا سيما وهم يقولون العرض لا
_________________
(١) = الانقسام بالفعل، بل قد يضعف عن ذلك ولا يقبل البقاء مع فرط تصاغر الأجزاء، لكن يستحيل، إذ الجسم الموجود لابد له من قدر ما ولا بد له من صفة ما فإذا ضعفت قدرته على اتصافه بتلك الصفة انضم إلى غيره، إما مع ما استحالته إن كان ذلك من غير جنسه وإما بدون الاستحالة إن كان من جنسه كالقطرة الصغيرة - من الماء - إذا صغرت جدًا لا بدّ أن تستحيل هواء أو ترابًا أو تنضم إلى ماء آخر (كتاب الصفدية ص ١١٨) .
[ ١٩٥ ]
ظهور الحقيقة لأئمة الأشاعرة:
يبقى زمانين (١) .
وهكذا يبرهن شيخ الإسلام أن فكرة الجوهر الفرد لا تفسر لنا المشاهدة العيانية في الخلق، ولا تتفق مع حقيقته الثابتة بالآيات القرآنية، والمرئية في أطوار الإنسان كما يثبت ذلك الأطباء أيضًا، فإنه يتحول في مراحل خلقه، فيخلق الله الإنسان من المني، فالمني استحال وصار علقة، والعلقة استحالت مضغة، إلى استواء الإنسان بشرًا سويًا، ويستشهد بهذا المثال ليقوض دعائم تفسير المتكلمين، إذ يعدون الأجسام متماثلة لأنها مركبة من الجواهر المتماثلة، وإنما اختلفت باختلاف الأعراض. ويستبدل بها حقيقة الخلق والبعث القرآنية المتفقة مع أدلة العقول وتجارب البشر.
بعد هذا العرض الموجز، يتضح أن طريقة الأشاعرة مع إخلاصهم في الدفاع عن النصوص لم تقو على الوقوف إزاء النقد الذي وجه إليهم من شيوخ السنة كابن تيمية وغيره حيث ناقشوا وفندوا بالحجج والبراهين.
ويبدو أن أئمة الأشاعرة أنفسهم قد ظهرت لهم الحقيقة، ولكن بعد طول بحث وبعد إفناء الأعمار.
ومن هنا نجد أئمتهم قد فضلوا طريقة السلف في نهاية حياتهم وأعلنوها صراحة وإلى القارئ بيان ذلك:
تحول أئمة الأشعرية إلى طريقة السلف:
لاشك أن الرغبة في الدفاع عن عقيدة أهل السنة بخاصة والإسلامية بعامة هي التي دفعت أئمة الأشاعرة إلى علم الكلام ظنًا منهم أنه المنهج الصحيح لهذا الغرض، ثم تبين لهم بعد التجربة غير ذلك، فتحولوا عنه، ولعل أول المتحولين إلى طريق السلف هو الإمام أبو الحسن الأشعري نفسه، وقصة تحوله من الاعتزال إلى عقيدة الإمام أحمد بن حنبل تبرهن على ذلك كما أسلفنا.
ومن الثابت عن الذين ترجموا للأشعري - وأبرزهم ابن عساكر في كتاب (تبيين كذب المفتري) أن كتاب (الإبانة) من أواخر كتبه وهو دليل على استقراره على
_________________
(١) ابن تيمية: تفسير سورة الإخلاص (٥٤ - ٥٦) .
[ ١٩٦ ]
طريقة الإمام أحمد ومنهجه وعقيدته متابعة لطريقة السلف.
ويمكن تقسيم حياته العلمية إلى ثلاثة أطوار - الأول عندما كان معتزليا - والثاني عندما بدأ يعيد النظر في معتقدات المعتزلة ويخط لنفسه منهجًا جديدًا يلجأ فيه إلى تأويل النصوص بما ظن أنه يتفق مع أحكام العقل ثم الطور الأخير الذي كتب فيه (الإبانة) وعبر فيه عن تفضيله لعقيدة السلف ومنهجهم والتي كان الحامل لواءها حينذاك الإمام أحمد بن حنبل (١)، وكرر أيضًا مضمون عقيدته في كتابه (مقالات الإسلاميين) ناسبًا إياها لأهل السنة والحديث.
وجاء بعده الإمام الباقلاني فكان حريصًا على الانتساب إلى الإمام أحمد بن حنبل أيضًا حتى كان يكتب في بعض أجوبته محمد بن الطيب الحنبلي (٢) .
وأئمة الأشعرية بعده اتخذوا موقفًا مشابهًا أيضًا يثير الانتباه ويدعو لبحث هذه الظاهرة التي - إن دَلَّت على شيء - فإنها تدل على الإخلاص في البحث عن الحقيقة من جهة، كما يدل من جهة أخرى على أن لا سبيل إلى معرفة أصول الدين إلا من مصادره في الكتاب والسنة.
فها هو إمام الحرمين الجويني في كتابه (الرسالة النظامية) يشير إلى اختلاف مسالك العلماء في هذه الظواهر، فرأى بعضهم تأويلها، والتزم ذلك في آي الكتاب وما يصح من السنن وذهب أئمة السلف إلى الكف عن التأويل، وإجراء الظواهر على مواردها، وتفويض معانيها إلى الرب. ثم يصرح بأن الذي يرتضيه رأيًا، ويدين لله به عقدًا، اتباع سلف الأمة، مبرهنًا على ذلك بأن الدليل السمعي القاطع في ذلك أن إجماع الأمة حجة متبعة، وهو مستند الشريعة وقد درج صحب رسول الله - ﷺ - على ترك التعرض لمعانيها ودرك ما بها وهم صفوة الإسلام. والمستقلون بأعباء الشريعة كانوا لا يألون جهدًا في ضبط قواعد الملة، والتواصي بحفظها، وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها. فلو كان تأويل هذه الظواهر مشروعًا أو محتومًا لأوشك أن
_________________
(١) ينظر تعليق الأستاذ محب الدين الخطيب على كتاب (المنتقى) للذهبي ص ٤٣ ط السلفية ١٣٧٤ هـ.
(٢) ابن تيمية: موافقة ج ٢ ص ٩، ٥١.
[ ١٩٧ ]
يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة. وإذْ ثبت عنهم الإضراب عن التأويل كان ذلك هو الوجه المتبع فحق على كل ذي دين أن يعتقد تنزيه الباري عن صفات المحدثين، ولا يخوض في تأويل المشكلات، ويكل معناها إلى الرب فليجر آية الاستواء، والمجيء، وقوله: (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) [ص: الآية: ٧٥] (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ) [الرحمن، الآية: ٢٧] وقوله: (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا) [القمر، الآية: ١٤] وما صح من أخبار الرسول - ﷺ - كخبر النزول وغيره على ما ذكرنا.
ويعضد ذلك ما ذهب إليه في كتابه (غياث الأمم) فبالرغم من أن الكتاب مخصص لعرض الفقه السياسي الإسلامي وآرائه في منصب الخلافة أو الإمامة، فقد حرص في باب (تفضيل ما إلى الأئمة والولاة) على أن ينص على أحد مهام الخليفة على صرف المسلمين عن الخوض في المشكلات الكلامية وتوجيههم إلى طريقة السلف فقال في هذا الصدد: (والذي أذكره الآن لائقًا لمقصود هذا الكتاب، أن الذي يحرص الإمام فيه على جمع عامة الخلق على مذاهب السلف السابقين، قبل أن نبغت الأهواء وزاغت الآراء، وكانوا ﵃، ينهون عن التعرض للغوامض والتعمق في المشكلات.. إلى أن يقول: وما كانوا ينكفون ﵃ عما تعرض له المتأخرون عن عي وحصر، وتبلّد في القرائح هيهات! قد كانوا أذكى الخلائق أذهانًا وأرجحهم بيانًا) (١) .
ورأي الغزالي أيضًا في علم الكلام مدون في كتبه معروف مشهور لا سيما (الإحياء) فقد قال فيه: (وأما منفعته فقد يظن أن فائدته كشف الحقائق ومعرفتها على ما هي عليه، وهيهات فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف، ولعل التخبيط والتضليل فيه أكبر من الكشف والتعريف) وإلى نفس المعنى يذهب في كتابه (المنقذ من الضلال) فذم علم الكلام أيضًا وقال بأن أدلته لا تفيد اليقين. وفي كتابه (التفرقة بين الإيمان والزندقة)، صرح بتحريم الخوض فيه فقال: (لو تركنا المداهنة لصرحنا بأن الخوض في هذا العلم حرام) . ومات الغزالي على خير أحواله، مات على
_________________
(١) الجويني: غياث الأمم فى التياث الظلم ص ١٤٠، ١٤١ تحقيق د. مصطفى حلمي ود. فؤاد عبد المنعم ط دار الدعوة بالإسكندرية سنة ١٤٠٠ هـ.
[ ١٩٨ ]
الصحيحين، صحيح البخاري وصحيح مسلم، طالبًا علم الحديث، فتحول من الكلام إلى طلب السنة من مصادرها الصحيحة.
أما الرازي - وهو المعبر عن المذهب الأشعري في مرحلته الأخيرة حيث خلط الكلام بالفلسفة، فقد نبه في أواخر عمره إلى ضرورة اتباع منهج السلف، وأعلن أنه أسلم المناهج بعد أن دار دورته في طرق علم الكلام والفلسفة، فقال في النهاية: (لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلًا ولا تروي غليلًا، ورأيت أقرب الطرق القرآن أقرأ في الإثبات (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه،: ٥] و(إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) [فاطر، الآية: ١٠] وأقرأ في النفي (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى، الآية: ١١] (وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا) [طه، الآية: ١١٠] (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) [مريم، الآية: ٦٥] ثم قال: (من جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي)، وكان يتمثل كثيرا الأبيات التالية:
نهاية إقدام العقول عقال وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا له فيه قيل وقالوا (١)
وقال في وصيته: (أحمد الله بالمحامد التي ذكره بها أفضل ملائكته فى أشرف أوقات معارجهم، ونطق بها أعظم أنبيائه في أكمل أوقات مشاهدتهم، بل أقول ذلك من تاريخ الحدوث والإمكان، فأحمده بالمحامد التي يستحقها لإلهيته ويستوجبها لكمال إلاهيته، عرفتها أو لم أعرفها، لأنه لا مناسبة للتراب مع جلال رب الأرباب) إلى قوله: (ولقد اختبرت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن العظيم، لأنه يسعى في تسليم العظمة والجلال بالكلية لله تعالى ويمنع من التعمق في إيراد المعارضات والمناقضات، وما ذلك إلا للعلم بأن العقول البشرية تتلاشى وتضمحل في تلك المضايق العميقة والمناهج الخفية) وذكر في وصيته أيضًا أنه يدين لله تعالى بدين محمد - ﷺ -، وسأل الله تعالى أن
_________________
(١) ابن الوزير اليماني: الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم ج ٢ ص ١٦٨ المطبعة السلفية بالقاهرة سنة ١٣٨٥ هـ.
[ ١٩٩ ]
يقبل منه هذه الجملة ولا يطالبه بالتفصيل (١) .
ونكتفي بهذا القدر لبيان النتائج التي توصل إليها أكبر أئمة المتكلمين في المدرسة الأشعرية، إذ تأكدوا بعد رحلة طويلة مع الكلام والخوض في قضاياه إلى نتائج حاسمة حيث وجدوا - كما ذكر الرازي - أن طريقة القرآن كافية شافية، وأن طريقة أهل الحديث موصلة إلى اليقين، داعية إلى الاطمئنان وثبات الإيمان.
تقييم ابن تيمية لشيوخ الأشاعرة:
يرى ابن تيمية أن شيوخ الأشاعرة أقرب إلى الإمام أحمد تحقيقًا وانتسابًا. أما تحقيقًا، فإن الأشاعرة أقرب إلى مذهب السلف وأهل الحديث في مسألتي القرآن والصفات.
كذلك فإن انتساب الأشعري وأصحابه إلى أحمد بن حنبل والمحدثين عمومًا ظاهرة واضحة في كتبهم (٢) ويقول: (ولهذا لما كان أبو الحسن الأشعري وأصحابه منتسبين إلى السنة والجماعة وكان منتحلًا للإمام أحمد ذاكرًا أنه مقتد به متبع سبيله. وكان بين أعيان أصحابه من الموافقة والمؤالفة لكثير من أصحاب الإمام أحمد ما هو معروف) (٣) .
_________________
(١) ابن الوزير اليماني: الروض الباسم. ج ٢ ص ١٦٨ وقد أورد نصوصًا كثيرة أخرى تثبت رجوع أئمة الكلام إلى طريقة السلف، فنقل عن القرطبي في شرح مسلم أيضًا أن الجويني كان يقول لأصحابه: يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ما تشاغلت به. وأوصى الكرابيسي قبل موته أتباعه بقوله: (عليكم بما عليه أهل الحديث، إني رأيت الحق معهم) وأورد قول أبي الوفاء بن عقيل لأصحابه: (لقد بالغت في الأصول طول عمري ثم عدت القهقرى إلى مذهب المكتب يعني الذين يكتبون الحديث ويشتغلون به) وأيضا قول الشهرستاني: (عليكم بدين العجائز فإنه أسنى الجوائز) والمصدر السابق ص ٩٦٨ - ١٦٩. وانظر أيضًا نص الوصية التي أوردها الدكتور علي محمد حسن العماري في كتابه (الإمام فخر الدين الرازي حياته وآثاره ص ٧٥ ط المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة ١٣٨٨ هـ ١٩٦٩ م) .
(٢) ابن تيمية: شرح العقيدة الأصفهانية ص ٦٨.
(٣) ابن تيمية - نقض المنطق ١٣٧.
[ ٢٠٠ ]
أما عن موقفه من الإمام أبي الحسن، فإن القارئ لكتبه يلمس أحيانًا رقة في نقده، وذلك بسبب أقوال الأشعري المؤيدة لمذاهب أهل الحديث والسنة في عدة مواضيع كالصفات والقدر والإمامة، وردوده على المعتزلة والشيعة والجهمية. ولذا يرى أنه ينبغي أن يعرف لهذا الإمام حقه وقدره عملًا بقول الله تعالى: (قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) كذلك فإن قيامه بنصرة مذهب أهل السنة في وجه أهل البدع وقهره للمخالفين يضعه في مرتبة المجاهدين (١) .
ومع أن شيخنا لا يعد أتباع المدرسة الأشعرية سلفيين خلَّصًا لأن المذهب السلفي بالمعنى الدقيق يلفظ استخدام الكلام المبتدع سواء على منهج المعتزلة أم بدفاع شيوخ الأشاعرة، إلا أنه يقر بوجود تقارب بين المذهبين كما قلنا، ويراه يكاد يلتحم عند المحدثين منهم خاصة: كابن عساكر (٥٧١ هـ)، والبيهقي (٤٥٨ هـ)، والنووي (٦٧٦ هـ) حيث غلب عندهم جانب الحديث عن الاتجاه الكلامي. ومن جهة أخرى، ينتسب إلى الحنابلة أيضًا من المتأخرين من يذهب إلى شيء من التأويل، كابن عقيل (٥١٣ هـ) وابن الجوزي (٥٩٧ هـ) (٢) كذلك فقد شذت منهم قلة - شأنهم في ذلك شأن أتباع المذاهب والفرق جميعًا - حيث اتفقت مع ابن حنبل في الفروع وخالفته في بعض الأصول قائلين بالجهة والجسمية ولكن (أحمد برئ منهم وأهل السنة والجماعة من الحنابلة لا يعدونهم منهم) (٣) .
وفي نقده للمحدثين، يرى أن ما يعيب بعض علماء الحديث يرجع إلى الحشو الناجم عن الاحتجاج بأحاديث ضعيفة أو موضوعة، أو ما لا يصح الاحتجاج به. أما القاعدة السليمة التي ينبغي على المحدثين التقيد بها حتى يسلم منهجهم من الأخطاء والحشو، فهي تتلخص في ضرورة توافر عاملين:
أحدهما: التثبت من صحة الحديث، والثاني: فهم معناه (٤) .
_________________
(١) نفس المصدر ١١.
(٢) صفي الدين الحنفي: القول الجلي في ترجمة شيخ الإسلام. ص ٢٥٣.
(٣) ن. م ١٢٧.
(٤) ابن تيمية: نقض المنطق ص ٢٢.
[ ٢٠١ ]
وهكذا استطاع ابن تيمية باستخدامه لمنهج (المعادلة والموازنة) أن يحدد مدى الاقتراب والابتعاد عن طريقة السلف، محاولًا البرهنة على أن المحدثين الذين تنسحب الشروط السالف الإشارة إليها عليهم - هم الممثلون الحقيقيون لشيوخ السلف لأنهم (اعتمدوا في دينهم على استنباط النصوص، لا على خيال فلسفي، ولا رأي قياسي ولا غير ذلك من الآراء المبتدعات) (١) .
أما سبب ذيوع المذهب الأشعري في رأي شيخ الإسلام فيرجع إلى العوامل
الآتية:
أولًا: كثرة الحق الذي يقولونه وظهور الآثار النبوية عندهم.
ثانيًا: لبسهم ذلك لمقاييس عقلية ظنوا أنها صحيحة بينما هي في الواقع موروثة عن تيار خارجي من الفلسفة وغيرها، وظنوا أيضًا أنه لم يمكن التمسك بالآثار النبوية في مواجهة المعتزلة بهذا الوجه.
ثالثًا: ضعف الآثار النبوية في عصورهم الموضحة لسبيل الهدى.
رابعا: تقصير المنتسبين للسنة. ويحملهم ابن تيمية مسؤولية ما حدث ناقدًا لبعضهم بقوله: (إنهم تارة يروون ما لا يعلمون صحته وتارة يكونون كالأميين الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، ويعرضون عن بيان دلالة الكتاب والسنة على حقائق الأمور) (٢) .
طريقة السلف أعلم وأحكم:
وبعد، فإن الغالب على القضايا المتنازع عليها أصبحت لها الصبغة التاريخية لأن الاهتمامات الثقافية والعلمية والدينية حينذاك هي الدافعة لجعلها الأولى بالبحث والمناقشة، ولكن لهذه القضايا نفسها جانبٌ ما زال يستحق الاهتمام والدراسة باعتباره يلقي الضوء على الصلة بين الاتجاهين النصي والعقلي، ولا يمكن تجاهل النقاش الدائر بينهما، فإن الإنسان بمكوناته العقلية والنفسية وثقافته المصطبغة أحيانًا بصبغة العصر الذي يعيش فيه، كل ذلك قد يؤثر عليه تأثيرًا كبيرًا عند تطلعه في
_________________
(١) نفس المصدر ٨١.
(٢) ابن تيمية: فتاوى ج ١٢ ص ٢٣.
[ ٢٠٢ ]
البحث عن الحقيقة التي ينشدها. وإذا خصصنا المسلم المعاصر بالحديث، فإننا نراه يقف أمام القرآن الحكيم والسنة النبوية أحد موقفين:
الأول: التأثر بالفلسفات السائدة والمناهج التي تجعل للعقل المكانة الأولى في نظرية المعرفة، ومن ثم يميل إلى المنهج الاعتزالي، وإن توسط في موقفه اختار المنهج الأشعري.
الثاني: وإما البحث عن المنهج الصحيح للعقيدة موقنًا بأنه من الخطأ العلمي والديني الانصراف عن الأصل الثاني للإسلام وهو الأحاديث النبوية الصحيحة في مصادرها، وما أكثرها وأوثقها.
وهنا ينبغي أيضًا الاسترشاد بطريقة علماء الحديث والسنة ومعرفة منهجهم في النظر والاستدلال لإثبات صحة أصول الدين.
وفي بحث كهذا محدود الهدف وموحد المنهج، رأينا توضيح التباين والتمايز بين الاتجاهين: المعتزلي والأشعري من ناحية، والسلفي من ناحية أخرى.
وقد تبين لنا أن المعتزلة اعتزلوا السنة والجماعة ووضعوا لأنفسهم أصولًا خمسة.
أما الأشاعرة فإنهم دافعوا عن عقيدة أهل السنة والجماعة وأعلنوا الانتماء إليهم. ولكنهم التزموا في منهجهم بصفة عامة بالمنهج الكلامي، بحجة التوفيق بين النصوص الشرعية والأحكام العقلية، وغلب عليهم تأويل النصوص الشرعية لتطويعها للأصول التي وضعها أهل الكلام قبلهم.
وإذا كانت دراستنا قد أوصلتنا إلى انتهاء أغلب أئمة الأشاعرة سلفيين، فإن ذلك يدل على اكتشافهم أن طريقة السلف هي الأعلم والأحكم، وعلينا الاستفادة من تجاربهم التي أمضوا فيها السنوات الطوال بحثًا وتفكيرًا وتأملًا ودراسةً، ويصبح من السرف أيضًا في الوقت والجهد، اتباع طريقتهم الكلامية قبل رجوعهم عنها، لا سيما ولدينا مؤلفات علماء الحديث والسنة بعدهم، أخلصوا في إظهار المنهج السلفي والدفاع عنه وبيان أنه يستند إلى الأدلة الشرعية العقلية.
وفي مقدمة هؤلاء يقف شيخ الإسلام ابن تيمية، وسنحاول عرض منهجه بإيجاز في الباب التالي.
[ ٢٠٣ ]