المبحث الأول: من عرف بالتشبيه وبيان أقوالهم
المبحث الأول: من عرف بالتشبيه وبيان أقوالهم
من المعلوم أن توحيد الأسماء والصفات له ضدان هما:
١- التعطيل ٢- التمثيل
ولذلك ذم السلف والأئمة، المعطلة النفاة للصفات، وذموا المشبهة أيضا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن السلف والأئمة كثر كلامهم في ذم الجهمية النفاة للصفات، وذموا المشبهة أيضا، وذلك في كلامهم أقل بكثير من ذم الجهمية، لأن مرض التعطيل أعظم من مرض التشبيه".
وتقوم عقيدة أهل التمثيل على دعواهم أن الله ﷿ لا يخاطبنا إلا بما نعقل، فإذا أخبرنا عن اليد فنحن لا نعقل إلا هذه اليد الجارحة، فشبهوا صفات الخالق بصفات المخلوقين، فقالوا له يد كيدي، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
لكن المشبهة لا يمثلون الخالق بالمخلوق من كل وجه وإنما قالوا بإثبات التماثل من وجه والاختلاف من وجه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "مع أن مقالة المشبهة الذين يقولون: يد كيدي، وقدم كقدمي، وبصر كبصري، مقالة معروفة، وقد ذكرها الأئمة كيزيد بن هارون، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهوية، وغيرهم وأنكروها وذموها، ونسبوها إلى مثل داود الجواربي البصري وأمثاله. ولكن مع هذا صاحب هذه المقالة لا يمثله بكل شيء من الأجسام، بل ببعضها ولابد مع ذلك أن يثبتوا التماثل من وجه، لكن إذا أثبتوا من التماثل ما يختص بالمخلوقات كانوا مبطلين على كل حال"١.
وأكثر من عرف بمقالة التشبيه:
_________________
(١) ١ درء تعارض العقل والنقل (٤/ ١٤٥) .
[ ١١٧ ]
أولا: قدماء الرافضة
فأول. من تكلم في التشبيه هم طوائف من الشيعة١ وإن التشبيه والتجسيم الخالف للعقل والنقل لا يعرف في أحد من طوائف الأمة أكثر منهم في طوائف الشيعة.
وهذه كتب المقالات كلها تخبر عن أئمة الشيعة المتقدمين من المقالات الخالفة للعقل والنقل في التشبيه والتجسيم بما لا يعرف نطره عن أحد من سائر الطوائف.
وقدماء الإمامية ومتأخروهم متناقضون في هذا الباب، فقدماؤهم غلو في التشبيه، التجسيم، ومتأخروهم غلو في النفي والتعطيل"٢.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فهذه المقالات التي نقلت في التشبيه والتجسيم لم نر الناس نقلوها عن طائفة من المسلمين أعظم مما نقلوها عن قدماء الرافضة. ثم الرافضة حرموا الصواب في هذا الباب كما حرموه في غبره، فقدماؤهم يقولون بالتجسيم الذي هو قول غلاة المجسمة، ومتأخروهم يقولون بتعطل الصفات موافقة لغلاة المعطلة من المعتزلة ونحوهم، فأقوال أئمتهم دائرة بين التعطيل والتمثيل، لم تعرف لهم مقالة متوسطة بين هذا وهذا"٣.
وأما قدماؤهم فهم:
_________________
(١) ١ نقض تأسيس الجهمية (١/ ٥٤)، ومنهاج السنة (٢/ ٢١٧) . ٢ منهاج السنة (٢/١٠٣) ٣ نقض تأسيس الجهمية (١/٥٤) ومنهاج السنة (٢/٢١٧)
[ ١١٨ ]
١- البيانية: من غلاة الشيعة وهم أتباع بيان بن سمعان التيمي الذي كان يقول: إن الله على صورة الإنسان وإنه يهلك كله إلا وجهه، وادعى بيان أن يدعو الزهرة فتجيبه، وأنه يفعل ذلك بالاسم الأعظم، فقتله خالد بن عبد الله القسري١
٢- المغيرية: وهم أصحاب المغيرة بن سعيد، ويزعمون أنه كان يقول إنه نبي وإنه اسم الله الأكبر وإن معبودهم رجل من نور على رأسه تاج، وله من الأعضاء والخلق مثل ما للرجل، وله جوف وقلب تنبع منه الحكمة، وإن حروف (أبي جاد) على عدد أعضائه، قالوا: والألف موضع قدمه لاعوجاجها، وذكر الهاء فقال: لو رأيتم موضعها منه لرأيتم أمرا عظيما يعرض لهم بالعورة وبأنه قد رآه، لعنه الله وأخزاه٢
٣- الهشامية: ويسمون بالهشامية نسبة إلى هشام بن الحكم الرافضي وأحيانا تنسب إلى هشام بن سالم الجواليقي وكلاهما من الإمامية المشبهة والجدير بالذكر أن الرافضة الإمامية كان ينتشر فيهم التشبيه وهذا في أوائلهم٣.
٤- الجواريية: أتباع داود الجواربي الذي وصف معبوده بأن له جميع أعضاء الإنسان إلا الفرج واللحية٤.
_________________
(١) ١ مقالات الإسلاميين (ص ٥)، منهاج السنة (٢/ ٥٠٢) . ٢ مقالات الإسلامين (ص٧) منهاج السنة (٢/٥٠٣-٥٠٤) ٣ شرح الأصفهانية (ص ٦٥) . ٤ الفرق يين الفرق (ص ٢٢٨)، مقالات الإسلاميين (١/ ١٨٣)، ودرء تعارض العقل والنقل (١٤٥/٤) .
[ ١١٩ ]
وقال: "اعفوني عن الفرج واللحية واسألوني عما وراء ذلك"١. تعالى الله عما يقوله علوا كبيرا.
وقال الأشعري في المقالات: "وقال داود الجواربي: إن الله جسم، وإن له جثة وإنه على صورة الإنسان له لحم ودم وشعر وعظم، له جوارح وأعضاء من يد ورجل ولسان ورأس وعينين، وهو مع هذا لا يشبه غيره ولا يشبهه غيره"٢. وحكي عن داود الجواربي أنه كان يقول: إنه أجوف من فيه إلى صدره مصمت ما سوى ذلك٣.
قال أبو الحسن الأشعري في كتاب " مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين ":
"اختلف الروافض وأصحاب الإمامة في التجسيم وهم ست فرق: فالفرقة الأولى: (الهشامية)، أصحاب هشام بن الحكم الرافضي. يزعمون أن معبودهم جسم، وله نهاية وخد، طويل، عريض، عميق طوله مثل عرضه، وعرضه مثل عمقه، لايوفي بعضه على بعض، وزعموا أنه نور ساطع، له قدر من الأقدار، في مكان دون مكان، كالسبيكة الصافية يتلألأ كاللؤلؤة المستديرة من جميع جوانبها، ذو لون وطعم، ورائحة ومجسمة، لونه هو طعمه، وطعمه هو رائحته" وذكر كلاما طويلا. وذكر عن هشام أنه قال في ربه في عام واحد خمسة أقاويل، زعم مرة أنه كالبلورة، وزعم مرة أنه كالسبيكة، وزعم مرة أنه غير صورة، وزعم مرة أنه بشبر نفسه سبعة أشبار ثم رجع عن ذلك وقال: هو جسم لا كالأجسام.
_________________
(١) ١ الملل والنحل للشهرستاني (١/ ١٠٥) . ٢ المقالات (١/ ٢٠٩) . ٣ منهاج السنة (٢/ ٦١٨) .
[ ١٢٠ ]
الفرقة الثانية: من الرافضة يزعمون أن ربهم ليس بصورة ولا كالأجسام، وإنما يذهبون في قولهم: إنه جسم، إلى أنه موجود، ولا يثبتون الباري ذا أجزاء مؤتلفة وأبعاض متلاصقة ويزعمون أن الله على العرش مستو بلا مماسة ولا كيف.
الفرقة الثالثة: من الرافضة يزعمون أن ربهم على صورة الإنسان، ويمنعون أن يكون جسما.
الفرقة الرابعة: من الرافضة (الهشامية) أصحاب هشام بن سالم الجواليقي يزعمون أن ربهم على صورة الإنسان وينكرون أن يكون لحما ودما ويقولون هو نور ساطع يتلألأ بياضا، وأنه ذو حواس خمس كحواس الإنسان، له يد ورجل، وأنف، وأذن، وعين، وفم، وأنه يسمع بغير ما ييصر به وكذلك سائر حواسه متغايرة عنده، وحكى أبو عيسى الوراق أن هشام بن سالم كان يزعم أن لربه وفرة١ سوداء وأن ذلك نور أسود.
الفرقة الخامسة: يزعمون أن لرب العالمين ضياء خالصا، ونورا بحتا، وهو كالمصباح الذي من حيث جئته يلقاك بأمر واحد، وليس بذي صورة ولا أعضاء، ولا اختلاف في الأجزاء، وأنكروا أن يكون على صورة الإنسان أو على صورة شيء من الحيوان.
الفرقة السادس: من الرافضة يزعمون أن ربهم ليس بجسم ولا بصورة ولا يشبه الأشياء ولا يتحرك ولا يسكن ولا يماس، وقالوا في التوحيد بقول المعتزلة
_________________
(١) ١ الوفرة، الشعر المجتمع على الرأس، أو ما سال على الأذنين، أو ما جاوز شحمة الأذن. المصباح المنير ص ٦٦٧ مادة: وفر.
[ ١٢١ ]
والخوارج، وهؤلاء قوم من متأخريهم، فأما أوائلهم فإنهم كانوا يقولون ما حكينا عنهم من التشبيه.
قال شيخ الإسلام: "وأما متأخروهم من عهد بني بويه ونحوهم من أوائل المائة الرابعة ونحو ذلك فإنهم صار فيهم من يوافق المعتزلة في توحيدهم وعدلهم"١.
وقال أيضا: "وكتب الشيعة مملوءة بالاعتماد في ذلك- يعني مسائل الصفات والقدر- على طرق المعتزلة وهذا كان في أواخر المائة الثالثة، وكثر في المائة الرابعة لما صنف لهم المفيد وأتباعه كالموسوي والطوسي. وأما قدماء الشيعة فالغالب عليهم ضد هذا القول، كما هو قول الهشامية وأمثالهما.
فالرافضة الإمامية وكذلك الزيدية على عقيدة المعتزلة في مسائل الصفات إلى يومنا هذا.
ثانيا: غلاة المتصوفة
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "قال الأشعري: وفي الأمة قوم ينتحلون النسك، يزعمون أنه جائز على الله تعالى الحلول في الأجسام، وإذا رأوا شيئا يستحسنونه قالوا: لا ندري، لعله ربنا.
ومنهم من يقول: إنه يرى الله في الدنيا على قدر الأعمال، فمن كان عمله أحسن رأى معبوده أحسن.
ومنهم من يجوز على الله تعالى المعانقة والملامسة والمجالسة في الدنيا، ومنهم
_________________
(١) ١ نقض تأسيس الجهمية (١/ ٥٤) .
[ ١٢٢ ]
من يزعم أن الله تعالى ذو أعضاء وجوارح وأبعاض: لحم ودم على صورة الإنسان له ما للإنسان من الجوارح.
وكان من الصوفية رجل يعرف بأبي شعيب يزعم أن الله يسر ويفرح بطاعة أوليائه، ويغتم ويحزن إذا عصوه.
وفي النساك قوم يزعمون أن العبادة تبلغ بهم إلى منزلة تزول عنهم فيها العبادات وتكون الأشياء المحظورات على غيرهم- من الزنا وغيره- مباحات لهم. وفيهم من يزعم أن العبادة تبلغ بهم إلى أن يروا الله، ويأكلوا من ثمار الجنة، ويعانقوا الحور العين في الدنيا ويحاربوا الشياطين.
ومنهم من يزعم أن العبادة تبلغ بهم إلى أن يكونوا أفضل من النبيين والملائكة المقربين١.
قلت: هذه المقالات التي حكاها الأشعري- وذكروا أعظم منها- موجودة في الناس قبل هذا الزمان. وفي هذا الزمان منهم من يقول بحلوله في الصور الجميلة، ويقول إنه بمشاهدة الأمرد يشاهد معبوده أو صفات معبوده أو مظاهر جماله، ومن هؤلاء من يسجد للأمرد. ثم من هؤلاء من يقول بالحلول والاتحاد العام، لكنه يتعبد بمظاهر الجمال، لما في ذلك من اللذة له، فيتخذ إلهه هواه، وهذا موجود في كثير من المنتسبين إلى الفقر والتصوف. ومنهم من يقول إنه يرى الله مطلقا ولا يعين الصورة الجميلة، بل يقولون إنهم يرونه في صور مختلفة. ومنهم من يقول إن المواضع الخضرة خطا عليها، وإنما اخضرت من وطئه عليها، وفي ذلك حكايات متعددة يطول وصفها. وأما القول بالإباحة وحل المحرمات- أو بعضها- للكاملين في العلم والعبادة فهذا
_________________
(١) ١ مقالات الإسلاميين ص ٢٨٨- ٢٨٩)
[ ١٢٣ ]
أكثر من الأول، فإن هذا قول أئمة الباطنية القرامطة الإسماعيلية وغير الإسماعيلية وكثير من الفلاسفة، ولهذا يضرب بهم المثل فيقال: فلان يستحل دمي كاستحلال الفلاسفة محظورات الشرائع، وقول كثير ممن ينتسب إلى التصوف والكلام، وكذلك من يفضل نفسه أو متبوعه على الأنبياء، موجود كثير في الباطنية والفلاسفة وغلاة المتصوفة وغيرهم، وبسط الكلام على هذا له موضع آخر.
ففي الجملة هذه مقالات منكرة باتفاق علماء السنة والجماعة، وهي- وأشنع منها- موجودة في الشيعة.
وكثير من النساك يظنون أنهم يرون الله في الدنيا بأعينهم، وسبب ذلك أنه يحصل لأحدهم في قلبه بسبب ذكر الله تعالى وعبادته من الأنوار ما يغيب به عن حسه الظاهر، حتى يظن أن ذلك شيء يراه بعينه الظاهرة، وإنما هو موجود في قلبه.
ومن هؤلاء من تخاطبه تلك الصورة التي يراها خطاب الربوبية ويخاطبها أيضا بذلك، ويظن أن ذلك كله موجود في الخارج عنه، وإنما هو موجود في نفسه، كما يحصل للنائم إذا رأى ربه في صورة بحسب حاله. فهذه الأمور تقع كثيرا في زماننا وقبله، ويقع الغلط منهم حيث يظنون أن ذلك موجود في الخارج. وكثير من هؤلاء يتمثل له الشيطان، ويرى نورا أو عرشا أو نورا على العرش، ويقول أنا ربك. ومنهم من يقول: أنا نبيك، وهذا قد وقع لغير واحد. ومن هؤلاء من تخاطبه الهواتف بخطاب على لسان الإلهية أو غير ذلك، ويكون الخاطب له جنيا، كما قد وقع لغير واحد. لكن بسط الكلام على ما يرى ويسمع وما هو في النفس والخارج، وتمييز حقه من باطله ليس هذا
[ ١٢٤ ]
موضعه، وقد تكلمنا عليه في غير هذا الموضع.
وكثير من الجهال أهل الحال وغيرهم يقولون: إنهم يرون الله عيانا في الدنيا وأنه يخطو خطوات"١.
"فأدخلوا في ذلك من الأمور ما نفاه الله ورسوله، حتى قالوا: إنه يرى في الدنيا بالأبصار، ويصافح، ويعانق، وينزل إلى الأرض، وينزل عشية عرفة راكبا على جمل أورق يعانق المشاة ويصافح الركبان، وقال بعضهم: إنه يندم ويبكى ويحزن، وعن بعضهم أنه لحم ودم، ونحو ذلك من المقالات التي تتضمن وصف الخالق ﷻ بخصائص المخلوقين.
والله سبحانه منزه عن أن يوصف بشيء من الصفات المختصة بالمخلوقين، وكل ما اختص بالمخلوق فهو صفة نقص، والله تعالى منزه عن كل نقص ومستحق لغاية الكمال، وليس له مثل في شيء من صفات الكمال، فهو منزه عن النقص مطلقا، ومنزه في الكمال أن يكون له مثل، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ الإخلاص: (١-٤) فبين أنه أحد صمد، واسمه الأحد يتضمن نفي المثل، واسمه الصمد يتضمن جميع صفات الكمال، كما قد بينا ذلك في الكتاب المصنف في تفسير قل هو الله أحد"٢.
وهذه النقول توضح بجلاء تخبط بعض المتصوفة في هذا الباب، وهذا الشر إنما دخل على أكثرهم بسبب المنهج الباطني الذي تقوم عليه المبادئ الصوفية والتي يهمل فيها الجانب العلمي المعتمد على النصوص الشرعية، فالتصوف
_________________
(١) ١ منهاج السنة (٢/ ٦٢٢- ٦٢٥) ٢ منهاج السنة (٢/ ٥٢٨- ٥٣٠) .
[ ١٢٥ ]
في مبادئه يفوق على الجانب العملي المنحرف عن نصوص الوحي، والمعتمد على بعض الرياضات النفسية والجسمية التي أحدثها أرباب هذا المنهج، والتي يتولد عنها الكثير من الأمور الفاسدة، كزعمهم رؤية الله عيانا وسقوط الشرائع والأحكام عنهم وغير ذلك مما تقدم ذكر،. وذلك في حقيقته إنما هو من استدراج الشيطان فهو الذي يخيل لهم مثل تلك. الأمور، ولو كان هؤلاء فقه في دين الله ومعرفة للنصوص لعلموا أن ذلك، لا صحة له.
[ ١٢٦ ]
المبحث الثاني: من نسب إلى التشبيه
المطلب الأول: الفرق بين التشبيه والتجسيم
المطلب الأول: الفرق بين التشبيه والتجسيم
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وفي الجملة الكلام في التمثيل والتشبيه ونفيه عن الله مقام، والكلام في التجسيم ونفيه مقام آخر.
فإن الأول دل على نفيه الكتاب والسنة وإجماع السلف والأئمة، واستفاض عنهم الإنكار على المشبهة الذين يقولون: يد كيدي، وبصر كبصري، وقدم كقدمي.
وقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ الشورى: ١١، وقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ الإخلاص: ٤،، وقال: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ مريم: ٦٥، وقال تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ البقرة: ٢٢، وأيضا فنفي ذلك معروف بالدلائل العقلية التي لا تقبل النقيض، وأما الكلام في الجسم والجوهر، ونفيهما أو إثباتهما، فبدعة ليس لها أصل في كتاب الله ولا سنة رسوله، ولا تكلم أحد من السلف والأئمة بذلك نفيا ولا إثباتا. والنزاع بين المتنازعين في ذلك: بعضه لفظي، وبعضه معنوي. أخطأ هؤلاء من وجه وأخطأ هؤلاء من وجه.
فإن كان النزاع مع من يقول: هو جسم أو جوهر، إذا قال: لا كالأجسام ولا كالجواهر، وإنما هو في اللفظ.
فمن قال: هو كالأجسام والجواهر، يكون الكلام معه بحسب ما يفسره من المعنى.
فإن فسر ذلك بالتشبيه الممتنع على الله تعالى، كان قوله مردودا.
[ ١٢٩ ]
وذلك بأن يتضمن قوله إثبات شيء من خصائص المخلوقين لله، فكل قول تضمن هذا فهو باطل.
وإن فسر قوله: جسم لا كالأجسام واثبات معنى آخر، مع تنزيه الرب عن خصائص المخلوقين، كان الكلام معه في ثبوت ذلك المعنى وانتفائه.
فلابد أن يلحظ في هذا إثبات شيء من خصائص المخلوقين للرب أولا وذلك مثل أن يقول: أصفه بالقدر المشترك بين سائر الأجسام والجواهر، كما أصفه بالقدر المشترك أنه وبين سائر الموجودات، وبين كل حي عليم سميع بصير، وإن كنت لا أصفه بما تختص به المخلوقات، وإلا فلو قال الرجل: هو حي لا كالأحياء، وقادر لا كالقادرين، وعليم لا كالعلماء، وسميع لا كالسمعاء، وبصير لا كالبصراء، ونحو ذلك، وأراد بذلك نفي خصائص المخلوقين، فقد أصاب.
وإن أراد نفي الحقيقة التي للحياة والعلم والقدرة ونحو ذلك، مثل أن يثبت الألفاظ وينفي المعنى الذي أثبته الله لنفسه، وهو من صفات كماله، فقد أخطأ.
إذا تبين هذا فالنزاع بين مثبتة الجوهر والجسم ونفاته، يقع من جهة المعنى في شيئين: أحدهما: أنهم متنازعون في تماثل الأجسام والجواهر على قولين معروفين.
فمن قال بتماثلها، قال: كل من قال: إنه جسم لزمه التمثيل.
ومن قال إنها لا تتماثل، قال: إنه لا يلزمه التمثيل.
ولهذا كان أولئك يسمون المثبتين للجسم مشبهة، بحسب ما ظنوه لازما لهم، كما يسمى نفاة الصفات لمثبتيها مشبهة ومجسمة، حتى سموا جميع
[ ١٣٠ ]
المثبتة للصفات مشبهة ومجسمة وحشوية، وغثاء، وغثراء، ونحو ذلك بحسب ما ظنوه لازما لهم.
لكن إذا عرف أن صاحب القول لا يلتزم هذه اللوازم، لم يجز نسبتها إليه على أنها قول له، سواء كانت لازمة في نفس الأمر أو غير لازمة، بل إن كانا لازمة مع فسادها، دل على فساد قوله"١.
ومن كلام شيخ الإسلام هذا يفهم الفرق يين اللفظين، فلفظ التمثيل والتشبيه نفيه ثابت في الكتاب والسنة وإجماع السلف والأئمة.
أما لفظ التجسيم فإنه من الألفاظ المحدثة التي لابد من الاستفصال عن مراد صاحبها قبل الحكم عليها كما بين شيخ الإسلام هنا.
ويترتب على ذلك أن بعض الفرق التي رميت بالتجسيم قد لا يكون مقصودها التشبيه والتمثيل المذموم ولذلك لا يصح رميها بالتمثيل والتشبيه، فهي لا تذم من هذا الوجه، وإن كان الذم قد يلحقها من وجه آخر كتوسعها في استعمال هذه الألفاظ المحدثة، وهذا ما سيأتي بيانه في المطلب التالي.
_________________
(١) ١ درء تعارض العقل والنقل ٤/١٤٥-١٤٨
[ ١٣١ ]
المطلب الثاني: من نسب إلى التشبيه
أ- الكرامية١ هم أتباع محمد بن كرام بن عراق بن حزبة السجستاني المتوفى سنة (٢٥٥هـ) .
وهم في باب الصفات يثبتونها ولكنهم خالفوا أهل السنة في مسألتين:
المسألة الأولى: أنهم يبالغون في الإثبات ويخوضون في شأن الكيفية، ودخل عليهم ذلك، من جهة إطلاقهم لألفاظ مبتدعة كلفظ (الجسم)، و(المماسة) . ومن بدع الكرامية أنهم يقولون في المعبود إنه جسم لا كالأجسام٢. ومن بدعهم قولهم: إن الأزلي الخالق جسم لم يزل ساكنا٣.
ويقولون: إن الله جسم قديم أزلي، وإنه لم يزل ساكنا ثم تحرك لما خلق
_________________
(١) ١ يبلغ عدد طوائف الكرامية اثنتي عشرة فرقة وأصولها ستة هي:
(٢) العابدية، ٢- النونية، ٣- الزرينية، ٤- الإسحاقية، ٥- الواحدية، ٦- الهيصمية. (وهم في باب الإيمان مرجئة يقولون: إن الإيمان هر القول فقط فمن تكلم به فهو مؤمن كامل الإيمان، لكن إن كان مقرا بقلبه كان من أهل الجنة، وإن كان مكذبا بقلبه كان منافقا مؤمنا من أهل النار، وبعض الناس يحكي عنهم أنه من تكلم به بلسانه دون قلبه فهو من أهل الجنة وهو غلط عليهم، بل يقولون إنه مؤمن كامل الإيمان وانه من أهل النار) . انظر مجموع الفتاوى (١٣/ ٥٦) . وانظر الكلام عن الكرامية في الفصل لابن حزم (٤/٤٥،٢٠٤،٢٠٥)، لسان الميزان (٥/ ٣٥٣-٣٥٦)، والفرق بين الفرق (ص ٣ ١- ١٣٧)، والملل والنحل (١/١٨٠-١٩٣) . ٢ لسان الميزان (٥/ ٣٥٤) . ٣ درء تعارض العقل والنقل (٣/ ٦) .
[ ١٣٢ ]
العالم، ويحتجون على حدوث الأجسام المخلوقة بأنها مركبة من الجواهر المفردة، فهي تقبل الاجتماع والافتراق، ولا تخلو من اجتماع وافتراق، وهي أعراض حادثة لا تخلو منها، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث.
وأما الرب فهو عندهم واحد لا يقبل الاجتماع والافتراق، ولكنه لم يزل ساكنا. والسكون عندهم أمر عدمي، وهو عدم الحركة عما من شأنه أن يتحرك، كما يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة. وهؤلاء يقولون: إن الباري لم يزل خاليا من الحوادث حتى قاما به، بخلاف الأجسام المركبة من الجواهر المفردة، فإنها لا تخلو من الاجتماع والافتراق١.
ويقولون: إن الصفات والأفعال لا تقوم إلا بجسم، ويجوزون وجود جسم ينفك من قيام الحوادث به ثم يحدث فتقوم به بعد ذلك٢.
ويقول ابن كرام: إن الله مماس للعرش من الصفحة العليا٣.
ويقول كذلك: له حد من الجانب الذي ينتهي إلى العرش ولا نهاية له٤. وقد غالى أتباع ابن كرام في شأن الكيفية فزعم بعضهم أنه تعالى على بعض أجزاء العرش. وادعى بعضهم أن العرش امتلأ به بحيث لا يزيد على عرشه من جهة المماسة، ولا يفضل منه شيء على العرش٥.
_________________
(١) ١ درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٢٢٧) . ٢ المصدر السابق (٥/ ٢٤٦) . ٣ الفرق بين الفرق (ص ٩٨ ١)، والملل والنحل (١/١٠٨-١٠٩) ٤ الملل والنحلل (١/١٠٩)
[ ١٣٣ ]
المسألة الثانية: إن الكرامية يثبتون الصفات بما فيها أن الله تعالى تقوم به الأمور التي تتعلق بمشيئته وقدرته، ولكن ذلك عندهم حادث بعد أن لم يكن، أنه يصير موصوفا بما يحدث بقدرته ومشيئته بعد أن لم يكن كذلك، وقالوا: لا يجوز أن تتعاقب عليه الحوادث، ففرقوا في الحوادث بين تجددها ولزومها، فقالوا بنفي لزومها دون حدوثها.
فعندهم أن الله يتكلم بأصوات تتعلق بمشيئته وقدرته، وأنه تقوم به الحوادث المتعلقة بمشيئته وقدرته، لكن ذلك حادث بعد أن لم يكن، وأن الله في الأزل لم يكن متكلما إلا بمعنى القدرة على الكلام، وأنه يصير موصوفا بما يحدث بقدرته ومشيئته بعد أن لم يكن كذلك١
ومعلوم أن عقيدة السلف تقوم على إثبات جميع الصفات الذاتية منها والفعلية، وأثبتوا أن الله متصف بذلك أزلا، وأن الصفات الناشئة عن الأفعال موصوف بها في القدم، وإن كانت المفعولات محدثة٢.
٢- مقاتل بن سليمان٣.
_________________
(١) ١ انظر مجموع الفتاوى (٦/٥٢٤-٥٢٥)، ودرء تعارض العقل والنقل (٢/٧٦) ٢انظر مجموع الفتاوى (٦/١٤٩ ٥٢٠-٥٢٥) ٣ هو أبو الحسن مقاتل بن سليمان بن بشير، الأزدي بالولاء، البلخي، الخراساني، المروزي، أصله من بلخ وانتقل إلى البصرة ودخل بغداد وحدث بها. ذكره الذهبي في آخر ترجمة ابن حيان (تذكرة الحفاظ ١/ ١٧٤) وقال: (فأما مقاتل بن سليمان المفسر فكان في هذا الوقت، وهو متروك الحديث، وقد لطخ بالتجسيم مع أنه كان من أوعية العلم بحرا في التفسير) . وقد توفي بالبصرة سنة (١٥٠هـ) وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب (١٠/ ٢٧٩- ٢٨٥)، ميزان الاعتدال (٣/ ١٩٦-١٩٧)، تاريخ بغداد (١٣/١٦٠-١٦٩) وفيات الأعيان (٤/ ٣٤١- ٣٤٣) .
[ ١٣٤ ]
نسب إلى مقاتل بن سليمان المفسر أنه من المشبهة وذكروا أنه هو الذي قال فيه الإمام أبو حنيفة: أتانا من المشرق رأيان خبيثان؟ جهم معطل، ومقاتل مشبه"١ وقال ابن حبان: "كان يأخذ من اليهود والنصارى من علم القرآن الذي وافق كتبهم، وكان يشبه الرب بالمخلوقات وكان يكذب في الحديث"٢. وقال أبو الحسن الأشعري في "المقالات": "وقال داود الجواربي ومقاتل بن سليمان: إن الله جسم وإنه جثة على صورة الإنسان لحم ودم وشعر وعظم له جوارح وأعضاء من يد ورجل ولسان وعينين وهو مع هذا لا يشبه غيره ولا يشبهه غيره"٣.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما مقاتل فالله أعلم بحقيقة حاله. والأشعري ينقل هذه المقالات من كتب المعتزلة، وفيهم انحراف على مقاتل ابن سليمان، فلعلهم زادوا في النقل عنه، أو من نقلوا عنه، أو نقلوا عن غير ثقة، وإلا فما أظنه يصل إلى هذا الحد. وقد قال الشافعي: من أراد التفسير فهو عيال على مقاتل٤، ومن أراد الفقه فهو عيال على أبي حنيفة. ومقاتل بن سليمان وان لم يكن ممن يحتج به في الحديث- بخلاف مقاتل بن حيان فإنه ثقة- لكن لا ريب في علمه في التفسير وغيره وإطلاعه، كما أن أبا حنيفة
_________________
(١) ١ لسان الميزان (١٠/ ٢٨١) . ٢ ميزان الاعتدال (٤/١٧٥) ٣ المقالات (ص ٢٠٩) . ٤ وجاء في "وفيات الأعيان" في ترجمة مقاتل بن سليمان: "حكي عن الإمام الشافعي ﵁ أنه قال: الناس كلهم عيال على ثلاثة، على مقاتل بن سليمان في التفسير، وعلى زهير بن أبي سلمى في الشعر، وعلى أبي حنيفة في الكلام"وفيات الأعيان (٣٤١١٤) .
[ ١٣٥ ]
الخاتمة
دين الله وسط يين الغالي فيه والجافي عنه، وقد عرف عن أهل السنة وسطتهم في جميع أمور الدين بما في ذلك مسائل العقيدة، والتي من بين أهم مسائلها مسألة الإيمان بأسماء الله وصفاته.
وقد تبين من خلال ما تقدم عرضه في ثنايا البحث وسطية أهل السنة في هذا الباب بين الغلاة من المشبهة، والجفاة من المعطلة. الأمر الذي يشهد لمنهج أهل السنة والجماعة بأنه المنهج الأسلم والأعلم والأحكم، وذلك لموافقته لنصوص الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح من هذه الأمة.
وبحمد الله كان متمسك أهل السنة في هذا الباب وغيره من مسائل الدين بهذه الأصول الثابتة التي بها يفصل النزاع يين الناس، فالناس لا يفصل بينهم النزاع إلا الشرع المنزل، فلا يمكن الفصل بينهم بالرد إلى عقولهم وأهوائهم إذ لكل واحد منهم عقله وهواه، ولو تركوا لعقولهم لزعم كل واحد منهم أن عقله أداه إلى ما ينازعه فيه الآخر.
ومن المعلوم أن العقل المجرد لا يمكنه إدراك ما يستحقه الله تعالى من الأسماء والصفات على وجه التفصيل، فوجب الرجوع في علم ذلك على النصوص القرآن والسنة.
فمن فضل الله ونعمته أن تعرف لعباده عن طريق ما أخبر به من أسمائه وصفاته الواردة في القرآن والسنة، فهما مليئان بالنصوص الصريحة الدالة على أسمائه وصفاته، وتلك النصوص هي من الوضوح والكثرة بمكان بحيث يستحيل إنكارها وتأويلها والتلاعب بنصوصها.
وكلما ازداد المسلم إطلاعا ومعرفة بتلك النصوص وما دلت عليه، لم يزده إنكار أهل الباطل لها إلا احتقارا لهم ويقيئا بفساد معتقدهم وبطلانه.
[ ١٣٩ ]
ولقد- جاءت رسالة النبي صلى الله ﷺ بإثبات الأسماء والصفات إثباتا مفصلا على وجه أزال الشبهة وكشف الغطاء، وحصل العلم اليقيني، ورفع الشك والريب فثلجت له الصدور، واطمأنت به القلوب، واستقر الإيمان في نصابه ففصلت الأسماء والصفات والنعوت والأفعال أعظم من تفصيل الأمر والنهي وقررت إثباتها أكمل تقرير في أبلغ لفظ.
وهذه الأصول الكلية هي التي ميزت عقيدة أهل السنة عن عقائد خصومهم فضمنت لهم بحمد الله صحة المعتقد وسلامة المنهج. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لابد أن يكون مع الإنسان أصول كلية يرد إليها الجزئيات ليتكلم بعلم وعداد، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت، وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات وجهل وظلم في الكليات فيتولد فساد عظيم"١.
وما ضل من ضل في هذا الباب وغيره إلا بتركه لتلك الأصول الكلية التي يجب الرجوع إليها في جميع مسائل الدين كبيرها وصغيرها، فالسعيد من لزم السنة وتمسك بكتاب الله وسنة نبيه محمد ﷺ وفهم السلف الصالح. قال الإمام أحمد: "اعلم رحمك الله أن الخصومة في الدين ليست من طريق أهل السنة، وأن تأويل من تأول القرآن بلا سنة تدل على معنى ما أراد الله منه، أو أثر عن أصحاب رسول الله ﷺ، ويعرف ذلك بما جاء عن النبي ﷺ أو عن أصحابه، فهم شاهدوا النبي ﷺ، وشهدوا تنزيله، وما قصه الله له في القرآن، وما عنى به، وما أراد به أخاص هو أم هو عام.
فأما من تأوله على ظاهره بلا دلالة من رسول الله ﷺ ولا أحد من الصحابة
_________________
(١) ١ منهاج السنة ٥/ ٨٣.
[ ١٤٠ ]
فهذا تأويل أهل البدع؟ لأن الآية قد تكون خاصة ويكون حكمها حكما عاما ويكون ظاهرها على العموم، وإنما قصدت لشيء بعينه، ورسول الله صلى اله عليه وسلم هو المعبر عن كتاب الله وما أراد، وأصحابه أعلم بذلك منا، لمشاهدتهم الأمر وما أريد بذلك"١
فهذه العبارة وما حوته من قواعد رسمت منهج أهل السنة والجماعة، ذلك المنهج الذي لم يتغير باختلاف المسائل ومرور العصور وتعدد الأجيال. فالحمد لله الذي هدانا لهذا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
_________________
(١) ١ كتاب الإيمان لابن تيمية ص (٣٧٣- ٣٧٤) .
[ ١٤١ ]