١١١٣ - وَلَقَدْ أتانَا عشْرُ أنواعٍ منَ الـ ـمَنْقُولِ فِي فوقِيَّةِ الرَّحْمنِ
١١١٤ - مَعَ مِثْلِهَا أيضًا تزيدُ بواحِدٍ ها نحنُ نَسرُدُهَا بلَا كِتْمانِ
١١١٥ - مِنها اسْتواءُ الرَّبِّ فوقَ العرْشِ فِي سبْعٍ أتتْ في مُحْكَمِ القُرْآنِ
_________________
(١) (*) من بداية هذا الفصل إلى البيت ٢٦١٥ من تحقيق ناصر بن يحيى الحنيني.
(٢) "سبحانه": ساقطة من ف. وفي ح، طت، طه: "تعالى".
(٣) انظر: التعليق على البيت ٥٨٦.
(٤) والآيات السبع التي يشير إليها الناظم، وذكر فيها استواء الله على عرشه هي:
(٥) قول الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
(٦) قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [يونس: ٣].
(٧) قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢)﴾ [الرعد: ٢].
(٨) قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]. =
[ ٢ / ٣٠٧ ]
١١١٦ - ولِذلِكَ اطَّرَدَتْ بِلَا "لَامٍ" ولَوْ كانتْ بمَعنى "اللام" في الأذْهَانِ
١١١٧ - لأتتْ بهَا في موضِع كىْ يُحْملَ الـ ـباقِي عليْها بالبَيَانِ الثَّانِي
١١١٨ - ونظيرُ ذَا إضْمارُهم في مَوضِعٍ حَمْلًا على المذكُورِ في التِّبْيَانِ
_________________
(١) قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)﴾ [الفرقان: ٥٩].
(٢) قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٤)﴾ [السجدة: ٤].
(٣) قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤)﴾ [الحديد: ٤].
(٤) كذا في الأصل وف. وفي غيرهما: "وكذلك".
(٥) والمعنى: أن لفظ "استوى" جاء في جميع المواضع في القرآن والسنة بهذا اللفظ، من غير زيادة "اللام" التي في: "استولى"، وهذا يدل على أنها على معناها حقيقة؛ إذ لو كانت بمعنى "استولى" لأتت صريحة بهذا اللفظ في أحد المواضع كي يحمل الباقي عليه. انظر: الوجه السابع من الأوجه التي ردّ بها الناظم على من تأوّل "استوى" بمعنى "استولى" في كتابه الصواعق المرسلة. (مختصر الصواعق ص ٣٠٧).
(٦) والمعنى: أن العرب من عادتهم أنهم لا يضمرون باستمرار، دون ذِكْرِ المُضْمَر ولو مرة واحدة حتى يُحْمل الباقي عليه، بل يحذفون ويضمرون الظاهر، إذا كثر وتكرر وأصبح مألوفًا لمن يسمع أو يقرأ الكلام. انظر تفصيل هذا في: مختصر الصواعق ص ٣١٤ (في الوجه الحادي والعشرين). وقال الناظم في الصواعق: " ومثال ذلك اطّراد قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥] ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] في جميع موارده من أولها إلى آخرها على هذا اللفظ فتأويله بـ "استولى"=
[ ٢ / ٣٠٨ ]
١١١٩ - لَا يُضْمِرُونَ مَعَ اطِّرادٍ دُونَ ذِكْـ ـرِ المضْمَرِ المحذُوفِ دُونَ بَيَانِ
١١٢٠ - بَلْ في مَحَلِّ الحذْفِ يكثُرُ ذكرُهُ فإذا هُمُ ألِفُوهُ إلِفَ لِسَانِ
١١٢١ - حَذَفُوهُ تخفِيفًا وإِيجازًا فلَا يَخْفَى المرادُ بِهِ عَلَى الإِنْسَانِ
١١٢٢ - هَذَا وَمِنْ عشْرِينَ وَجْهًا يبْطُلُ التَّـ ـفْسِيرُ بـ"استَوْلَى" لِذِي الْعِرْفَانِ
١١٢٣ - قَدْ أُفْرِدَتْ بمصنَّفٍ لإمَامِ هَـ ـذَا الشَّأنِ بحرِ العالَمِ الحرَّاني
* * *
_________________
(١) = باطل، وإنما كان يصح لو كان أكثر مجيئه بلفظ: "استولى" ثم يخرج موضع عن نظائره ويَرِدُ بلفظ: "استوى" فهذا كان يصح تأويله "باستولى" فتفطن لهذا الموضع واجعله قاعدة فيما يمتنع تأويله من كلام المتكلم وما يجوز تأويله" ا. هـ الصواعق المرسلة لابن القيم (١/ ٣٨٦). وانظر أيضًا (١/ ١٩٦).
(٢) بل قد ردّ الناظم على هذا القول من أكثر من أربعين وجهًا في كتابه "الصواعق" وسوف يشير إليها في البيت رقم (١٩٢٨).
(٣) يشير الناظم إلى مصنف لشيخ الإسلام ابن تيمية في مسألة الاستواء على العرش وأنه رد على من تأول "استوى" باستولى من عشرين وجهًا، وقد أشار إلى هذا المصنف السبكي في السيف الصقيل ص ٨٣. وأشار إليه ابن عيسى في توضيح المقاصد (١/ ٣٩٨)، والكتاب الذي أشار إليه الناظم غير موجود فيما اطلعت عليه من مؤلفات الشيخ، ولكن له رسالة ضمن مجموع الفتاوى (٥/ ١٤٤) ذكر فيها اثني عشر وجهًا فقط في الرد على من تأول "استوى" بمعنى "استولى". وسوف يشير الناظم إلى هذا الكتاب مرة أخرى عند البيت رقم (١٩٢٧). طه: (العالم الرباني).
[ ٢ / ٣٠٩ ]
الدليل الثاني: التصريح بالعلو
فصلٌ
١١٢٤ - هَذَا وثَانِيهَا صَرِيحُ عُلُوِّهِ ولَهُ بحُكْمِ صريحِهِ لَفْظَانِ
١١٢٥ - لَفْظُ "العَليِّ" ولفظةُ "الأعْلَى" مُعَرَّ فَةً [أتَتْ فِيه] لِقَصْدِ بَيَانِ
_________________
(١) قوله: "العلي": وهو ما جاء مصرَّحًا به في غير ما آية منها: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢] وقوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤)﴾ [الشورى: ٤] والآيات التي صرحت بلفظ العلوّ أشار الناظم في البيت رقم (١٦٦٣) أنها في خمسة مواضع والصواب أنها أكثر كما سيأتي. - قوله: "الأعلى": وهو ما جاء مصرحًا به في غير ما آية منها: قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى: ١] وقوله تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠)﴾ [الليل: ١٩ - ٢٠]. - "معرّفةَ": يعني "بالألف واللام"، وفائدة التعريف أنه يفيد الإطلاق والعموم في العلو لله سبحانه كما أشار الناظم في البيت الذي يليه. ويقول شيخ الإسلام: "الأعلى" على وزن "أفعل التفضيل" مثل "الأكرم" و"الأكبر"، وهو مذكور بأداة التعريف بخلاف ما إذا قيل: "الله أكبر" فإنه منكّر، ولهذا معنى يخصه يتميز به، و"الأعلى" يجمع معاني العلو جميعها وأنه الأعلى بجميع معاني العلو" ا. هـ. مجموع الفتاوى ١١١/ ١٦ - ١١٩ (بتصرف). - ما بين المعكوفتين زيادة من حاشية بخط بعض القراء في (ف). وفي (ظ) فوق السطر: "أتت أيضًا". وفي طع زاد المحقق: "أتتك هنا". وكلّ ذلك لإقامة وزن البيت الذي جاء في جميع النسخ ناقصًا، انظر التعليق على البيت (٦٨٣) (ص).
[ ٢ / ٣١٠ ]
١١٢٦ - أنَّ العُلُوَّ لَهُ بمُطْلَقِهِ عَلى التَّـ ـعْمِيمِ والإطْلَاقِ بالبُرهَانِ
١١٢٧ - وله العُلُوُّ مِنَ الوُجُوهِ جَميعِهَا ذَاتًا وقهْرًا مَعْ عُلُوِّ الشَانِ
١١٢٨ - لكنْ نُفاةُ علُوِّهِ سَلَبُوهُ إكْـ ـمَالَ العُلُوِّ فصَارَ ذَا نُقْصَانِ
١١٢٩ - حَاشَاهُ مِنْ إفْكِ النُفَاةِ وسَلْبِهِمْ فَلهُ الكمَالُ المطْلَقُ الرَّبَّانِي
١١٣٠ - وَعُلُوُّهُ فوقَ الخلِيقَةِ كُلِّهَا فُطِرَتْ عَليهِ الخَلْقُ والثَّقَلَانِ
١١٣١ - لا يستطيعُ معطِّلٌ تبْديلَهَا أبدًا وذلِك سُنَّةُ الرَّحمنِ
١١٣٢ - كلٌّ إِذا ما نَابهُ أمرٌ يُرَى متوَجِّهًا بضرورَة الإنْسَانِ
١١٣٣ - نحوَ العُلُوِّ فَليْسَ يطْلُبُ خلفَهُ وأمَامَهُ أو جَانِبَ الإنْسَانِ
_________________
(١) ومثال ما نفاه أهل التعطيل عن الرب حول هذه الصفة: - ما قرره الرازي في كتبه وخاصة تفسيره الكبير المسمى بـ "مفاتيح الغيب" حيث يقول عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾: "واعلم أنه لا يجوز أن يكون المراد منه العلو بالجهة " ا. هـ. مختصرًا مفاتيح الغيب ٤/ ٣١٣. - وقال في موضع آخر عند تفسير قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾: " وثانيًا: أن لا يفسر أسماءه بما لا يصح ثبوته في حقه سبحانه نحو أن يفسر "الأعلى" بالعلو في المكان، والاستواء بالاستقرار، بل يفسر العلو بالقهر والاقتدار، والاستواء بالاستيلاء" مفاتيح الغيب ٨/ ٣٧٧، وانظر تأويلات الرازي للنصوص المصرحة بالعلو في مفاتيح الغيب ٦/ ٥٥٠، ٧/ ١٦، ٧/ ٢٩٢، ٧/ ٣٧٢.
(٢) انظر ما سبق في البيت (٣٦٦)، وقد قرر هذا الأمر شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى ١٥/ ٥، ٢٦٠/ ٥، ١٥٢، ٢٧٥. والناظم في الصواعق ٦/ ١٣٠٤، والدارمي في الرد على الجهمية ص ٣٧، وابن عبد البر في التمهيد علم ٧/ ١٣٤.
(٣) يقول الإمام ابن عبد البر -﵀-: "ومن الحجة أيضًا في أن الله ﷿ على العرش فوق السماوات السبع، أن الموحدين أجمعين من=
[ ٢ / ٣١١ ]
١١٣٤ - ونِهَايَةُ الشُّبُهَاتِ تَشْكِيكٌ وتخْـ ـمِيشٌ وتغْبِيرٌ عَلَى الإيمَانِ
١١٣٥ - لَا تستَطِيعُ تُعارِضُ المعْلومَ والـ ـمعْقُولَ عندَ بَدائِهِ الأذهانِ
١١٣٦ - فمِن المُحَال القَدْحُ في المعْلومِ بالشُّـ ـُبهاتِ هَذَا بيِّنُ البُطلانِ
١١٣٧ - وإذا الْبَدائِهُ قَابَلَتْهَا هَذِهِ الشُّـ ـبُهَاتُ لَمْ تَحْتَجْ إِلَى بُطْلَانِ
_________________
(١) = العرب والعجم إذا كربهم أمر أو نزلت بهم شدة، رفعوا وجوههم إلى السماء يستغيثون ربهم ﵎، وهذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاج إلى أكثر من حكايته لأنه اضطرار لم يؤنبهم عليه أحد ولا أنكره عليهم مسلم " ا. هـ التمهيد ٧/ ١٣٤. وانظر: ما سبق في التعليق على البيت (٣٦٧) من قصة إمام الحرمين الجويني، وزد على مراجعها المذكورة هناك: الاستقامة ١/ ١٦٧، نقض التأسيس ٢/ ٤٤٦، طبقات الشافعية للسبكي ٥/ ١٩٠، جلاء العينين ص ٤٠٩ - ٤١٠، شرح الطحاوية لابن أبي العز ٢/ ٣٩٠.
(٢) ف: "تخمين". وأشار في الحاشية إلى أن في نسخة: "تخميش". والتخميش: يقال: خمش وجهه يَخْمِشُهُ ويخمُشُه خمشًا وخُموشًا، وخمَّشَه: خدشه ولطمه، وضربه. انظر: القاموس ص ٧٦٥، واللسان ٦/ ٢٩٩. التغبير: مصدر غَبَّر: أثار الغبار، وغَبَّره: لطخه بالغبار. القاموس ص ٥٧٥، الصحاح ص ٧٦٥.
(٣) قوله: "لا تستطيع": يعني بها الشبهات. وفي ب، د، ط: "لا يستطيع". البدائه: جمع بديهة، ومنها البديهي وهو ما لا يتوقف حصوله على نظر وكسب، فيرادف الضروري، وقد يراد به ما لا يحتاج بعد توجه العقل إلى شيء أصلًا، فيكون أخص من الضروري، كتصور الحرارة والبرودة، والتصديق بأن النفي والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان. انظر: التعريفات للجرجاني ص ٦٣، التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي ص ١٢٠. - طت، طه: "بدائه الإنسان".
(٤) انظر: تفصيل هذا الأمر في شرح الطحاوية ٢/ ٣٩١.
[ ٢ / ٣١٢ ]
الدليل الثالث: التصريح بالفوقية مقرونة بمن وبدونها
١١٣٨ - شتَّانَ بَيْنَ مقَالَةٍ أوْصَى بِهَا بَعْضٌ لبَعْضٍ أوَّلًا للثَّانِي
١١٣٩ - ومقَالةٍ فَطَرَ الإلهُ عِبَادَهُ حَقًّا علَيْهَا ما هُمَا عِدْلانِ
* * *
فصلٌ
١١٤٠ - هَذَا وثَالِثُهَا صَريحُ الفَوْقِ مصْـ ـحُوبًا بِـ "مِنْ" وبدُونِهَا نَوْعَانِ
١١٤١ - إحْدَاهُمَا هوَ قابِلُ التَّأويلِ والْـ أَصْلُ الحقِيقةُ وحدَهَا بِبَيَانِ
١١٤٢ - فإِذَا ادَّعَى تأويلَ ذَلِكَ مُدَّعٍ لَمْ تُقْبلِ الدَّعْوَى بِلَا بُرْهَانِ
١١٤٣ - لكنَّما المجْرُورُ لَيسَ بقابِل التَّـ ـأويلِ فِي لُغَةٍ وعُرْفِ لِسَانِ
_________________
(١) كذا في الأصل وسائر النسخ، وفي ط: "أوّلٌ" (ص).
(٢) عِدلان: مثلان.
(٣) وخلاصة هذا الدليل: ما جاء مصرحًا بالفوق لله ﷿ مرة مقرونًا بـ "من" كقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]. ومرة غير مقرون "بمن" كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)﴾ [الأنعام: ١٨]
(٤) أي: أن الذي يحتمل التأويل بغير فوقية الذات ما جاء فيه لفظ "الفوق" مجردًا عن حرف الجر "من"، ولكن لا يصرف عن حقيقته -وهو إثبات فوقية الذات لله سبحانه- إلا بقرينة تدل عليها، ولا قرينة في الأدلة. انظر: مختصر الصواعق ص ٣٥٥ - ٣٥٦.
(٥) ظ: "فلو ادعى".
(٦) أي: أن لفظ الفوق المصحوب بـ "من" كما في قوله: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠] لا يمكن أن يُتَأوَّل بفوقية الرتبة والقدر والغلبة والقهر، لأنه في لغة العرب لا تستعمل "مِنْ" مع لفظ "الفوق" في فوقية الرتبة والقدر، فلا يقال: "الذهب من فوق الفضة" ولكن إذا جاء مقترنًا بـ "من" دل على فوقية الذات وهذا هو الذي عليه أهل اللغة. انظر: مختصر الصواعق ص ٣٥٦.
[ ٢ / ٣١٣ ]
١١٤٤ - وأصِخْ لفائِدةٍ جَلِيلٍ قَدْرُهَا تَهْدِيكَ للتحْقِيقِ والعِرْفَانِ
١١٤٥ - إنَّ الكَلَامَ إذا أتى بسِيَاقَةٍ تُبْدِي المُرادَ لِمَنْ لَهُ أذُنَانِ
١١٤٦ - أضْحَى كنصٍّ قاطِعٍ لَا يقْبَلُ التَّـ ـأويلَ يَعرِفُ ذَا أُولو الأذْهَانِ
١١٤٧ - فَسِيَاقَةُ الألْفَاظِ مثلُ شواهِد الْـ أَحْوَالِ إنَّهمَا لَنَا صِنْوَانِ
١١٤٨ - إِحْدَاهُمَا لِلْعَيْنِ مشْهُودًا بِهَا لَكِنَّ ذَاكَ لِمَسْمَعِ الإنْسَانِ
١١٤٩ - فإذَا أَتَى التَّأويلُ بَعْدَ سِيَاقَةٍ تُبدِي المرادَ أَتَى عَلَى اسْتِهْجَانِ
١١٥٠ - وإذا أَتَى الكِتْمَانُ بَعْدَ شَواهِد الْـ أَحْوَالِ كَانَ كأقْبَحِ الكِتْمَانِ
١١٥١ - فتأَمّلِ الألفَاظَ وانْظُرْ مَا الَّذِي سِيقَتْ لَهُ إنْ كُنْتَ ذَا عِرْفَانِ
١١٥٢ - والفوقُ وَصْفٌ ثابتٌ بالذَّاتِ مِنْ كُلِّ الوُجُوهِ لفَاطِرِ الأكْوَانِ
١١٥٣ - لَكِنْ نُفاةُ الفَوقِ مَا وَفَّوا بِهِ جَحَدُوا كمَالَ الْفَوقِ لِلدَّيَّانِ
_________________
(١) أصِخْ: استمع وأنصت.
(٢) في جميع النسخ: "يبدي" مذكّرًا، والكلام مستقيم، ولكن صواب النصّ -إن شاء الله- ما أثبتنا، ويؤيده البيت ١١٤٩ الذي جاء فيه: "بعد سياقة تبدي"، ولا يصح هناك إلا بالتاء كما في الأصل، وهناك أيضًا نقط حرف المضارع في ب، د، بالياء، وأهمل في ف، ظ. وسبب الخطأ أن تاء التأنيث كثيرًا ما أهمل نقطه في النسخ، فجاءت "سياقة" بدون النقط هكذا: "سياقه" فظُنَّ أن كلمة "سياق" مضافة إلى الضمير، (ص).
(٣) والمعنى أن سياق الكلام يحدد مراد المتكلم ويجعله كالنص القاطع الذي لا يقبل التأويل، مثل ما نشاهده بالعين الباصرة من الشواهد على حالة معينة.
(٤) انظر: التعليق على البيت ١١٤٥، وكذا في طت، طه. وفي طع: "سياقه تبدي"، (ص). - ذكر الناظم في الصواعق أن التأويل الباطل أنواع ثم ساق عشرة أنواع وقال في النوع العاشر: "تأويل اللفظ بمعنى لم يدل عليه دليل من السياق ولا معه قرينة تقتضيه " ا. هـ. الصواعق ١/ ٢٠١.
[ ٢ / ٣١٤ ]
الدليل الرابع: التصريح بالعروج إليه
١١٥٤ - بَلْ فَسَّرُوهُ بِأنَّ قَدْرَ الله أَعْـ ـلَى لا بفَوقِ الذَّاتِ لِلرَّحْمنِ
١١٥٥ - قَالُوا وَهَذَا مِثْلُ قولِ النَّاسِ فِي ذَهَبٍ يُرَى مِنْ خَالِصِ العِقْيَانِ
١١٥٦ - هُوَ فوْقَ جنْسِ الفِضَّةِ البَيْضَاءِ لَا بالذاتِ بلْ فِي مقتضَى الأثْمَانِ
١١٥٧ - والفوقُ أنْواعٌ ثلاثٌ كُلُّهَا للهِ ثَابتَةٌ بِلَا نُكْرَانِ
١١٥٨ - هَذَا الَّذِي قَالُوا وفوْقُ القَهْرِ والْـ ـفَوْقيَّةُ العُلْيَا عَلَى الأكْوَانِ
* * *
فصل
١١٥٩ - هَذَا ورَابعُهَا عُروجُ الرُّوح والْـ أمْلاكِ صاعِدةً إِلَى الرَّحْمنِ
_________________
(١) وممن فسرها بهذا المعنى ولم يثبت علوّ الذات إمام الأشاعرة المتأخرين ومقدمهم "الرازي" فإنه قال في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]: "يجب حمل هذه الفوقية على الفوقية بالقدرة والقهر إلى أن قال: وقد بينا بالدليل أن هذه الفوقية عبارة عن الفوقية بالرتبة والشرف والقدرة والقوة " ا. هـ بتصرف من التفسير الكبير (٥/ ٣١٧ - ٣١٨) ويقول القرطبي عند قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]: "والعلي يراد به علو القدر والمنزلة لا علو المكان لأن الله منزه عن التحيُّز إلخ " الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٣/ ٢٧٨)، وانظر: أيضًا (٦/ ٣٩٩)، وانظر: كذلك السيف الصقيل ص ٨٩.
(٢) العقيان: الذهب الخالص. وانظر: ما سبق في التعليق على البيت ١٧٩.
(٣) يعني: أن فوقية الذهب على الفضة بالقيمة وليس بأن ذات الذهب فوق ذات الفضة.
(٤) "هذا": يعني: فوقية القدر والرتبة. قال الناظم في الصواعق ٤/ ١٣٢٤ - ١٣٢٥: "إن الجهمية المعطلة معترفون بوصفه تعالى بعلو القهر وعلو القدر وأن ذلك كمال لا نقص فإنه من لوازم ذاته، فيقال: ما أثبتم به هذين النوعين من العلو والفوقية هو بعينه حجة لخصومكم عليكم في إثبات علو الذات له سبحانه، وما نفيتم به علو الذات يلزمكم أن تنفوا ذينك الوجهين من العلو " ا. هـ مختصرًا.
[ ٢ / ٣١٥ ]
١١٦٠ - وَلَقدْ أتَى فِي سورتَينِ كِلَاهُمَا اشْـ ـتَمَلا عَلَى التَّقدِير بالأزْمَانِ
١١٦١ - فِي سورةٍ فيها المعَارجُ قُدِّرتْ خَمْسِينَ ألفًا كامِلَ الحُسْبَانِ
١١٦٢ - وبسَجْدةِ التنزِيل ألفًا قُدِّرتْ فلأجْلِ ذَا قَالُوا هُمَا يَوْمَانِ
١١٦٣ - يومُ المعَادِ بذِي المعَارجِ ذكرُهُ والْيَومُ فِي "تنزيلَ" فِي ذَا الآنِ
١١٦٤ - وكِلَاهُمَا عِنْدِي فَيَوْمٌ واحِدٌ وعُروجُهُمْ فِيهِ إلَى الدَّيَّانِ
_________________
(١) هذا موضع "كلتاهما"، ولكن قال: "كلاهما" للضرورة، (ص).
(٢) والآية هي قوله تعالى في سورة المعارج: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾ [المعارج: ٤]. وانظر: البيت ٣٦٠.
(٣) والآية هي قوله تعالى في سورة السجدة: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥)﴾ [السجدة: ٥].
(٤) هذا هو القول الأول في هذه المسألة أنّ اليوم المراد في سورة المعارج هو يوم القيامة، واليوم في سورة السجدة هو في الدنيا، وهو قول جمهور المفسرين.
(٥) ب: "على الديّان"، وهو تحريف. - هذا هو القول الثاني وهو اختيار الناظم أن العروج في الآيتين هو في يوم واحد، ولكن الاختلاف إنما هو في المسافة. فالآية التي قدرت العروج بخمسين ألف سنة فالمراد فيها من أسفل الأرض إلى العرش، أما الآية التي قدرت العروج بألف سنة فالمراد فيها صعود الملائكة ونزولهم من الأرض إلى سماء الدنيا، لأن المسافة بينهما خمسمائة عام، فالصعود والنزول يحتاج إلى ألف سنة. وممن قال بهذا القول واختارهُ الإمام الطبري ﵀ في تفسيره فإنه قال بعدما ساق الخلاف في هذه المسألة: "وأولى الأقوال في ذلك عندي قول من قال: معناه يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقدار ذلك في عروج ذلك الأمر إليه ونزوله إلى الأرض ألف سنة مما تعدون من أيامكم خمسمائة في النزول وخمسمائة في الصعود لأن ذلك أظهر معانيه وأشبهها بظاهر التنزيل" ا. هـ جامع البيان عن تأويل آي القرآن (٢١/ ٩٣). وقال الطبري عند قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤]: "كان=
[ ٢ / ٣١٦ ]
١١٦٥ - فالألفُ فِيهِ مسافَةٌ لنزُولِهمْ وصُعُودِهِمْ نحوَ الرَّقيعِ الدَّانِي
١١٦٦ - هَذِي السَّماءِ فإنَّها قَدْ قُدِّرَتْ خَمْسينَ فِي عَشْرٍ وَذَا ضِعْفَانِ
١١٦٧ - لَكِنَّما الخَمْسُونَ ألفَ مسَافَةُ الـ ـسَبْع الطِّباقِ وبُعدُ ذِي الأكْوَانِ
١١٦٨ - مِنْ عَرْشِ رَب العَالَمِينَ إلَى الثَّرى عِنْدَ الحضِيضِ الأسْفلِ التَّحْتَانِي
١١٦٩ - واختَارَ هَذَا القَوْلَ فِي تَفْسِيرهِ الْـ ـبَغَويُّ ذَاكَ العَالِمُ الرَّبَّانِي
_________________
(١) = مقدار صعودهم ذلك في يوم لغيرهم من الخلق خمسين ألف سنة وذلك أنها تصعد من منتهى أمره من أسفل الأرض السابعة إلى منتهى أمره من فوق السماوات السبع" ا. ص جامع البيان (٧٠/ ٢٩). وكذلك هو ترجيح ابن كثير ﵀ حيث قال: عند قوله تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ﴾ كما قال تعالى: ﴿مِنَ اللهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣) ﴾ وسيأتي إن شاء الله بيان أن هذه المسافة ما بين العرش إلى الأرض السابعة وهو قول جماعة من السلف والخلف وهو الأرجح إن شاء الله" ا. هـ تفسير ابن كثير (٤/ ٧٤).
(٢) كذا في الأصل "الرقيع" بالقاف وهو الصواب، وفي غيره: "الرفيع" بالفاء، تصحيف. والرقيع: السماء الدنيا وقيل: كل سماء يقال لها رقيع، والجمع أرقعةٌ، فالرقيع الداني هو السماء الدنيا، وانظر: البيت ٤٤٨٤ (ص).
(٣) "هذي السماءِ" بدل من "الرقيع الداني"، (ص). - طه: (ذا صنفان)، تحريف.
(٤) حذف التنوين من (ألفًا) للضرورة (ص).
(٥) "هذا القول": أي القول بأنهما يوم واحد. - قال البغوي في تفسيره: "أي في يوم واحد من أيام الدنيا وقدر مسيرة ألف سنة: خمسمائة نزوله وخمسمائة صعوده إلى أن قال: وأما قوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾ [المعارج: ٤]، أراد مسافة بين الأرض إلى سدرة المنتهى .. ثم قال وهذا كله معنى قول مجاهد والضحاك" ا. هـ مختصرًا انظر: معالم التنزيل للبغوي (٦/ ٣٠٠). وممن اختار هذا القول أيضًا ابن قتيبة كما في تأويل مشكل القرآن ص ٣٥٣.
[ ٢ / ٣١٧ ]
١١٧٠ - ومُجَاهِدٌ قَدْ قَالَ هَذَا القَوْلَ لـ ـكنَّ ابنَ إسْحَاقَ الجَليلَ الشَّانِ
_________________
(١) = البغوي: هو أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي، المفسر صاحب التصانيف كـ"شرح السنة" و"معالم التنزيل" و"المصابيح" وغيرها. كان يلقب بمحيي السنة وبركن الدين، وكان إمامًا عالمًا زاهدًا. تفقه على شيخ الشافعية القاضي حسين بن محمد المروروذي، له القدم الراسخ في التفسير والباع المديد في الفقه، وممن حدث عنه أبو منصور محمد العطاري وأبو الفتوح محمد الطائي. وكانت وفاته بمرو الرّوذ سنة ٥١٦ هـ، وعاش بضعًا وسبعين سنة. السير ٤٣٩/ ١٩، البداية والنهاية ١٢/ ٢٠٦، طبقات الشافعية للسبكي ٧/ ٧٥.
(٢) هو مجاهد بن جبر أبو الحجاج المكي الأسود مولى السائب بن أبي السائب المخزومي. شيخ القراء والمفسرين، أكثر الرواية عن ابن عباس وعنه أخذ القرآن والتفسير والفقه، وأخذ كذلك عن أبي هريرة وعائشة وسعد بن أبي وقاص وغيرهم من الصحابة. ممن تلا عليه ابن كثير الداري، وأبو عمرو بن العلاء، وابن محيصن. وحدث عنه عكرمة وطاووس وعطاء وغيرهم. أجمع العلماء على جلالته وإمامته وتوثيقه، مات سنة ثلاث ومائة وقيل غير ذلك، وقد جاوز الثمانين. الجرح والتعديل (٨/ ٣١٩)، السير (٤/ ٤٤٩)، البداية والنهاية (٩/ ٢٣٢). - روى ابن جرير الطبري ﵀ في تفسيره بسنده عن ابن حميد عن حكام عن عمرو بن معروف عن ليث عن مجاهد: " (في يوم كان مقداره ألف سنة) يعني بذلك نزول الأمر من السماء إلى الأرض ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد وذلك مقداره ألف سنة لأن ما بين الأرض إلى السماء خمسمائة عام وما بين السماء إلى الأرض مثل ذلك فذلك ألف سنة" ا. هـ تفسير الطبري (٩١/ ٢١) وانظر تفسير البغوي (٦/ ٣٠٠). وانظر كذلك تفسير الطبري (٢٩/ ٧١). ابن إسحاق: هو محمد بن إسحاق بن يسار بن خيار العلامة الحافظ الإخباري أبو بكر، وقيل: أبو عبد الله، القرشي المطلبي مولاهم المدني، صاحب السيرة النبوية، ولد سنة ثمانين حدث عن أبيه وعن سعيد=
[ ٢ / ٣١٨ ]
١١٧١ - قَالَ المسافَةُ بَيْنَنَا والعَرْشِ ذَا الـ ـمقدارُ فِي سَيْرٍ مِنَ الإنْسَانِ
١١٧٢ - والقَوْلُ الَاوَّلُ قَوْلُ عِكْرِمةٍ وقوْ لُ قتَادَةٍ وهُمَا لَنَا عَلَمَانِ
_________________
(١) = المقبري، وعنه يحيى بن سعيد الأنصاري وشعبة والثوري وغيرهم. كانت وفاته ببغداد سنة إحدى وخمسين ومائة. انظر: السير (٧/ ٣٣)، والشذرات (١/ ٢٣٠).
(٢) ونص مقالة ابن إسحاق: " لو سخر بنو آدم في مسافة ما بين الأرض إلى مكانه الذي استقل به على عرشه وجعل به قراره مادوا إليه خمسين ألف سنة قبل أن يقطعوه " الأثر بطوله. أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٢/ ٤٧٥)، برقم (١٤٦). وأورده البغوي في تفسيره (٨/ ٢٢٠) بمعناه، وبنحوه قال ابن قتيبة حيث قال: "يريد مقدار السير فيه على قدر سيرنا وعدونا ألف سنة، لأن بُعْدَ ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام لابن آدم، فإذا قطعته الملائكة بادئة وعائدة في يوم واحد، فقد قطعت مسيرة ألف سنة في يوم واحد" ا. هـ. تأويل مشكل القرآن ص ٣٥٣.
(٣) "القول الأول": أي القول بأنهما يومان فاليوم في سورة المعارج المقدر بخمسين ألف سنة هو يوم القيامة، واليوم في سورة السجدة المقدر بألف سنة هو يوم في الدنيا. عكرمة: هو أبو عبد الله عكرمة مولى ابن عباس الهاشمي المديني. أصله بربري من أهل المغرب، وهو من كبار التابعين، حافظ مفسر علَاّمة. حدث وأكثر عن ابن عباس وعن عائشة وأبي هريرة وغيرهم. وعنه إبراهيم النخعي والشعبي وأبو الشعثاء وغيرهم. احتج به البخاري وأصحاب السنن وتركه مسلم فلم يخرج له سوى حديث واحد مقرونًا بسعيد بن جبير، وإنما تركه مسلم لكلام مالك فيه، وقد دافع عنه الحافظ في مقدمة الفتح وغيره من الأئمة. توفي سنة أربع ومائة وقيل خمس وقيل ست. انظر: مقدمة فتح الباري ص ٤٤٦، السير (٥/ ١٢)، تهذيب الأسماء واللغات للنووي (١/ ٣٤٠). - وأما قوله فقد أخرجه الطبري بسنده عن ابن بشار عن عبد الرحمن عن=
[ ٢ / ٣١٩ ]
١١٧٣ - واخْتَارَهُ الحَسَنُ الرِّضَا ورَوَاهُ عَنْ بَحْرِ العُلُومِ مُفسِّرِ القُرْآنِ
_________________
(١) = سفيان عن سماك عن عكرمة ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ..﴾ قال: "يوم القيامة"، التفسير (٢٩/ ٧١). وقد صحح هذه الرواية الحافظ ابن كثير في تفسيره (٤/ ٤١٩). وقال الطبري عند تفسير آية السجدة بسنده عن أبيه عن سفيان عن سماك عن عكرمة ﴿أَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ قال: "من أيام الدنيا" التفسير (٢١/ ٩١). - هو قتادة بن دعامة بن قتادة بن عزيز وقيل ابن عكابة، حافظ العصر قدوة المفسرين والمحدثين أبو الخطاب السدوسي، البصري، الضرير، الأكمه. مولده سنة ستين، روى عن أنس بن مالك وأبي الطفيل الكناني وعكرمة وغيرهم. وعنه أيوب السختياني ومعمر بن راشد وشعبة وغيرهم. قال الذهبي: "وهو حجة بالإجماع إذا بيّن السماع فإنه مدلس معروف بذلك، وكان يرى القدر -نسأل الله له العفو- ومع هذا فما توقف أحد في صدقه وعدالته وحفظه ولعل الله يعذر أمثاله ممن تلبس ببدعة يريد بها تعظيم الباري وتنزيهه وبذل وسعه والله حكم عدل لطيف بعباده ولا يسأل عما يفعل. ثم إن الكثير من أئمة العلم إذا كثر صوابه وعلم تحريه للحق واتسع علمه وظهر ذكاؤه وعرف صلاحه وورعه واتباعه يغفر له زلته ولا نضلله ونطَّرحهُ وننسى محاسنه، نعم ولا نقتدي به في بدعته وخطئه ونرجو له التوبة من ذلك" ا. هـ توفي سنة ثماني عشرة ومائة. انظر: السير (٥/ ٢٦٩)، تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٥٧). - وأما قوله فقد ذكر الطبري في تفسيره بسنده عن بشر عن يزيد عن سعيد عن قتادة ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾ قال: "ذاكم يوم القيامة" (٢٩/ ٧١)، وكذلك بسنده السابق ﴿أَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ قال: "من أيامكم من أيام الدنيا " ا. هـ مختصرًا انظر: التفسير (٢١/ ٩١).
(٢) يعني الحسن البصري، وقد تقدمت ترجمته في التعليق على البيت ٦٢٩. ونَصُّ مقولته: "هو يوم القيامة" ذكره البغوي في التفسير (٨/ ٢٢٠)، وابن=
[ ٢ / ٣٢٠ ]
١١٧٤ - وَيُرجِّحُ القَوْلَ الَّذِي قَدْ قَالَهُ سَادَاتُنَا فِي فَرْقِهِمْ أمْرَانِ
١١٧٥ - إِحْدَاهُمَا مَا فِي الصَّحِيحِ لمانِعٍ لِزكَاتِه مِنْ هَذِهِ الأَعْيَانِ
١١٧٦ - يُكْوَى بِهَا يَوْمَ القيَامَةِ ظَهْرُهُ وجَبِينُهُ وكذلِكَ الجَنْبَانِ
١١٧٧ - خَمْسُونَ ألفًا قَدرُ ذَاكَ اليَوْمِ فِي هَذَا الحَدِيثِ وَذَاكَ ذُو تِبْيَانِ
_________________
(١) = الجوزي في زاد المسير (٨/ ٩٠)، والسيوطي في الدر المنثور (٨/ ٢٨٠). وعزاه إلى عبد بن حميد بلفظ: "يكون عليهم كصلاةٍ مكتوبة" ا. هـ. - "رواه": كذا في الأصلين، ب، ح، ط. وفي غيرها: "رووه" يعني أصحاب القول الأول. - "بحر العلوم": يعني عبد الله بن عباس ﵄. وقد تقدمت ترجمته تحت البيت ٨٨٢. - وأما قوله فقد رواه الطبري بسنده "عن علي عن أبي صالح عن معاوية عن علي عن ابن عباس، في قوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾ [المعارج: ٤] فهذا يوم القيامة جعله الله على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة" ا. هـ تفسير الطبري (٢٩/ ٧١) وانظر: البغوي (٨/ ٢٢٥). وذكر قوله الطبري بسنده عن عكرمة عند قوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ..﴾ [المعارج: ٤] قال: من أيامكم هذه انظر: الطبري (٢١/ ٩١).
(٢) أي ومما يرجح القول الأول وهو أنهما يومان، وهو قول جمهور المفسرين أمران: الأول حديث مانع الزكاة وسيأتي، والثاني: سياق الآيتين.
(٣) وردت "إحدى" للمذكر -وهو الأمر- للضرورة. انظر: ما سبق في الأبيات ١٨١، ٢٢٨، ٢٧٦، (ص). - هو حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلا أحمي عليه في نار جهنم فيجعل صفائح فيكوى بها جنباه وجبينه حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة " الحديث. متفق عليه واللفظ لمسلم - أخرجه البخاري في كتاب الزكاة - باب إثم مانع الزكاة برقم (١٤٠٢)، وأخرجه مسلم في كتاب الزكاة برقم (٩٨٧).
[ ٢ / ٣٢١ ]
١١٧٨ - فالظَّاهِرُ اليَوْمَانِ فِي الوجْهَينِ يَوْ مٌ واحدٌ مَا إنْ هُمَا يَوْمَانِ
١١٧٩ - قَالُوا وإيرَادُ السِّيَاقِ يُبيِّنُ الْـ ـمقصودَ مِنْهُ بأوْضَحِ التِّبيَانِ
١١٨٠ - فانْظُرْ إلى الإضْمَارِ ضِمْنَ "يَرَوْنَهُ" و"نَرَاهُ" مَا تفسِيرُهُ بِبَيَانِ
١١٨١ - فالْيَوْمُ بالتفسِيرِ أوْلَى مِنْ عَذَا بٍ واقِعٍ لِلقُرْبِ والجِيرَانِ
١١٨٢ - ويكُونُ ذكرُ عروجِهِمْ فِي هَذِه الدُّ نْيَا ويوْمَ قيَامَةِ الأبْدَانِ
١١٨٣ - فنزُولُهمْ أيْضًا هُنالِكَ ثابتٌ كنُزولِهِمْ أيْضًا هُنَا لِلشَّانِ
_________________
(١) يعني أن اليومين المذكورين في حديث مانع الزكاة وفي الآية في سورة المعارج المقصود بها يوم القيامة.
(٢) ح، ط: (المضمون منه). - وهذه هي الحجة الثانية لأصحاب القول الأول. يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي في شرحه على هذه الأبيات: "والظاهر لي أن آية المعارج التقدير فيها ليوم القيامة والسياق يدل على ذلك وأما تقديره بالألف في سورة السجدة فإنه في الدنيا لأن السياق أيضًا يدل عليه فإنه في سياق بيانه في الدنيا ليعرفوا عظمة الله وكبرياءه ونفوذ تدبيره والله أعلم" ا. هـ بتصرف، توضيح الكافية الشافية ص ٦٤.
(٣) أي: انظر إلى الضميرين في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)﴾ فإن تفسيره بأنه يعود إلى يوم المعاد أولى من عوده إلى "عذاب واقع" لأن اليوم أقرب مذكور.
(٤) وعلى هذا التفسير -وهو القول الأول قول الجمهور- يكون العروج في الدنيا ما هو مذكور في سورة السجدة، والعروج في الآخرة ما هو مذكور في سورة المعارج.
(٥) أي: ولهم نزول أيضًا يوم القيامة كما أن لهم عروجًا، ولهم نزول في الدنيا كما أن لهم عروجًا، فالنزول في يوم القيامة هو المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥)﴾ [الفرقان: ٢٥] وأما نزولهم في الدنيا للقيام بما يكلفهم الله من شؤون خلقه كما قال=
[ ٢ / ٣٢٢ ]
الدليل الخامس: التصريح بالصعود إلى الله
١١٨٤ - وعُروجُهُمْ بَعْدَ القَضَا كعرُوجِهِمْ أيضًا هُنَا فلهُمْ إذًا شَأنَانِ
١١٨٥ - ويزولُ هَذَا السَّقْفُ يَوْمَ مَعَادِنَا فعُروجُهُمْ لِلعَرْشِ والرَّحْمنِ
١١٨٦ - هَذَا وَمَا نَضِجَتْ لَدَيَّ وعلْمُهَا الْـ ـمَوكُولُ بَعدُ لِمُنْزِلِ القُرْآنِ
١١٨٧ - وأعوذُ بالرَّحْمنِ مِنْ جَزْمٍ بِلا عِلْمٍ وَهَذَا غَايَةُ الأمْكَانِ
١١٨٨ - واللهُ أعْلَمُ بالمُرادِ بقوْلِهِ ورَسُولُهُ المبعُوثُ بالفُرْقَانِ
* * *
فصلٌ
١١٨٩ - هَذَا وخَامِسُهَا صُعودُ كَلَامِنَا بِالطَّيِّبَاتِ إِلَيهِ والإحْسَانِ
١١٩٠ - وَكَذَا صُعُودُ البَاقِيَاتِ الصَّالِحَا تِ إِلَيهِ مِنْ أعْمَالِ ذِي الإيمَانِ
١١٩١ - وَكَذَا صُعُودُ تَصَدُّقٍ مِنْ طَيِّبٍ أيْضًا إِلَيْهِ عِنْدَ كُلِّ أوَانِ
_________________
(١) = تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾ [القدر: ٤، ٥] انظر: شرح هراس ١/ ٢١٦.
(٢) أي: وعروجهم بعد فصل القضاء إلى الرحمن مثل عروجهم في هذه الدنيا إليه سبحانه فلهم إذًا عروجان.
(٣) طت، طه: (ما اتضحت)، يعني هذه المسألة.
(٤) والناظم في نهاية هذا المبحث لم يترجح لديه شيء وإن كان يميل إلى القول الثاني وهو أن المراد بهما يوم واحد ولكنه يجزم به، وقد اختار الشيخ الشنقيطي القول بأنهما يومان وهو قول الجمهور حيث قال: "يوم الألف في سورة السجدة هو مقدار سير الأمر وعروجه إليه، ويوم الخمسين ألفًا هو يوم القيامة" ا. هـ دفع إيهام الاضطراب ص ٢٠٧. (ضمن أضواء البيان الجزء العاشر) ولعل هذا هو الصواب.
(٥) يشير إلى قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]. وانظر البيت ٣٥٩.
(٦) يشير إلى الحديث المتفق على صحته عن أبي هريرة ﵁ قال: =
[ ٢ / ٣٢٣ ]
١١٩٢ - وَكَذَا عُرُوجُ مَلائِكٍ قَدْ وُكِّلُوا مِنَّا بأعْمَالٍ وَهُمْ بَدَلَانِ
١١٩٣ - فَإِلَيْهِ تَعْرُجُ بُكْرَةً وعَشِيَّةً والصُّبْحُ يجْمَعُهُمْ عَلَى القُرْآنِ
١١٩٤ - كَي يشْهَدُوه، ويعْرُجُونَ إِلَيهِ بالْـ أَعْمَالِ سُبْحَانَ العَظِيمِ الشَّانِ
١١٩٥ - وَكَذَاكَ سَعْي اللَّيْلِ يَرْفَعُهُ إِلَى الرَّ حْمنِ مِنْ قَبْلِ النَّهَارِ الثَّانِي
_________________
(١) = قال رسول الله - ﷺ -: "من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يصعد إلى الله إلا الطيب، فإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فَلُوَّه حتى تكون مثل الجبل "أخرجه البخاري واللفظ له في كتاب التوحيد - باب قول الله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ برقم (٧٤٣٠)، وأخرجه مسلم بنحوه في كتاب الزكاة برقم (١٠١٤).
(٢) يشير إلى الحديث المتفق على صحته عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يتعاقبون فيكم ملالكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة العصر، وصلاة الفجر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم، وهو أعلم بهم، فيقول: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون" أخرجه البخاري في كتاب التوحيد - باب قول الله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ برقم (٧٤٢٩)، وأخرج مسلم في كتاب المساجد برقم (٦٣٢).
(٣) أي أن الملائكة الموكلين برفع الأعمال يجتمعون في صلاة الفجر. ويدل لهذا ما ورد في صحيح الإمام البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "تفضل صلاة الجماعة صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين جزءًا، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر" ثم يقول أبو هريرة: فاقرؤوا إن شئتم: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]. الحديث أخرجه البخاري في كتاب الأذان- باب فضل صلاة الفجر في جماعة برقم (٦٤٨). وانظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٥٤).
(٤) كذا في نسختي (ف، د)، يعني: كي يشهدوا قرآن الفجر. وفي غيرهما: "يشهدون"، (ص).
(٥) "يرفعه": كذا في الأصل و(ف، ب، طت، طه) هنا وفي البيت الآتي=
[ ٢ / ٣٢٤ ]
١١٩٦ - وَكَذَاكَ سَعْيُ الْيَوْمِ يَرْفَعُهُ لَهُ مِنْ قبلِ لَيْلٍ حَافِظُ الإنْسَانِ
١١٩٧ - وَكَذَاكَ مِعْرَاجُ الرَّسُولِ إلَيْهِ حَقًّا ثَابِتٌ مَا فِيهِ مِنْ نُكْرَانِ
١١٩٨ - بَك جَاوزَ السَّبعَ الطِّبَاقَ وقَدْ دَنَا مِنْهُ إلَى أنْ قُدِّرتْ قَوْسَانِ
١١٩٩ - بَلْ عَادَ مِنْ مُوسَى إِلَيْهِ صَاعِدًا خَمْسًا عِدَادَ الفَرْضِ فِي الحُسْبَانِ
_________________
(١) = فيكون الفاعل في البيت الثاني: "حافظ الإنسان". وفي غيرِها: "ترفع" في الموضعين (د) أو في الموضع الأول (طع) - (ص). - يشير الناظم في هذا البيت والذي يليه إلى الحديث الذي في صحيح مسلم عن أبي موسى ﵁ قال: قام فينا رسول الله بخمس كلمات فقال: "إن الله ﷿ لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه، يرفع اليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور (وفي رواية أبي بكر: النار) لو كشفه لأحرقت سُبُحاتُ وجهه ما انتهى إليه بَصَرُهُ من خَلْقِهِ" أخرجه مسلم في كتاب الإيمان برقم (١٧٩).
(٢) (له) ساقطة من (ف).
(٣) أي ومن الأدلة على علوه سبحانه معراج النبي - ﷺ - إلى الله سبحانه كما ثبت في الصحيحين عن أنس ﵁ قال: كان أبو ذر يحدث أن رسول الله - ﷺ - قال: "فُرِجَ عن سقف بيتي وأنا بمكة فنزل جبريل ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانًا فأفرغه في صدري ثم أطبقه ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء الدنيا " الحديث بطوله أخرجه البخاري واللفظ له في كتاب الصلاة - باب كيف فرضت الصلوات في الإسراء برقم (٣٤٩)، واْخرجه مسلم في كتاب الإيمان برقم (١٦٢).
(٤) "السبع الطباق": أي السماوات، وصفت بذلك لأن بعضها فوق بعض. - الضمير في قوله "منه" يعود إلى الله ﷿ بناءً على ما ورد في رواية شريك في صحيح البخاري وقد تقدم الكلام عليها تحت البيت ٣٦٢.
(٥) يشير إلى ما ورد في آخر حديث الإسراء حينما فرضت الصلاة فراجع النبي - ﷺ - ربه حتى أصبحت خمس صلوات.
[ ٢ / ٣٢٥ ]
١٢٠٠ - وَكَذَاكَ رَفْعُ الرُّوحِ عِيسَى المرْتَضَى حقًّا إِلَيْهِ جَاءَ فِي القُرْآنِ
١٢٠١ - وَكَذَاكَ تَصعَدُ رُوحُ كلِّ مُصَدِّقٍ لمَّا تَفوزُ بفُرْقَةِ الأَبْدَانِ
١٢٠٢ - حقًّا إِلَيْهِ كَيْ تَفُوزَ بقُرْبِهِ وتعُودَ يَوْمَ العَرْضِ للجُثْمَانِ
١٢٠٣ - وَكَذَا دُعَا المضْطَرِّ أيْضًا صَاعِدٌ أبدًا إِلَيْهِ عِنْدَ كلِّ أَوَانِ
_________________
(١) انظر ما سبق تحت البيت ٣٦٣.
(٢) ف: "يفوز" يعني المصدّق. وكذا جاءت لمّا الحينية مع المضارع في جميع النسخ. انظر التعليق على البيت ٤٤٢، (ص). - يشير إلى الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي - ﷺ -: "إن الميت تحضرهُ الملائكة فإذا كان الرجل صالحًا قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة! كانت في الجسد الطيب اخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان فلا يزال يقال لها حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء ". الحديث أخرجه: الإمام أحمد في المسند (٢/ ٣٦٤)، (٦/ ١٤٠)، وابن ماجه في كتاب الزهد - باب ذكر الموت والاستعداد له (٢/ ٤٤٠) برقم (٤٣١٦)، والنسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف (١٠/ ٧٨)، وابن خزيمة في التوحيد برقم (١٧٦) (١/ ٢٧٧)، وابن قدامة في صفة العلو برقم (٢٤) ص ٥٥ وعزاه إلى أحمد والطبراني والخلال، وأخرجه البيهقي في إثبات عذاب القبر برقم (٣٥)، والذهبي في العلوّ (مختصر ص ٨٥)، وقال البوصيري: "إسناده صحيح ورجاله ثقات". (مصباح الزجاجة ٢/ ٣٤٩)، وصححه الألباني. (انظر: صحيح ابن ماجه (٢/ ٤٢٠) برقم (٣٤٣٧». والحديث ورد كذلك من طريق البراء بن عازب كما سبق تحت البيت ٣٦٤، وهو صحيح وسوف يأتي تخريجه والكلام عليه عند البيت رقم (١٧٣٥).
(٣) في الأصل و(د) هنا وفي البيت الذي يليه: "صاعدًا"، وله وجه، ولكنّا اخترنا ما جاء في نسخة (ف) وغيرها، (ص). - يشير إلى قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ =
[ ٢ / ٣٢٦ ]
١٢٠٤ - وَكَذَا دُعَا المظلُومِ أيْضًا صَاعِدٌ حَقًا إِلَيْهِ قَاطِعَ الأكْوَانِ
* * *
_________________
(١) = وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ﴾. [النمل: ٦٢] ولم أجد نصًّا صريحًا في أنّ دعوة المضطر ترفع إلى السماء.
(٢) يشير إلى الحديث الصحيح عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "اتقو دعوة المظلوم فإنها تصعد إلى الله كأنها شرار"، وعند الحاكم بلفظ: "إلى السماء" وهي عند الذهبي كذلك. والحديث أخرجه الحاكم وقال عنه الذهبي في مختصره: "وإسناده جيد". وقال الحاكم: "احتج مسلم بعاصم بن كُليب والباقون متفق على الاحتجاج بهم"، ووافقه الذهبي انظر: المستدرك (ا/ ٢٩)، ومختصر العلو للألباني ص ٨٦، وصححه الألباني كما في الصحيحة برقم (٨٧١). ورد حديث آخر يؤيد المعنى الذي قصده الناظم: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله: "ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم تحمل على الغمام، وتفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب ﷿: لأنصرنك ولو بعد حين". الحديث أخرجه: الترمذي في كتاب الدعوات -باب في العفو والعافية برقم (٣٥٩٨)، وحسنه، وابن ماجه في الصوم- باب في الصائم لا ترد دعوته برقم (٢٥٨٤)، والإمام أحمد في المسند (٢/ ٣٠٥)، وأبو داود الطيالسي في المسند ص ٣٣٧، برقم (٢٥٨٤)، وابن خزيمة في صحيحه في الصوم- باب استجابة الله ﷿ دعاء الصوَّام .. برقم (١٩٠١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٣٤٥، ٨/ ١٦٢، ١٠/ ٨٨)، وابن حبان في صحيحه (٤/ ٢١٨ - ٢١٥) برقم (٣٤٢٨)، (١٦/ ٣٩٦ - ٣٩٧) برقم (٧٣٨٧)، وابن أبي شيبة في المصنف (٣/ ٦ - ٧)، والبغوي (٥/ ١٩٦) برقم (١٣٩٥)، والطبراني في الدعاء، برقم (١٣١٥)، والحديث حسَّنه الحافظ ابن حجر (شرح الأذكار لابن علان ٤/ ٣٣٨).
[ ٢ / ٣٢٧ ]
الدليل السادس: التصريح بنزول الرب إلى السماء الدنيا
الدليل السابع: التصريح بتنزيل القرآن من الله
فصلٌ
١٢٠٥ - هَذَا وسَادِسُهَا وَسَابِعُهَا النُّزو لُ كَذلكَ التَّنْزِيلُ للْقُرْآنِ
١٢٠٦ - واللهُ أخْبَرَنَا بأنَّ كِتَابَهُ تَنْزِيلُهُ بالحَقِّ والبُرْهَانِ
١٢٠٧ - أيكُونُ تنزيلًا ولَيْسَ كَلَامَ مَنْ فوْقَ العِبَادِ أَذَاك ذُو إِمْكَانِ
١٢٠٨ - أيكُونُ تنْزيلًا مِنَ الرَّحمنِ والرَّ حمنُ لَيْسَ مُبَايِنَ الأكْوانِ
١٢٠٩ - وَكذَا نُزولُ الرِّبِّ ﷻ فِي النِّصْفِ مِنْ لَيْلٍ وذَاكَ الثَّانِي
١٢١٠ - فيقُولُ لَسْتُ بسَائِلٍ غَيرِي بأحْـ ـوالِ العِبَادِ أنَا العَظِيمُ الشَّانِ
١٢١١ - مَنْ ذَاكَ يَسْألُنِي فيُعْطَى سُؤْلَهُ مَنْ ذَا يَتُوبُ إلَيَّ مِنْ عِصيَانِ
١٢١٢ - مَنْ ذَاك يَسْأَلُنِي فَأغْفِرَ ذَنْبَهُ فَأَنَا الوَدُودُ الوَاسِعُ الغُفْرانِ
_________________
(١) يشير إلى ما ورد مصرحًا به في غير ما آية من أن كتاب الله منزل من عنده سبحانه فمنها قوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢)﴾ [غافر: ٢]، وقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢].
(٢) في الأصل و(ف): "أم ذاك".
(٣) أي أن التنزيل يستلزم علو المُنْزِل، كما يستلزم أن يكون الله مباينًا للأكوان.
(٤) يشير إلى حديث النزول المتفق عليه. وقد سبق تخريجه والكلام عليه وجواب الناظم عن اختلاف الروايات في النزول في التعليق على البيت ٤٤٨. وانظر ما يأتي في البيت ١٧٢٥ ثم ١٧٩٤.
(٥) د: "بأفعال العباد". - يشير المؤلف بقوله: "لست بسائل غيري " إلى ما ورد في رواية لحديث النزول: "ينزل الله ﷿ إلى السماء الدنيا فيقول: لا أسأل عن عبادي أحدًا غيري " الحديث. وهذه الرواية أخرجها الإمام أحمد في المسند (٤/ ١٦)، وكذلك الآجري في الشريعة ص ٢٧٥.
(٦) هذا البيت مؤخر على تاليه في ب (ص).
[ ٢ / ٣٢٨ ]
١٢١٣ - مَنْ ذَا يُريدُ شِفَاءَهُ مِنْ سُقْمِهِ فَأَنَا القَرِيبُ مُجِيبُ مَنْ نَادَانِي
١٢١٤ - ذَا شَأْنُهُ سُبحَانَهُ وبحَمْدِهِ حَتَى يكُونَ الفجْرُ فجرًا ثَانِي
١٢١٥ - يَا قَوْمُ لَيسَ نزُولُهُ وعُلُوُّهُ حقًا لَدَيْكُمْ بَلْ هُمَا عَدَمانِ
١٢١٦ - وَكذَاكَ لَيْسَ يقُولُ شيئًا عنْدَكُمْ لَا ذَا ولَا قَوْلٌ سِوَاهُ ثَانِ
١٢١٧ - كُلٌّ مَجَازٌ لا حَقِيقَةَ تَحْتَهُ أوِّلْ وَزِدْ وانقُصْ بِلَا بُرْهَانِ
* * *
_________________
(١) كذا في الأصل، ف، ط. وفي غيرها: "أجيب" وانظر البيت ٤٤٨. (ص). - يشير الناظم إلى ما ورد في بعض روايات حديث النزول ولفظها: عن أبي هريرة ﵁ قال: عن علي ﵁ قال: سمعت الرسول - ﷺ - يقول: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ولأخرت عشاء الآخرة إلى ثلث الليل الأول فإنه إذا مضى ثلث الليل الأول هبط الله تعالى إلى السماء الدنيا فلم يزل هناك حتى يطلع الفجر فيقول قائل: ألا سائل يُعْطى ألا داع يجاب، ألا سقيم يستشفي فيُشفى، ألا مذنب يستغفر فيغفر له". أخرجه الإمام أحمد في المسند (١٢٠/ ١)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٤٣٨) برقم (٧٤٩)، والدارمي في الرد على الجهمية برقم (١٣١) ص ٦٦ - ٦٧، والحديث صححه الشيخ أحمد شاكر في تحقيقه على المسند ٢/ ٢٠٢، برقم (٩٦٧)، وأورده الناظم في الصواعق (المختصر ص ٣٧٢) وعزاه إلى الطبراني في السنة.
(٢) يشير الناظم إلى ما ورد في روايات حديث النزول، وقد وردت عند مسلم بألفاظ منها: بلفظ: "حتى يضيء الفجر" برقم (١٦٩)، ومنها بلفظ: "حتى ينفجر الصبح" برقم (١٧٥). ومنها بلفظ: "حتى ينفجر الفجر" برقم (١٧٢).
(٣) يخاطب الناظم نفاة العلو والنزول.
(٤) الأصل: "ولذاك". طت، طه: "وكذا يقول ليس".
(٥) ذكر المؤلف في الصواعق من الأمثلة التي ادّعى أهلُ التعطيل أنها مجاز: "النزول" وردّ عليها بما يقارب أربعة عشر وجهًا. (مختصر الصواعق، =
[ ٢ / ٣٢٩ ]
الدليل الثامن: التصريح برفعة الدرجات للرحمن
فصلٌ
١٢١٨ - هَذَا وثَامِنُهَا بسُورَةِ غَافِرٍ هُوَ رِفْعَةُ الدَّرَجَاتِ لِلرَّحْمنِ
١٢١٩ - دَرَجاتُهُ مرْفُوعَةٌ كمَعَارِجٍ أيضًا لَهُ وكِلَاهُمَا رَفْعَانِ
١٢٢٠ - وَفَعِيلُ فِيهَا لَيسَ مَعْنَى فَاعِلٍ وسِيَاقُهَا يأبَاهُ ذُو التِّبْيَانِ
_________________
(١) = ص ٣٦٣ - ٣٦٧). وذكر تأويلهم للعلوّ وردّ عليه كذلك من سبعة عشر وجهًا. (مختصر الصواعق، ص ٣٥٥ - ٣٦٥). وكذلك ذكر مما يظن أنه مجاز وليس بمجاز كلام الرب سبحانه ورد على القائلين بالمجاز وناقشهم وأطال النفس في ذلك. (ص ٤٠١ - ٤٥٣).
(٢) يشير إلى قوله تعالى في سورة غافر: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ [غافر: ١٥].
(٣) أي كما ورد في سورة المعارج من قوله تعالى: ﴿مِنَ اللهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾ [المعارج: ٣، ٤] قال ابن كثير عند تفسير آية غافر: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ﴾ قال: "قال تعالى مخبرًا عن عظمته وكبريائه وارتفاعه على عرشه العظيم العالي على جميع مخلوقاته كالسقف لها كما قال تعالى ﴿مِنَ اللهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣)﴾ الآية" ا. هـ مختصر تفسير ابن كثير (٤/ ٧٤). - قوله: "رفعان": أي أن الرفع في سورة غافر كالرفع في سورة المعارج وكلاهما رفعان يعودان إلى الله.
(٤) أي قوله: "رفيع" ليس بمعنى "رافع" لأن السياق يأباه ولكنه بمعنى مفعول أي مرفوعة درجاته. وقد فسَّر الرازي "الرفيع" بمعنيين: الأول: بمعنى رافع وقال: إن على هذا المعنى يكون كل درجة وفضيلة ورحمة ومنقبة حصلت لشيء سواه فإنما حصلت بإيجاده وتكوينه وفضله ورحمته. والثاني: بمعنى مرتفع أي أنه أرفع الموجودات وأعلاها في جميع صفات الجلال والإكرام. مفاتيح الغيب (٧/ ٢٩٣ - ٢٩٤).
[ ٢ / ٣٣٠ ]
الدليل التاسع: التصربح بأن الله في السماء
١٢٢١ - لَكنَّهَا مَرْفُوعَةٌ دَرجَاتُهُ لكَمَالِ رِفْعَتِهِ عَلَى الأكْوَانِ
١٢٢٢ - هَذَا هُوَ القَوْلُ الصَّحِيحُ فَلَا تَحِدْ عَنْهُ وخُذْ مَعْنَاهُ فِي القُرآنِ
١٢٢٣ - فَنَظِيرُهَا الْمُبْدي لَنَا تَفْسِيرَهَا في ذِي المعَارجِ لَيْسَ يفْترِقَانِ
١٢٢٤ - والرُّوحُ والأمْلَاكُ تَصْعَدُ في مَعَا رِجهِ إِلَيْهِ جَلَّ ذو السُّلْطَانِ
١٢٢٥ - ذَا رِفْعَةُ الدَّرَجَاتِ حقًّا مَا هُمَا إلا سَواءٌ أوْ هُمَا شبْهَانِ
١٢٢٦ - فَخُذِ الكِتَابَ بِبَعْضِهِ بَعْضًا كَذَا تَفسِيرُ أهْلِ العِلْمِ للقُرْآنِ
* * *
فصلٌ
١٢٢٧ - هَذَا وتَاسِعُهَا النُّصُوصُ بأنَّهُ فَوْقَ السَّماءِ وذَا بِلَا حُسْبَانِ
_________________
(١) أي أن الآية في سورة المعارج ﴿مِنَ اللهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾ تفسر المراد بـ "رفيع الدرجات" وهو أنه صاحب الدرجات المرفوعة. فهي نظيرة آية غافر. ويقول الشيخ عبد الرحمن السعدي عند قوله تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾: "أي العلي الأعلى، الذي استوى على العرش، واختص به، وارتفعت درجاته ارتفاعًا باين به مخلوقاته، وارتفع به قدره، وجلّت أوصافه وتعالت ذاته أن يتقرب إليه إلا بالعمل الزكي الطاهر المطهر وهو الإخلاص الذي يرفع درجات أصحابه ويقربهم إليه ويجعلهم فوق خلقه" ا. هـ تفسير الكريم الرحمن (٦/ ٥١٥).
(٢) أي أن الروح والملائكة تصعد في المعارج إليه سبحانه، وهذا معنى قوله: ﴿مِنَ اللهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣)﴾
(٣) يعود الضمير في قوله: "هما" إلى آية غافر وآية المعارج.
(٤) يعني أنّ خير ما يفسر به القرآن هو القرآن، وهذه هي طريقة السلف أهل العلم والإيمان.
(٥) يشير إلى ما جاء مصرحًا به فى نصوص الكتاب والسنة من أن الله - سبحانه- في السماء. فأما ما ورد في القرآن: =
[ ٢ / ٣٣١ ]
١٢٢٨ - فاسْتَحْضرِ الوَحْيَينِ وانظُرْ ذَاكَ تَلْـ ـقَاهُ مُبِينًا وَاضِحَ التِّبْيَانِ
١٢٢٩ - ولسَوْفَ نذكُرُ بَعْضَ ذَلكَ عَنْ قَرِيـ ـبٍ كَيْ تَقُومَ شَوَاهِدُ الإيمَانِ
١٢٣٠ - وإذا أتَتْ "في" لا تَكُنْ مُسْتَوْحِشًا مِنْهَا وَلَا تَكُ عنْدَهَا بِجَبَانِ
١٢٣١ - لَيسَتْ تَدُلُّ عَلَى انْحِصَارِ إلهنَا عَقلًا وَلَا عُرْفًا ولَا بِلِسَانِ
_________________
(١) = كقوله تعالى: ﴿ءَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧)﴾ [الملك: ١٦، ١٧]. وأما ما ورد في السنة فكثيرة جدًا، وسوف يشير الناظم في آخر دليل من أدلة العلو إلى الأدلة من السنة، ولكن نذكر هنا حديثًا واحدًا كمثال ولم يُشِرْ إليه الناظم في آخر أدلة العلو. والحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- قال: قال رسول الله - ﷺ -: "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء". أخرجه أبو داود في سننه في الأدب -باب في الرحمة برقم (٤٩٤١)، والترمذي في البر والصلة- باب ما جاء في رحمة المسلمين برقم (١٩٢٤) وقالى: "حديث حسن صحيح"، وأحمد في المسند (٢/ ١٦٠)، والبخاري في التاريخ الكبير (٩/ ٦٤)، والحميدي في مسنده (٢/ ٢٦٨) برقم (٥٩١)، والحاكم في المستدرك (٤/ ١٥٩)، وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٣٢٨)، برقم (٨٩٣)، والدارمي في الرد على الجهمية برقم (٦٩) ص ٤٠، وفي الرد على المريسي ص ١٠٤، وابن قدامة في العلو رقم (١٥) ص ٤٥ وصححه، والحديث صححه الألباني كما في السلسلة الصحيحة برقم (٩٢٥).
(٢) انظر: الدليل العشرين والحادي والعشرين من أدلة العلو في آخر هذا المبحث (الأبيات ١٦٥٧ وما بعده، ثم ١٦٨٣ وما بعده).
(٣) ط: "أتتك فلا تكن".
(٤) قال شيخ الإسلام في كلام ما ملخصه: "ومن توهم أن كون الله في السماء بمعنى أن السماء تحيط به وتحويه فهو كاذب -إن نقله عن غيره- وضالٌّ -إن اعتقده في ربه- وما سمعنا ولا رأينا أحدًا نقله ولا فهمه على هذا=
[ ٢ / ٣٣٢ ]
١٢٣٢ - إذ أجْمَعَ السَّلَفُ الكِرَامُ بأنَ مَعْـ ـناهَا كمَعْنَى "فَوْقَ" بالبُرْهَانِ
١٢٣٣ - أوْ أَنَّ لفْظَ سَمَائِهِ يُعنَى بِهِ نَفْسُ العُلُوِّ المطْلَقِ الحقَّانِي
_________________
(١) = الفهم بل عند الناس "أن الله في السماء" "وهو على العرش" واحد إذ السماء إنما يراد به العلو، وقد قال -سبحانه-: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ وقال: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ بمعنى: على ونحو ذلك، وهو كلام عربي حقيقة لا مجازًا إلخ " ا. هـ مختصرًا من مجموع الفتاوى (٥/ ١٠٦)، وانظر: (٥/ ٦٨، ٢٥٦)، وانظر: نقض التأسيس (١/ ٥٥٨).
(٢) ح، طه: (الفوق). - قال أبو بكر محمد بن موهب المالكي في شرحه لرسالة ابن أبي زيد: "قوله: إنه فوق عرشه المجيد بذاته، معنى فوق وعلى، عند جميع العرب واحد، وفي كتاب الله وسنة رسوله تصديق ذلك"، ثم ذكر النصوص، ثم قال: "وهذا قول مالك فيما فهمه عن جماعة ممن أدرك من التابعين فيما فهموا من الصحابة فيما فهموا عن النبي - ﷺ - أن الله في السماء بمعنى فوقها وعليها إلخ " ا. هـ، انظر: مختصر الصواعق ص ٣١١، واجتماع الجيوش الإسلامية ص ١٥٦. وقال البيهقي: "ومعنى قوله في هذه الأخبار (من في السماء) أي فوق السماء على العرش .. إلخ " ا. هـ. الأسماء والصفات ٢/ ٣٣٥، وانظر: مجموع الفتاوى ٥/ ١٩٢، ورد الدارمي على بشر المريسي ص ١٥٦، وفتح القدير للشوكاني ٣/ ٣٧٦، وتفسير القرطبي ٨/ ١٤١.
(٣) والمعنى الثاني لقوله: "في السماء" أن المراد بالسماء نفس العلو المطلق، وقد قرر هذا جمع من العلماء على رأسهم شيخ الإسلام، ويقول الأشعري في الإبانة. "فالسماوات فوقها العرش، فلما كان العرش فوق السماوات قال: ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ لأنه مستو على العرش الذي فوق السماوات وكل ما علا فهو سماء فالعرش أعلى السماوات" الإبانة ص ٩٧، ويقول شارح الطحاوية: "التاسع: التصريح بأنه تعالى في السماء وهذا عند المفسرين من أهل السنة على أحد وجهين: إما أن تكون "في" بمعنى "على" وإما أن يراد بالسماء العلو لا يختلفون في ذلك، ولا يجوز الحمل على غيره" شرح الطحاوية ٢/ ٣٨٣. وانظر: مجموع الفتاوى ٦/ ١٠١ و٥/ ١٠٦.
[ ٢ / ٣٣٣ ]
١٢٣٤ - والرَّبُّ فِيهِ ولَيْسَ يَحْصُرُهُ مِنَ الْـ ـمَخْلُوقِ شَيءٌ عَزَّ ذُو السُّلْطَانِ
١٢٣٥ - كُلُّ الجِهَاتِ بأسْرِهَا عَدَمِيَّةٌ فِي حَقِّهِ هُوَ فَوْقَهَا بِبَيَانِ
١٢٣٦ - قَدْ بَانَ عَنْهَا كلِّهَا فَهُوَ المُحِيـ ـطُ ولا يُحَاطُ بخالِقِ الأكْوانِ
١٢٣٧ - مَا ذَاكَ يَنْقِمُ بعدُ ذُو التعْطِيلِ مِنْ وَصْفِ العُلُوِّ لربِّنَا الرَّحْمنِ
١٢٣٨ - أيرُدُّ ذُو عقْلٍ سَليمٍ قطُّ ذا بَعْدَ التَّصَوُّرِ يَا أولِي الأذْهَانِ
١٢٣٩ - واللهِ مَا رَدَّ امْرُؤٌ هَذَا بِغَيْـ ـرِ الجَهْلِ أوْ بحَمِيَّةِ الشَّيْطَانِ
* * *
_________________
(١) أي أن الجهات التي هي في العلو عدمية في حقه بل ليس فوقه شيء فلا توجد أي جهة وجودية فوقه سبحانه. وفي هذا المعنى يقول الناظم في الصواعق: " وكذلك قولهم: (ننزهه عن الجهة) إن أردتم أنه منزه عن جهة وجودية تحيط به وتحويه وتحصره إحاطة الظرف للمظروف وحصره له فنعم هو أعظم من ذلك، وإن أردتم بالجهة أمرًا يوجب مباينة الخالق للمخلوق وعلوه على خلقه واستواءه على عرشه فنفيكم لهذا المعنى باطل فسميتم ما فوق العالم جهة وقلتم منزه عن الجهات إلخ" ا. هـ. بتصرف من الصواعق المرسلة (٣/ ٩٤٧). ويقول شيخ الإسلام: "لا نسلم أن كل ما يسمى حيزًا وجهة فهو أمر وجودي بل قد يقال: إن المسمى بالجهة والحيز منه ما يكون وجوديًا، وهو الأمكنة الوجودية مثل داخل العالم مثل الشمس والقمر والأفلاك والأرض والحجر والشجر ونحو هذه الأشياء، كلها في أحياز وجودية، ولها جهات وجودية، وهو ما فوقها وما تحتها. ومنه ما يكون عدميًا، مثل ما وراء العالم، فإن العالم إذا قيل إنه في حيز أو جهة، فليس هو في جهة وجودية وحيز وجودي، لأن ذلك الوجودي هو العالم أيضًا، ولأن ذلك يفضي إلى التسلسل. وإذا لم يثبت ذلك لم يجب أن يقال إن الباري إذا كان في حيز وجهة كان في أمر وجودي " ا. هـ بيان تلبيس الجهمية ٢/ ١١٥.
[ ٢ / ٣٣٤ ]
الدليل العاشر: اختصاص بعض المخلوقات بأنها عند الله
فصلٌ
١٢٤٠ - هَذَا وَعَاشِرُهَا اخْتِصاصُ البَعْضِ مِنْ أمْلَاكِهِ بالعِنْدِ لِلرَّحْمنِ
١٢٤١ - وَكذَا اخْتِصَاصُ كِتَابِ رَحْمَتِهِ بِعِنْـ ـد اللهَ فَوْقَ العَرْشِ ذُو تِبْيَانِ
_________________
(١) يشير الناظم إلى ما ورد من الآيات والأحاديث التي أثبتت اختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده كالملائكة مثلًا، وإليك بعض الآيات: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]. قال البغوي في تفسير هذه الآية: "يعني الملائكة المقربين بالفضل والكرامة" ا. هـ معالم التنزيل ٣/ ٣٢١. وانظر: تفسير الطبري ٩/ ١٦٨. وقال القرطبي: "يعني الملائكة بإجماع" ا. هـ الجامع لأحكام القرآن ٧/ ٣٥٦. وقال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩)﴾ [الأنبياء: ١٩]. قال ابن كثير: "يعني الملائكة" ا. هـ تفسير القرآن العظيم ٣/ ١٧٥. وقال تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨)﴾ [فصلت: ٣٨]. وجاء في الحديث الصحيح: عن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- عن النبي - ﷺ - قال: "إن المقسطين عند الله على منابر من نور، عن يمين الرحمن ﷿، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا". أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الإمارة برقم (١٨٢٧). وسوف يشير الناظم إلى أدلة العندية وسوف نذكرها إن شاء الله هناك عند البيت رقم (١٦٧٢).
(٢) يشير إلى الحديث الصحيح عن أبي هريرة -﵁- أن النبي - ﷺ - قال: "لمّا خلق الله الخلق كتب كتابه فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي". أخرجه البخاري في بدء الخلق- باب قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ رقم (٣١٩٤)، وبرقم (٧٤٠٤)، (٧٤٢٢)، (٧٤٥٣)، (٧٥٥٣)، (٧٥٥٤). وأخرجه مسلم واللفظ له في التوبة برقم (٢٧٥١)، وسوف يشير الناظم إلى هذا الحديث مرة أخرى عند البيت رقم (١٦٩٥).
[ ٢ / ٣٣٥ ]
١٢٤٢ - لَوْ لَمْ يَكُنْ سُبْحَانَهُ فَوْقَ الوَرَى كَانُوا جَمِيعًا عِنْدَ ذِي السُّلْطَانِ
١٢٤٣ - وَيكُونُ عِنْدَ الله إِبليسٌ وجِبْـ ـرِيلٌ هُمَا فِي العِنْدِ مُسْتَوِيَانِ
١٢٤٤ - وَتمَامُ ذَاكَ القَوْلِ أنَّ مَحَبَّةَ الرَّ حْمنِ عَيْنُ إِرَادةِ الأَكْوانِ
١٢٤٥ - وَكِلَاهُمَا مَحْبُوبُهُ ومُرَادُهُ وَكِلَاهُمَا هُوَ عِنْدَهُ سيَّانِ
_________________
(١) وهذا هو وجه استدلال الناظم بأدلة العندية على أنها تدل على علو الله سبحانه، وفي هذا الاستدلال يقول الدارمي ﵀: " ومما يبين ذلك - يعني العلو لله- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ ﴾ الاية، ففي هذه الآية بيان لتحقيق ما ادعينا للحد، فإنه فوق العرش بائن من خلقه، ولإبطال دعوى الذين ادّعوا أن الله في كل مكان، لأنه لو كان في كل مكان ما كان لخصوص الملائكة أنهم: (عند ربك) معنى بل كانت الجن والملائكة والإنس وسائر الخلق كلهم عند ربك -في دعواهم- بمنزلة واحدة ". الرد على الجهمية ص ٨٥. ويقول شيخ الإسلام: " ويخبر عمن عنده بالطاعة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ فلو كان موجب العندية معنًى عامًا كدخولهم تحت قدرته ومشيئته وأمثال ذلك لكان كل مخلوق عنده ولم يكن أحد مستكبرًا عن عبادته بل مسبحًا له وساجدًا " مجموع الفتاوى ٥/ ١٦٥، وانظر: ٥/ ٤٠٥.
(٢) ب: "هم"، تحريف. وخلاصة الاستدلال بهذا الدليل: أنه لو يكن هذا دالًاّ على علوه -سبحانه- لكان أشرف مخلوقاته وأدناها وجميع الذوات عنده سبحانه في القرب والمحبة والإكرام سواء، وهذا باطل. انظر: توضيح الكافية للشيخ عبد الرحمن السعدي ص ٦٥.
(٣) "ذاك القول": يعني القول الباطل أن جميع الخلق عند الله سواء. "عين": ب، د، س، طت، طع: (غير)، وهو تحريف.
(٤) أي ينتهي قولكم هذا إلى قاعدتكم المعروفة "أن المحبة والإرادة لله لا فرق بينهما" وهذا هو أصل ضلالكم في القدر (والخطاب لأهل التعطيل نفاة=
[ ٢ / ٣٣٦ ]
١٢٤٦ - إِنْ قُلْتُمُ عِنْديّةُ التَّكْوِينِ فَالذَّ اتَانِ عِنْدَ اللهِ مَخْلُوقَانِ
١٢٤٧ - أَوْ قُلْتُمُ عِنْدِيَّةُ التَّقْرِيبِ تَقْـ ـرِيب الحَبِيبِ وَمَا هُمَا عِدْلَانِ
١٢٤٨ - فَالحُبُّ عِنْدَكُمُ المشِيئَةُ نَفْسُها وَكِلَاهُمَا فِي حُكْمِهَا مِثْلَانِ
_________________
(١) = العلو). فكل ما هو مراد لله محبوب لديه -عندكم- فكذلك من عنده ومن ليس عنده في نظركم الفاسد سواء. انظر: شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز ١/ ٣٢٤، وتوضيح الكافية لابن سعدي ص ٦٥.
(٢) "فالذاتان": يعني "إبليس وجبريل" والكلام متصل. يقول: إن قلتم يا معشر المعطلة إن المراد بالعندية: عندية التكوين أي الخلق، فلا معنى لإطلاقها على بعض المخلوقات دون بعض إذ كل ما في الكون مخلوق لله والله هو الذي كوْنه. ولم أجد كلامًا لأهل البدع في تأويل العندية بعندية التكوين إلا كلامًا لشيخ الإسلام في مجموع الفتاوى ٥/ ١٢١ ذكر أنهم يؤولونها بمعنى عند قدرته ومشيئته.
(٣) أي: إن قلتم إن المراد بها عندية قرب ومحبة وإكرام انتقض قولكم بأن محبة الله ومشيئته سواء، فلا معنى لأن يخصّ بعض المخلوقات بالمحبة لأن كل ما أراده الله -في زعمكم- محبوب له. ومن أمثلة تأويلهم العندية بالقرب: ما قرره الرازي في كتبه يقول: "فلا يجوز أن يكون المراد بالعندية الحيّز، بل المراد بها الشرف " ا. هـ أساس التقديس ص ١٦٤. وانظر: تفسيره الكبير "مفاتيح الغيب": ٣/ ٩٧، ٤/ ٣٤٥، ٦/ ٩١، ٧/ ٣٦٢، ٧٩٤، ٨/ ١٦٨. ويقول الزمخشري: " ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾: هم الملائكة، ومعنى "عند": دنو الزلفة والقرب من رحمة الله وفضله " الكشاف ٢/ ١١٢.ويقول القرطبي: " .. وقيل هذا -يعني العندية- على جهة التشريف وأنهم بالمكان المكرم، فهو عبارة عن قربهم في الكرامة لا في المسافة" ا. هـ الجامع لأحكام القرآن ٧/ ٣٥٦، وانظر: تفسير الثعالبي ٢/ ٨٠. عدلان: مثلان.
[ ٢ / ٣٣٧ ]
الدليل الحادي عشر: إشارة النبي - ﷺ - في الحديث الصحيح إلى الله في السماء
١٢٤٩ - لَكِنْ مُنَازِعُكُمْ يَقُولُ بِأنَّهَا عِنْدِيَّةٌ حَقًّا بِلَا رَوَغَانِ
١٢٥٠ - جَمعَتْ لَهُ حُبَّ الإلهِ وَقُرْبَهُ مِنْ ذَاتِهِ وَكَرَامَةَ الإحْسَانِ
١٢٥١ - وَالحُبُّ وَصفٌ وَهْوَ غَيْرُ مشِيئَةٍ والعِنْدُ قُرْبٌ ظَاهِرُ التِّبْيَانِ
* * *
فصلٌ
١٢٥٢ - هَذَا وحَادِي عَشْرَهُنَّ إشَارَةٌ نَحْوَ الْعُلُوِّ بإصبَعٍ وَبَنَانِ
١٢٥٣ - للَّهِ ﷻ لَا غَيْرِهِ إِذْ ذَاكَ إشرَاكٌ مِنَ الإنْسَانِ
١٢٥٤ - وَلَقَدْ أَشَارَ رَسُولُهُ فِي مَجْمَعِ الْـ حَجِّ العَظِيمِ بمَوْقِفِ الغُفْرَانِ
_________________
(١) يعني: أهل السنة الذين يقولون بأنها عندية حقيقية لا مجاز فيها كما تزعمون. "بلا روغان" أي: من غير انحراف وتهرّب، وقد تقدم تفسيره.
(٢) يعني العندية الحقيقية من لوازمها المحبة والقرب من الله مع إثباتها حقيقة لمن هو عند الله.
(٣) يعني لو كان المراد بإشارته إلى العلوّ غير الله لكان شركًا أن يتوجه بالدعاء ويشير ويقصد غير الله فلم يبق إلاّ أنه أراد الله سبحانه فأشار إلى فوق - ﷺ -. انظر: نقض التأسيس ٢/ ٤٤٩.
(٤) يشير -﵀- إلى الحديث الصحيح الطويل في صفة حج النبي - ﷺ - الذي رواه جابر -﵁- وفيه أنه لما قدم إلى عرفة خطب الناس وكان من ضمن ما قال: " وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن إعتصمتم به كتاب الله. وأنتم تسألون عني. فما أنتم قائلون؟ " قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء ويَنْكُتُها إلى الناس- وعند أبي داود "يَنْكُبُها" بالباء الموحدة- اللهم اشهد ثلاث مرات " الحديث أخرجه مسلم في كتاب الحج برقم (١٢١٨)، وأبو داود في كتاب المناسك- باب صفة حج النبي - ﷺ - برقم (١٩٠٥). وانظر البيت ١٦٩٨.
[ ٢ / ٣٣٨ ]
الدليل الثاني عشر: وصف الرب بالظهور في نصوص الكتاب والسنة
١٢٥٥ - نَحْوَ السَّمَاءِ بإصْبَعٍ قَدْ كُرِّمَتْ مُسْتَشْهِدًا لِلوَاحِد الرَّحمنِ
١٢٥٦ - يا رَبِّ فاشْهَدْ أنَّنِي بَلَّغْتُهُمْ وَيُشِيرُ نَحْوَهُمُ لِقَصْدِ بَيَانِ
١٢٥٧ - فَغَدا البَنَانُ مُرَفَّعًا وَمُصَوَّبًا صلَّى عَلَيْكَ اللَّهُ ذُو الغُفْرَانِ
١٢٥٨ - أدَّيتَ ثُمَّ نَصَحْتَ إذْ بَلَّغْتَنَا حَقَّ البَلَاغِ الوَاجِبِ الشُّكْرَانِ
* * *
فصلٌ
١٢٥٩ - هَذَا وَثَانِيَ عَشْرَهَا وَصْفُ الظُّهُو رِ لَهُ كَمَا قَدْ جَاءَ فِي القُرْآنِ
١٢٦٠ - والظَّاهِرُ العَالِي الَّذِي مَا فَوْقَهُ شَيءٌ كَمَا قَدْ قَالَ ذُو البُرْهَانِ
١٢٦١ - حَقًا رَسُولُ اللهِ ذَا تَفْسِيرُهُ وَلَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِضَمَانِ
_________________
(١) صوَّب رأسه: خفضه. القاموس ص ١٣٦. والمراد أنه بعد أن رفع إصبعه إلى السماء خفضها وأشار بها إلى الناس.
(٢) يشير إلى قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]. قال ابن جرير -﵀- في تفسير هذه الآية: "وقوله (والظاهر) يقول: وهو الظاهر على كل شيء دونه وهو العالي فوق كل شيء" ا. هـ. تفسير الطبري ٢٧/ ٢١٥. وانظر: البغوي (٨/ ٣١)، وابن كثير (٢/ ٣٠٤).
(٣) يشير إلى الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم من طريق زهير عن جرير عن سهيل قال: كان أبو صالح يأمرنا إذا أراد أحدنا أن ينام، أن يضطجع على شقه الأيمن. ثم يقول: "اللهم رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شيء فالق الحب والنوى ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شرّ كُل شيء أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عنا الدَّين وأغننا من الفقر". وكان يروي ذلك عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -. أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء برقم (٢٧١٣). الإمام مسلم: هو أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم بن وَرْد القشيري =
[ ٢ / ٣٣٩ ]
١٢٦٢ - فَاقْبَلْهُ لَا تَقْبَلْ سِوَاهُ مِنَ إلتَّفا سيرِ الَّتي قِيلَتْ بِلَا بُرْهَانِ
١٢٦٣ - والشَّيءُ حِينَ يَتِمُّ مِنْه عُلُوُّهُ فَظُهُورُهُ فِي غَايَةِ التَّبْيَانِ
١٢٦٤ - أَوَ مَا تَرى هَذِي السَّمَا وَعُلُوَّهَا وَظُهُورَهَا وَكَذَلِكَ القَمَرَانِ
١٢٦٥ - وَالعَكْسُ أَيْضًا ثَابِتٌ فَسُفُولُهُ وَخَفَاؤهُ إذ ذَاكَ مُصطَحِبَانِ
١٢٦٦ - فَانْظُرْ إلَى عُلْوِ المُحِيطِ وأخْذِهِ صِفَةَ الظُّهُورِ وذَاكَ ذُو تبْيَانِ
١٢٦٧ - وَانْظُر خَفَاءَ المَركَزِ الأَدْنَى وَوَصْـ ـفِ السُّفْل منه وَكَوْنَهُ تَحْتَانِي
_________________
(١) = النيسابوري، صاحب الصحيح، ولد سنة ٢٠٤ هـ، الحافظ المجوّد الحجّة الصادق روى عن إسحاق بن راهويه وسعيد بن منصور وغيرهما. وعنه أبو بكر بن خزيمة، وأبو العباس السراج وغيرهما. كانت وفاته بنيسابور سنة ٢٦١ هـ. انظر: السير ١٢/ ٥٥٧، البداية والنهاية ١١/ ٣٦.
(٢) ومن هذه التفاسير التي قيلت بلا دليل ولا برهان: ما فسر به الرازي "الظاهر" بأنه الغالب وكذلك "الظاهر" بحسب الدلائل التي دلّت عليه. انظر: مفاتيح الغيب ٨/ ٨٥، أحكام القرآن للقرطبي ١٧/ ٢٣٦. ونقل البغوي عن بعض المفسرين أقوالًا في الظاهر، منها: الحليم، ومنها الظاهر بكشف الكروب. انظر: معالم التنزيل ٨/ ٣١، وانظر: مجموع الفتاوى ٥/ ٢٤٤.
(٣) المحيط: يعني محيط الأرض، قال شيخ الإسلام: "فمن المعلوم باتفاق من يعلم هذا أن الأفلاك مستديرة كُريَّة الشكل وأن الجهة العليا هي جهة المحيط وهي المحدود " ا. هـ العرشية ص ١٧.
(٤) والمركز الأدنى: الجهة السفلى من الفلك أو الأرض وهي في وسطها، ولهذا يقول شيخ الإسلام: "والجهة السفلى: هو المركز وليس للأفلاك إلاّ جهات العلو والسفل فقط إلخ" ا. هـ العرشية ص ١٧، ولذلك فالمحيط يطلق على العلو منَ الفلك من المركز يعني أسفله. ويقول شيخ الإسلام موضحًا ما هو المراد بالمحيط والمركز: "وكل من يعلم أن الأفلاك مستديرة يعلم أن المحيط هو العالي على المركز فى كل جانب " ا. هـ ص ١٨. وانظر: شرح ابن عيسى للنونية ١/ ٤٢٥. - "منه" كذا في الأصل وف، وفي غيرهما: "فيه".
[ ٢ / ٣٤٠ ]
١٢٦٨ - وَظُهُورُهُ سُبحَانَهُ بِالذَّاتِ مِثْـ ـلُ عُلُوِّهِ فَهُمَا لَهُ صِفَتَانِ
١٢٦٩ - لَا تَجْحَدَنَّهُمَا جُحُودَ الجَهْمِ أوْ صَافَ الكَمَالِ تكُونُ ذَا بُهْتَانِ
١٢٧٠ - وَظُهُورُهُ هُوَ مُقْتَضٍ لِعُلُوِّهِ وَعُلُوُّهُ لِظُهُورِهِ بِبَيَانِ
١٢٧١ - وَلِذاك قَدْ دَخَلَتْ هُنَاكَ الفَاءُ لِلتَّـ ـسْبِيبِ مُؤْذِنةً بِهَذَا الشَّانِ
١٢٧٢ - فَتَأمَّلنْ تَفْسِيرَ أعْلَمِ خَلْقِهِ بصفَاتهِ مَن جاء بالقرآنِ
١٢٧٣ - إذْ قَالَ أَنْتَ كَذَا فَلَيْسَ لِضِدِّهِ أَبَدًا إِلَيْكَ تَطَرُّق الإتْيَانِ
* * *
_________________
(١) تقدمت ترجمة الجهم تحت البيت ٤٠. - "تكون" جواب النهي، فحقّه أن يكون مجزومًا "تكن"، ولكن رفعه للضرورة، (ص).
(٢) يقول شيخ الإسلام: "فقوله: (وأنت الظاهر فليس فوقك شيء) فنفى أن يكون فوق الله شيء وذلك يقتضي أنه ﷾ أكمل شيء ظهورًا، والظهور يتضمن العلو إلى أن قال: ومن شأن العالي أبدًا أن يكون ظاهرًا متجليًا " ا. هـ بيان تلبيس الجهمية ص ٨٧ في القسم الذي حققه د. محمد اللاحم (ضمن ثماني رسائل دكتوراه قدمت لتحقيق هذا الكتاب بجامعة الإمام) ويقول ابن القيم: "فجعل كمال الظهور موجبًا لكمال الفوقية " ا. هـ مختصر الصواعق ص ٣٥٧. وانظر: مدارج السالكين ١/ ٤٠، نقض التأسيس ١/ ٥٥١، مجموع الفتاوى ٥/ ٢٤٤، ٢٤٥.
(٣) "ولذاك": كذا في الأصل، ف، ظ، وفي غيرها: "وكذاك". - يعني في قوله - ﷺ -: "اللهم أنت الظاهر فليس فوقك شيء". والمراد بالتسبيب: "أن يكون المعطوف بالفاء متسببًا عن المعطوف عليه" انظر: حاشية الصبان على الأشموني ٣/ ٩٣، التصريح على التوضيح لابن هشام ٢/ ١٣٨. فالمعنى على هذا: أن كون الله هو الظاهر يلزم منه أن ليس فوقه شيء والعكس.
(٤) والمعنى: أنَّ ضد الظهور لا يتطرق إليك أبدًا إتيانه. والله أعلم.
[ ٢ / ٣٤١ ]
الدليل الثالث عشر: الأخبار الواردة في رؤية المؤمنين لربهم في الجنة
فصلٌ
١٢٧٤ - هَذَا وَثَالِثَ عَشْرَهَا إخْبَارُهُ أَنَّا نَرَاهُ بِجَنَّةِ الحَيَوَانِ
_________________
(١) يشير إلى ما ورد في الآيات والأحاديث الدالة على رؤية المؤمنين لربهم في الجنة. فأمَّا الآيات فمنها قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]. وقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] وقوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾ [ق: ٣٥]. وفسرت الزيادة والمزيد في الآيتين بالنظر إلى وجه الله ﷾ كما جاء ذلك في الأحاديث الصحيحة الصريحة. قال ابن جرير -﵀-: "وأولى الأقوال بالصواب أن يقال: إن الله ﵎ وعد المحسنين من عباده على إحسانهم الحسنى أن يجزيهم على طاعتهم إياه بالجنة، وأن تُبيَّض وجوههم ووعدهم مع الحسنى الزيادة عليها، ومن الزيادة على إدخالهم الجنة أن يكرمهم الله بالنظر إليه " جامع البيان ١١/ ١٠٨. وانظر: ٢٦/ ١٧٣، وانظر: تفسير البغوي ٤/ ١٣٠، ٧/ ٣٦٣، وتفسير ابن كثير ٢/ ٤١٤، ٤/ ٢٢٨. وأما الأحاديث فهي كثيرة وتبلغ حد التواتر، فيقول الناظم ﵀: "وأما الأحاديث عن النبي - ﷺ - وأصحابه الدالّة على الرؤية فمتواترة رواها عنه: أبو بكر الصدِّيق، وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، وجرير بن عبد الله البجلي، وصهيب الرومي، وعبد الله بن مسعود، وعلي بن أبي طالب، وأبو موسى الأشعري، وعدي بن حاتم الطائي، وأنس بن مالك، وبريدة بن الحصيب، وأبو رزين العقيلي، وجابر بن عبد الله " ثم ذكر عددًا من الصحابة ثم قال: " فهاك سياق أحاديثهم من الصحاح والمسانيد والسنن وتَلَقَّها بالقبول والتسليم وانشراح الصدر لا بالتحريف والتبديل وضيق العطن، ولا تكذب بها، فمن كذب بها لم يكن إلى وجه ربه من الناظرين، وكان عنه يوم القيامة من المحجوبين" حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح ص ٣٣٨. وانظر: مجموع الفتاوى ٣/ ١٣٧، ١٤٠، ٦/ ٤٣١، ٤٠١ - ٤٠٧. =
[ ٢ / ٣٤٢ ]
١٢٧٥ - فَسَلِ المعَطِّلَ هَلْ يُرَى مِن تَحْتِنَا أَمْ عَنْ شَمَائِلِنَا وَعَنْ أَيْمَانِ
١٢٧٦ - أَمْ خَلْفَنا وَأَمَامَنَا سُبحَانَهُ أَمْ هَلْ يُرَى مِنْ فَوْقِنَا بِبَيَانِ
١٢٧٧ - يَا قَوْمُ مَا فِي الأَمرِ شَيءٌ غَيرُ ذَا أَوْ أَنَّ رؤيَتَهُ بِلَا إمْكَانِ
١٢٧٨ - إذ رُؤَيةٌ لَا فِي مُقَابَلةٍ مِنَ الرَّ ائِي مُحَالٌ لَيْس فِي الإمْكَانِ
١٢٧٩ - وَمَنِ ادَّعَى شَيْئًا سِوَى ذَا كَانَ دَعْـ ـواهُ مُكابَرةً عَلَى الأذْهَانِ
_________________
(١) = ومن هذه الأحاديث: حديث جرير -﵁- قال: "كلنا جلوسًا عند النبي - ﷺ - إذ نظر إلى القمر ليلة البدر. قال: (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تَضَامُّون في رؤيته الحديث" أخرجه البخاري في التوحيد - باب قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ برقم (٧٤٣٤). ووجه الاستدلال بأحاديث الرؤية في مسألة العلو سوف يشير إليه الناظم في الأبيات الآتية. وخلاصة استدلال الناظم بالرؤية على كونها من أدلة العلو: أنه لا بد أن تكون الرؤية من فوق، لأنه إذا بطل أن تكون من أمام وخلف وتحت وعن يمين وعن شمال لم يبق إلاجهة الفوق. انظر تقرير هذا المعنى في الصواعق المرسلة ٤/ ١٣٣١، فقد بسط القول فيه بما يشفي ويكفي. وانظر حادي الأرواح ص ٣٨٠.
(٢) د: "سواه كان". - يشير الناظم إلى مذهب الأشاعرة، فهم يثبتون الرؤية لا في جهة. انظر: تقرير مذهبهم في المجرد لابن فورك ص ٧٩ - ٨٥، والإرشاد للجويني ص ١٦٤. وانظر رد شيخ الإسلام على الأشاعرة في باب الرؤية في مجموع الفتاوى ١٦/ ٨٤ وما بعدها، ودرء التعارض ١/ ٢٤٥، ونقض التأسيس ٢/ ٤٠٩ وما بعدها. ويقول الناظم: "وأما من قال بالرؤية ولم يثبت العلو فهو معاند ومكابر للحق الواضح الصريح، لأن الرؤية المعقولة عند جميع بني آدم أن يكون المرئي مقابلًا للرائي مواجهًا له، بائنًا عنه، لا تعقل الأمم رؤية غير ذلك، فإذا ثبت ذلك فلا بد أن يكون المرئي -وهو الله- فوقه مباينًا له فلا يجتمع الإقرار بالرؤية وإنكار الفوقية والمباينة" ا. هـ بتصرف من: مختصر الصواعق ص ١٧٢. وانظر حادي الأرواح ص ٣٨٠.
[ ٢ / ٣٤٣ ]
١٢٨٠ - وَلِذَاكَ قَالَ مُحَقِّقٌ مِنْكُمْ لأَهْـ ـلِ الاعْتِزَالِ مَقَالةً بأمَانِ
١٢٨١ - مَا بَيْنَنَا خُلْفٌ وَبَيْنَكُمُ لَدَى التَّـ ـحْقِيقِ فِي مَعْنًى فَيَا إخْوانِي
١٢٨٢ - شُدُّوا بأجْمَعِنَا لِنَحمِلَ حَمْلَةً تَذَرُ المُجَسِّمَ فِي أَذَلِّ هَوَانِ
١٢٨٣ - إِذْ قَالَ إنَّ إلهَهُ حَقًا يُرَى يَوْمَ المعَادِ كَمَا يُرَى القَمَرَانِ
١٢٨٤ - وتَصِيرُ أَبْصارُ العِبَادِ نَوَاظِرًا حَقًّا إِلَيْهِ رُؤْيةً بِعِيَانِ
_________________
(١) يعني به الرازي كما سوف يأتي نقل كلامه. - يخاطب الناظم الأشاعرة، ويبين أن مآل قولهم هو قول المعتزلة نفاة الرؤية بالكلية، ويبين اجتماعهم وحربهم على أهل السنة. وتقدم التعريف بالمعتزلة في التعليق على مقدمة المؤلف.
(٢) "لدى": كذا في ف، طع. وفي الأصل وغيره "لذي"، ولعله تصحيف. - وهذا هو نص كلام الرازي، الذي فسَّر الرؤية بتفسير يلتقي مع المعتزلة فيه ويكون الخلاف بينه وبينهم لفظيًا، فقد فسَّرها بنوع من "الكشف التام" وفسرها بـ "زيادة العلم". انظر تقريره لهذا الرأي في كتابه: الأربعين في أصول الدين ١/ ٣٠٤، والمحصل في أفكار المتقدمين والمتأخرين ص ١٨٩، بل قد نص الرازي على أن الخلاف بينه وبين المعتزلة لفظي كما نقل عنه شيخ الإسلام إذ يقول على لسان الرازي: "واعلم أيضًا أن التحقيق في هذه المسألة أن الخلاف فيها يقرب أن يكون لفظيًا" نقض التأسيس ٢/ ٤٠٤. ويقول شيخ الإسلام: "ولهذا يعترف هذا الرازي بأن النزاع بينهم وبين المعتزلة في الرؤية قريب من اللفظي" نقض التأسيس ٢/ ٣٩٦. وممن وافق الرازي من متأخري الأشاعرة: الغزالي كما نص على ذلك شيخ الإسلام: انظر: نقض التأسيس ١/ ٣٦٠، درء التعارض ١/ ٢٥٠، مجموع الفتاوى ١٦/ ٨٥.
(٣) يعني المثبت للصفات، وقد نبزه بالتجسيم.
(٤) ط: (إلَهنا). - يشير إلى نص حديث جرير المتقدم ذكره عند البيت رقم (١٢٧٤).
[ ٢ / ٣٤٤ ]
الدليل الرابع عشر: السؤال عن الله ب "أين" قولا وإقرارا من النبي - ﷺ -
١٢٨٥ - لَا رَيْبَ أنَّهُمُ إذا قَالُوا بِذَا لَزِمَ العُلُوُّ لِفَاطِرِ الأكْوانِ
١٢٨٦ - وَيكُونُ فوْقَ العَرْشِ ﷻ فَلِذاكَ نَحْنُ وَحِزْبُهُمْ خَصْمَانِ
١٢٨٧ - لَكِنَّنَا سِلْمٌ وأنتُمْ إذْ تَسَا عَدْنَا عَلَى نَفْيِ العُلُوِّ لِربِّنَا الرَّحْمنِ
١٢٨٨ - فَعُلُوُّهُ عَيْنُ المُحَالِ وَلَيْسَ فَوْ قَ العَرْشِ مِنْ رَبٍّ وَلَا دَيَّانِ
١٢٨٩ - لَا تَنْصِبُوا مَعَنا الخِلَافَ فَمَا لَهُ طَعْمٌ فَنَحْنُ وأنْتُمُ سِلْمَانِ
١٢٩٠ - هَذَا الَّذِي واللهِ مُودَعُ كُتْبِهِمْ فانْظُر تَرَى يَا مَنْ لَهُ عَيْنَانِ
* * *
فصلٌ
١٢٩١ - هَذَا وَرَابعَ عَشْرَهَا إِقْرَارُ سَا ئِلهِ بِلَفْظِ "الأيْن" للرَّحْمنِ
١٢٩٢ - وَلَقَدْ رَوَاهُ أبُو رَزِينٍ بَعْدَمَا سَألَ الرَّسُولَ بلَفْظِهِ بوِزَانِ
_________________
(١) الكلام في هذا البيت ما زال للمعطل كما يحكيه الناظم عنه.
(٢) "نحن": يعني القائل -وهو الرازي- حزبه الأشاعرة. "حزبهم": يعني أهل السنة.
(٣) "أنتم": يعني المعتزلة. - البيت كذا مختلّ الوزن في جميع النسخ الخطية والمطبوعة، وفيه ركن زائد. وانظر تعليقنا على البيت ٥٧٨، (ص).
(٤) انتهت حكاية كلام المعطّل من الأشاعرة.
(٥) ظ: (كتبكم). وقد نقلنا آنفًا من كتب الرازي ومن نقل عنها كشيخ الإسلام.
(٦) أبو رزين: هو لقيط بن عامر بن عقيل بن عامر العامري، العقيلي، وافد بني المنتفق، روى عنه ابن أخيه وكيع بن حُدُس، وعبد الله بن حاجب وعمر بن أوس الثقفي. وله صحبة ﵁. (وهو غير "لقيط بن صبرة" خلافًا لمن زعم أنهما واحد، ورجح الحافظ في الإصابة أنهما اثنان). انظر: الإصابة ٣/ ٣٣٠، وأسد الغابة لابن الأثير ٤/ ٣٦٦.
[ ٢ / ٣٤٥ ]
١٢٩٣ - وَرَوَاهُ تَبْليغًا لَهُ ومُقَرِّرًا لَمَّا أَقَرَّ بِهِ بِلَا نُكْرَانِ
_________________
(١) - يشير إلى الحديث المشهور عن وكيع بن حُدُس عن أبي رزين العقيلي قال: قلت: يا رسول الله، أين كان ربنا -﵎- قبل أن يخلق العرش؟ قال: "كان في عماء، ما فوقه هواء، وما تحته هواء ثم خلق العرش على الماء". الحديث أخرجه الإمام أحمد في المسند ٤/ ١١، ١٢. والترمذي في سننه في كتاب التفسير - باب سورة هود ٥/ ٢٦٩، برقم (٣١٠٩) وحسَّنهُ، وابن ماجه في المقدمة- فيما أنكرت الجهمية ١/ ٣٥، برقم (١٧٠)، وأبو داود الطيالسي في المسند ص ١٤٧، برقم (١٠٩٣)، وعبد الله ابن الإمام أحمد في السنة ١/ ٢٤٥، برقم (٤٥٠)، والطبري في التفسير ٤/ ١٢، وابن أبي شيبة في العرش برقم (٧)، ص ٥٤، وابن أبي عاصم في السنة ١/ ٢٧١، برقم (٦١٢)، والطبراني في الكبير ١٩/ ١٠٧ (٤٦٨)، وابن حبان في صحيحه (كما في الإحسان ٨/ ١٤)، برقم (٦١٤١)، والبيهقي في الأسماء والصفات ٢/ ٢٣٥، برقم (٨٠١)، وأبو الشيخ في العظمة ١/ ٣٦٤، برقم (٨٣)، وابن أبي زمنين في أصول السنة ص ٨٩، برقم (٣١)، والذهبي في العلو (المختصر ص ١٨٦) وحسَّنهُ، وابن عبد البر في التمهيد ٧/ ١٣٧. والحديث كما مرَّ حسَّنه: الترمذي والذهبي. ولكن قد ضعفه الألباني (انظر: السنة لابن أبي عاصم ١/ ٢٧١، مختصر العلو ص ١٨٦)، لأن مدار طرق الحديث على وكيع بن حُدُس وقال عنه الحافظ في التقريب ص ٥٨١: "مقبول" (يعني: إذا توبع). وقال ابن قتيبة عن هذا الحديث: "مختلف فيه، ووكيع لا يعرف .. " ا. هـ بتصرف تأويل مختلف الحديث ص ١٥٠. ولكن يشهد لهذا الحديث ما ورد في صحيح البخاري في التوحيد برقم (٧٤١٨) عن عمران بن حصين مرفوعًا وفيه: ( كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء) الحديث وقد سبق في التعليق على البيتين ٩٢٠ و١٠٤٦. وكذلك بقية أدلة العلو من الكتاب والسنة تشهد بصحة هذا الحديث. وليس فيه مما يستنكر. =
[ ٢ / ٣٤٦ ]
١٢٩٤ - هَذَا وَمَا كَانَ الجَوَابُ جَوابَ "مَنْ" لَكِنْ جَوَابَ اللَّفْظِ بالمِيزَانِ
١٢٩٥ - كَلّا وَلَيْسَ وِ "مَنْ" دُخُولٌ قَطُّ فِي هَذَا السِّيَاقِ لِمَن لَهُ أُذُنَانِ
١٢٩٦ - دَعْ ذَا فَقَدْ قَالَ الرَّسُولُ بِنَفْسِهِ "أَيْنَ الإِلهُ؟ " لِعَالِمٍ بِلِسَانِ
١٢٩٧ - واللهِ ما قَصَدَ المخَاطِبُ غَيرَ مَعْـ ـنَاهَا الذِي وُضِعَتْ لهُ الحقَّانِي
_________________
(١) = قوله: (كان في عماء) المراد به السحاب، وعلى هذا المعنى يكون سبحانه فوق السحاب مدبرًا له وعاليًا عليه كما قال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾. انظر كلام البيهقي في الأسماء والصفات ٢/ ٢٣٦. وإذا كان (عمى) بالقصر فالمراد به: ليس شيء معه، كما في إحدى روايات حديث حصين الذي في البخاري. انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٣/ ٣٠٤، والتمهيد لابن عبد البر ٧/ ١٣٧، واجتماع الجيوش الإسلامية للناظم ص ١٦٢، وتحفة الأحوذي للمباركفوري ٨/ ٥٢٩.
(٢) يشير الناظم إلى تأويل نفاة العلو لهذا الحديث بأن السؤال "بأين" معناه السؤال "بمن" كما قرر ذلك الرازي. انظر أساس التقديس ص ١٦٥ - ١٦٦.
(٣) الخطاب موجه من الناظم للمعطل: دع هذا الدليل تنزلًا معك أيها الخصم المعاند، ولننتقل إلى دليل أصرح من ذلك وهو قول النبي - ﷺ -: "أين الله؟ " في الحديث الصحيح عن معاوية بن الحكم السلمي -﵁- وجاء فيه: " وكانت لي جارية ترعى غنمًا لي قِبَلَ أحد والجوّانية، فاطلعت ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون- لكني صككتها صكّة"، فأتيت رسول الله - ﷺ - فعظَّم ذلك عليَّ، قلت: يا رسول الله أفلا أعتقها؟ قال: ائتني بها، فأتيته بها. فقال لها: "أين الله"؟ قالت: في السماء. قال: "من أنا"؟ قالت: أنت رسول الله. قال: "أعتِقْها فإنها مؤمنة؟ " أخرجه الإمام مسلم في كتاب المساجد - باب تحريم الكلام في الصلاة، برقم (٥٣٧). العالم باللسان: أي باللغة العربية.
(٤) "المخاطِب": بكسر الطاء: اسم فاعل، وهو النبي - ﷺ - و"الحقاني" صفة للمعنى.
[ ٢ / ٣٤٧ ]
١٢٩٨ - واللهِ مَا فَهِمَ المخَاطَبُ غَيْرَهُ واللَّفظُ موضُوعٌ لِقَصدِ بَيَانِ
١٢٩٩ - يَا قَوْمُ لَفْظُ "الأيْنِ" مُمْتَنِعٌ عَلَى الرَّ حْمنِ عِنْدَكُمُ وذُو بُطْلَانِ
١٣٠٠ - ويكَادُ قَائِلُكُمْ يُكفِّرُنَا بِهِ بَلْ قَدْ وهَذَا غَايَةُ العُدْوَانِ
_________________
(١) "المخاطب": بفتح الطاء، اسم مفعول، والمقصود: الجارية.
(٢) يعني أنّ المعطلة نفاة العلو يرون أن لفظ "أين الله؟ " لا تجوز إذا كان المقصود بها السؤال عن المكان -على حد زعمهم- وفي هذا يقول الإمام الدارمي: " وفي قول النبي - ﷺ -: "أين الله؟ " تكذيب لقول من يقول: هو في كل مكان لا يوصف بأين، لأن شيئًا لا يخلو منه مكان يستحيل أن يقال: "أين هو؟ "، ولا يقال: "أين الله؟ " إلَاّ لمن هو في مكان يخلو منه مكان" ا. هـ الرد على الجهمية ص ٣٩، وانظر: ١٧٥، وانظر: الرد على المريسي له ص ٢٤.
(٣) الغالب على الظن أنه الرازي، فإنه قال: "الفصل الثالث: في أن من يئبت كونه تعالى جسمًا متحيزًا مختصًا بجهة معينة هل يحكم بكفره أم لا؟ للعلماء فيه قولان. أحدهما: أنه كافر وهو الأظهر " ا. هـ أساس التقديس ص ١٩٦. وانظر: مفاتيح الغيب للرازي (٤/ ٢٢٤). ونقل شيخ الإسلام عن ابن كلاب قوله: "ورسول الله - ﷺوهو صفوة الله من خلقه وخيرته من بريته وأعلمهم جميعًا- يجيز "الأين" ويقوله، ويستصوب قول القائل: إنه في السماء، ويشهد له بالإيمان عند ذلك. وجهم بن صفوان وأصحابه لا يجيزون الأين ويحرمون القول به " مجموع الفتاوى ٥/ ٣١٩. وانظر. الرد على الجهمية للدارمي ص ١٧٥، ومختصر الصواعق ص ٣١٨، وشرح مسلم للنووي ٥/ ٢٤، والحجة في بيان المحجة للأصبهاني (٢/ ١١٥). "بل قد": على تقدير محذوف، يعني: "بل قد كَفَّرَنا". "غاية العدوان": وهذه من صفات أهل البدع وأبرز علاماتهم أنهم يكفرون من خالفهم. انظر درء التعارض ٦/ ١٩٥.
[ ٢ / ٣٤٨ ]
١٣٠١ - لَفْظٌ صَرِيحٌ جَاءَ عَنْ خَيْرِ الوَرَى قَوْلًا وإقْرَارًا هُمَا نَوْعَانِ
١٣٠٢ - واللهِ مَا كَانَ الرَّسُولُ بعَاجِزٍ عنْ لَفْظِ "مَنْ" مَعَ أنَّهَا حَرْفَانِ
١٣٠٣ - "والأينُ" أحرُفُهَا ثَلَاثٌ وَهْيَ ذُو لَبْسٍ و"مَنْ" في غَايَةِ التِّبْيَانِ
١٣٠٤ - واللهِ مَا المَلَكَانِ أَفْصَحَ مِنْهُ إذْ فِي القبْرِ مَنْ رَبُّ الوَرَى يَسَلَانِ
١٣٠٥ - وَيقُولُ: أَيْنَ اللهُ؟ يَعْنِي "مَنْ" فَلَا واللهِ مَا اللَّفظَانِ متَّحِدَانِ
١٣٠٦ - كَلّا وَلَا مَعْنَاهُمَا أيضًا لِذِي لُغَةٍ وَلَا شَرْعٍ وَلَا إنْسَانِ
* * *
_________________
(١) القول منه - ﷺكما في حديث الجارية، والإقرار كما في حديث أبي رزين. وانظر درء التعارض ٣/ ٣١٥، ٧/ ١٣٥.
(٢) قال: "ذو لبس" مكان "ذات لبس" للضرورة. انظر ما سبق في البيت ١٠٣٣، (ص). ح، طه: (من هي غاية التبيان).
(٣) ح، ط: (ربّ السما). "يسَلان": أي يسألان، حذف الهمزة وألقى حركتها على ما قبلها للضرورة، (ص). - يشير إلى ما ورد في الأحاديث التي جاء فيها ذكر سؤال الملكين "منكر ونكير" للميت: مَنْ ربك، وما دينك، ومن نبيك؟ كما جاء في الحديث المشهور عن البراء بن عازب وسيأتي تخريجه كاملًا عندما يشير إليه الناظم في البيت رقم (١٧٣٥). وكذلك حديث أبي هريرة وقد مضى تخريجه تحت البيت رقم (١٢٠١).
(٤) وفي هذا يقول الرازي: "أن لفظ "أين" كما يجعل سؤالًا عن المكان فقد يجعل سؤالًا عن المنزلة والدرجة، يقال: أين فلان من فلان؟ فلعلَّ السؤال كان عن المنزلة وأشار بها إلى السماء، أي هو رفيع القدر جدًا ". أساس التقديس ص ١٦٥ - ١٦٦.
(٥) يعني: حتى في عرف الناس لا يعرف هذا التأويل الفاسد.
[ ٢ / ٣٤٩ ]
الدليل الخامس عشر: إجماع الرسل والكتب على التصريح بالفوقية للرب
فصلٌ
١٣٠٧ - هَذَا وَخَامِسَ عَشْرَهَا الإِجْمَاعُ مِنْ رُسُلِ الإِلهِ الواحِدِ المنَّانِ
١٣٠٨ - فالمُرْسَلُونَ جَمِيعُهُمْ مَعَ كُتْبِهِمْ قَدْ صَرَّحُوا بالفَوْقِ لِلرَّحمنِ
١٣٠٩ - وَحَكَى لَنَا إجْمَاعَهُمْ شَيْخُ الوَرَى والدِّينِ عَبْدُ القادِرِ الكيلَانِي
١٣١٠ - وأبُو الوَليدِ المالِكِي أيْضًا حَكَى إجْمَاعَهُمْ أعني "ابْنَ رُشْدِ الثَّانِي"
_________________
(١) في كتابه غنية الطالبين حيث قال: "أما معرفة الصانع بالآيات والدلالات على وجه الاختصار فهو: أن تعرف وتتيقن أن الله واحد أحد (إلى أن قال): وكونه على العرش مذكور في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل بلا كيف " ا. هـ غنية الطالبين ص ٥٧، وانظر: اجتماع الجيوش الإسلامية ص ٢٧٧، مجموع الفتاوى ٥/ ٨٦، العلو للذهبي (المختصر ص ٢٨٤). - ط: "الجيلاني". وهو أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح عبد الله بن جنكي دوست الجيلي (أو الجيلاني أو الكيلاني) الحنبلي. كان مولده بجيلان سنة ٤٧١ هـ. اشتهر بالزهد والعبادة، وذاع صيته واشتهر. وغلا فيه من جاء بعده من الصوفية حتى صارت له طريقة تعرف بالقادرية، وأكثر ما ينسب إليه من أقوال الصوفية كذب عليه، وله نقولات تدل على حسن اعتقاده، ﵀. كانت وفاته سنة ٥٦١ هـ. السير (٢٠/ ٤٣٩)، ذيل طبقات الحنابلة (٣/ ٢٩٠)، البداية والنهاية (١٢/ ٢٧٠).
(٢) هو: أبو الوليد محمد بن أبي القاسم أحمد بن شيخ المالكية أبي الوليد محمد بن أحمد بن ش شد القرطبي، المالكي، ويعرف بـ "ابن رشد الحفيد" تمييزًا له عن جده، وكانت ولادنه قبل موت جده بشهر سنة ٥٢٠ هـ، وتفقه وبرع في المذهب وألف في شتى الفنون، وكان له علم بالطب، واشتغل بالفلسفة كثيرًا وخاصة كتب أرسطو، وابن سينا، والفارابي، ومن مصنفاته: بداية المجتهد، ومناهج الأدلة، وتهافت التهافت وغيرها كثير. كانت وفاته سنة ٥٩٥ هـ. السير (٢١/ ٣٠٧)، شذرات الذهب (٤/ ٣٢٠). - قال في كتابه "مناهج الأدلة": "القول في الجهة: وأما هذه الصفة فلم =
[ ٢ / ٣٥٠ ]
١٣١١ - وَكَذَا أبُو العبَّاسِ أيْضًا قَدْ حَكَى إجْمَاعَهُمْ عَلَمُ الهُدَى الحَرَّانِي
١٣١٢ - ولهُ اطلاعٌ لَمْ يَكُنْ مِنْ قَبْلِهِ لِسِوَاه مِنْ مُتَكَلِّمٍ ولِسَانِ
١٣١٣ - هَذا ونَقْطَعُ نَحْنُ أيضًا أنَّهُ إجْمَاعُهُمْ قَطْعًا عَلَى البُرهَانِ
١٣١٤ - وَكَذَاكَ نَقْطعُ أنَّهُمْ جَاؤوا بإثْـ ـبَاتِ الصِّفَاتِ لِخَالِقِ الأكْوَانِ
_________________
(١) = يزل أهل الشريعة من أول الأمر يثبتونها لله سبحانه (إلى أن قال): "والشرائع كلها مبنية على أن الله في السماء، وأن منه تنزل الملائكة بالوحي إلى النبيين، وأن من السماوات نزلت الكتب وإليها كان الإسراء بالنبي - ﷺ - حتى قرب من سدرة المنتهى، وجميع الحكماء قد اتفقوا على أن الله والملائكة في السماء؛ كما اتفقت جميع الشرائع على ذلك " مناهج الأدلة ص ١٧٦. وانظر إغاثة اللهفان للناظم (٢/ ٢٥٨)، ودرء التعارض (٦/ ٢١٢). - في ب حاشية لبعض القراء نصها: "احتراز عن الأول الذي هو رفيق ابن سينا". وهو خطأ، وإنما هو احتراز عن الأوّل الذي هو جدّ الثاني.
(٢) يعني شيخ الإسلام أبا العباس بن تيمية، الذي قال: "قد ثبت بالفطرة التي اتفق عليها أهل الفطر السليمة، وبالنقول المتواترة عن المرسلين من الأخبار، وما نطقت به كتب الله تعالى، وما اتفق عليه المؤمنون بالرسل قبل حدوث البدع: أن الله فوق العالم" بيان تلبيس الجهمية ص ٤٥٠، الجزء الذي حققه د. رشيد حسن محمد علي (ضمن الرسائل الثمانية في تحقيق الكتاب بجامعة الإمام). وانظر درء التعارض (٦/ ٢٤٩).
(٣) كذا في جميع النسخ غير (س). و"لسان" هنا بمعنى المتكلم عن القوم. وفي س: "مِلْسان"، صيغة مبالغة من اللسن، وهو الفصاحة وجودة البيان. فإن صح ما فيها كان أظهر. وفي طع: "بلسان". (ص).
(٤) انظر: نص كلامه في اجتماع الجيوش الإسلامية ص ٩٥، والصواعق المرسلة (١/ ٣٦٨).
(٥) يعني الرسل والكتب التي جاءت من عند الله. قال الناظم: "وقد نزّه نفسه =
[ ٢ / ٣٥١ ]
١٣١٥ - وَكَذَاكَ نقطَعُ أنهُمْ جَاؤوا بإثْـ ـبَاتِ الكَلَامِ لِرَبِّنَا الرحْمنِ
١٣١٦ - وَكَذَاكَ نقْطَعُ أنَّهُمْ جَاؤوا بإثْـ ـبَاتِ المعَادِ لهَذِهِ الأبْدَانِ
١٣١٧ - وَكَذَاكَ نَقْطَعُ أنَّهُمْ جاؤوا بتَوْ حِيدِ الإلهِ ومَا لَهُ مِنْ ثَانِ
_________________
(١) = سبحانه وتعالى عما يصفه به العباد إلّا ما وصفه به المرسلون فقال: ﴿سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلَّا عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠)﴾ [الصافات: ١٥٩، ١٦٠]. قال غير واحد من السلف: "هم الرسل " الصواعق المرسلة (١/ ١٥٢ - ١٥٣). وانظر: مجموع الفتاوى (٥/ ٣٣، ٢٨٩).
(٢) كما قال سبحانه: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ..﴾ [البقرة: ٢٥٣]، فالأنبياء بعضهم كلمه الله كموسى ﵇ وآدم، ومحمد - ﷺ -، فهم أولى الناس بإثبات هذه الصفة لله ﷾. انظر: مجموع الفتاوى ١٢/ ٢٢، وما بعدها، ومختصر الصواعق، ص ٤١٢.
(٣) أي: ومما جاء بتقريره رسل الله: إثبات المعاد للأرواح والأبدان. وفي هذا يقول شيخ الإسلام: " وقد ذكرنا في غير موضع أن الرسل قبل محمد أنذروا بالقيامة الكبرى تكذيبًا لمن نفى ذلك من المتفلسفة ". مجموع الفتاوى (٤/ ٢٦٦). ويقول أيضًا: "مذهب سائر المسلمين وسائر أهل الملل إثبات القيامة الكبرى وقيام الناس من قبورهم والثواب والعقاب هناك " مجموع الفتاوى (٤/ ٢٦٢)، وانظر أيضًا (٤/ ٢٨٤). ويقول الناظم -في معرض رده على نفاة الصفات-: " فآل بهم الأمر إلى أن ألحدوا في الأصول الثلاثة التي اتفق عليها جميع الملل، وجاءت بها جميع الرسل وهي: الإيمان بالله، واليوم الآخر، والأعمال الصالحة " الصواعق (٣/ ١٠٩٦)، وانظر: (١/ ٣٦٩).
(٤) كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. ويقول جل وعلا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥]. فزبدة الرسالات والكتب السماوية، ولب دعوتها، وأساسها هو الدعوة إلى إفراد الله بجميع أنواع العبادة لله وحده لا شريك له.
[ ٢ / ٣٥٢ ]
١٣١٨ - وَكَذَاكَ نَقْطَعُ أنَّهُمْ جَاؤوا بإثْـ ـباتِ القَضَاءِ وَمَا لَهُمْ قَوْلَانِ
١٣١٩ - فالرُّسْلُ مُتَّفِقُونَ قَطْعًا فِي أصُو لِ الدِّين دُونَ شَرَائِعِ الإيمَانِ
١٣٢٠ - كُلٌّ لَهُ شَرْعٌ ومِنْهَاجٌ وَذَا فِي الأَمْرِ لَا التَّوْحِيدِ فافْهَمْ ذَانِ
_________________
(١) أي وما جاء به الأنبياء، واتفقت عليه الرسالات السماوية: الإيمان بالقضاء والقدر، وأن كل شيء بقدرته ومشيئته، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. ولهذا من تدبر كتاب الله يلحظ هذا مستقرًا في دعوة الرسل ﵈، ومن ذلك قول نوح ﵇ فيما حكاه الله تعالى عنه: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤]. ولما أمر الله إبراهيم ﵇ أن يذبح ابنه إسماعيل ﴿قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢]. فعلَّق إسماعيل ﵇ الأمر على مشيئته سبحانه. وكذلك حكى الله قول موسى ﵇: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ ..﴾ [الأعراف: ١٥٥]. انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ١٠٦). ١٣١٩ - كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. وكما قال سبحانه: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ [الشورى: ١٣]. قال ابن كثير: "والدين الذي جاءت به الرسل كلهم هو عبادة الله وحده لا شريك له كما قال ﷿: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥] " تفسير القرآن العظيم (٤/ ١٠٩). وانظر: (٣/ ٣٦).
(٢) كما قال سبحانه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، وهذه الشرائع التي تختلف باختلاف الأمم، هي التي تتغير بحسب الأزمنة والأحوال، أما أصول الدين والتوحيد فلا. انظر تفسير القرطبي (٦/ ٢١١)، وتفسير ابن كثير (٢/ ٦٦)، وتفسير السعدي (٢/ ٣٠٠).
[ ٢ / ٣٥٣ ]
١٣٢١ - فالدِّينُ فِي التَّوْحِيدِ دِينٌ وَاحِدٌ لَمْ يَخْتَلِفْ مِنْهُمْ عَلَيهِ اثْنَانِ
١٣٢٢ - دِينُ الإلهِ اخْتَارَهُ لِعبادِهِ ولِنَفْسِهِ هُوَ قَيِّمُ الأَدْيَانِ
١٣٢٣ - فمِنَ المُحَالِ بأنْ يَكُونَ لِرُسْلِهِ فِي وَصْفِهِ خَبَرَانِ مُخْتَلِفَانِ
١٣٢٤ - وَكَذَاكَ نَقْطَعُ أَنَّهُمْ جَاؤوا بِعَدْ لِ اللهِ بَينَ طَوَائِفِ الإنْسَانِ
_________________
(١) كما روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوةٌ لِعَلَاّت، أمهاتهم شتى ودينهم واحد". أخرجه في كتاب أحاديث الأنبياء- باب قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ ﴾ برقم (٣٤٤٣). والعَلَّات بفتح المهملة: الضرائر، وأولاد العلَّات: الإخوة من الأب وأمهاتهم شتى، ومعنى الحديث: (أن أصل دينهم واحد هو التوحيد وإن اختلفت الشرائع) فتح الباري (٦/ ٥٦٤).
(٢) كما قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦]. وقال تعالى: ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [يوسف: ٤٠]. وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠]،. وقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ﴾ [الروم: ٤٣]. والمعنى: أن الدين الحق المنزل من عند الله -وهو إفراده بالعبادة- هو الدين الذي اختاره الله لعباده، فهو أعدل دين وأقومه وأحسنه. وانظر: اللسان (٢/ ٥٠٣)، تفسير السعدي (٧/ ٦٥٨)، تفسير ابن كثير (٤/ ٥٣٧).
(٣) "بأن يكون": أدخل الباء على المبتدأ للضرورة (ص).
(٤) أي أن ما أمرهم الله به أن يبلغوه سواءً مما هو من أصول الدين أو من الأحكام الشرعية كله قائم على العدل بين الناس، وأساس دعوتهم على العدل صلوات الله وسلامه عليهم، (والله سبحانه أمر رسوله أن يعدل بين الطوائف فقال: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥] فأمره سبحانه أن يدعو إلى دينه وكتابه وأن يستقيم في نفسه كما أمره، وأن=
[ ٢ / ٣٥٤ ]
١٣٢٥ - وَكَذَاك نَقْطَعُ أنَّهُمْ أَيْضًا دَعَوْا لِلْخَمْسِ وَهْيَ قَوَاعِدُ الإيمَانِ
١٣٢٦ - إيمَانُنَا بالله ثُمَّ برُسْلِهِ وبكُتْبِهِ وقِيَامَةِ الأبْدَانِ
١٣٢٧ - وبجُنْدِهِ وَهُمُ الملائِكةُ الأُلَى هُمْ رُسْلُهُ لِمصَالِحِ الأكْوَانِ
١٣٢٨ - هَذِي أصُولُ الدِّينِ حَقًّا لَا الأصُو لُ الخَمْسُ لِلْقَاضِي هوَ الهَمَذانِي
_________________
(١) = لا يتبع هوى أحد من الفرق، وأن يؤمن بالحق جميعه، وأن يعدل بين أرباب المقالات) ا. هـ بتصرف. شفاء العليل لابن القيم ص ١١٣، ويقول شيخ الإسلام: "وأهل الملل كلهم يقرون بعدله لأن الكتب الإلهية نطقت بعدله، وأنه قائم بالقسط وأنه لا يظلم الناس مثقال ذرة " ا. هـ جامع الر سائل (١/ ١٢٥).
(٢) والقواعد الخمس هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء: ١٣٦]. والناظم أشار في الصواعق إلى أن أصول الإيمان خمسة (١/ ٣٦٥)، ولم يذكر الإيمان بالقدر وهو الركن السادس كما صُرِّح به في حديث جبريل المشهور، لأنه داخل تحت الإيمان بالله؛ لأن الإيمان بالقدر من لوازم الإيمان بالله ولا شك في ذلك. انظر: القضاء والقدر للدكتور عبد الرحمن المحمود، ص ٦٣.
(٣) ح، ط: (لا أصول). الهمذاني: هو القاضي عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار بن أحمد بن خليل، أبو الحسن الهمذاني، العلّامة في مذهبه، المتكلِّم، صاحب التصانيف، شافعي المذهب، شيخ المعتزلة، ولي قضاء الري وقزوين وغيرهما من الأعمال التي كانت لفخر الدولة ابن بويه بعناية الصاحب بن عباد، قال الخليلي: "كتبت عنه، وكان ثقة في حديثه ولكنه داع إلى البدعة لا تحل الرواية عنه" وكتابه الذي أشار إليه الناظم: "شرح الأصول الخمسة". كانت وفاته سنة ٤١٥ هـ. السير (١٧/ ٢٤٤)، لسان الميزان (٣/ ٣٨٦)، شذرات الذهب (٣/ ٢٠٢).
[ ٢ / ٣٥٥ ]
١٣٢٩ - تِلْكَ الأُصُولُ لِلِاعْتِزِالِ وَكَمْ لَهَا فَرْعٍ فمِنْهُ الخَلْقُ للقُرْآنِ
١٣٣٠ - وجُحُودُ أَوْصَافِ الإله ونَفْيُهُمْ لِعُلُوِّهِ والفَوْقِ للرَّحْمنِ
١٣٣١ - وَكَذَاكَ نَفْيُهُمُ لِرؤيتِنَا لَهُ يَومَ اللّقَاءِ كَمَا يُرَى القَمَرَانِ
١٣٣٢ - ونَفَوْا قَضَاءَ الرَّبِّ والقَدَرَ الَّذِي سَبَقَ الكِتَابُ بِهِ هُمَا حَتْمانِ
١٣٣٣ - مِنْ أجْلِ هَاتِيكَ الأصُولِ، وخَلَّدُوا أهْلَ الكَبَائِر فِي لَظَى النِّيرَانِ
_________________
(١) أصول المعتزلة الخمسة قد سبق ذكرها في التعليق على مقدمة المؤلف. - يقول القاضي: "وأما مذهبنا في ذلك فهو: أن القرآن كلام الله تعالى ووحيه وهو مخلوق محدث ". شرح الأصول الخمسة ص ٥٢٨.
(٢) قوله: "وجحود أوصاف الإله": انظر فيه شرح الأصول الخمسة ص ١٢٨، الملل والنحل (١/ ٤٤)، مقالات الإسلاميين (١/ ٣٣٥). أما نفي العلو فانظر فيه شرح الأصول الخمسة ص ٢١٩ - ٢٢٦، مجموع الفتاوى (٥/ ١٢٢)، درء التعارض (٦/ ٢٢٧)، مناهج الأدلة لابن رشد ص ١٧٧.
(٣) يقول القاضي: "ومما يجب نفيه عن الله: الرؤية .. " شرح الأصول الخمسة ص ٢٣٢. وانظر: الأربعين للرازي (١/ ٢٦٦)، والمعتزلة يؤولون الرؤية بالعلم. انظر: بيان تلبيس الجهمية (١/ ٣٤٩، ٢/ ٣٩٦).
(٤) والمعتزلة يقولون: إن أفعال العباد ليست مخلوقة لله، بل العباد هم الخالقون لها، حتى لا يعذبهم الله على أمر هو الذي خلقه فيهم، وعلى هذا فهم ينكرون مرتبة الخلق من مراتب القدر. انظر: شرح الأصول الخمسة ص ٣٢٣، شفاء العليل ص ١١٢ - ١١٦، القضاء والقدر ص ٢٠٤. حتمان: أي واجبان لازمان لا مفرّ منهما.
(٥) الواو من "وخلدوا" ساقطة من (طه). يقول القاضي: "فالله أخبر أن العصاة يعذبون في النار ويخلدون فيها، والعاصي اسم يتناول الفاسق والكافر جميعًا فيجب حمله عليهما؛ لأنه تعالى لو أراد أحدهما دون الآخر لبينه". شرح الأصول الخمسة ص ٦٥٧، وانظر: الملل والنحل (١/ ٤٥).
[ ٢ / ٣٥٦ ]
١٣٣٤ - ولأجْلِهَا نَفَوُا الشَّفَاعَةَ فِيهمُ وَرَمَوا رُوَاةَ حَدِيثِهَا بطِعَانِ
١٣٣٥ - ولأَجْلِهَا قَالُوا بأنَّ اللهَ لَم يَقْدِرْ عَلَى إصلاحِ ذي العصيانِ
١٣٣٦ - ولأجْلِهَا قالوا بأنَّ اللَّهَ لَم يَقْدِرْ علَى إيمانِ ذي الكُفْرَانِ
_________________
(١) بناء على أصلهم في تخليد أهل الكبائر في النار، وفي هذا يقول القاضي: "فحصل بهذه الجملة من العلم بأن الشفاعة ثابتة للمؤمنين دون الفساق من أهل الصلاة ". شرح الأصول الخمسة ص ٦٨٨ - ٦٩٠. وانظر: مقالات الإسلاميين (٢/ ١٦٦). وأحاديث الشفاعة متواترة وثابتة ثبوتًا قطعيًا، ولكن المعتزلة كابروا وعاندوا وادّعوا أنها أحاديث آحاد، والآحاد لا تفيد إلا الظن، ولا بد من القطع في أمور العقائد. وفي هذا يقول القاضي: "وقد تعلقوا -يعني مثبتة الشفاعة- بما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي"، وقالوا: إن النبي - ﷺ - قد نص على صريح ما ذهبنا إليه، والجواب: أن هذا الخبر لم تثبت صحته أولًا، ولو صح فإنه منقول بطريق الآحاد عن النبي، ومسألتنا طريقها العلم فلا يصح الاحتجاج به". شرح الأصول الخمسة ص هـ ٦٩، وانظر مجموع الفتاوى (١/ ١١٦، ١٤٨)، (١/ ١٨٤١).
(٢) ومعنى هذا البيت والذي قبله أن المعتزلة يقولون: إن الله لا يقدر على هداية الضال ولا إضلال المهتدي بناء على أن الله سبحانه لا يقدر -عند بعضهم- على الظلم، وأهل السنة يقولون: إن الله حرم على نفسه الظلم وهو منزه عنه ولكنه قادر عليه، وقد نفى سبحانه الظلم عن نفسه، والشيء المنفي مقدور عليه؟ إذ المحال لا يُنْفَى. ولهذا فإن المعتزلة "قالوا: إنه إذا أمر العبد ولم يعنه -بجميع ما يقدر عليه من وجوه الإعانة- كان ظالمًا له، والتزموا أنه لا يقدر أن يهدي ضالًّا كما أنه لا يقدر أن يضل مهتديًا". شرح حديث أبي ذر لشيخ الإسلام (ضمن مجموعة الرسائل المنيرية ٣/ ٢٠٦)، وانظر: جامع الرسائل (١/ ١٢٣)، ومنهاج السنة (١/ ٤٦١) وموقف ابن تيمية من الأشاعرة (١٣٢٤).
[ ٢ / ٣٥٧ ]
الدليل السادس عشر: إجماع علماء السنة على إثبات العلو لله، وأقوالهم في ذلك
١٣٣٧ - ولأجْلِها حَكَمُوا عَلَى الرَّحْمنِ بالشَّـ ـرعِ المُحَال شريعَةِ البُهْتَانِ
١٣٣٨ - ولأجْلهَا هُم يُوجِبُونَ رِعَايَةً لِلأصْلَحِ الموجُودِ في الإمْكَانِ
١٣٣٩ - حَقًّا عَلَى رَبِّ الوَرَى بعقُولِهم سُبحَانَكَ اللَّهُمَّ ذا السُّبحَانِ
* * *
فصلٌ
١٣٤٠ - هَذَا وَسَادِسَ عَشْرَهَا إِجْمَاعُ أهْـ ـلِ العِلْمِ أعْنِي حُجَّةَ الأزْمَانِ
١٣٤١ - مِنْ كُلِّ صَاحِبِ سُنَةٍ شَهدَتْ لهُ أهْلُ الحَدِيث وعَسْكَرُ القُرْآنِ
١٣٤٢ - لَا عِبرَة بمُخَالِفٍ لَهُمُ وَلَوْ كَانُوا عَدِيدَ الشَّاءِ والبُعْرانِ
١٣٤٣ - أنَّ الذي فَوْقَ السَّمواتِ الْعُلى والعَرشِ وَهْوَ مُبَايِنُ الأكْوَانِ
_________________
(١) وشريعة البهتان التي نسبوها إلى الله هي مضمون ما في البيتين السابقين وهو أن الله لا يقدر أن يهدي ضالًا ولا أن يضل مهتديًا.
(٢) أي: ومن الأمور المتفرعة عن أصولهم الفاسدة: القول بوجوب فعل الأصلح على الله، وإلَّا كان الله ظالمًا، بخيلًا -على حد زعمهم- وهم مختلفون: فمعتزلة بغداد يقولون بوجوب فعل الأصلح على الله في أمور الدين والدنيا، ومعتزلة البصرة يرون وجوب فعل الأصلح في أمور الدين فقط. وأهل السنة يقولون بأن الله يفعل وفق ما تقتضيه حكمته وأنه إنما أمر العباد بما فيه صلاحهم ونهاهم عما فيه فسادهم، وأن فعل المأمور مصلحة عامة، وأن إرساله الرسل مصلحة عامة، وإن كان فيه ضرر على بعض الناس لمعصيته. منهاج السنة (١/ ٤٦٢). وانظر: الملل والنحل (١/ ٥٤)، القضاء والقدر ص ١٧٦.
(٣) "من كل": كذا في الأصل و(ط) وفي النسخ الأخرى التي بين أيدينا: "مَن كان" وأشير في حاشية (ف) إلى أن في نسخة: "كل" (ص).
(٤) الشاء: جمع شاة، وهي الواحدة من الغنم، والبعران: جمع بعير.
[ ٢ / ٣٥٨ ]
١٣٤٤ - هُوَ رَبُّنَا سُبحَانَهُ وبحَمْدِهِ حَقًّا عَلَى العَرشِ اسْتِوَا الرَّحمنِ
١٣٤٥ - فاسْمَعْ إذًا أَقْوَالَهم واشْهَدْ عَلَيـ ـهمْ بعْدَهَا بالكُفرِ والإيمَانِ
١٣٤٦ - واقرَأْ تَفَاسِيرَ الأئمَّةِ ذَاكِرِي الْـ إسْنَادِ فَهْيَ هِدَايَةُ الحَيْرانِ
١٣٤٧ - وَانْظُر إلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ بتَفْـ ـسِيرِ "اسْتَوَى" إنْ كُنتَ ذَا عِرفَانِ
١٣٤٨ - وانْظُر إِلَى أَصْحَابِهِ مِنْ بَعْدِهِ كمُجَاهِدٍ ومُقَاتِلٍ حَبرَانِ
_________________
(١) حذفت الهمزة من "استواء" للضرورة، وهو مضاف إلى الرحمن. وفي النسخ: "استوى" غير مضبوط، ويجوز أن يكون "استوى" فعلًا ماضيًا، و"الرحمن" بدلًا من ضمير الجرّ في "بحمده" (ص).
(٢) تقدمت ترجمة ابن عباس عند البيت رقم (٨٨٢). - قال الإمام البغوي عند تفسير قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩]. قال ابن عباس، وأكثر مفسري السلف: أي ارتفع إلى السماء". معالم التنزيل (١/ ٧٨). وانظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١/ ٢٥٤)، وانظر: مجموع الفتاوى (٥/ ٤٩٥).
(٣) تقدمت ترجمة مجاهد عند البيت رقم (١١٧٠). ونص مقالته: "استوى: علا على العرش" أخرجها البخاري في صحيحه تعليقًا في كتاب التوحيد - باب قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾. وقال الحافظ: "وصله الفريابي عن ورقاء عن أبي نجيح عنه". الفتح (١٣/ ٤١٦)، تعليق التعليق (٥/ ٣٤٤). مقاتل: هو مقاتل بن حيان أبو بسطام النبطي البلخي الخرّاز، الإمام المحدث، الثقة، عالم خراسان. حدث عن الشعبي ومجاهد والضحاك وعكرمة. وعنه بكير بن معروف، وإبراهيم بن أدهم، وابن المبارك وغيرهم. كان صادقًا ناسكًا خيرًا كبير القدر، صاحب سنة واتباع، (وهو غير مقاتل بن سليمان المفسر الذي ضعفه أهل العلم، وهو معاصر له، فليتنبه لذلك). توفي في حدود الخمسين ومائة. انظر: السير (٦/ ٣٤٥)، تذكرة الحفاظ (١/ ١٧٤)، تهذيب التهذيب (١٠/ ٢٤٨)، طبقات المفسرين للداودي (٢/ ٣٢٩). =
[ ٢ / ٣٥٩ ]
١٣٤٩ - وَانْظُر إِلَى الكَلْبيِّ أيْضًا والَّذي قَدْ قَالَهُ مِنْ غَيرِ مَا نُكْرانِ
١٣٥٠ - وَكَذَا رُفَيعُ التابِعِيُّ أَجَلُهُم ذَاكَ الرِّيَاحِيُّ العَظِيمُ الشَّانِ
_________________
(١) ونص مقالته: قال البغوي عند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]: "قال الكلبي ومقاتل: استقر" معالم التنزيل (٣/ ٢٣٥). وقال مقاتل أيضًا: "بلغنا -والله أعلم- في قوله ﷿: هو الأول قبل كل شيء والآخر بعد كل شيء والباطن أقرب من كل شيء، وإنما يعني بالقرب بعلمه وقدرته، وهو فوق عرشه وهو بكل شيء عليم". أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٣٤٢) برقم (٩١٠). وانظر: مجموع الفتاوى (٥/ ٤٩٥ - ٤٩٦)، واجتماع الجيوش الإسلامية ص ١٣٠، ٢٥٩، وأخرجه الذهبي في العلو وقال عقب هذا الأثر: مقاتل هذا ثقة إمام معاصر للأوزاعي، ما هو بابن سليمان، ذلك مبتدع ليس بثقة. مختصر العلو ص ١٣٩. حَبران: تثنية حَبْر، بكسر الحاء وفتحها وهو العالم، الصحاح ص ٦٢٠.
(٢) الكلبي: هو أبو النضر محمد بن السائب بن بشر الكلبي، المفسر، وكان رأسًا في الأنساب إلا أنه شيعي متروك الحديث، روى عن أبي صالح وجرير والفرزدق وجماعة، وعنه الثوري وابنه هشام وغيرهما. قال الثوري: "عجبت لمن يروي عن الكلبي". وذكر أبو عاصم النبيل أن سفيان الثوري زعم أن الكلبي قال: "ما حدثت عني عن أبي صالح عن ابن عباس فهو كذب فلا تروه". وقد كذبه غير واحد من الأئمة. السير (٦/ ٢٤٨)، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٧/ ٢٧٠). - ب: "والقول الذي". - قال البغوي عند تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]: "قال الكلبي ومقاتل: استقر". معالم التنزيل (طم ٢٣٥). والكلبي وإن كان مضعفًا في الرواية ولكن أقواله في التفسير نقلها عنه الأئمة كابن جرير والبغوي، وقوله هذا وافق فيه أهل السنة.
(٣) في حاشية الأصل: "رفيع هو أبو العالية" وهو رُفيع بن مهران، أبو العالية الرياحي البصري، الإمام المقرئ، الحافظ المفسر، كان مولى لامرأةٍ من =
[ ٢ / ٣٦٠ ]
١٣٥١ - كَم صَاحِبٍ ألقَى إِلَيهِ عِلْمَهُ فلِذَاكَ مَا اخْتَلَفَتْ عَلَيهِ اثْنَانِ
١٣٥٢ - فَلْيَهْنِ مَنْ قَدْ سَبَّهُ إذْ لَم يُوَا فِقْ قَوْلُهُ تَحْريفَ ذِي البُهْتَانِ
١٣٥٣ - فَلَهُم عِبَارَاتٌ عَلَيهَا أرْبعٌ قَدْ حُصلَتْ لِلفَارِسِ الطَّعَّانِ
١٣٥٤ - وَهيَ اسْتَقَر وَقَد عَلَا وَكَذلِكَ ارْ تَفَعَ الَّذِي مَا فِيهِ مِنْ نُكْرَانِ
١٣٥٥ - وَكَذَاكَ قَد صَعِدَ الَّذِي هُوَ رابعٌ وَأبُو عُبَيدَةَ صَاحِبُ الشَّيبَانِي
_________________
(١) = بني رياح بن يربوع ثم من بني تميم، أدرك زمان النبي - ﷺوهو شاب، وأسلم في خلافة أبي بكر الصديق، ودخل عليه، وسمع من عمر وعلي وأُبيِّ وأبي ذر وابن مسعود وعائشة وابن عباس وغيرهم -﵃-. وعنه خالد الحذاء، وداود بن أبي هند، وابن سيرين وغيرهم. وقال أبو عمرو الداني: "أخذ أبو العالية القراءة عرضًا على أبي وزيد وابن عباس، ويقال قرأ على عمر". كانت وفاته سنة تسعين وقيل ثلاث وتسعين. السير (٤/ ٢٠٧)، الإصابة (١/ ٥٢٨)، المغني في ضبط الأسماء ص ١١٢، للشيخ محمد طاهر الهندي. قال أبو العالية: "استوى إلى السماء: ارتفع" أخرجه البخاري في صحيحه -تعليقًا- في كتاب التوحيد - باب قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾. الفتح (١٣/ ٤١٤). ووصله الحافظ في الفتح (١٣/ ٤١٦)، وفي تغليق التعليق (٥/ ٣٤٤). وعزاه في الموضعين إلى ابن جرير الطبري التفسير. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ١٠٥)، وأورده السيوطي في الدر المنثور (١/ ١٠٧) وعزاه إلى ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي.
(٢) المعنى أن أبا العالية ﵀ استفاد من عدد كبير من الصحابة ﵃. - كذا في الأصول، وفي طع: "ما اختلفا"، وهو تصرف من ناشر الكتاب تخلّصًا من تأنيث الفعل للمذكر، (ص).
(٣) أبو عبيدة: معمر بن المثنى التيمي، مولاهم البصري النحوي، صاحب التصانيف، ولد سنة عشر ومائة في الليلة التي توفي فيها الحسن البصري، حدث عن هشام بن عروة وأبي عمرو بن العلاء. وحدث عنه علي بن =
[ ٢ / ٣٦١ ]
١٣٥٦ - يَخْتَارُ هَذَا القَوْلَ فِي تَفْسِيرِهِ أَدْرَى مِنَ الجَهْمِيِّ بالقُرآنِ
_________________
(١) = المديني، وأبو عبيد القاسم بن سلام. قال عنه ابن المديني: "لا يحكي عن العرب إلَّا الشيء الصحيح"، وقيل: كان يرى رأي الخوراج. من مؤلفاته: مجاز القرآن، وغريب الحديث. مات سنة تسع ومائتين وقيل: عشر. السير (٩/ ٤٤٥)، إنباه الرواة للقفطي (٣/ ٢٧٦). الشيباني: إسحاق بن مِرَار -بكسر الميم- أبو عمرو الشيباني، اللغوي، وهو مولى لبني شيبان، لأنه كان يؤدب في أحيائهم فنسب إليهم بالولاء، ويقال بالمجاورة والتعليم لأولادهم، وكان من أعلم الناس باللغة، موثقًا فيما يحكيه. روى عن أبي عمرو بن العلاء وذَكَن الشامي، وعنه أحمد بن حنبل وأبو عبيد القاسم بن سلام وابنه عمرو وغيرهم كثير. وقال أبو العباس ثعلب: "كان مع أبي عمرو من العلم والسماع عشرة أضعاف ما كان مع أبي عبيدة". وذكر عبد الله ابن الإمام أحمد: أن الإمام أحمد كان يلازم مجالس أبي عمرو الشيباني ويكتب عنه كثيرًا من مؤلفاته كتاب "الجيم" و"غريب القرآن". كانت وفاته سنة عشر ومائتين. انظر: إنباه الرواة (١/ ٢٥٦)، تاريخ بغداد (٦/ ٣٢٩)، الفهرست لابن النديم ص ٧٤. على هذا فإن أبا عمرو الشيباني كان معاصرًا لأبي عبيدة، وقد تزاملا في الأخذ عن الشيوخ كأبي عمرو بن العلاء وكذلك كانت وفاتهما في وقت متساوٍ تقريبًا. انظر: شرح النونية لابن عيسى (١/ ٤٤١). وفي حاشية ب. "هو القاسم بن سلام"، وعند كلمة الشيباني كتب: "هو الإمام أحمد". والصواب ما ذكرنا.
(٢) ذكر البغوي في تفسيره "معالم التنزيل" (٣/ ٢٣٥) أنه قال أبو عبيدة إن معنى استوى: صَعِدَ. ولكن يشكل على ذلك أن المعنى الذي اختاره أبو عبيدة في مجاز القرآن هو المعنى الثاني أي "علا". قال: "استوى على العرش: ظهر على العرش وعلا عليه" انظر: المجاز (١/ ٢٧٣)، (٢/ ١٥، ٥٧). وقد أورد الناظم هذا القول في اجتماع الجيوش الإسلامية ص ٢٦٤ وعزاه إلى ابن جرير.
[ ٢ / ٣٦٢ ]
١٣٥٧ - والأشْعَرِيُّ يقُولُ تَفْسِيرُ اسْتَوى بحَقِيقَةِ اسْتَوْلَى مِنَ البُهْتَانِ
١٣٥٨ - هُوَ قولُ أَهلِ الاعْتِزَالِ وَقوْلُ أتْـ ـباعٍ لِجَهْمٍ وَهْوَ ذُو بُطْلانِ
١٣٥٩ - فِي كُتْبِهِ قَدْ قَالَ ذَا مِنْ مُوجَزٍ وإبَانةٍ ومقَالةٍ بِبَيَانِ
_________________
(١) تقدمت ترجمة الأشعري في حاشية البيت ٩٦٤.
(٢) الجهم: تقدمت ترجمته تحت البيت رقم (٤٠).
(٣) الموجز: من مؤلفات أبي الحسن الأشعري، وهو لم يصل إلينا، وقد وصفه ابن عساكر في تبيين كذب المفتري ص ١٢٩ بقوله: "وذكر -أبو الحسن- بعده الكتاب الذي سقاه الموجز، وذلك أنه يشتمل على اثني عشر كتابًا على حسب تنوع مقالات المخالفين من الخارجين عن الملة والداخلين فيها وآخره كتاب الإمامة تكلم في إثبات إمامة الصديق -﵁- وأبطل قول من قال بالنص وأنه لا بد من معصوم في كل عصر " ا. هـ. وقد صرح ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية ص ٢٨٦ بأنّه اطلع عليه. وقال في الصواعق (٤/ ١٢٣٤): " وهذا لفظه في كتاب الموجز إذ هو من أجلّ كتبه المتوسطات". - الإبانة عن أصول الديانة: هو من أشهر كتبه، وجُل العلماء نسبوه إليه، وممن أشار إليه: ابن النديم في الفهرست (وأسماه: التبيين في أصول الدين). وكثيرًا ما ينقل عنه شيخ الإسلام ويشير إليه، مجموع الفتاوى (٥/ ٩٣)، وكذلك ابن القيم، اجتماع الجيوش ص ٢٨٦، الصواعق (٤/ ١٢٤٣)، والذهبي في السير (١٥/ ٩٠)، والعلو (المختصر ص ٢٣٨). والكتاب مطبوع عدة طبعات. ونص مقالة الأشعري في كتاب الإبانة: "إن قال قائل: ما تقولون في الاستواء؟ قيل له: نقول إن الله ﷿ يستوي على عرشه استواءً يليق به من غير طول ولا استقرار إلى أن قال- وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية أن قول الله ﷿: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ أنه: استولى وملك وقهر، وأن الله ﷿ في كل مكان، وجحدوا أن =
[ ٢ / ٣٦٣ ]
١٣٦٠ - وَكَذَلِكَ البَغَويُّ أيْضًا قَدْ حَكَاهُ عَنْهُم بمَعَالِمِ القرْآنِ
_________________
(١) = يكون الله ﷿ على عرشه كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة ". الإبانة ص ٩٧ - ١٠٣. - قوله: "ومقالة" يعني به كتابه: مقالات الاسلاميين واختلاف المصلين. وهو من أقدم الكتب في ذكر مقالات الفرق وطوائفها. يقول شيخ الإسلام مبينًا أهمية الكتاب: "وكتاب "المقالات" للأشعري أجمع هذه الكتب وأبسطها، وفيه من الأقوال وتحريرها ما لا يوجد في غيرها. وقد نقل مذهب أهل السنة والحديث بحسب ما فهمه، وظنه قولهم، وذكر أنه يقول بكل ما نقله عنهم " منهاج السنة (٦/ ٣٠٣). وهو مطبوع. وقد ركّز فيه الأشعري على أقوال المعتزلة وآرائهم ولا سيما شيخه أبي علي الجبائي. ويطلق على أهل السنة "أهل الحديث" ونص مقالته فيه (١/ ٣٤٥): "هذه حكاية جملة قول أصحاب الحديث وأهل السنة وأن الله -سبحانه- على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ ".
(٢) البغوي: تقدمت ترجمته تحت البيت رقم (١١٦٩). - "عنهم": أي: عن علماء أهل الحق المثبتين للعلو. - "معالم القرآن": يعني: تفسير البغوي (معالم التنزيل)، وقد أثنى عليه شيخ الإسلام مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٨٦)، وابن القيم (اجتماع الجيوش الإسلامية ص ٢٦٤). ونص مقالته في العلو عند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]: "قال الكلبي ومقاتل: استقر، وقال أبو عبيدة: صعد، وأولت المعتزلة الاستواء بالاستيلاء، وأما أهل السنة فيقولون: الاستواء على العرش صفة لله تعالى بلا كيف، يجب على الرجل الإيمان به ويكل العلم فيه إلى الله ﷿- ثم ذكر أثر الإمام مالك في الاستواء- وقال: وروي عن سفيان الثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، وغيرهم من علماء السنّة في هذه الآيات التي جاءت في الصفات المتشابهة: أمِرّوها كما جاءت بلا كيف " ا. هـ مختصرًا. معالم التنزيل (٣/ ٢٣٥). وانظر اجتماع الجيوش الإسلامية ص ١٩٩. وانظر أيضًا: معالم التنزيل (١/ ٧٨).
[ ٢ / ٣٦٤ ]
١٣٦١ - وانْظُر كَلَامَ إمامِنَا هُوَ مَالِكٌ قَدْ صحَّ عنْه قَوْلُ ذي إتْقَانِ
١٣٦٢ - فِي الاسْتواءِ بأنَّهُ المعْلُومُ لَـ ـكنْ كَيفُهُ خَافٍ عَلَى الأذْهَانِ
_________________
(١) مالك: هو الإمام مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي المدني، أبو عبد الله، إمام دار الهجرة، صاحب المذهب المعروف، روى عن نافع مولى ابن عمر، وسعيد المقبري، والزهري، وغيرهم كثير. وعنه الشافعي، وابن المبارك، والقطان وجلس للإفادة وله إحدى وعشرون سنة، وكان إمامًا في نقد الرجال حافظًا مجودًا متقنًا، وامتحن زمن أبى جعفر المنصور بسبب فتواه "أنه ليس على مستكره طلاق". وضرب بالسياط وطيف به في الأسواق، ولكنه لم يرجع عن قوله -﵀-. كانت وفاته سنة ١٧٩ هـ. انظر: السير ٨/ ٤٨ (وفيه ترجمة مطولة له)، البداية والنهاية (١٠/ ١٨٠).
(٢) في الأصل: "كيف هو" وهو متّجه معنًى ووزنًا، ولكن ما في غيره أظهر وأقرب إلى لفظ الإمام مالك. وأخشى أن يكون ما في الأصل تصحيفًا سماعيًا (ص). ونص قوله فيما روي: "أنه جاء رجل إلى مالك بن أنس فقال: يا أبا عبد الله، الرحمن على العرش استوى، كيف استوى؟ قال: فأطرق مالك رأسه حتى علاه الرُّحَضَاء ثم قال: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعًا، فأمر به أن يخرج". القصة أخرجها الدارمي في الرد على الجهمية برقم (١٠٤) ص ٥٥، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٣٩٨) برقم (٦٦٤)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٣٥٤ - ٣٥٥) برقم (٨٦٦)، (٨٦٧)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٢٥ - ٣٢٦)، وابن قدامة في إثبات صفة العلو برقم (٩٠)، (١٠٤) ص ١١٩، والصابوني في عقيدة السلف ص ١٨٠ - ١٨٣، وابن عبد البر في التمهيد (٧/ ١٥١)، والذهبي فى العلو (المختصر ص ١٤١)، وفي السير (٨/ ٨٩ - ٩٠)، (٨/ ٩٥). قال الذهبي: "وهذا ثابت عن مالك" المختصر ص ١٤١، وقال الحافظ في الفتح (١٣/ ٤١٧): "وأخرج البيهقي بسند جيد عن عبد الله بن وهب ثم =
[ ٢ / ٣٦٥ ]
١٣٦٣ - ورَوَى ابنُ نَافِعٍ الصَّدُوقُ سَمَاعَهُ منْهُ عَلَى التَّحْقِيقِ والإتْقَانِ
١٣٦٤ - اللَّهُ حَقًّا فِي السَّمَاءِ وعِلْمُهُ سُبْحَانَهُ حَقًا بِكُلِّ مَكَانِ
_________________
(١) = ذكرها "، وهنا في هذه الأبيات صححها الناظم. وأوردها شيخ الإسلام في الحموية كما في مجموع الفتاوى (٥/ ٤٠)، وكذلك (٥/ ٣٦٥)، وعزاها إلى أبي الشيخ الأصبهاني، وصححها كذلك الألباني كما في المختصر ص ١٤١.
(٢) ابن نافع: هو عبد الله بن نافع الصائغ، وهو من موالي بني مخزوم، من كبار فقهاء المدينة، وحديثه مخرج في الكتب الستة سوى البخاري، وقال الذهبي: "وليس هو بالمتوسع في الحديث جدًا، بل كان بارعًا في الفقه". وقال ابن سعد: "لزم مالكًا لزومًا شديدًا، وكان لا يقدم عليه أحدًا" ا. هـ. (وهو غير عبد الله بن نافع الزبيري كما نبه عليه الذهبي). وأما سماعه من مالك فقال ابن معين لما سئل: من الثبت في مالك؟ فذكرهم ثم قال: "وعبد الله بن نافع ثبت فيه". وقال الإمام أحمد: "كان عبد الله بن نافع أعلم الناس برأي مالك وحديثه، كان يحفظ حديث مالك كله ثم دخله بآخره شيء". وقال أبو داود: "وكان عبد الله عالمًا بمالك". انظر: السير (١٠/ ٣٧١)، الجرح والتعديل (٥/ ١٨٣)، تهذيب التهذيب (٦/ ٤٦).
(٣) وهذا القول هو ما رواه عبد الله بن نافع قال: قال مالك بن أنس: "الله في السماء وعلمه في كل مكان لا يخلو منه شيء، وتلا هذه الآية: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]. أخرجه عبد الله ابن الإمام أحمد في السنة (١/ ١٠٦) برقم (١١)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٤٠١) برقم (٦٧٣)، والآجري في الشريعة -باب التحذير من مذاهب الحلولية ص ٢٥٦، وابن قدامة في صفة العلو برقم (٩٢) ص ١١٥، وابن عبد البر في التمهيد (٧/ ١٣٨)، والذهبي في العلو (مختصر العلو ص ١٤٠)، وصحح إسناده شيخ الإسلام (درء التعارض ٦/ ٢٦١ - ٢٦٢). وأورده الناظم في اجتماع الجيوش ص ١٤١، وصححه الألباني كما في المختصر ص ١٤٠.
[ ٢ / ٣٦٦ ]
١٣٦٥ - فانْظُرْ إلَى التَّفْرِيقِ بَينَ الذَّاتِ والْـ ـمعْلُومِ مِنْ ذَا العَالِمِ الربَّانِي
١٣٦٦ - فالذَّاتُ خُصَّتْ بالسمَاءِ وإنَّما الْـ ـمعْلُومُ عَمَّ جَمِيعَ ذِي الأكْوَانِ
١٣٦٧ - ذَا ثَابتٌ عَنْ مَالِكٍ مَنْ رَدَّهُ فَلَسَوفَ يَلْقَى مَالِكًا بِهَوَانِ
١٣٦٨ - وَكَذَاكَ قَالَ التِّرمِذيُّ بجَامِعٍ عَنْ بَعْضِ أهْلِ العْلمِ والإيمَانِ
١٣٦٩ - اللَّهُ فَوْقَ العرشِ لَكن علمُهُ معَ خَلْقِه تَفْسِيرَ ذي إيمانِ
١٣٧٠ - وَكَذاكَ أوْزَاعِيُّهُم أيضًا حَكَى عَنْ سَائِر العُلَمَاءِ في البُلْدَانِ
_________________
(١) "مالك": يعني ابن أنس. "مالكًا": يعني به خازن النار. انظر: شرح ابن عيسى (١/ ٤٤٤).
(٢) الترمذي: هو أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، الضرير، ولد في حدود سنة عشر ومائتين، روى عن قتيبة بن سعيد، وإسحاق بن راهويه وعلي بن حجر وغيرهم، وعنه أبو بكر السمرقندي، وأبو حامد المروزي، وغيرهما. قال الذهبي: "جامعه قاضٍ له بإمامته وحفظه وفقهه، ولكن يترخص في قبول الأحاديث، ولا يشدّد، ونَفَسُه في التضعيف رِخْو .. ". كانت وفاته سنة تسع وسبعين ومائتين بترمذ. السير (١٣/ ٢٧٠)، البداية والنهاية (١١/ ٧١).
(٣) ومقالة الترمذي في جامعه في كتاب التفسير -باب سورة الحديد- عقب حديث أبي هريرة برقم (٣٢٩٨). قال أبو عيسى: "وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقالوا: إنما هبط على علم الله وقدرته وسلطانه، علم الله وقدرته وسلطانه في كل مكان، وهو على العرش كما وصف في كتابه". الجامع (٥/ ٣٧٧) أنقل ابن القيم عن شيخه أن تأويل حديث الإدلاء بالعلم من جنس تأويلات الجهمية. انظر مختصر الصواعق (ط أضواء السلف): ١٢٦٩، ومجموع الفتاوى ٦/ ٥٧٤].
(٤) الأوزاعي: هو عبد الرحمن بن عمرو بن يَحْمَد، أبو عمرو الأوزاعي، عالم أهل الشام، روى عن عطاء ومكحول وقتادة وغيرهم، وعنه الزهري وشعبة والثوري وغيرهم كثير، ولد سنة ثمان وثمانين يتيمًا في حجر أمه، وكان إمامًا في العلم والزهد والرواية، بل كان أعلم أهل زمانه. كانت وفاته سنة سبع وخمسين ومائة. السير (٧/ ١٠٧)، البداية والنهاية (١٠/ ١٨). - ف: (بالبلدان).
[ ٢ / ٣٦٧ ]
١٣٧١ - مِنْ قَرنِهِ والتَّابِعون جَمِيعُهُم مُتَوافِرونَ وَهُمْ أولُو العِرفَانِ
١٣٧٢ - إِيمانَهُم بعُلُوِّهِ سُبحَانَهُ فَوْقَ العِبَادِ وفوقَ ذِي الأكْوَانِ
١٣٧٣ - وَكَذاكَ قَالَ الشَّافِعيُّ حَكَاهُ عَنـ ـهُ البَيْهَقِيُّ وشيْخُهُ الرَّبَّانِي
_________________
(١) قرْنه: أي ممن هم في طبقته وفي زمنه. - ما عدا الأصل و(ف): "والتابعين متوافرين"، ولعله خطأ. (ص).
(٢) ونص مقالته: "كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله -تعالى ذكره- فوق عرشه، ونؤمن بما وردت السنة به من صفاته جل وعلا". أخرجها البيهقي في الأسماء والصفات (٤/ ٣٠٢) برقم (٨٦٥)، والذهبي في السير (٧/ ١٢٠)، وفي تذكرة الحفاظ (١/ ١٨١ - ١٨٢)، وفي العلو (المختصر ص ١٣٧)، وأوردها شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٥/ ٣٩)، وفي درء التعارض (٦/ ٢٦٢) وصححها في الموضعين، وأوردها الحافظ ابن حجر في الفتح (١٣/ ٤١٧) وجوَّد إسنادها، وأوردها الناظم في اجتماع الجيوش ص ١٣١، وفي الصواعق (٤/ ١٢٩٧)، وقال: "وروى البيهقي بإسناد صحيح ". وقال في موضع آخر (مختصر الصواعق ص ٣٥٩): "رواته كلهم ثقات"، وصححها الذهبي في تذكرة الحفاظ (١/ ١٨٢).
(٣) الشافعي: هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع، أبو عبد الله القرشي ثم المطلبي الشافعي المكي، صاحب المذهب المعروف، إمام أهل زمانه في الفقه. روى عن مالك بن أنس، ومحمد بن الحسن، واسماعيل بن عُلية وغيرهم. وعنه الحميدي وأحمد بن خبل وأبو عبيد القاسم بن سلَّام وغيرهم. قال الإمام أحمد عن حديث: "إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها": فعمر بن عبد العزيز على رأس المائة الأولى، والشافعي على رأس المائة الثانية". من أهم مؤلفاته: "الرسالة" في أصول الفقه، و"الأم" في الفقه. كانت وفاته سنة أربع ومائتين. السير (٥/ ١٠)، البداية والنهاية (١٠/ ٢٦٢). البيهقي: هو أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخسروجردي الخراساني، ولد سنة ٣٨٤ هـ، الحافظ العلَّامة، الثبت، الفقيه، المحدث، =
[ ٢ / ٣٦٨ ]
١٣٧٤ - حَقًا قَضى اللهُ الخِلَافَةَ رَبَّنَا فَوقَ السمَاءِ لِأصْدَقِ العُبدَانِ
١٣٧٥ - حِبُّ الرسُولِ وقائِمٌ مِنْ بعْدِهِ بالحَقِّ لَا فَشِلٌ ولَا مُتَوَانِ
١٣٧٦ - فانظُرْ إلَى المَقْضِيِّ فِي ذِي الأرضِ لـ ـكنْ فِي السَّمَاءِ قَضَاءُ ذِي السُّلطَانِ
_________________
(١) = صاحب التصانيف كان مقبلًا على التأليف والجمع، وكان قانعًا باليسير، متجملًا في زهده وورعه، من كبار أصحاب الحاكم أبي عبد الله صاحب المستدرك. من أهم مؤلفاته: السنن الكبرى، معرفة السنن والآثار، الأسماء والصفات، مناقب الشافعي. كانت وفاته سنة ٤٥٨ هـ. السير (١٨/ ١٦٣)، طبقات الشافعية للسبكي (٤/ ٨). - "شيخه الربَّاني": هو الحاكم: أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد حمدويه بن البيّع، الضبي، النيسابوري، صاحب المستدرك على الصحيحين، وكان شافعي المذهب، ولد سنة ٣٢١ هـ. روى عن ابن حبان، ومحمد بن يعقوب الأصم وغيرهما. وعنه الدارقطني والبيهقي وغيرهما. سمع من نحو ألفي شيخ، كان من بحور العلم ومن أئمة الجرح والتعديل والحديث. وأكثر من التصنيف، ومن أهم مصنفاته: المستدرك على الصحيحين، معرفة علوم الحديث، تاريخ نيسابور. كانت وفاته سنة ٤٠٥ هـ. السير (١٧/ ١٦٢)، طبقات الشافعية للسبكي (٤/ ١٥٥).
(٢) العُبدان: جمع عَبْد. ومقولة الشافعي نصها: "قال: خلافة أبي بكر -﵁- حقٌ قضاها الله في سمائه وجمع عليها قلوب أصحاب نبيه - ﷺ -". أوردها ابن قدامة في صفة العلو برقم (١٠٩) ص ١٢٤، وشيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٥/ ٥٣)، والناظم في اجتماع الجيوش الإسلامية وصححها ص ١٦٥، وفي الصواعق (٤/ ١٣٠٠).
(٣) "حِبُّ الرسولِ": كذا ضبط في الأصل بالرفع، ويجوز جرّه، (ص). - فَشِلَ، كَفَرِحَ، فهو فَشِلٌ: كَسِلَ وضعُف وتراخى وجُبن. القاموس ص ١٣٤٦. - توانى في حاجته: قصّر، من الوَنَى وهو الضعف والفتور والكلال والإعياء. الصحاح (٢٥٣١).
(٤) يعني بالمقضيّ خلافة أبي بكر الصدِّيق ﵁. - ف: (ذي سلطان).
[ ٢ / ٣٦٩ ]
١٣٧٧ - وَقَضَاؤهُ وَصْفٌ لَهُ لَم يَنْفَصِلْ عَنْهُ، وَهَذَا وَاضِحُ البُرهَانِ
١٣٧٨ - وَكذَلكَ النُعْمَانُ قَالَ وَبَعْدَهُ يَعْقُوبُ والألْفاظُ لِلنُّعْمَانِ
١٣٧٩ - مَنْ لَم يُقِرَّ بعَرْشِهِ سُبحَانَهُ فَوْقَ السَّمَاءِ وفوْقَ كلِّ مَكَانِ
١٣٨٠ - ويُقِرَّ أنَّ الله فَوْقَ العَرْشِ لَا يَخْفَى عَلَيهِ هَواجِسُ الأذْهَانِ
١٣٨١ - فَهُوَ الَّذي لَا شَكَّ فِي تَكْفِيرِهِ لِلَّهِ دَرُّكَ مِنْ إمَامِ زَمَانِ
_________________
(١) قال الناظم في اجتماع الجيوش (ص ١٦٥): "ومعلوم أن المقضي في الأرض، والقضاء فعله ﷾ المتضمن لمشيئته وقدرته" ا. هـ.
(٢) النعمان: تقدمت ترجمته تحت البيت ٨٧٣. يعقوب: هو أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن حبيش الأنصاري الكوفي، الإمام المجتهد، العلّامة المحدث. صاحب أبي حنيفة وتلميذه، ولد سنة ١١٣ هـ، روى عن هشام بن عروة ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعنه يحيى بن معين وأحمد بن حنبل، قال أحمد: "أول ما كتبت الحديث اختلفت إلى أبي يوسف، وكان أميل إلى الحديث من أبي حنيفة ومحمد". وقال ابن معين: "ما رأيت في أصحاب الرأي أثبت في الحديث ولا أحفظ ولا أصح رواية من أبي يوسف". وكان صاحب سنة. كانت وفاته سنة ١٨٢ هـ. السير (٨/ ٥٣٥)، أخبار القضاة لوكيع (٣/ ٢٥٤).
(٣) الهواجس: الخواطر.
(٤) ونص كلامه -﵀- في الفقه الأكبر، قال: " ومن قال لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض فقد كفر، لأن الله تعالى يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وعرشه فوق سبع سماوات، قلت: فإن قال إنه على العرش استوى، ولكنه يقول: لا أدري العرش في السماء أم في الأرض؟ قال: هو كافر لأنه أنكر أن يكون في السماء، لأنه تعالى في أعلى عليين، وأنه يُدْعى من أعلى لا من أسفل " شرح الفقه الأكبر لأبي الليث السمرقندي (المطبوع منسوبًا لأبي منصور الماتريدي) ص ٢٥، وانظر: الفتوى الحموية - ضمن مجموع الفتاوى (٥/ ٤٦)، واجتماع =
[ ٢ / ٣٧٠ ]
١٣٨٢ - هَذَا الَّذِي فِي الفِقْهِ الأكبَرِ عنْدَهُم وَلَهُ شُرُوحٌ عِدَّة لِبَيَانِ
١٣٨٣ - وانظُرْ مَقَالَةَ أحْمَدٍ ونُصُوصَهُ في ذَاكَ تَلْقَاهَا بلَا حُسْبَانِ
١٣٨٤ - فَجَمِيعُهَا قَدْ صَرَّحَتْ بعُلُوهِ وبِالاِسْتِوَا والفَوْقِ للرَّحْمنِ
١٣٨٥ - ولهُ نصُوصٌ وَارِدَاتٌ لَم تَقَعْ لِسِوَاهُ مِنْ فُرْسَانِ هَذَا الشَّانِ
_________________
(١) = الجيوش ص ١٣٩، وروى هذا الأثر الذهبي في العلو كما في المختصر ص ١٣٦، وانظر شرح الطحاوية (٢/ ٣٨٧). وأورده الناظم في الصواعق (٤/ ١٢٩٧ - ١٢٩٨)، وقال: "ذكره البيهقي وغيره".
(٢) كتاب "الفقه الأكبر" من مؤلفات أبي حنيفة، ونسبه إليه غير واحد، منهم: ابن النديم في الفهرست ص ٢٥٦، وابن أبي العز الحنفي في شرح الطحاوية (٢/ ٢٨٧)، وشيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٥/ ٤٦)، والدرء (٦/ ٢٦٣)، وابن القيم في (اجتماع الجيوش ص ١٣٨)، وحاجي خليفة في كشف الظنون (٢/ ١٢٨٧). وبعضهم يشكك في نسبته لأن سند الكتاب إلى أبي حنيفة فيه مقال. ولذلك ينسبه بعضهم إلى راويهِ أبي مطيع البلخي كما نصّ على ذلك الذهبي (مختصر العلوص ١٣٦)، واللكنوي في الفوائد البهية ص ٦٨. وانظر: ما كتبه الدكتور محمد الخميس في أصول الدين عند أبي حنيفة (١/ ١١٧- ١٢٣) (رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في قسم العقيدة بجامعة الإمام). وانظر شروح الفقه الأكبر في كشف الظنون (٢/ ١٢٨٧).
(٣) تقدمت ترجمة الإمام أحمد في التعليق على مقدمة المؤلف.
(٤) في قوله: "بالاستوا" حذفت الهمزة لضرورة الشعر.
(٥) نصوص الإمام أحمد كثيرة في إثبات العلو لله، منها على سبيل المثال قوله في كتابه الرد على الجهمية (ص ١٣٥): " بيان ما أنكرت الجهمية أن يكون الله على العرش: قال: فقلنا: لم أنكرتم أن يكون الله على العرش، وقد قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ ". وقال أبو يعلى في ترجمة يوسف بن موسى (الطبقات ١/ ٤٣١): "قيل لأبي عبد الله: والله =
[ ٢ / ٣٧١ ]
١٣٨٦ - إذْ كَانَ مُمْتَحَنًا بأعْدَاءِ الحَدِيـ ـثِ وَشِيعَةِ التعْطِيلِ والكُفْرَانِ
١٣٨٧ - وإذا أرَدْتَ نُصُوصَهُ فانْظُر إلَى مَا قَدْ حَكَى الخَلالُ ذُو الإتْقَانِ
_________________
(١) = فوق السماء السابعة على عرشه بائن من خلقه، وعلمه بكل مكان؟ قال: نعم، على عرشه لا يخلو منه شيء من علمه" وانظر: اللالكائي (٣/ ٤٠١) برقم (٦٧٤). وانظر: كلامه في العلو في اجتماع الجيوش الإسلامية للناظم (ص ٢٠٠ - ٢١٣)، وكتاب "المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة" (١/ ٣١٨).
(٢) يشير الناظم إلى ما حدث له في زمن المأمون والمعتصم والواثق من الفتنة والمحنة بسبب عدم إجابته -﵀- لهم إلى القول بخلق القرآن، وقد صبر -﵀-، وضرب وجلد حتى كاد يهلك، ﵀. انظر تفاصيل المحنة في البداية والنهاية (١٠/ ٣٤٥)، مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص ٤١٦ وما بعدها.
(٣) هو أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون بن يزيد البغدادي الخلال، العلَّامة الفقيه، شيخ الحنابلة وعالمهم، ولد سنة ٢٣٤ هـ، سمع من الحسن بن عرفة وحرب الكرماني ويعقوب الفسوي. وعنه غلامه أبو بكر عبد العزيز وأبو الحسين محمد بن المظفر وغيرهم كثير. من مصنفاته: السنَّة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجامع في الفقه. كانت وفاته سنة ٣١١ هـ. السير ١٤/ ٢٩٧، طبقات الحنابلة ٢/ ١٢، تاريخ بغداد ٥/ ١١٢. - يعني: ما حكاه في كتابه "السنة، والكتاب موجود نصفه وقد طبع. وقد اشتهرت عناية الخلال بجمع أقوال الإمام أحمد في الأصول والفروع. قال الذهبي: "وألف كتاب السنة في ألفاظ أحمد والدليل على ذلك من الأحاديث في ثلاث مجلدات، تدل على إمامته وسعة علمه، ولم يكن للإمام مذهب مستقل حتى تتبع هو نصوص أحمد ودونها وبرهنها بعد الثلاثمائة". السير (١٤/ ٢٩٨). وقال الخطيب البغدادي (التاريخ ٥/ ١١٢): "جمع الخلال علوم أحمد وتطلبها، وسافر لأجلها وكتبها وصنفها كُتُبًا، لم يكن -فيمن ينتحل مذهب أحمد- أحد أجمع لذلك منه".
[ ٢ / ٣٧٢ ]
١٣٨٨ - وَكذاكَ إسْحَاقُ الإِمَامُ فإنَّهُ قَدْ قَالَ مَا فِيهِ هُدَى الحَيْرَانِ
١٣٨٩ - وابْنُ المبَارَكِ قَالَ قَوْلًا شَافِيًا إنْكَارُهُ عَلَمٌ عَلَى البُهْتَانِ
١٣٩٠ - قَالُوا لَهُ مَا ذَاكَ نَعْرِفُ رَبَّنَا حَقًّا بِهِ لِنَكُونَ ذَا إيمَانِ
_________________
(١) هو إسحاق بن إبراهيم بن مَخْلَد بن إبراهيم التميمي ثم الحنظلي، المروزي المعروف بـ "ابن راهويه" شيخ المشرق وسيد الحفاظ، حدث عن: ابن المبارك، والفضيل، ووكيع وغيرهم كثير. وعنه: أحمد بن حنبل، والبخاري ومسلم. قال عنه الإمام أحمد: "لا أعرف لإسحاق في الدنيا نظيرًا"، وقال النسائي: "ابن راهويه أحد الأئمة، ثقة مأمون سمعت سعيد بن ذؤيب يقول: ما أعلم على وجه الأرض مثل إسحاق" ا. هـ. وقال عن نفسه: "أحفظ سبعين ألف حديث عن ظهر قلبي" مات سنة ٢٣٨ هـ. السير (١١/ ٣٥٨)، طبقات الحنابلة (١/ ١٠٩). - قال إسحاق: "قال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، إجماع أهل العلم أنه فوق العرش استوى، ويعلم كل شيء في أسفل الأرض السابعة " أخرجه الذهبي في العلو (المختصر ص ١٩٤)، وأورده شيخ الإسلام في الدرء (٢/ ٣٤)، (٦/ ٢٦٠)، والناظم في اجتماع الجيوش ص ٢٢٦، وعزوه للخلال في السنّة، وللهروي في ذم الكلام.
(٢) هو عبد الله بن المبارك بن واضح، أبو عبد الرحمن الحنظلي مولاهم التركي ثم المروزي شيخ الإسلام، ولد سنة ١١٨ هـ حدث عن الأعمش وحميد الطويل والثوري وغيرهم كثير. وعنه معمر وابن وهب وابن مهدي وغيرهم، وهو عالم زمانه. قال الذهبي: "وحديثه حجة بالإجماع"، وقال عنه ابن حجر في التقريب: "ثقة ثبت فقيه عالم جواد مجاهد، جُمِعَت فيه خصال الخير". مات سنة ١٨١ هـ. السير (٨/ ٣٧٨)، التقريب ص ٣٢٠.
(٣) كذا ورد البيت في الأصل والنسخ الأخرى غير (د). وقوله "ذا إيمان" قد سبق مثله في البيت ٩٥٩: "نحن ذو أذهان". وسيأتي في أبيات أخرى أيضًا. وفي (د): "تعرف ربنا لتكون" ولا يرد عليه هذا الإشكال، ولكنه لا يوافق القصة، (ص).
[ ٢ / ٣٧٣ ]
١٣٩١ - فأَجَابَ نَعْرفُهُ بوَصْفِ عُلُوِّهِ فَوْقَ السَّمَاءِ مُبَايِنَ الأكْوَانِ
١٣٩٢ - وبأَنَّهُ سُبحَانهُ حَقًّا على الْـ ـعرشِ الرَّفيعِ فجَلَّ ذو السُّلْطَانِ
١٣٩٣ - وَهُوَ الَّذِي قَدْ شَجَّعَ ابْنَ خُزَيْمة إذْ سَلَّ سَيفَ الحَقِّ والعِرْفَانِ
١٣٩٤ - وَقَضَى بِقَتْلِ المنْكِرينَ عُلُوَّهُ بَعْدَ اسْتِتَابَتِهِم مِنَ الكُفْرَانِ
١٣٩٥ - وبأنَّهُم يُلْقَوْنَ بَعْدَ القَتْلِ فَوْ قَ مَزَابِل الْمَيْتاتِ والأنْتَانِ
١٣٩٦ - فشَفَى الإمَامُ العَالِمُ الحَبْرُ الَّذِي يُدْعَى إِمَامَ أئِمَّةِ الأَزْمَانِ
_________________
(١) ونص المقالة عنه: أنه سُئل وقيل له: بماذا نعرف ربنا؟ قال: "بأنه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، ولا نقول كما تقول الجهمية: إنه هاهنا في الأرض" والأثر أخرجه عبد الله ابن الإمام أحمد في السنة (١/ ١١١، ١٧٥، ٣٠٧)، والدارمي في الرد على الجهمية ص ٣٩، برقم (٦٧)، والبخاري في خلق أفعال العباد ص ١٥، برقم (١٣)، والذهبي في العلو كما في المختصر ص ١٥١، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٣٣٥، ٦٣٦). وقد صححه شيخ الإسلام كما في الحموية ضمن مجموع الفتاوى (٥/ ٥١ - ٥٢، ١٨٤)، وابن القيم كما في اجتماع الجيوش ص ٢١٣ - ٢١٤ حيث قال: "وقد صح عنه صحة قريبة من التواتر .. ". وكذلك الذهبي في العلو كما في المختصر ص ١٥١.
(٢) ابن خزيمة: هو محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح بن بكر أبو بكر السلمي النيسابوري، الشافعي، الحافظ الحجة، إمام الأئمة، ولد سنة ٢٢٣ هـ. روى عن محمد بن بشار وعلي بن حُجْر وغيرهما. وعنه البخاري ومسلم وغيرهما. كان صاحب سُنَّة واتباع، وهو صاحب الصحيح، وكتاب التوحيد الذي قرر فيه منهج السلف -﵏- بأسانيده، ﵀، كانت وفاته سنة ٣١١ هـ. السير (١٤/ ٣٦٥)، طبقات الشافعية للسبكي (٣/ ١٠٩). ومراد الناظم أن مما شجع ابن خزيمة للتصدي لمنكري العلوّ ما صرّح به ابن المبارك من إثبات علو الله على عرشه.
[ ٢ / ٣٧٤ ]
١٣٩٧ - وَلَقَدْ حَكَاهُ الحَاكِمُ العَدْلُ الرضَا فِي كُتْبِهِ عَنْهُ بِلَا نُكْرَانِ
١٣٩٨ - وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ البَرِّ فِي تَمْهِيدِهِ وَكِتَابِ الِاسْتِذْكَارِ غَيْرَ جَبَانِ
_________________
(١) تقدمت ترجمة الحاكم تحت البيت رقم (١٣٧٣). - قال الإمام محمد بن إسحاق ابن خزيمة ﵀: "من لم يُقرَّ بأن الله تعالى على عرشه قد استوى فوق سبع سماواته فهو كافر بربه يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه وألقي على بعض المزابل حيث لا يتأذى المسلمون والمعاهدون بنتن ريح جيفته، وكان ماله فيئًا لا يرثه أحد من المسلمين إذ المسلم لا يرث الكافر كما قال - ﷺ - ". أخرجه الحاكم في معرفة علوم الحديث ص ٨٤. وأخرجه الصابوني في عقيدة السلف كما في مجموعة الرسائل المنيرية (١/ ١١١)، وأخرجه ابن قدامة في إثبات صفة العلو ص ١٢٦ - ١٢٧، برقم (١١٢)، وذكره الذهبي في العلو كما في المختصر ص ٢٢٥، وقد صحح هذا الأثر شيخ الإسلام كما في الحموية ضمن مجموع الفتاوى (٥/ ٥٢)، وذكره كذلك في الدرء (٦/ ٢٦٤)، وكذلك الذهبي في تذكرة الحفاظ (٢/ ٧٢٨)، وأورده الناظم في الصواعق (٤/ ١٣٠٣) وعزاه إلى تاريخ نيسابور للحاكم وقال: "وذكره أبو عثمان النيسابوري في رسالته المشهورة .. "، وفي اجتماع الجيوش ص ١٩٤.
(٢) ابن عبد البر: هو أبو عمر، يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري، الأندلسي، القرطبي، المالكي، الإمام العلامة، حافظ المغرب، صاحب التصانيف الفائقة، ولد سنة ٣٦٨ هـ، سمع من أبي محمد بن محمد بن عبد المؤمن، وخلف بن القاسم بن سهل الحافظ وغيرهما. وعنه أبو محمد بن حزم والحافظ أبو علي الغساني وأبو عبد الله الحميدي وغيرهم. قال الذهبي: "كان إمامًا دينًا، ثقة متقنًا، علامة، متبحرًا، صاحب ستة واتباع .. ". من أجل مصنفاته: التمهيد، والاستذكار، وجامع بيان العلم وفضله. كانت وفاته سنة ٤٦٣ هـ. السير (١٨/ ١٥٣)، ومقدمة التمهيد المطبوع. - ونصه في التمهيد (٧/ ١٢٨ - ١٥٩) عند شرحه لحديث النزول قال: " وفيه دليل على أن الله ﷿ في السماء على العرش من فوق سبع =
[ ٢ / ٣٧٥ ]
١٣٩٩ - إجْمَاعَ أَهْلِ العِلْمِ أنَّ اللهَ فَوْ قَ العَرشِ لَم يُنْكِرهُ ذو إيمانِ
١٤٠٠ - وأَتَى هُنَاكَ بِمَا شَفَى أَهْلَ الهُدَى لَكِنَّهُ مَرَض عَلَى العُمْيَانِ
١٤٠١ - وَكَذَا عَليُّ الأَشْعَرِيُّ فإنَّهُ في كُتْبِهِ قَدْ جَاءَ بالتِّبيَانِ
١٤٠٢ - مِنْ مُوجَزٍ وإبَانَةٍ ومَقَالَةٍ ورَسَائِلٍ لِلثَّغْرِ ذَاتِ بَيَانِ
١٤٠٣ - وأتَى بِتَقْريرِ اسْتِواءِ الرَّب فَوْ قَ العَرشِ بالإيضَاحِ والبُرْهَانِ
١٤٠٤ - وأتى بتقْرِيرِ العُلوِّ بأحْسَنِ التَّـ ـقْرِيرِ فانْظُر كُتْبَهُ بِعِيانِ
_________________
(١) = سماوات كما قالت الجماعة " ثم ذكر الأدلة من القرآن والرد على المعتزلة إلى أن قال: " ومن الحجة أيضًا في أنه ﷿ على العرش فوق السماوات السبع: أن الموحدين أجمعين من العرب والعجم إذا كربهم أمر أو نزلت بهم شدة رفعوا وجوههم إلى السماء يستغيثون الله ﵎ إلخ" ا. هـ مختصرًا. وانظر اجتماع الجيوش ص ١٤٣، والحموية ضمن مجموع الفتاوى (٥/ ٨٦)، ومختصر العلو ص ٢٦٨. - ونصه في الاستذكار (٨/ ١٤٨) بعد ذكر حديث النزول قال: "وفي هذا الحديث دليل على أن الله ﷿ في السماء على العرش من فوق سبع سماوات، وعلمه في كل مكان كما قالت الجماعة أهل السنة أهل الفقه والأثر" وذكر الأدلة على ذلك من القرآن"، وذكر كلامًا مشابهًا لما في التمهيد.
(٢) طت، طه: (العرش بالإيضاح والبرهان).
(٣) تقدمت ترجمة الأشعري تحت البيت رقم (٩٦٤).
(٤) وهي مطبوعة بعنوان "رسالة إلى أهل الثغر". وممن نص على أنه من مؤلفاته: ابن عساكر في تبيين كذب المفتري ص ١٣٦ حيث قال: " وجواب مسائل كتب بها إلى أهل الثغر في تبيين ما سألوه من مذهب أهل الحق .. "، وشيخ الإسلام في درء التعارض (٧/ ١٨٦). أما الكتب الأخرى التي ذكرت هنا فتقدم الكلام عليها تحت البيت (١٣٥٩).
(٥) وقد تقدم نقل نصوصه في الاستواء والعلو، ولكن بقي أن نذكر نصه في رسالته إلى أهل الثغر حيث قال: "الإجماع التاسع: وأجمعوا على أنه =
[ ٢ / ٣٧٦ ]
١٤٠٥ - واللهِ مَا قَالَ المُجَسِّمُ مِثْلَ مَا قَدْ قَالَهُ ذَا العَالِمُ الرَّبَّانِي
١٤٠٦ - فارْمُوهُ وْيحَكُمُ بِمَا تَرْمُوا بِهِ هَذَا المُجَسِّمَ يا أولِي العُدْوانِ
١٤٠٧ - أو لَا فَقُولُوا إنَّ ثَمَّ حَزَازَةً وَتَنَفُّسَ الصُّعَدَاءِ مِنْ حَرَّانِ
١٤٠٨ - فسَلُوا الإلهَ شِفَاءَ ذَا الدَّاءِ العُضَا لِ مُجَانِبِ الإسْلَامِ والإيمَانِ
١٤٠٩ - وانظُرْ إلَى حَرْبٍ وإجْمَاعٍ حَكَى للهِ درُّكَ مِنْ فَتىً كِرْمَانِي
_________________
(١) = ﷿ يرضى عن الطائعين له " إلى أن قال: " وأنه تعالى فوق سماواته على عرشه دون أرضه، وقد دل على ذلك بقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [تبارك: ١٦]، وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]، وليس استواؤه على العرش استيلاءً كما قال أهل القدر، لأنه ﷿ لم يزل مستوليًا على كل شيء " ا. هـ باختصار من رسالة إلى أهل الثغر ص ٢٣١ - ٢٣٤.
(٢) يعني أنّ ما قاله أهل السنة من إثبات العلو ليس بأقل مما قرره إمامكم يا معشر الأشعرية فلماذا ترمون المثبت بالتجسيم، ولا ترمون الأشعري بهذا اللقب مع أنه قال أكثر مما قاله المثبت.
(٣) الأصل أن يقول: "بما ترمون به" ولكن حذف النون لضرورة الشعر.
(٤) الحزازة: وجع في القلب من غيظ ونحوه، قال زفر بن الحارث الكلابي: وقد ينبت المرعى على دِمَنِ الثرى وتبقى حزازات النفوس كما هيا قال أبو عبيدة: ضربه مثلًا لرجل يظهر مودة وقلبه نَغِلٌ بالعداوة. الصحاح ص ٨٧٣. تنفس الصُّعَداء (كالبُرَحاء): تنفس طويلٌ ممدود. القاموس ص ٣٧٤، الصحاح ٤٩٨. الحرَّان: ملتهب الصدر من الغيظ والحرقة. انظر اللسان ٤/ ١٧٨.
(٥) هو حرب بن إسماعيل الكِرماني، أبو محمد، الفقيه العلَّامة، تلميذ الإمام أحمد بن حنبل. روى عن أبي داود الطيالسي وأبي بكر الحميدي وأبي عبيد وغيرهم. وعنه أبو حاتم الرازي، وأبو بكر الخلال وغيرهما. من =
[ ٢ / ٣٧٧ ]
١٤١٠ - وانظُرْ إلَى قَوْل ابنِ وَهْبٍ أوحَدِ الـ ـعلَماءِ مثلَ الشَّمْسِ فِي المِيزَانِ
_________________
(١) = أشهر كتبه "المسائل" وهو من أنفس كتب الحنابلة، وهو كبير في مجلدين، كما نص على ذلك الذهبي. كانت وفاته سنة ثمانين ومائتين. السير (١٣/ ٢٤٤)، طبقات الحنابلة (١/ ١٤٥). - قال حرب: " والماء فوق السماء السابعة والعرش على الماء والله على العرش " قال ابن القيم معقبًا على كلامه في اجتماع الجيوش (ص ٢٣٤): "قلت هذا لفظه من مسائله وحكاه إجماعًا لأهل السنة من سائر أهل الأمصار". وقال شيخ الإسلام في بيان تلبيس الجهمية (١/ ٤٢٩): " وقد ذكر حرب بن إسماعيل في آخر كتابه في المسائل كلها: هذا مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها المقتدى بهم فيها إلى أن قال: وخلق الله سبع سماوات بعضها فوق بعض إلى أن قال: "لأن الله ﵎ على العرش فوق السماء السابعة العليا يعلم ذلك كله، وهو بائن من خلقه، لا يخلو من علمه مكان، ولله عرش، وللعرش حملة يحملونه إلخ كلامه". وانظر كذلك: مختصر العلو للذهبي ص ٢١٣. - "فتى كرماني": كذا في الأصل، وضبط "فتى" بالتنوين. وفي غيره: "كرمان"، (ص).
(٢) هو عبد الله بن وهب بن مسلم الفهري مولاهم، أبو محمد المصري، الحافظ، ولد سنة ١٢٥ هـ. روى عن مالك والليث وغيرهما كثير وعنه ابن مهدي ويحيى بن يحيى الليثي وغيرهما كثير، وكان ثقة فاضلًا، قال ابن عدي: "هو من الثقات لا أعلم له حديثًا منكرًا، إذا حدث عنه ثقة". مات سنة ١٩٧ هـ. السير (٩/ ٢٢٣)، غاية النهاية لابن الجزري (١/ ٤٦٣). - ولم أجد له نصًا في العلو، ولكن روى عن مالك كلامه في الاستواء لمن سأل عنه، قال الذهبي في العلو (مختصر ص ١٤١): "وساق البيهقي بإسناد صحيح عن أبي الربيع الرشدين عن ابن وهب قال: "كنت عند مالك فدخل رجل فقال يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ كيف استوى؟ " القصة بطولها.
[ ٢ / ٣٧٨ ]
١٤١١ - وانظُرْ إلَى مَا قَالَ عَبدُ الله فِي تِلْكَ الرِّسَالةِ مُفْصِحًا بِبَيَانِ
١٤١٢ - مِنْ أنَّهُ سُبحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ بالذَّاتِ فَوْقَ العَرْشِ والأكْوَانِ
١٤١٣ - وانظُرْ إلَى مَا قَالَهُ الكَرَجِي فِي شَرحٍ لِتَصْنِيفِ امرئٍ ربَّانِي
_________________
(١) هو عبد الله بن أبي زيد بن عبد الرحمن القيرواني، المالكي، أبو محمد، فقيه، مفسر، كان يدعى بـ "الإمام مالك الصغير". قال عياض: "حاز رئاسة الدين والدنيا، ورحل إليه من الأقطار". روى عن العسال وأبي سعيد بن الأعرابي وغيرهما. وعنه خلق كثير منهم: الفقيه عبد الرحيم السبتي، وأبو بكر الخولاني وغيرهما. أكثر من التصنيف ومن أهم مصنفاته: الرسالة، والجامع. قال الذهبي: وكان -﵀- على طريقة السلف في الأصول، لا يدري الكلام ولا يتأوَّل". كانت وفاته سنة ٣٨٦ هـ. السير (١٧/ ١٠)، شجرة النور الزكية (١/ ٩٦). - "الرسالة" من أشهر مؤلفات ابن أبي زيد، وهو كتاب في تقرير مسائل مذهب مالك، وجعل مقدمته في تقرير عقيدة السلف بشكل موجز ومختصر.
(٢) قال ابن أبي زيد في مقدمته للرسالة (ص ٥٦ - ٥٧): " العالم الخبير المدبر القدير السميع البصير العلي الكبير وأنه فوق عرشه المجيد بذاته وهو في كل مكان بعلمه .. على العرش استوى وعلى الملك احتوى .. " وانظر كتابه الجامع ص ١٤١.
(٣) كذا في ب. وفي غيرها: "الكرخي" بالخاء، تصحيف، وهو محمد بن عبد الملك بن محمد بن عمر الكَرَجي -بفتح الكاف والراء- أبو الحسن بن أبي طالب، ولد سنة ٤٥٨ هـ سمع من مكي بن علان الكرجي، وأبي القسام الرزاز، عنه ابن المسعاني وأبو موسى المديني، وكان شافعي المذهب، صاحب سُنَّةٍ واتباع، وكان شديدًا على أهل البدع وخاصة الأشعرية، من تصانيفه: الذرائع في علم الشرائع، والفصول في اعتقاد الأئمة الفحول، وقصيدة في السنة، كانت وفاته سنة ٥٣٢ هـ. طبقات الشافعية للسبكي (٦/ ١٣٧)، البداية والنهاية (١٢/ ٢٢٩)، شذرات الذهب (٤/ ١٠٠). - وكتاب الكرجي هو "الفصول في الأصول عن الأئمة الفحول إلزامًا لذوي البدع والفضول". وقد قرر فيه مذهب أهل السنة. وممن نص على نسبته للكرجي: شيخ الإسلام مجموع الفتاوى ٤/ ١٧٥، درء التعارض (٢/ ٩٥)، ابن كثير البداية =
[ ٢ / ٣٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = والنهاية (١٢/ ٢٢٩)، وابن العماد الحنبلي، شذرات الذهب (٤/ ١٠٠). وذكر شيخ الإسلام أنه اقتصر في هذا الكتاب في النقل عن عشرة من السلف هم: "أحمد ومالك والشافعي والثوري والبخاري وسفيان بن عيينة وابن المبارك والأوزاعي والليث وإسحاق بن راهويه". انظر مجموع الفتاوى (٤/ ١٧٥ - ١٧٧)، درء التعارض (٢/ ٩٥). ونص مقالته الدالة على علو الله: " وأنه تعالى في السماء، وأنه على عرشه بائن من خلقه كما قال مالك: إن الله في السماء وعلمه في كل مكان ". مجموع الفتاوى (٤/ ١٨١). وله قصيدة في السنة واعتقاد السلف بعنوان: "عروس القصائد فى شموس العقائد" وهي بائية تزيد على (٢٥٠) بيت ومن أبياتها: عقيدة أصحاب الحديث فقد سمت .. بأرباب دين الله أسنى المراتب عقائدهم أن الإله بذاته على عرشه مع علمه بالغوائب وأن استواء الرب يعقل كونه ويجهل فيه الكيف جهل الشهارب انظر طبقات السبكي (٦/ ١٤١، ١٤٣)، العلو للذهبي ١٢/ ١٣٦١. - لعله يريد بالتصنيف: "التعليقة الكبرى" لأبي حامد الإسفراييني شيخ الشافعية في وقته، حتى قيل عنه الشافعي الثاني، ومما يوحي بأنه يقصد تعليقة أبي حامد: أن شيخ الإسلام ذكر عن الكرجي عدة نقول ينسبها إلى أبي حامد، فمثلًا: قال شيخ الإسلام، مجموع الفتاوى (٤/ ١٧٨): قال -يعني الكرجي-: "فإن قيل فمن أين وقعت على هذا التفصيل والبيان في اندراج مذاهب هؤلاء تحت مذاهب الأئمة؟ قلت من التعليقة للشيخ أبي حامد الإسفراييني التي هي ديوان الشرائع وأم البدائع في بيان الأحكام ومذاهب العلماء والأعلام وأصول الحجج العظام في المختلف والمؤتلف" ا. هـ. وكذلك ذكر ابن القيم أن أبا حامد الإسفراييني كان من كبار أئمة السنة المثبتين للصفات. وكذلك ذكر شيخ الإسلام نقولات للكرجي عن الإسفراييني في بعض مسائل الاعتقاد. انظر: درء التعارض (٢/ ٩٥ - ٩٨)، ومجموع الفتاوى (٤/ ١٧٨)، اجتماع الجيوش الإسلامية ص ١٩٢، مجموعة الرسائل المنيرية (٢/ ٨٣)، البداية والنهاية (١٢/ ٤).
[ ٢ / ٣٨٠ ]
١٤١٤ - وانظُرْ إلَى الأَصْلِ الَّذِي هُوَ شَرْحُهُ فَهُمَا الهُدَى لِمُلَدَّدٍ حَيرَانِ
١٤١٥ - وانْظُرْ إلَى تَفْسِيرِ عَبدٍ مَا الَّذِي فِيهِ مِنَ الآثارِ فِي ذَا الشَّانِ
_________________
(١) لعله كما ذكرنا "التعليقة الكبرى" لأبي حامد الإسفراييني (المحقق). قلت: تعليقة أبي حامد في فقه المذهب الشافعي في نحو من خمسين مجلدًا، السير (١٧/ ١٩٤) وكتاب الكرجي في الاعتقاد، فلعل أبا حامد عقد فصلًا في أول الكتاب أو آخره في الاعتقاد، كما فعل ابن حزم في "المحلى" وابن أبي موسى في "الإرشاد" وغيرهم (ص). - في حاشية ف أن في نسخة: "لمبلّد". و"تلدّد": تلفّت يمينًا وشمالًا، وتحيَّر متبلِّدًا، وتَلَبَّث. القاموس ص ٤٠٥، أمّا لدَّدَه بمعنى حيَّره فلم ينصّ عليه أصحاب المعاجم (غير المعجم الوسيط). ولكن استعمله الشعراء المتأخّرون قياسًا على تحيّر وحيّر. فقال مهيار الديلمي (ت ٤٢٨ هـ): ويوماه إمَّا لاصطباح سلافةٍ تصفّق أو داعي صباح ملدّد وقد تكررت الكلمة في هذه المنظومة. انظر مثلًا الأبيات (٣٠٣٤، ٣٥٤٢، ٤١٨٧)، (ص).
(٢) هو عَبد بن حميد بن نصر الكسي، ويقال له: الكَشي -بالفتح والإعجام، أبو محمد، ويقال اسمه: عبد الحميد، إمام حافظ حجّة جوّال. حدّث عن يزيد بن هارون وعبد الرزاق وغيرهما. وعنه مسلم والبخاري -تعليقًا- وغيرهما، كان من الأئمة الثقات. من أجل مصنفاته: المسند، والتفسير. كانت وفاته سنة ٢٤٩ هـ. السير (١٢/ ٢٣٥)، شذرات الذهب (٢/ ١٢٠). أما تفسيره فهو من التفاسير المأثورة عن النبي والصحابة والتابعين، وقد أورد فيه كثيرًا من النقول والآثار عن السلف، وقد أحال عليه شيخ الإسلام في "الدرء" (٢/ ٢١، ٢٢) حينما تكلم عن قيام الأفعال الاختيارية بالله وذكر منها الاستواء على العرش. ومما ورد في هذا التفسير من الآثار الدَّالّة على العلو: - حديث الأوعال الذي رواه العباس (وسيأتي تخريجه في آخر فصل من مبحث أدلة العلو). عزاه إليه السيوطي في الدر المنثور (١/ ١٠٧ - ١٠٨) عند تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ ﴾ [البقرة: ٢٩]. =
[ ٢ / ٣٨١ ]
١٤١٦ - وانْظُر إلَى تَفْسِيرِ ذَاكَ الفَاضل الثَّـ ـبْتِ الرِّضَا الْمتَضَلِّعِ الرَّبَّانِي
١٤١٧ - ذَاكَ الإمَامُ ابنُ الإمَامِ وشَيْخُهُ وَأبُوهُ سُنِّيَّانِ رَازيَّانِ
_________________
(١) = وكذلك أورد السيوطي أثرًا عند تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] (٣/ ٤٧٤) عن أبي عيسى يحيى التيمي قال: "إن ملكًا لما استوى الرب على عرشه سجد لم يرفع رأسه ولا يرفع رأسه حتى تقوم الساعة "، وعزاه إلى عبد بن حميد. وهذا الأثر أخرجه: أبو الشيخ في العظمة (٢/ ٦٣٩) برقم (٢٥٤)، وابن المبارك في الزهد ص ٧٥، برقم (٢٢٤)، وقال ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية ص ٢٦١: "وهذا الإسناد كلهم أئمة ثقات، ورواه أبو أحمد العسال في كتاب المعرفة".
(٢) يعني "تفسير ابن أبي حاتم" قال الذهبي عنه في السير (١٣/ ٢٦٣): "وله تفسير كبير في عدة مجلدات عامته آثار بأسانيده من أحسن التفاسير". وعن هذا التفسير ينقل غالب المفسرين ممن يعنون بالآثار كالبغوي وابن كثير والسيوطي في الدر المنثور، وينقل عنه شيخ الإسلام كذلك، درء التعارض (٢/ ٢٢، ٦/ ٢٦٥)، وبيان تلبيس الجهمية (١/ ٤٤٠). - ب، ظ، طت: (المتطلع)، د: (المضّلع). والمتضلع من تضلَّع: امتلأ شبعًا وريًا حتى بلغ الماء أضلاعه، القاموس ٩٥٨. والمقصود هنا المتضلع من العلم.
(٣) "الإمام ابن الإمام": هو أبو محمد عبد الرحمن بن الحافظ الكبير أبي حاتم محمد بن إدريس بن المنذر التميمي الحنظلي، الرازي، الحافظ الناقد الإمام، ولد سنة أربعين ومائتين. سمع من أبيه وأبي زرعة الرازي وأكثر عنهما والحسن بن عرفة وغيرهم كثير. وعنه أبو الشيخ بن حيان وأبو أحمد الحاكم وغيرهما، قال الخليلي: "كان بحرًا في العلوم ومعرفة الرجال"، وقال الذهبي: "وكتابه الجرح والتعديل يقضي له بالرتبة المنيفة في الحفظ". من مصنفاته: التفسير، والجرح والتعديل، ومصنف كبير في الرد على الجهمية. كانت وفاته سنة سبع وعشرين وثلاثمائة. السير (١٣/ ٢٦٣)، تذكرة الحفاظ (٣/ ٨٢٩)، طبقات الشافعية للسبكي (٣/ ٣٢٤)، طبقات الحنابلة (٢/ ٥٥). =
[ ٢ / ٣٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = "شيخه": هو أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فرُّوخ الرازي، ولد سنة مائتين، سمع من أحمد بن حنبل ومحمد بن سابق وغيرهما. وعنه مسلم والنسائي والطبري وغيرهم، كان آية في الحفظ والإتقان. قال ابن أبي شيبة: "ما رأيت أحفظ من أبي زرعة". كانت وفاته سنة أربع وستين ومائتين. ينقل عنه ابن أبي حاتم غالبًا مقرونًا بوالده. السير (١٣/ ٦٥)، الجرح والتعديل (١/ ٣٢٨). - "أبوه": هو أبو حاتم محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي الرازي، الإمام الحافظ، شيخ المحدثين، سمع من عبيد الله بن موسى ومحمد بن عبد الله الأنصاري وغيرهما كثير. وعنه ابنه وأبو زرعة والبخاري وغيرهم كثير. قال عنه الخليلي إنه سمع من أكثر من ثلاثة آلاف شيخ، وكان من بحور العلم، طوف البلاد، وبرع في المتن والإسناد، وجمع وصنف وجرّح وعدَّل، وصحَّح وعلَّل. قال لابنه عبد الرحمن: "يا بني مشيت على قدمي في طلب الحديث أكثر من ألف فرسخ". كانت وفاته سنة سبع وسبعين ومائتين. الجرح والتعديل لابنه (١/ ٣٤٩)، السير (١٣/ ٢٤٧). - "سُنّيان": في د، ح، ط: (سفيان) وهو تحريف، ويقصد أن أباه وشيخه كانا على طريقة أهل السنّة في الاعتقاد (المحقق). قلت: ولعل سبب تأكيد سنيتهما -ولا سيّما والده- أيضًا أن لأبيه معاصرًا إسماعيليًّا يشاركه في الكنية والنسبة، وهو أبو حاتم الرازي المتوفى سنة ٣٢٢ هـ صاحب كتاب الزينة، (ص). - ط: (فرازيان)، وفي حاشية "طع": (في الأصل: فانظر ذان). - وأما نص مقالة العلو لابن أبي حاتم فقد قال في كتابه "أصل السنة واعتقاد الدين": "سألت أبي وأبا زرعة -﵄- عن مذاهب أهل السنة وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار وما يعتقدان في ذلك؟ فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار - حجازًا، وعراقًا، ومصرًا، وشامًا، ويمنًا فكان من مذاهبهم: وأن الله ﷿ على عرشه بائن من خلقه كما وصف نفسه في كتابه وعلى لسان رسول الله - ﷺ - بلا كيف " ا. هـ مختصرًا من أصل السنة ص ٣٥، (مطبوع ضمن كتاب =
[ ٢ / ٣٨٣ ]
١٤١٨ - وانظُرْ إلَى النَّسَائِي فِي تَفْسِيرِهِ هُوَ عِنْدَنَا سِفرٌ جَليلُ مَعَانِ
_________________
(١) = عقيدة أبي حاتم وأبي زرعة الرازي. جمع محمود الحداد. وأخرج هذا الأثر، اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٧٦) برقم (٣٢١)، وابن قدامة في إثبات صفة العلو برقم (١١٠) ص ١٢٥، والذهبي في العلو (المختصر ص ٢٥٤)، وأورده شيخ الإسلام في الدرء (٦/ ٢٥٧)، والناظم في اجتماع الجيوش الإسلامية ص ٢٣٣، والصواعق ٤/ ١٢٩٠، وصحح إسناده الألباني (المختصر ص ٢٠٤ - ٢٠٥)، ولهم نصوص أخرى في إثبات العلو. انظر: اللالكائي برقم (٣٢٣)، والعلو للذهبي (مختصر ص ٢٠٣).
(٢) "النسائي": كذا في جميع النسخ، ولا يستقيم الوزن إلّا بحذف الألف. والنسبة إلى نسا: نَسَائِيّ ونَسَوِيّ ولو اختار الناظم هذه الثانية لاستقام له وزن البيت، ولكن لعله خشي تحريفها بالفسوي. وفي طت: "النسَّاء"، ولعل ذلك لإقامة الوزن، (ص). هو أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر الخراساني، النسائي، صاحب السنن، ولد سنة ٢١٥ هـ، سمع من إسحاق بن راهويه، وهشام بن عمار وغيرهما كثير. وعنه أبو بشر الدولابي وأبو جعفر الطحاوي وغيرهما كثير. وكان من بحور العلم مع الفهم والإتقان والبصر ونقد الرجال وحسن التأليف، قال الدارقطني: "أبو عبد الرحمن مقدم على كل من يذكر بهذا العلم من أهل عصره" من أهم مصنفاته: السنن، والضعفاء، والتفسير، كانت وفاته سنة ٣٠٣ هـ. السير ١٤/ ١٢٥، البداية والنهاية ١١/ ١٣١، الشذرات ٢/ ٢٣٩. - "تفسيره": وهو مطبوع، أما مقالته فقد ذكر في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [فصلت: ١١] حديث الجارية، ثم ذكر حديث عبد الله بن عمر "أن رسول الله - ﷺ - كان إذا استوى على بعيره خارجًا إلى سفر كبر ثلاثًا وقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾ [الزخرف: ١٤، ١٣]. والحديث أخرجه مسلم في كتاب الحج برقم (١٣٤٢). انظر تفسير النسائي ٢/ ٢٥٩.
[ ٢ / ٣٨٤ ]
١٤١٩ - واقرأَ كتابَ العَرشِ تصنيفَ الرِّضا نَجْلِ الصَّدوقِ إمامِنا عُثمانِ
١٤٢٠ - وأخوه صاحبُ مُسْنَدٍ وَمُصَنَّفٍ أَترَاهُمَا نَجْمَينِ بل شَمْسَانِ
_________________
(١) "كتاب العرش": واسمه: "كتاب العرش وما روي فيه" للحافظ محمد بن عثمان بن أبي شيبة العبسي. ونص مقالته: "وذكروا أن الجهمية يقولون أن ليس بين الله ﷿ وبين خلقه حجاب. وأنكروا العرش وأن يكون هو فوقه وفوق السماوات، وقالوا إن الله في كل مكان بل هو فوق العرش كما قال، محيط بالعرش متخلص من خلقه بيِّن منهم علمه في خلقه لا يخرجون من علمه إلخ" ا. هـ مختصرًا. العرش ص ٤٩ - ٥٠، وانظر نص المقالة في: مختصر العلو للذهبي ص ٢٢٥. - وهو محمد بن عثمان بن أبي شيبة العبسي، الكوفي، أبو جعفر، سمع من أبيه وعميه: أبي بكر والقاسم وغيرهم. وعنه ابن صاعد والسماك وغيرهما، كان حافظًا من أوعية العلم، قال الخطيب: كان كثير الحديث واسع الرواية ذا معرفة وفهم، وله تاريخ كبير في معرفة الرجال. كانت وفاته سنة ٢٩٧ هـ. السير (١٤/ ٢١)، تاريخ بغداد (٣/ ٤٢). - كذا ورد البيت في الأصل وف، د (مع تحريف فيها). وفي غيرها: " العرش للعبسي وهو محمد المولود من عثمان".
(٢) كذا في الأصل وف، د، وفي غيرها: "واقرأ لمسند عمه ومصنف". - "أخوه" يعني: أخا عثمان. هو أبو بكر عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن أبي شيبة الكوفي، سيد الحفاظ. سمع من ابن المبارك وابن عيينة وغيرهما كثير. وعنه أبو زرعة، وبقي بن مخلد وغيرهما كثير، قال عمرو بن علي الفلاس: "ما رأيت أحدًا أحفظ من أبي بكر بن أبي شيبة" من مصنفاته: المسند، والمصنف، والتفسير، كانت وفاته سنة ٢٣٥ هـ. السير (١١/ ١٢٢)، الشذارت (٢/ ٨٥). وكتابه المسند كان مفقودًا، وقد وجد أخيرًا بعض الأجزاء منه. وأما كتابه "المصنف في الأحاديث والآثار" فهو مطبوع. وقد أخرج فيه (٨/ ٥٠٧) بسنده عن حبيب بن أبي ثابت أن حسان بن ثابت أنشد النبي - ﷺ -: شهدتُ بإذن الله أن محمّدًا رسولُ الذي فوق السماوات من علُ وأن أبا يحيى ويحيى كلاهما له عمل في دينه متقبَّلُ =
[ ٢ / ٣٨٥ ]
١٤٢١ - واقرأ كتابَ الاسْتقَامَةِ لِلرِّضا ذَاكَ ابنُ أصْرَمَ حَافِظٌ رَبَّانِي
١٤٢٢ - واقْرَأْ كِتَابَ الحَافِظِ الثِّقَةِ الرِّضَا فِي السُّنَّةِ العُلْيَا فَتَى الشَّيْبَانِي
_________________
(١) = فقال النبي - ﷺ -: "وأنا أشهد". وأخرجه كذلك ابن قدامة في إثبات صفة العلو ص ٦٧ - ٦٨، برقم (٣٧)، والذهبي في العلو كما في المختصر، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٤)، وذكرها ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية ص ١١٧، وابن أبي العز الحنفي في شرح الطحاوية (٢/ ٣٧٦).
(٢) كتاب "الاستقامة" لابن أصرم: قال الذهبي: "يرد فيه على أهل البدع". تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٥١، وانظر: السير ١٢/ ٢٥٠. وقال الحافظ ابن حجر: "وألف كتاب الاستقامة في الرد على أهل الأهواء"، تهذيب التهذيب (٣/ ١٢٣). ويطلق عليه شيخ الإسلام وابن القيم -رحمهما الله- كتاب السنة. انظر: الدرء (٧/ ١٠٨)، اجتماع الجيوش ص ١٠٩. وأما نص مقالته فلم أجده، ولكن ذكر شيخ الإسلام أنه قرر العلو ضمن كتابه "السنة" كما في الدرء (٧/ ١٠٨ - ١٠٩). ابن أصرم: هو خشيش بن أصرم بن الأسود أبو عاصم، النسائي الحافظ. روى عن روح بن عبادة، وعبد الله بن بكر السهمي وغيرهما. وعنه أبو داود والنسائي وغيرهما، حافظ حجة، كان صاحب سنة واتباع. كانت وفاته سنة ٢٥٣ هـ. السير (١٢/ ٢٥٠)، تهذيب التهذيب (٣/ ١٢٣).
(٣) كتاب "السنة" لعبد الله ابن الإمام أحمد مطبوع ولم يعقد فيه فصلًا أو بابًا مستقلًا للكلام عن مسألة العلو، ولكن ذكر في بداية الكتاب عن مالك بن أنس -﵀- قوله: "الله ﷿ في السماء وعلمه في كل مكان لا يخلو منه شيء ". السنة (١/ ١٠٧)، برقم (١١). وتقدم الكلام على هذا الأثر عند البيت رقم (١٣٦٤). وكذلك نقل عن ابن المبارك قوله حينما سُئل كيف ينبغي لنا أن نعرف ربنا؟ قال: "على السماء السابعة على عرشه ولا نقول كما قالت الجهمية إنه هاهنا في الأرض" ا. هـ، كتاب السنة (١/ ١١١) برقم (٢٢)، وقد تقدم الكلام على هذا الأثر تحت البيت رقم (١٣٨٩). ونقل آثارًا أخرى أيضًا ولكن لم يفرد لها بابًا مستقلًا كما ذكرنا آنفًا.
[ ٢ / ٣٨٦ ]
١٤٢٣ - ذَاكَ ابْنُ أحْمَد أَوْحَدُ الحُفَّاظِ قَدْ شَهِدَتْ لَهُ الحُفَّاظُ بالإِتْقَانِ
١٤٢٤ - واقرأْ كِتَاب الأثْرمِ العَدْلِ الرِّضَا فِي السُّنَةِ الأُولَى إمَامِ زَمَانِ
١٤٢٥ - وَكَذَا الإِمَامُ بْنُ الإِمَامِ المرتَضَى حَقًّا أبي دَاوُدَ ذِي العِرفَانِ
_________________
(١) = -هو عبد الله ابن الإمام أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، الإمام الحافظ الناقد، محدث بغداد، أبو عبد الرحمن. روى عن أبيه شيئًا كثير وعن يحيى بن معين وخلائق لا يحصون. وعنه النسائي والبغوي والإسفراييني وغيرهم كثير. ولد سنة ٢١٣ هـ. قال الذهبي: "وكان صيِّنًا دينًا صادقًا، صاحب حديث واتباع وبصر بالرجال". من مصنفاته: السنة، والعلل، وهو راوي كتاب أبيه المسند وله زيادات من رواياته عن غير أبيه. كانت وفاته سنة ٢٩٥ هـ. السير (١٣/ ٥١٦)، طبقات الحنابلة (١/ ١٨٠).
(٢) الأثرم: هو أبو بكر أحمد بن محمد بن هانئ الإسكافي، وقيل: الكلبي، تلميذ الإمام أحمد، العلامة الحافظ. سمع من الإمام أحمد ومسدد بن مسرهد وغيرهما وعنه النسائي والزنجاني وغيرهما، وقال الخلال: "كان الأثرم جليل القدر، حافظًا"، وكان ذكيًا فيه تيقظ عجيب. من مصنفاته: كتاب السنن، وكتاب العلل في الحديث، وكتاب السنة. كانت وفاته سنة إحدى وستين ومائتين أو في حدودها. السير (١٢/ ٦٢٣)، طبقات الحنابلة (١/ ٦٦)، الفهرست ص ٣٨٥. كتابه "السنة" نص عليه شيخ الإسلام في "الحموية" ضمن مجموع الفتاوى (٥/ ٢٤، ٤٢)، وفي الدرء (٢/ ٢٣، ٧/ ١٠٨)، وسمَّاه "كتاب السنة والرد على الجهمية"، وهو مفقود، ولكن ذكر شيخ الإسلام أنه قرر مسألة العلو في كتابه، الدرء (٧/ ١٠٨ - ١٠٩)، والناظم في اجتماع الجيوش ص ٢٦٩.
(٣) ابن أبي داود: هو أبو بكر عبد الله ابن الإمام الحافظ أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني صاحب السنن. ولد سنة ثلاثين ومائتين، روى عن أبيه ومحمد بن بشار وغيرهما، وعنه خلق كثير منهم ابن حبان وأبو أحمد الحاكم والدارقطني وغيرهم، صاحب التصانيف، كان من بحور العلم، وقال عن نفسه: "حدثت من حفظي بأصبهان بستة وثلاثين ألفًا، ألزموني الوهم فيها في سبعة أحاديث، فلمّا انصرفت، وجدت في كتابي خمسة منها =
[ ٢ / ٣٨٧ ]
١٤٢٦ - تَصْنيفُهُ نَثْرًا ونَظْمًا وَاضِحٌ فِي السُّنَّةِ المُثْلَى هُمَا نَجْمَانِ
١٤٢٧ - واقْرأْ كِتَاب السُّنّة الأُولَى الذي أبْدَاه مُضْطَلِعٌ مِنَ الإيمَانِ
_________________
(١) = على ما كنت حدثتهم به" ا. هـ، من مصنفاته المسند والسنن والتفسير ومنظومة في اعتقاد أهل السنة حائية، كانت وفاته سنة ٣١٦ هـ. السير (١٣/ ٢٢١)، طبقات الحنابلة (٢/ ٥١)، والفهرست ص ٢٨٨. - كذا "ذي العرفان" في الأصل وط وحاشية ف. وفي غيرها: "ذو العرفان"، يعني: ابن أبي داود، (ص).
(٢) تصنيفه في النظم قصيدته الحائية في عقيدة أهل السنة، وهي متواترة عنه وقد اعتنى بها العلماء وممَّنْ شرحها: الآجري، وابن البنا الحنبلي، والسفاريني في كتاب "لوائح الأنوار السنية" وهو مطبوع، والقصيدة في أربعين بيتًا، وقد طبعت مفردة أيضًا. وذكر ابن بطة أن أبا بكر بن أبي داود قال عقب هذه القصيدة: "هذا قولي وقول أبي وقول أحمد بن حنبل، وقول من أدركنا من أهل العلم وممن لم ندرك ممن بلغنا عنه فمن قال غير هذا فقد كذب". انظر: مختصر العلو ص ٢٢٨، طبقات الحنابلة (٢/ ٥٣)، شرح ابن عيسى (١/ ٤٥٩)، مقدمة محقق لوائح الأنوار ص ٩٠. ومما جاء فيها: تمسك بحبل الله واتبع الهدى ولا تك بدعيًا لعلك تفلحُ إلى أن قال: وقل ينزل الجبار في كل ليلة بلا كيف جلّ الواحد المتمدحُ إلى طبق الدنيا يمن بفضله فتفرج أبواب السماء وتفتحُ
(٣) كتاب "السنة" لابن أبي عاصم من كتب السنة التي أورد فيها المؤلف الأحاديث بسنده وهو في تقرير عقيدة أهل السنة، والكتاب مطبوع. وقد عقد المؤلف فيه "باب ما ذكر أن الله تعالى في سمائه دون أرضه" ثم ذكر حديث الجارية ثم قال: "باب ذكر نزول ربنا ﵎ إلى السماء "، ثم ذكر أحاديث النزول ص ٢١٥ - ٢٢٤. وانظر: مختصر العلو للذهبي ص ٢١٧. =
[ ٢ / ٣٨٨ ]
١٤٢٨ - ذَاكَ النَّبِيلُ ابْنُ النَّبِيلِ كِتَابُهُ أيْضًا نَبِيلٌ وَاضِحُ البُرْهَانِ
_________________
(١) = - طت، طه: (التي)، وهو خطأ. - طع: (الذي أرواه). - يقال: فلان مضطلع بهذا الأمر، أي قوي عليه، ولكن الناظم أراد معنى المتضلّع، من تضلّع الرجل: امتلأ شبعًا وريًا. انظر الصحاح ص ١٢٥١.
(٢) "النبيل ابن النبيل": هو أبو بكر أحمد بن عمرو بن الضحاك بن مخلد الشيباني، ابن أبي عاصم، ولد سنة ٢٠٦ هـ، سمع من أبي سلمة التبوذكي وهُدْبَة بن خالد وغيرهما، وعنه: العسال وابن حيَّان وغيرهما، وكان فقيهًا ظاهري المذهب ولي قضاء أصبهان، وكان زاهدًا حافظًا، من مصنفاته: المسند الكبير، والآحاد والمثاني، والسنة، كانت وفاته سنة ٢٨٧ هـ. السير (١٣/ ٤٣٠)، شذرات الذهب (٢/ ١٩٥). - أبوه أبو عاصم النبيل، الضحاك بن مخلد بن الضحاك بن مسلم بن الضحاك، الشيباني مولاهم، الإمام الحافظ شيخ المحدثين، ولد سنة ١٢٢ هـ، حدث عن: ابن عجلان والأوزاعي وسفيان وغيرهم. وعنه البخاري (وهو أجل شيوخه وأكبرهم)، وبندار وابن المثنى وغيرهم، كانت وفاته سنة ٢١٤ هـ على الراجح. السير (٩/ ٤٨٠)، شذرات الذهب (٢/ ٢٨)، الجرح والتعديل (٤/ ٤٦٣). ذكر الذهبي في سبب تسميته بـ "النبيل" ثلاثة أقوال:
(٣) قيل: إن فيلًا قدم البصرة فذهب الناس ينظرون إليه فقال له ابن جريج: ما لك لا تنظر؟ قال: لا أجد منك عوضًا قال: أنت نبيل.
(٤) وقيل: لأنه كان يلبس الخز وجيد الثياب، وكان إذا أقبل قال ابن جريج: "جاء النبيل".
(٥) وقيل: لأن شعبة حلف ألا يحدث أصحاب الحديث شهرًا فقصده أبو عاصم، فدخل مجلسه، وقال: "حدّث وغلامي العطار حرٌّ لوجه الله كفارة عن يمينك، فأعجبه ذلك. والنبيل: من "النُّبْل". وهو الذكاء والنجابة والفضل، وقد نَبُل بالضم فهو نبيلٌ. اللسان ١١/ ٦٤٠.
[ ٢ / ٣٨٩ ]
١٤٢٩ - وانظُرْ إلَى قَوْلِ ابن أَسْبَاطَ الرِّضَا وانْظُرْ إلَى قَول الرِّضَا سُفْيانِ
_________________
(١) ابن أسباط: هو يوسف بن أسباط بن واصل الشيباني الكوفي، الزاهد، الواعظ، روى عن سفيان الثوري وعامر بن شريح وغيرهما، وعنه أبو الأحوص ومحمد بن موسى وغيرهما، قال ابن معين: "ثقة"، وقال العجلي: "صاحب سنة وخير". قال ابن حبان: "كان من عباد أهل الشام، وقرَّائهم" كانت وفاته سنة ١٩٥ هـ. تهذيب التهذيب (١١/ ٣٥٨)، السير (٩/ ١٦٩)، حلية الأولياء (٨/ ٢٣٧). ولم أجد أحدًا نصّ على مقالة له في العلو، ولكن أخرج أبو الشيخ في العظمة (٩٢٢٣) برقم (٥١٤) بسنده عن يوسف بن أسباط قوله: "تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الظهر وصلاة العصر، فترتفع ملائكة الليل وتبقى ملائكة النهار .. الأثر بطوله". وهذا معنى حديث أبي هريرة وقد تقدم تخريجه عند البيت رقم (١١٩٢). ومما يدل على أنه كان من أئمة السنة، ما رواه قوام السنة أبو القاسم الأصبهاني في كتابه الحجة (٢/ ١٤٠) بسنده عن المسيب بن واضح قال: "أتيت يوسف بن أسباط فقلت له: يا أبا محمد: إنك بقية من معنا من العلماء، وأنت حجة على من لقيت، وأنت إمام سنة، ولم آتك أسمع منك الأحاديث ولكن أتيت أسألك عن تفسيرها وقد جاء هذا الحديث: (وذكر حديث الافتراق وسيأتي تخريجه عند البيت رقم (١٧٧٠) فما هذه الفرق حتى نجتنبهم"؟ قال: "أصلها أربعة: القدرية والمرجئة والشيعة والخوارج، فثمانية عشر منها في الشيعة". سفيان: لعله سفيان الثوري، وهو الذي نقل عنه بعض الأقوال في العلو بخلاف ابن عيينة فلم أجد له نصًا صريحًا في ذلك. والثوري هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، أبو عبد الله الكوفي، إمام أهل الدنيا في زمانه جمع بين العلم والزهد والعمل، يقال بلغ عدد شيوخه ستمائة شيخ، وبلغ عدد الذين رووا عنه قريب الألف. كانت وفاته سنة ١٦١ هـ. السير (٧/ ٢٢٩)، حلية الأولياء (٦/ ٣٥٦)، تاريخ بغداد (٩/ ١٥١). ومما نقل عنه أنه سئل عن قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ =
[ ٢ / ٣٩٠ ]
١٤٣٠ - وَانظُرْ إِلَى قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ ذَاكَ حَمَّـ ـادٌ وحمادِ الإمَامِ الثَّانِي
_________________
(١) = رَابِعُهُمْ ﴾ قال: "هو على عرشه وعلمه معهم أينما كانوا". أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (١/ ٣٥٧) برقم (٥٩٧)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٣٤١) برقم (٩٥٨)، والآجري في الشريعة، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٤٥١) برقم (٦٧٢)، وابن قدامة في صفة العلو برقم (٨٩، ٩٤) ص ١١٣، ١١٥، وابن عبد البر في التمهيد (٧/ ١٤٢)، والذهبي في العلو (المختصر ١٣٩) وقال: "هذا ثابت عن معدان".
(٢) ابن زيد: هو حماد بن زيد بن درهم، أبو إسماعيل الأزدي، البصري، من أقران الإمام مالك، ولد سنة ثمان وتسعين، روى عن عمرو بن دينار وعاصم بن أبي النجود وداود بن أبي هند وغيرهم كثير، وعنه سفيان وشعبة وابن المبارك وغيرهم كثبر، العلَاّمة الثبت، إمام أهل زمانه، قال يحيى بن معين: "ليس أحد أثبت من حماد بن زيد" وقال أحمد بن حنبل: "حماد بن زيد من أئمة المسلمين من أهل الدين هو أحب إليّ من حماد بن سلمة". وقال فيه ابن المبارك: "أيها الطالب علمًا إيت حماد بن زيد تقتبس حلمًا وعلمًا ثم قيده بقيد لا كثورِ وكَجَهْمٍ وكعمرو بن عبيد" وكانت وفاته سنة ١٧٩ هـ. السير ٧/ ٤٥٦، شذرات الذهب ١/ ٢٩٢. ونص مقالته: عن سليمان بن حرب قال: سمعت حماد بن زيد يقول: "الجهمية إنما يحاولون أن يقولوا ليس في السماء شيء". أخرجه عبد الله ابن الإمام أحمد في السنة (١/ ١١٧ - ١١٨) برقم (٤١)، والبخاري في خلق أفعال العباد ص ١٤، برقم (١٠)، وذكره ابن قدامة في صفة العلو من رواية الأثرم عنه ص ١١٨، برقم (١٠٢)، وذكره الذهبي في العلو كما في المختصر ص ١٤٦، والناظم في اجتماع الجيوش ص ١٣٦، وص ٢١٤، وشيخ الإسلام في الحموية كما في مجموع الفتاوى (٥/ ١٣٨، ١٨٣ - ١٨٤). وقد صححه شيخ الإسلام كما في المصدر السابق، والألباني كما في المختصر ص ١٤٧. =
[ ٢ / ٣٩١ ]
١٤٣١ - وَانْظُرْ إلَى مَا قَالَهُ عَلَمُ الهُدَى عُثْمَانُ ذَاكَ الدَّارِميّ الرَّبَّانِي
١٤٣٢ - فِي نَقْضِهِ والرَّدِّ يَا لَهُمَا كِتَا بَا سُنّةٍ وَهُمَا لَنَا عَلَمَانِ
_________________
(١) = - كذا ضبط "حمّادِ" بالكسر في ف، وهو معطوف على ابن زيد (ص). وهو حماد بن سلمة بن دينار أبو سلمة البصري، من أقران حماد بن زيد، روى عن ثابت البناني وقتادة وغيرهما. وعنه ابن جريج وابن المبارك وغيرهما، قال عنه الذهبي: "كان بحرًا من بحور العلم وكان رأسًا في الستة". كانت وفاته سنة ١٦٧ هـ. السير (٧/ ٤٤٤)، تهذيب التهذيب (٣/ ١١). ونص مقالته: قال الذهبي في العلو: "روى عبد العزيز بن المغيرة، حدثنا حماد بن سلمة بحديث نزول الرب ﷻ فقال: من رأيتموه ينكر هذا فاتهموه" مختصر العلو ص ١٤٤. وكذلك نقل عنهما (أي ابن سلمة وابن حماد) أبو نصر السجزي أنهما يثبتان العلو لله سبحانه. انظر: اجتماع الجيوش ص ٢٤٦، مجموع الفتاوى (٥/ ١٩٠)، درء التعارض (٦/ ٢٥٠)، السير للذهبي (١٧/ ٦٥٦).
(٢) "الدارمي": بإسكان الياء للوزن. وقد تقدمت ترجمته تحت البيت (٨٨٥).
(٣) الكتاب الأول: "نقض عثمان بن سيد على بشر المريسي الجهمي العنيد، فيما افترى على الله في التوحيد". وهو من الكتب التي ردت على شبهات المعطلة وخاصة المعتزلة والجهمية، والكتاب مطبوع. أما مقالته في العلو في هذا الكتاب فقد عقد فيه بابًا بعنوان: "باب النزول" وقرر فيه علو الرب ونزوله إلى السماء الدنيا ص ١٩، وعقد بابًا بعنوان "باب الحد والعرش" ص ٢٣، ومما قاله ﵀: "وقد اتفقت كلمة المسلمين والكافرين أن الله في السماء وحَدُّوه بذلك إلَّا المريسي الضال وأصحابه حتى الصبيان الذين لم يبلغوا الحنث قد عرفوه بذلك إذا حزب الصبي شيء يرفع يديه إلى ربه يدعوه في السماء دون ما سواه فكل أحد بالله وبمكانه أعلم من الجهمية" ص ٢٥. واسم الكتاب الثاني: كتاب الرد على الجهمية. وهو أيضًا مطبوع. وقد =
[ ٢ / ٣٩٢ ]
١٤٣٣ - هَدَمَتْ قَوَاعِدَ فِرقَةٍ جَهْميَّةٍ فَخَوَتْ سُقُوفُهُمُ عَلَى الحِيطَانِ
١٤٣٤ - وانظُرْ إِلَى مَا فِي صَحيحِ مُحَمَّدٍ ذَاكَ البُخَارِيّ العَظِيمِ الشَّانِ
_________________
(١) = عقد فيه بابًا بعنوان: "باب استواء الرب ﵎ على العرش وارتفاعه إلى السماء وبَيْنُونَته من الخلق" ص ٣٣، وذكر فيه الآيات والأحاديث والآثار الدالة على العلو ومما قال: "والأحاديث عن رسول الله وأصحابه والتابعين ومن بعدهم في هذا أكثر من أن يحصيها كتابنا هذا غير أنا قد اختصرنا من ذلك ما يستدل به أولو الألباب، أن الأمة كلها والأمم السالفة قبلها لم يكونوا يشكون في معرفة الله تعالى أنه فوق السماء بائن من خلقه " ص ٥٣ - ٥٤. - قال الناظم في اجتماع الجيوش ص ٢٣١ عن هذين الكتابين: " وكتاباه من أجل الكتب المصنّفة في السنة وأنفعها، وينبغي لكل طالب سنة مراده الوقوف على ما كان عليه الصحابة والتابعون والأئمة أن يقرأ كتابيه. وكان شيخ الإسلام يوصي بهذين الكتابين أشد الوصية ويعظمهما جدًا، وفيهما من تقرير التوحيد والأسماء والصفات بالعقل والنقل ما ليس في غيرهما".
(٢) قوله: "هدمت": يعني أن الستة التي تضمنها الكتابان هدمت قواعد فرقة (ص). - سبق تعريف الجهمية في التعليق على مقدمة المؤلف. - طت، طه: (فخرَّت)، تحريف. وفي طع: (خرَّت) وهو تصرف من الناشبر. يقال: خوت الدار خواءً، إذا سقطت. ومنه قوله تعالى: ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ أي: ساقطة على سقوفها. الصحاح ص ٢٣٣٢.
(٣) البخاري: هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة، البخاري، أبو عبد الله، أمير المؤمنين في الحديث وشيخ الحفاظ صاحب الصحيح ولد سنة أربع وتسعين ومائة، وكان رأسًا في الذكاء ورأسًا في العلم، ورأسًا في الورع، وسمع من نحو ألف شيخ منهم ابن المديني، وبندار وغيرهم كثير، وعنه خلق كثير منهم الترمذي ومسلم وغيرهما، قال ابن خزيمة: "ما تحت أديم السماء أعلم بالحديث من البخاري" ا. هـ. كانت وفاته سنة ست وخمسين ومائتين. السير (١٢/ ٣٩١)، تهذيب التهذيب (٩/ ٤١)، البداية والنهاية (١١/ ٢٧).
[ ٢ / ٣٩٣ ]
١٤٣٥ - مِنْ رَدَّهِ مَا قَالَهُ الجَهْمِيُّ بالنَّـ ـقْلِ الصَّحِيحِ الواضِحِ البُرْهَانِ
١٤٣٦ - وانظُرْ إِلَى تِلْكَ التَّرَاجِمِ مَا الَّذِي فِي ضِمْنِهَا إنْ كُنْتَ ذَا عِرفَانِ
١٤٣٧ - وانظُرْ إِلَى مَا قَالَهُ الطَّبَريُّ فِي الشَّـ ـرْحِ الَّذِي هُوَ عِنْدَكُم سِفْرَانِ
_________________
(١) عقد الإمام البخاري في آخر صحيحه كتابًا أسماه "كتاب التوحيد"، وذكر فيه وقرر اعتقاد أهل السنة مؤيدًا بالآيات والأحاديث وأقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ورتبه على أبواب. وكان من ضمن أبوابه وتراجمه أبواب أشار فيها إلى مسألة العلو والاستواء منها: الباب رقم (٢٢) باب قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾، والباب رقم (٢٣) باب قول الله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾. انظر فتح الباري (١٣/ ٤١٤ - ٤٢٧). وأما قول الناظم: "من رده ما قاله الجهمي " فهو يشير إلى عنوان كتاب التوحيد في صحيح الإمام البخاري. ففي رواية المستملي: "كتاب التوحيد والرد على الجهمية وغيرهم"، قال الحافظ: "ووقع لابن بطال وابن التين "كتاب رد الجهمية". انظر فتح الباري (١٣/ ٣٥٧) في بداية كتاب التوحيد. وانظر جتماع الجيوش ص ٢٣٥ - ٢٣٦. وقال الذهبي في العلو: "قال الإمام البخاري في آخر الجامع الصحيح في كتاب الرد على الجهمية " انظر: المختصر ص ٢٠٢.
(٢) هو هبة الله بن الحسن بن منصور الرازي الطبري اللالكائي، أبو القاسم، ومحدث بغداد الإمام الحافظ، الفقيه الشافعي سمع من عيسى الوزير وأبي طاهر المخلص وعنه الخطيب البغدادي، وابنه محمد بن هبة الله، قال الخطيب: "كان يفهم ويحفظ، صنف كتابًا في السنة وعاجلته المنية" ا. هـ. وكانت وفاته سنة ٤١٨ هـ. السير (١٧/ ٤١٩)، تاريخ بغداد (١٤/ ٧٠). - قوله: "الشرح" يعني كتابه المسمى "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة". والكتاب مطبوع. ونص مقالته: "سياق ما روي في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾، وأن الله على عرشه في السماء، وقال ﷿: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾، وقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ وقال: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ =
[ ٢ / ٣٩٤ ]
١٤٣٨ - أَعْنِي الفَقِيهَ الشَّافِعِيَّ اللَّالَكَا ئِيَّ المُسَدَّدَ نَاصِرَ الإيمَانِ
١٤٣٩ - وانظُرْ إلَى مَا قَالَهُ عَلَمُ الهُدَى التَّـ ـيْميُّ فِي إيضَاحِهِ وبَيانِ
١٤٤٠ - ذَاكَ الَّذِي هُوَ صَاحبُ التَّرغِيبِ والتَّـ ـرْهِيبِ مَمْدُوحٌ بِكلِّ لِسَانِ
_________________
(١) = وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾، فدلت هذه الآيات أنه تعالى في السماء وعلمه بكل مكان من أرضه وسمائه وروى ذلك من الصحابة: عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وأم سلمة، ومن التابعين إلخ" شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٣٨٧ - ٣٨٨)، وانظر اجتماع الجيوش ص ١٩٨.
(٢) التيميّ: هو أبو القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل بن علي القرشي التيمي، ثم الطلحي، الأصبهاني، الملقب بقِوَام السنة صاحب الترغيب والترهيب، سمع أبا عمرو عبد الوهاب بن منده وسليمان الحافظ وغيرهما، وعنه: أبو سعد السمعاني وأبو العلاء الهمذاني وغيرهما، ولد سنة سبع وخمسين وأربعمائة، صاحب التصانيف، قال أبو موسى المديني: "أبو القاسم إسماعيل الحافظ إمام وقته، وأستاذ علماء عصره، وقدوة أهل السنة في زمانه "، وقال عبد الجليل كوتاه: "سمعت أئمة بغداد يقولون: ما رحل إلى بغداد بعد الإمام أحمد أفضل ولا أحفظ من إسماعيل" من مصنفاته الحجة، والترغيب والترهيب، ودلائل النبوة، توفي سنة خمس وثلاثين وخمسمائة. انظر: السير (٢٠/ ٨٠)، شذرات الذهب (٤/ ١٠٥). ويعني هنا كتابه: "الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة"، وهو مطبوع. ونص مقالته: "باب بيان استواء الله ﷿ على العرش: قال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ إلى أن قال: "قال أهل السنة: الله فوق السماوات لا يعلوه خَفقْ من خلقه، ومن الدليل على ذلك: أن الخلق يشيرون إلى السماء بأصابعهم ويدعونه ويرفعون إليه أبصارهم إلى أن قال: فصل في بيان أن العرش فوق السماوات وأن الله ﷿ فوق العرش " وذكر الأحاديث والآثار في مسألة العلو الحجة (٢/ ٨١ - ١٢٧).
(٣) يعني كتابه: "الترغيب والترهيب" وهو أيضًا مطبوع.
[ ٢ / ٣٩٥ ]
١٤٤١ - وانظُرْ إِلَى مَا قَالَهُ فِي السُّنَّة الـ ـكُبرَى سُلَيمَانٌ هُوَ الطَّبَرانِي
١٤٤٢ - وانظُرْ إِلَى مَا قَالَهُ شَيْخُ الهُدَى يُدْعَى بِطَلْمَنْكِيِّهم ذُو شانِ
_________________
(١) كتاب "السنة" للطبراني لم يصل إلينا. وممن نص عليه شيخ الإسلام في الحموية ضمن مجموع الفتاوى (٥/ ٢٤)، والدرء (٧/ ١٠٨)، ومنهاج السنة (٢/ ٣٦٥)؛ والذهبي في السير (١٦/ ١٣٨)، وتذكرة الحفاظ (٣/ ٩١٤)، والعلو كما في المختصر ص ٢٤٦. ويقع الكتاب في مجلد، نص على ذلك الذهبي. ونص مقالته في كتابه السنة: "قال: "باب ما جاء في استواء الله تعالى على عرشه، بائن من خلقه- فساق في الباب حديث أبي رزين العقيلي، وحديث عبد الله بن خليفة عن عمر في علو الله على عرشه، وحديث الأوعال وأن العرش على ظهورهن، وأن الله فوقه، وقول مجاهد في المقام المحمود" مختصر العلو للذهبي ص ٢٤٦. والطبراني: هو سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي الطبراني، أبو القاسم، ولد سنة ٢٦٠ هـ. الإمام الحافظ صاحب المعاجم الثلاثة، جمع وصنف وعمِّر دهرًا طويلًا. سمع من نحو ألف شيخ أو يزيدون، سمع من هاشم الطبراني وأحمد والخياط وغيرهما. وعنه: ابن منده والحافظ ابن عقدة وأبو بكر بن مردويه. من مصنفاته: السنة، والدعاء، ومسند الشاميين، ودلائل النبوة وغيرها كثير. كانت وفاته سنة ٣٦٠ هـ. انظر: السير (١٦/ ١١٩)، شذرات الذهب (٣/ ٣٠).
(٢) هو أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبي عيسى المعافري الأندلسي، الطَّلَمنكي (بفتح اللام، وأسكنت في البيت للضرورة)، أبو عمر، الحافظ المقرئ، نزيل قرطبة، كان عالمًا بالتفسير والحديث، أصله من طلمنكه من ثغر الأندلس الشرقي، من أئمة المالكية في زمانه. قال عنه ابن بشكوال: "كان سيفًا مجردًا على أهل الأهواء والبدع، قامعًا لهم غيورًا على الشريعة شديدًا في ذات الله .. ". من مصنفاته: تفسير القرآن، والوصول إلى معرفة الأصول. كانت وفاته سنة ٤٢٩ هـ. السير (١٧/ ٥٦٦)، شذرات الذهب (٣/ ٢٤٣). =
[ ٢ / ٣٩٦ ]
١٤٤٣ - وانظُرْ إِلَى قَولِ الطَّحاويِّ الرِّضَا وأجِرْهُ مِنْ تَحْرِيف ذِي بُهْتَانِ
١٤٤٤ - وَكذلكَ القَاضي أبُو بَكْرٍ هُوَ ابْـ ـنُ البَاقِلانِي قَائِدُ الفُرسَانِ
_________________
(١) = ونص مقالته في كتابه "الوصول إلى معرفة الأصول": "أجمع المسلمون من أهل السنة على أن الله استوى على عرشه بذاته"، وقال أيضًا: "أجمع أهل السنة على أن الله على العرش على حقيقته لا على المجاز "، وقال أيضًا: "وأجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ونحو ذلك من القرآن أن ذلك علمه، وأن الله فوق السماوات بذاته مستو على عرشه كيف شاء .. ". انظر: اجتماع الجيوش ص ١٤٢، والصواعق المرسلة (٤/ ١٢٨٤)، ومجموع الفتاوى (٥/ ١٨٩)، والدرء (٢/ ٣٥)، (٦/ ٢٥٠)، والعلوّ للذهبي كما في المختصر ص ٢٦٤.
(٢) الطحاوي: هو أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي المصري، الطحاوي، الحنفي، أبو جعفر. الإمام العلّامة الحافظ الكبير، ولد سنة ٢٣٩ هـ، محدث الديار المصرية، وفقيهها، صاحب التصانيف من أهل قرية "طحا" من أعمال مصر. سمع من يونس بن عبد الأعلى، ويزيد بن سنان البصري وغيرهما. وعنه أبو القاسم الطبراني ومحمد بن المظفر الحافظ وغيرهما كثير. وكان شافعيًا ثم تحول إلى المذهب الحنفي وصار إمامًا فيه. قال الذهبي عنه: "من نظر في تواليف هذا الإمام علم محلَّه من العلم، وسعة معارفه" من مصنفاته: أحكام القرآن، ومعاني الآثار، ومشكل الآثار، كانت وفاته سنة ٣٢١ هـ. السير (١٥/ ٢٧)، البداية والنهاية (١١/ ١٨٦). ونص مقالته في العلو في رسالته المختصرة: " وهو مستغن عن العرش، وما دونه محيط بكل شيء وفوقه، وقد أعجز عن الإطالة خلقه" إلخ كلامه. شرح الطحاوية (٢/ ٣٧٢)، وانظر: اجتماع الجيوش ص ٢٤٧ - ٢٤٨، العلو للذهبي (المختصر) ص ٢٣٥ - ٢٣٦. وقول الناظم: (وأجره من تحريف ذي بهتان) إشارة إلى من حرّف كلامه من شراح الماتريدية.
(٣) هو أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر، ابن الباقلاني (بتخفيف اللام، وبعضهم يشدّدها)، العلَّامة، صاحب التصانيف، وله سنة ٣٣٨ هـ، =
[ ٢ / ٣٩٧ ]
١٤٤٥ - قَدْ قَالَ فِي تَمْهيدِهِ وَرَسَائِلٍ وَالشَّرحِ ما فِيهِ جَلِيُّ بَيَانِ
_________________
(١) = من كبار أئمة الأشاعرة، سمع من أبي بكر القطيعي راوي المسند وأبي عبد الله محمد بن خفيف الصوفي وغيرهما. وعنه أبو ذر الهروي، وأبو عبد الرحمن السلمي الصوفي وغيرهما. من مصنفاته: التمهيد، والإنصاف، والانتصار للقرآن، وكان ممن يثبت الاستواء والعلو لله سبحانه، كانت وفاته سنة ٤٠٣ هـ. السير (١٧/ ١٩٠)، تاريخ بغداد (٥/ ٣٧٩)، وفيات الأعيان (٤/ ٢٦٩).
(٢) اسم الكتاب "تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل" وقد ألفه الباقلاني لابن عضد الدولة وولي عهده لما طلب منه أن يعلمه مذهب أهل السنة، ويعتبر هذا الكتاب من أهم كتب الأشاعرة وهو يشتمل على ردود مطولة عقلية على المنجمين، والثنوية، والديصانية، والمجوس، والبراهمة، واليهود، والنصارى، مع أبواب أخرى في تفصيل مسائل الصفات والقدر على وفق مذهب الأشاعرة. والكتاب له عدة طبعات: منها طبعة سنة ١٩٥٧ م بتصحيح "رتشارد يوسف مكارثي اليسوعي" (وهو رجل نصراني) - نشر المكتبة الشرقية، بيروت، منشورات جامعة الحكم في بغداد. وهذه الطبعة هي الطبعة الكاملة والتي فيها النص على إثبات العلو والاستواء -كما سيأتي- بخلاف الطبعات الأخرى فقد سقط منها هذا النص. وهناك طبعة سنة ١٣٦٦ هـ، بتحقيق محمود الخضيري، ومحمد أبو ريدة. وهذه الطبعة فيها نقص كبير وحذف يزيد على عشرين بابًا، والعجب أن محققي الكتاب -والكوثري معهما- اتهما ابن القيم وشيخ الإسلام بأنهما أضافا نص الاستواء الذي أثبته الباقلاني من عند أنفسهما (انظر ص ٢٦٥ من هذه الطبعة). وهناك طبعة بتحقيق: عماد الدين حيدر، ط. مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، وهذه الطبعة هي المتوفرة المنتشرة الآن في المكتبات، وهي مليئة بالسقط كسابقتها، وحذف أيضًا منها النص الذي فيه إثبات الاستواء، وقد تهجم في حواشي الكتاب على شيخ الإسلام وابن القيم =
[ ٢ / ٣٩٨ ]
١٤٤٦ - فِي بَعْضِهَا حَقًّا عَلَى العَرشِ اسْتَوى لَكِنَّهُ اسْتَوْلَى عَلَى الأكْوَانِ
١٤٤٧ - وأتَى بِتَقْرِيرِ العُلُوِّ وأبطَلَ "الـ ـلّام" الَّتي زِيدَتْ عَلَى القُرْآنِ
١٤٤٨ - مِنْ أوْجُهٍ شَتَّى وَذَا فِي كُتْبِه بَادٍ لمَنْ كَانَتْ لَهُ عَيْنانِ
_________________
(١) = -رحمهما الله- لأنهما يخالفان مذهبه في الاعتقاد. انظر: ما كتبه د. عبد الرحمن المحمود في "ابن تيمية وموقفه من الأشاعرة" ص ٥٥٧ - ٥٥٨، ص ٥٦٧ - ٥٦٨ (مطبوعة على الآلة الكاتبة). - قوله: "ورسائل" منها "رسالة الحرة" المطبوعة باسم "الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به" بتحقيق عماد الدين حيدر، نشر عالم الكتب، ط. الأولى سنة ١٤٠٧ هـ، وممن نص عليها باسم "الحرة" القاضي عياض في ترتيب المدارك (٧/ ٧٠)، وقد وقع في اجتماع الجيوش ص ٣٠٣ "الحيرة"، وفي تهذيب السنن (٧/ ١٠٣): "الحيدة"، وكلاهما تحريف. وله كتب أخرى تبلغ (٥٥) مؤلفًا (انظر: ترتيب المدارك ٧/ ٦٩ - ٧٠، مقدمة إعجاز القرآن للسيد أحمد صقر ص ٣٧). وانظر ما كتبه د. عبد الرحمن المحمود في ابن تيمية وموقفه من الأشاعرة ص ٥٥٧ وما بعدها. - يعني بالشرح كتابه: "شرح اللمع لأبي الحسن الأشعري" وهذا الكتاب لم يصل إلينا، ولكن نقل منه شيخ الإسلام في عدة مواضع، انظر الدرء (٤/ ٣٠٧)، (٨/ ٣١٥، ٣٣٤).
(٢) كما صرح بذلك في الرسالة الحرة (المطبوعة بعنوان الإنصاف ص ٣٦) حيث قال: " وأن الله جل ثناؤه مستو على العرش ومستولي على جميع خلقه كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، بغير مماسة وكيفية ولا مجاورة وأنه في السماء إله وفي الأرض إله كما أخبر بذلك".
(٣) يعني تأويلهم لـ "استوى" بـ "استولى". فاللام الزائدة في كلمة "استولى" ليست في كتاب الله.
(٤) قال في كتابه التمهيد (ص ٢٦٠ - ٢٦٢، ط. مكارثي اليسوعي): "فإن قالوا: فهل تقولون إنه في كل مكان؟ قيل: معاذ الله، بل هو مستوٍ على العرش، كما أخبر في كتابه فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقال =
[ ٢ / ٣٩٩ ]
١٤٤٩ - وانظُرْ إلَى قَول ابْنِ كُلَّابٍ وَمَا يَقْضي بِهِ لِمُعَطِّلِ الرَّحْمنِ
_________________
(١) = تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦] ولا يجوز أن يكون معنى استوائه على العرش هو استيلاؤه عليه كما قال الشاعر: قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق لأن الاستيلاء هو القدرة والقهر، والله تعالى لم يزل قادرًا قاهرًا عزيزًا مقتدرًا " ا. هـ مختصرًا. انظر اجتماع الجيوش ص ٢٩٩ -٣٠٠، مجموع الفتاوى (٥/ ٩٩)، الدرء (٢٥٦١٦)، العلو للذهبي (المختصر ص ٢٥٨). وقال في كتاب "الذب عن أبي الحسن الأشعري": " وكذلك قولنا في جميع المروي عن رسول الله - ﷺ - في صفات الله -إذا صح- من إثبات اليدين والوجه والعينين، ونقول إنه يأتي يوم القيامة في ظلل من الغمام، وأنه ينزل إلى السماء الدنيا كما في الحديث لا وأنه مستوٍ على عرشه ". العلو للذهبي (المختصر ص ٢٥٩). وقرر نفس المعنى في كتابه "الإبانة". انظر مجموع الفتاوى (٩٩١٥)، اجتماع الجيوش ص ٣٥٣، العلو للذهبي (المختصر ص ٢٥٨).
(٢) هو عبد الله بن سعيد بن كُلَّاب القطان البصري، أبو محمد، ويلقب "كُلابًا -مثل خُطَّاف- وزنًا ومعنى، لأنه كان لقوَّتِه في المناظرة يجتذب من يناظره ويجرّه إليه كما يجتذب الكُلَّاب الشيء"، صاحب التصانيف في الرد على المعتزلة، رأس المتكلمين بالبصرة في زمانه، قال الذهبي: "وصنف في التوحيد، وإثبات الصفات وأن علو الباري على خلقه معلوم بالفطرة والعقل على وفق النص"، وهو إمام الفرقة المعروفة المنسوبة إليه: "الكلَّابية". من مصنفاته: الصفات، وخلق الأفعال، والرد على المعتزلة. قال الذهبي: "لم أقع بوفاة ابن كلّاب، وقد كان باقيًا قبل الأربعين ومائتين". السير للذهبي ١١/ ١٧٤، الفهرست ص ٢٣٠، لسان الميزان ٣/ ٢٩٠.
[ ٢ / ٤٠٠ ]
١٤٥٠ - أخرِجْ مِنَ النَّقْلِ الصَّحِيحِ وعَقْلِهِ مَنْ قَالَ قَوْلَ الزُّورِ والبُهْتَانِ
١٤٥١ - لَيْسَ الإلهُ بدَاخِلٍ فِي خَلْقهِ أَوْ خَارجٍ عَنْ جُمْلَةِ الأكْوَانِ
١٤٥٢ - وانظُرْ إِلَى مَا قَالَهُ الطَّبَرِيُّ فِي التَّـ ـفسِير والتَّهْذِيبِ قَوْلَ مُعَانِ
_________________
(١) طع: (خارج من). - ونص مقالته التي أشار إليها الناظم: "وأخرج من النظر والخبر قول من قال: (لا في العالم ولا خارج منه)، فنفاه نفيًا مستويًا، لأنه لو قيل له: صفه بالعدم، ما قدر أن يقول فيه أكثر منه، وردّ أخبار الله نصًّا وقال في ذلك ما لا يجوز في خبر ولا معقول ". درء التعارض ٦/ ١١٩، واجتماع الجيوش للناظم ص ٢٨٢ - ٢٨٣. ولوامع الأنوار للسفاريني ١/ ٢٠٩. وله نصوص أخرى في إثبات العلو: انظر: الدرء ١/ ١٩٣، اجتماع الجيوش ص ٢٨٢ - ٢٨٤.
(٢) الطبري: هو محمد بن جرير بن كثير الطبري، أبو جعفر، الإمام الحافظ، المؤرخ، شيخ المفسرين على الإطلاق، ولد سنة ٢٢٤ هـ، سمع من ابن أبي الشوارب وهناد بن السري وخلائق. وعنه أبو القاسم الطبراني وأبو عمران بن حمدان، وغيرهم كثير. جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره كما ذكر ذلك الخطيب البغدادي، له مصنفات كثيرة منها التفسير والتاريخ وتهذيب الآثار. كانت وفاته سنة ٣١٠ هـ. تذكرة الحفاظ ٢/ ٧١٠، تاريخ بغداد ٢/ ١٦٢. ونص مقالته في التفسير عند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩]، قال: "وأولى المعاني بقول الله جلَّ ثناؤه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ علا عليهن وارتفع فدبّرهن بقدرته وخلقهن سبع سماوات". جامع البيان ١/ ١٩٢، وانظر: ٢٤/ ٩٨، وانظر اجتماع الجيوش ص ١٩٤. ومختصر العلو ص ٢٢٤. - التهذيب: اسمه "تهذيب الآثار، وتفصيل معاني الثابت عن رسول الله - ﷺ - من الأخبار" وهو كتاب حديث يذكر فيه الأحاديث بسنده على ترتيب =
[ ٢ / ٤٠١ ]
١٤٥٣ - وانْظُرْ إِلَى مَا قَالَهُ فِي سُورَةَ الْـ أَعْرَافِ مَعْ طَهَ وَمَعْ سُبْحَانِ
_________________
(١) = مسانيد الصحابة. وقد وجدت منه ثلاثة مسانيد، وطبعت في ستة أجزاء بتحقيق الشيخ محمود شاكر. ثم وجد جزء آخر يحتوي على مسانيد أخرى، وطبع أيضًا. - كذا ضبط "مُعان" بضم الميم في ف ولكن كتبت بالياء "معاني"، ولعل الصواب بدونها "مُعان"، اسم مفعول من الإعانة، يعني أن قول الطبري قول رجل أعانه الله ووفّقه، (ص).
(٢) وهو قوله في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]: "وقد ذكرنا معنى الاستواء واختلاف الناس فيه فيما مضى قبلُ بما أغنى عن إعادته". جامع البيان ٥/ ٢٠٨. وقد تقدم قوله -﵀- في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩]، إذ ذكر أن أولى المعاني بقوله: ﴿اسْتَوَى﴾: علا وارتفع. التفسير ١/ ١٩٢. - وقال -﵀- عند قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]: "يقول تعالى ذكره: الرحمن على عرشه ارتفع وعلا". جامع البيان ١٥/ ١٣٨. - وقال -﵀- في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩]. ما ملخصه: "ثم اختلف أهل التأويل في معنى ذلك المقام المحمود، فقال أكثر أهل العلم: ذلك هو المقام الذي هو يقومه - ﷺ - يوم القيامة للشفاعة للناس ليريحهم ربهم من عظيم ما هم. فيه " ثم ذكر القول الآخر وهو عن مجاهد أن المقام المحمود هو أن يجلسه معه على عرشه. ثم رجح القول الأول وقال: "وهذا وإن كان هو الصحيح من القول في تأويل الآية -يعني القول الأول- فإن ما قاله مجاهد قول غير مدفوع صحته لا من جهة خبر ولا نظر"، إلى أن قال: "فقد تبين إذًا بما قلنا أنه غير محال في قول أحد ممن يتمثل الإسلام ما قاله مجاهد من أن الله ﵎ يقعد محمدًا على عرشه". انظر: جامع البيان ١٥/ ١٤٣ - ١٤٨، وأشار إلى هذا الناظم في اجتماع الجيوش ص ١٩٤، وسوف يشير إليه أيضًا في البيت (١٧٥٧). =
[ ٢ / ٤٠٢ ]
١٤٥٤ - وانظُرْ إِلَى مَا قَالَهُ البَغَوِيُّ فِي تَفْسيرِه والشَّرحِ بالإحْسَانِ
١٤٥٥ - فِي سُورَةِ الأعْرَافِ عِنْدَ الاسْتِوَا فِيهَا وَفِي الأُولَى مِنَ القُرْآنِ
١٤٥٦ - وانظُرْ إِلَى مَا قَالَهُ ذو سُنَّةٍ وَقِرَاءةٍ ذَاكَ الإمَامُ الدَّانِي
_________________
(١) = وللطبري نصوص أخرى قرر فيها العلو كما جاء في كتابه صريح السنة ص ٢٧ برقم (٣٥). وكذلك في كتابه "التبصير في معالم الدين". انظر: العلو للذهبي (المختصر ص ٢٢٣ - ٢٢٥).
(٢) البغوي: تقدمت ترجمته تحت البيت رقم (١١٦٩). يعني بالشرح كتابه: شرح السنة. قال ﵀ في كتاب الإيمان - باب الرد على الجهمية بعدما أورد حديث الأعرابي الذي قال: "فإنا نستشفع بالله عليك وجاء فيه: إنه لفوق سماواته على عرشه" قال معلقًا: "والواجب في هذا وأمثاله: الإيمان بما جاء في الحديث، والتسليم وترك التصرف فيه بالنقل، والله الموفق". شرح السنة ١/ ١٧٧.
(٣) "في سورة الأعراف": يعني تفسير البغوي لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقد سبق نقله تحت البيت (١٣٦٠). - "في الأولى": يعني سورة البقرة، وقال -﵀- في تفسير قوله تعالى ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩]: "قال ابن عباس وأكثر مفسري السلف: أي ارتفع إلى السماء". معالم التنزيل ١/ ٧٨.
(٤) الداني: هو أبو عمرو عثمان بن سعيد بن عثمان بن سعيد بن عمر الأموي، مولاهم الأندلسي، القرطبي ثم الداني، ويعرف قديمًا "بابن الصيرفي"، الإمام الحافظ المجود المقرئ، عالم الأندلس، ولد سنة ٣٧١ هـ، سمع من أبي مسلم الكاتب وعبد الرحمن القشيري الزاهد وغيرهما. وعنه أبو القاسم بن العربي وأبو عبد الله التجيبي وغيرهما، قال المغامي: "كان أبو عمرو مجاب الدعوة، مالكي المذهب". قال الذهبي: "إلى أبي عمرو المنتهى في تحرير علم القراءات، وعلم المصاحف، مع البراعة في علم الحديث والتفسير والنحو، وغير ذلك" وكان سنيًا على مذهب السلف. من مصنفاته: التيسير، وجامع البيان في السبع، والأرجوزة =
[ ٢ / ٤٠٣ ]
١٤٥٧ - وكذَاكَ سُنَّةُ جعفرٍ يُكنَى أبا الشَّـ ـيخِ الرِّضَا المُسْتَلِّ مِنْ حَيَّانِ
_________________
(١) = في أصول الديانة، بلغت تواليفه مائة وعشرين كتابًا، كانت وفاته سنة ٤٤٤ هـ. السير ٧٧/ ١٨، إنباه الرواة ٢/ ٣٤١، شجرة النور الزكية ١/ ١١٥. ومقالته التي يشير إليها الناظم هي ضمن أرجوزته المسماة: "عقود الديانة" وجاء فيها: كلم موسى عبده تكليمًا ولم يزل مدبّرًا حكيمًا كلامه وقوله قديم وهو فوق عرشه العظيم إلى أن قال: ومن صحيح ما أتى به الخبر وشاع في الناس قديمًا وانتشر نزول ربنا بلا امتراء في كل ليلة إلى السماء وانظر: سير أعلام النبلاء ١٨/ ٨٢، ومختصر العلو ص ٢٦٧.
(٢) كتاب "السنة" لأبي الشيخ ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في (منهاج السنة ٢/ ٣٦٥، ٧/ ٤٧)، والذهبي في السير (١٦/ ٢٧٨)، وفي العلو (مختصر ص ٢٤٨)، والكتاب مفقود. ولأبي الشيخ نص يفيد إثبات العلو لله ﷿، وهو ما جاء في كتاب العظمة (٢/ ٥٤٣ - ٦٥٣) قال: "ذكر عرش الرب ﵎ وكرسيه وعظم خلقهما، وعلو الرب ﵎ فوق عرشه " ثم ذكر الأحاديث والآثار في ذلك. وانظر: اجتماع الجيوش ص ٢٤٥، ومختصر العلو ص ٢٤٧. - كذا ورد البيت في الأصل، ف، د. وفي غيرها: "سنة الأصبهاني أبي الشيخ". - هو أبو الشيخ عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الأنصاري، أبو محمد، الإمام الحافظ، الصادق، محدث أصبهان، ولد سنة ٢٧٤ هـ، مُسْنِد زمانه، صاحب التصانيف، وكان صاحب سنة واتباع، من مصنفاته: السنة، العظمة، أخلاق النبي - ﷺ -، كانت وفاته سنة ٣٦٩ هـ. السير ١٦/ ٢٧٦، تذكرة الحفاظ ٣/ ٩٤٥، شذرات الذهب ٣/ ٦٩. - "المستلّ من حيّان"، يعني: من نسله، وهو جد أبي الشيخ وينسب إليه فيقال: "الحيَّاني". الأنساب للسمعاني ٢/ ٢٦٩، تبصير المنتبه لابن حجر ١/ ٢٩٠.
[ ٢ / ٤٠٤ ]
١٤٥٨ - وانظُرْ إلَى مَا قَالَهُ ابنُ سُرَيجٍ الْـ ـبَحْرُ الخِضَمُّ الشَّافِعيُّ الثَّانِي
١٤٥٩ - وانظُرْ إِلَى مَا قَالَهُ عَلَمُ الهُدَى أعْنِي أبَا الخَير الرِّضَا العِمْرَانِي
_________________
(١) ابن سريج: هو أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج البغدادي، القاضي الشافعي، الإمام، فقيه العراقين، ولد سنة بضع وأربعين ومائتين، سمع من الحسن بن محمد الزعفراني وأبي داود السجستاني وغيرهما، وعنه أبو القاسم الطبراني وأبو أحمد الغطريف الجرجاني وغيرهما، وكان يفضل على جميع أصحاب الشافعي، وكان يقال له: "الباز الأشهب". بلغت مصنفاته أربعمائة مصنف منها: الرد على داود في القياس، التقريب بين المزني والشافعي، كانت وفاته سنة ست وثلاثمائة. السير ١٤/ ٢٠١، طبقات السبكي ٣/ ٢١، الفهرست ٢٦٦. - كذا في الأصل، ح، طت، طه. وفي ف، د: "ذاك البحر يدعى". وفي ب، ظ، طع: "ذاك البحر الخضم" كأنه خلط بين نسختين فأخلّ بالوزن، (ص). - ونص مقالته في العلو: أنه لما سئل عن صفات الله تعالى قال جوابًا جاء فيه: " وقد صح وتقرر واتضح عند جميع أهل الديانة والسنة والجماعة والسلف الماضين أن جميع الآي الواردة عن الله في ذاته وصفاته يجب على المرء المؤمن الموقن الإيمان بكل واحد منه كما ورد، وتسليم أمره إلى الله سبحانه كما أمر، مثل قوله تعالى وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ونظائرها مما نطق به القرآن كالفوقية والنفس واليدين وصعود الكلام وعروج الملائكة والروح إليه" ا. هـ. مختصرًا، نقله عنه الزنجاني. انظر اجتماع الجيوش ص ١٧٥، مختصر العلو ص ٢٢٦.
(٢) أبو الخير: كذا في جميع النسخ، وكذا في نسخة برلين من اجتماع الجيوش، والمقصود: ابن أبي الخير (ص) وهو أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم بن أسعد العمراني، من عمران قرية باليمن، شيخ الشافعية باليمن، ولد سنة تسع وثمانين وأربعمائة، كان إمامًا زاهدًا ورعًا خيرًا، عارفًا بالفقه وأصوله، من أعرف أهل الأرض بتصانيف أبي إسحاق الشيرازي كما قال ابن العماد. من أجل مصنفاته: "البيان" في =
[ ٢ / ٤٠٥ ]
١٤٦٠ - وَكِتَابُهُ فِي الْفِقْهِ وَهْوَ بَيَانُهُ يُبدِي مَكَانَتَهُ مِنَ الإيمَانِ
١٤٦١ - وانظُرْ إِلَى السُّنَنِ الَّتِي قَدْ صَنَّفَ الْـ عُلَمَاءُ بالآثارِ والقُرْآنِ
١٤٦٢ - زَادَتْ عَلَى المِائَتَينِ مِنْهَا مُفْرَدًا أَوْفَى مِنَ الخَمْسِينَ في الحُسْبانِ
١٤٦٣ - منْهَا لأحْمَدَ عِدَّةٌ مَوْجُودةٌ فِينَا رَسَائِلُهُ إِلَى الإخْوَانِ
_________________
(١) = نحو عشر مجلدات، قال ابن العماد: "كان حنبلي العقيدة شافعي الفروع -كما قال ابن الأهدل- كالآجري صاحب الشريعة". وله كتاب "الانتصار في الرد على القدرية الأشرار" كانت وفاته سنة ٥٥٨ هـ. طبقات السبكي ٧/ ٣٣٦، شذرات الذهب ٤/ ١٨٥، تهذيب الأسماء واللغات للنووي ٢/ ٢٧٨. - ظ، ط: (الرضا النعمان)، تحريف.
(٢) يعني "كتاب البيان" لأبي الخير وهو شرح لكتاب المهذب للشيرازي في الفقه الشافعي. ذكره السبكي في الطبقات (٧/ ٣٣٧) وقال: "وابتدأ بتصنيف "البيان" في سنة ثمان وعشرين وخمسمائة، وفرغ من تصنيفه سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة"، وقد طبع أخيرًا. وذكر الناظم في اجتماع الجيوش ص ١٨٧ أن له كتابًا لطيفًا في السنّة على مذهب أهل الحديث صرح فيه بمسألة الفوقية والعلو والاستواء حقيقة.
(٣) يقصد المؤلف أن السنن المفردة في مسائل الاعتقاد زادت على (٢٥٠) مصنفًا غير ما ذكره الأئمة ضمن مصنفاتهم الحديثية التي فيها أبواب الاعتقاد وغيرها من مسائل الدين. وانظر لشيخ الإسلام كلامًا مشابهًا في (الحموية ضمن مجموع الفتاوى ٥/ ٢٤).
(٤) "منها": أي من ضمن المؤلفات التي قرر فيها مسائل الاعتقاد ما ألفه الإمام أحمد بن حنبل وهي: - كتاب الرد على الزنادقة والجهمية، والمسائل التي رواها عنه تلامذته: - مسائل أحمد رواية ابنه عبد الله، مسائل أحمد رواية ابنه صالح، مسائل أحمد رواية ابن هانئ، مسائل أحمد رواية أبي داود السجستاني، مسائل أحمد رواية الكوسج.
[ ٢ / ٤٠٦ ]
١٤٦٤ - واللَّاءِ فِي ضِمْنِ التَّصَانِيفِ الَّتِي شُهِرَتْ فَلَمْ تَحْتَجْ إلَى حُسْبَانِ
١٤٦٥ - فَكثيرَةٌ جِدًّا فَمَنْ يَكُ رَاغِبًا فِيهَا يَجِدْ فِيهَا هُدَى الحيْرانِ
١٤٦٦ - أصْحَابُهَا هُم حَافِظُو الإسْلَامِ لَا أصحَابُ جَهْمٍ حَافِظُو الكُفْرَانِ
١٤٦٧ - وَهُمُ النُّجُومُ لكُلِّ عَبْدٍ سَائِرٍ يَبْغِي الإلهَ وجنَّةَ الحيَوانِ
١٤٦٨ - وَسِوَاهُمُ واللهِ قُطَّاعُ الطَّرِيـ ـقِ أئِمةٌ تَدْعُو إِلى النِّيرَانِ
١٤٦٩ - مَا فِي الَّذِينَ حَكَيْتُ عَنْهُم آنفًا مِنْ حَنْبَليٍّ وَاحِدٍ بِضَمَانِ
_________________
(١) = - قوله: "رسائله إلى الإخوان": يشير به إلى رسائل الإمام أحمد وهي: رسالة الإمام أحمد إلى مسدد بن مسرهد: (طبقات الحنابلة ١/ ٣٤١، مناقب أحمد لابن الجوزي ص ٢٢٤). رسالة أحمد إلى عبدوس بن مالك: (طبقات الحنابلة ١/ ٢٣٠). رسالة أحمد إلى الحسن بن إسماعيل الربيعي: (مناقب أحمد ص ٢٤١). رسالة أحمد إلى محمد بن يونس السرخسي أو محمد بن حبيب الأندراني: (طبقات الحنابلة ١/ ٣٢٩، المناقب ص ٢٢٢). رسالة أحمد بن جعفر الإصطخري: (الطبقات ١/ ٢٤، المنهج الأحمد للعليمي ١/ ٣٥٣، المدخل لابن بدران ص ٢٦). رسالة إلى محمد بن عوف الطائي: (الطبقات ١/ ٣١١، المنهج الأحمد ١/ ٣٢٤). رسالة الصلاة رواية مهنا بن يحيى: (الطبقات ١/ ٣٤٨).
(٢) طع: (الحيوان)، تحريف.
(٣) (أئمة): ساقطة من: س.
(٤) استشكل هذا البيت الشيخ ابن عيسى، فإن الأثرم والخلال وحربًا الكرماني وغيرهم من الحنابلة (طع ١/ ٤٧٩). ولكن الناظم قال: "آنفًا" فهو يعني آخر من ذكرهم من الأحناف والمالكية والشوافع. وفي هذا المعنى يقول الناظم في الصواعق: (٤/ ١٣٠٥) - بعد نقله عن الأئمة في العلو -: "وهذه النقول التي حكيناها قليل من كثير، وقد ذكرنا أضعاف أضعافها في كتاب "اجتماع العساكر الإسلامية على غزو الفرقة الجهمية" وهي تبين كذب من =
[ ٢ / ٤٠٧ ]
١٤٧٠ - بَل كُلُّهُم واللهَ شِيعَةُ أحْمَدٍ فأصُولُهُ وأصُولُهُم سِيَّانِ
١٤٧١ - وبذَاكَ فِي كُتُبٍ لَهُم قَدْ صَرَّحُوا وأخُو العَمَايةِ مَا لَهُ عَيْنَانِ
١٤٧٢ - أتظُنُّهُم لَفظِيَّةً جَهليَّةً مِثْلَ الحَمِيرِ تُقَادُ بالأرْسَانِ
١٤٧٣ - حَاشَاهُمُ مِن ذَاكَ بَلْ واللهِ هُمْ أهلُ العُقولِ وَصِحَّةِ الأذْهَانِ
١٤٧٤ - فانظُرْ إِلَى تَقْريرِهم لِعُلُوِّهِ بالنَّقْلِ والمعْقُولِ والبُرهَانِ
١٤٧٥ - عَقْلَانِ عَقلٌ بالنُّصُوصِ مُؤَيَّدٌ ومُؤَيّدٌ بِالمَنْطِقِ اليُونَانِي
_________________
(١) = قال إنه لم يقل بذلك إلّا الكرامية والحنبلية ". وكأن الناظم يعرِّض بالرازي الذي كانت له مواقف ومناظرات وردود على الكرامية في عصره، والله أعلم.
(٢) يقول شيخ الإسلام: "وصار الإمام أحمد علمًا لأهل السنة الجائين بعده من جميع الطوائف. كلهم يوافقه في جمل أقواله، وأصول مذاهبه، لأنه حفظ على الأمة الإيمان الموروث، والأصول النبوية ممن أراد أن يحرفها ويبدلها، ولم يشرع دينًا لم يأذن الله به. والذي قاله هو الذي يقوله سائر الأئمة الأعيان، حتى إن أعيان أقواله منصوصة عن أعيانهم لكن جمع متفرقها، وجاهد مخالفها، وأظهر دلالة الكتاب والسنة عليها، ومقالاته ومقالات الأئمة قبله وبعده في الجهمية كثيرة مشهورة". مجموع الفتاوى ١٢/ ٣٥٨.
(٣) ظ: (لطيفة) مكان "لفظية"، وهو خطأ. - يريد الناظم أن يقرر أن علماء أهل السنة ليسوا ممن يرددون ألفاظ نصوص الكتاب والسنة مع الجهل بمعانيها وعدم الفقه فيها، بل هم يثبتون الألفاظ والنصوص، ويؤمنون بها مع معرفة معانيها التي تفهم منها. وأكبر دليل أو شاهد على ذلك هو تقريرهم للعلو ولغيره من مسائل الاعتقاد بالنقل والنصوص وكذلك بالأدلة العقلية. فهم ليسوا ممن يؤمن بالألفاظ دون معرفة المعاني كما يزعم من خالفهم من أهل التأويل الباطل. الأرسان: جمع رَسَن -محركة-، وهو الحبل، وما كان من زمام على أنف الدابة، القاموس ص ١٥٤٩.
[ ٢ / ٤٠٨ ]
١٤٧٦ - واللهِ مَا اسْتَويَا ولَنْ يَتَلَاقَيَا حَتَّى تَشِيبَ مَفَارِقُ الغِربَانِ
١٤٧٧ - أَفَتَقذِفُونَ أولاءِ بَل أَضْعَافَهُمْ مِنْ سَادَةِ العُلَمَاءِ كُلَّ زَمَانِ
١٤٧٨ - بِالجَهْلِ والتَّشْبِيه والتَّجْسِيمِ والتَّـ ـبْديِعِ والتَّضْلِيلِ والبُهْتَانِ
١٤٧٩ - يَا قَوْمَنَا اللهَ فِي إسْلَامِكم لَا تُفْسِدُوهُ لِنَخْوَةِ الشَّيطَانِ
١٤٨٠ - يَا قَوْمَنَا اعْتَبِرُوا بِمَصْرَعِ مَنْ خَلَا مِنْ قَبلِكُم فِي هَذِهِ الأَزْمَانِ
١٤٨١ - لَمْ يُغْنِ عَنْهُم كِذْبُهُم وَمِحَالُهُم وَقِتَالُهُم بالزُّورِ والبُهْتَانِ
١٤٨٢ - كَلَّا وَلَا التَّلْبِيسُ والتَّدْلِيسُ عِنْـ ـدَ النَّاسِ والحُكَّامِ والسُّلْطَان
١٤٨٣ - وَبَدَا لَهُم عِنْدَ انكِشَافِ غِطَائِهِم مَا لَم يَكُنْ لِلقَوْمِ فِي حُسْبَانِ
١٤٨٤ - وَبَدَا لَهُم عِنْدَ انكِشَافِ حَقَائِقِ الْـ إيمَانِ أنَّهُمُ عَلَى البُطْلانِ
١٤٨٥ - مَا عِنْدَهُمْ واللهِ غَيرُ شِكَايةٍ فأْتُوا بِعِلْمٍ وانْطقُوا ببَيَانِ
١٤٨٦ - مَا يَشْتَكِي إلَّا الَّذي هُوَ عَاجِزٌ فَاشْكُوا لِنَعْذِرَكُم إلى القُرْآنِ
١٤٨٧ - ثُمَّ اسْمَعُوا مَاذَا الَّذِي يَقْضِي لَكُم وَعَليكُمُ فالحَقُّ فِي الفُرقَانِ
_________________
(١) المفارق: جمع مَفْرِق ومَفْرَق -بكسر الراء وفتحها- وهو وسط الرأس وهو الذي يُفرَق فيه الشعر، الصحاح ص ١٥٤٠. ومراد الناظم: أن التقاء منهج أهل الحق وأهل الباطل مستحيل كاستحالة بياض شعر الغراب.
(٢) يعني: "اتقوا الله". - طع: (بنخوة). والنخوة: الكبر والعظمة. وقد سبق تفسيرها في البيت (٢٤٧).
(٣) المحال: الكيد والمكر، وقد تقدم في البيت (١٠١٩).
(٤) ما عدا الأصل: "التدليس والتلبيس".
(٥) والمعنى: إنْ أردتم أن تسمع شكواكم وتُعْذَرون فيما وقعتم به فلا تشتكوا ولا تحتكموا إلَّا إلى القرآن. وجملة "لنعذركم" اعتراضية.
(٦) "يقضي لكم" يعني: القرآن الذي سوف تتحاكمون إليه. وفي ب: "والحق".
[ ٢ / ٤٠٩ ]
١٤٨٨ - لَبَّسْتُمُ مَعْنَى النُّصُوصِ وقَوْلَنَا فَغَدا لَكُمْ لِلحقِّ تَلْبِيسَانِ
١٤٨٩ - مَنْ حَرَّفَ النَّصَّ الصَّرِيحَ فَكَيْفَ لَا يَأْتِي بِتَحْرِيفٍ عَلَى إنسَانِ
١٤٩٠ - يَا قَوْمُ واللهِ العَظِيمِ أسَأْتُمُ بأَئِمَّةِ الإسْلَامِ ظَنَّ الشَّانِي
١٤٩١ - مَا ذَنْبُهُم وَنَبِيُّهُمْ قَدْ قَالَ مَا قَالُوا، كَذَاكَ مُنَزِّلُ القرآنِ
١٤٩٢ - مَا الذَّنبُ إلَّا للنُّصُوصِ لَديكمُ إذْ جَسَّمَتْ بَلْ شَبَّهتْ صِنْفَانِ
١٤٩٣ - مَا ذَنْبُ مَنْ قَدْ قَالَ مَا نَطَقَتْ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا عُدْوانِ
١٤٩٤ - هَذَا كَمَا قَالَ الخَبِيثُ لصحْبِهِ كَلْبُ الرَّوافِضِ أخبثُ الحَيَوانِ
١٤٩٥ - لَمَّا أَفَاضُوا في حديثِ الرَّفْضِ عِنْـ ـدَ القَبرِ لَا يَخْشَوْنَ مِنْ إنْسَانِ
١٤٩٦ - يا قَومِ أصْلُ بلائِكُمْ ومُصَابِكُم مِنْ صاحِبِ القبرِ الذي تَرَيَانِ
_________________
(١) أشار في حاشية ف إلى أن في نسخة: "في الحق".
(٢) الشانئ: اسم فاعل من شنأه: أبغضه (ص).
(٣) ب، ظ، د، ط: (الفرقان).
(٤) أي أن النصوص التي فيها إثبات الصفات صنفان صنف قلتم إن إثباته تجسيم، وصنف إثباته تشبيه.
(٥) الروافض: تقدم التعريف بهم في التعليق على مقدمة المؤلف.
(٦) لم أهتد إلى اسم هذا الرافضي، ولا أصل هذه القصة ولكن يمكن أن نورد هنا نصًا للرافضة في هذا المعنى فمن ذلك: ما قاله نعمة الله الجزائري: " إنا لم نجتمع معهم -يعني أهل السنة- على إله، ولا على نبي، ولا على إمام، وذلك أنهم يقولون: إن ربهم هو الذي كان محمد - ﷺ - نبيه وخليفته بعده أبو بكر، ونحن لا نقول بهذا الرب، ولا بذلك النبي؛ بل نقول: إن الرب الذي خليفة نبيه أبو بكر ليس ربنا ولا ذلك النبي نبينا". الأنوار النعمانية (٢/ ٢٧٨) نعوذ بالله من هذا الكفر البواح.
(٧) يعني به النبي - ﷺ -. - خاطب القوم ثم جاء بضمير الاثنين. وقد سبق مثال لهذا الالتفات في البيت (٣٠٧)، وسيأتي مرة أخرى في البيت (٣٠٤٨)، (ص).
[ ٢ / ٤١٠ ]
١٤٩٧ - كَمْ قدَّم ابنَ أبي قُحافةَ بلْ غَدَا يُثني عَليهِ ثنَاءَ ذِي شُكرَانِ
١٤٩٨ - وَيقُولُ فِي مَرضِ الوفاة يؤمُّكُم عَنِّي أبُو بكرٍ بلَا رَوَغَانِ
١٤٩٩ - ويظَلُّ يمنعُ مِنْ إِمامَةِ غيرِهِ حَتَّى يُرَى في صورَةِ الغَضْبَانِ
١٥٠٠ - ويقولُ لو كنتُ الخليلَ لواحدٍ في الناسِ كانَ هو الخلِيلَ الدَّانِي
١٥٠١ - لكنَّه الأخُ وَالرفيقُ وصاحِبِي وله عَلَينَا مِنَّةُ الإحْسَانِ
_________________
(١) يعني أبا بكر الصدِّيق ﵁.
(٢) يشير إلى الحديث الصحيح عن عائشة -﵂- قالت: "لما مرض النبي - ﷺ - مرضه الذي مات فيه أتاه بلال يؤذنه بالصلاة فقال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس". قلت: إن أبا بكر رجل أسيف، إن يقم مقامك يبكي فلا يقدر على القراءة. قال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس". فقلت مثله. فقال في الثالثة أو الرابعة: "إنكن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس". فصلى، وخرج النبي - ﷺيهادى بين رجلين الحديث". أخرجه البخاري في كتاب الأذان باب من أسمع الناس تكبير الإمام برقم (٧١٢)، (٧١٣)، (٧١٦)، ومسلم في كتاب الصلاة برقم (٤١٨) مكرر رقم (٩٤)، (٩٥)، (١٠١)، وأحمد في المسند (٥/ ٣٦١)، (٦/ ٩٦).
(٣) س: (الخليل الثاني).
(٤) في ف، د، ح: "الأخ الرفيق" وضبط (الأخ) في ف بتشديد الخاء، وهي لغة، (ص). يشير الناظم في هذا البيت والذي قبله إلى الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري -﵁- قال خطب النبي - ﷺوقال: "إن الله خيّر عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ذلك العبد ما عند الله"، قال: فبكى أبو بكر، فعجبنا لبكائه أن يخبر الرسول - ﷺ - عن عبد خيّر، فكان رسول الله - ﷺهو المخيَّر، وكان أبو بكر أعلمنا، فقال رسول الله: "إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا غير ربي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد باب إلا سُدَّ إلا باب أبي بكر". أخرجه البخاري في كتاب فضائل الصحابة - باب قول النبي - ﷺ -: "سدوا الأبواب إلا باب أبي بكر" برقم (٣٦٥٤)، (٤٦٦)، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة برقم (٢٣٨٢) واللفظ للبخاري.
[ ٢ / ٤١١ ]
١٥٠٢ - ويقولُ لِلصِّدِّيقِ يومَ الغَارِ لَا تَحْزَنْ فنحنُ ثَلَاثةٌ لَا اثْنَانِ
١٥٠٣ - اللهُ ثالِثُنَا وتلكَ فَضِيلةٌ مَا حازَهَا إلَّا فَتَى عُثْمانِ
١٥٥٤ - يَا قومِ ما ذنبُ النَّواصِبِ بعْدَ ذَا لَم يَدْهَكُم إلَّا كبِيرُ الشَّانِ
١٥٠٥ - فتفَرَّقَتْ تلكَ الرَّوافِضُ كلُّهُم قَدْ أطْبَقَتْ أَسْنَانَهُ الشَّفَتَانِ
١٥٠٦ - وكَذلِكَ الجَهْمِيُّ ذَاكَ رَضِيعُهُم فَهُمَا رَضِيعَا كُفْرِهِمْ بِلِبَانِ
_________________
(١) يشير إلى قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة: ٤٠]. وكذلك جاء في الحديث الصحيح عن أنس -﵁- أن أبا بكر الصدِّيق -﵁- حدثه قال: "نظرت إلى أقدام المشركين على رؤوسنا ونحن في الغار فقلت: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه فقال: "يا أبا بكر مما ظنك باثنين الله ثالثهما". أخرجه البخاري في كتاب فضائل الصحابة- باب مناقب المهاجرين برقم (٣٦٥٣)، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة برقم (٢٣٨١)، واللفظ له.
(٢) قوله "فتى عثمان": يعني أبا بكر ﵁ فإن والده عثمان. أي أن ما نزل في شأن النبي - ﷺ - وأبي بكر حينما كانا في الغار هو من فضائله -﵁-، بل لم يَشْرَكه أحد في هذه الفضيلة. ألا وهي معية الله ﷿ لهما بالتأييد والنصرة المتضمنة بأن الله موافق لهما بالمحبة والرضا فيما فعلاه. انظر: منهاج السنة (٨/ ٣٨١)، (٦/ ١٢١).
(٣) تقدم التعريف بالنواصب في التعليق على مقدمة المؤلف. - يقول هذا الرافضي: لم يصبكم بهذه الداهية وهي تقديم أبي بكر وما ذكر من فضائل إلّا كبير الشأن وهو صاحب القبر يعني النبي - ﷺ -.
(٤) أي: تفرقوا وكلهم يَعَضُّ بأسنانه على شفتيه من شدة الغيظ والحقد.
(٥) اللِّبان -بكسر اللام- كالرِّضاع وزنًا ومعنى. - ومراد الناظم أن مصدر اعتقاد الجهمية والرافضة واحد، كأنهما رضعا من ثدي واحد، لأن كلتا الطائفتين اشتركتا في ردِّ لنصوص، فالجهمية ردت نصوص الصفات، والعلو، والرافضة ردَّت نصوص فضائل الشيخين.
[ ٢ / ٤١٢ ]
الدليل السابع عشر: إخبار الله بأن فرعون كذب موسى في قوله إن الله في السماء
من المصائب قول المعطلة إن اعتقاد الفوقية مذهب فرعون
١٥٠٧ - ثَوبَانِ قدْ نُسِجَا عَلى المِنْوالِ يَا عُريانُ لا تلبَس فَمَا ثَوْبَانِ
١٥٠٨ - واللهِ شرٌ مِنْهُمَا فَهُمَا عَلَى أهلِ الضَّلالَةِ والشَّقَا عَلَمانِ
* * *
فصلٌ
١٥٠٩ - هَذَا وسَابعَ عَشْرَهَا إخْبَارُهُ سُبحَانَهُ فِي مُحْكَم القُرْآنِ
١٥١٠ - عَن عَبْدِهِ مُوسَى الكليمِ وحَربِهِ فِرْعَونَ ذِي التكذيبِ والطُّغْيانِ
١٥١١ - تكذِيبَهِ مُوسى الكَليمَ بِقَولِهِ اللهُ ربِّي في السَّمَا نَبَّانِي
١٥١٢ - وَمِنَ المصَائِب قولُهُم إنَّ اعتِقَا دَ الفوْقِ مِنْ فِرعَونَ ذِي الكُفْرَانِ
_________________
(١) المنوال: الخشب الذي يلُفُّ عليه الحائكُ الثوبَ، ومن ذلك يقال للقوم إذا استوت أخلاقهم: هم على منوال واحد. الصحاح ص ١٨٣٦. يقول الناظم إن الرفض والتجهم كثوبين نسجا على منوال واحد.
(٢) أي أن شرَّ اعتقاد يعتقده الإنسان هو مذهب الجهمية والرافضة فمن تلبس بهما دخل في زمرة أهل الضلال والشقاء، والعياذ بالله.
(٣) "نباني" بتسهيل الهمزة لضرورة الشعر. يشير الناظم إلى ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٣٨)﴾ [القصص: ٣٨]. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧].
(٤) يشير إلى قول الرازي ومن وافق من نفاة العلو الذين احتجوا بهذه الآية على نفي العلو، وهي في الحقيقة دليل لأهل السنة لا لهم، وفي هذا يقول الرازي: "احتج الجمع الكثير من المشبهة بهذه الآية في إثبات أن الله في السماوات وقرروا ذلك من وجوه - (ثم ذكرها) - والجواب: أن هؤلاء الجهال يكفيهم في كمال الخزي والضلال أن جعلوا فرعون اللعين حجة =
[ ٢ / ٤١٣ ]
١٥١٣ - فإذَا اعتقَدْتُم ذَا فأشْيَاعٌ لَهُ أنتُم وَذَا مِنْ أعظَمِ البُهتَانِ
١٥١٤ - فاسْمَعْ إذًا مَنْ ذَا الَّذِي أوْلَى بِفِرْ عَوْنَ المُعَطِّلِ جَاحِدِ الرحْمنِ
١٥١٥ - وانظُرْ إِلَى مَا جَاءَ في القصَصِ التي تَحْكِي مَقَالَ إمَامِهمْ بِبَيَانِ
١٥١٦ - واللهِ قدْ جَعَلوا الضَّلَالَةَ قُدْوَةً بأئمَّةٍ تَدْعُو إلَى النِّيرانِ
١٥١٧ - فإمَامُ كلِّ معطِّلٍ فِي نَفْيِهِ فِرعَونُ مَعْ نُمْرُودَ مَعْ هَامَانِ
_________________
(١) = لهم على صحة دينهم إلى أن قال: فمن قال بالأول (يعني بالعلو) كان على دين فرعون، ومن قال بالثاني (يعني نفي العلو) - كان على دين موسى " ا. هـ مختصرًا. مفاتيح الغيب ٢٧/ ٦٥. وانظر: مفاتيح الغيب ٢٤/ ٢٥٢ - ٢٥٣، الكشاف للزمخشري ٣/ ١٦٩، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٥/ ٣١٤.
(٢) سيتكرر هذا البيت بنصه برقم (١٩٣٦).
(٣) يعني: فرعون. والآية الكريمة رقم (٣٨) من سورة القصص نقلناها آنفًا تحت البيت (١٥١١).
(٤) "واللهِ قد جعلوا" كذا في الأصل، وأشار إلى هذه النسخة في حاشية ف، وضبط لفظ الجلالة على أن الواو للقسم. وفي غير الأصل: "قد جعل" مع ضبط لفظ الجلالة كما سبق. وقد فسّر هرّاس البيت على أن لفظ الجلالة مبتدأ، (ص).
(٥) أما اختيار الناظم لهؤلاء الثلاثة فلأن فرعون وهامان من صريح الآية قد كذبا موسى في اعتقاده أن الله في السماء فطلبا الصعود إليه وقال فرعون: "وإني لأظنه كاذبًا" فهما قدوة لكل معطل. وأما نمرود: فيقول الدارمي: "وكذلك نمرود -فرعون إبراهيم- اتخذ التابوت والنسور، ورام الاطلاع إلى الله لما كان يدعوه إبراهيم إلى معرفته في السماء". الرد على الجهمية ص ٣٧. ويقول الثعلبي في كتاب العرائس ص ٥٧: "أن النمرود الجبار لما حاجّه إبراهيم -﵇- في ربه قال: "إن كان ما يقول إبراهيم حقًا فلا أنتهي حتى أعلم من في السماء فبنى صرحًا عظيمًا عاليًا ببابل ورام منه الصعود إلى السماء ينظر إلى إله =
[ ٢ / ٤١٤ ]
١٥١٨ - طَلَبَ الصُّعُودَ إلَى السَّماءِ مُكذِّبًا مُوسَى ورَامَ الصَّرحَ بالبُنْيَانِ
١٥١٩ - بَلْ قَالَ: مُوسَى كَاذِبٌ في زَعْمِهِ فَوْقَ السَّماءِ الربُّ ذُو السُّلْطَانِ
١٥٢٠ - فابنُوا ليَ الصَّرحَ الرَّفيعَ لعلَّنِي أَرْقَى إِلَيهِ بحِيلَةِ الإنسَانِ
١٥٢١ - وأَظنُّ مُوسَى كاذِبًا في قَوْلِهِ اللهُ فوقَ العرشِ ذُو سُلْطَانِ
١٥٢٢ - وَكَذَاكَ كذَّبَهُ بأنَّ إلهَه نَادَاهُ بالتَّكْليم دُونَ عِيَانِ
_________________
(١) = إبراهيم (وذكروا أنه أخذ أربعة نسور ومعها تابوت وصعد فيها يريد السماء فأهلكه الله) " ا. هـ بتصرف. فهؤلاء الثلاثة هم القدوة لكل معطلٍ نافٍ للعلو، وانظر ما سبق في البيتين (٧٠) و(٤٧٩).
(٢) ظ، طت، طه: "السلطان". ويشير الناظم إلى ما تقدم من الآيات في سورة القصص وغافر. ووجه الاستدلال: أن فرعون كذب موسى في مقالته، وما هي هذه المقالة؟ هي ما صرح به فرعون بقوله: ﴿فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ فَطَلَبُ فرعون للصعود دليل على أن موسى أخبره أن الله في السماء، ولكن فرعون كذب موسى في هذه المقالة كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾. فأهل الحق قدوتهم موسى، وأهل الباطل نفاة العلو قدوتهم فرعون. والأئمة إذا جاؤوا ليستدلوا لمسألة العلو يذكرون هذا الدليل وانظر على سبيل المثال: الرد على الجهمية للدارمي ص ٣٧، الإبانة لأبي الحسن الأشعري ص ٩٧، جامع البيان للطبري (٢٤/ ٤٣)، (٢٠/ ٤٩)، التوحيد لابن خزيمة ١/ ٢٦٤، إثبات الاستواء والفوقية للجويني (مجموعة الرسائل المنيرية ١/ ١٧٧)، الحجة في بيان المحجة للأصبهاني ٢/ ١١٥، إثبات صفة العلو للمقدسي ص ٤٤، والحموية لشيخ الإسلام (ضمن مجموع الفتاوى ٥/ ١٣). والذهبي في العلو (مختصر ص ٨٠)، شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ٢/ ٣٨٥.
(٣) أما إنكار فرعون للتكليم فلأنه جحد رسالة موسى وكذب بها، والرسالة إنما مبناها على تكليم الله لمن يرسله. انظر الصواعق ص ٤٠٧.
[ ٢ / ٤١٥ ]
إنكار الفوقية والتكليم مذهب الفرعونية والجهمية
١٥٢٣ - هُوَ أنكَرَ التَّكْلِيمَ والفَوْقِيَّةَ الـ عُلْيَا كَقوْلِ الجهْم ذِي صفْوانِ
١٥٢٤ - فمَنِ الَّذِي أوْلَى بِفرعَونٍ إذًا مِنَّا ومنْكُم بَعْدَ ذَا التِّبيَانِ
١٥٢٥ - يَا قَوْمَنَا واللهَ إنَّ لِقَوْلِنَا مائةً تَدلُّ عَلَيهِ بَلْ مائتانِ
١٥٢٦ - عَقْلًا ونَقْلًا مَعْ صَرِيحِ الفِطْرَةِ الْـ أُولَى وَذَوْقِ حَلَاوَةِ القُرْآنِ
_________________
(١) تقدمت ترجمة الجهم بن صفوان تحت البيت (٤٠).
(٢) طع: (والله العظيم لقولنا ). - "مائة بل مائتان" كذا في الأصل و(ف)، ولم يشر في حاشيتهما إلى رواية أخرى، فأثبتنا نصّهما مع مَيلنا إلى ما ورد في غيرهما وهو: (ألف بل ألفان) لما يؤيده قول الناظم في الصواعق وغيره كما في التعليق الآتي. وقد ضبط (مائةً) في (ف) بالنصب ويجوز ضبطه بالرفع على أن اسم "إنّ" ضمير محذوف، (ص). - وقد صرح الناظم في الصواعق (١/ ٣٦٨) بأنها تقارب الألف، وقال في اجتماع الجيوش ص ٣٣١: "ولو شئنا لأتينا على هذه المسألة -يعني العلو- بألف دليل ". ويقول شيخ الإسلام (مجموع الفتاوى ٥/ ١٢١): "والاستواء والفوقية في كتاب الله في آيات كثيرة حتى قال بعض أكابر أصحاب الشافعي: في القرآن ألف دليل أو أزيد تدل على أن الله تعالى عالٍ على خلقه وأنه فوق عباده". وانظر مجموع الفتاوى ٥/ ١٢، ودرء التعارض ٧/ ٢٦، ويقول الآلوسي في روح المعاني (٧/ ١١٤): "وأنت تعلم أن مذهب السلف إثبات الفوقية كما نص عليه الإمام الطحاوي وغيره واستدلوا لذلك بنحو ألف دليل". ويوضح هذا المعنى الناظم في الصواعق (٤/ ١٢٧٩) بقوله: "وقال بعض من تتبع النصوص النبوية في ذلك والآثار السلفية: إنه وجدها تزيد على ألف، وقال غيره: إنها تزيد على مائة ألف، ولا تنافي بينهما فإن الأول أراد ما يدل على نصوص العلو والاستواء والثاني أراد ما يدل على المباينة وأن الله سبحانه بائن من خلقه".
(٣) طع: (حلاوة الإيمان).
[ ٢ / ٤١٦ ]
أقسم الله سبحانه بنفي الإيمان عمن لم يحكم الرسول في موارد النزاع مع التسليم وعدم الحرج
١٥٢٧ - كُلٌّ يَدُلُّ بأنَّه سُبحَانَهُ فَوْقَ السَّمَاءِ مُبَاينُ الأكْوَانِ
١٥٢٨ - أتَرَوْنَ أنَّا تَارِكُو ذَا كُلِّهِ لِجَعَاجِعِ التَّعْطِيلِ والهَذَيَانِ
١٥٢٩ - يَا قَوْمُ ما أنْتُمْ عَلَى شَيءٍ إِلَى أَنْ تَرجِعُوا لِلوَحْيِ بالإذْعَانِ
١٥٣٠ - وتُحَكِّمُوهُ فِي الجَليلِ ودِقِّهِ تَحكِيمَ تَسلِيمٍ مَعَ الرضْوَانِ
١٥٣١ - قَدْ أقْسَمَ اللهُ العَظِيمُ بنَفْسِهِ قَسَمًا يُبِينُ حَقِيقَةَ الإيمَانِ
١٥٣٢ - أنْ لَيسَ يؤْمِنُ مَنْ يكُونُ مُحَكِّمًا غَيْرَ الرَّسُولِ الوَاضِحِ البُرْهَانِ
١٥٣٣ - بَلْ لَيسَ يُؤمِنُ غَيرُ مَنْ قَدْ حَكَّمَ الـ ـوَحْيَينِ حَسْبُ فذاكَ ذُو إيمَانِ
_________________
(١) ب: (البهتان). وسبق تفسير الجعجعة في البيت (٦٤٠).
(٢) الإذعان: الخضوع والذل والانقياد. القاموس ص ١٥٤٧.
(٣) يشير -﵀- في هذا البيت إلى نهاية البيت رقم (١٥٣٥) إلى قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]. فهذه الآية تضمنت ثلاث مراتب: التحكيم، وسعة الصدر بانتفاء الحرج، والتسليم، فالله ﷿ قد أقسم بنفي الإيمان عمن لم يلتزم تحكيم الله ورسوله، بل عمن لم يرض وضاق صدره، بل عمن لم يسلم أمره إلى الله ﷿ تسليمًا كاملًا. ويقول شيخ الإسلام: " والمقصود هنا أن يقال لهؤلاء الذين ينفون العلو ويثبتون بعض الصفات نحن لا نرضى أن نجيبكم بما تجيبون به أنتم نفاة الصفات وتبين أيضًا أن حجة الرسول - ﷺ - قائمة على من بلغه ما جاء به، ليس لأحد أن يعارض شيئًا من كلامه برأيه وهواه، بل على كل أحد أن يكون معه كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ ﴾ الآية .. ". الدرء ٧/ ١٣٩ - ١٤٠. ويقول ابن كثير -﵀-: "يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول - ﷺ - في جميع الأمور فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنًا وظاهرًا " ا. هـ تفسير ابن كثير ١/ ٥٢٠. وانظر: مدارج السالكين ٢/ ١٥٢، منهاج السنة ٥/ ١٣١ - ١٣٢.
[ ٢ / ٤١٧ ]
أهل التعطيل أعداء أهل السنة بشهادة الله ورسوله
١٥٣٤ - هَذَا وَمَا ذَاكَ المُحَكِّمُ مُؤْمِنًا إنْ كَانَ ذَا حَرَجٍ وَضِيقِ بِطَانِ
١٥٣٥ - هَذَا وَليسَ بمؤْمنٍ حَتَّى يُسَلِّـ ـمَ للَّذي يَقْضِي بِهِ الوَحْيَانِ
١٥٣٦ - يَا قَومُ باللهِ العَظِيمِ نَشَدْتُكُم وَبِحُرمَةِ الإيمَانِ والقُرْآنِ
١٥٣٧ - هَلْ حَدَّثَتْكُم قَطُّ أنفُسُكُم بِذَا فَسَلُوا نُفُوسَكُمُ عَنِ الإيمَانِ
١٥٣٨ - لَكِنَّ رَبَّ العَالَمِينَ وجُنْدَهُ وَرَسُولَهُ المبعُوثَ بالقُرْآنِ
١٥٣٩ - هُمْ يَشْهَدُونَ بأنّكُم أعدَاءُ مَنْ ذَا شَأْنُهُ أبَدًا بكُلِّ زَمَانِ
١٥٤٠ - ولأيِّ شَيءٍ كَانَ أحمَدَ خَصْمُكُم أَعْنِي ابْنَ جَنْبلٍ الرِّضَا الشَّيبَانِي
١٥٤١ - ولأيِّ شَيءٍ كَانَ بَعْدُ خُصُومُكُمْ أَهْلَ الحَدِيثِ وعَسكَرَ القُرْآنِ
١٥٤٢ - ولأيِّ شَيءٍ كَانَ أيْضًا خَصمُكُم شَيخَ الوجودِ العالِمَ الحرَّانِي
_________________
(١) ضيق البطان: ضيق الصدر. انظر ما سبق في البيت (٣٠٤)، (ص).
(٢) اسم الإشارة "ذا" يعود على تحكيم الوحيين والرضا بحكمهما مع عدم الضيق والحرج، والتسليم.
(٣) ضبط "خصمكم" في (ف) بالنصب في هذا البيت والبيتين التاليين، و"أهلُ" و"عسكر" بالرفع في البيت الثاني، ولكن السياق يقتضي العكس، لأن الكلام على من يعادي أهل السنة، لا من يعادونه. فيقول لهم الناظم: لماذا عاديتم أحمد وأهل الحديث وأبا العباس؟ وما ذنب أبي العباس غير تجريد التوحيد عن الشرك؟ (ص). - كان السلف يعدُّون الذي يحب الإمام أحمد من أهل السنة والذي يبغضه من أهل البدع، لأنه هو الذي أظهر السنة، وثبت وقت المحنة، وصدع باعتقاد أهل السنة، ورد على شبهات أهل البدع. ومن ذلك ما قاله أبو داود ﵀: "إذا رأيت الرجل يحب أحمد بن حنبل فاعلم أنه صاحب سنّة". مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص ١٨٤.
(٤) يعني شيخ الإسلام ابن تيمية. ولقد كثر خصومه -﵀- من المتقدمين ممن عاصروه أو من المتأخرين، لأنه -كما ذكرنا- فضح باطلهم وكشف عوارهم وهتك أستارهم، فلذلك جردوا سيوف أقلامهم للنيل منه ولكن هيهات.=
[ ٢ / ٤١٨ ]
١٥٤٣ - أَعنِي أبَا العبَّاسِ نَاصِرَ سُنَّةِ الْـ ـمختارِ قَامِعَ سُنَّةِ الشَّيطَانِ
١٥٤٤ - واللهِ لَم يَكُ ذَنْبُهُ شَيئًا سِوَى تَجْرِيدِهِ لحَقِيقَةِ الإيمَانِ
١٥٤٥ - إذْ جرَّدَ التَّوحِيدَ عَنْ شِركٍ كَذَا تجْرِيدُهُ للوَحْي عَنْ بُهتَانِ
١٥٤٦ - فَتَجرَّدَ المقْصُودُ مَعْ قَصدٍ لَهُ فَلِذَاكَ لَم يَنْضَفْ إلَى إنْسانِ
_________________
(١) = ومن أشهر من عرف بعدائه لشيخ الإسلام: تقي الدين السبكي "شيخ الأشعرية والشافعية في وقته". وقد جرت له مع شيخ الإسلام مواقف يطول ذكرها حول مسائل في الاعتقاد وفي بعض الأحكام الفرعية. ومنهم القاضي المالكي "ابن مخلوف" حيث قال عن شيخ الإسلام: "هذا عدوي "، ولما بلغه أن الناس يترددون إليه في السجن قال: "يجب التضييق عليه إن لم يقتل، وإلا فقد ثبت كفره ". انظر البدر الطالع ١/ ٦٧، البداية والنهاية ١٤/ ١٤١، وأوراق مجموعة من حياة شيخ الإسلام للشيباني ص ١٤٢، ١٦٦، ١٦٩. وفي قسم العقيدة بجامعة الإمام رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه حول دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام تقدم بها أخونا الشيخ عبد الله بن صالح الغصن.
(٢) "مع قصد": كذا في جميع الأصول، وفي ط: "عن قصد" (ص). - "لم ينضف" كذا بالضاد المعجمة في جميع الأصول، وفي طت، طه: "يُنصَف" بالمهملة من الإنصاف، وعلى هذا شرح البيت في طه مع استشكاله إياه. (ص). - يحتمل هذا البيت معنيين: أ - أن يكون المراد أنه حينما جرَّد التوحيد لله من شوائب الشرك كانت الثمرة أن العبادة والتوحيد لم تضف إلى أحد من البشر بل هي خالصة لله وحده سبحانه. فعلى هذا يرجع الضمير في قوله: "لم ينضف" إلى المقصود وهو التوحيد والعبادة. ب - أو يكون المراد أنه لما جرّد التوحيد عن الشرك تجرد المقصود وهو الله سبحانه - عن الشريك والمثيل مع قصد له وهي العبادة التي يقصد بها الله تعالى فأصبحت خالصة له سبحانه، فلم ينضف يعني القصد والعبادة إلى أي أحد سوى الله ﷿.
[ ٢ / ٤١٩ ]
تعصب المقلدين لشيوخهم وأئمتهم، وعدوانهم على أهل العلم
١٥٤٧ - مَا مِنْهُمُ أَحَدٌ دَعَا لِمقَالَةٍ غَيرِ الحَدِيثِ ومُقْتَضى الفُرقَانِ
١٥٤٨ - فَالقَومُ لمْ يَدْعُوا إلَى غيرِ الهُدَى ودَعَوْتُمُ أنتُمْ لِرأْي فُلَانِ
١٥٤٩ - شَتَّانَ بَينَ الدَّعْوَتَينِ فَحَسبُكُم يَا قَوْمُ مَا بكُمُ مِنَ الخِذْلَانِ
١٥٥٠ - قَالُوا لَنَا لمَّا دَعَوْنَاهُم إلَى هَذَا مَقَالَةَ ذِي هَوىً مَلآنِ
١٥٥١ - ذَهَبَتْ مَقَادِيرُ الشُّيوخِ وحُرمَةُ الـ عُلَمَاءِ بَلْ عَبَرَتْهُمُ العَينَانِ
١٥٥٢ - وترَكتُمُ أقوَالَهُمْ هَدَرًا وَمَا أَصْغَتْ إِلَيهَا مِنْكُمُ أذُنَانِ
١٥٥٣ - لَكِنْ حَفِظْنَا نَحْنُ حُرمَتَهُمْ وَلَمْ نَعْدُ الَّذِي قَالُوه قَدْرَ بَنَانِ
١٥٥٤ - يَا قَوْمُ واللهِ العَظِيمِ كذَبتُمُ وَأتَيتُمُ بِالزُّورِ والبُهْتَانِ
١٥٥٥ - وَنَسَبتُمُ العُلَمَاءَ لِلأَمْرِ الَّذِي هُمْ مِنْهُ أَهْلُ بَرَاءةٍ وَأَمَانِ
١٥٥٦ - واللهِ مَا أوصَوْكُمُ أنْ تَتْركُوا قَوْلَ الرسُولِ لِقَوْلِهِم بلِسَانِ
١٥٥٧ - كَلَّا وَلَا فِي كُتْبِهِم هَذَا بَلَى بِالعَكْسِ أوْصَوكُم بِلَا كِتْمَانِ
_________________
(١) هذا وصف من الناظم لمقولة أهل التعطيل المتعصبين لشيوخهم بأنها مقالة صاحب هوى قد استحكم الهوى في عقله وقلبه وامتلأ به. وبداية مقولتهم من البيت التالي: "ذهبت مقادير الشيوخ إلى نهاية البيت رقم (١٥٥٣) ".
(٢) يعني: بكت عليهم حزنًا.
(٣) هدرًا: أي أسقطتم أقوالهم ولم تقدروا قدرها.
(٤) أي لم نتجاوز كلامهم قدر أنملة. وهنا انتهت مقالة المقلدة المتعصبين.
(٥) د، س: (أوصوا لكم).
(٦) وضع "بلى" موضع "بل"، وقد سبق مثله. انظر البيت (١٢٣)، (ص). - وهنا يريد أن يقرر الناظم أن الأئمة قد أوصوا في كتبهم أن لا تُتَّبَعُ أقوالُهم عند مخالفتها لنصوص الكتاب والسنة أو ما أجمع عليه سلف الأمة فمن ذلك:
(٧) ما أثِرَ عن الإمام أبي حنيفة -﵀-: فقد صحت عنه مقولات كثيرة منها: =
[ ٢ / ٤٢٠ ]
١٥٥٨ - إذْ قَدْ أَحَاطَ العِلْمُ مِنْهُم أنَّهُمْ لَيْسُوا بمَعْصُومِينَ بالبُرْهَانِ
_________________
(١) = أ - قوله: " إذا صح الحديث فهو مذهبي" ا. هـ حاشية ابن عابدين (١/ ٦٣)، إيقاظ الهمم للفلَّاني ص ٦٢. ب - قوله: "لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه". الانتقاء في فضائل الأئمة الفقهاء لابن عبد البر ص ١٤٥، إعلام الموقعين لابن القيم (٢/ ١٩٢) وعزاها إلى أبي يوسف. جـ - قوله: "إذا قلت قولًا يخالف كتاب الله تعالى وخبر رسول الله - ﷺ - فاتركوا قولي". إيقاظ الهمم للفلاني ص ٥٠، ص ٦٢.
(٢) ما أُثِرَ عن الإمام مالك بن أنس -﵀- ومقولاته كثيرة كذلك منها: أ - قوله: "إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه". أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله في باب معرفة أصول العلم وحقيقته ١/ ٧٧٥، برقم (١٤٣٥). ب - قوله: "ليس أحد بعد النبي إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي - ﷺ -". أخرجه ابن عبد البر في جامعه عن الحكم بن عتيبة ومجاهد (٢/ ٩٢٥)، برقم (١٧٦١)، (١٧٦٢)، وعزاه إلى مالك ابن عبد الهادي في إرشاد السالك (١/ ٢٢٧). (انظر: صفة الصلاة للألباني ص ٢٦).
(٣) ما أثر عن الإمام الشافعي ﵀: أ - قوله: "كل ما قلت وكان عن النبي - ﷺ - خلاف قولي مما يصح، فحديث النبي - ﷺ - أولى ولا تقلدوني". أخرجه ابن أبي حاتم في آداب الشافعي ومناقبه ص ٦٧ - ٦٨. وانظر: المجموع شرح المهذب للنووي ١/ ٦٣. ب - قوله: "أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله - ﷺ - لم يكن له أن يدعها لقول أحد". إيقاظ الهمم ص ٥٨ - ١٠٣، وانظر: مناقب الشافعي لابن أبي حاتم ص ٦٨ "الحاشية". جـ - قوله: "إذا صح الحديث فهو مذهبي" المجموع شرح المهذب ١/ ٦٣، وإيقاظ الهمم ص ١٠٧.=
[ ٢ / ٤٢١ ]
١٥٥٩ - كَلَّا وَمَا مِنْهُم أَحَاطَ بكلِّ مَا قَدْ قَالَهُ المبعُوثُ بالقُرْآنِ
١٥٦٠ - فَلِذاكَ أوْصَوكُم بأنْ لَا تَجْعَلُوا أَقْوالَهُم كالنَّصِّ في الميزَانِ
١٥٦١ - لَكِنْ زِنُوهَا بالنصُوصِ فإنْ تُوَا فِقْهَا فَتِلْكَ صَحِيحَةُ الأوْزَانِ
١٥٦٢ - لَكِنَّكُم قَدَّمْتُمُ أَقْوَالَهُم أَبَدًا عَلَى النَّصِّ العَظِيمِ الشَّانِ
١٥٦٣ - واللهِ لَا لِوَصِيَّةِ العُلَمَاءِ نَفَّـ ـذْتُم وَلَا لِوَصِيَّهِ الرَّحمنِ
١٥٦٤ - وَركِبتُمُ الجَهْلَينِ ثُمّ تَركتُمُ النَّـ ـصَّينِ مَعْ ظُلْمٍ وَمَعْ عُدْوَانِ
١٥٦٥ - قُلنَا لَكُم فتَعلَّمُوا قُلْتم أَمَا نَحْنُ الأئمةُ فَاضِلُو الأزْمَانِ
١٥٦٦ - مِنْ أَينَ والعُلَمَاءُ أنتُم فاسْتَحُوا أَينَ النُّجُومُ مِنَ الثَّرى التَّحْتَانِي
_________________
(١) =٤ - الإمام أحمد بن حنبل ﵀: وهو علم لأهل السنة في التمسك بالأثر وترك التقليد فرحمه الله رحمة واسعة ومن أقواله: أ - قوله: "لا تقلدوني، ولا تقلدوا مالكًا ولا الثوري ولا الأوزاعي، وخذوا من حيث أخذوا". إعلام الموقعين ٢/ ١٩٢، إيقاظ الهمم ص ١١٣. ب - وقوله: "رأي الأوزاعي ورأي مالك ورأي أبي حنيفة كله رأي وهو عندي سواء، إنما الحجة في الآثار". جامع بيان العلم لابن عبد البر ٢/ ١٠٨٢، برقم (٢١٠٧). جـ - وقال عبد الملك الميموني: "ما رأت عيني أفضل من أحمد بن حنبل وما رأيت أحدًا من المحدثين أشد تعظيمًا لحرمات الله ﷿ وسنة نبيه - ﷺ - إذا صحت عنده ولا أشد اتباعًا منه". المناقب لابن الجوزي ص ٢٤٣.
(٢) س: (ولا منهم).
(٣) يعني جهلهم بالحق الذي يجب اتباعه والإيمان به، وجهلكم أنكم تجهلونه، وهذا هو الجهل المركب.
(٤) كذا في الأصل، ب، ط، وفي غيرها: (السفلاني)، وأشير إليها في حاشية الأصل، كما أشير إلى ما في الأصل في حاشية ف، ظ.
[ ٢ / ٤٢٢ ]
١٥٦٧ - لم يُشْبِهِ العُلَمَاءَ إلَّا أَنْتُمُ أَشْبَهْتُمُ العُلَمَاء فِي الأذْقَانِ
١٥٦٨ - واللهِ لَا عِلْمٌ وَلَا دِينٌ وَلَا عَقْلٌ، ولَا بِمُرُوءَةِ الإنْسَانِ
١٥٦٩ - عَامَلْتُمُ العُلَمَاءَ حِينَ دَعَوْكُمُ لِلْحَقِّ بَلْ بالبَغْيِ والعُدْوَانِ
١٥٧٠ - إِنْ أنتُمُ إلا الذُّبَابُ إذَا رَأَى طُعْمًا فَيَا لِمَسَاقِطِ الذِّبّانِ
١٥٧١ - وإذَا رَأَى فَزَعًا تَطَايَرَ قَلْبُهُ مِثْلَ البُغَاثِ يُسَاقُ بالعِقْبَانِ
١٥٧٢ - وإذا دَعَوْنَاكُم إلَى البُرهَانِ كَا نَ جَوَابُكُم جَهْلًا بِلَا بُرهَانِ
١٥٧٣ - نَحْنُ المُقَلِّدَةُ الأُلى أَلْفَوْا كَذَا آباءَهُمْ فِي سَالِفِ الأزْمَانِ
١٥٧٤ - قُلنَا فكيفَ تُكَفِّرُونَ وما لكُمْ عِلْمٌ بِتَكْفِيرٍ وَلَا إيمَانِ
١٥٧٥ - إذ أَجمَعَ العُلَمَاءُ أَنَّ مُقَلِّدًا للنَّاسِ كالأَعْمَى هُمَا أَخَوَانِ
_________________
(١) يعني: ما أشبهتم العلماء إلا في اللحى.
(٢) "بالبغي" معطوف على "بمروءة الإنسان". أي: لم تعاملوا العلماء بالمروءة بل بالبغي، (ص).
(٣) الطعم، بالضم: الطعام. والذِّبَّان بالكسر: جمع ذبابة.
(٤) يعني إذا رأى شيئًا أفزعهُ وأخافهُ طار قلبه. بُغاث الطير: شرارها وما لا يصيد منها، وفي المثل: إن البغاث بأرضنا يستنسر. اللسان ٢/ ١١٨ - ١١٩. والعِقبان: جمع عُقاب، وصفهم الناظم في البيت السابق بأنهم أهل جشع ويسعون لحطام الدنيا، كالذباب إذا رأى الطعام تهافت عليه وسقط، وفي هذا البيت بأنهم جبناء مثل الرخم والبغاث الذي تطارده الطيور الجارحة وتسوقه لجبنه وضعفه.
(٥) كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠].
(٦) طه: (والأعمى). - يشير الناظم إلى ما نقله ابن عبد البر من الإجماع حول التقليد فيقول -﵀- في جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٨٩ - ٩٩٠): "ولم يختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها، وأنهم المرادون بقول الله -﷿-: =
[ ٢ / ٤٢٣ ]
الدليل الثامن عشر: تنزيه الله نفسه عن جميع موجبات النقصان والعيب والتمثيل والتشبيه وعدم تنزيهه إياها عن صفة العلو دليل على ثبوتها مع اشتهارها لله سبحانه
١٥٧٦ - والعِلمُ مَعْرِفَةُ الهُدَى بِدَلِيلِهِ مَا ذَاكَ والتَّقليدُ مُستَويَانِ
١٥٧٧ - حِرْنَا بِكُم والله لَا أَنْتُم مَعَ الـ ـعُلَمَاءِ تَنْقَادُونَ لِلبُرهَانِ
١٥٧٨ - كَلَّا وَلَا متعلِّمُونَ فَمَنْ تُرَى تُدْعَونَ؟ نَحْسِبُكُم مِنَ الثِّيرانِ
١٥٧٩ - لكنَّها واللهِ أنفَعُ مِنْكُمُ لِلأرْضِ في حَرْثٍ وفِي دَوَرانِ
١٥٨٠ - نَالَتْ بِهِم خَيرًا ونَالَتْ مِنْكُمُ الـ ـمَعْهُودَ مِنْ بَغيٍ وَمِنْ عُدْوَانِ
١٥٨١ - فَمَنِ الَّذِي خَيرٌ وأنْفَعُ لِلْوَرَى أَنْتُم أمِ الثِّيرانُ بالبُرْهَانِ
* * *
فصلٌ (^١)
١٥٨٢ - هَذَا وثَامِنَ عَشْرَهَا تَنْزيهُهُ سُبحَانَهُ عَنْ مُوجِبِ النُّقْصَانِ
_________________
(١) = ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، وأجمعوا على أن الأعمى لا بد له من تقليد غيره ممن يثق بِمَيْزه بالقبلة إذا أشكلت عليه، فكذلك من لا علم له ولا بصر بمعنى ما يدين به لا بد له من تقليد عالمه، وكذلك لم يختلف العلماء أن العامة لا يجوز لها الفتيا، وذلك -والله أعلم- لجهلها بالمعاني التي فيها يجوز التحليل والتحريم والقول في العلم. وانظر: إعلام الموقعين للناظم حول التقليد (٢/ ٩٩ وما بعدها).
(٢) حِرْنا: من الحيرة.
(٣) طع: (تدعوه)، تحريف. - والناظم هنا في هذا البيت يسأل المعطلة: إذا كنتم لستم من العلماء ولا متعلمين فمن تُرى تدعون (بالبناء للمجهول في الفعلين) فالظاهر الذي نظنه أنكم من الثيران.
(٤) بهم: بالثيرانِ. يعني: أن الأرض انتفعت بالثيران. أما أنتم فلم تجد منكم إلَّا البغي والعدوان، (ص).
(٥) خلاصة هذا الدليل: أن الله سبحانه قد نزه نفسه عن النقص والعيب والمثيل=
[ ٢ / ٤٢٤ ]
١٥٨٣ - وَعَنِ العُيُوبِ ومُوجِبِ التَّمْثِيلِ والتَّـ ـشبِيهِ جَلَّ الله ذُو السُّلْطَانِ
١٥٨٤ - وَلِذاكَ نَزَّه نَفْسَهُ سُبحَانَهُ عَنْ أنْ يكُونَ لَهُ شَريكٌ ثَانِ
١٥٨٥ - أَوْ أنْ يكونَ لَهُ ظَهِيرٌ فِي الوَرَى سُبحَانَهُ عَنْ إِفْكِ ذِي بُهْتَانِ
_________________
(١) = والشريك والظهير والزوجة والولد والنوم والسِنَة والغشيان والتعب، فبعضها قيلت فيه وبعضها لم يقل بها أحد. ومع هذا كلِّه صرّح ونصّ في كتابه وعلى لسان رسوله - ﷺ - بالتنزه عنها سبحانه. ومقالة العلو ظاهرة وقال بها الجمُّ الغفير في مشارق الأرض ومغاربها، ومع ذلك لم ينزه نفسه -سبحانه- عنها مع أنكم تقولون إنها تجسيم وتشبيه وأنها بمنزلة مقالة عبَّاد الصليب المثلثة، وبمنزلة مقالة عباد الأوثان، فكل هذا يدل على أنها ثابتة لله، كيف لا، وآيات القرآن وأحاديث الرسول - ﷺ - تبدي وتعيد في إثباتها. انظر: درء التعارض (٧/ ١٢٧ - ١٢٨).
(٢) سبق تفسير التمثيل والتشبيه في التعليق على مقدمة المؤلف. - في الأصل: "ذي السلطان" وهو خطأ. -كما قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. انظر كلام المفسرين عليها في تفسير الطبري (٢٥/ ١٢ - ١٣)، تفسير ابن كثير (٤/ ١٠٨).
(٣) والآية التي جمعت نفي الشريك والظهير عن الله هي قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢)﴾ [سبأ: ٢٢]. وللناظم تعليق نفيس في كتابه الصواعق (٢/ ٤٦١) حول هذه الآية، فيقول ﵀: "فتأمَّل كيف أخذت هذه الآية المشركين بمجامع الطرق التي دخلوا منها إلى الشرك وسدتها عليهم أحكم سدِّ وأبلغه، فإن العابد إنما يتعلق بالمعبود لما يرجو من نفعه، وإلا فلو لم يرج منه منفعة لم يتعلق قلبه به، وحينئذ فلا بد أن يكون المعبود مالكًا للأسباب التي ينفع بها عابده، أو شريكًا لمالكها أو ظهيرًا أو وزيرًا أو معاونًا له أو وجيهًا ذا حرمة وقدر يشفع عنده، فإذا انتفت هذه الأمور الأربعة من كل وجه وبطلت، انتفت أسباب الشرك وانقطعت موادُّه، فنفى سبحانه عن آلهتهم أن تملك مثقال ذرة في السماوات والأرض، فقد يقول المشرك: هي شريكة للمالك =
[ ٢ / ٤٢٥ ]
١٥٨٦ - أَوْ أنْ يُواليَ خَلْقَهُ سُبحَانَهُ مِنْ حَاجَةٍ أَوْ ذِلَّةٍ وَهَوَانِ
_________________
(١) = الحق فنفى شركتها له، فيقول المشركْ قد تكون ظهيرًا ووزيرًا ومعاونًا فقال: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ فلم يبق إلا الشفاعة فنفاها عن آلهتهم، وأخبر أنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه فهو الذي يأذن للشافع، فإن لم يأذن له لم يتقدم بالشفاعة بين يديه كما يكون في حق المخلوقين ". وانظر تقريره لنفس المعنى حول هذه الآية في مدارج السالكين (١/ ٣٧٢). والآيات في تنزيه الله عن الشريك كثيرة منها: - قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢]. انظر كلام الناظم حول هذه الآية في الصواعق (٢/ ٤٦٢). - قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]. - وقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٦٣]. انظر: فتح المجيد (١/ ٣٢١). والآيات في هذا كثيرة، وفيما ذكرنا كفاية.
(٢) يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١]، والمعنى: أنه سبحانه يوالي خلقه أي المؤمنين ويحبهم، ولكن موالاته سبحانه ليست كموالاة المخلوقين لحاجة والله غني عن الخلق أجمعين. يقول شيخ الإسلام في (منهاج السنة ٧/ ٣٠): "وأما الولاية المخالفة للعداوة فإنه يتولى عباده المؤمنين، فيحبهم ويحبونه، ويرضى عنهم ويرضون عنه، ومن عادَى له وليًا فقد بارزه بالمحاربة. وهذه الولاية من رحمته وإحسانه ليست كولاية المخلوق للمخلوق لحاجته إليه قال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١]، فالله تعالى ليس له ولي من الذل بل هو القائل: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠]، بخلاف الملوك وغيرهم ممن يتولاه لذاته إذا لم يكن له ولي ينصره". وانظر: منهاج السنة ٥/ ٣٥٢، تفسير الطبري (١٥/ ١٨٨ - ١٨٩)، تفسير ابن كثير (٣/ ٦٩).
[ ٢ / ٤٢٦ ]
١٥٨٧ - أَوْ أنْ يَكُونَ لَديْهِ أَصْلًا شَافِعٌ إلَّا بإِذْنِ الوَاحِدِ المنَّانِ
١٥٨٨ - وَكَذاكَ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ وَالِدٍ وكذَاكَ عَنْ وَلَدٍ هُمَا نَسَبَانِ
١٥٨٩ - وكَذَاكَ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ زَوْجَةٍ وَكَذَاكَ عَنْ كُفُوٍ يكُونُ مُدَاني
_________________
(١) يشير إلى ما جاء في بعض الآيات التي أشارت إلى نفي الشافع إلا بإذنه كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. - وقوله تعالى: ﴿ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [يونس: ٣]. - وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩]. - وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ﴾ [سبأ: ٢٣]. - وقوله: ﴿ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]. فالآيات الدالة دلَّت على نفي الشفيع عن الله إلا بإذنه وإذا رضي عنه، ولذلك الشفاعة نوعان: شفاعة مثبتة لأهل الإيمان والتوحيد الذين لم يشركوا بالله شيئًا وتكون بإذنه، وشفاعة منفية عن أهل الشرك الذين أشركوا مع الله كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ وهذا غير مرضي عنه. انظر في الشفاعة وأنواعها: مدارج السالكين (١/ ٣٦٩)، شرح الطحاوية (١/ ٢٨٢)، إغاثة اللهفان (١/ ٢٢٠)، فتح المجيد (١/ ٣٥٣ - ٣٦٢).
(٢) يشير الناظم إلى ما جاء في بعض الآيات التي نره فيها نفسه عن الولد والوالد والزوجة والكفو المداني. -كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص]. - وكذلك قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)﴾ [الأنعام: ١٠١]. - وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣)﴾ [الجن: ٣]. وانظر: الصواعق المرسلة (٢/ ٤٨١).
[ ٢ / ٤٢٧ ]
١٥٩٠ - ولَقَدْ أَتَى التَّنزِيهُ عَمَّا لَمْ يُقَلْ كَيْ لَا يَدُورَ بِخَاطِرِ الإنْسانِ
١٥٩١ - فانظُر إِلَى التَّنْزيهِ عَنْ طُعْمٍ وَلَم يَنْسُبْ إِلَيهِ قَطُّ مِنْ إِنسَانِ
١٥٩٢ - وَكَذلِكَ التَّنْزِيهُ عَنْ مَوْتٍ وعَنْ نَوْمٍ وَعَنْ سِنَةٍ وَعَنْ غَشَيَانِ
_________________
(١) طت، طه: (عما لم يقم) وهو تحريف. - طه: (لا يزور)، تحريف. - أي: والعلة في تنزيه الله نفسه عما لم يقله فيه أحد من البشر أن لا يدور بخاطر أحد مثل هذه الأشياء في حق الله سبحانه.
(٢) جاء هذا التنزيه في كتاب الله في غير ما آية، منها: قوله تعالى: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾ [الذاريات: ٥٧]. وقوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤]. وقال تعالى في معرض الرد على القائلين بألوهية المسيح وأمه -﵉-: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)﴾ [المائدة: ٧٥]. وانظر تعليق الناظم عليها في الصواعق (٢/ ٤٨٢). وكذلك ما ورد في الحديث الصحيح عن أبي هريرة -﵁- قال: دعا رجل من الأنصار النبي - ﷺ -، قال: فانطلقنا معه، فلما طعم، وغسل يده، قال: "الحمد لله الذي أطعَمَ ولا يُطْعَمُ، منّ علينا، فهدانا وأطعمنا وسقانا، وكل بلاءٍ حسن أبلانا، الحمد لله الذي أطعم من الطعام وسقى من الشراب وكسا من العُرْي، وهدى من الضلالة وبصَّر من العمى، وفَضَّل على كثير ممن خلق تفضيلًا، الحمد لله رب العالمين". الحديث أخرجه أبو نعيم في الحلية ٦/ ٢٤٢، والنسائي في عمل اليوم والليلة برقم (٣٠١) ص ٢٦٩ - ٢٧٠، والحاكم في المستدرك ١/ ٥٤٦ وصححه ووافقه الذهبي، وابن حبان في صحيحه كما في الإحسان ١٢/ ٢٣ برقم (٥٢١٩).
(٣) انظر ما سبق في البيتين (٥٣٨، ٥٣٩). والغشيان: الجماع. - وتنزيه الله نفسه عن الصاحبة والولد يتضمن التنزيه عن الجماع.
[ ٢ / ٤٢٨ ]
١٥٩٣ - وَكذَلِكَ التَّنْزِيهُ عَنْ نِسيَانِهِ والربُّ لم يُنْسَبْ إلَى نِسْيَانِ
١٥٩٤ - وكذَلِكَ التَّنْزِيهُ عَنْ ظُلْمٍ وَفِي الْـ أَفْعَالِ عَنْ عَبَثٍ وَعَنْ بُطْلَانِ
١٥٩٥ - وَكذلِكَ التَّنْزِيهُ عَنْ تَعَبٍ وَعَنْ عَجْزٍ يُنَافِي قُدْرَةَ الرحْمنِ
_________________
(١) كما قال تعالى: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ [طه: ٥٢]. وقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤].
(٢) كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٥]. وكما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)﴾ [يونس: ٤٤]. وكما قال سبحانه: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]. وكما قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢)﴾ [آل عمران: ١٨٢]. وجاء في الحديث القدسي عن أبي ذر -﵁- عن النبي - ﷺ - فيما روى عن الله ﵎ أنه قال: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا " الحديث أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب البر والصلة والآداب برقم (٢٥٧٧)، والإمام أحمد في المسند ٥/ ١٦٠. واللفظ لمسلم. - "عن عبث": كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ [ص: ٢٧]. وكما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨)﴾ [الدخان: ٣٨]. وكما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (١٦)﴾ [الأنبياء: ١٦]. وكما قال سبحانه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ [المؤمنون: ١١٥].
(٣) زاد في ب قبل "عن تعب": (وعن صخب)، وكتب فوق كلمة (تعب): "نسخة"! -كما قال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤)﴾ [فاطر: ٤٤]. =
[ ٢ / ٤٢٩ ]
١٥٩٦ - وَلقدْ حَكَى الرحْمنُ قَوْلًا قَالهُ فِنْحَاصُ ذُو البُهْتَانِ والكُفْرَانِ
١٥٩٧ - إنَّ الإلهَ هُو الفَقيرُ وَنَحنُ أَصْـ حَابُ الغِنَى ذُو الوُجْدِ والإمْكَانِ
_________________
(١) = وكما قال سبحانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ﴾ [التوبة: ٢]. وكما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾ [ق: ٣٨]. واللُّغوب: التعب والنصب. وكما قال سبحانه: ﴿ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. ومعنى لا يؤوده: لا يثقله ولا يكترثه حفظهما بل كل ذلك سهل عليه ويسير. انظر: المفردات ص ٩٧، تفسير البغوي ١/ ٣١٣، تفسير ابن كثير ١/ ٣١٠.
(٢) الوُجْدُ، مثلثةً: الغنى. واستعمل الناظم "ذو" -وهو مفرد- هنا للجمع، وقد سبق مثله. انظر التعليق على البيت (٩٥٩)، (ص). - يشير الناظم إلى ما جاء في سبب نزول قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢)﴾ [آل عمران: ١٨١، ١٨٢]. قال ابن عباس ﵄: "دخل أبو بكر بيت المدراس، فوجد من يهود ناسًا كثيرًا قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له "فنحاص" كان من علمائهم وأحبارهم، ومعه حبر يقال له: "أشيع"، فقال أبو بكر لفنحاص: "ويحك يا فنحاص اتق الله وأسلم، فو الله إنك لتعلم أن محمدًا - ﷺ - قد جاءكم بالحق من عند الله، تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة والإنجيل، قال فنحاص: والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من فقر، وإنه إلينا لفقير، وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا وإنا عنه لأغنياء، ولو كان عنا غنيًا ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الربا ويعطيناه، ولو كان غنيًا عنّا ما أعطانا الربا، فغضب أبو بكر، فضرب وجه فنحاص ضربةً شديدة، وقال: "والذي نفسي بيده، لولا العهد بيننا وبينك لضربت عنقك يا عدو الله فأكذبونا ما استطعتم إن كنتم صادقين" فذهب فنحاص إلى رسول الله - ﷺ - =
[ ٢ / ٤٣٠ ]
١٥٩٨ - وَلذاكَ أَضْحَى رَبُّنَا مُسْتَقْرِضًا أمْوَالَنَا سُبْحَانَ ذِي الإحسَانِ
١٥٩٩ - وحَكَى مَقَالَةَ قائلٍ مِنْ قَوْمِهِ أنَّ العُزَيْرَ ابْنٌ مِنَ الرَّحْمنِ
_________________
(١) = فقال: يا محمد انظر ما صنع بي صاحبك، فقال رسول الله - ﷺ - لأبي بكر: (ما حملك على ما صنعت؟" فقال: يا رسول الله إن عدو الله قال قولًا عظيمًا، زعم أن الله فقير، وأنهم عنه أغنياء، فلما قال ذلك غضبت لله مما قال فضربت وجهه، فجحد ذلك فنحاص وقال: ما قلت ذلك، فأنزل الله ﵎ فيما قال فنحاص ردًا عليه وتصديقًا لأبي بكر: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ﴾ ". القصة بهذا اللفظ أوردها الطبري في تفسيره (٤/ ١٩٤)، والسيوطي في الدر المنثور (٤/ ٣٩٦) وعزاها إلى ابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم في تفسيره وانظر سيرة ابن هشام (٢/ ٢٠٠).
(٢) كذا في ف، ظ، طع. وفي غيرها: "كذاك"، وهو تحريف، لأن هذه الجملة من كلام فنحاص. وعقب عليه الناظم بقوله: "سبحان ذي الإحسان"، (ص).
(٣) "العزير": اختلف في نبوته، والأكثر على أنه نبي وأنه هو الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه. وأما سبب قولهم إنه "ابن الله"، فذكر المفسرون أنه هو الذي جدَّد لهم التوراة بعدما انقرض العلماء ونسيها الناس، فكان من أعلم أهل زمانه وأحفظهم للتوراة فقالوا عنه: "إنه ابن الله". انظر: البداية والنهاية (٢/ ٤٠ - ٤٣)، العرائس للثعلبي ص ١٩١ - ١٩٢. قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠)﴾ [التوبة: ٣٠]. وأما قائل هذه المقولة القبيحة والشنيعة فاختلف في تعيينه على قولين: - القول الأول: أنه فنحاص بن عازوراء المذكور، وهو محكي عن عبد الله بن عبيد بن عمير. أخرجه الطبري في التفسير (١٠/ ١١٠)، وانظر البغوي في معالم التنزيل (٤/ ٣٦ - ٣٧)، والرازي في مفاتيح الغيب (٤/ ٤٢٢). - القول الثاني: أنه قول جماعة من اليهود أتوا النبي - ﷺ - وهم: سلّام بن =
[ ٢ / ٤٣١ ]
١٦٠٠ - هَذَا وَمَا القَوْلَانِ قَطُّ مقَالَةً مَنْصُورَةً فِي مَوْضِعٍ وَزَمَانِ
١٦٠١ - لَكِنْ مَقَالةُ كَونِهِ فَوْقَ الوَرَى والعَرشِ وَهْوَ مُبَايِنُ الأكْوَانِ
١٦٠٢ - قَدْ طَبَّقتْ شَرقَ البِلَاد وَغَرْبَهَا وَغَدَتْ مُقَرَّرَةً لدى الأَذْهَانِ
١٦٠٣ - فَلأَيَّ شَيءٍ لَم يُنَزهْ نَفْسَهُ سُبْحَانَهُ فِي مُحْكَمِ القُرْآنِ
١٦٠٤ - عَنْ ذِي المقَالَةِ مَعْ تَفَاقُمِ أمرِهَا وَظُهُورِها فِي سَائِر الأديَانِ
_________________
(١) = مشكم، ونعمان بن أوفى، وشماس بن قيس، ومالك بن الصيف، وحكى هذا القول عبد الله بن عباس. وأخرجه الطبري في التفسير (١٠/ ١١٠ - ١١١)، وانظر: البغوي (٤/ ٣٦)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٨/ ١١٧)، ومفاتيح الغيب للرازي (٤/ ٤٤٢). والراجح أن الأصل العموم في الخطاب في هذه الآية. قال القرطبي (٨/ ١١٦ - ١١٧): "هذا لفظ خرج على العموم ومعناه الخصوص، لأنه ليس كل اليهود قالوا ذلك، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾، ولم يقل ذلك كل الناس ". وانظر تقرير نفس هذا المعنى عند شيخ الإسلام في درء التعارض (٧/ ٨٨ - ٨٩).
(٢) والمعنى أن مقولتي اليهود (إن الله فقير، وعزير ابن الله) لم ينتصر لهما أحد، بل كما قال ابن النقاش في قول اليهود "عزير ابن الله": "لم يبق يهودي يقولها بل انقرضوا " الجامع لأحكام القرآن (٨/ ١١٧). وكما قال الرازي (٤/ ٤٢٢): "لعل هذا المذهب كان فاشيًا فيهم ثم انقطع فحكى الله عنهم ذلك ولا عبرة بإنكار اليهود ذلك فإن حكاية الله عنهم أصدق ".
(٣) كذا في ف، وهو الصواب هنا إن شاء الله. وفي غيرها: "لذي الأذهان" وقد كثر الخطأ في النسخ في كتابة "لدى" مع الأذهان. انظر ما سبق في البيتين (٥٨، ٨٣٢) وستأتي أمثلة أخرى، (ص).
(٤) تفاقم الأمر: عَظُمَ. القاموس ص ١٤٧٩. - قوله: "وظهورها في سائر الأديان" يشير إلى ما تقدم ذكره من إجماع الرسل والكتب السماوية على إثبات الفوقية له سبحانه (انظر الدليل الخامس عشر من أدلة العلو).
[ ٢ / ٤٣٢ ]
القول بالعلو عند المعطلة كعبادة الأوثان، والقول بالتثليث
١٦٠٥ - بَلْ دَائِمًا يُبْدِي لَنَا إثبَاتَهَا ويُعِيدُهُ بأدِلَّةِ التِّبيَانِ
١٦٠٦ - لَا سِيَّمَا تِلْكَ المقَالَةُ عِنْدكُم مَقْرُونَةٌ بِعبَادَةِ الأوْثَانِ
١٦٠٧ - أَوْ أنَّهَا كَمَقَالَةٍ لِمُثَلِّثٍ عَبدِ الصَّلِيبِ المشرِكِ النَّصْرَانِي
١٦٠٨ - إذ كَانَ جِسْمًا كلُّ موْصُوفٍ بِهَا ليسَ الإلةَ مُنَزِّلَ الفُرقَانِ
١٦٠٩ - فالعَابِدُونَ لِمَنْ عَلَى العَرشِ اسْتَوى بالذَّاتِ لَيسُوا عَابِدي الدَّيَّانِ
١٦١٠ - لَكِنَّهُم عُبَّادُ أوْثَانٍ لَدَى هَذَا المعَطِّلِ جَاحِدِ الرَّحْمنِ
١٦١١ - ولذَاكَ قَدْ جَعَلَ المعَطِّلُ كُفرَهُم هُوَ مُقْتَضَى المعْقُولِ والبُرْهَانِ
_________________
(١) في ب: "القرآن". قال ابن رشد في مناهج الأدلة (ص ١٧٦): "والشبهة التي قادت نفاة الجهة إلى نفيها أنهم اعتقدوا أن إثبات الجهة يوجب إثبات المكان، وإثبات المكان يوجب إثبات الجسمية ". انظر الصواعق (٤/ ١٣٢٤، ١٣٣٦). ومفاتيح الغيب للرازي (٧/ ٣٧٧).
(٢) يعني: أن مقالة العلو -عند المعطلة- كمقالة المشركين عبدة الأوثان أو كمقالة أهل التثليث من النصارى، لأنهم يقولون: نحن نثبت قديمًا واحدًا، ومثبتو الصفات يثبتون عدة قدماء، وقالوا: إن النصارى أثبتوا ثلاثة قدماء مع الله، فكيف بمن أثبت أكثر من ذلك؟ وهذه هي مقالة وحجة الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم على نفي الصفات. (انظر الصواعق ٣/ ٩٣٧، درء التعارض ٧/ ١٢٢). ويقول شيخ الإسلام: " .. والنصارى يشبهون الخالق بالمخلوق في صفات الكمال، واليهود تشبه الخالق بالمخلوق في صفات النقص، ولهذا أنكر القرآن على كل من الطائفتين، فلو كان ما في التوراة من إثبات الصفات من هذا الباب لأنكره الله، ولكان النبي - ﷺ - والصحابة من أعظم المنكرين لذلك أيضًا، فهذه الصفات التي قال بها النصارى واليهود تقتضي التجسيم والتشبيه والتجسيد والتكييف، والله منزه عن ذلك. وعامة نفاة الصفات يردون هذه الصفات بأنها تستلزم النجسيم؛ فلو كان هذا تجسيمًا يجب إنكاره لكان الرسول - ﷺ - إلى إنكار ذلك أسبق " بتصرف (درء التعارض ٧/ ٩٥).
(٣) ب، ظ، د، س: "وكذاك"، تحريف.
[ ٢ / ٤٣٣ ]
١٦١٢ - هَذَا رَأينَاهُ بكُتْبِكُمُ وَلم نَكْذِبْ عَلَيكُم فِعْلَ ذِي البُهْتَانِ
_________________
(١) طع: "بكتبهم". وهو خطأ. - وممن قرر هذه الشبهة الجهمية وتبعهم المعتزلة ثم الأشاعرة وهي أن إثبات الصفات يؤدي إلى تعدد الآلهة والقدماء، وأن إثبات الصفات والعلو ينافي الأحدية وكذلك يلزم منه التجسيم. فأما المعتزلة فيقول إمامهم ومؤسس مذهبهم واصل بن عطاء: "ومن أثبت معنى صفة قديمة فقد أثبت إلهين". الملل والنحل (١/ ٤٦). وانظر: الدرء (٧/ ١٢٢). وممن صرح من أئمتهم أبو الحسين الخياط حيث قال: "إنه لما فسد أن يكون القديم -جل ثناؤهُ- عالمًا بعلم محدث لما بيّنا، وفسد أيضًا أن يكون عالمًا بعلم قديم لفساد قدم الاثنين، صح وثبت أنه لم يزل عالمًا بالأمور، دقيقها وجليلها على ما هي عليه من حقائقها بنفسه لا بعلم سواه" الانتصار لأبي الحسين الخياط ص ١٧١. ويقول الرازي حاكيًا شبهة المعتزلة في نفي الصفات: "الشبهة السادسة: أن الله تعالى قد كفر النصارى في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]، فلا يخلو إما أنه تعالى كفرهم لأنهم أثبتوا ذواتًا ثلاثة قديمة قائمة بنفسها أو لأنهم أثبتوا ذاتًا موصوفة بصفات متباينة، والأول باطل لأن النصارى لا يثبتون ذواتًا ثلاثة قديمة قائمة بأنفسها، لما لم يقولوا بذلك استحال أن يكفرهم الله بسبب ذلك، ولما بطل القسم الأول ثبت القسم الثاني وهو أنه تعالى كفرهم لأنهم أثبتوا ذواتًا موصوفة بصفات متباينة، ولما كفر النصارى لأجل أنهم أثبتوا صفات ثلاثة فمن أثبت الذات مع الصفات الثمانية فقد أثبت تسعة أشياء وكان كفرهم أعظم من كفر النصارى بثلاث مرات". الأربعين في أصول الدين ١/ ٢٢٤. وأما الأشاعرة فقد قرر شبهتهم في نفي العلو الرازي في عدة مواضع: - يقول عند تفسير: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ (٨/ ٥٣٤): "وإذا ثبتت الأحدية وجب أن لا يكون متحيزًا لأن كل متحيز فإن يمينه مغايرة ليساره، وكل ما كان كذلك فهو منقسم، فالأحد يستحيل أن يكون متحيزًا، وإذا لم يكن متحيزًا لم يكن في شيء من الأحياز والجهات ويجب أن لا يكون=
[ ٢ / ٤٣٤ ]
شهادة المتكلمين بان طريقة القرآن والسنة أظهر من طريقتهم المعقدة
١٦١٣ - ولأيِّ شيءٍ لَم يُحَذِّرْ خَلْقَهُ عَنْهَا وَهَذَا شَأنْهَا بِبَيَانِ
١٦١٤ - هَذَا وَلَيْسَ فَسَادُهَا بِمُبَيَّنٍ حَتَّى يُحَالَ لَنَا عَلَى الأذْهَانِ
١٦١٥ - وَلِذَاكَ قَدْ شَهِدَتْ أَفَاضِلُكم لَهَا بظُهُورِهَا في الوَهْمِ لِلْإِنْسَانِ
١٦١٦ - وَخَفَاءِ مَا قَالُوهُ مِنْ نَفْيٍ عَلَى الـ أَذْهَانِ بَلْ يَحْتَاجُ للبُرهَانِ
* * *
_________________
(١) = حالًا في شيء ". وانظر أيضًا (٤/ ٢٢٦)، (٦/ ٤ - ٥). وانظر درء التعارض (٧/ ١١١)، الصواعق (١/ ١٩٠).
(٢) والناظم يخاطب نفاة العلو (القائلين بأن إثبات العلو مثل قول النصارى وعبدة الأوثان) لماذا لم يحذر خلقه من هذه المقولة التي هي بهذه الدرجة من الشناعة والقباحة.
(٣) أي ومما يدل على بطلان قولكم (أيها المعطلة): أن فساد مذهب القائلين بالعلو -على حد زعمكم- ليس بظاهر وواضح بحيث يفهم بالعقل والبديهة فيحال عليهما.
(٤) ب، ظ، د، س: و(كذاك)، تحريف. - يعني: رؤساءكم الذين تقتدون بهم في نفي العلو والصفات. - ط: (للوهم في الإنسان).
(٥) وقد شهد رؤوس المتكلمين بفساد طريقتهم ورجعوا عنها إلى طريقة أهل السنة. وقد صرح عدد منهم بأن طريقة القرآن والسنة أفضل من طريقتهم كأبي المعالي الجويني والغزالي والرازي. ونقتصر هنا على ذكر ما سطَّره إمام متأخري الأشعرية (الرازي) حيث يقول: "لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلًا ولا تروي غليلًا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ و﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ وأقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، و﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾، ومن جرَّب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي .. " أقسام اللذات ص ١٦٧. وانظر توبات أهل الكلام في: الصواعق (٢/ ٦٦٤ - ٦٦٩)، درء التعارض (١/ ١٥٨ - ١٦٦)، شرح الطحاوية (١/ ٢٤٣ - ٢٤٧).
[ ٢ / ٤٣٥ ]
الدليل التاسع عشر: مقالة تعطيل الرب عن العلو يلزمها ثلاث لوازم فاسدة
فصلٌ
١٦١٧ - هَذَا وتَاسِعَ عَشْرَهَا إلزَامُ ذِي التَّـ ـعْطِيلِ أفْسَدَ لَازمٍ بِبَيَانِ
١٦١٨ - وَفَسَادُ لَازِم قَوْلِهِ هُوَ مُقْتضٍ لِفَسادِ ذَاكَ القَوْلِ بالبُرهَانِ
١٦١٩ - فَسَلِ المُعطِّلَ عَنْ ثلَاثِ مَسَائِلٍ تَقْضي عَلَى التعْطِيلِ بالبُطْلانِ
١٦٢٠ - مَاذَا تقُول أكَانَ يَعْرفُ ربَّهُ هَذَا الرَّسُولُ حَقِيقَةَ العِرْفَانِ
١٦٢١ - أَمْ لَا؟ وَهَلْ كَانَتْ نَصِيحتُهُ لَنَا كُلَّ النصِيحَةِ لَيْسَ بالخَوَّانِ
_________________
(١) والجواب محذوف، حذفه للعلم به وهو: أن أعلم الخلق بربه هو الرسول - ﷺ -. ويدل لهذا: - ما جاء في الحديث الصحيح عن عائشة -﵂- قالت: صنع النبي - ﷺ - شيئًا فرخص فيه، فتنزه عنه قوم، فبلغ ذلك النبي - ﷺ - فخطب فحمد الله ثم قال: "ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه، فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية". أخرجه البخاري في كتاب الأدب - باب من لم يواجه الناس بالعتاب رقم (٦١٠١). - وكذلك ما روته عائشة -﵂- حيث قالت: "كان رسول الله - ﷺ - إذا أمرهم من الأعمال بما يطيقون قالوا: إنا لسنا كهيئتك يا رسول الله، إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فيغضب حتى يعرف الغضب في وجهه ثم يقول: "إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا". أخرجه البخاري في كتاب الإيمان - باب قول النبي - ﷺ -: "أنا أعلمكم بالله" برقم (٢٠). فاللازم الأول: هو أن قولكم بنفي العلو يلزم منه أن الرسول غير عارف بربه لأنه أثبتها له سبحانه.
(٢) والجواب محذوف، حذفه للعلم به، وهو أنه قد بلَّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة أكمل نصح وأبْيَنَه وأوضحه. ولهذا استشهد الصحابة في أعظم مجمع يوم الحج الأكبر في خطبة الوداع حينما قال: "وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله، وأنتم تسألون عني فما أنتم=
[ ٢ / ٤٣٦ ]
١٦٢٢ - أَمْ لَا؟ وَهَلْ حَازَ البلاغَةَ كلَّهَا فاللفْظُ والمعْنَى لَهُ طَوْعَانِ؟
_________________
(١) = قائلون؟ " قالوا: نشهد أنك قد بلّغتَ وأدّيتَ ونصحتَ فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: "اللهم اشهد .. ثلاث مرات". أخرجه بهذا اللفظ مسلم من حديث جابر في كتاب الحج برقم (١٢١٨). وأخرجه بمعناه: البخاري عن ابن عباس وابن عمر وأبي بكرة -﵃- في كتاب الحج - باب الخطبة أيام منى برقم (١٧٣٩)، (١٧٤١)، (١٧٤٢). فاللازم الثاني: أنه إذا أثبت النبي - ﷺ - العلو وأنتم قلتم إن إثبات العلو صفة نقص في حق الله فيلزم منه أنه لم ينصح لأمته وأنه غاشّ لهم حيث لم يبين لهم أن هذا غير لائق به سبحانه.
(٢) وهذا هو اللازم الثالث: وهو أنه - ﷺ - يقول كلامًا ظاهره إثبات العلو وهو في الحقيقة يريد نفيه، وهذا يدل على عدم بلاغته وعجزه عن إيضاح مقصوده وبيانه للناس. ولكنه - ﷺ - هو أفصح من نطق بالضاد. ويدل لذلك ما روته عائشة -﵂- قالت: "ما كان رسول الله - ﷺ - يسرد كسردكم هذا، ولكنه كان يتكلم بكلام بيِّنٍ فَصْلٍ، يحفظه من جلس إليه". الحديث أخرجه البخاري بلفظه من أوله في كتاب المناقب - باب صفة النبي - ﷺ - برقم (٣٥٦٨)، ومسلم (بنفس لفظ البخاري) في فضائل الصحابة برقم (٢٤٩٣). قولها: "فَصْل": أي بيِّن ظاهر يفصل بين الحق والباطل. انظر النهاية في غريب الحديث ٣/ ٤٥١. - وكذلك ما روته -﵂- بقولها: "إن النبي - ﷺكان يحدث حديثًا لو عدَّهُ العادُّ لأحصاه". أخرجه البخاري في المناقب - باب صفة النبي - ﷺ - برقم (٣٥٦٧). - وكذلك ما رواه أنس -﵁- عن النبي - ﷺ -: "إنه كان إذا تكلم بكلمةٍ أعادها ثلاثًا حتى تُفْهَم عنه". أخرجه البخاري في كتاب العلم- باب من أعاد الحديث ثلاثًا ليفهم عنه برقم (٩٥). فهذه الأحاديث تدل على أنه أفصح الناس وأبلغهم كلامًا وأوضحهم بيانًا - ﷺ -.
[ ٢ / ٤٣٧ ]
١٦٢٣ - فإذَا انْتهَتْ هَذِي الثلَاثَةُ فِيهِ كَا مِلَةً مبرَّأَةً مِنَ النُقْصَانِ
١٦٢٤ - فَلأَيِّ شَيءٍ عَاشَ فِينَا كَاتِمًا لِلنَّفْيِ والتَّعْطِيلِ في الأَزْمَانِ
١٦٢٥ - بَلْ مُفْصِحًا بالضِّدِّ مِنْهُ حَقِيقَةَ الْـ إفْصَاحِ مُوضَحَةً بكلِّ بَيَانِ
١٦٢٦ - ولأَيِّ شَيءٍ لَم يُصَرِّحْ بالَّذِي صَرَّحْتُمُ فِي رَبِّنَا الرَّحْمنِ
١٦٢٧ - أَلِعَجْزِهِ عَنْ ذَاكَ أَمْ تَقْصِيرِهِ فِي النُّصْحِ أمْ لِخَفَاءِ هَذَا الشَّانِ؟
١٦٢٨ - حَاشَاهُ بَلْ ذَا وَصْفُكُم يَا أمَّة التَّـ ـعْطِيلِ لَا المبْعُوثِ بالقُرْآنِ
١٦٢٩ - ولأيِّ شَيءٍ كَانَ يَذْكُر ضِدَّ ذا فِي كُلِّ مُجْتَمَع وكُلِّ زَمَانِ
١٦٣٠ - أَتَراهُ أصبحَ عَاجِزًا عَنْ قَوْلِهِ "اسْـ ـتَوْلَى"وَينزِلُ "أمْرُه" وَ"فُلَانِ"
_________________
(١) يعني بـ"الثلاثة": الصفات السابقة، ولشيخ الإسلام كلام يقرر نفس هذا المعنى فيقول: "ومعلوم للمؤمنين أن رسول الله - ﷺ - أعلم من غيره بذلك، وأنصح من غيره للأمَّة، وأفصح من غيره عبارة وبيانًا، بل هو أعلم الخلق بذلك وأنصح الخلق للأمة، وأفصحهم، فقد اجتمع في حَقِّه كمال العلم والقدرة والإرادة " ا. هـ. (الحموية ضمن مجموع الفتاوى ٥/ ٣٠). وانظر الصواعق المرسلة (١/ ٣٢٤) فقد نص الناظم على نفس هذه اللوازم.
(٢) ح: (للأزمان).
(٣) أعاد الناظم هنا وفصل اللوازم السابقة.
(٤) يشير الناظم إلى تأويلات أهل الباطل المعطلة لنصوص الصفات فمن ذلك: قولهم أن "استوى" بمعنى: "استولى" وفي هذا يقول الرازي في تفسيره (٦/ ٥): "وإذا كان لا معنى للاستواء في اللغة إلَّا الاستقرار والاستيلاء، وقد تعذر حمله على الاستقرار فوجب حمله على الاستيلاء والإلزام تعطيل اللفظ وأنه غير جائز ". - قولهم: إن تأويل قوله "ينزل ربنا" يعني: "ينزل أمر ربنا" أو "ينزل الملك". فقد نسبه الحافظ في الفتح (٣/ ٣٧) إلى جمهور المتكلمين، وفي هذا يقول الجويني: " والوجه حمل النزول وإن كان مضافًا إلى الله تعالى على =
[ ٢ / ٤٣٨ ]
١٦٣١ - وَيَقُولُ: "أَيْنَ اللَّهُ؟ " يَعْنِي "مَنْ" بِلَفْـ ـظِ "الأَيْنِ" هَلْ هَذَا مِنَ التِّبْيَانِ؟
١٦٣٢ - واللهِ مَا قَالَ الأئِمَّةُ كلَّ مَا قَدْ قَالَهُ مِنْ غَيْرِ مَا كِتْمَانِ
١٦٣٣ - لكنْ لأنَّ عُقُولَ أهْلِ زَمَانِهِم ضَاقَتْ بِحَمْل دَقَائِقِ الإِيْمَانِ
١٦٣٤ - وَغَدَتْ بَصائِرُهُم كَخُفَّاشٍ أَتَى ضَوْءُ النَّهَارِ فكَفَّ عَنْ طَيَرَانِ
١٦٣٥ - حَتَّى إِذَا مَا اللَّيْلُ جَاءَ ظَلَامُهُ أَبْصَرتَهُ يَسْعَى بِكلِّ مَكَانِ
١٦٣٦ - وَكَذا عُقُولُكُمُ لَوِ اسْتَشْعَرتُمُ يَا قَوْمُ كالحَشَراتِ والفِئْرَانِ
١٦٣٧ - أَنِسَتْ بإيحَاشِ الظَّلَامِ وَمَا لَهَا بِمَطَالِعِ الأنْوَارِ قَطُّ يَدَانِ
١٦٣٨ - لَوْ كَانَ حَقًا مَا يَقُولُ معَطِّلٌ لِعُلُوِّهِ وَصِفَاتِهِ الرَّحْمنِ
١٦٣٩ - لَزِمَتْكُمُ شُنَعٌ ثَلاثٌ فَارْتَؤُوا أَوْ خَلَّةٌ مِنْهُنَّ أَوْ ثِنْتَانِ
_________________
(١) = نزول ملائكته المقربين، وذلك سائغ غير بعيد (إلى أن قال): ومما يتجه في تأويل الحديث أن يحمل النزول على إسباغ نعمائه على عباده مع تماديهم في العدوان وإصرارهم على العصيان " الإرشاد ص ١٥١.
(٢) هذا البيت ساقط من (طه). وقد تقدم الكلام في (الدليل الرابع عشر من أدلة العلو) على تأويل المعطلة لحديث الجارية.
(٣) ضبط "كل" في ف بالضم، وفي طه: "غير ما"، وفي س: "كلها" (ص). ومعنى البيت أن الأئمة لم يقولوا كل ما قاله النبي - ﷺ -، أي لم يبلغوا درجته في البيان ولا كانوا أجرأ منه في ذلك. ولم يكن ذلك كتمانًا منهم، بل عملًا بحديث: "حدّثوا الناس بما يعرفون "، لأنهم رأوا أن أهل زمانهم لا يحتملون كثيرًا مما صرّحت به الأحاديث كحديث الصورة ونحوه. وانظر ما يأتي في البيت ١٦٨٠. (سعود العريفي).
(٤) الخُفَّاش: الوطواط.
(٥) إيحاش: من الوحشة، وأوحش المنزل: ذهب عنه الناس، وقال بعضهم: إذا أقبل الليل استأنس كل وحش واستوحش كل إنس. اللسان ٦/ ٣٦٨.
(٦) شُنَع: جمع شُنْعَة، من الشناعة، وهي الفظاعة. الصحاح ص ١٢٣٩. - "فارتؤوا" أي: فانظروا وتفكّروا، (ص).
[ ٢ / ٤٣٩ ]
١٦٤٠ - تَقْدِيمُهُم فِي العِلْمِ أَوْ فِي نُصْحِهِم أَوْ فِى البَيَانِ أَذَاكَ ذُو إمْكَانِ؟
١٦٤١ - إنْ كَانَ مَا قَدْ قُلتُمُ حَقًّا فَقَدْ ضَلَّ الوَرَى بالوَحْي والقُرْآنِ
١٦٤٢ - إذْ فِيهمَا ضِدُّ الَّذِي قُلْتُم وَمَا ضِدَّانِ فِي المعْقُولِ يَجْتَمِعَانِ
١٦٤٣ - بَلْ كَانَ أَوْلَى أنْ يُعَطَلَ مِنْهُمَا ويُحَالَ فِي علْمٍ وفِي عرفَانِ
١٦٤٤ - إمَّا عَلَى "جَهْمٍ" وَ"جَعْدٍ" أوْ عَلَى "النّـ ـظَّامِ" أَوْ ذِي المذهَبِ اليُونَانِي
١٦٤٥ - وكَذَاكَ أَتْبَاعٌ لَهُم فَقْعُ الفَلَا صُمٌّ وبكْمٌ تَابعو العُمْيَانِ
_________________
(١) كذا في الأصل وف، ح، طه، طع، وفي غيرها: "إذ ذاك"، تحريف.
(٢) ف: "إذ"، تحريف.
(٣) ف: "قد قلتم". وفي حاشية الأصل أيضًا كتب "قد" ثم "صح"، وهو خطأ بلا شك، (ص).
(٤) تقدمت ترجمة جهم تحت البيت رقم (٤٠) وترجمة جعد تحت البيت رقم (٥٠). النظّام: هو أبو إسحاق إبراهيم بن سيار بن هانئ مولى آل الحارث بن عباد الضبعي، البصري، المتكلم شيخ المعتزلة، صاحب التصانيف، وهو شيخ الجاحظ، وكان شاعرًا أديبًا، وكان يقول: "إن الله لا يقدر على الظلم ولا على الشر، وأن الله لا يقدر على إخراج أحد من جهنم" قال الذهبي - معلقًا-: "قلت القرآن والعقل الصحيح يكذبان هؤلاء ويزجرانهم عن القول بلا علم، ولم يكن النظام ممن نفعه العلم والفهم، وقد كفَّره جماعة"، وروي أنه سقط من غرفة وهو سكران فمات في خلافة المعتصم أو الواثق سنة بضع وعشرين ومائتين. السير ١٠/ ٥٤١ - ٥٤٢، الفهرست لابن النديم ص ٢٠٥ - ٢٠٦. - "ذي المذهب اليوناني": هو عند الشيخ هراس: ابن سينا. انظر شرحه ١/ ٢٦٥ ولكن الناظم سيذكره من أفراخ القرامطة، فلعل المقصود هنا الفارابي أو الفلاسفة بالعموم، (ص).
(٥) الفلا: جمع الفلاة، وهي الصحراء. والفَقعُ: البيضاء الرخوة من الكمأة، يشبه به الرجل الذليل فيقال: "هو فقع قرقر" لأن الدواب=
[ ٢ / ٤٤٠ ]
١٦٤٦ - وَكَذاكَ أَفْرَاخُ القَرامِطَةِ الألُى قَدْ جَاهَرُوا بِعَداوَةِ الرَّحْمنِ
١٦٤٧ - كالحَاكِمِيَّةِ والأُلى وَالَوهُمُ كَأبِي سَعِيدٍ ثمَّ آلِ سِنَانِ
١٦٤٨ - وَكَذا ابنُ سِينَا والنَّصيرُ نَصِيرُ أَهْـ ـلِ الشِّرْكِ والتّكذِيبِ والكُفْرانِ
_________________
(١) = تنجُله بأرجلها أو لأنه لا يمتنع على من اجتناه، أو لأنه لا أصول له ولا أغصان. انظر: الصحاح ص ١٢٥٩، مجمع الأمثال للميداني (٢/ ١٨). والناظم هنا شبه أتباع المعطلة بالفقع الذي لا يمتنع على من اجتناه ولا أصول له ولا أغصان وكذلك هؤلاء.
(٢) سبق ذكر القرامطة في البيت (٧٨٦).
(٣) الحاكمية: من فرق الباطنية الإسماعيلية العبيدية، ويطلق عليهم الدروز، نسبة إلى مؤسسها محمد بن إسماعيل ويقال له: "درزي"، ويقال لهم "الحاكمية" لأنهم يعتقدون بألوهية الحاكم بأمر الله العبيدي، ومن اعتقاداتهم: أنهم جحدوا كل ما أخبر الله به من يوم القيامة والثواب والعقاب، وقالوا بالتناسخ، وهم ينتشرون الآن في جبل حوران المعروف بـ"جبل الدروز" في سوريا، وفي لبنان وفلسطين. انظر: فرق معاصرة تنسب للإسلام ١/ ٣٦٥، لغالب علي عواجي، عقيدة الدروز لمحمد الخطيب. - أبو سعيد: هو الحسن بن بهرام، أبو سعيد الجنابي القرمطي، رأس القرامطة -قبحهُ الله- في بلاد البحرين، وكان على اعتقاد خبيث تاركًا للصلاة والزكاة، وكان ينكر على من يذكر الله ويسبّحهُ، مات مقتولًا على يد أحد خدمه سنة ٣٠١ هـ. البداية والنهاية ١١/ ١٢٨ - ١٣٠، توضيح المقاصد ١/ ٥٠٨. - آل سنان سبق ذكرهم في البيت (٤٩٠). - في هامش الأصل: (الحاكمية).
(٤) ابن سينا: تقدمت ترجمته تحت البيت (٩٤). النصير: تقدمت ترجمته تحت البيت (٤٨٧).
[ ٢ / ٤٤١ ]
١٦٤٩ - وَكذاكَ أَفراخُ المجُوسِ وشِبهِهِمْ والصَّابِئِينَ وكلُّ ذِي بُهْتَانِ
١٦٥٠ - إخْوانُ إِبلِيسَ اللعِينِ وجُنْدُه لَا مرحبًا بعَسَاكِرِ الشَّيْطَانِ
١٦٥١ - أَفَمَنْ حَوَالَتُهُ عَلَى التَّنْزِيلِ والـ ـوَحْي المبِينِ ومُحْكَمِ القُرْآنِ
١٦٥٢ - كمُحَيَّرٍ أضحَتْ حَوَالَتُهُ عَلَى أَمثَالِهِ أمْ كَيْفَ يَسْتَويَانِ
١٦٥٣ - أمْ كَيفَ يشْعُرُ تَائِهْ بمُصَابِهِ والقَلْبُ قَدْ جُعِلَتْ لَهُ قُفْلَانِ
١٦٥٤ - قُفْلٌ مِنَ الجَهْلِ المركَّبِ فَوْقَهُ قُفْلُ التَّعَصُّبِ كَيْفَ يَنْفَتِحَانِ
_________________
(١) المجوس: هم الذين يعبدون النار، ويسجدون للشمس إذا طلعت، وينكرون نبوة آدم ونوح، وقالوا: إن الله لم يرسل إلا رسولًا واحدًا ولا ندري من هو، ويقولون بإثبات أصلين: النور والظلمة، ويستحلّون المحارم. الملل والنحل ١/ ٢٣٠، البرهان للسكسكي ص ٩٠، اعتقادات فرق المشركين للرازي ص ١٢٠. - الصابئون: هم الذين بعث فيهم إبراهيم الخليل ﵇ وكانوا يسكنون حران، وكانوا يعظمون الكواكب السبعة ويقولون إنها مدبرة هذا العالم، وهذا هو أرجح الأقوال فيهم كما رجحه ابن كثير والرازي. وبعضهم يقول بأنهم قسمان: مشركون وهم عبدة الكواكب والنجوم، وحنفاء: وهم الذين جاء ذكرهم في القرآن وهم قوم إبراهيم أهل دعوته. الملل والنحل ٢/ ٥، اعتقادات فرق المشركين ص ١٢٥، البرهان ص ٩٢، إغاثة اللهفان ٢/ ٢٤٩، تفسير ابن كثير ١/ ١٠٤. - لم يضبط "كل" في النسخ، ويجوز ضمّه عطفًا على (أفراخ) وجزه عطفًا على (الصابئين)، (ص).
(٢) س: "وحزبه".
(٣) كذا في الأصل، س، ط، وفي غيرها: "الفرقان".
(٤) "القفل" مذكر، ولكن أنث الفعل "جعلت" للضرورة. انظر ما سبق في البيت (٢٢٨)، (ص).
(٥) الجهل: هو اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه، وهو نوعان: الجهل البسيط، وهو عدم العلم بالشيء أصلًا. والجهل المركب، وهو عبارة عن =
[ ٢ / ٤٤٢ ]
الدليل العشرون: نصوص أدلة العلو المتنوعة من القرآن
١٦٥٥ - وَمَفَاتحُ الأقْفَالِ فِي يَدِ مَنْ لَهُ التَّـ ـصْريفُ سُبْحَانَ العَظِيمِ الشَّانِ
١٦٥ - فاسْألهُ فَتْحَ القُفْلِ مجْتَهِدًا عَلَى الْـ أسْنَانِ إنَّ الفَتْحَ بالأسْنَانِ
* * *
فصلٌ
١٦٥٧ - هَذَا وخَاتَمُ هذِهِ العِشْرِينَ وَجْـ ـهًا وَهْوَ أَقْرَبُهَا إلَى الأذْهَانِ
١٦٥٨ - سَرْدُ النُّصُوصِ فإنَّهَا قَدْ نَوَّعَتْ طُرُقَ الأدِلَّةِ فِي أتَمِّ بَيَانِ
١٦٥٩ - والنَّظْمُ يَمنَعُنِي مِنَ اسْتِيفَائِهَا وَسِيَاقَةِ الألْفَاظِ بالميزَانِ
١٦٦٠ - فَأُشِيرُ بَعْضَ إِشَارَةٍ لموَاضع مِنْهَا وَأَيْنَ البَحْرُ مِنْ خُلْجَانِ
١٦٦١ - فاذكُرْ نُصُوصَ الاسْتِواءِ فإنَّها فِي سَبْعِ آياتٍ مِنَ القُرْآنِ
١٦٦٢ - واذكُرْ نُصُوصَ الفَوقِ أَيضًا فِي ثَلَا ثٍ قَدْ غَدَتْ مَعْلومَةَ التِّبيَانِ
١٦٦٣ - واذكُرْ نُصُوصَ عُلُوِّهِ فِي خَمْسَةٍ مَعْلُومةٍ بَرِئَتْ مِنَ النُقْصَانِ
_________________
(١) = اعتقاد جازم غير مطابق، أو هو تصور الشيء على خلاف ما هو به. وسمي هذا الجهل جهلًا مركبًا لأنّ فيه جهلين: جهلًا بالمدرَك، وجهلًا بأنه جاهل. انظر: التعريفات للجرجاني ص ١٠٨، التوقيف على مُهِمَّات التعاريف ص ٢٦٠، الأنجم الزاهرات للمارديني ص ٩٩.
(٢) الخلجان: جمع خليج.
(٣) تقدم ذكر هذه المواضع تحت البيت رقم (١١١٥).
(٤) تقدم ذكر هذه المواضع عند البيت رقم (١١٤٠).
(٥) والصواب أنها أكثر وقد ذكرنا خمسة مواضع تحت البيتين (١١٢٤) و(١١٢٥)، والمواضع الباقية هي: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠)﴾ [لقمان: ٣٠]. وقوله: ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣].=
[ ٢ / ٤٤٣ ]
١٦٦٤ - واذكُرْ نُصُوصًا في الكِتَابِ تَضَمَّنَتْ تَنْزِيلَهُ مِنْ رَبّنَا الرَّحْمنِ
١٦٦٥ - فتضَمَّنتْ أصْلَيْنِ قَامَ عَلَيهِمَا الْـ إسْلَامُ والإيمَانُ كالبُنْيَانِ
١٦٦٦ - كَوْنَ الكِتَابِ كَلَامَهُ سُبْحَانَهُ وَعُلُوَّهُ مِنْ فَوْقِ كُلِّ مَكَانِ
١٦٦٧ - وعِدَادُهَا سَبْعُونَ حِينَ تُعَدُّ أَوْ زَادَتْ عَلَى السَّبْعِينَ فِي الحُسْبَانِ
١٦٦٨ - واذكُرْ نُصُوصًا ضُمِّنَتْ رَفْعًا ومِعْـ ـرَاجًا وإصْعَادًا إلَى الدَّيَّانِ
١٦٦٩ - هِيَ خَمْسَة مَعْلُومَةٌ بالعَدِّ والْـ ـحُسْبَانِ فاطْلُبْهَا مِنَ القُرْآنِ
١٦٧٠ - وَلَقَدْ أَتَى فِي سُورَةِ المُلْكِ الَّتِي تُنْجِي لِقَارِئهَا مِنَ النِّيرَانِ
_________________
(١) = وقوله: ﴿وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢]. وقوله: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١].
(٢) تقدمت الإشارة إلى هذا الدليل في البيت رقم (١٢٠٥).
(٣) من نصوص الرفع: قوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨)﴾ [النساء: ١٥٨]. وقوله: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]. - ومن نصوص المعراج: قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥]. - ومن نصوص الإصعاد إلى الله: قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]. - وهذه خمسة مواضع كما ذكر الناظم. وانظر ما سبق في الأبيات: (٣٥٩، ٣٦٣، ١١٦١، ١١٨٩).
(٤) يشير الناظم إلى ما ورد في فضل سورة الملك وأنها تنجي قارئها من عذاب القبر فقد ورد عن عبد الله بن عباس -﵄- قال: "ضرب بعض أصحاب النبي - ﷺ - خباءهُ على قبر وهو لا يحسب أنه قبر، =
[ ٢ / ٤٤٤ ]
١٦٧١ - نَصَّانِ: أَنَّ اللَّهَ فَوْقَ سَمَائِهِ عِنْدَ المُحرِّفِ مَا هُمَا نَصَّانِ
١٦٧٢ - ولقَدْ أتَى التَّخْصِيصُ بالْعِنْدِ الَّذِي قُلنَا بِسَبْعٍ بَلْ أَتَى بِثَمَانِ
_________________
(١) = فإذا فيه إنسان يقرأ سورة تبارك الذي بيده الملك حتى ختمها، فأتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله - ﷺ - إني ضربت خبائي على قبر وأنا لا أحسب أنه قبر فإذا فيه إنسان يقرأ سورة تبارك الملك حتى ختمها فقال رسول الله - ﷺ -: "هي المانعة هي المنجية تنجيه من عذاب القبر". الحديث أخرجه: الترمذي في كتاب فضائل القرآن - باب فضل سورة تبارك برقم (٢٨٩٠) وقال. "حسن غريب من هذا الوجه". وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٨١) وقال: "غريب من حديث أبي الجوزاء لم نكتبه مرفوعًا مجودًا إلا من حديث يحيى بن عمرو عن أبيه". والطبراني في الكبير (١٢/ ١٧٤). وابن عدي في الكامل (٧/ ٢٥٠). والبيهقي في إثبات عذاب القبر برقم (١٥٠) ص ٩٩، وفي دلائل النبوة (٧/ ٤١)، وقال: "تفرد به يحيى بن عمرو النكري، وهو ضعيف إلا أن لمعناه شاهدًا عن عبد الله بن مسعود" (وسيأتي). - وأورده السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٢٣١) وعزاه إلى ابن مردويه وابن نصر. وأما الشاهد الذي أشار إليه البيهقي فهو عن عبد الله بن مسعود -﵁- وجاء فيه: "كنا نسميها في عهد رسول الله - ﷺ - المانعة" وله ألفاظ أخرى. وأخرجه: عبد الرزاق في المصنف ٣/ ٣٧٩، والطبراني ٩/ ١٤٠، والحاكم في المستدرك (٤٩٨/ ٢)، وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي في إثبات عذاب القبر برقم (١٤٩) ص ٩٩، والنسائي في عمل اليوم والليلة برقم (٧١١) ص ٤٣٣ - ٤٣٤، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين ٤/ ١٠ برقم (٥٢٦)، وأورده السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٢٣١) وعزاه إلى ابن مردويه وجوَّد إسناده.
(٢) تقدمت الإشارة إلى الموضعين عند البيت رقم (١٢٢٧)، وانظر تأويل الرازي وتحريفه للنصين في تفسيره (٨/ ١٧٩).
(٣) وقد تقدمت الإشارة إلى هذا الدليل عند البيت رقم (١٢٤٠) والمواضع=
[ ٢ / ٤٤٥ ]
١٦٧٣ - مِنْهَا صَريحٌ مَوْضعَانِ بِسُورَة الْـ أَعْرَافِ ثم الأنِبيَاءِ الثَّانِي
١٦٧٤ - فَتَدَبَّرِ النَّصينِ وانظُرْ مَا الَّذِي لِسواهُ ليْسَتْ تقتَضي النَّصَّانِ
١٦٧٥ - وبِسُورة التحْرِيمِ أيْضًا ثَالثٌ بَادِي الظُّهورِ لِمَنْ لَهُ أُذنَانِ
١٦٧٦ - وَلَدَيْهِ في مُزَّمِّلٍ قَدْ بيَّنَتْ نفْسَ المرَادِ وقيَّدَتْ ببيانِ
_________________
(١) = الثمانية سوف يشير الناظم إلى أربعة منها وأما الأربعة الأخرى فلعلها ما يلي:
(٢) قوله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ﴾ [البقرة: ١١٠].
(٣) وقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤، ٥٥].
(٤) وقوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران: ١٦٩].
(٥) وقوله: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨)﴾ [فصلت: ٣٨].
(٦) وهما قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)﴾ [الأعراف: ٢٠٦]. وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩)﴾ [الأنبياء: ١٩].
(٧) طت، طه: (فتدبر التعيين)، وهو تحريف. - أنث الفعل للنص -وهو مذكر- للضرورة. انظر ما سبق فى البيت (٢٢٨). وسيأتي تأنيث النص مرة أخرى في البيتين: (٤٤٤٦، ٤٥٦١)، (ص).
(٨) وهو قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١)﴾ [التحريم: ١١].
(٩) وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [المزمل: ٢٠].=
[ ٢ / ٤٤٦ ]
١٦٧٧ - لا تنْقُضُ الباقي فما لمُعَطِّلٍ من راحةٍ فيها ولا تِبيْانِ
١٦٧٨ - وبسُورَةِ الشُّورَى وَفِي مُزَّمِّلٍ سِرٌّ عَظِيمٌ شَأْنْهُ ذُو شَانِ
١٦٧٩ - فِي ذِكْرِ تَفْطِيرِ السَّمَاءِ فمَنْ يُرِدْ عِلْمًا بِهِ فَهُوَ القَريبُ الدَّانِي
١٦٨٠ - لَم يَسْمَحِ المتَأخِّرونَ بنَقْلِهِ جُبْنًا وَضَعْفًا عَنْهُ فِي الإيْمَانِ
_________________
(١) = - ضبط الفعلان (بينت، قيدت) في (ف) بالبناء للمجهول، ولا يصح ذلك في الأول، (ص).
(٢) في د، طع: "تنقص"، وقيده الشارح بالصاد المهملة، وقال في تفسيره: "لا تنقصِ المواضع السبعة التي ذكرها الناظم، لأنه لم يذكر إلاّ بعضها" (١/ ٥١٣). لكن في الأصل و(ف) وغيرهما بالضاد المعجمة، إلا أن حرف المضارع لم ينقط فيهما ولا في ظ. وفي غيرها نقط بالتاء، يعني أن آية المزمل التي قيّدت المراد ببيان لا تنقض المواضع الأخرى، فلا راحة فيها لمعطّل، (ص). - ف: (ولا لمعطل).
(٣) يشير إلى قوله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥)﴾ [الشورى: ٥]. وقوله تعالى في سورة المزمل: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (١٧) السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (١٨)﴾ [المزمل: ١٧، ١٨].
(٤) الظاهر أن الناظم يقصد بالمتأخرين بعض المنتسبين للسنّة ممن جبن عن إيراد مثل هذه المرويات تجنبًا لاتهام المتكلمين له بالتجسيم والتشبيه. أما الرازي الذي قال عند تفسير قوله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ ﴾: " روى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: (تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن قال والمعنى أنها تكاد يتفطرن من ثقل الله عليها)، واعلم أن هذا القول سخيف ويجب القطع ببراءة ابن عباس عنه .. ". مفاتيح الغيب ٧/ ٣٧٢. وأمثاله ممن كان على غير طريقة السلف فلا يسمحون بنقل الآحاد في العقائد عمومًا. وقد ذكر الشيخ الهراس في شرحه لهذه الأبيات أن المتأخرين من المفسرين =
[ ٢ / ٤٤٧ ]
الدليل الحادي والعشرون: إتيان الرب ومجيئه لفصل القضاء
١٦٨١ - بَلْ قَالَهُ المتقدِّمُونَ فَوَارِسُ الْـ إسْلَامِ هُمْ أُمَراءُ هَذَا الشَّانِ
١٦٨٢ - وَمحمَّدُ بنُ جَرِيرٍ الطبرِيُّ في تَفْسِيرِهِ حُكِيتْ بِهِ القَوْلَانِ
* * *
فصلٌ
١٦٨٣ - هَذَا وَحَادِيهَا وَعِشرونَ الَّذِي قدْ جَاءَ فِي الأخْبَارِ والقُرْآنِ
١٦٨٤ - إتيانُ رَبِّ العرْشِ ﷻ ومَجِيئُهُ لِلفَصْلِ بالمِيزَانِ
_________________
(١) = مثل ابن كثير وغيره جبنوا عن إيراد هذا القول الثاني. (١/ ٢٧٢) لعلّ ذكر ابن كثير في شرح هذا البيت للتمثيل، لا أنّه هو المقصود هنا، فإنه تلميذ ابن القيم ولم يطلع ابن القيم على تفسيره حتى يقصده بهذا القول.
(٢) فسر الطبري قوله تعالى في سورة الشورى بأن السماوات تنفطر من ثقل الله ﷿ وعظمته وجلاله. وأسنده إلى ابن عباس وكعب والسدي وقتادة وغيرهم. انظر جامع البيان ٢٥/ ٧. أما قوله تعالى في سورة المزمل ففسره بأن السماء مثقلة بذلك اليوم متصدعة. وأورد في تأييده قول ابن عباس: "يعني تشقق السماء حين ينزل الرحمن جلّ وعزّ" وقول مجاهد: "منفطر به: مثقلة به" انظر: جامع البيان ٢٩/ ١٣٨. فالظاهر أن الباء في "به" عند الطبري للظرفية، والضمير راجع إلى اليوم وسبب الانفطار تفسره آية الشورى. ولم يشر الطبري إلى اختلاف في تأويل الآية. وانظر تفسير سورة المزمل في تفسير ابن كثير، (ص).
(٣) كذا في ف، طه. وفي الأصل وغيره: "وعشرين".
(٤) : "والميزان". ويشير الناظم إلى قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢]. وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]. وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠]. وانظر البيت (٤٤٩).
[ ٢ / ٤٤٨ ]
١٦٨٥ - فانظُرْ إِلَى التّقْسيمِ والتّنْويعِ فِي الـ ـقرْآنِ تُلْفيهِ صَرِيحَ بَيَانِ
١٦٨٦ - أنَّ المجيءَ لِذَاتِهِ لَا أمرِهِ كَلَّا وَلَا مَلَكٍ عَظِيمِ الشَّانِ
١٦٨٧ - إذْ ذَانِكَ الأمْرَانِ قَدْ ذُكِرَا وَبَيْـ ـنَهُمَا مَجيءُ الربِّ ذِي الغُفْرَانِ
١٦٨٨ - واللهِ مَا احْتَمَلَ المجيءُ سوَى مَجِي ءِ الذَّاتِ بَعْدَ تَبيُّنِ البُرْهَانِ
١٦٨٩ - مِنْ أينَ يأتِي يا أُولِي المعْقُولِ إنْ كُنْتُمْ ذَوِي عَقْلٍ مَعَ العِرْفَانِ
١٦٩٠ - مِنْ فَوْقِنَا أوْ تَحْتِنَا [أوْ خَلْفِنَا] أوْ عَنْ شَمَائِلنا وعنْ أيْمَانِ
١٦٩١ - واللهِ لَا يَأتِيِهُمُ مِنْ تَحْتِهِمْ أبدًا تَعَالَى اللَّهُ ذُو السُّلطَانِ
_________________
(١) (تُلْفيه): من ألفيتُ الشيء: وجدتُه. وأجرى المعتلّ مجرى الصحيح للضرورة. انظر ما سبق في البيت (٢٩٥)، (ص).
(٢) وقد رد الناظم على من تأوّل مجيء الله سبحانه وقال إنه مجاز من عشرة أوجه كما في مختصر الصواعق ص ٢٩٤ - ٢٩٦. فمن ذلك قوله: "الرابع: إن في السياق ما يبطل هذا التقدير (يعني بالأمر أو الملك) وهو قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ﴾ فَعَطْفُ مجيء الملك على مجيئه سبحانه يدل على تغاير المجيئين، وأن مجيئه سبحانه حقيقة، كما أن مجيء الملك حقيقة، بل مجيء الرب سبحانه أولى أن يكون حقيقة من مجيء الملك. وكذلك قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]. ففرق بين إتيان الملائكة وإتيان الرب وإتيان بعض آيات ربك، فقسم ونوع، ومع هذا التقسيم يمتنع أن يكون القسمان واحدًا فتأمّله" مختصر الصواعق ص ٢٩٤. وانظر تأويل أهل التعطيل لمجيئه سبحانه في: متشابه القرآن للقاضي عبد الجبار ١/ ١٢٠ - ١٢١.
(٣) يشير إلى آية الأنعام الآنفة الذكر.
(٤) ما بين المعكوفتين زيادة جاءت في حاشية ظ مع علامة "صح" وزاد ناشر (طع) مكانها: "وأمامنا". وفي (طه) بعد "عن شمائلنا": "ومن خلف" ولعل ذلك كله لإصلاح وزن البيت الذي نقص منه ركن. انظر التعليق على البيت (٦٨٣)، (ص).
[ ٢ / ٤٤٩ ]
١٦٩٢ - كَلَّا وَلَا مِنْ خَلْفِهِمْ وأَمَامِهِمْ وَعَنِ الشَّمَائِلِ أوْ عَنِ الأيْمَانِ
١٦٩٣ - واللهِ لَا يأتِيهُمُ إلَّا مِنَ الـ ـعُلْوِ الَّذِي هُوَ فَوْقَ كُلَّ مَكَانِ
* * *