٢٨٩ - هذي عباراتٌ لهمْ مضمونُها ما ثَمَّ غَيرٌ قَطُّ في الأَعْيانِ
٢٩٠ - فَالقومُ مَا صَانوه عن إنْسٍ ولا جِنٍّ ولا شَجَرٍ وَلَا حَيَوانِ
٢٩١ - كلّا ولا عُلْوٍ وَلَا سُفْلٍ ولا وَادٍ ولا جبلٍ وَلَا كُثْبانِ
٢٩٢ - كلَّا ولا طَعْمٍ وَلَا ريحٍ وَلَا صَوتٍ وَلَا لونٍ من الألوانِ
٢٩٣ - لكنه المطعومُ والمَلموس وَالْـ ـمَشمومُ وَالمسموعُ بالآذانِ
٢٩٤ - وكذاك قالوا إنه المنكوحُ وَالـ ـمَذبوحُ بَلْ عينُ الغَوِيِّ الزاني
_________________
(١) = لا يتعين ولا يتميز وأنه إذا تعين وتميز فهو الخلق سواء تعين في مرتبة الإلهية أو غيرها" مجموع الفتاوى ٢/ ١٦١، شرح النونية - هراس ١/ ١٤٢.
(٢) القائلون بوحدة الوجود وإن تنوعت عباراتهم واختلف ظاهر كلامهم فإن مقصودهم وحاصل كلامهم شيء واحد وهو أنه ما ثَمّ غير الله في هذا الوجود.
(٣) قال ابن عربي: "فيقال: هذا سماء وأرض وصخرة وشجر وحيوان وملك ورزق وطعام، والعين واحدة من كل شيء وفيه" الفصوص ص ٣٥٤.
(٤) ب، د، ظ: "صوت ولا ريح"، وفي ح قدم هذا البيت على الذي قبله.
(٥) الملموس: في س: "الممسوس". وفي ح، ط: "الملبوس"، وهو تحريف.
(٦) قال ابن عربي: "ومن عرف ما قررناه .. علم أن الحق المنزه هو الخلق المشبه .. كل ذلك من عين واحدة لا بل هو العين الواحد وهو العيون الكثيرة، ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: ١٠٢] والولد عين أبيه فما رأى يذبح سوى نفسه ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ [الصافات: ١٠٧] فظهر بصورة كبش من ظهر بصورة إنسان" أ. هـ. فصوص الحكم ص ٧٨ - ٧٩. وقال شيخ الإسلام ﵀ أثناء حكايته قولهم: "ويقولون ومن أسمائه العلي عن ماذا وما ثم إلا هو؟ وعلى ماذا وما ثم غيره؟ فالمسمى محدثات وهي العلية لذاتها وليست إلا هو، وما نكح سوى نفسه، وما ذبح سوى نفسه" أ. هـ مجموع الفتاوى ٢/ ٤٦٨. وانظر التعليق على البيت رقم ٢٨٥.
[ ١ / ١١٧ ]
٢٩٥ - والكفرُ عِندَهُمُ هُدًى وَلَوَ انَّهُ دينُ المجُوسِ وعابدي الأوثانِ
٢٩٦ - قالوا وما عبدُوا سواهُ وإنَّما ضلُّوا بِمَا خصُّوا منَ الأعْيانِ
٢٩٧ - وَلَوَ أنَّهم عَمُّوا وَقالُوا كلُّها معبودَةٌ ما كان مِنْ كُفرانِ
_________________
(١) يرى أصحاب وحدة الوجود أن جميع أهل الملل على حقّ، حتى المجوس عبَدَة النار والمشركين عباد الأوثان والأصنام ليسوا كفارًا ولا ضلاّلًا، لأنهم حينما عبدوا النار والحجارة وغيرها ما عبدوا إلا الله، لأن الله يتجلى في صورة الحيوان وفي صورة النار وكل صورة، قال ابن عربي: كنار موسى رآها عين حاجته وهي الإله ولكن ليس يدريه الفصوص ص ٤١٩، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في سياق كلامه على مذهب الاتحادية: "ومن كلماتهم ليس إلا الله، فعباد الأصنام لم يعبدوا غيره عندهم، لأنه ما عندهم غير، ولهذا جعلوا قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] بمعنى حكم وقدر لا بمعنى أمر، إذ ليس عندهم غَيْرٌ له تتصور عبادته فكل عابد صنم إنما عبد الله" مجموع الفتاوى ٢/ ١٢٤، ١٢٩، ٤٦٧ وانظر مدارج السالكين ٣: ٤٧٩.
(٢) يزعم أصحاب وحدة الوجود: أن الهدى والإيمان أن تعبد وتعظم كل شيء ولا تخصص منها شيئًا، وأنك إن خصصت منها شيئًا دون شيء وقعت في الضلال. قال شيخ الإسلام ﵀: "ولهذا حدثني الثقة أن ابن سبعين كان يريد الذهاب إلى الهند، وقال: إن أرض الإسلام لا تسعه لأن الهند مشركون يعبدون كل شيء حتى النبات والحيوان، وهذا حقيقة قول الاتحادية" الفتاوى ٢/ ٤٧٨، وقال في موضع آخر أثناء حكاية قولهم: "فإن النصارى إنما كفروا لأنهم خصصوا وإن عباد الأصنام ما أخطؤوا إلا من حيث اقتصارهم على عبادة بعض المظاهر والعارف يعبد كل شيء". مجموع الفتاوى ٢/ ٤٦٧ - ٤٦٨. وقال ابن القيم ﵀ عند حكايته لمذهبهم: "والشرك عندهم وجود قديم وحادث وخالق ومخلوق ورب وعبد". المدارج ٣/ ٤٧٩.
[ ١ / ١١٨ ]
٢٩٨ - فالكفرُ سَتْرُ حقيقةِ المَعبودِ بالتَّـ ـخْصِيص عندَ مُحَقِّقٍ رَبَّاني
٢٩٩ - قالوا ولم يكُ كافِرًا في قولِه أنا رَبُّكمْ فرعونُ ذو الطُّغيانِ
٣٠٥ - بل كان حقًّا قولُه إذْ كان عَيْـ ـنُ الحق مضطَلِعًا بهذا الشانِ
٣٠١ - ولذا غَدا تغْريقُه في البحرِ تَطـ ـهيرًا من الأوهامِ والحُسْبانِ
_________________
(١) قال ابن عربي: "فلم يكن المقصود بعبادة كل عابد إلا الله فما عبد شيء لعينه إلا الله وإنما أخطأ المشرك حين نصب لنفسه عبادة بطريق خاص لم يشرع له من جانب الحق فشقي لذلك" أ. هـ الفتوحات المكية ١/ ٤٠٥.
(٢) يشير إلى ما حكاه الله تعالى عن فرعون لما جاءه موسى ﵇ رسولًا من عند الله وعرّفه بربه ودعاه إليه فكذب بالله وكفر وادعى الربوبية وقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] وقال لموسى: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩]. قال ابن عربي: "ولما كان فرعون في منصب التحكم صاحب الوقت وأنه الخليفة بالسيف وإن جار في العرف الناموسي لذلك قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] أي: وإن كان الكل أربابًا بنسبة ما فأنا الأعلى منهم بما أعطيته في الظاهر من التحكم فيكم. ولما علمت السحرة صدقه في مقاله لم ينكروه وأقروا له بذلك فقالوا له: إنما تقضي هذه الحياة الدنيا فاقضِ ما أنت قاض فالدولة لك، فصحّ قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ وإن كان عين الحق فالصورة لفرعون". أ. هـ الفصوص ص ٤١٣ - ٤١٤، مجموع الفتاوى ٢/ ١١٣، ١٢٤، السبعينية لشيخ الإسلام ١٢٩.
(٣) "مضطلعًا": من اضطلع بالأمر: نهض به وقوي عليه. اللسان ٨/ ٢٢٨.
(٤) يقول ابن عربي أثناء كلام طويل في بيان صحة إيمان فرعون: " .. فلم يتيقن فرعون بالهلاك إذ آمن بخلاف المحتضر حتى لا يلحق به، فآمن بالذي آمن به بنو إسرائيل على التيقن بالنجاة، فكان كما تيقن لكن على غير الصورة التي أراد، فنجاه الله من عذاب الآخرة في نفسه ونجى بدنه كما قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس: ٩٢] لأنه لو =
[ ١ / ١١٩ ]
٣٠٢ - قالوا ولم يكُ منكِرًا مُوسَى لِما عبدُوه مِن عِجْلٍ لَدى الخَوَرانِ
٣٠٣ - إلا على منْ كَانَ ليسَ بعابدٍ معَهمْ وأَصبحَ ضَيِّقَ الأعْطانِ
٣٠٤ - ولذاكَ جرَّ بِلحيةِ الأخِ حيثُ لمْ يكُ واسعًا في قومِهِ لِبِطَانِ
_________________
(١) = غاب بصورته ربما قال قومه: احتجب، فظهر بالصورة المعهودة ميتًا ليعلم أنه هو، فقد عفته النجاة حسًا ومعنى، ومن حقت عليه كلمة العذاب الأخروي لا يؤمن ولو جاءته كل آية حتى يروا العذاب الأليم أي يذوقوا العذاب الأخروي، فخرج فرعون من هذا الصنف" أ. هـ. فصوص الحكم ٤١٧ - ٤١٨.
(٢) كذا في ف "لدى" مضبوطًا بفتح الدال، وفي ظ أيضًا "لدى". وفي غيرهما: "لذي"، ولعله تصحيف. الخوَران: يعني الخُوار، وهو صوت البقر. ولم أجد "الخوران" في المعجمات (ص). - يشير إلى ما وقع من بني إسرائيل لما تركهم موسى ﵇ أيامًا، واستخلف عليهم هارون ﵇، وذهب إلى لقاء ربه جلّ وعلا. وكان معهم من حلي المصريين شيء كبير، فعمد إليها السامري وصاغها عجلًا، ونصبه لهم، وكان العجل إذا مرّ به الهواء خرج له خوار، كما قال تعالى ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨] فلما رجع موسى ﵇ إليهم ورأى ما هم عليه من الشرك غضب من فعلهم فكان ما حكى الله تعالى عنه إذ قال سبحانه: ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٠] انظر تفسير ابن كثير ٢/ ٢٤٧، تفسير الطبري مجلد ٦/ج ٩/ ٣٢، تفسير القرطبي ٧/ ٢٨٤.
(٣) ضيق العطَن كناية عن ضيق الصدر وقفة الاحتمال (ص).
(٤) يعني: لحية هارون ﵇، كما حكى تعالى أن هارون قال لموسى: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ [طه: ٩٤]. البطان: الحزام الذي يلي البطن. يقال: رجل عريض البطان أي: رخي البال. اللسان ١٣/ ٥٢، وهو هنا بمعنى واسع الصدر.
[ ١ / ١٢٠ ]
٣٠٥ - بل فَرَّقَ الإنكارُ منهُ بينهمْ لمَّا سرَى في وَهْمه غَيْرانِ
٣٠٦ - ولقدْ رأى إبليسَ عارِفُهُمْ فأَهْـ ـوَى بالسجودِ هُوِىَّ ذِي خُضْعانِ
٣٠٧ - قالوا له ماذا صنعتَ؟ فقالَ هل غيرُ الإلهِ وأنتُما عَمِيَانِ
٣٠٨ - مَا ثَمَّ غَيْرٌ فاسجدُوا إن شئتمُ لِلشمسِ والأصنامِ والشّيطانِ
_________________
(١) ف، ب: فهمه. - يزعم أهل الاتحاد: أن موسى لام هارون -﵉- وجره بلحيته لأنه لم يتسع صدره لما فعله قومه وإنما أنكر عليهم، وقالوا: إن هارون أنكر على عباد العجل عبادتهم لأنه لم يصل إلى درجة العارفين التي وصل إليها موسى فيدرك أن الإله تجلى في هذا العجل، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا: قال ابن عربي بعدما ذكر ما وقع من موسى ﵇ لما رجع إلى قومه من إلقائه الألواح وجره للحية هارون: "فكان موسى أعلم بالأمر من هارون لأنه علم ما عبده أصحاب العجل لعلمه وإن الله قد قضى ألا يعبد إلا إياه، وما حكم الله بشيء إلا وقع، فكان عتب موسى أخاه هارون لما وقع الأمر في إنكاره وعدم اتساعه فإن العارف من يرى الحق في كل شيء، فكان موسى يربي هارون تربية علم وإن كان أصغر منه في السن، ولذا لما قال هارون ما قال، رجع إلى السامري فقال: ﴿فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ﴾ [طه: ٩٥] يعني: فيما صنعت من عدولك إلى صورة العجل على الاختصاص وقال له: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾ [طه: ٩٧] فسماه إلهًا بطريق التنبيه للتعليم لما علم أنه بعض المجالي الإلهية" أ. هـ. فصوص الحكم ص ٣٦٠ - ٣٦٢، مجموع الفتاوى ٢/ ١٢٤، ٤٦٨.
(٢) الخُضعان: مصدر خضع، كالخضوع. اللسان ٨/ ٧٢.
(٣) عَمِيانِ: تثنية "عَم" بمعنى الأعمى. وكذا وردت التثنية هنا للجماعة، وسيأتي مثله في البيت ١٤٩٦ (ص).
(٤) هذا الساجد هو ابن عربي الذي يسمونه العارف والشيخ الأكبر، ذكر الشيطان في مجلسه فخرَّ ساجدًا، فقيل له في ذلك فقال: وهل ثمّ غير الله؟ شرح النونية - هراس ١/ ٦٦، ابن عيسى ١/ ١٦٥.
[ ١ / ١٢١ ]