[وفيه فصلان:]
الفصل الأولى: الآثار الواردة في الاتباع.
الفصل الثاني: الآثار الواردة في الابتداع.
[ ١ / ٧٧ ]
الفصل الأول: الآثار الواردة في الاتباع.
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: الآثار الواردة في تعظيم السلف للكتاب والسنة.
المبحث الثاني: الآثار الواردة في ترك ما ليس للعبد فيه سلف.
المبحث الثالث: الآثار الواردة في النهي عن الكلام في العلماء.
المبحث الرابع: الآثار الواردة في الهدي العام للسلف في السلوك.
[ ١ / ٧٩ ]
المبحث الأول: الآثار الواردة في تعظيم السلف للكتاب والسنة
لقد بعث اللَّه أنبياءه ورسله ليعلموا الناس أمور دينهم، ويدعوهم إلى عبادة ربهم وخالقهم، وأرسل معهم الكتاب بالحق ليحكم بينهم فيما اختلفوا فيه، وفرض على أتباعهم طاعتهم وتعظيم ما جاؤوا به، قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ (^١)، وعن أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبي، قالوا: يا رسول اللَّه ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى" (^٢).
وللسلف أقوال كثيرة في بيان هذا الأصل العظيم، ورد منها في كتب ابن أبي الدنيا ما يلي:
١ - حدثني إبراهيم بن محمد، عن قتيبة بن سعيد، عن ليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد (^٣): "أن أبا بكر -﵁- جاء بأبيه أبي قحافة إلى النبي -ﷺ- فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "فلولا تركت الشيخ حتى كنت آتيه" فقال أبو بكر: والذي بعثك بالحق لَإِسلام أبي طالب كان أقرّ لعيني من إسلامه، وذلك أن إسلام أبي طالب كان أقرّ لعينك" (^٤).
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية (١٣٢).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه كما في فتح الباري (١٣/ ٢٤٩) رقم (٧٢٨٠).
(٣) هو يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني، ثقة ثبت، (ت: ١٤٤ هـ) التقريب (٧٥٥٩).
(٤) إسناده صحيح وهو مرسل، الإشراف (٣٣٦ - ٣٣٧) رقم (٥١٠)، والحاكم في =
[ ١ / ٨٠ ]
٢ - حدثنا إبراهيم بن عبد الملك، حدثنا عبيدة بن حميد، حدثنا أبو مريم، عن عطاء (^١) قال: "سئلت عائشة عن العقيقة، قيل لها: أرأيت إن نحر إنسان جزورا؟ فقالت عائشة: السنة أفضل" (^٢).
٣ - حدثنا داود بن عمرو الضبي، حدثنا عبد الجبار بن الورد، عن ابن أبي مليكة (^٣) قال: "قيل لعائشة -وولد لابن أختها غلام- فقالوا: عقّي عن ابن أختك جزورتين، قالت: معاذ اللَّه، ولكن ما قال رسول اللَّه -ﷺ-: "شاتان مكافئتان" (^٤).
_________________
(١) = المستدرك (٣/ ٢٤٤)، وصحح الحافظ في الإصابة (٤/ ١١٦) سند القصة من حديث أنس متصلا في إسلام أبي قحافة ونسبها لابن شبة في كتاب مكة وأبي يعلى وأبي بشر سموية، وأصلها في صحيح مسلم انظر شرح مسلم (١٤/ ٧٩).
(٢) هو عطاء بن أبي رباح القرشي مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل لكنه كثير الإرسال (ت: ١١٤ هـ) التقريب (٤٥٩١).
(٣) فيه شيخ المصنف لم أجده، وكذا أبو مريم لم أعرفه، والأثر حسن، العيال (١٩٦) رقم (٥٦)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٢٣٨) وصححه ووافقه الذهبي، ولم يتعقب العراقي في طرح التثريب (٥/ ١٨١) تصحيح الحاكم، وذكره ابن حزم في المحلى (٧/ ٥٢٨) وضعفه بعبد الملك بن أبي سليمان، وهو صدوق له أوهام التقريب (٤٢١٢).
(٤) هو عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبي مليكة، أدرك ثلاثين من أصحاب النبي -ﷺ-، ثقة فقيه (ت: ١١٧ هـ) التقريب (٣٤٥٤).
(٥) إسناده حسن، مداره على عبد الجبار بن الورد وهو صدوق يهم التقريب (٣٧٦٩)، لكن قال الذهبي في الكاشف (١/ ٣٦٧): "ثقة، قال البخاري يخالف في بعض حديثه"، ووثقه أيضًا أبو حاتم، انظر: الجرح والتعديل (٦/ ٣١)، تهذيب الكمال (٤/ ٣٤٤)، العيال (٢٠١) =
[ ١ / ٨١ ]
٤ - حدثني الحسن بن. . . عبد اللَّه. . . . . . عن أبي رجاء، عمن سمع أبا جحيفة، عن أبي جحيفة (^١): "أنه تجشّأ في مجلس رسول اللَّه -ﷺ- فقال له: "أقصر من جشائك؛ فإن أطول الناس جوعا يوم القيامة أكثرهم شبعا في الدنيا"، قال أبو جحيفة: فما شبعت منذ ثلاثين سنة" (^٢).
_________________
(١) = رقم (٥٩)، وقد ورد ما يدل على جوازه فانظر رقم (٦٤)، ولكن الشاهد هنا هو تعظيم السنة، والخطيب في تاريخ بغداد (٦/ ٣٩٢)، والبيهقي في الكبرى (٩/ ٣٠٠) رقم (١٩٠٦٣)، والطحاوي في مشكل الآثار (١/ ٤٥٧)، وانظر تخريج الحديث بتوسع في الإرواء (٤/ ٣٨٩) رقم (١١٦٦).
(٢) هو وهب بن عبد اللَّه السُّوائي، مشهور بكنيته، ويقال له: وهب الخير، صحابي معروف، وصحب عليا (ت: ٧٤ هـ)، الإصابة (٣/ ٦٤٢)، التقريب (٧٤٧٩).
(٣) إسناده ضعيف؛ لإبهام شيخ أبي رجاء، ولعله عون بن أبي جحيفة -كما في السند الآخر عند المصنف-، وهو ضعيف أيضًا فيه الوليد بن عمرو بن ساج الحراني ضعيف، انظر لسان الميزان (٦/ ٢٢٤)، والأثر حسن لغيره بمتابعاته وشواهده، الجوع (٢٧) رقم (٤)، ورقم (١٩)، وابن جرير في تهذيب الآثار (٢/ ٧١٧)، والطبراني في الأوسط (٨/ ٣٧٨) رقم (٨٩٢٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٢٦) رقم (٥٦٤٤)، وابن عبد البر في الاستيعاب (٤/ ١٦٢٠)، وابن بشكوال في غوامض الأسماء المبهمة (١/ ٣٢٨)، وقال المنذري في الترغيب والترهيب (٣/ ٩٩) بعد إيراده لفظ الحديث: "رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد، قال الحافظ: بل واه جدا فيه فهد بن عوف وعمر بن موسى، لكن رواه البزار بإسنادين رواة أحدهما ثقات، ورواه ابن أبي الدنيا والطبراني في الكبير والأوسط والبيهقي، وزادوا: "فما أكل أبو جحيفة ملء بطنه حتى فارق الدنيا، كان إذا تغدى لا يتعشى وإذا تعشى لا يتغدى"، وفي رواية لابن أبي الدنيا: "قال أبو جحيفة: فما ملأت =
[ ١ / ٨٢ ]
٥ - حدثنا أبو إسحاق، نا معاوية، عن أبي إسحاق، عن رجل من أهل المدينة، عن محمد بن المنكدر (^١) قال: "لما كان يوم أحد صعد المشركون على أحد فقال رسول اللَّه -ﷺ- لسعد: "احتتَّهم يا سعد" -يقول: ارددهم- قال: وكيف أحتتّهم يا رسول اللَّه وحدي؟ قال: ثم عاد فقال مثل ذلك، فقال سعد ذلك، ثم قال سعد: يقول رسول اللَّه -ﷺ- احتتَّهم وأنا أقول ما أقول، لئن أعاد الثالثة لأفعلنّ، فقال: "احتتَّهم يا سعد فداك أبي وأمي" قال: فأخذت سهما من كنانتي فرميت به رجلا منهم فقتلته، فرُميت بسهمي فأخذته أعرفه، ثم رميت به رجلا آخر فقتلته، ثم رُميت بسهمي أخذته أعرفه، ثم رميت آخر فقتلته، ورُميت بسهمي فأخذته أعرفه، فهبطوا من مكانهم، فقلت: هذا سهم مبارك بدمي (^٢)، فحملته في كنانتي، فكان عند سعد حتى مات، ثم عند بنيه ثم هلك بعد" (^٣).
_________________
(١) = بطني منذ ثلاثين سنة"، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني (١/ ٦٠٦ - ٦١١) رقم (٣٤٣) فقد استقصى ﵀ طرقه وبيَّن عللها.
(٢) هو محمد بن المنكدر بن عبد اللَّه بن الهدير التيمي المدني الحافظ، إمام بكاء متَأَلِّه، ثقة فاضل التقريب (٦٣٢٧) والكاشف (٢/ ٢٢٤).
(٣) كذا ولعله: يُدمي.
(٤) إسناده ضعيف لإبهام شيخ أبي إسحاق، مكارم الأخلاق (٤١) رقم (١٨١)، ونسبه ابن القيم في زاد المعاد (٣/ ١٨٤) لمغازي الأموي، هذا بالنسبة للسياق وذكر قصة سهم سعد، أما تفدية النبي لسعد بأبيه وأمه، فقد جاء في الصحيحين متفقا عليه، =
[ ١ / ٨٣ ]
٦ - حدثنا أبو خيثمة، نا يزيد بن هارون، أنا خالد بن رباح، عن السوّار، عن عمران بن حصين (^١) أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "الحياء خير كله"، قال: فقال رجل: إن منه ضعفا وإن منه عجزا، فقال عمران: "أحدثك عن رسول اللَّه ﷺ وتحدثني عن الصحف؟ " (^٢).
٧ - حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن ليث، عن أبي حصين، أن رجلا أتى ابن مسعود (^٣) -﵁- فقال: علمني كلمات نوافع
_________________
(١) = البخاري (٧/ ٨٣ فتح)، شرح مسلم (١٥/ ١٨٣ - ١٨٤).
(٢) هو عمران بن حصين بن عبيد بن خلف الخزاعي، أبو نجيد، أسلم عام خيبر، وصحب، وكان فاضلا، وقضى بالكوفة، (ت: ٥٢ هـ) بالبصرة، وكان قد بعثه عمر -﵁- إليها ليفقههم، انظر: الإصابة (٤/ ٧٠٥)، والتقريب (٥١٥٠) والكاشف (٢/ ٩٢).
(٣) إسناده حسن؛ والأثر صحيح، خالد بن رباح في منزلة الصدوق وتكلم فيه للقدر، انظر لسان الميزان (٢/ ٣٧٥)، مكارم الأخلاق (١٦ - ١٧) رقم (٧٦)، ورقم (٨٥)، وفيه أن السائل العلاء بن زياد، ورقم (٨٨)، وفيه أن السائل بشير بن كعب وزيادة: "إنه طيب الهوى وإنه وإنه"، فلم يزالوا به حتى سكن، ورقم (٩٩)، وفيه التصريح بأن الصحف هي التوراة، وهو في أبي داود (٥/ ١٤٧) رقم (٤٧٩٦)، وفيه أن السائل بشير بن كعب، وهو في صحيح البخاري كما في الفتح (١٠/ ٥٢١) رقم (٦١١٧)، ومسلم (٢/ ٦ - ٧).
(٤) هو عبد اللَّه بن مسعود بن غافل الهذلي أبو عبد الرحمن، من السابقين الأولين، ومن كبار العلماء من الصحابة، مناقبة جمة، وأمَّره عمر على الكوفة (ت: ٣٢ هـ) أو =
[ ١ / ٨٤ ]
جوامع، فقال: "تعبد اللَّه ولا تشرك به شيئا، وتزول مع القرآن أين ما زال، ومن جاءك بالصدق من صغير أو كبير، وإن كان بعيدا بغيضا فاقبله منه، ومن أتاك بكذب من صغير أو كبير، وإن كان حبيبا قريبا فاردده عليه" (^١).
٨ - حدثنا خلف بن هشام، حدثنا عبد المؤمن المفلوج البصري قال: قال الحسن (^٢): "كان واللَّه من أدركت من صدر هذه الأمة ما قالوا بألسنتهم فكذلك في قلوبهم، كانوا واللَّه موافقين لكتاب ربهم ولسنة نبيهم -ﷺ-، فإذا جنهم الليل فقيام على أطرافهم يفترشون وجوههم، تجري دموعهم على خدودهم، يرغبون إلى ربهم في فكاك رقابهم؛ إذا أشرف لهم
_________________
(١) = التي بعدها بالمدينة لما وفد، التقريب (٦٣١٣) والكاشف (١/ ٥٩٧).
(٢) إسناده ضعيف؛ لأن أبا حصين عثمان بن عاصم الأسدي، لم يدرك عبد اللَّه بن مسعود، روى عن عدد من الصحابة ليس منهم ابن مسعود فيما وقفت عليه، بل شكك بعضهم في سماعه من ابن عباس، واللَّه أعلم. انظر: تهذيب الكمال (٥/ ١١٦) رقم (٤٤١٧). كتاب الصمت وآداب اللسان (٢٢٨ - ٢٢٩) رقم (٤٥١)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٣٤)، بسند رجاله ثقات غير شريك فإنه ساء حفظه بعد أن ولي القضاء، انظر كتاب المختلطين للعلائي (٥٧) رقم حاشية (٤٦).
(٣) هو الحسن بن أبي الحسن -يسار- البصري، مولى زيد بن ثابت، ثقة، فقيه، فاضل، مشهور، وكان يرسل كثيرا ويدلس، كبير الشأن، رفيع الذكر، رأسا في العلم والعمل، (ت: ١١٠ هـ) وقد قارب التسعين، التقريب (١٢٢٨) والكاشف (١/ ٣٢٢).
[ ١ / ٨٥ ]
من الدنيا شيء أخذوا منه قوتهم، ووضعوا الفضل في معادهم، وأدوا إلى اللَّه فيه الشكر، وإن زوي عنهم استبشروا وقالوا: هذا (نظر) من اللَّه واختبار منه لنا، إن عملوا بالحسنى سرتهم ودعوا اللَّه أن يتقبلها منهم، وإن عملوا بالسيئة ساءتهم واستغفروا اللَّه منها" (^١).
٩ - حدثني محمد بن إسماعيل بن إبراهيم العنزي الكوفي، عن جابر بن عون الأسدي قال: أول كلام تكلم به سليمان بن عبد الملك (^٢) أن قال: "الحمد للَّه الذي ما شاء صنع، وما شاء رفع، وما شاء وضع، ومن شاء أعطى، ومن شاء منع، إن الدنيا دار غرور، ومنزل باطل، وزينة تتقلب، تضحك باكيا، وتبكي ضاحكا، وتخيف آمنا، وتؤمّن خائفا، وتفقر مثريها، وتثري مفقرها، ميالة لاعبة بأهلها، يا عباد اللَّه اتخذوا كتاب اللَّه إماما، وارضوا به، واجعلوه لكم قائدا؛ فإنه ناسخ لما قبله، ولن ينسخه كتاب بعده، اعلموا عباد اللَّه أن هذا القرآن يجلو كيد الشيطان وضغائنه،
_________________
(١) إسناده صحيح، التهجد (٤٤٣) رقم (٤١٢)، تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٦٧٥ - ٦٧٧) رقم (٧٤١) مطولا جدا، وفيه قصة لطيفة للحسن مع النضر بن عمرو قاص أهل الشام، وتوضيحٌ أكثر لمحل الشاهد، والزهد لأحمد (١/ ٢٨٥) لكن دون محل الشاهد.
(٢) هو سليمان بن عبد الملك بن مروان، من خيار ملوك بني أمية، ولي الخلافة بعهد من أبيه بعد أخيه في جمادى الآخرة سنة (٩٦ هـ)، كان فصيحا مفوها، مؤثرا للعدل، محبا للغزو، توفي سنة (٩٩ هـ)، تاريخ الخلفاء (١٩٩).
[ ١ / ٨٦ ]
كما يجلو ضوء الصبح إذا تنفّس إدبار الليل إذا عسعس" (^١).
١٠ - حدثنا عبد الرحمن بن واقد قال: ثنا ضمرة بن ربيعة، عن ابن شوذب قال: "كان أيوب السختياني (^٢) يؤم أهل مسجده في شهر رمضان. . . وكان من آخر يقول: يصلي على النبي -ﷺ-، ويقول: اللهم استعملنا بسنته، وأوزعنا بهديه، واجعلنا للمتقين إماما. . . " (^٣).
١١ - حدثنا أبو حفص الصفر أحمد بن حميد، ثنا جعفر بن سليمان، سمعت مالك بن دينار (^٤) يقول: "رحم اللَّه عبدا قال لنفسه النفيسة: ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم ذمَّها، ثم خطمها،
_________________
(١) شيخ المصنف لعله المعروف أبوه بابن علية وهو ثقة التقريب (٥٧٦٥)، والمشهور عن ابن علية أنه بصري أسدي وليس كوفيا عنزيا واللَّه أعلم، وجابر بن عون لعله جابر بن طارق بن عون انظر تهذيب التهذيب (٢/ ٣٧)، ذم الدنيا (٣٢) رقم (٦٧)، ومن طريقه البيهقي في الزهد الكبير رقم (٥٤٦)، وكذا ابن كثير في البداية النهاية (٩/ ١٧٩).
(٢) هو أيوب بن أبي تميمة -كيسان- السختياني البصري، ثقة ثبت حجة، من كبار الفقهاء العباد، (ت: ١٣١ هـ) وله خمس وستون، التقريب (٦٠٥) والكاشف (١/ ٢٦٠).
(٣) إسناده حسن؛ ضمرة وابن شوذب سيأتيان (٣٨٧، ٨٧٩) رمضان (٨١) رقم (٥١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣/ ١٧٨) رقم (٣٢٧٥)، وذكره الذهبي في السير (٦/ ٢١).
(٤) هو مالك بن دينار البصري أبو يحيى، الزاهد، صدوق عابد، (ت: ١٣٠ هـ) أو نحوها، حلية الأولياء (٢/ ٣٥٧)، والتقريب (٦٤٣٥)، الكاشف (٢/ ٢٣٥).
[ ١ / ٨٧ ]
ثم ألزمها كتاب اللَّه فكان لها قائدا" (^١).
١٢ - حدثنا خالد بن خداش، حدثنا مهدي بن ميمون (^٢) قال: "كان محمد بن سيرين ينشد الشعر، ويضحك حتى يميل، فإذا جاء الحديث من السنة كلح" (^٣).
١٣ - كتب إليّ أبو سعيد الأشجّ، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن عمرو بن قيس (^٤) قال: "إذا سمعت الخبر فاعمل به ولو مرّة واحدة" (^٥).
_________________
(١) إسناده حسن؛ شيخ المصنف سيأتي (١٠٨٦)، محاسبة النفس (٢٦) رقم (٨)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٦/ ٤٢٠).
(٢) هو مهدي بن ميمون الأزدي المِعْوَلي، أبو يحيى البصري، ثقة (ت: ١٧٢ هـ)، الكاشف (٢/ ٣٠٠)، التقريب (٦٩٣٢).
(٣) إسناده حسن، خالد بن خداش صدوق يخطئ. التقريب (١٦٣٣)، مداراة الناس (٦٧) رقم (٧٢)، والذي بعده فيه ذكر أنه يبكى في الليل، وقد ينبسط في النهار، وأبو نعيم في الحلية (٢٧٤/ ٢) وتتمته: "وانضم بعضه إلى بعض"، ومعنى كلح: تكشر في عبوس، مختار الصحاح (ص ٥٧٦).
(٤) هو عمرو بن قيس المُلائي، أبو عبد اللَّه الكوفي، ثقة متقن عابد، كان ورعا عابدا حافظا لحديثه، مات سنة بضع وأربعين، تاريخ الإسلام (١/ ١٠٨٥)، الكاشف (٢/ ٨٦)، التقريب (٥١٠٠).
(٥) إسناده حسن، أبو خالد الأحمر صدوق يخطئ التقريب (٢٥٦٢)، وعمرو بن قيس هو الملائي ثقة متقن عابد التقريب (٥١٣٥) كما في مصادر التخريج تصريحا، إضافة إلى أن الملائي هو المذكور في شيوخ أبي خالد الأحمر وليس ابن الماصر كما رجحه د/ عبد الرحمن نجم خلف محقق الإشراف واللَّه أعلم، الإشراف (٢٧٨) رقم=
[ ١ / ٨٨ ]
١٤ - حدثنا محمد بن الحسين، حدثني مطرف أبو مصعب، حدثني أبو عبد اللَّه مولى الليثيين وكان خيارا: "رأيت كأن النبي -ﷺ- قاعد في المسجد، والناس حوله، ومالك بن أنس قائم بين يديه، وبين يدي النبي -ﷺ- مسك، وهو يأخذ منه قبضة قبضة، فيدفعها إلى مالك، ومالك ينثرها على الناس، قال أبو مصعب (^١): فأُوِّلَ ذلك العلم واتباع السنة" (^٢).
_________________
(١) = (٣٧٣)، وأحمد في الزهد (٢٧٦) ولفظه: "إذا سمعت شيئا من الخير فاعمل به تكن من أهله ولو مرة"، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ١٠٢) وفيه (الخير) بدل (الخبر)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٢/ ١٦٣) وفي الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (١/ ١٤٤) رقم (١٨٢)، وابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ١٢٤)، وورد كذلك من فعل بعض السلف منهم سفيان الثوري ففي السير (٧/ ٢٤٢) عنه: (ما بلغني عن رسول اللَّه -ﷺ- حديث قط إلا عملت به ولو مرة)، والإمام أحمد ففي أدب الإملاء والاستملاء (١٠٩) عنه قال: (ما كتبت حديثا إلا وقد عملت به ولو مرة؛ لأن لا يكون عليّ حجة، حتى الركعتان بين الأذان الإقامة في المغرب).
(٢) هو مطرف بن عبد اللَّه بن مطرف اليساري، أبو مصعب المدني، ابن أخت مالك، ومولى أم المؤمنين ميمونة، ثقة فقيه لم يصب ابن عبدي في تضعيفه، مات سنة (٢٢٠ هـ) على الصحيح، وله ثلاث وثمانون سنة، تاريخ الإسلام (١/ ١٦٦٣)، والتقريب (٦٧٠٧).
(٣) إسناده حسن؛ وصاحب القصة قد زُكِّي في السند، المنامات (١٢١) رقم (٢٥٤)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٣١٧)، وذكره الذهبي في السير (٨/ ٦٢) بلفظ مقارب، وابن الجوزي في صفة الصفوة (٢/ ١٧٨)، وصديق حسن خان في الحطة في ذكر الصحاح الستة (٢٣٥).
[ ١ / ٨٩ ]
١٥ - ثنا عبد اللَّه بن محمد بن سورة البجلي قال: قال سفيان بن عيينة (^١): "ليس العاقل الذي يعرف الخير والشر، ولكن العاقل يعرف الخير فيتبعه، ويعرف الشر فيجتنبه" (^٢).
التحليل والتعليق
اشتملت الآثار السابق ذكرها، على أقوال هامة للسلف فيها تعظيم القرآن والسنة، أوحدهما، وهي متنوعة الدلالة على ذلك:
فمن جهة نجد هذا التعظيم غير مقتصر على طبقة اجتماعية خاصة، بل كل طبقات المجتمع المسلم تعيش هذا المعنى الإيماني، فالحاكم المسلم وهو هنا سليمان بن عبد الملك كان أول ما تكلم به أن أمر رعيته باتخاذ كتاب اللَّه إماما، وأن يرضوا به قائدا.
وكان ذلك نصيحة الصحابة رضوان اللَّه عليهم لمن بعدهم من التابعين بأن يزولوا مع القرآن حيث زال، كما جاء عن ابن مسعود.
_________________
(١) هو سفيان بن عيينة بن أبي عمران -ميمون- الهلالي، أبو محمد الكوفي ثم المكي، ثقة حافظ فقيه، إمام حجة، إلا أنه تغير حفظه بأخرة، وكان ربما دلس لكن عن الثقات، مات سنة (٢٩٨ هـ) وله إحدى وتسعون سنة، الكاشف (١/ ٤٤٩)، التقريب (٢٤٥١).
(٢) إسناده صحيح، العقل وفضله (٢٨) رقم (٥٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤/ ١٦٢) رقم (٤٦٦٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٦/ ١٨٦)، وذكره الذهبي في السير (٣/ ٧٤) كلاهما عن سفيان قال عمرو بن العاص، والمصنف في الإشراف برقم (٣٤١) عن عمرو ابن العاص نحوه، والمزي في تهذيب الكمال (٣/ ٢٢٧).
[ ١ / ٩٠ ]
وكانوا ألزم لما نصحوا به غيرهم، كما ذكر ذلك التابعون عنهم، حيث وصفوهم بأنهم كانوا موافقين لكتاب ربهم وسنة نبيهم، ومواقفهم في ذلك مشهورة أكثر من أن تحصر ومن ذلك:
تفضيل عائشة ﵂ للشاتين على الجزورين في العقيقة، مع أن الجزورين أعظم إنفاقا وتصدقا وإهداءا، لأن السنة أفضل كما قالت.
وتعظيم امتثال الأمر أو النهي فإن أبا جحيفة بعد ما أمره النبي -ﷺ- أمر مخاطب، من الكف بمعنى الصرف والدفع (^١) - بالكف عن التجشأ، لم يشبع ثلاثين سنة، ولو كان المأمور به مما لا تدركه عقولهم أو يظن فوق مقدورهم، ويلومون أنفسهم في التأخر عن تنفيذه كما قال سعد يوم أحد.
بل إن أحدهم ليغضب إذا عورض قول رسول اللَّه -ﷺ- بشيء مهما كان السبب كما فعل عمران بن حصين.
ولعل أعظم ذلك كله ما حصل من الصديق -﵁- من كون إيمان أبي طالب كان أقر لعينه من إيمان أبيه، لأن ذلك كان أقر لعين رسول اللَّه -ﷺ-، وهذا ذورة التعظيم وقمة الحب والمتابعة الظاهرة والباطنة، كيف لا وهو الصديق، وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم.
وقد سار التابعون وتابعوهم على خطا هذا المنهج الرباني، فكان ذلك من دعائهم في الصلوات، وحديثا يذكر في مواعظهم، بل كان من أدبهم في طلب العلم أن أحدهم إذا جاء الحديث كلح تعبيرا عن هيبة
_________________
(١) تحفة الأحوذي (٧/ ١٥٣).
[ ١ / ٩١ ]
الحديث في نفوسهم، وكانوا يوصون بالعمل بالحديث ولو مرة.
ومن ذلك التعظيم ما رؤي لبعض الأئمة من الرؤى الطيبة، كما وقع لإمام دار الهجرة مالك بن أنس ﵀ المعروف بشدة اتباعه للأثر، ومن هنا كان المقصود من العلم هو العمل بفعل الخير وترك الشر، وليس مجرد المعرفة المجردة.
ونظرا لأهمية هذه المسألة اعتنى بها علماء الإسلام، ودونوها في مؤلفاتهم، فهذه كتب السنة ودواوين الإسلام، لا يكاد يخلو كتاب منها، من باب في الأمر بالاتباع، والحث على التمسك بالكتاب والسنة، وما من علم من العلوم الإسلامية، إلا وتجد فيه شيئا من ذلك، في التفسير والحديث والعقيدة والفقه والأصول وغير ذلك، ناهيك عما أُلِّف فيه استقلالا، كيف لا وهما الأساس الذي بني عليه هذا الدين.
وقد ذكر ابن القيم ﵀ في كتابه مدارج السالكين أن من منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة التعظيم، وشرح قول المصنف أن أول درجاته: "تعظيم الأمر والنهي، وهو أن لا يُعارضا بترخص جاف، ولا يعرَّضا لتشدد غال، ولا يحملا على علة توهن الانقياد" (^١).
فقال عن الغلو: "والغلو نوعان: نوع يخرجه عن كونه مطيعا، كمن زاد في الصلاة ركعة. . . وغلو يخاف منه الانقطاع والاستحسار، كقيام الليل كله".
وأما العلة التي توهن الانقياد فقال: "أن لا يتأول في الأمر والنهي
_________________
(١) مدارج السالكين (٥١٦ - ٥٢٣).
[ ١ / ٩٢ ]
علة تعود عليهما بالإبطال"، ذكر من ذلك حمل تحريم الخمر بما كان منه موقعا للعداوة والبغضاء وتجويز غيره، وكذا عدم الامتثال حتى يعلم العلة، ومن اهتم بحكم العبادات ومقصودها عن الإتيان بها بزعم اشتغاله بالمقصود عن الوسيلة، حتى عطل الأمر والنهي.
ثم قال: "وكل هذا ترك تعظيم الأمر والنهي، وقد دخل من هذا الفساد على كثير من الطوائف ما لا يعلمه إلا اللَّه: فما يدرى ما أوهنت العلل الفاسدة من الانقياد إلا اللَّه، فكم عطلت من أمر، وأباحت من نهي، وحرمت من مباح وهي التي اتفقت كلمة السلف على ذمها" (^١).
_________________
(١) (٢/ ٥٢٠).
[ ١ / ٩٣ ]
المبحث الثاني: الآثار الواردة في ترك ما ليس للعبد فيه سلف.
إن مبنى الدين على التسليم والانقياد، لا على المعارضة والابتداع، ولا يتم ذلك للمسلم، حتى يكون متبعا في كل أموره، مقتديا بصالح سلفه، لا يأتي بشيء من عنده لا سلف له فيه، فضلا عن مخالفة صريح ما كانوا عليه، وذلك لأن اللَّه أمر باتباع سبيل المؤمنين، ونهى عن مخالفتهم فقال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (^١).
وقد وردت آثار كثيرة في هذا المعنى، ورد منها في كتب ابن أبي الدنيا ما يلي:
١٦ - ثنا محمد بن يزيد الأدمي أبو جعفر، ثنا سفيان بن عيينة، عن خلف بن حوشب قال: "كنت مع ابن أبي راشد (^٢) في جبانة؛ فقرأ رجل: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ. . .﴾ (^٣) الآية، فقال الربيع بن أبي راشد: حال ذكر الموت بيني وبين كثير مما أريد من التجارة، ولو فارق ذكر الموت قبي ساعة، لخشيت أن يفسد علي قلبي، ولولا أن أخالف من
_________________
(١) سورة النساء، الآية (١١٥).
(٢) هو الربيع بن أبي راشد الكوفي العباد، كان قانتا خاشعا، ذاكرا للآخرة، قال الذهبي: (ما روى هذا شيئا) وذكره أبو نعيم في الحلية (٥/ ٧٥) وسرد أخباره في الزهد والعبادة، وكانت جنازته مشهودة، تاريخ الإسلام (١/ ٩٩٦).
(٣) سورة الحج، من الآية (٥).
[ ١ / ٩٤ ]
كان قبلي، لكانت الجبانة مسكني حتى أموت" (^١).
١٧ - حدثني محمد بن العباس، ثنا أبو عبد الرحمن ابن عائشة، ثنا الليثي (^٢): قالت امرأة هشام الاستوائي (^٣): "كان إذا أطفئ السراج غشيه من ذلك أمر عظيم، فقلت له: إنه ليغشاك عند هذا المصباح إذا طفئ؟ قال: إني أذكر ظلمة القبر، ثم قال: لو كان سبقني إلى هذا أحد من السلف لأوصيت إذا متّ أن أجعل في ناحية من داري، قال: فما مكث إلا يسيرا حتى مات، قال: فمرّ بعض إخوانه بقبره، فقال: يا أبا بكر قد صرت واللَّه إلى المحذور" (^٤).
_________________
(١) إسناده صحيح، العزلة والانفراد (١٢٤) رقم (١٢٦)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٧٧)، والبيهقي في الزهد الكبير (٢/ ٢١٢) رقم (٥٣٥)، وابن الجوزي في المنتظم (٧/ ٣١٦)، وذكره في صفة الصفوة (٣/ ١٠٩).
(٢) الظاهر أنه مصحف من "أبي"؛ فإن ابن عائشة مشهور بالرواية عن أبيه، وليس في شيوخه ليثيُّ النسبة واللَّه أعلم، ثم هذا أولى من احتمال التصحيف في شيخ المصنف، وهو محمد العباس بن اليزيدي النحوي -سيأتي (ص ٢٦) - من محمد بن الحسين البرجلاني، كما فعله محقق الكتاب.
(٣) هو هشام بن أبي عبد اللَّه -سَنْبَر-، أبو بكر البصري الدَسْتوائي، ثقة ثبت وقد رمي بالقدر، ولُقِّب بأمير المؤمنين في الحديث، (ت: ١٥٤ هـ) وله ثمان وسبعون سنة، الكاشف (٢/ ٣٣٧)، التقريب (٧٢٩٩).
(٤) إسناده لين؛ فيه والد أبي عبد الرحمن وهو محمد بن حفص ذكره ابن حبان في الثقات (٩/ ٦٢)، ولم يذكر فيه البخاري وابن أبي حاتم جرحا ولا تعديلا، انظر التاريخ الكبير (١/ ٦٥)، والجرح والتعديل (٧/ ٢٣٦)، وامرأة هشام الدستوائي لم =
[ ١ / ٩٥ ]
١٨ - حدثني أحمد بن محمد بن عبد اللَّه بن القاسم المكي، ثنا مؤمل بن إسماعيل، ثنا عمارة بن زاذان: أن مالك بن دينار لما حضره الموت قال: "لولا أني أكره أن أصنع شيئا لم يصنعه أحد كان قبلي، لأوصيت أهلي إذا أنا مت أن تقيدوني وأن تجمعوا يدي إلى عنقي، فينطلق بي على تلك الحال حتى أدفن كما يصنع بالعبد الآبق، وقال غير أحمد بن محمد: فإذا سألني ربي قلت: أي رب لم أرض لك نفسي طرفة عين قط" (^١).
١٩ - حدثنا عبيد اللَّه، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم (^٢) ﵀ قال: "كانوا يكرهون أن يتكلموا في القرآن" (^٣).
_________________
(١) = أعرفها، القبور (٩٢) رقم (٩٠)، وابن سعد في الطبقات (٧/ ٢٧٩) مختصرا، وابن معين في تاريخه رواية الدوري (٤/ ١٣٩)، وذكره المزي في تهذيب الكمال (٧/ ٤٠٦) عن ابن سعد، وكذا الذهبي في السير (٧/ ١٥٢)، وبمعناه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٧٨).
(٢) إسناده لين؛ فيه مؤمل بن إسماعيل وهو صدوق سيء الحفظ التقريب (٧٠٧٨)، محاسبة النفس (١٢٣) رقم (١١٢)، والأثر سيأتي تخريجه (٦٣) بلفظ مقارب.
(٣) هو إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي، أبو عمران الكوفي الفقيه، ثقة إلا أنه يرسل كثيرا، (ت: ١٩٦ هـ) وهو ابن خمسين أو نحوها، وكان عجبا في الورع والخير، متوقيا للشهرة رأسا في العلم، الكاشف (٢٧٠)، التقريب (١/ ٢٧).
(٤) إسناده صحيح، كتاب الصمت (٢٩٣) رقم (٦٧٢)، وقد ذكر هذا المعنى الدارمي في الرد على الجهمية (٢٣)، وفي نقضه على بشر (٥٢٥)، حيث قال بعد نقله عن بشر دعواه أن السلف كانوا يكرهون الخوض في القرآن: "صدقت وأنت المخالف لهم".
[ ١ / ٩٦ ]
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة تورع السلف عن فعل أشياء، فالدستوائي والربيع ومالك بن دينار جميعيم تركوا أفعالا لا يوجد نهي صريح خاص عنها، كبناء القبر في البيت، أو تقييد الميت بقيود كهيئة العبد الآبق، أو السكن في الجبانة (^١)، ولم يمنعهم من ذلك إلا أنهم لا يعرفونه عمن سبقهم، وهذا المسلك من أهم المسالك التي يجب العناية بتحقيقها؛ فإنه يمنع المسلم من الوقوع في البدع المنهي عنها، ومن مخالفة الشرع من حيث لا يشعر، وقد اشتهر عن الإمام أحمد ﵀ قوله: "إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام" (^٢)، وقال البربهاري ﵀: "انظر رحمك اللَّه كل من سمعت كلامه من أهل زمانك خاصة، فلا تعجلن ولا تدخلن في شيء منه حتى تسأل وتنظر، هل تكلم فيه أحد من أصحاب النبي -ﷺ-، أو أحد من العلماء؛ فإن أصبت فيه أثرا عنهم فتمسك به، ولا تجاوزه لشيء،
_________________
(١) وانظر الاعتصام (٣٩٩)، حيث قال: "ثبت في الأصول أنه لا بد في كل عادي من شائبة التعبد. . . فإن جاء الابتداع في الأمور العادية من ذلك الوجه، صح دخوله في العاديات كالعباديات، وإلا فلا"، قلت: ولعل هذا ملحظ أصحاب هذه الآثار في تركهم ما تركوا، حيث كانوا سيفعلونه على وجه التعبد، ولم يجدوا من تعبد اللَّه بتلك الأساليب فتورعوا عنها واللَّه أعلم.
(٢) مجموع الفتاوى (٢١/ ٢٩١) (٣٢/ ٢٩٧)، إعلام الموقعين (١/ ٣٢) (٤/ ٢٢٢، ٢٦٦)، صفة الفتوى لابن حمدان (٣٠، ١٠٥)، المدخل لابن بدران (١١٩).
[ ١ / ٩٧ ]
ولا تختر عليه شيئا فتسقط في النار" (^١)، واعتنى الشاطبي ﵀ ببيان أهمية عمل السلف الصالح وفهمهم للدين، فقال: "فما كانوا عليه من فعل أو ترك فهو السنة والأمر المعتبر، وهو الهدى، وليس ثم إلا صواب أو خطأ، فكل من خالف السلف الأولين فهو على خطأ، ثم بيّن بعض التفريعات العقدية على هذا التأصيل فقال: "ومن هنالك لم يسمع أهل السنة دعوى الرافضة أن النبي -ﷺ- نص على عليٍّ أنه الخليفة بعده، لأن عمل كافة الصحابة على خلافه دليل على بطلانه أو عدم اعتباره؛ لأن الصحابة لا تجتمع على خطأ، وكثيرا ما تجد أهل البدع يستدلون بالكتاب والسنة، يحملونهما مذاهبهم، ويغبّرون بمشتبهاتهما في وجوه العامة، ويظنون أنهم على شيء. . . وكثير من فرق الاعتقادات تعلق بظواهر من الكتاب والسنة في تصحيح ما ذهبوا إليه، مما لم يجر له ذكر ولا وقع ببال أحد من السلف الأولين، وحاش للَّه من ذلك .. فلهذا كله يجب على كل ناظر في الدليل الشرعي مراعاة ما فهم منه الأولون، وما كانوا عليه في العمل به فهو أحرى بالصواب، وأقوم في العلم والعمل" (^٢).
وقد طبق علماء السلف هذه القاعدة الهامة في بعض المسائل المتعلقة
_________________
(١) شرح السنة (٢٣).
(٢) ثم ذكر عدة أمثلة لاستدلالات أهل البدع بل والفساق بل حتى أهل الملل بظواهر من القرآن لتصحيح مذاهبهم، الموافقات (٣/ ٥٣ - ٥٧) بتصرف، ولا يعني هذا أن الفتوى فيما لم يقع محرمة وإنما تحتاج إلى تأنٍّ وتثبت كبير، وفيها تفصيل فقهي وأصولي انظره في إعلام الموقعين (٤/ ٢٢٢)، وصفة الفتوى لابن حمدان (٣٠، ١٠٥).
[ ١ / ٩٨ ]
بالعقيدة، فعن إبراهيم الحربي: "وكان وعدنا أن يملي علينا مسألة في الاسم والمسمى، وكان يجتمع في مجلسه ثلاثون ألف محبرة، وكان إبراهيم مقلا، وكانت له غرفة يصعد فيشرف منها على الناس فيها كوة إلى الشارع، فلما اجتمع الناس أشرف عليها فقال لهم: قد كنت وعدتكم أن أملي عليكم في الاسم والمسمى، ثم نظرت فإذا لم يتقدمني في الكلام فيها إمام يقتدى به، فرأيت الكلام فيه بدعة، فقام الناس وانصرفوا، فلما كان يوم الجمعة أتاه رجل، وكان إبراهيم لا يقعد إلا وحده، فسأله عن هذه المسألة فقال ألم تحضر مجلسنا بالأمس؟ قال بلى، فقال: أتعرف العلم كله؟ قال: لا، قال: فاجعل هذا مما لم تعرف" (^١)، وكان الإمام أحمد ﵀ في المحنة كثيرا يجيب بقوله: "كيف أقول ما لم يقل" (^٢)، ولهذا أنكر الإمام أحمد على أحمد بن علي قوله: إن اللَّه جبر العباد، ردا على القدري الذي نفى الجبر، ووضع كتابا في ذلك ومراده إثبات القدر، وعلل ذلك بأنه كلما ابتدع رجل بدعة اتسعوا في جوابها، وأنكر على من رد بشيء من جنس الكلام؛ إذا لم يكن لم فيها إمام مقدم (^٣)، قال شيخ الإسلام: "لا يمكن العالم أن يبتدئ قولا لم يعلم به قائلا، مع علمه بأن الناس قد قالوا خلافه" (^٤).
وأخيرا فإن إبراهيم النخعي كما في الأثر الأخير بين أنهم كانوا
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٦١)، وانظر تعليق شيخ الإسلام على ذلك في المجموع (٦/ ١٨٦ - ١٨٧).
(٢) الفتاوى الكبرى (٣٥٢ - ٣٥٣).
(٣) انظر مجموع الفتاوى (٣/ ٣٢٦).
(٤) المجموع (٢٠/ ٢٤٧)، وانظر (٥/ ٢٦٥) و(٥/ ٥٧٧) عند كلامه على نسبة الحركة إلى اللَّه.
[ ١ / ٩٩ ]
يكرهون الكلام في القرآن، وقد أوردت هذا الأثر هنا لزيادة توضيح وهي أن هذا الأصل لا يعني أن أهل السنة يسكتون عن بيان باطل أهل البدع، إذا ظهرت وفشت، وهذا ما وقع للإمام عثمان بن سعيد الدارمي لما استدل له المخالف بهذا الأثر فقال: "فأما قولك: إن السلف كانوا يكرهون الخوض في القرآن، فقد صدقت وأنت المخالف لهم؛ لما أنك قد أكثرت فيه الخوض وجمعت على نفسك كثيرا من النقض، فمثلك فيما ادعيت من كراهية الخوض فيه كما قال علي بن أبي طالب -﵁-، للخوارج حين قالوا: لا حكم إلا للَّه، فقال: كلمة حق يبتغى بها باطل، فقد خضت فيها أيها المعارض بأقبح خوض وضربت له أمثال السوء وصرحت بأنه مفعول، كما قال إمامك المريسي: مجعول، وكل مجعول عندك مخلوق لا شك فيه، ويحك إنما كره السلف الخوض فيه مخافة أن يتأول أهل البدع والضلال وأغمار الجهال ما تأولت فيه أنت وإمامك المريسي، فحين تأولتم فيه خلاف ما أراد اللَّه وعطلتم صفات اللَّه وجب على كل مسلم عنده بيان أن ينقض عليكم دعواكم فيه، ولم يكره السلف الخوض في القرآن جهالة بأن كلام الخالق غير مخلوق، ولا جهالة أنه صفة من صفاته" (^١).
_________________
(١) نقض الإمام عثمان بن سعيد الدارمي على بشر المريسي (٥٢٥)، وانظر بقية كلامه فإنه هام جدا في بيان أن الرد على أهل البدع من الأمور المتعينة إذا ظهرت بدعتهم وراجت حتى لا يلتبس الدين على العامة، وانظر مقدمة د/ محمد خليفة التميمي في تحقيقه كتاب العرش للذهبي (١/ ١٩٩ - ٢٢٢) الفصل الثالث، فقد تناول بعض=
[ ١ / ١٠٠ ]
ومن ذلك كلام الإمام أحمد في مسألة اللفظ وبيان الحق فيها كما نقل الطبري في صريح السنة: "وأما القول في ألفاظ العباد بالقرآن، فلا أثر فيه نعلمه عن صحابي مضى، ولا تابعي قضى، إلا عمن في قوله الغِنَاءُ والشِّفَاءُ، رحمة اللَّه عليه ورضوانه، وفي اتباعه الرشد والهدى، ومن يقوم قوله لدينا مقام قول الأئمة الأولى، أبي عبد اللَّه أحمد بن محمد بن حنبل -﵁-. . . ولا قول في ذلك عندنا يجوز أن نقوله؛ إذ لم يكن لنا فيه إمام نأتم به سواه، وفيه الكفاية والمنع، وهو الإمام المتبع رحمة اللَّه عليه ورضوانه" (^١).
قال الإمام مالك -﵀ -: "والتسليم للسنن لا تعارض برأي ولا تدافع بقياس، وما تأوله السلف الصالح تأولناه، وما عملوا به عملناه، وما تركوه تركناه، ويسعنا أن نمسك عما أمسكوا، ونتبعهم فيما بينوا، ونقتدي بهم في ما استنبطوه ورأوه في الحوادث، ولا نخرج عن جماعتهم فيما اختلفوا فيه أو في تأويله" (^٢).
_________________
(١) = الألفاظ يختلف موقف السلف منها نفيا وإثباتا وبيان وجه ذلك، كلفظ الجهة والحيز والمماسة ونحوها.
(٢) (٢٦ - ٢٧).
(٣) منهج الإمام مالك في العقيدة (٩٢).
[ ١ / ١٠١ ]
المبحث الثالث: الآثار الواردة في النهي عن الكلام في العلماء.
رفع اللَّه شأن العلماء، وعظم منزلتهم، وقد ورد في الكتاب والسنة كثير من النصوص مختلفة الدلالة على هذا الفضل والمنزلة، حيث قرن شهادتهم بشهادته سبحانه وشهادة ملائكته على توحيده، وأمر بطاعتهم، وسؤالهم، فهم ورثة علم الأنبياء، وحملة كتاب اللَّه، المبلغين عنه (^١)، ومن تمام حفظ هذه المنزلة لهم، ذكر محاسنهم ونشرها، وعدم نبزهم وتنقيص قدرهم، وللسلف أقوال كثيرة في هذا، ورد منها في كتب ابن أبي الدنيا هذا الأثر:
٢٠ - حدثني إبراهيم بن سعيد، حدثنا موسى بن أيوب، حدثنا مخلد، حدثنا بعض أصحابنا قال: "ذكرت يوما عند الحسن بن ذكوان (^٢) رجلا بشيء، فقال: مه، لا تذكر العلماء بشيء، فيميت اللَّه قلبك" (^٣).
التحليل والتعليق
تضمن الأثر السابق خطورة الكلام في العلماء، وأن عاقبة ذلك سيئة
_________________
(١) انظر تفصيل أدلة هذه الجمل في كتاب قواعد في التعامل مع العلماء (٤٣ - ٧٢).
(٢) هو الحسن بن ذكوان، أبو سلمة البصري، صدوق يخطئ، ورمي بالقدر، وكان يدلس، أخرج له البخاري حديثا واحدا، وهو من الطبقة السادسة أي توفي بعد المائة، الكاشف (١/ ٣٢٣)، تاريخ الإسلام (١/ ١٠٥٨)، التقريب (١٢٤٠).
(٣) الصمت (٢٦٧ - ٢٦٨) رقم (٥٨٢)، وللدكتور نجم خلف توجيه ملفت في جهالة صاحب القصة فراجعه.
[ ١ / ١٠٢ ]
جدا، وهى إماتتة القلب، وإذا مات القلب فكيف تصل إليه الهداية نسأل اللَّه العافية والسلامة، ولذلك عده بعض العلماء من الكبائر (^١)، وذلك لعظيم ضرره المتعدي؛ فإن الكلام في العلماء قطع للناس عن الأخذ عنهم، والاستفادة من علمهم، وفي هذا إضعاف للدين، وتشجيع للبدعة والكفر والفسوق، قال الشيخ صالح الفوزان حفظه: "نسمع في زماننا هذا من يتكلم في أعراض العلماء، ويتهمهم بالغباوة، والجهل، وعدم إدراك الأمور، وعدم فقه الواقع -كما- يقولون، وهذا أمر خطير؛ فإنه إذا فقدت الثقة في علماء المسلمين فمن يقود الأمة الإسلامية؟ ومن يرجع إليه في الفتاوى والأحكام؟ وأعتقد أن هذا دسٌّ من أعدائنا، وأنه انطلى على كثير من الذين لا يدركون الأمور، أو الذين فيهم غيرة شديدة وحماس لكنه على جهل. . . والعلماء يخطئون، ولكن ليس العلاج أننا نشهر بهم، وأننا نتخذهم أغراضا في المجالس، أو ربما على بعض المنابر أو بعض الدروس لا يجوز هذا أبدا" (^٢).
ولهذا أحجم أبو داود عن بيان بعض العلل في كتابه معللا ذلك بقوله: "وإن من الأحاديث في كتابي السنن ما ليس بمتصل، وهو مرسل ومدلس، وهو إذا لم توجد الصحاح عند عامة أهل الحديث على معنى أنه متصل. . . وربما كان في الحديث ما تثبت صحة الحديث منه إذا كان يخفى
_________________
(١) انظر تفسير ابن كثير (١/ ٤٨٨)، وعمدة القاري (٢٢/ ٨٤)، والكبائر للشيخ محمد ابن عبد الوهاب (١٧٧).
(٢) رسالة وجوب التثبت في الأخبار واحترام العلماء وبيان مكانتهم في الأمة (٤٤ - ٤٦) بتصرف.
[ ١ / ١٠٣ ]
ذلك علي فربما تركت الحديث إذا لم أفقهه، وربما كتبته وبينته، وربما لم أقف عليه، وربما أتوقف عن مثل هذه؛ لأنه ضرر على العامة أن يكشف لهم كل ما كان من هذا الباب، فيما مضى من عيوب الحديث؛ لأن علم العامة يقصر عن مثل هذا" (^١)، ومثله الإمام أحمد فقد كان يكره أن يروي عن الكوفيين والمدنيين المسائل المستقبحة إذا حكيت لمن يخاف أن ينتقصهم بسببها، قال شيخ الإسلام: "إن كثيرا ممن يسمع كلمات العلماء الغليظة، قد لا يعرف مخرجها، وكثيرا من الناس يروونها رواية مُتَشَفٍّ متعصب. . . ولو علم السبب في ذلك الكلام، وهوى (^٢) رشده، لكان اعتباره بمن سلف يكفه عن أن يقع في أقبح مما وقع فيه أولئك (^٣)، ولكان شغله بصلاح نفسه استغفارا وشكرا، شغله عن ذكر عيوب الناس على سبيل الاشتفاء والاعتصاب" (^٤).
وفي الكلام السائر أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة اللَّه في هتك أستارهم معلومة (^٥)، وقد اعتنى علماء الجرح والتعديل بذكر هذا في جملة
_________________
(١) رسالة أبي داود لأهل مكة (٣٢ - ٣٣).
(٢) كذا ولعلها: وهُدي.
(٣) حيث أنكر عليهم مسائل ووقع فيما هو أقبح مما عابه.
(٤) الفتاوى الكبرى (٣/ ١٧٣، ١٧٧) وهذا المبحث مهم جدا في بيان فضل العلماء وبيان خطورة الوقيعة فيهم، هذا إذا صدر منهم خطأ واضح، أما إن كان الكلام رجما بالغيب وتقولا عليهم ما لم يقولوا أو يفعلوا فالأمر أخطر وأشد واللَّه المستعان.
(٥) انظر الصارم المسلول (٢/ ٣١٧)، وتبيين كذب المفتري لابن عساكر (٢٨).
[ ١ / ١٠٤ ]
ما ينتقد على الراوي فمن عبارتهم في ذلك أنه: "كثير الوقيعة في الأئمة، وفي السلف من العلماء، خبيث اللسان" (^١).
ومن هنا كان الكلام في العلماء وذكر مثالبهم من شعار أهل البدع، كما قال ابن أبي حاتم: "علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر" (^٢)، وقد ورد في عقائد كثير من السلف المروية عنهم ذكر هذا، وأنك إذا رأيت الرجل يذكر فلانا وفلانا من علماء أهل السنة، فاعلم أنه على ضلالة (^٣)، أحيانا ينصون على الصحابة (^٤)، وأحيانا على بعض أفرادهم (^٥)، وأحيانا على من اشتهر بالسنة في بلد غلب على أهلها البدعة (^٦)، وأحيانا على من كان إماما في السنة حيث يفرق به بين السنة والبدعة (^٧)، بل شمل ذلك الخلفاء والحكام لم اشتهروا بنصر السنة وإقامة الحق
_________________
(١) لسان الميزان (٤/ ٢٩٦) (٥/ ٢٩)، وانظر فتح المغيث (٣/ ٣٤٩)، والضابطين الثالث والرابع في كتاب شيخنا الفاضل ﵀ عبد العزيز العبد اللطيف ضوابط الجرح والتعديل (٥١ - ٥٢).
(٢) شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ٢٠٠ - ٢٠١) رقم (٣٢١).
(٣) انظر المصدر السابق (١/ ١٩١ - ١٩٢)، شعار أصحاب الحديث للحاكم (٣٢ - ٣٣).
(٤) شرح السنة (١/ ٥٠).
(٥) شرح أصول اعتماد أهل السنة (١/ ١٩١).
(٦) شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٦٩) رقم (٤١)، وانظر بيان ارتباط هذا الثناء أو الطعن فيهم بسبب المعتقد ونصر السنة بيان تلبيس الجهمية (١/ ٢٧٥).
(٧) مجموع الفتاوى (١٧/ ٤١٤)، الجرح والتعديل (١/ ٣٠٨) وبوب باب استحقاق الرجل السنة بمحبة أحمد بن حنبل، وفي عقيدة السلف للصابوني (٣٠٧) قوله: =
[ ١ / ١٠٥ ]
كعمر بن عبد العزيز (^١) والقادر باللَّه (^٢) وابن سبكتكين (^٣)، وهكذا (^٤).
وفِي عقيدة الطحاوي الشهيرة كلمة جامعة في ذلك حيث يقول: "وعلماء السلف من السابقين، ومن بعدهم من التابعين -أهل الخبر والأثر، وأهل الفقه والنظر- لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء
_________________
(١) = "ومن علامات أهل السنة: حبهم لأئمة السنة وعلمائها، وأنصارها وأوليائها. . ".
(٢) هو الخليفة الأموي الصالح أبو حفص عمر بن عبد العزيز بن مروان، بويع بالخلافة بعهد من سليمان سنة (٩٩ هـ) فمكث فيها سنتين وخمسة أشهر، كان منعما قبل الخلافة، فلما تولى الخلافة تزهَّد، وملأ الأرض عدلا، ورد المظالم، وسن السنن الحسنة، تاريخ الخلفاء (٢٠١ - ٢٠٢).
(٣) هو الخليفة العباسي القادر باللَّه أبو العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر، بويع له بالخلافة بعد خلع الطائع، وكان من الستر، والديانة، والسيادة، وإدامة التهجد بالليل، وكثرة البر والصدقات، وحسن الطريقة، على صفة اشتهرت عنه، وعرفه بها كل أحد، مع حسن المذهب، وصحة الاعتقاد، وهو الذي ينسب إليه الاعتقاد المشهور باعتقاد القادري، تاريخ الخلفاء (٣٥٦)، تاريخ ابن خلدون (٤/ ٤٣٤).
(٤) هو محمود بن سبكتكين، السلطان الكبير، صاحب غزنة، أبو القاسم، يمين الدولة، ابن الأمير ناصر الدولة أبي منصور، وقد كان قبل السلطنة يلقب بسيف الدولة، له أخبار مشهورة في الهند وغزوات وحروب، وكان ذا دين وعقل وشجاعة، توفي (٤٢١ هـ) وهو ابن ثلاث وستين سنة، ملك منها ثلاثا وثلاثين سنة، المنتظم (٨/ ٥٢)، البداية والنهاية (١/ ٢٨٦).
(٥) انظر شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٩٢)، الفتاوى الكبرى (٥/ ٣٣٢)، درء التعارض (٦/ ٢٥٣)، مجموع الفتاوى (٤/ ١٥، ٢٢).
[ ١ / ١٠٦ ]
فهو على غير السبيل" (^١).
وكان لأهل الحديث من هذا المعنى النصيب الأوفر فهم الذين كثر الكلام فيهم من أهل البدع، وهم المحك في معرفة السني من غيره، ولذلك وضعوا ضوابط كثيرة، وشروطا هامة للكلام في الرواة، بحيث يميزون بين ما يجوز من الكلام في ذلك، وما لا يجوز، ومتى يشرع ومتى ينهى عنه، وفي هذا يقول الإمام الذهبي ﵀ عند تحليله لبعض الآثار المروية في الكلام في حماد ونحوه "هذا محمول على الوقوع فيهما بهوى وحيف في وزنهما، أما من نقل ما قيل في جرحهما وتعديلهما على الإنصاف فقد أصاب" (^٢).
وقد أوضح ابن رجب ﵀ الفرق بين كلام أهل السنة في الرواة، وكلام أهل البدعة فيهم فقال: "وقد تسلط كثير ممن يطعن في أهل الحديث عليهم بذكر شيء من هذه العلل وكان مقصوده بذلك الطعن في أهل الحديث جملة والتشكيك فيه. . . كما فعله حسين الكرابيسي (^٣) في كتابه الذي سماه بكتاب المدلسين. . . وكان في الكتاب الطعن علي الأعمش والنصرة للحسن بن صالح (^٤)، وكان في الكتاب: إن قلتم إن
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (٤٩١).
(٢) سير أعلام النبلاء (٥/ ٣١).
(٣) هو الحسين بن علي بن يزيد الكرابيسي، الفقيه البغدادي، سمع الحديث الكثير، وصنف في الفقه والأصول، معدود في كبار أصحاب الشافعي، وكان نظارا جدليا، تكلم فيه الإمام أحمد بسبب مسألة اللفظ فسقط، تهذيب التهذيب (١/ ٤٣٢).
(٤) هو الحسن بن صالح بن صالح ابن حي، وهو حيان بن شُفي الثوري، فقيه الكوفة وعابدها، رمي بالتشيع، قال الذهبي: "مع جلالة الحسن وإمامته، كان فيه خارجية، =
[ ١ / ١٠٧ ]
الحسن بن صالح كان يرى رأي الخوارج، فهذا ابن الزبير قد خرج، فلما قرئ على أبي عبد اللَّه قال: هذا جمع للمخالفين ما لم يحسنوا أن يحتجوا به، حذِّروا عن هذا ونهي عنه، وقد تسلط بهذا الكتاب طوائف من أهل البدع من المعتزلة وغيرهم في الطعن على أهل الحديث. . . وأما أهل العلم والمعرفة والسنة والجماعة، فإنما يذكرون علل الحديث نصيحة للدين، وحفظًا لسنة النبي -ﷺ-، وصيانة لها وتمييزًا مما يدخل على رواتها من الغلط والسهو والوهم، ولا يوجب ذلك عندهم طعنًا في غير الأحاديث المعلنة (^١)، بل تقوي بذلك الأحاديث السليمة عندهم؛ لبراءتها من العلل، وسلامتها من الآفات، فهؤلاء هم العارفون بسنة رسول اللَّه -ﷺ- حقًا، وهم النقاد الجهابذة الذين ينتقدون انتقاد الصيرفي الحاذق للنقد البهرج من الخالص، وانتقاد الجوهري الحاذق للجوهر مما دلس به" (^٢).
_________________
(١) = فقال الخريبي: ترك الجمعة، وجاء فلان فناظره ليلة فذهب الحسن إلى ترك الجمعة معهم، والخروج عليهم بالسيف، يعني الظلمة" (ت: ١٦٩ هـ)، تذكرة الحفاظ (١/ ٢١٦ - ٢١٧)، التقريب (١٢٥٠).
(٢) قال الذهبي ﵀ في السير (٨/ ٤٤٨): "وإنما الكلام في العلماء يحتاج إلى وزن بالعدل والورع".
(٣) شرح علل الترمذي (٢/ ٨٩٢ - ٨٩٤) بتصرف، وانظر قواعد في التعامل مع العلماء (١٠١)، وبراءة أهل السنة من الوقيعة في علماء الأمة (٢٦٩) من كتاب الردود للشيخ بكر أبو زيد، والفقه في الدين لناصر العقل (٤٥)، لحوم العلماء مسمومة لناصر بن سليمان العمر.
[ ١ / ١٠٨ ]
المبحث الرابع: الآثار الواردة في الهدي العام للسلف في السلوك.
تقدم في المباحث الثلاثة الماضية، بيان تعظيم الكتاب والسنة، والتحذير من الكلام فيما ليس للمرء فيه سلف، ثم النهي عن الطعن في العلماء، وهذا المبحث كالنتيجة الحتمية لما سبق، وهو باكورته التي بدا صلاحها، وثمرته التي اكتمل نضجها؛ فإن اتباع سلف الأمة في هديهم العام، واقتفاء أثرهم في فهم هذا الدين والعمل به، لمن أوجب الواجبات المتحتمة على المسلم، حتى يعبد ربه على بصيرة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ (^١).
وقد جاء عن السلف آثار كثيرة في بيان هذا المعنى، ورد منها في كتب ابن أبي الدنيا ما يلى:
٢١ - حدثني محمد بن الحسين، حدثني موسى بن عيسى، حدثني الوليد بن مسلم (^٢): "أنه رأى رجلا دنس الهيئة، دسم الثياب، قال الوليد: فقلت له: ما لي لا أرى عليك زِيَّ أهل الإسلام؟ قال: وما أنكرت من
_________________
(١) سورة النساء، الآية (١١٥).
(٢) هو الوليد بن مسلم القرشي مولاهم، أبو العباس الدمشقي، عالم أهل الشام، ثقة لكنه كثير التدليس والتسوية (ت: ١٩٥ هـ)، الكاشف (٢/ ٢٧٧) تقريب التهذيب (٧٤٥٦).
[ ١ / ١٠٩ ]
ذلك؟ لعلك تريد حسن الخضاب، ونقاء الثوب؟ قال: نعم، فبكى وقال: كيف يستبين حزني على مصيبتي فيما سلفت من ذنوبي، والشاهد اللَّه، قال: وغشي عليه" (^١).
٢٢ - حدثني محمد بن الحسين، حدثني محمد بن سهل الأزدي قال: حدثني عباد أبو عتبة الخواص (^٢) قال: "رأيت شيخا في بيت المقدس كأنه قد احترق بالنار، عليه مدرعة سوداء، وعمامة سوداء، طويل الصمت، كريه المنظر، كثير الشعر، شديد الكآبة، فقلت: رحمك اللَّه، لو غيّرت لباسك هذا، فقد علمت ما جاء في البياض، فبكى وقال: هذا أشبه بلباس أهل المصيبة، فإنما أنا وأنت في الدنيا في حداد، وكأني بي وبك قد دعينا، فقال: فما تمّ كلامه حتى غشي عليه" (^٣).
_________________
(١) إسناده حسن؛ موسى بن عيسى هو الليثي الخياط صدوق التقريب (٧٠٤٨)، الهم والحزن (٥٢) رقم (٥٢)، المرض والكفارات رقم (٢٦٠) بنفس السند والمتن، وجواب هذا الشيخ للوليد بن مسلم يظهر تأصل شبهة عنده وإلا فإن الحزن على الذنوب لا يلزم منه ما ذكر لا سيما وأنه مخالف للشرع كما أنكر عليه، فالعين تدمع والقلب يخشع ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وكذلك لا نفعل إلا ما يرضيه وهذه فائدة العلم الشرعي.
(٢) وعباد بن عباد الرملي الأرسوفي، أبو عتبة الخواص، من فضلاء أهل الشام وعبادهم، صدوق يهم، أفحش ابن حبان فقال: يستحق الترك، توفي بعد المائتين، الثقات لابن حبان (٨/ ٤٣٥)، تهذيب التهذيب (٥/ ٨٥)، التقريب (٣١٣٤).
(٣) إسناده لين؛ فيه محمد بن سهل الأزدي وهو المعروف بمحمد بن أبي السري كما نبه عليه الخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق (٢/ ٤٢٨)، وانظر تاريخ بغداد =
[ ١ / ١١٠ ]
٢٣ - نا الحسن بن عبد العزيز، نا أيوب بن سويد، أنا أبو الهيثم، عن عبد اللَّه بن غالب (^١)، أنه حدث قال: "خرجت إلى الجزيرة، قال: فركبنا السفينة فأرفت بنا إلى جانب قرية عاجية في سفح جبل خراب ليس فيها أحد، قال: فخرجت فطفت في ذلك الخراب أتأمل آثارهم وما كانوا فيه، قال: إذ دخلت بيتا يشبه أن يكون مأهولا، قال: قلت: إن لهذا شأنا، قال: فرجعت إلى أصحابي فقلت: إن لي إليكم حاجة فقالوا: ما هي؟ قلت: تقيمون على ليلة؟ قالوا: نعم، قال: فدخلت ذلك البيت، فقلت: إن يكن له أهل فسيؤوب إليه إذا جنّ الليل، فلما أظلم الليل سمعت صوتا قد انحط من رأس الجبل يسبح اللَّه ﷿ ويكبره ويحمده، فلم يزل الصوت يدنو بذلك حتى دخل البيت، قال: ولم أر في ذلك البيت شيئا إلا جرّة ليس فيها شيء، ووعاء ليس فيه طعام، فصلى ما شاء اللَّه أن يصلي ثم انصرف إلى ذلك الوعاء فأكل منه طعاما ثم حمد اللَّه، ثم أتى الجرة فشرب منها، ثم قام فصلى حتى أصبح الصبح، فلما أصبح أقام الصلاة فصليت خلفه، فقال: يرحمك اللَّه دخلت بيتي بغير إذني، قال: قلت
_________________
(١) = (٥/ ٣١٤)، تهذيب التهذيب (٣/ ٥٧٠)، ولم يُذكر فيه جرح ولا تعديل إلا أن ابن حجر ذكر ما يفيد أنه كان إخباريا، الهم والحزن (٥٣) رقم (٥٣)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٤/ ٢١٧).
(٢) هو عبد اللَّه بن غالب الحُدَّاني البصري العابد، صدوق قليل الحديث، قتل مع ابن الأشعث، قال الذهبي: "واعظ، قانت، متبتل، صادق، قتل يوم الجماجم سنة (٨٣ هـ) "، الكاشف (١/ ٥٨٣)، التقريب (٣٥٢٦).
[ ١ / ١١١ ]
يرحمك اللَّه لم أرد إلا الخير، قلت: رأيتك أتيت هذا الوعاء فأكلت منه طعاما وقد نظرت قبل ذلك فلم أر فيه شيئا، قال: أجل ما من طعام أريد من طعام الناس إلا أكلته من هذا الوعاء، ولا شرابا أريده من شراب الناس إلا شربته من هذه الشجرة، قال: قلت: وإن أردت السمك الطري؟ قال: وإن أردت السمك الطري، قال فقلت: "يرحمك اللَّه، إن هذه الأمة لم تؤمر بالذي صنعت، أمرت بالجماعة والمساجد وتفضل الصلوات في الجماعة، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، قال: هاهنا قرية فيها كل ما ذكرت، وأنا صائر إليها، قال: فكاتبني حينا، ثم انقطع كتابه فظننت أنه مات، قال: وكان عبد اللَّه بن غالب لما مات وجد من قبره ريح المسك" (^١).
_________________
(١) إسناده حسن؛ أيوب بن سويد صدوق يخطئ (٦٢٠)، لكن قال عنه ابن حبان في الثقات (٨/ ١٢٥): "وكان رديء الحفظ، يتقى حديثه من رواية ابنه محمد بن أيوب عنه؛ لأن أخباره إذا سُبرت من غير رواية ابنه عنه وجد أكثرها مستقيمة"، الأولياء (٣٤) رقم (٨٠)، العزلة والانفراد (٩٠) رقم (٧٤)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٤/ ٣٦٣)، وتروى هذه من وجه آخر مرفوعًا عن النبي -ﷺ- يرويها عمن كان قبلنا، أخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ٢٨١) رقم (٧٥٠٠)، وفيها المفضل بن فضالة وهو مقبول التقريب (٦٩٠٧)، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٠٦): "رواه الطبراني في الأوسط عن شيخه محمد بن شعيب ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات على ضعف في بعضهم يسير"، والمعافى النهرواني في الجليس الصالح (١/ ٢٩٢ - ٢٩٤).
[ ١ / ١١٢ ]
٢٤ - حدثنا الحكم بن موسى، حدثنا غسّان بن عبيد، عن سفيان (^١) قال: "كانوا يكرهون الشهرتين، الثياب الجياد التي يشتهر فيها، ويرفع الناس فيها أبصارهم، والثياب الرديئة التي يحتقر فيها، ويستذلّ فيها" (^٢).
٢٥ - حدثت عن مصعب بن سلام، ثنا عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عثمان بن أبي العاص (^٣) قال: "لولا الجمعة وصلاة الجميع، لبنيت في أعلى داري هذه بيتا، ثم دخلته فلم أخرج منه، حتى أخرج إلى قبري" (^٤).
_________________
(١) هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، أبو عبد اللَّه الكوفي، ثقة حافظ، فقيه عابد، إمام حجة، وكان ربما دلس (ت: ١٦١ هـ) وله أربع وستون سنة، التقريب (٢٤٤٥).
(٢) إسناده صحيح، إصلاح المال (٣٣٤) رقم (٤٠٠)، وانظر (٤٠٤)، والتواضع والخمول رقم (٦٤)، وذكره ابن كثير في تفسيره (٣/ ٤٤٩)، وابن الجوزي في تلبيس إبليس (٢٣٩)، وانظر مجموع الفتاوى (١١/ ٥٥٥) (٢٢/ ١٣٨)، وزاد المعاد (١/ ١٣٧).
(٣) هو عثمان بن أبي العاص الثقفي الطائفي، أبو عبد اللَّه، صحابي شهير، أسلم في وفد ثقيف، فاستعمله النبي -ﷺ- على الطائف، ومات في خلافة معاوية بالبصرة، الإصابة (٤/ ٤٥١)، التقريب (٤٤٨٥).
(٤) إسناده منقطع، بين المصنف وشيخه، والأثر حسن من طرقه الأخرى، العزلة والانفراد (٩٥) رقم (٨٣)، وأحمد في الزهد (١٥١)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣/ ١٩٤) رقم (١٥٣٤)، وأبو داود في الزهد رقم (٤٠١).
[ ١ / ١١٣ ]
٢٦ - حدثني محمد بن العباس قال: حدثنا وكيع، عن سفيان (^١) قال: "الزهد في الدنيا قصر الأمل، ليس بأكل الغليظ، ولا لبس العباء" (^٢).
٢٧ - حدثني المفصل بن غسان، حدثنا أبي، عن عمر بن علي، قال سفيان بن حسين (^٣): "تدري ما السمت الصالح؟ واللَّه ما هو بحلق الشارب، ولا تشمير الثوب، إنما هو أن يكون قد لزم الطريق، فيقال له:
_________________
(١) هو الثوري كما جاء مصرحا به في مصادر التخريج.
(٢) إسناده حسن، شيخ المصنف هو محمد بن العباس بن محمد اليزيدي، كان راوية للأخبار والآداب، مصدقا في حديثه، رأسا في نقل النوادر وكلام العرب، إمامٌ في النحو، ففي ترجمته من تاريخ بغداد (٣/ ١١٣) أنه يروي عن أبي العباس ثعلب، وفي ترجمة ثعلب من نفس الكتاب (٥/ ٢٠٤) أنه يروي عنه محمد بن العباس اليزيدي، وبهذا يزول الإشكال والاحتمال الذي ذكره أستاذنا د/ مصلح الحارثي حيث لم يستطع تمييزه وذكره احتمالا هو وأبو جعفر، انظر حاشية (١) التهجد (١١٥)، قصر الأمل (٤٢) رقم (٣٢)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (١/ ١٠١)، وابن بشر في الزهد وصفة الزاهدين رقم (٨)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٨٦)، والبيهقي في الزهد الكبير (٢/ ١٩٤) رقم (٤٦٦)، وذكره الذهبي في السير (٧/ ٢٤٣)، والحسيني في البرهان المؤيد منسوبا لبعض العارفين (٤٢)، وابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ٢٩١)، وانظر مدارج السالكين (٢/ ١٠).
(٣) هو سفيان بن حسين بن حسن، أبو محمد أو أبو الحسن الواسطي، ثقة في غير الزهري باتفاقهم، كان معلم المهدي -وغيره- ومؤدبه، مات بالري مع المهدي، وقيل في أول خلافة الرشيد، تاريخ بغداد (٩/ ١٤٩)، التقريب (٢٤٣٧).
[ ١ / ١١٤ ]
قد أصاب السمت، أتدرون ما الاقتصاد؟ هو الشيء الذي ليس فيه غلو ولا تقصير" (^١).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة حرص علماء الأمة على بيان طريق السلف وهديهم، وأن سلوكه هو الذي ينجي صاحبه، والعمل مهما كانت نية صاحبه حسنة، يجب أن يكون على وفق هدي السلف ومنهجهم، فمتى كان مخالفا لذلك فهو مبتدَع مرفوض، فالوليد وعباد الخواص وابن غالب جميعهم أنكروا الهيئة المنكرة التي رأوا بعض العُبَّاد عليها، لما فيها من مخالفة منهج المسلمين واتباع غير سبيلهم، ولذلك كان أثر سفيان ﵀ معيارا في معرفة الزهد، وأنه ليس بأكل الغليظ، ولبس العباءة، وما حكاه عن السلف أنهم كانوا يكرهون الشهرتين، كل ذلك يؤكد أهمية اتباع سبيل السلف كي لا يقع المرء في البدعة، ويكون فعله وقوله ونياته جميعا على السنة؛ فإنه كما قال الإمام مالك ﵀: "ما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا" (^٢).
وفي قول سفيان بن حسين فائدة مهمة، وهي: أن ما كان مشروعا، فليس الاهتمام به وحده وإهمال باقي أحكام الدين من طريقة السلف، بل
_________________
(١) إسناده لين، عمر بن علي هو المقدمي ثقة وكان يدلس شديدا التقريب (٤٩٨٦)، إصلاح المال (٣٠٢) رقم (٣٢٤)، وابن عبد البر في التمهيد (٢١/ ٦٨) من طريق المفضل به.
(٢) الاحكام لابن حزم (٦/ ٢٢٥)، ومنهج الإمام مالك في إثبات العقيدة (٩٩) ونسبه للشاطبي فقط، وهو فيه غير مسند وعند ابن حزم مسندا.
[ ١ / ١١٥ ]
طريقة السلف هي الوسط بين الغلو والتقصير، وذلك في كل أمور الدين، وهذا مقتضى العبودية للَّه وهو طاعته اللَّه في كل ما شرع أمرا ونهيا، ولهذا كان من سمات أهل السنة أنهم جردوا المتابعة فلا يخصون عملا دون آخر بشيء لم يأت في الكتاب والسنة؛ فإن ذلك من آفة العبودية وهو عبودية مقيدة، قال ابن القيم ﵀: "أهل السنة ليس لهم اسم ينسبون إليه سواها، فمن الناس من يتقيد بلباس لا يلبس غيره، أو بالجلوس في مكان لا يجلس في غيره، أو مشية لا يمشي غيرها، أو بزي وهيئة لا يخرج عنهما، أو عبادة معينة لا يتعبد بغيرها، وإن كانت أعلى منها، أو شيخ معين لا يلتفت إلى غيره وإن كان أقرب إلى اللَّه ورسوله منه، فهؤلاء كلهم محجوبون عن الظفر بالمطلوب الأعلى، مصدودون عنه قد قيّدتهم العوائد والرسوم والأوضاع والاصطلاحات عن تجريد المتابعة، فأضحوا عنها بمعزل، ومنزلتهم منها أبعد منزل، فترى أحدهم يتعبد بالرياضة والخلوة، وتفريغ القلب، ويعد العلم قاطعا له عن الطريق، فإذا ذكر له الموالاة في اللَّه والمعاداة فيه، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، عَدَّ ذلك فضولا وشرا، وإذا رأوا بينهم من يقوم بذلك أخرجوه من بينهم، وعدوه غيرًا عليهم، فهؤلاء أبعد الناس عن اللَّه وإن كانوا أكتر إشارة واللَّه أعلم" (^١).
ومن هنا كان سبيل المؤمنين، وهديهم العام في أصول الدين وفروعه، من أهم ما يجب تحصيله، للتلازم بينه وبين اتباع الكتاب والسنة،
_________________
(١) مدارج السالكين (٣/ ١٧٦)، وانظر قبلها (٣/ ١٧٤).
[ ١ / ١١٦ ]
قال شيخ الإسلام: "طاعة اللَّه والرسول فإنهما متلازمان؛ فمن يطع الرسول فقد أطاع اللَّه، ومن أطاع اللَّه فقد أطاع الرسول، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ (^١)؛ فإنهما متلازمان: فكل من شاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، فقد اتبع غير سبيل المؤمنين، وكل من اتبع غير سبيل المؤمنين، فقد شاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، فإن كان يظن أنه متبع سبيل المؤمنين وهو مخطئ فهو بمنزلة من ظن أنه متبع للرسول وهو مخطئ" (^٢).
وقد بين ابن القيم ﵀ أن أصل البدع في الدين ينشأ من أحد أمرين، إما جهل بتفاصيل سبيل المؤمنين، أو جهل بتفاصيل سبيل المجرمين، ومن هنا كان الصحابة أكمل الناس دينا وعلما، لأنهم عرفوا السبيلين معرفة تفصيلية، وبضدها تتبين الأشياء، ومن لم يعرف تفاصيل السبيلين يوشك أن يخلط بينهما (^٣).
وهذه الآثار اشتملت على أمرين مهمين الأول: هو إنكار هذه الأفعال المبتدعة، والثاني: بيان أنها ليست من سبيل المؤمنين.
ولأهمية بيان سبيل المؤمنين، وسبيل أهل البدع، ذكره جماعة من علماء السلف في جملة معتقداتهم، كما علق الشيخ صالح الفوزان في شرحه للعقيدة
_________________
(١) سورة النساء، الآية (١١٥).
(٢) المجموع (٧/ ٣٨).
(٣) الفوائد (١٠٨)، ثم ذكر أقسام الناس في ذلك.
[ ١ / ١١٧ ]
الواسطية بقوله: "لما ذكر الشيخ طريقة أهل السنة في مسائل العقيدة، ذكر في هذا الفصل والذي بعده (^١)، طريقتهم في عموم الدين أصوله وفروعه، وأوصافهم التي تميزوا بها عن أهل البدع" (^٢)، ثم علق على ما ذكره شيخ الإسلام من أوصافهم وأخلاقهم فقال: "هذا الفصل كالمتمم للفصل الذي قبله فيه بيان لصفات أهل السنة التي هي من مكملات العقيدة" (^٣).
بل الأمر تعدى إلى أبعد من هذا حيث أوردوا كثيرا من الفروع في معتقداتهم لأنها صارت شعارا لبعض أهل البدع، فعلا أو تركا، وذلك حرصا منهم أن لا يلتبس طريق الحق بغيره، قال شيخ الإسلام: "يوجد في كلام أئمة السنة من الكوفيين كسفيان الثوري، أنهم يذكرون من السنة المسح على الخفين، وترك الجهر بالبسملة، كما يذكرون تقديم أبي بكر وعمر ونحو ذلك لأن هذا من شعار الرافضة" (^٤).
بل وجد في بعض كتب المعتقد مسائل اشتهر القول الراجح فيها وصار قول المخالف ظاهر الضعف كتحريم المسكر من غير العنب ونحو ذلك واللَّه أعلم (^٥).
_________________
(١) وهما آخر فصلين في العقيدة الواسطية.
(٢) شرح العقيدة الواسطية (٢١٠).
(٣) المصدر السابق (٢١٥)، وانظر شرح خليل هراس (١٧٩ - ١٨٢).
(٤) المجموع (٢٢/ ٤٢٣)، وانظر فروعا أخرى ذكرها في المنهاج (٤/ ١٥١) كما أنه ﵀ بين أن ذلك ليس حجة في ترك السنة مطلقا وذكر من وافق بعض أهل البدع في قولهم في مسائل الفروع لأن السنة وردت بذلك، ولم يمنعه قولهم به أن يخالف السنة.
(٥) عقيدة السلف وأصحاب الحديث (٢٩٧)، انظر المجموع (٣٤/ ١٨٧).
[ ١ / ١١٨ ]
ولا تكلم الإمام أبو سعيد الدارمي ﵀ عن هدي السلف وآثارهم، وبيّن أنها المرجع في فهم الدين، ومعرفة أحكام الكتاب والسنة، ومراد اللَّه ورسوله، واضطراب الآراء والمعقول في ذلك، قال: "فالمعقول عندنا ما وافق هديهم، والمجهول عندنا ما خالفهم، ولا سبيل إلى معرفة هديهم وطريقتهم إلا هذه الآثار، وقد انسلختم منها، وانتفيتم منها بزعمكم، فأنى تهتدون؟ " (^١).
ومن هنا كان أفضل هذه الأمة هم الصحابة، وأفضلها بعدهم من سار على هديهم واتبع منهجهم، من أئمة الهدى وعلماء السنة، كما قال شيخ الإسلام: "كل من له لسان صدق من مشهور بعلم أو دين، معترف بأن خير هذه الأمة هم الصحابة، وأن المتبع لهم أفضل من غير المتبع لهم. . . ولا تجد إماما في العلم والدين كمالك والأوزاعي. . . وأمثالهم إلا وهم مصرحون بأن أفضل علمهم ما كانوا فيه مقتدين بعلم الصحابة، وأفضل عملهم ما كانوا فيه مقتدين بعمل الصحابة، وهم يرون أن الصحابة فوقهم في جميع أبواب الفضائل والمناقب، والذين اتبعوهم من أهل الآثار النبوية، وهم أهل الحديث والسنة العالمون بطريقهم المتبعون لها، وهم أهل العلم بالكتاب والسنة في كل عصر ومصر، فهؤلاء الذين هم أفضل الخلق من الأولين والآخرين" (^٢).
_________________
(١) الرد على الجهمية (١٢٧).
(٢) شرح العقيدة الأصفهانية (١٦٤).
[ ١ / ١١٩ ]
الفصل الثاني: الآثار الواردة في الابتداع.
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: الآثار الواردة في خطورة البدع.
المبحث الثاني: الآثار الواردة في سد الذرائع إلى البدع.
المبحث الثالث: الآثار الواردة في أحكام المبتدعة في الدنيا والآخرة.
[ ١ / ١٢٠ ]
المبحث الأول: الآثار الواردة في خطورة البدع.
وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: الآثار الواردة في نهي السلف عن الأهواء وتعوذهم منها.
المطلب الثاني: الآثار الواردة في تمني الموت قبل وقوع البدع.
المطلب الثالث: الآثار الواردة في سرعة وقوع البدع في الناس.
المطلب الرابع: الآثار الواردة في أن البدع سبب هلاك من هلك من هذه الأمة.
المطلب الخامس: الآثار الواردة في تألم السلف من ظهور البدع وترك السنن.
[ ١ / ١٢١ ]
المبحث الأول: الآثار الواردة في خطورة البدع.
لما كان أمر الدين قائما على الاتباع، وسلوك سبيل السلف السابقين، والاستسلام لما جاء به النبي -ﷺ- من ربه، والحذر من إحداث شيء لم يكن عليه الصدر الأول من هذه الأمة، كما سبق بيانه في الفصل الأول، كان عكس ذلك وهو الإحداث في الدين، والابتداع فيه، من أخطر الأمور، وقد وردت نصوص كثيرة تحذر منه كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (^١)، وقال النبي -ﷺ-: "خير الحديث كتاب اللَّه، وخير الهدي هدي محمد -ﷺ-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" (^٢)، وقد جاءت آثار كثيرة عن السلف بيّنوا فيها خطورة البدع والإحداث في الدين، ورد العديد منها في كتب ابن أبي الدنيا، ونظرا لكثرتها، فقد قسمتها على مطالب، أظهرت في كل مطلب معنى من المعاني التي لوحظت في بيان خطورة البدع.
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية (١٥٣).
(٢) أخرجه مسلم (٢/ ٥٩٢) رقم (٨٦٧).
[ ١ / ١٢٢ ]
المطلب الأول: الآثار الواردة في نهي السلف عن الأهواء وتعوذهم منها
٢٨ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، نا جرير، عن عطاء بن السائب، عن أبي البختري، أن عمر -﵁- (^١) كتب إلى أبي موسى -﵁-: "أن لا تؤخِّر عمل اليوم لغد فتتوالى عليكم الأعمال فتضيع، وإن للناس نفرة عن سلطانهم، أعوذ باللَّه أن تدركني ضغائن محمولة، ودنيا مؤثرة، وأهواء متّبعة" (^٢).
٢٩ - حدثني محمد بن إدريس الحنظلي، أنا إسحاق بن عبد المؤمن
_________________
(١) هو أمير المؤمنين الفاروق أبو حفص عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي، أسلم في السنة السادسة من النبوة، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وثاني الخلفاء الراشدين، وصهر رسول اللَّه -ﷺ-، له عدة موافقات للقرآن الكريم، ولي الخلافة بعهد من أبي بكر الصديق -﵁- سنة (١٣ هـ)، قتل شهيدا سنة (٢٣ هـ) طعنه أبو لؤلؤة المجوسى، الإصابة (٤/ ٥٨٨)، تاريخ الخلفاء (٩٩).
(٢) إسناده منقطع؛ فإن أبا البختري لم يسمع من عمر ويرسل عنه كثيرا كما في تحفة التحصيل (١٢٦)، والأثر حسن لغيره في المتابعات؛ فإنه قد تابعه الحسن البصري ويزيد بن رومان عن عمر، وجميعهم روايتهم عن عمر مرسلة، ذم الدنيا (٨٨ - ٨٩) رقم (٢٣٠)، وأبو عبيدة في الأموال رقم (١٠) عن الحسن به، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٤٥٥) رقم (٣٧١٨١) عن أبي البختري به، وابن شبة في أخبار المدينة (١/ ٤٠٩) عن الحسن به، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ١٣٥) عن يزيد بن رومان به.
[ ١ / ١٢٣ ]
الدمشقي قال: كتب إليّ أحمد بن عاصم الأنطاكي (^١) فكان في كتابه: ". . . وإياك والميل إلى هواك؛ فإنه يصدّك عن الحق. . . " (^٢).
٣٠ - حدثنا يعقوب بن عبيد قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا سفيان الثوري، عن زبيد الإيامي، عن مهاجر العامري قال: قال علي بن أبي طالب (^٣) -﵁-: "إن أخوف ما أخاف عليكم اثنتين: اتباع الهوى، وطول الأمل: فأما اتباع الهوى: فيصدّ عن الحق، وأما طول الأمل: فينسي الآخرة" (^٤).
_________________
(١) هو أحمد بن عاصم الأنطاكي أبو عبد اللَّه، من متقدمي مشايخ الثغور وعبادهم، كان يقال له جاسوس القلوب، أورده ابن حبان في الثقات، ليس له كبير حديث مسند، وله في الزهد، انظر الثقات لابن حبان (٨/ ٢٠)، وله ترجمة إضافية في الحلية (٩/ ٢٨٠).
(٢) إسناده حسن؛ إسحاق بن عبد المؤمن صدوق كما في الجرح والتعديل (٢/ ٢٢٩)، ذم الدنيا (١٤٨) رقم (٤٥٥)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٨/ ٢٦٠ - ٢٦١).
(٣) هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي، من أول الناس إسلاما، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، بايعه جميع من كان بالمدينة من الصحابة بالخلافة بعد مقتل عثمان، قال ابن حجر: "وهو يومئذ أفضل الأحياء من بني آدم بالأرض بإجماع أهل السنة"، قتله ابن ملجم الخارجى سنة (٤٠ هـ)، الإصابة (٤/ ٥٦٤)، التقريب (٤٧٥٣)، تاريخ الخلفاء (١٤٩).
(٤) إسناده حسن، شيخ المصنف صدوق كما سيأتي (١٧٦)، أما مهاجر العامري فهو مهاجر بن شماس ثقة كما في الجرح والتعديل (٨/ ٢٦١)، قصر الأمل (٥٠) رقم =
[ ١ / ١٢٤ ]
٣١ - حدثني عبد الرحمن بن صالح، حدثنا أبو بكر بن عياش قال: قال عمر بن الخطاب -﵁-: "لا خير فيما دون الصدق من الحديث، من يكذب يفجر، ومن يفجر يهلك، قد أفلح من حُفظ من ثلاث: الطمع، والهوى، والغضب" (^١).
٣٢ - حدثنا ابن جميل، أخبرنا ابن المبارك، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن يزيد بن أيهم، عن النعمان بن بشير (^٢)، أنه كان يقول:
_________________
(١) = (٤٩)، وأحمد في فضائل الصحابة (١/ ٣٥٠) رقم (٨٨١)، وفي الزهد (١٣٠)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٧٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٣٦٩) رقم (١٠٦١٣)، وابن حجر في تغليق التعليق (٥/ ١٥٩)، وفتح الباري (١١/ ٢٣٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٢/ ٤٩٤ - ٤٩٥)، ويروى هذا الأثر مرفوعا إلى النبي -ﷺ- ولا يصح رفعه، انظر الإحالة على تغليق التعليق حيث قال ابن حجر: "والصواب الموقوف"، والعلل المتناهية لابن الجوزي (٢/ ٣٢٩).
(٢) إسناده منقطع، فإن أبا بكر بن عياش لم يدرك عمر، فهو من السابعة كما في التقريب (٨٠٤٢)، والأثر حسن من طريق البيهقي الآتية، وهي نفس طريق ابن أبي الدنيا برقم (٤٨٨) إلا أنها عنده دون محل الشاهد وعند البيهقي أكمل سياقا. كتاب الصمت وآداب اللسان (٢٤٤) رقم (٤٩٦)، والبيهقي في الكبرى (٣/ ٢١٥) رقم (٥٥٩٤) في أنه كان يقول ذلك في خطبته، وفي شعب الإيمان (٧/ ٣٦٨) رقم (١٠٦١٠)، عن أبي هريرة: أن عمر: إلخ.
(٣) هو النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي، له ولأبويه صحبة، أول أنصاري ولد بعد الهجرة، ثم سكن الشام، ثم ولي إمرة الكوفة، ثم قتل بحمص سنة (٦٥ هـ) وله أربع وستون سنة، الإصابة (٦/ ٤٤٠)، التقريب (٧١٥٢).
[ ١ / ١٢٥ ]
"إن للشيطان مناصب وفخوخا، ومن مناصب الشيطان وفخوخه: البطر بأنعم اللَّه ﷿، والفخر بعطاء اللَّه ﷿، والكبرياء على عباد اللَّه ﷿، واتباع الهوى في غير ذات اللَّه ﷿" (^١).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة تحذير السلف من الأهواء؛ حيث تضمنت أن اتباع الأهواء يصد عن الحق، وأن من عصم منها فقد أفلح، وأنه من مصائد الشيطان وفخوخه؛ وتعوذ السلف من ذلك، ولا شك أن اتباع الهوى من أهم أسباب البدع، قال الشاطبي ﵀: "اتباع الهوى أصل الابتداع" (^٢)، و"الشريعة موضوعة لإخراج المكلف عن داعية هواه، حتى يكون عبدًا للَّه" (^٣)، ويلاحظ أنه من شدة خطورته تعوّذ عمر الفاروق -﵁- من إدراكه أي أن يدركه أصحاب الأهواء المتبعة، فضلا أن يكون هو صاحب هوى متبع، وذلك لشدة خطورته وعظيم ضرره، قال ابن القيم
_________________
(١) إسناده لين، ابن أيهم مقبول التقريب (٧٧٤٣)، إصلاح المال (٣٠٨) رقم (٣٤٥)، والبخاري في الأدب المفرد (١٩٤) رقم (٥٥٣)، والتاريخ الكبير (٨/ ٣٢١)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٢٦٠)، والخرائطي في فضيلة الشكر رقم (٦٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٢/ ١٢٤)، ويروى مرفوعا وضعفه الألباني في ضعيف الجامع رقم (١٩٦٤) والضعيفة (٢٤٦٣)، وفي مصادر التخريج ما يفيد سقوط الهيثم بن مالك الطائي شيخ ابن أيهم من طبعة ابن أبي الدنيا.
(٢) الاعتصام (٤١٢).
(٣) الاعتصام (٣٧٦)، وانظر تفصيلها في الموافقات (٢/ ١٦٨).
[ ١ / ١٢٦ ]
﵀: "الفتنة نوعان: فتنة الشبهات، وهي أعظم الفتنتين، وفتنة الشهوات، وقد يجتمعان للعبد وقد ينفرد بإحداهما، ففتنة الشبهات من ضعف البصيرة، وقلة العلم، ولا سيما إذا اقترن بذلك فساد القصد وحصول الهوى فهنالك الفتنة العظمى والمصيبة الكبرى، فقل ما شئت في ضلال سيء القصد، الحاكم عليه الهوى لا الهدى، مع ضعف بصيرته، وقلة علمه بما بعث اللَّه به رسوله، فهو من الذين قال اللَّه تعالى فيهم: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ (^١)، وقد أخبر اللَّه سبحانه أن اتباع الهوى يضل عن سبيل اللَّه فقال: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ (^٢)، وهذه الفتنة مآلها إلى الكفر والنفاق، وهي فتنة المنافقين، وفتنة أهل البدع على حسب مراتب بدعهم، فجميعهم إنما ابتدعوا من فتنة الشبهات التي اشتبه عليهم فيها الحق بالباطل، والهدى بالضلال، ولا ينجي من هذه الفتنة إلا تجريد اتباع الرسول، وتحكيمه في دق الدين وجله، ظاهره وباطنه، عقائده وأعماله، حقائقه وشرائعه" (^٣).
ولما كان اتباع الهوى بريد البدعة والموصل إليها، كان ذلك صفة
_________________
(١) سورة النجم، من الآية (٢٣).
(٢) سورة ص، الآية (٢٦).
(٣) إغاثة اللهفان (٢/ ١٦٥).
[ ١ / ١٢٧ ]
ملازمة لأهلها، كما قال شيخ الإسلام: "المؤمنون أهل السنة. . . أعمالهم خالصة للَّه تعالى، موافقة للسنة، وأعمال مخالفيهم لا خالصة ولا صواب، بل بدعة، واتباع الهوى، ولهذا يسمون أهل البدع وأهل الأهواء" (^١).
وقد مثل شيخ الإسلام تأثير الهوى على اتباع الحق وصده عنه، بالآفات والعاهات الحسية التي تمنع البصر أو أي عضو من الإدراك فقال: "الإرادة الفاسدة هي: الهوى الذي يصد عن معرفة الحق، وهو مرض في القلب يمنعه ما فطر عليه من صحة الإدراك والحركة، كما يمنع مرض العين ما فطرت عليه من صحة الإدراك والحركة، وكذلك المرض في سائر الأعضاء، فهؤلاء الذين لا يجدون في أنفسهم علما ضروريا، وقصدا ضروريا لمن هو فوق العالم، قد مرضت قلوبهم وفسدت فطرتهم، ففسد إحساسهم الباطن كما يفسد الإحساس الظاهر، مثل المُرَّة التي تفسد الذوق، والحول والعشى الذي يفسد البصر وغير ذلك، ولهذا إنما يكون الاعتبار في هذا بذوي الفطر السليمة من الفساد والإحالة" (^٢).
ولما كان اتباع الهوى هو الميل بالنفس لرغباتها، والانسياق وراء ما تميل إليه، ورد في السنة المطهرة الاستعاذة من شر النفس حيث أوصى النبي -ﷺ- أبا بكر الصديق أن يقول في دعاء الصباح والمساء: "أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه، وأن أقترف على نفسي سوءا أو
_________________
(١) الرد على البكري (٢/ ٤٩١)، وانظر رسالة في الزهد (٩).
(٢) بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٤٧٠)، وانظر النبوات (١٦٨).
[ ١ / ١٢٨ ]
أجره إلى مسلم"، قال ابن القيم ﵀: "تضمن هذا الحديث الشريف الاستعاذة من الشر وأسبابه وغايته؛ فإن الشر كله إما أن يصدر من النفس أو من الشيطان، وغايته إما تعود على العامل، أو على أخيه المسلم، فتضمن الحديث مصدري الشر للذين يصدر عنهما، وغايتيه اللتين يصل إليهم"، وكان من هديه -ﷺ- في خطبة الحاجة أن يقول: "ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا" (^١).
_________________
(١) انظر: رسالة خطبة الحاجة للشيخ الألباني ﵀.
[ ١ / ١٢٩ ]
المطلب الثاني: الآثار الواردة في تمني الموت قبل وقوع البدع.
٣٣ - حدثنا أحمد بن محمد بن أيوب، عن إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق قال: "قال أبو بكر الصديق -﵁- (^١) يبكي رسول اللَّه:
أَعُيَيشُ ويحك إن حِبِّي قد ثوى فأبوك مهيوض الجناح كسير
يا ليتني من قبل مهلك صاحبي غُيِّبت في جَدَثٍ عليَّ الصخور
فلتحدثنَّ بدائع من بعده تغلي لهنّ جوانح وصدور" (^٢).
التحليل والتعليق
تضمن الأثر السابق خوف الصديق مما سيحدث من البدع، وتمنيه الموت قبل وقوعها، وهذا التمني جائز لأنه متعلق بأمر ديني وأخروي؛ فإذا خشي المسلم على دينه في الفتن جاز له تمني الموت، قال ابن حجر ﵀: "قوله "لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه" الخطاب للصحابة، والمراد هم ومن بعدهم من المسلمين عموما، وقوله: "من ضر أصابه"
_________________
(١) هو عبد اللَّه بن عثمان بن عامر القرشي التميمي، أبو بكر بن أبي قحافة، الصدِّيق الأكبر، خليفة رسول اللَّه -ﷺ-، ثاني اثنين في الغار، مات في جمادى الأولى سنة (١٣ هـ) وله ثلاث وستون سنة، الإصابة (٤/ ١٦٩)، التقريب (٣٤٦٧)، تاريخ الخلفاء (٣١).
(٢) إسناده معضل؛ فإن محمد بن إسحاق بينه وبين أبي بكر الصدِّيق مفاوز، انظر تحفة التحصيل (٢٧٤)، المتمنين (٤٥) رقم (٥٦)، وابن سعد في الطبقات (٢/ ٣٢٠) من طريق الواقدي معضلا أيضا.
[ ١ / ١٣٠ ]
حمله جماعة من السلف على الضر الدنيوي؛ فإن وجد الضر الأخروي: بأن خشي فتنة في دينه، لم يدخل في النهي. . . وقد فعل ذلك جماعة من الصحابة، ففي الموطأ عن عمر أنه قال: "اللهم كبرت سني وضعفت قوتي وانتشرت رعيتي فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط" (^١) وأخرجه عبد الرزاق من وجه آخر عن عمر، وأخرج أحمد وغيره من طريق عبس ويقال عابس الغفاري أنه قال: يا طاعون خذني، فقال له عليم الكندي: لم تقول هذا؟ ألم يقل رسول اللَّه -ﷺ-: "لا يتمنين أحدكم الموت"، فقال إني سمعته يقول: "بادروا بالموت ستا إمرة السفهاء وكثرة الشرط وبيع الحكم" (^٢) الحديث، . . . وأصرح منه في ذلك حديث معاذ الذي أخرجه أبو داود وصححه الحاكم في القول في دبر كل صلاة وفيه: "وإذا أردت بقوم فتنة فتوفني إليك غير مفتون" (^٣) " (^٤).
وقد اعتنى ابن رجب ﵀ بشرح هذه المسألة في كتابه الجليل اختيار الأولى فقال: "وهذا من أهم الأدعية؛ فإن المؤمن إذا عاش سليمًا من الفتن، ثم قبضه اللَّه تعالى إليه، قبل وقوعها وحصول الناس فيها،
_________________
(١) سيأتي (٦٩٤) تخريجه في باب الآثار الواردة في الصحابة والإمامة.
(٢) مسند الإمام أحمد (٢٥/ ٤٢٧) رقم (١٦٠٤٠)، وقال محققوه: "حديث صحيح، وهذا إسناد ضعيف" ثم توسعوا في تخريجه.
(٣) انظر السنة لابن أبي عاصم (١٦٩ - ١٧٠) فقد صححه الشيخ الألباني ﵀.
(٤) فتح الباري (١٠/ ١٢٨)، وانظر الاستذكار (٣/ ١١٨)، وسبل السلام (٢/ ٨٩).
[ ١ / ١٣١ ]
كان في ذلك نجاة له من الشر كله. . . والدعاء بالموت خشية الفتنة في الدين جائز، وقد دعا به الصحابة والصالحون بعدهم. . . -ثم بيّن أنه لا بد للمرء من فتن عموما كفتنة المال والأولاد والأهل. . . وبيّن أنه لا يشرع تمني الموت وطلبه في كل نوع منها- وأما الفتن المضلة التي يخشى منها فساد الدين فهى التي يستعاذ منها، ويسأل الموت قبلها، فمن مات قبل وقوعه في شيء من هذه الفتن فقد حفظه اللَّه تعالى وحماه" (^١).
_________________
(١) وهو بحث نفيس جدا جمع فيه شتات الموضوع واعتنى ببيان جوانبه المختلفة، (١١٨ - فما بعدها).
[ ١ / ١٣٢ ]
المطلب الثالث: الآثار الواردة في سرعة وقوع البدع في الناس.
٣٤ - حدثني عبد الرحمن بن عبد اللَّه الباهلي قال: أخبرنا سفيان ابن عيينة، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن صفية (^١) قالت: "زلزلت المدينة على عهد عمر -﵁-، فقال: أيها الناس، ما هذا؟ ما أسرع ما أحدثتم؟ لئن عادت لا أساكنكم فيها" (^٢).
التحليل والتعليق
تضمن أثر الخليفة الراشد عمر بن الخطاب -﵁- بيان سرعة وقوع المحدثات في الناس، وجعل ذلك سبب الزلزلة التي وقعت في المدينة النبوية في عهده -﵁-، ولا ريب أن البدع والمحدثات سريعة الوقوع؛ لأن دافعها الهوى، وتزيين الشيطان، وهما مصدرا الشر كما سبق عن ابن القيم، وقد ورد ما يؤيد فراسة عمر -﵁- سرعة الإحداث من قول عبد اللَّه بن مسعود -﵁- لما تحلق أولئك القوم في المسجد وجعل أحدهم يقول: سبحوا مائة، فيسبحون مائة ثم يطلب منهم مثله في التهليل والتحميد،
_________________
(١) هي صفية بنت أبي عبيد بن مسعود الثقفية، زوج ابن عمر، قيل لها إدراك، وأنكره الدارقطني، وقال العجلي: ثقة، توفيت في إمارة الزبير، الإصابة (٤/ ٣٥١) القسم الثاني، التقريب (٨٦٢٣).
(٢) العقوبات (٣١) رقم (٢٠)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢/ ٢٢١) رقم (٨٣٣٥)، وابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ٤١٨)، والتمهيد (٣/ ٣١٨)، وذكره العيني في عمدة القاري (٤/ ٥٧).
[ ١ / ١٣٣ ]
فأنكر أبو موسى الأشعري ما رآه منهم في المسجد، وذهب ليخبره بذلك، فأتاهم وقال مستنكرا: "فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم، هؤلاء صحابة نبيكم -ﷺ- متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد، أو مفتتحوا باب ضلالة، قالوا: واللَّه يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير، قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه، إن رسول اللَّه ﷺ حدثنا أن قوما يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وأيم اللَّه ما أدري لعل أكثرهم منكم، ثم تولى عنهم، فقال عمرو بن سلمة: رأينا عامة أولئك الخلق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج" (^١).
ولعل الذي جعل عمر -﵁- يقول ما قال علمه بأنه سيكون إحداث في الدين بعد وفاة رسول اللَّه -ﷺ- ويقينه بذلك حيث ورد عنه أنه قال: "إنه سيأتي ناس يجادلونكم بشبهات القرآن، فخذوهم بالسنن؛ فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب اللَّه" (^٢).
_________________
(١) أخرجه الدارمي في سننه (١/ ٧٩) رقم (٢٠٤) بسند حسن، ومن طريقه ذكره أبو شامة في الباعث على إنكار البدع والحوادث (٦٤ - ٦٥)، وبحشل في تاريخ واسط (١/ ١٩٩)، وابن وضاح في البدع والنهي عنها ذكر له عدة طرق وألفاظ.
(٢) أخرجه الدارمي في السنن (١/ ٦٢) رقم (١١٩) بسند حسن وغيره، وهناك بعض المخالفات في أمور عملية ظهرت في عصر الخلفاء الراشدين تصدى لها الصحابة وعاملوها معاملة البدعة لبيان أنها ليست من الدين، حتى لا يلتبس الدين بغيره، انظر =
[ ١ / ١٣٤ ]
وينبغي هنا الإشارة إلى أن البدع الكبيرة لم تقع في أوائل عصر الصحابة رضوان اللَّه عليهم، ولا في مدينة الخلافة النبوية، فإنه كما قال شيخ الإسلام: "كان القرن الأول من كمال العلم والإيمان على حال لم يصل إليها القرن الثاني، وكذلك الثالث، وكان ظهور البدع والنفاق بحسب البعد عن السنن والإيمان، وكلما كانت البدعة أشد تأخر ظهورها، وكلما كانت أخف كانت إلى الحدوث أقرب" (^١)، وقال ﵀: "فأما الأعصار الثلاثة المفضلة، فلم يكن فيها بالمدينة النبوية بدعة ظاهرة ألبتة، ولا خرج منها بدعة في أصول الدين ألبتة، كما خرج من سائر الأمصار. . . -ثم ذكر البدع الكبيرة التي حدثت في كل مصر- وأما المدينة النبوية فكانت سليمة من ظهور هذه البدع، وإن كان بها من هو مضمر لذلك، فكان عندهم مهانا مذمومًا؛ إذ كان بها قوم من القدرية وغيرهم، ولكن كانوا مذمومين مقهورين، بخلاف التشيع والإرجاء بالكوفة، والاعتزال وبدع النساك بالبصرة، والنصب بالشام؛ فإنه كان ظاهرا. . . ولم يزل العلم والإيمان بها ظاهرا، إلى زمن أصحاب مالك، وهم أهل القرن الرابع (^٢) حيث أخذ القرن عن مالك وأهل طبقته" (^٣).
_________________
(١) = مثلا الباعث على إنكار البدع والحوادث (٦٨).
(٢) شرح العقيدة الأصفهانية (٨٤)، والمجموع (٢٠/ ٣٠١).
(٣) مجموع الفتاوى (٢٠/ ٣٠٠ - ٣٠٢) بتصرف.
(٤) أصحاب مالك -﵀- هم أهل القرن الثالث وليس الرابع؛ لأنه توفي سنة =
[ ١ / ١٣٥ ]
المطلب الرابع: الآثار الواردة في أن البدع سبب هلاك مَن هلك مِن هذه الأمة.
٣٥ - حدثني محمد بن هارون، ثنا الحسن بن موسى، ثنا مهدي بن ميمون، ثنا واصل مولى أبي عيينة قال: دفع إلي يحيى بن عقيل (^١) صحيفة قال: أنبئت أن عبد اللَّه بن مسعود كان يقول: "الذنوب أربعة: ذنبان مغفوران، وذنبان لا يغفران، رجل عمل ذنبا خطأ فاللَّه يمنّ ولا يعذّبه عليها، وقد قال فيما أنزل: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ (^٢)، ورجل عمل ذنبا قد علم ما فيه فتاب إلى اللَّه منه، وندم على ما فعل، وقد جزى اللَّه أهل هذا الذنب أفضل الجزاء، فقال في كتابه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ (^٣)، إلى آخر الآية، وذنبان لا يغفر لأهلهما: رجل قد عمل ذنبا قد علم ما فيه، فأصرّ عليه ولم يتب إلى اللَّه منه، ولن يتوب اللَّه على عبد حتى يتوب، ولن يغفر اللَّه لمذنب حتى يستغفر، ورجل زيّن له سوء عمله فرآه حسنا؛ فإن هذه التي يهلك فيها
_________________
(١) = (١٧٩ هـ) واللَّه أعلم.
(٢) هو يحيى بن عُقَيل الحذاء البصري نزيل مرو، صدوق من الثالثة، مشاهير علماء الأمصار (١٢٦)، التقريب (٧٦١٠).
(٣) سورة الأحزاب، من الآية (٥).
(٤) سورة آل عمران، من الآية (١٣٥).
[ ١ / ١٣٦ ]
عامة من يهلك من هذه الأمة" (^١).
٣٦ - حدثني عبد الرحمن بن صالح، ثنا ابن أبي غَنِيَّة، عن داود بن أبي السوداء (^٢) قال: قال كعب لعلي -﵁-: "ألا أخبرك بثلاث منجيات جاء بهن موسى -ﷺ-؟ لزومك بيتك، وبكاؤك على خطيئتك، وكفّك لسانك، قال: فعارضه عليّ -﵁- فقال: ألا أخبرك ثلاث مهلكات؟ نكث الصفقة، وترك السنة، ومفارقة الجماعة" (^٣).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة أن البدع من أسباب الهلاك في الأمة، وذلك أن البدع من جملة المعاصي (^٤)، بل هي أشد أنواع المعاصي، وقد عدها ابن القيم ﵀ عند تقسيمه للذنوب وأنواعها، من الذنوب الشيطانية، فقال: "الذنوب تنقسم إلى أربعة أقسام: ملكية وشيطانية وسبعية وبهيمية، لا تخرج عن ذلك؛ فإن الذنوب الملكية: أن من يتعاطا ما لا يصلح له من صفات الربوبية كالعظمة والكبرياء والجبروت والقهر
_________________
(١) إسناده حسن إلى يحيى، وقد ذكر بالرواية عن أنس وعمران بن حصين، وروايته هنا عن عبد اللَّه ليست سماعا، التوبة (٥٥ - ٥٦) رقم (٣٢).
(٢) لم أقف له على ترجمة.
(٣) إسناده ضعيف، داود بن أبي السوداء لم يذكره إلا المزي في تهذيب الكمال (٨/ ٦٧) ضمن شيوخ ابن أبي غنية، العزلة والانفراد (١٤٣ - ١٤٤) رقم (١٦١).
(٤) انظر كتاب الاعتصام للشاطبي (٢١٤)، وذكر فيه تفاوتها وانقسامها إلى كبيرة وصغيرة كانقسام الذنوب.
[ ١ / ١٣٧ ]
والعلو والظلم واستعباد الخلق ونحو ذلك ويدخل في هذا الشرك بالرب تعالى. . . وهذا القسم أعظم أنواع الذنوب. . . وأما الشيطانية: فالتشبه بالشيطان في الحسد والبغى. . . والأمر بمعاصي اللَّه وتحسينها والنهي عن طاعة اللَّه وتهجينها، والابتداع في دينه والدعوة إلى البدع والضلال، وهذا النوع يلى النوع الأول في المفسدة" (^١)، وعند شرحه لقول مالك بن مغول: "الكبائر ذنوب أهل البدع، والسيئات ذنوب أهل السنة" قال ﵀: "يريد أن البدعة من الكبائر، وأنها أكبر من كبائر أهل السنة، فكبائر أهل السنة صغائر بالنسبة إلى البدع، وهذا معنى قول بعض السلف: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية لأن البدعة لا يتاب منها والمعصية يتاب منها" (^٢).
وهذا ما أشار إليه ابن مسعود -﵁- في الأثر السابق من كونه زين له سوء عمله، وأنه عامة الذي يهلك فيه من هلك من هذه الأمة، وبيّن علي -﵁- أن من المهلكات: ترك السنة، مفارقة الجماعة، قال شيخ الإسلام: "كان السلف يحذرون من هذين النوعين: من المبتدع في دينه، والفاجر في دنياه،
_________________
(١) الجواب الكافي (٨٦)، وانظر (١٠٠) في أن هذا الترتيب عام وإلا فقد تكون البدعة أشد من الشرك، ومقارنته بين المشرك والملحد والمعطل، وجعل هذا الكلام مقدمة لما سيذكره من ترتب العقوبات على المعاصي والذنوب من العقوبات في الدنيا والآخرة، وانظر كتاب تنبيه أولي الأبصار إلى كمال الدين وما في البدع من الأخطار (١٠٢).
(٢) مدارج السالكين (١/ ٣٥٠).
[ ١ / ١٣٨ ]
كل من هذين النوعين وإن لم يكن كفرا محضا، فهذا من الذنوب والسيئات التي تقع من أهل القبلة. . . فمن خلص من الشهوات المحرمة، والشهوات المبتدعة وجبت له الجنة، وهذه هي الثلاثة: الكلام المنهى عنه، والطعام المنهي عنه، والنكاح المنهي عنه، فإذا اقترن بهذه الكبائر استحلالها كان ذلك أمرا، فكيف إذا جعلت طاعة وقربة وعقلا ودينا، وهؤلاء هم الذين يستحقون عقوبة أمثالهم من الأمم (^١)، كما ثبت في الصحيح أنه يكون في هذه الأمة من يمسخ قردة وخنازير، وكما روى أنه سيكون فيها خسف وقذف ومسخ" (^٢)، وقد فصّل الإمام الشاطبي ﵀ هذه الجملة تفصيلا بديعا حيث بيّن في كل نوع من أنواع العقوبات التي وردت عن النبي -ﷺ- في آخر الزمان، كيف دخلتها البدعة ولو كانت من باب العادات وعموم المعاصي، فقال بعد نقله لعدة أحاديث فيما سيقع من عقوبات في هذه الأمة كالمسخ والخسف والقذف وغير ذلك: "فهذه الأحاديث وأمثالها مما أخبر به النبي -ﷺ- أنه يكون في هذه الأمة بعده، إنما هو -في الحقيقة- تبديل الأعمال التي كانوا أحق بالعمل بها، فلما عوضوا منها غيرها، وفشا فيها كأنه من المعمول به تشريعًا، كان من جملة الحوادث الطارئة على نحو ما بين في العبادات"، فالمعصية قد تكون مخالفة شرعية فقط، وقد يضاف إليها وجه آخر للنهي، وهى اتخاذها سنة تخالف
_________________
(١) وانظر كذلك المجموع (٨/ ٤١٦).
(٢) الاستقامة (١/ ٤٥٧).
[ ١ / ١٣٩ ]
بها الطريقة الشرعية، أو قد تستباح ونحو ذلك، وعلى هذا تكون العقوبة والهلاك الذي يحصل في الأمة في آخر الزمان، قال الشاطبي: "إن مدارك تلك الأحاديث على بضع عشرة خصلة، يمكن ردها إلى أصول هي كلها أو غالبها بدع، وهي قلة العلم وظهور الجهل، والشح وقبض الأمانة، وتحليل الدماء والزنا والحرير والغناء والربا والخمر، وكون المغنم دولًا، والزكاة مغرمًا، وارتفاع الأصوات في المساجد، وتقديم الأحداث ولعن آخر الأمة أولها، وخروج الدجالين، ومفارقة الجماعة" (^١)، ثم قال: "فالحاصل أن أكثر الحوادث التي أخبر بها النبي -ﷺ- من أنها تقع وتظهر وتنتشر، أمور مبتدعة على مضاهاة التشريع، لكن من جهة التعبد، لا من جهة كونها عادية، وهو الفرق بين المعصية التي هي بدعة، والمعصية التي هي ليست ببدعة، وأن العاديات من حيث هي عادية لا بدعة فيها، ومن حيث يتعبد بها أو توضع وضع التعبد تدخلها البدعة" (^٢).
ومن هنا قال الإمام مالك مقالته المشهورة: "السنة سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق" (^٣)، قال شيخ الإسلام: "سبب ظهور
_________________
(١) الاعتصام (٤٠١)، وانظر هذه وما ورد في ذلك من النصوص الشرعية كتب الفتن، ككتاب الفتن لنعيم، وكتاب السنن الواردة في الفتن لأبي عمرو الداني، ورسالة المعاصي وآثارها على الفرد والمجتمع.
(٢) الاعتصام (٤١٦).
(٣) انظر منهج الإمام مالك في العقيدة (٩٠)، وأخرجه كذلك الخطيب في تاريخه (٧/ ٣٣٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٤/ ٩)، وذكره السيوطي في مفتاح الجنة =
[ ١ / ١٤٠ ]
البدع في كل أمة. . . وهو خفاء سنن المرسلين فيهم، وبذلك يقع الهلاك، ولهذا كانوا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة، قال مالك ﵀: السنة مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها هلك" (^١).
وقال المناوي -﵀- لما تكلم عن موت المبتدع: "لأن موته راحة للعباد لإفتانه لهم، وللبلاد والشجر والدواب لأن ظهور البدع سبب للقحط" (^٢).
_________________
(١) = (١/ ٧٦).
(٢) شرح العقيدة الأصفهانية (١٨٤).
(٣) فتح القدير (١/ ٤٣٩)، وانظر (٦/ ٢٩٧).
[ ١ / ١٤١ ]
المطلب الخامس: الآثار الواردة في تألم السلف من ظهور البدع وترك السنن
٣٧ - حدثني أبو عثمان الفارسى قال: ثنا معتمر بن سليمان، عن الفرات بن سليمان قال: قال الحسن: "إن الناس كانوا مرة والعُسْرُ لا يزيدُ الرجلَ إلا خيرا، ليس من جرب كمن لم يجرب، فالناس اليوم يذهبون سفالا سفالا، قلّت الأمانة، واشتدّ الشح، وفشت القطيعة، وظهرت البدع، وتركت السنن، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون، واللَّه ما من رجل اليوم بصير بهذا الدين يضع بصره إلا وهو مغموم محزون مما يراعى من الناس، ومما يراعى من نفسه، ذهبت الوجوه والمعارف، وظهرت النكر، فلا تكاد تعرف شيئا" (^١).
التحليل والتعليق
تضمن أثر الحسن البصري ﵀ ما كان عليه السلف من الحرص على السنن، والتألم من ظهور البدع والمخالفات، وتغير حال الزمان مما يدخل الغم والحزن على المسلم البصير بدينه، ولهم في ذلك أسوة بنبيهم -ﷺ- حيث كان يتألم من عدم إيمان من آمن من قومه، ويتحسر على ذلك، وهو يراهم في ضلالهم وغيهم، حتى أرشده ربه ﷿
_________________
(١) إسناده لين؛ شيخ المصنف هو إسماعيل بن تاشاف أبو عثمان الفارسي أورده الصيداوي في معجم الشيوخ (٢٢٤) ولم يذكر فيه شيئا، الهم والحزن (٩٩) رقم (١٧٤)، وابن المبارك بسياق مغاير في الزهد رقم (٣٥).
[ ١ / ١٤٢ ]
إلى التخفيف من كثرة التأسف والأسى على ضلال الكفار، كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ (^١)، وقال: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾ (^٢).
ومن هنا يظهر أن هذا الحزن على ظهور البدع وتألم السلف من ذلك، هو من باب التألم من المصائب، ومقابلتها بالاسترجاع المشروع (^٣)، قال ابن القيم عند كلامه على منازل السائرين: "منزلة الحزن وليست من المنازل المطلوبة، ولا المأمور بنزولها، وإن كان لا بد للسالك من نزولها، ولم يأت الحزن في القرآن إلا منهيا عنه أو منفيا. . . وسر ذلك أن الحزن موقف غير مسير (^٤). . . ولكن نزول منزلته ضروري بحسب الواقع، ولهذا يقول أهل الجنة إذا دخلوها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ (^٥)، فهذا يدل على أنهم كان يصيبهم في الدنيا الحزن كما يصيبهم سائر المصائب التي تجري عليهم بغير اختيارهم. . . وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ
_________________
(١) سورة فاطر، من الآية (٨).
(٢) سورة الكهف، الآية (٦).
(٣) انظر اقتضاء الصراط المستقيم (٣٠٠).
(٤) أي إنه شيء يحصل للمسلم أثناء سيره في منازل العبودية، وليس هو مسيرا بنفسه يسلك ويقصد.
(٥) سورة فاطر، من الآية (٣٤).
[ ١ / ١٤٣ ]
حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢)﴾ (^١)، فلم يمدحوا على نفس الحزن، وإنما مدحوا على ما دل عليه الحزن: من قوة إيمانهم حيث تخلفوا عن رسول اللَّه لعجزهم عن النفقة، ففيه تعريض بالمنافقين الذين لم يحزنوا على تخلفهم، بل غبطوا نفوسهم به" (^٢)، قلت: وهكذا حال السلف فإنهم تألموا وحزنوا، لما كان عندهم من تعظيم السنة، وبغض البدعة، وحب المعروف والإيمان، وكراهية الكفر والفسوق والعصيان، وهذا ما شرحه الإمام عبد اللَّه بن المبارك رحمة اللَّه عليه حيث قال: "اعلم أي أخي! إن الموت كرامةً لكل مسلم لقي اللَّه على السنة، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون، فإلى اللَّه نشكو وحشتنا، وذهاب الإخوان، وقلة الأعوان، وظهور البدع، وإلى اللَّه نشكو عظيم ما حل بهذه الأمة من ذهاب العلماء وأهل السنة وظهور البدع" (^٣).
_________________
(١) سورة التوبة، الآية (٩٢).
(٢) مدارج السالكين (١/ ٥٠٥ - ٥٠٧) بتصرف.
(٣) الاعتصام (٤٠).
[ ١ / ١٤٤ ]
المبحث الثاني: الآثار الواردة في سد الذرائع إلى البدع.
وفيه ثمانية مطالب:
المطلب الأول: الآثار الواردة في التحذير من أهل البدع والرأي والقياس الفاسد.
المطلب الثاني: الآثار الواردة في النهي عن الخصومات في الدين.
المطلب الثالث: الآثار الواردة في النهي عن الاستماع لأهل البدع.
المطلب الرابع: الآثار الواردة في منع الحكام أهل البدع من الكلام فيها.
المطلب الخامس: الآثار الواردة في عدم الاعتداد بصلاح أهل البدع.
المطلب السادس: الآثار الواردة في عدم ذكر محاسن الفاسق المبتدع.
المطلب السابع: الآثار الواردة في الحذر من الكلام الذي يكون للمبتدع فيه حجة.
المطلب الثامن: الآثار الواردة في تورع السلف عن أفعالٍ خشية أن تكون بدعة.
[ ١ / ١٤٥ ]
المبحث الثاني: الآثار الواردة في سد الذرائع إلى البدع.
إن من قواعد الشرع العظيم قاعدة سد الذرائع، وإذا تدبرت الشريعة وجدتها قد أتت بسد الذرائع إلى المحرمات، والشارع حرم الذرائع وإن لم يُقصد بها المحرَّم لإفضائها إليه، فكيف إذا قُصد بها المحرم نفسه؟ (^١)، فإذا حرم الرب تعالى شيئا، وله طرق ووسائل تفضي إليه؛ فإنه يحرمها ويمنع منها، تحقيقا لتحريمه وتثبيتا له، ومنعا أن تقرب حماه، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضا للتحريم، وإغراء للنفوس به، وحكمتُه تعالى وعلمه يأبى ذلك كل الإباء (^٢)، وباب سد الذرائع أحد أرباع التكليف؛ فإنه أمر ونهي، والأمر نوعان أحدهما: مقصود لنفسه، والثاني: وسيلة إلى المقصود، والنهي نوعان: أحدهما ما يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه، والثاني: ما يكون وسيلة إلى المفسدة، فصار سد الذرائع المفضية إلى الحرام أحد أرباع الدين (^٣).
وأدلة هذه القاعدة الشريفة كثيرة جدا من الكتاب والسنة، أشهرها قوله ﷿: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا
_________________
(١) انظر إغاثة اللهفان (١/ ٣٦٠ - ٣٦١).
(٢) إعلام الموقعين (٣/ ١٣٥).
(٣) إعلام الموقعين (٣/ ١٥٩).
[ ١ / ١٤٦ ]
كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)﴾ (^١).
وقوله -ﷺ-: "إن من أكبر الكبائر: أن يلعن الرجل والديه، قيل: يا رسول اللَّه وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه" (^٢)، قال ابن بطال: "هذا الحديث أصل في سد الذرائع، ويؤخذ منه أن من آل فعله إلى محرم، يحرم عليه ذلك الفعل، وإن لم يقصد إلى ما يحرم، والأصل في هذا الحديث قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ. . .﴾ (^٣) الآية" (^٤).
ولما كانت البدع من جملة المعاصي كما سبق بيانه، بل هي شرها وأخطرها؛ فإن سد الذرائع إليها كان أعظم وأحكم، وكان للسلف الصالح في ذلك عدة آثار، وقفت في كتب ابن أبي الدنيا على كثير منها، ووزعتها على عدة مطالب، أبرزت فيها الجوانب التي لاحظها السلف في ذلك، وهى:
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية (١٠٨).
(٢) متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٠/ ٤٠٣ فتح) رقم (٥٦٢٨)، ومسلم (١/ ٩٢) رقم (٩٠).
(٣) سورة الأنعام، من الآية (١٠٨).
(٤) فتح الباري (١٠/ ٤٠٤)، وانظر باقي الأدلة في إعلام الموقعين (٣/ ١٣٧ - ١٥٩) حيث أوصلها إلى تسعة وتسعين مثالا ودليلا.
[ ١ / ١٤٧ ]
المطلب الأول: الآثار الواردة في التحذير من أهل البدع والرأي والقياس الفاسد.
٣٨ - حدثني يحيى بن عبد اللَّه المقدمي، حدثني عبد الوهاب بن يزيد الكندي (^١) قال: "رأيت أبا عمر الضرير (^٢) في النوم فقلت: ما فعل اللَّه بك؟ قال: غفر لي ورحمني، قلت: فأي الأعمال وجدت أفضل؟ قال: ما أنتم عليه من السنة والعلم، قلت: فأي الأعمال وجدت شرًّا؟ قال: "احذر الأسماء، قلت: وما الأسماء؟ قال: قدري (^٣)، معتزلي (^٤)، مرجئ (^٥)،
_________________
(١) لم أجد له ترجمة.
(٢) هو حفص بن عمر أبو عمر الضرير الأكبر البصري، صدوق عالم، مات سنة (٢٢٠ هـ) وقد جاز السبعين، وممن يقال له: أبو عمر الضرير، ويسمى حفصا، غير هذا كما نص عليه الحافظ في التقريب (١٤٣٠).
(٣) هي فرقة ظهرت في أواخر عهد الصحابة، أظهرها معبد الجهني بالبصرة، زعم أن الأمر أُنُف، لم يسبق به قدر ولا علم اللَّه به قبل وقوعه، وقد تبرأ منهم الصحابة الذين عاصروهم، ويذكر أن أصل قولهم من رجل نصراني يقال له سيسويه، أو سوسن، أخذها عنه معبد، وعن معبد غيلان الدمشقي، انظر مقالات الإسلاميين (٢/ ١٨١)، الفرق بين الفرق (١٨/ ١٩)، مجموع الفتاوى (٨/ ٤٣٠).
(٤) هي فرقة ظهرت في الإسلام في القرن الثاني الهجري، بزعامة رجل يسمى واصل بن عطاء الغزال، لما اعتزل مجلس الحسن البصري ﵀، ثم تجمع بعض الناس حوله وصار له حلقة، أشهر أقوالهم المنزلة بين المنزلتين في حكم مرتكب الكبيرة أي إنه ليس بكافر ولا مسلم بل بينهما، انظر فرق معاصرة للدكتور غالب العواجي (٣/ ١١٦٦).
(٥) المرجئة فرقة من الفرق المشهورة، واسمها مشتق من الإرجاء، وهو يأتي لمعنيين: =
[ ١ / ١٤٨ ]
فجعل يعد أصحاب الأهواء" (^١).
٣٩ - ذكر محمد بن يحيى بن أبي حاتم الأزدي، نا داود بن المحبر، نا عباد بن كثير وحماد بن زيد، عن واصل مولى أبي عيينة (^٢) قال: "كنت مع
_________________
(١) = أحدهما التأخير والآخر إعطاء الرجاء، كما نص على ذلك الشهرستاني، وأوضح أن كلا المعنيين ينطق عليهم، فهم يؤخرون الأعمال عن الإيمان، كما يعطون الرجاء لصاحب الكبيرة؛ لأنه عندهم لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهم على التفصيل اثنتا عشرة فرقة كما عدهم أبو الحسن الأشعري في مقالات الإسلاميين، وعلى الإجمال ثلاثة أصناف كما قسمهم ابن تيمية: أولا: الذين يقولون الإيمان مجرد ما في القلب، ومنهم من يدخل أعمال القلوب وهم أكثر المرجئة. ثانيا: من يقول هو مجرد قول اللسان، وهذا لا يعرف عن أحد قبل الكرامية. ثالثا: من يقول الإيمان هو تصديق القلب وقول اللسان، وهو المشهور عن أهل الفقه والعبادة منهم. وقسّمهم الشهرستاني تقسيما آخر حسب انتماءاتهم فجعلهم أربعة أقسام مرجئة الخوارج، ومرجئة القدرية، ومرجئة الجبرية، والمرجئة الخالصة، ثم اعتنى بذكر أقوال المرجئة الخالصة. انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٢١٣)، الملل والنحل للشهرستاني (١/ ١٣٧)، الفرق بين الفرق (٢٠٢)، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي (١٠٧)، مجموع الفتاوى (٧/ ١٩٥).
(٢) إسناده لين؛ شيخ المصنف والكندي لم أجدهما، المنامات (١٠٧) رقم (٢١٧)، وذكره السيوطي في شرح الصدور (ص ٢٧٣) بلفظ: "فجعل يعدد أسماء الأهواء".
(٣) هو واصل مولى أبي عُيَيْنة، صدوق عابد، من السادسة، التقريب (٧٣٨٦).
[ ١ / ١٤٩ ]
محمد بن واسع (^١) بمرو فأتاه عطاء بن مسلم ومعه ابنه عثمان فقال عطاء لمحمد: أي عمل في الدنيا أفضل؟ قال: صحبة الأصحاب، ومحادثة الإخوان، إذا اصطحبوا على البر والتقوى، فحينئذ يذهب اللَّه بالخلاف من بينهم فواصلوا وتواصلوا، ولا خير في صحبة الأصحاب ومحادثة الإخوان إذا كانوا عبيد بطونهم، لأنهم إذا كانوا كذلك ثَبَّط بعضهم بعضا عن الآخرة، قال عطاء: يا أبا عبد اللَّه، بينا أنا قائم أصلي وأنا غلام، إذ أتاني رجل على فرس فقال: يا غلام عليك بالبر والتقوى؛ فإن البر والتقوى يهديان إلى الإيمان، وإياك والكذب والفجور، فإن الكذب والفجور يهديان إلى النار، ثم قال: يا ابن أخي اصحب أولياء اللَّه، فقلت: بأي شيء أعرف أولياء اللَّه؟ قال: إن أولياء اللَّه هم الألبّاء العقلاء الحذرون المسارعون في رضوان اللَّه ﷿ المراقبون اللَّه، فإذا رأيت أهل هذه الصفة فاقترب منهم فهم أولياء اللَّه، فقلت: فكيف أعرف أهل النفاق والكذب والفجور؟ قال: أولئك قوم إذا رأيتهم يأباهم قلبك ولا يقبلهم عقلك؛ إذا سمعت كلامهم سمعت كلاما حلوا له لذاذة ولا منفعة له، وإياك أن تصحب أهل الخلاف، قلت: ومن أهل الخلاف؟ قال: المفارقون للسنة والكتاب، أولئك عبيد أهوائهم، تراهم مضطجعين وقلوبهم يلعن بعضهم بعضا، فاحذر هؤلاء واجتنبهم، وعليك بالصلاة وانته
_________________
(١) هو محمد بن واسع بن جابر بن الأخنس الأزدي، أبو بكر أو أبو عبد اللَّه البصري، ثقة عابد، كثير المناقب، مات سنة (١٢٣ هـ)، التقريب (٦٣٦٨).
[ ١ / ١٥٠ ]
عن محارم اللَّه وتقرب إلى اللَّه بالنوافل" (^١).
٤٠ - حدثنا أبو نصر المؤدّب، عن أبي عبد الرحمن الفاسي، أنا قال أبو سعيد البقال (^٢): "كنت محبوسا في ديماس (^٣) الحجاج، ومعنا إبراهيم التيمي، فبات في السجن، فقلت: يا أبا أسماء في أي شيء حبست؟ قال: جاء العريف فتبرّأ مني، وقال: إن هذا يكثر الصلاة والصوم، فأخاف أن يكون يرى رأي الخوارج، قال: واللَّه إنا لنتحدّث عند مغيب الشمس، ومعنا إبراهيم التيمي، إذا نحن برجل قد دخل علينا السجن، فقلنا: يا عبد اللَّه ما قصّتك وما أمرك؟ قال: لا واللَّه ما أدري، ولكني أظن أخذت في رأي الخوارج (^٤)، فباللَّه إنه لرأي ما رأيته ولا هويته ولا أحببت أهله، يا هؤلاء ادعوا إليّ بوضوء، قال: فدعونا له بماء، فتوضّأ، ثم قام فصلّى أربع ركعات، فقال: اللهم إنك تعلم أني على إساءتي وظلمي وإسرافي،
_________________
(١) إسناده ضعيف جدا، فيه داود بن المحبر وسيأتي (٨٠٨)، الأولياء (٢٣ - ٢٤) رقم (٤٧)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٦/ ١٦٢).
(٢) هو سعيد بن المرزبان العبسي مولاهم، أبو سعد البقال، الكوفي الأعور، ضعيف مدلس، مات بعد سنة (١٤٠ هـ)، التقريب (٢٣٨٩).
(٣) الديماس سجن الحجاج لظلمته، القاموس المحيط (١/ ٧٠٤).
(٤) هي الفرقة المشهورة التي خرجت على علي -﵁- وسيأتي (١٩٦) التعريف بأحد ألقابهم وهو الحرورية، وأشهر أقوالهم تكفير مرتكب الكبيرة والحكم بتخليده في النار، والخروج على الحاكم المسلم بالسيف، انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ١٢٧)، الخوارج للدكتور غالب العواجي (ص ١٧).
[ ١ / ١٥١ ]
أني لم أجعل لك ولدًا ولا ندًّا ولا صاحبة ولا كفرًا، فإن تعذّب فعبدك، وإن تغفر فإنك أنت العزيز الحكيم، اللهم إني أسألك يا من لا يبرمه إلحاح الملحّين، أن تجعل لي في ساعتي هذه فرجا ومخرجا، من حيث أحتسب، ومن حيث لا أحتسب، ومن حيث أعلم، ومن حيث لا أعلم، ومن حيث أرجو ومن حيث لا أرجو، وخذ لي بقلب عبدك الحجاج، وسمعه وبصره ولسانه ويده ورجله، حتى تخرجني في ساعتي هذه؛ فإن قلبه وناصيته في يدك، أي رب أي رب أي رب، قال: فأكثر، قال: فواللَّه الذي لا إله غيره ما قطع إذ ضرب باب السجن ابن فلان، فقام صاحبنا، فقال هؤلاء: إن يكن العافية فواللَّه لا أدع الدعاء، وإن يكن الأخرى فجمع اللَّه بيننا وبينكم في رحمته، فبلغنا من غد أنه خلّي عنه" (^١).
٤١ - حدثنا محمد بن عبد الملك القرشي، حدثنا أبو عوانة، عن صالح بن مسلم قال: قال عامر (^٢): "لقد تركتني هذه الصعافقة (^٣)،
_________________
(١) إسناده ضعيف جدا، فيه أبو عبد الرحمن الطائي أخباري علَّامة لكنه متهم بالكذب انظر ميزان الاعتدال (٦/ ٢٠٩)، الفرج بعد الشدة (٨٤ - ٨٥) رقم (٥٩)، ونقلها التنوخي في الفرج بعد الشدة (١/ ٢٦١ - ٢٦٢).
(٢) هو عامر بن شراحيل الشعبي، ثقة مشهور، فقيه فاضل، ولد زمن عمر -﵁-، وأدرك خمسمائة من الصحابة، مات بعد المائة، وله نحو من ثمانين، التقريب (٣٠٩٢).
(٣) هم أرذال الناس وضعفاؤهم والتجار الذين ليس لهم رأس مال، كما في كتب غريب الحديث المحال عليها في التخريج.
[ ١ / ١٥٢ ]
وللمسجد أبغض إلي من كناسة (^١) داري -يعني أصحاب القياس-" (^٢).
٤٢ - حدثني ابن إسحاق قال: حدثنا جعفر بن عون، عن عيسى الحنّاط قال: "سأل رجل الشعبي عن شيء؟ فقال: قال ابن مسعود: كذا كذا، فقال: أخبرني برأيك، فقال: ألا ترون إلى هذا؟ أخبره عن ابن مسعود ويسألني رأيي، اللَّه ﵎ آثر عندي وديني من أن أقول فيها برأيي، واللَّه لأن أتغنّى بغنية أحب إليّ من أن أقول فيها برأيي" (^٣).
_________________
(١) الكناسة هي القمامة، وهو مكان تجمع الزبالة، وكأنه يشير إلى أنهم أنتنوا المسجد بكلامهم وجهلهم، كما أفسدت الأوساخ والزبالة مكان رميها وهو الكناسة، وإلا فالمسجد محترم محبوب مُعَلَّقٌ به قلب المؤمن مهما كانت أحواله الطارئة عليه، ويوضح هذا لفظه الآخر: "ما جاءَك عن أصحاب محمد -ﷺ- فخُذه، ودعْ ما يقول هؤلاء الصَّعافِقة" واللَّه أعلم، مختار الصحاح (٥٨٦).
(٢) إسناده حسن؛ فإن شيخ المصنف هو ابن أبي الشوارب صدوق التقريب (٦١٣٨) والباقى ثقات، كتاب الصمت وآداب اللسان (١١٤) رقم (١٥٦)، وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٢٠)، وابن سعد في الطبقات (٦/ ٢٥١) ترجمة الشعبي وفيه أن المراد هو حماد وأصحابه وكانت لهم ضوضاة في المسجد، وكان يذمهم وينهى عن أخذ العلم عنهم يشير إلى أنهم لا علم لهم، والبيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى (١/ ١٩٨)، وابن حزم في الإحكام (٨/ ٥١٢)، وذكره أبو عبيدة في غريب الحديث (٤/ ٤٤٣)، وابن الأثير في النهاية (٣/ ٣١)، وابن الجوزي في غريب الحديث (١/ ٥٩٠).
(٣) إسناده ضعيف جدا، مداره على عيسى الحناط وهو متروك التقريب (٥٣٥٢)، الإشراف (٣٠٩ - ٣١٠) رقم (٤٤١)، والدارمي في سننه (١/ ٤٥) رقم (١٠٩)، وابن عساكر في تاريخه (٢٥/ ٣٧٠) من طريق المصنف، وضبطت عنده: "أتغيا تغيية" وهي عند ابن أبي الدنيا بضبط الناسخ كما ذكرت وهو من أهل العلم على =
[ ١ / ١٥٣ ]
٤٣ - حدثني سعيد بن سليمان قال حدثنا زافر بن سليمان عن بشير أبي إسماعيل عن الضحاك (^١) قال: "أدركت الناس وهم يتعلمون الورع، وهم اليوم يتعلمون الكلام" (^٢).
٤٤ - حدثنا أبو إسحاق الأزدي، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: "سألت مالك بن أنس (^٣) عن القدري والمخنث، أيجوز لي أن أجعله سترا بين يدي؟ فقال: "إذا تحققت أنهما كذلك فلا تجعلهما سترة في الصلاة" (^٤).
_________________
(١) = ما يبدو كما قال محققه نجم الخلف.
(٢) هو الضحاك بن مزاحم الهلالي، أبو القاسم أو أبو محمد الخراساني، صدوق كثير الإرسال، مات بعد المائة، التقريب (٢٩٧٨).
(٣) إسناده صحيح، كتاب الورع (٥٠) رقم (٢٦)، وابن المبارك في الزهد -زيادات نعيم- (ص ١١) رقم (٤٠)، بسنده عن الضحاك، وابن المقرئ في أحاديث في ذم الكلام رقم (١١٤).
(٤) هو مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي، أبو عبد اللَّه المدني الفقيه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين وكبير المتثبتين، وإمام أحد مذاهب أهل السنة الأربعة في الفقه، مات سنة (١٧٩ هـ)، التقريب (٦٤٢٥)، الديباج المذهب لابن فرحون (١٧).
(٥) إسناده حسن؛ شيخ المصنف هو إسماعيل بن إسحاق القاضي المالكي كما نص الخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق (١/ ٤٣٠)، وانظر تذكرة الحفاظ (٢/ ٦٢٥)، وابن أبي أويس صدوق أخطأ في أحاديث من حفظه كما سيأتي (٦١٨)، ذم الملاهي (١١٥) رقم (١٦٩)، ولم أجده عند غيره، ولم يذكره الدكتور سعود =
[ ١ / ١٥٤ ]
٤٥ - حدثني أحمد بن محمد بن سليمان، أنه حدث عن حليسي الضبعي (^١)، عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة (^٢) قال: قال لي عمران بن حطان: "إني لأعلم خِلَافَكَ (^٣)، ولكن على ذلك احفظ، ثم أخذ بيدي فقال:
حتى متى تُسقى النفوس بكأسها ريب المنون وأنت لاهٍ ترتع
أحلام نوم أو ظل زائل إن اللبيب بمثلها لا يخدع
فتزوّدنّ من قبل يومك زادا أم هل لغيرٍ لا أبا لك تجمع (^٤)
٤٦ - ثنا الحسين بن عبد الرحمن، عن بعض أشياخه، عن أبي الزناد قال: قال بعض الحكماء: "لا ينبغي لعاقل أن يعرض عقله للنظر في كل
_________________
(١) = الدعجان في منهج الإمام مالك في العقيدة، ولا الدكتور إبراهيم التهامي في جهود علماء المغرب في الدفاع عن عقيدة أهل السنة.
(٢) هكذا ورد في طبعتي السواس والسيد، وهو خطأ صوابه: حلبس الكلبي.
(٣) هو قتادة بن دعامة بن قتادة السدوسي، أبو الخطاب البصري، الأعمى الحافظ المفسر، ثقة ثبت، مات سنة بضع عشرة ومائة، الكاشف (١/ ١٣٤)، التقريب (٥٥١٨).
(٤) أي مخالفتك لي، ووقفك ضدا لرأيي.
(٥) إسناده ضعيف جدا؛ مداره على حلبس الكلبي وهو متهم انظر الكشف الحثيث (١٠٣)، ذم الدنيا (١٤٢) رقم (٤٢٩)، وابن حبان في روضة العقلاء (٢٨٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٣/ ٤٩٨)، وذكرها المزي في تهذيب الكمال (٥/ ٤٨٢)، والذهبي في سير أعلام النبلاء (٤/ ٢١٦).
[ ١ / ١٥٥ ]
شيء، كما لا ينبغي أن يضرب بسيفه كل شيء" (^١).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة تحذير السلف من أهل البدع، وذم طريقتهم، وبغضهم لها ولأهلها، وأن السلامة للمسلم أن ينأى بنفسه عن هؤلاء وبدعهم، ويقطع كل الطرق الممدودة بينه وبينهم، فأثر أبي عمر الضرير فيه التحذير من الأسماء أي الانتساب لبدعة من البدع كالقدر والاعتزال والإرجاء، والسبب في ذلك هو ما سبق أن من صفات أهل السنة العبودية المطلقة للَّه، وتجريد المتابعة لرسوله، ولذلك كانوا: "بمنزلة الذخائر المخبوءة، وهؤلاء أبعد الخلق عن الآفات؛ فإن الآفات كلها تحت الرسوم، والتقيد بها، ولزوم الطرق الاصطلاحية، والأوضاع المتداولة الحادثة، هذه هي التي قطعت أكثر الخلق عن اللَّه وهم لا يشعرون، والعجب أن أهلها هم المعروفون بالطلب والإرادة (^٢)، والسير إلى اللَّه وهم إلا الواحد بعد الواحد المقطوعون عن اللَّه بتلك الرسوم والقيود" (^٣).
_________________
(١) فيه إبهام شيوخ الحسين بن عبد الرحمن، العقل وفضله (٢٥) رقم (٤٢).
(٢) هذا في الزمن الماضي، فما بالك الآن، وقد صار ضعف الدين، وقلة العلم، والانغماس في المخالفات الصريحة للنصوص الشرعية، بحجة عصرنة الإسلام، أو التماشي مع الواقع وفقهه، هي سمة بارزة في أهل هذه الرسوم من الأحزاب والجماعات واللَّه المستعان.
(٣) مدارج السالكين (٣/ ١٧٦).
[ ١ / ١٥٦ ]
كما أن التحذير من مصاحبة أهل البدع لأنهم أهل خلاف وفرقة، فارقوا الكتاب والسنة، ولم يجتعموا على قول، بل يلعن بعضهم بعضا ولو كانوا في الظاهر متآلفين، كما في أثر عطاء، ولا شك أن الفرقة والاختلاف هي سمة أهل البدع، كما أن الاجتماع والسنة هي سمة الفرقة الناجية، قال شيخ الإسلام: "وهذا الأصل العظيم وهو الاعتصام بحبل اللَّه جميعا وأن لا يتفرقوا، هو من أعظم أصول الإسلام، ومما عظمت وصية اللَّه تعالى به في كتابه، ومما عظم ذمه لمن تركه من أهل الكتاب وغيرهم، ومما عظمت به وصية النبي في مواطن عامة وخاصة" (^١)، وقال: "البدعة مقرونة بالفرقة، كما أن السنة مقرونة بالجماعة، فيقال: أهل السنة والجماعة، كما يقال: أهل البدعة والفرقة" (^٢).
كما حذر السلف من كل ما يعيق الاتباع، ويقف في طريقه، فهم يبغضون الآراء المحدثة كرأي الخوارج ويبغضون أهله كما قال إبراهيم التيمي، كما أنهم يحذرون من القياس الفاسد، الذي يضرب لمعارضة النصوص، والقول في الدين بالرأي كما فعل الشعبي، ولم يكن الكلام من علومهم التي يدرسونها ويتعلمونها، كما قال الضحاك، قال ابن عبد البر المالكي: "أجمع أهل الفقه والآثار في جميع الأمصار: أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ، ولا يعدون عند الجميع في الأمصار في جميع طبقات العلماء، وإنما العلماء
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٢/ ٣٥٨).
(٢) الاستقامة (١/ ٤٢).
[ ١ / ١٥٧ ]
أهل الأثر والتفقه فيه، ويتفاضلون فيه بالاتفاق والميز والفهم" (^١)، بل بلغت مفاصلتهم لأهل البدع أنهم أفتوا بعدم اتخاذه سترة في الصلاة، حتى علم ذلك عنهم واشتهر موقفهم؛ فتجد أهل البدع يعلمون هذه المخالفة والمفاصلة لهم، كما صرح بذلك عمران بن حطان وهو أحد رؤوس الخوارج لقتادة، وبهذا يعلم أن هذه الطريقة كانت سدا لذريعة البدع؛ فإنه كما جاء في آخر أثر عن بعض الحكماء، من أنه لا ينبغي للعاقل أن ينظر بعقله في كل شيء، لأن ذلك سد لذريعة الوقوع في البدع والضلالات، وذلك أن اتباع القياس الفاسد، والقول بالرأي في الدين، هو من باب تحسين الظن بالعقل، وأنه يوصل إلى ما لم يوصل إليه النقل، وذلك أحد أسباب الإحداث في الدين كما قال الشاطبي ﵀: "الإحداث في الشريعة إنما يقع: من جهة الجهل، وإما من جهة تحسين الظن بالعقل، وإما من جهة اتباع الهوى في طلب الحق، وهذا الحصر بحسب الاستقراء من الكتاب والسنة" (^٢).
_________________
(١) الاعتصام للشاطبي (٣٧٤).
(٢) الاعتصام (٣٥١).
[ ١ / ١٥٨ ]
المطلب الثاني: الآثار الواردة في النهي عن الخصومات في الدين.
٤٧ - حدثنا علي بن الحسين العامري، حدثنا أبو النضر هاشم بن القاسم، عن الأشجعي، حدثنا الربيع بن المُلاح قال: سمعت أبا جعفر (^١) يقول: "إياكم والخصومة فإنها تمحق الدين"، وحدثني من سمعه يقول: "وتورث الشنآن وتذهب الاجتهاد" (^٢).
٤٨ - حدثني أبي، وأحمد بن منيع قالا: حدثنا مروان بن شجاع، عن عبد الكريم أبي أمية (^٣) قال: "ما خاصم ورع قط -يعني في الدين-" (^٤).
_________________
(١) هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو جعفر الباقر، ثقة فاضل، من الرابعة مات سنة بضع عشرة ومائة، التقريب (٦١٥١).
(٢) إسناده حسن، الربيع بن الملاح صدوق، ضُعِّف بسبب روايته عن نوفل بن عبد الملك، قال أبو أحمد الحاكم: الحمل على نوفل التقريب (١٨٩٥)، كتاب الصمت وآداب اللسان (١١٣ - ١١٤) رقم (١٥٤)، ومن طريقه الخطيب البغدادي في موضح أوهام الجمع والتفريق (٢/ ٩٤) وورد فيه "النسيان"، بدل "الشنآن"، وابن بطة في الإبانة (٢/ ٥٢٥ - ٥٢٦) رقم (٦٣٥ - ٦٣٦)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٤٥) رقم (٢١٩)، وأبو نعيم في موضعين من حلية الأولياء (٣/ ١٨٤، ١٩٨)، كلاهما من غير طريق المصنف وحكم عليه محقق الإبانة رضا نعسان بالصحة، وذكره الغزالي في الإحياء (٣/ ١١٦).
(٣) هو عبد الكريم بن مالك الجزري، أبو سعيد مولى بني أمية، ثقة متقن، مات سنة (١٢٧ هـ)، التقريب (٣٤٣٠).
(٤) إسناده حسن لأن مروان بن شجاع صدوق له أوهام، وعبد الكريم هو الجزري كما في الورع للمصنف، وليس ابن أبي المخارق كما رجحه محمد عاشور في تحقيق =
[ ١ / ١٥٩ ]
٤٩ - حدثني عبد الرحمن بن صالح، حدثنا حفص بن غياث، عن ليث، عن الحكم، عن محمد بن علي قال: "لا تجالسوا أصحاب الخصومات؛ فإنهم يخوضون في آيات اللَّه" (^١).
٥٠ - حدثني محمد بن أبي حاتم، حدثنا عبد اللَّه بن داود قال: سمعت سفيان، عن الحسن بن عمرو، عن فضيل قال: قال إبراهيم: "ما
_________________
(١) = كتاب الصمت، وذلك لأن مروان بن شجاع لم يذكروا من شيوخه ابن أبي المخارق وإنما الجزري، وهو جزري أيضا كشيخه، إضافة إلى هذا فقد ورد منسوبا عند البيهقي فقال: "عبد الكريم الجزري"، وعليه فيكون في الكتاب أو المخطوط تصحيف لأن الجزري مولى لبني أمية، لا سيما وأن المحقق عاشور ذكر أنه ورد في المخطوط: "ابن أبي أمية" فلعله تصحيف من: "مولى بني أمية" وهذا أولى من حذف: "بني" رأسا، كتاب الصمت وآداب اللسان (١١٤) رقم (١٥٥)، وفي الورع (٥٩) رقم (٥٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤/ ٢٩) رقم (٨٤٨٩)، وذكره الغزالي في الإحياء (٣/ ١١٦).
(٢) مدار طرقه على ليث بن أبي سليم وهو صدوق اختلط جدا لم يتميز حديثه فترك، كما سيأتي (٦٢٨)، لكنه ﵀ كان صاحب سنة ورأي حسن كما في ميزان الاعتدال (٣/ ٤٢٠)، لذلك كان ممن يكتب حديثه كما قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٧/ ١٧٨ - ١٧٩)، وحدث الناس عنه كما قال أحمد، ولعل اجتماع ثلاثة رواة على هذه الرواية مما يقويها واللَّه أعلم، كتاب الصمت وآداب اللسان (١١٥) رقم (١٥٩)، وأخرجه الدارمي (١/ ٦٣) من طريق حفص بن غياث عن ليث به، ومن طريق فضيل عن ليث به (١/ ٩١)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٣/ ١٨٤) عن أبي شهاب عن ليث به.
[ ١ / ١٦٠ ]
خاصَمتَ؟ قلت: لا، قال: قط؟ قلت: قط" قال ابن داود: كذا يعني (^١).
٥١ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد قال: قال عمر بن عبد العزيز ﵀: "من جعل دينه غرضا للخصومات، أكثر التنقل" (^٢).
٥٢ - حدثنا عبيد اللَّه، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا أبو إسماعيل شيخ له قال: سمعت الحسن ﵁ يقول: "إنما يخاصم الشاك في دينه" (^٣).
_________________
(١) إسناده صحيح، كتاب الصمت وآداب اللسان (١١٥) رقم (١٦٠)، وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٢٢)، والبخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٢٩٨)، وابن سعد في الطبقات (٦/ ٢٧٣)، وابن بطة في الإبانة (٢/ ٥٢٥) رقم (٦٣١ - ٦٣٢)، من طرق عن الحسن بن عمرو عن إبراهيم به، مع اختلاف يسير في الألفاظ.
(٢) إسناده صحيح، كتاب الصمت وآداب اللسان (١١٦) رقم (١٦١)، ورقم (٦٧٠)، وأخرجه ابن سعد (٥/ ٣٧١)، وأحمد في الزهد (٣٠٢)، والدارمي في السنن (١/ ١٠٢)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٤٤) رقم (٢١٦) وفيه: "أكثر الشك، أو قال: يكثر التحول"، والفريابي في القدر (١/ ٢١٨) من طريقين رقم (٣٨٤ - ٣٨٥)، ومن طريقه الآجري في الشريعة (١/ ٤٣٧ - ٤٣٨) رقم (١١٦ - ١١٧).
(٣) إسناده ضعيف؛ فيه أبو إسماعيل شيخ حماد والراوي عن الحسن وهو مبهم، لكن الأثر حسن لأن المبهم هو حوشب كما ورد ذكره في طرق أخرى ستأتي في التخريج. كتاب الصمت وآداب اللسان (٢٩٣) رقم (٦٧١)، والراوي المبهم أبو إسماعيل ورد التصريح به عند البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٢٤٤) رقم (٧٧٣)، فهو =
[ ١ / ١٦١ ]
٥٣ - حدثنا عبيد اللَّه، حدثني عصمة بن غرزة، عن مغيرة، عن إبراهيم ﵁ قال: "كانوا يكرهون التَّلَوُّنَ في الدين" (^١).
٥٤ - حدثنا أبو كريب الهمداني، نا عبد اللَّه بن نمير، عن مالك بن مغول، عن الشعبي، حدثني شيخ قال: قال علي ﵁: "تهادوا تحابوا، ولا تماروا فتباغضوا" (^٢).
_________________
(١) = حوشب وهو من كبار أصحاب الحسن، كما في تهذيب الكمال (٢/ ٣٢٣) وقال الحافظ في التقريب (١٦٠٢): "صدوق"، وله طريقان هما: من رواية محمد بن مغيرة (صاحب الترجمة عند البخاري في تاريخه) وهو مقبول كما في التقريب (٦٣٥٧) عن حوشب عن الحسن، وعن محمد بن عاصم الحذاء عن حوشب مثله، والحذاء هو: "شيخ بصري معروف صدوق" كما في الجرح والتعديل (٨/ ٤٥)، وورد بمعناه عن الحسن في القدر للفريابي (٢١٦) رقم (٣٨٠).
(٢) إسناده لين، والأثر حسن، رجاله ثقات، غير عصمة بن غرزة، وصوابه عصمة بن عروة على المشهور عند من ترجم له، وقد نبه ابن حجر أن ابن حبان أورد اسم أبيه عزرة، وهو مجهول كما قال الذهبي، وقال أحمد: لا يكتبون عنه، وذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٥١٩) رقم (١٤٧٨٩)، انظر: الجرح والتعديل (٧/ ٢٠) رقم (١٠١)، لسان الميزان (٤/ ١٦٩)، إلا أن له متابعا عند أبي نعيم في الحلية (٤/ ٢٣٣) هو جرير بن عبد الحميد الضبي وهو كوفي ثقة كما في التقريب (٩٢٤). كتاب الصمت (٢٩٣) رقم (٦٧٣)، وأبو نعيم كما سبق في الحكم على السند.
(٣) الأثر ضعيف فيه رجل مبهم، والجزء الأول منه ورد في حديث حسن انظر إرواء الغليل (٦/ ٤٤)، مكارم الأخلاق (٨٨) رقم (٣٦٠).
[ ١ / ١٦٢ ]
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة نهي السلف عن الخصومة في الدين، ولهم في ذلك ملاحظ لاحظوها، فعللوا ذلك بأنها تورث الشنآن والبغضاء، وتنافي الورع، وتورث الشك والتنقل والتلون في الدين، وهي طريقة أهل البدع الذين يخوضون في آيات اللَّه، ولذلك لم تكن من طريقة أهل السنة كما قال الإمام أحمد في رسالته لأبي عبد الرحيم الجوزجاني من خراسان يذكر احتجاجات المرجئة فقال له أحمد: "اعلم رحمك اللَّه: أن الخصومة في الدين ليست من طريق أهل السنة" (^١)، وقال البربهاري: "الكلام والخصومة والجدال والمراء محدَث، يقدح الشك في القلب، وإن أصاب صاحبه الحق والسنة" (^٢)، وعن أبي يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة رحمهم اللَّه تعالى قال: "مذهب أهل الجماعة عندنا، وما أدركنا عليه جماعة أهل الفقه، ممن لم يأخذ من البدع والأهواء: ولا يخاصم في الدين؛ فإنها من أعظم البدع. . . والخصومة في الدين بدعة، وما ينقض أهل الأهواء بعضهم على بعض بدعة محدثة، لو كانت فضلا لسبق إليها أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- وأتباعهم فهم كانوا عليها أقوى ولها أبصر"، وعلق شيخ الإسلام على كلامه بقوله: "ما ذكر أبو يوسف في أمر الجدال هو يشبه كلام كثير من
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٧/ ٣٩٠).
(٢) شرح السنة (٢٤).
[ ١ / ١٦٣ ]
أئمة السنة يشبه كلام الإمام أحمد وغيره" (^١)، ومن هنا "جعل العلماء من عقائد الإسلام ترك المراء والجدال في الدين، وهو الكلام فيما لم يؤذن في الكلام فيه: كالكلام في المتشابهات من الصفات والأفعال (^٢) وغيرهما، وكمتشابهات القرآن" (^٣)، بل يؤمن بكل ما في القرآن والسنة فهم معناه أم لم يفهم، وقد بين الشاطبي ﵀ علاقة الخصومة بأهل البدع فقال: "لما كان اتباع الهوى أصل الابتداع، لم يعدم صاحب الجدال أن يماري ويطلب الغلبة" (^٤).
فحال أهل الجدل والخصومات شك في المعتقد، يتبعه تنقل وكثرة التلون، ثم ينتج عن ذلك تشاحن وتباغض وتنافر، قال شيخ الإسلام: "أهل الكلام أكثر الناس انتقالا من قول إلى قول، وجزما بالقول في موضع وجزما بنقيضه وتكفير قائله في موضع آخر، وهذا دليل عدم اليقين. . . أما أهل السنة والحديث فما يعلم أحد من علمائهم ولا صالح عامتهم رجع قط عن قوله واعتقاده، بل هم أعظم الناس صبرا على ذلك، وإن امتحنوا بأنواع المحن، وفتنوا بأنواع الفتن، وهذه حال الأنبياء وأتباعهم من المتقدمين، كأهل الأخدود ونحوهم، وكسلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين وغيرهم من الأئمة" (^٥)، ثم بين ﵀ علاقة هذه
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٦/ ٣٧٥ - ٣٧٦) بتصرف.
(٢) الصواب أن معاني الصفات ليست من المتشابه، ولعله يريد الكلام في الكيفيات التي خاض فيها أهل البدع.
(٣) الاعتصام (٢٤٥).
(٤) المصدر السابق.
(٥) المجموع (٤/ ٥٠).
[ ١ / ١٦٤ ]
الصفات طردا وعكسا بقرب الفرق من الكتاب والسنة واتباع السلف، فقال: "المتفلسف أعظم اضطرابا وحيرة في أمره من المتكلم؛ لأن عند المتكلم من الحق الذي تلقاه عن الأنبياء ما ليس عند المتفلسف، ولهذا تجد مثل أبي الحسين البصري وأمثاله أثبت من مثل ابن سينا وأمثاله، وأيضا تجد أهل الفلسفة والكلام أعظم الناس افتراقا واختلافا مع دعوى كل منهم أن الذي يقوله حق مقطوع به، قام عليه البرهان، وأهل السنة والحديث أعظم الناس اتفاقا وائتلافا وكل من كان من الطوائف إليهم أقرب كان إلى الاتفاق والائتلاف أقرب، فالمعتزلة أكثر اتفاقا وائتلافا من المتفلسفة. . . وأهل الإثبات من المتكلمين مثل الكلابية والكرامية والأشعرية، أكثر اتفاقا وائتلافا من المعتزلة؛ فإن في المعتزلة من الاختلافات وتكفير بعضهم بعضا، حتى ليكفر التلميذ أستاذه، من جنس ما بين الخوارج. . . ولست تجد اتفاقا وائتلافا إلا بسبب اتباع آثار الأنبياء من القرآن والحديث، وما يتبع ذلك ولا تجد افتراقا واختلافا إلا عند من ترك ذلك، وقدم غيره عليه. . . ولهذا لما كانت الفلاسفة أبعد عن اتباع الأنبياء كانوا أعظم اختلافا، والخوارج والمعتزلة والروافض لما كانوا أيضا أبعد عن السنة والحديث، كانوا أعظم افتراقا في هذه، لا سيما الرافضة فإنه يقال إنهم أعظم الطوائف اختلافا، وذلك لأنهم أبعد الطوائف عن السنة والجماعة بخلاف المعتزلة فإنهم أقرب إلى ذلك منهم" (^١).
_________________
(١) المصدر السابق (٥١ - ٥٢) بتصرف، وانظر طريق الهجرتين (٥٩٥ فما بعدها).
[ ١ / ١٦٥ ]
المطلب الثالث: الآثار الواردة في النهي عن الاستماع لأهل البدع.
٥٥ - حدثني أحمد بن إسحاق بن عيسى الأهوازي قال: حدثنا أبو عبد الرحمن المقري قال: بلغني أن يونس بن عبيد (^١) قال لرجل: "آمرك بثلاث: بالتودّد إلى الناس فإنه نصف العقل، والاقتصاد في النفقة فإنه ثلث الكسب، وحسن المسألة فإنه نصف العلم، وقال لرجل: أنهاك عن ثلاث: إيّاك والأمراء وإن قرؤوا عليك القرآن وقرأت عليهم، ولا تخلونّ بامرأة لست منها بسبيل، ولا تمكّن أذنيك من صاحب بدعة" (^٢).
التحليل والتعليق
تضمن أثر يونس بن عبيد ﵀ التحذير من السماع لأهل البدع، وقد كان ذلك منهج السلف عموما، يذكرونه في عقائدهم، كما قال أبو عثمان الصابوني في عقيدة السلف وأصحاب الحديث: "ويبغضون
_________________
(١) هو يونس بن عبيد بن دينار العبدي، أبو عبيد البصري، ثقة ثبت فاضل ورع، مات سنة (١٣٩ هـ)، التقريب (٧٩٠٩).
(٢) رجاله ثقات وفيه انقطاع، فالمقري يرويه بلاغا، وهو حسن لغيره بطرقه، الإشراف (١٨٢) رقم (١٦٩)، وعبد الرزاق في المصنف (١٠/ ٣٢٦) رقم (٢٠٦٦٦)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٦٠) رقم (٩٤٥٩)، عن معمر عمن سمع الحسن، والخطيب في تاريخ بغداد (٥/ ٤٣٧)، عن يونس بن عبيد عن الحسن قال: "لا يمكن أحدكم أذنه من صاحب بدعة"، والظاهر أن يونس رواه عن الحسن، وقاله من عنده.
[ ١ / ١٦٦ ]
أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه، ولا يحبونهم، ولا يصحبونهم، ولا يسمعون كلامهم، ولا يجالسونهم، ولا يجادلونهم في الدين، ولا يناظرونهم، ويرون صون آذانهم عن سماع أباطيلهم التي إذا مرت بالآذان، وقرَّت في القلوب، ضرَّت وجرت إليها من الوساوس والخطرات الفاسدة ما جرت" (^١)، وقال الذهبي: "أكثر أئمة السلف على هذا التحذير، يرون أن القلوب ضعيفة والشبه خطافة" (^٢)، وقد أوضح الإمام الشاطبي ﵀ وجه النهي عن الاستماع إليهم فقال: "قد يكون المرء على يقين من أمر من أمور السنة، فيلقي له صاحب الهوى فيه هوى مما يحتمله اللفظ لا أصل له، أو يزيد له فيه قيدًا من رأيه، فيقبَله قلبُه، فإذا رجع إلى ما كان يعرفه وجده مظلمًا؛، فإما أن يشعر به فيرده بالعلم، أو لا يقدر على رده، وإما أن لا يشعر به فيمضي مع من هلك" (^٣)، وهذا الاشتباه الذي يقع للمرء إنما هو عقوبة من اللَّه له على سماعه لصاحب البدعة كما قال سفيان الثوري: "من أصغى بأُذنه إلى صاحب بدعة خرج من عصمة اللَّه وَوُكِل إليها يعني إلى البدع" (^٤).
ولما كان صاحب البدعة يتجارى به الهوى كما يتجارى الكَلَب
_________________
(١) عقيدة السلف وأصحاب الحديث (٢٩٨ - ٢٩٩)، ولا تكاد تجد كتابا جامعا من كتب الاعتقاد المسندة إلا وفيه باب في هجر المبتدع والنهي عن الاستماع إليه ونحو ذلك.
(٢) السير (٧/ ٢٦١).
(٣) الاعتصام (٦٦).
(٤) شرح السنة (٦٠)، وانظر هجر المبتدع للشيخ بكر أبو زيد (٣٥ - ٣٨).
[ ١ / ١٦٧ ]
بصاحبه، بيّن الشاطبي ﵀ الربط بين الأمرين فقال: "داء الكَلَب فيه ما يشبه العدوى، فإن أصل الكَلب واقع بالكَلْب، ثم إذا عض ذلك الكَلْب أحدًا صار مثلَه، ولم يقدر على الانفصال منه في الغالب إلا بالهلكة، فكذلك المبتدع إذا أورد على أحد رأيه وإشكاله، فقلما يسلم من غائلته، بل إما أن يقع معه في مذهبه ويصير من شيعته، وإما أن يثبت في قلبه شكا يطمع في الانفصال عنه فلا يقدر. . . وقد أتى في الآثار ما يدل على هذا المعنى؛ فإن السلف الصالح نهوا عن مجالستهم ومكالمتهم وكلام مُكَالِمِهِم، وأغلظوا في ذلك" (^١).
_________________
(١) الاعتصام (٣٤٣).
[ ١ / ١٦٨ ]
المطلب الرابع: الآثار الواردة في منع الحكام أهل البدع من الكلام فيها.
٥٦ - حدثني علي بن الحسن بن أبي مريم أنه سمع رجلا من قريش من بني زهرة قال: "سألت أمير المؤمنين المهدي أبا عبيد اللَّه (^١) ينظر رجلا من بقايا أهل المدينة من مشيختهم، فأخبر محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف (^٢) فكتب إليه: اكتب إليّ بما أدركت عليه المشايخ في أصحاب الأهواء؟ فإني سمعت من عمرو بن عبيد (^٣) كلاما كثيرا، فكتب إليه: أما بعد؛ فإني أحذّرك أهواء متَّبعة، أُحدثت لضُلَّالٍ مبتدعة، لم
_________________
(١) هو الخليفة العباسي المهدي محمد بن عبد اللَّه -أبي جعفر المنصور- الهاشمي، بويع بالخلافة بعد وفاة والده المنصور وكان وليا للعهد، كان جوادا مُمَدَّحا، مليح الشكل، محببا إلى الرعية، حسن الاعتقاد، تتبع الزنادقة، وأفنى منهم خلقا كثيرا، وهو أول من أمر بتصنيف كتب الجدل في الرد على الزنادقة والملحدين، مات سنة (١٦٩ هـ).
(٢) هو محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، من أهل مدينة رسول اللَّه -ﷺ-، كان على قضاء المدينة، وعلى بيت مالها في زمن أبي جعفر المنصور، كان من أهل الفضل موصوفا بالسخاء والبذل، ويقال إن مالكا جلد بمشورته، وكان ضعيفا في الحديث، انظر تاريخ بغداد (٢/ ٣٤٩)، ولسان الميزان (٥/ ٢٥٩).
(٣) هو عمرو بن عبيد بن باب التميمي مولاهم، أبو عثمان البصري، المعتزلي المشهور، كان داعية إلى بدعته، اتهمه جماعة مع أنه كان عابدا، كان مصاحبا للحسن البصري ثم أفسده واصل بن عطاء فقال بالقدر، ودعا إليه، واعتزل أصحاب الحسن، مات سنة (١٤٣ هـ)، تاريخ بغداد (١٢/ ١٦٦)، التقريب (٥٠٧١).
[ ١ / ١٦٩ ]
يكن من عند اللَّه أصلها، وليس معها من قول اللَّه ما يصدّقها، النظر فيها هلكة، والجهالة بها عصمة، فاحذر على نفسك مشبَّهاتها، فإنها تدعو إلى موبقاتها، وحسبي اللَّه ونعم الوكيل، فقال المهدي لما وردت عليه الرسالة: ما سمعت كلمات أشهى إلى القلب، ولا أبلغ ولا أوجز منها، ثم كتب إلى جميع الأمصار ينهى أن يتكلّم أحد من أهل الأهواء في شيء منها" (^١).
التحليل والتعليق
تضمن الأثر السابق منع الإمام المهدي أهل الأهواء أن يتكلموا فيها، وبعثه بذلك كتابا إلى الأمصار، وقد كانت هذه سيرة أئمة الإسلام وحكامهم مع أهل البدع، ولهم في ذلك مواقف مشهودة ومشهورة ﵏، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وتجد الإسلام والإيمان كلما ظهر وقوي كانت السنة وأهلها أظهر وأقوى، وإن ظهر شيء من الكفر والنفاق ظهرت البدع بحسب ذلك، مثل دولة المهدي والرشيد ونحوهما، ممن كان يعظم الإسلام والإيمان، ويغزو أعداءه من الكفار والمنافقين، كان أهل السنة في تلك الأيام أقوى وأكثر، وأهل البدع أذلّ وأقلّ؛ فإن المهدي قتل من المنافقين الزنادقة من لا يحصى عدده إلا اللَّه. . . وكان المهدي من خيار خلفاء بني العباس، وأحسنهم إيمانا وعدلا وجودا، فصار يتتبع المنافقين الزنادقة كذلك. . . كانت البدع في القرون الثلاثة الفاضلة مقموعة، وكانت الشريعة أعز وأظهر وكان القيام بجهاد أعداء الدين من
_________________
(١) إسناده ضعيف، لجهالة الرجل القرشي المبهم، الإشراف (١٧١ - ١٧٢) رقم (١٤٦).
[ ١ / ١٧٠ ]
الكافرين والمنافقين أعظم. . .. وكان في أيام المتوكل قد عز الإسلام، حتى ألزم أهل الذمة بالشروط العمرية، وألزموا الصغار، فعزت السنة والجماعة، وقمعت الجهمية والرافضة ونحوهم، وكذلك في أيام المعتضد والمهدي والقادر وغيرهم من الخلفاء الذين كانوا أحمد سيرة وأحسن طريقة من غيرهم، وكان الإسلام في زمنهم أعز وكانت السنة بحسب ذلك، وفي دولة بني بويه ونحوهم الأمر بالعكس؛ فإنهم كان فيهم أصناف المذاهب المذمومة، قوم منهم زنادقة، وفيهم قرامطة كثيرة، ومتفلسفة ومعتزلة ورافضة، وهذه الأشياء كثيرة فيهم غالبة عليهم، فحصل في أهل الإسلام والسنة في أيامهم من الوهن ما لم يعرف، حتى استولى النصارى على ثغور الإسلام، وانتشرت القرامطة في أرض مصر والمغرب والمشرق وغير ذلك، وجرت حوادث كثيرة، ولما كانت مملكة محمود بن سبكتكين من أحسن ممالك بني جنسه كان الإسلام والسنة في مملكته أعز؛ فإنه غزا المشركين من أهل الهند، ونشر من العدل ما لم ينشره مثله، فكانت السنة في أيامه ظاهرة والبدع في أيامه مقموعة، وكذلك السلطان نور الدين محمود الذي كان بالشام عز أهل الإسلام والسنة في زمنه، وذل الكفار وأهل البدع ممن كان بالشام ومصر وغيرهما من الرافضة والجهمية ونحوهم، وكذلك ما كان في زمنه من خلافة بني العباس ووزارة ابن هبيرة لهم؛ فإنه كان من أمثل وزراء الإسلام، ولهذا كان له من العناية بالإسلام
[ ١ / ١٧١ ]
والحديث ما ليس لغيره" (^١).
قال الشيخ الإمام ابن باز ﵀: "وقد ثبت عن عثمان بن عفان -﵁-، الخليفة الراشد أنه قال: "إن اللَّه يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"، ويروي عن عمر -﵁- أيضا، وهذا صحيح، كثير من الناس لو جئته بكل آية لم يمتثل، لكن إذا جاءه وازع السلطان بالضرب والسجن ونحو ذلك أذعن، وترك باطله (^٢)، لماذا؟ ! لأن قلبه مريض؛ ولأنه ضعيف الإيمان، أو معدوم الإيمان. . . فلهذا لا يتأثر بالآيات والأحاديث. . لكن إذا خاف من السلطان ارتدع ووقف عند حده، ووازع السلطان له شأن عظيم، ولهذا شرع اللَّه لعباده القصاص والحدود والتعزيرات لأنها تردع عن الباطل، وأنواع الظلم، ولأن اللَّه يقيم بها الحق، فوجب على ولاة الأمور أن يقيموها، وأن يعينوا من يقيمها، وأن يلاحظوا الناس، ويلزموهم بالحق، ويوقفوهم عند حدهم حتى لا يهلكوا، وينقادوا مع تيار الباطل، ويكونوا عونا للشيطان وجنده علينا" (^٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٠ - ٢٤) بتصرف.
(٢) قال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٦٠): "وهذا هو الواقع".
(٣) رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مجموع فتاوى الشيخ (٢٧/ ٣٩٣).
[ ١ / ١٧٢ ]
المطلب الخامس: الآثار الواردة في عدم الاعتداد بصلاح أهل البدع.
٥٧ - ثنا عاصم بن عمر بن علي بن مقدم قال: ثنا أبي قال: ثنا (^١) أبو العباس الهلالي قال: سمعت الضحاك بن مزاحم يقول: "ما بلغني عن رجل صلاح فاعتددت بصلاحه حتى أسأل عن خلال ثلاث؛ فإن تمّت تمّ صلاحه، وإن نقصت منه خصله كانت وصمة عليه في صلاحه: أسأل عن عقله؛ فإن الأحمق يفعل يقصد صلاح غيره (^٢) إنما هلك وأهلك فئاما من الناس، يمر بالمجلس فلا يسلم فإذا قيل له، قال: من أهل الدنيا!، ويترك عيادة الرجل من جيرانه، فإذا قيل له: قال: من أهل الدنيا، ويدع الجنازة لا يتبعها لمثل ذلك، ويدع أم أبيه يبرد فإذا هو قد صار عاقًّا، وأسأل عن النعمة العظيمة التي لا نعمه أعظم منها ولا أوضح وهي الإسلام (^٣)، إن كان أحسن احتمال النعمة ولم يدخلها بدعة ولا زيغ، وإلا لم أعتد به فيما سوى ذلك، وأسأل عن وجه معاشه؛ فإن لم يكن له وجه معاش لم آمن عليه، وأظل بخلافه أقرب ما يكون من أجله" (^٤).
٥٨ - حدثني الفضل بن إسحاق بن حيّان قال: حدثنا الأشجعي،
_________________
(١) زيادة صيغة التحديث من المخطوطتين.
(٢) تصحيح العبارة من المخطوتين الظاهرية والتركية.
(٣) تصحيح العبارة من المخطوتين الظاهرية والتركية.
(٤) فيه أبو العباس الهلالي، له ذكر في أخبار القضاة (١/ ٣٥٨)، العقل وفضله (٢٤) رقم (٣٧)، وذكره المزي في تهذيب الكمال (٣/ ٤١١).
[ ١ / ١٧٣ ]
عن أبي عمر الخراساني، عن مقاتل بن حيّان (^١) قال: "ليس لملوك صديق، ولا لحسود غنى، وطول النظر في الحكمة تلقيح للعقل، وأهل هذه الأهواء آفة [أمة (^٢) محمد -ﷺ-؛ إنهم يذكرون النبي -ﷺ- وأهل بيته فيَتصيَّدُونَ بهذا الذّكرِ الحسنِ الجهّال من الناس، فيقذفون بهم في المهالك، فما أشبههم بمن يسقي الصَّبِر باسم العسل، ومن يسقي السمّ القاتل باسم التِّرياق، فأبصِرهم فإنك إن لا تكن أصبحت في بحر الماء فإنك قد أصبحت في بحر الأهواء، الذي هو أعمق غورا وأشدّ اضطرابا وأكثر عواصفا وأبعد مذهبا من البحر وما فيه، فلتكن مطيّتك التي تقطع بها سفر الضلال اتّباع السنة، فإنهم هم السيّارة الذين إلى اللَّه يعمدون" (^٣).
التحليل والتعليق
تضمن الأثران السابقان بيان منهج السلف في تقويم الرجال، وهو أن صلاح الرجل لا يعتد به إذا خالطته بدعة، وأن على المسلم أن لا يغتر بصلاح من ظاهره الصلاح من أهل البدع؛ لأنهم يستغلون ذلك لدسّ السم من خلاله في الأمة، قال شيخ الإسلام: "كان الشيوخ العارفون
_________________
(١) هو مقاتل بن حيان النَبَطي، صدوق فاضل، مات قبيل الخمسين، التقريب (٦٨٦٧).
(٢) زيادة من تاريخ دمشق.
(٣) فيه أبو عمر الخراساني لم أجد له ترجمة، وقد ورد عند ابن عساكر قبل هذا الأثر وقال فيه تلميذه عبد اللَّه الأشجعي: شيخ من أهل خراسان، الإشراف (٢١٤ - ٢١٥) رقم (٢٤١)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٠/ ١٠٨).
[ ١ / ١٧٤ ]
المستقيمون من مشايخ التصوف وغيرهم يأمرون أهل القلوب، أرباب الزهد والعبادة والمعرفة والمكاشفة بلزوم الكتاب والسنة، قال الجنيد بن محمد علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة. . . . قال غير واحد من الشيوخ والعلماء: لو رأيتم الرجل يطير في الهواء، ويمشي على الماء، فلا تغتروا به حتى تنظروا وقوفه عند الأمر والنهي، ومثل هذا كثير في كلام المشائخ والعارفين وأئمة الهدى، وأفضل أولياء اللَّه عندهم أكملهم متابعة للأنبياء" (^١).
وقال ﵀: "كان السلف يعدون كل من خرج عن الشريعة في شيء من الدين من أهل الأهواء، ويجعلون أهل البدع هم أهل الأهواء، ويذمونهم بذلك ويأمرون بألا يغتربهم ولو أظهروا ما أظهروه من العلم والكلام والحجاج أو العبادة والأحوال مثل المكاشفات وخرق العادات" (^٢).
وأصل هذا القول الأحاديث الكثيرة المشهورة الواردة في الخوارج وصفاتهم ومع ذلك لم تشفع لهم تلك الصفات، بل أمر النبي -ﷺ- بقتلهم فقاتلهم الإمام علي بن أبي طالب -﵁- قال شيخ الإسلام: "فهؤلاء مع كثرة صلاتهم وصيامهم وقراءتهم وما هم عليه من العبادة والزهادة أمر النبي -ﷺ- بقتْلهم، وقَتَلَهُم علي بن أبي طالب ومن معه من أصحاب النبي -ﷺ- (^٣).
بل إن من عدم الاعتداد بصلاحهم، ما وقع من الخلاف بين أهل العلم
_________________
(١) الرد على المنطقيين (٥١٥).
(٢) الاستقامة (١/ ٢٥٤).
(٣) المجموع (١/ ٤٧٣).
[ ١ / ١٧٥ ]
في قبول شهادتهم وإجازتها، وهو مذهب مالك وأحمد رحمهما اللَّه (^١).
وأما استغلال صلاحهم أو ما يظهرونه من ذلك في تمرير بدعهم وترويجها كما قال مقاتل، فقد ذكر ابن القيم ﵀ في القسم الخامس من الحيل المحرمة في الشرع: "أن يقصد حل ما حرمه الشارع، أو سقوط ما أوجبه؛ بأن يأتي بسبب نصبه الشارع سببا إلى أمر مباح مقصود، فيجعله المحتال المخادع سببا إلى أمر محرم مقصود اجتنابه"، ثم ذكر أنواعا من البدع وكيف خرجها أصحابها في صور الطاعات والمشروعات فقال: "كما أخرجت الجهمية التعطيل في قالب التنزيه. . . وأخرج الروافض الإلحاد والكفر والقدح في سادات الصحابة وحزب رسول اللَّه وأوليائه وأنصاره في قالب محبة أهل البيت والتعصب لهم وموالاتهم، وأخرجت الإباحية وفسقة المنتسبين إلى الفقر والتصوف بدعهم وشطحهم في قالب الفقر والزهد والأحوال والمعارف ومحبة اللَّه ونحو ذلك" (^٢).
وقد وقع في هذه الحيل كثير من المسلمين، ومن ذلك ما ذكره الذهبي ﵀ عن الخليفة العباسي المنصور الذي كان يعظم عمرو بن عبيد وينشد فيه:
كلكم يمشي رويدا، كلكم يطلب صيدا، غير عمرو بن عبيد، قال الذهبي: "اغتر بزهده وإخلاصه وأغفل بدعته" (^٣).
_________________
(١) انظر الاستذكار لابن عبد البر (٨/ ٢٦٨)، والمغني (١٠/ ١٦٨)، وانظر إعلام الموقعين (٤/ ٢٢٠).
(٢) إغاثة اللهفان (٢/ ٨١)، وانظر المجموع (٣٥/ ١٤٩).
(٣) السير (٦/ ١٠٥).
[ ١ / ١٧٦ ]
المطلب السادس: الآثار الواردة في عدم ذكر محاسن الفاسق المبتدع.
٥٩ - حدثني أبو صالح قال: سمعت رافع بن أشرس (^١) قال: كان يقال: إن من عقوبة الكذاب، ألا يقبل صدقه، قال: وأنا أقول: "ومن عقوبة الفاسق المبتدع، أن لا تذكر محاسنه" (^٢).
التحليل والتعليق
تضمن أثر رافع بن أشرس ﵀، بيان بعض ما يستحقه الفاسق المبتدع من العقوبة، وهو أن تذكر محاسنه، وهي مسألة تحتاج إلى تفصيل:
_________________
(١) انظر الكلام عليه في التخريج الآتي.
(٢) إسناده حسن؛ رجاله ثقات سوى رافع بن أشرس، ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٣/ ٤٨٢) رقم (٢١٧٦) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وذكر أنه يروي عنه أحمد بن منصور بن راشد المروزي، قلت: وهو شيخ المصنف هذا أي أبو صالح المروزي، ووردت نسبته في المستدرك (٣/ ١٩٥) بقوله: "المروزي"، ثم قال عن الحديث: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وتعقبه الذهبي بقوله: "الصفار لا يدرى من هو" أي شيخ رافع في هذا السند، قلت: وهذا يفيد تقويتهما لرافع بن أشرس واللَّه أعلم، والذي يظهر أنه كان له اهتمام بالجرح والتعديل فانظر ميزان الاعتدال (٢/ ٣٧٢)، الكامل في الضعفاء (٦/ ٤٣٦)، وتهذيب الكمال (٧/ ٢١٢). الصمت (٢٦٠) رقم (٥٤٩)، وأخرجه من طريقه الخطيب البغدادي في الكفاية (١١٧)، وابن رجب في شرح علل الترمذي (١/ ٣٥٣)، وذكره السخاوي في فتح المغيث (١/ ٣٢٨).
[ ١ / ١٧٧ ]
الحالة الأولى: أن لا يذكر أصلا، لا بسوء ولا بخير، بل يُعزف عنه كُلِّيَةً ما دام حيًّا وإذا مات ماتت معه بدعته، وسلم منه الناس، ولا يلفت نظرهم إليه؛ لأنهم غافلون عنه، وغير منتبهين له، وقد علل ابن دقيق العيد ﵀ ذلك بقوله: "إخمادا لبدعته وإطفاء لناره" (^١)، وهذا مُعْتَمَدُ من منع الرواية عن المبتدع مطلقا -داعية أو غيره-، لأن فيه ترويجا لأمره وتنويها بذكره، قال السخاوي: "وعلى هذا ينبغي أن لا يروى عن مبتدع شيء شاركه فيه غيره" (^٢)، وهذا معنى أثر أبي بكر بن عياش: "صاحب السنة إذا مات أحيا اللَّه ذكره، والمبتدع لا يذكر" (^٣)، وقد كان ذلك منهجا عاما للسلف كما قال اللالكائى ﵀: "لم يكن لهم -أهل البدع- قهرٌ ولا ذلٌّ أعظمَ مما تركهم السلف على تلك الجملة، يموتون من الغيظ كمدا ودَرَدًا (^٤)، ولا يجدون إلى إظهار بدعتهم سبيلا" (^٥).
الحالة الثانية: أن يكون المقام مقام تحذير، وفي هذه الحالة يجب ويتعين أن تُبيَّن بدعة المبتدع، والرَدّ عليه، وكشف عواره، ونشر مثالبه، وكفِّ
_________________
(١) انظر فتح المغيث (١/ ٣٢٨)، وتوضيح الأفكار (١/ ٢٣٤).
(٢) فتح المغيث (١/ ٣٢٨).
(٣) أخرجه الترمذي في العلل، انظر شرح علل الترمذي لابن رجب (١/ ٣٥٣).
(٤) يقال: رجل أَدْرَد بين الدَّرَد أي ليس في فمه سِنّ، وكأن المراد أنهم يموتون عِيًّا لا يمكنهم إيصال بدعتهم إلى غيرهم للدَّرَد الذي أصاب أسنانهم، وفاقد الأسنان لا يمكنه الكلام إلا بتكلف وبِعِيِّ ومشقة، ولا يكاد يفهم عنه شيء واللَّه أعلم.
(٥) شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٩).
[ ١ / ١٧٨ ]
العامة عن الرجوع إليه، دفاعا عن الدين، وصونا لعقائد عموم المسلمين، من التبديل والتحريف والتأويل.
وذلك أن المقصود بالرد عليه بيان بدعته وخطورتها على الدين، وقمعها ودفنها في مهدها؛ فإن البدع إذا تمكنت من القلوب استشرت وعمت، وحينئذ يتسع الخرق على الراقع كما يقال، ومن هنا لم يناسب حكاية ما له من حسنات في هذا المقام؛ لأنه يعود على المقصود بالإبطال، أو الإضعاف على أقل تقدير، وبهذا تعلم أن من أوجب ذكر حسنات المبتدع عند الرد فقد جانب الصواب واللَّه أعلم، وقد أفتى بذلك سماحة الشيخ الإمام عبد العزيز بن عبد اللَّه بن باز ﵀ لما سئل: "فيه أناس يوجبون الموازنة: أنك إذا انتقدت مبتدعا ببدعته لتحذر الناس منه يجب أن تذكر حسناته حتى لا تظلمه؟ فأجاب الشيخ رعاه اللَّه: "لا، ما هو بلازم، ما هو بلازم، ولهذا إذا قرأت كتب أهل السنة، وجدت أن المراد التحذير، اقرأ في كتب البخاري "خلق أفعال العباد"، في كتاب الأدب في "الصحيح"، كتاب "السنة" لعبد اللَّه بن أحمد، كتاب "التوحيد" لابن خزيمة، "رد عثمان بن سعيد الدارمي على أهل البدع". . . إلى غير ذلك.
يوردونه للتحذير من باطلهم، ما هو المقصود تعديد محاسنهم. . . المقصود التحذير من باطلهم، ومحاسنهم لا قيمة لها بالنسبة لمن كفر، إذا كانت بدعته تكفره، بطلت حسناته، وإذا كانت لا تكفره، فهو على خطر، فالمقصود هو بيان الأخطاء والأغلاط التي يجب الحذر
[ ١ / ١٧٩ ]
منها" (^١).
وأما الحالة الثالثة: أن يكون المقام يتعلق يحانب أعم من التحذير والرد على المبتدع، وإنما يتعلق بتقويم رجل أو جماعة، أو الترجمة التاريخية، والبحث العلمي، فقد جرت عادة العلماء في مثل هذه المواطن ذكر كل ما يروى عن المترجم له، من حسنات وسيئات، فكتب التاريخ تجد فيها كل ما يتعلق بالمترجم له، ولو كان صاحب بدعة، وتجد في تقويم شيخ الإسلام ابن تيمية لكثير من الطوائف، ذكر بعض حسناتهم، وأحيانا كثيرة يقارن بين جماعة وأخرى، وبيان أيها أفضل مع اجتماعهم في البدعة عموما، كمقارنته بين الخوارج والروافض، والمعتزلة والأشاعرة، وهكذا (^٢)، بل إنك لتجد له كلاما عاما في هذا الموضوع، كقوله ﵀: "معلوم أن في جميع الطوائف من هو زائغ ومستقيم" (^٣)، وقال ﵀ في معرض كلامه عن الأشعري وموقف بعض الحنابلة منه ومن توبته: "الصواب الذي عليه أهل السنة والجماعة أنه قد يجتمع في الشخص الواحد والطائفة الواحدة ما يحمد به من الحسنات، وما يذم به من السيئات، وما لا يحمد به ولا يذم من المباحث، والعفو عنه من الخطأ والنسيان، بحيث يستحق الثواب على حسناته، ويستحق العقاب
_________________
(١) منهج أهل السنة والجماعة في تقويم الرجال (٧)، وانظر بقية نقولات الشيخ عن الألباني والفوزان وغيرهما.
(٢) انظر مجموع الفتاوى (٣/ ٣٥٧).
(٣) المجموع (٣/ ٢٢٨)، وانظر منهاج السنة (٧/ ٣٦).
[ ١ / ١٨٠ ]
على سيئاته، بحيث لا يكون محمودا ولا مذموما على المباحات والمعفوات، وهذا مذهب أهل السنة في فساق أهل القبلة ونحوهم. . . ولهذا يكثر في الأمة من أئمة الأمراء وغيرهم من يجتمع فيه الأمران فبعض الناس يقتصر على ذكر محاسنه ومدحه غلوا وهوى، وبعضهم يقتصر على ذكر مساويه غلوا وهوى، ودين اللَّه بين الغالي فيه والجافي عنه، وخيار الأمور أوسطها، ولا ريب أن للأشعري في الرد على أهل البدع كلاما حسنا، هو من الكلام المقبول الذي يحمد قائله إذا أخلص فيه النية، وله أيضا كلام خالف به بعض السنة هو من الكلام المردود الذي يذم به قائله إذا أصرَّ عليه بعد قيام الحجة، وإن كان الكلام الحسن لم يخلص فيه النية والكلام السيء كان صاحبه مجتهدا مخطئا مغفورا له خطأه لم يكن في واحد منهما مدح ولا ذم، بل يحمد نفس الكلام المقبول الموافق للسنة، ويذم الكلام المخالف للسنة، وإنما المقصود أن الأئمة المرجوع إليهم في الدين مخالفون للأشعري في مسألة الكلام، وإن كانوا مع ذلك معظمين له في أمور أخرى، وناهين عن لعنه وتكفيره، ومادحين له بما له من المحاسن" (^١).
وقد سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ السؤال التالي: "ما رأيكم فيمن إذا أراد أن يقوِّم شخصًا، لا يذكر ما لديه من خير بل يذكر مساوئه فقط؟، فقال ﵀ جوابًا على ذلك: "هذا من الإجحاف والجور؛ لأن اللَّه -﷿- يقول في كتابه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ
_________________
(١) الفتاوى الكبرى (٥/ ٣٤٣).
[ ١ / ١٨١ ]
لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (^١)، فنهانا اللَّه ﷾ أن يحملنا بغض قوم على عدم العدل، بل أمرنا أن نقول العدل، وقد أقر اللَّه تعالى الحق الذي صدر من المشركين، وأقر النبي -ﷺ- الحق الذي صدر من اليهود، قال تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ (^٢)، فكان الجواب: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ فأبطل قولهم: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ لأنها باطل، وسكت عن قولهم: ﴿وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾ لأنها حق. . . والواجب على من أراد أن يقوِّم شخصًا تقويمًا كاملًا (^٣)، إذا دعت الحاجة أن يذكر مساوئه ومحاسنه، وإذا كان ممن عرف بالنصح للمسلمين أن يعتذر عما صدر من المساوئ، مثلًا نحن نرى العلماء كابن حجر والنووي وغيرهما ممن لهم أخطاء في العقيدة لكنها أخطاء نعلم علم اليقين فيما تعرف من أحوالهم أنها حدثت عن اجتهاد" (^٤).
_________________
(١) سورة المائدة، من الآية (٨).
(٢) سورة الأعراف، من الآية (٢٨).
(٣) وهذا ألصق بمقام التراجم، والسيرة الذاتية، والمرويات التاريخية.
(٤) جريدة المسلمون عدد (٤٧٣٠).
[ ١ / ١٨٢ ]
المطلب السابع: الآثار الواردة في الحذر من الكلام الذي يكون للمبتدع فيه حجة.
٦٠ - حدثني بشار بن موسى قال: أخبرنا عبد اللَّه بن المبارك قال: حدثني يونس بن يزيد، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي قتادة: "دخلت على عثمان وهو محصور -أنا ورجل من قومي- نستأذنه في الحج، فأذن لنا، فلما خرجت استقبلني الحسن بن علي بالباب، فدخل وعليه سلاحه، فرجعت معه، فدخل فوقف بين يدي عثمان وقال: يا أمير المؤمنين، ها أنذا بين يديك فمرني بأمرك، فقال له عثمان: يا ابن أخي، وَصَلَتْك، حم، إن القوم ما يريدون غيري، وواللَّه لا أتوقّى بالمؤمنين، ولكن أوقى المؤمنين بنفسي (^١)، فلما سمعت ذلك منه قلت له: يا أمير المؤمنين، إن كان من أمرك كونٌ، فما تأمر؟ قال: انظروا ما أجمعت عليه أمة محمد؛ فإن اللَّه لا يجمعهم على ضلالة، كونوا مع الجماعة حيث كانت، قال بشّار: فحدّث حماد بن زيد (^٢)، فرقَّ ودمعت عينه وقال: رحم اللَّه أمير المؤمنين، حوصر نيّفا وأربعين ليلة، لم تبد منة كلمة يكون لمبتدع فيها حجّة" (^٣).
_________________
(١) انظر رحمك اللَّه إلى الفقه العظيم من هذا الخليفة الراشد، وقارن بما يفعله سفهاء الأحلام الذين لا يترددون في إلحاق الأذى بالمسلمين، بتفجير يذهب ضحيته كثير من المسلمين، بزعم أنهم يقصدون إلى بعض الكفار أو الظلمة زعموا، وحجتهم أنهم يبعثون على نياتهم!؟ .
(٢) هو حماد بن زيد بن درهم الأزدي، أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت فقيه، مات سنة (١٧٩ هـ) وله إحدى وثمانون سنة، قال فيه ابن مهدي: "ما رأيت أحدا لم يكتب أحفظ منه، وما رأيت بالبصراة أفقه منه، ولم أر أعلم بالسنة منه"، الكاشف (١/ ٣٤٩)، التقريب (١٤٩٨).
(٣) إسناده حسن، شيخ المصنف ضعيف كثير الغلط كثير الحديث (٦٨٠)، لكن قال ابن عدي في الكامل (٢/ ٢٤): "وبشار بن موسى رجل مشهور بالحديث، ويروي عن قوم ثقات، وأرجو أن لم بأس به، وأنه قد كتب الحديث الكثير، وقد حدث =
[ ١ / ١٨٣ ]
التحليل والتعليق
تضمن أثر حماد بن زيد السابق، اعتناء السلف بكلامهم وحرصهم على حفظه، حيث أثنى حماد على أمير المؤمنين عثمان بن عفان -﵁- في وصيته بالجماعة، وحثه على اتباع ما أجمعت عليه الأمة، والكون مع الجماعة حيث كانت، وبيّن أن وجه ذلك كونه يسد أي منفذ يحاول مبتدع النفوذ من خلاله ليبتدع في الدين، وهذه عادة السلف ﵏ أنهم لا يذكرون بعض الكلام ولو كان حقا، حتى لا يتخذ ذريعة للبدع، لا سيما في بعض الأوقات كأوقات الفتن ونحوها، فهذا سفيان الثوري عليه رحمة اللَّه يصفه عمرو بن حسان بقوله: "كان سفيان الثوري نِعْمَ المداوي؛ إذا دخل البصرة حدث بفضائل علي، وإذا دخل الكوفة حدث بفضائل عثمان" (^١)، وهذا داخل في السياسة الشرعية، ورعاية المفاسد والمصالح، قال شيخ الإسلام: "ومن العلم ما يضر بعض النفوس؛ لاستعانتها به على أغراضها الفاسدة، فيكون بمنزلة السلاح للمحارب، والمال للفاجر" (^٢).
_________________
(١) = عنه الناس، ولم أر في حديثه شيئا منكرا، وقول من وثقه أقرب إلى الصواب ممن ضعفه"، قلت: فلعل هذا الأثر لا سيما محل الشاهد منه حسن؛ فإن فيه زيادة اهتمام بالخبر وإعادته على حماد بن زيد واللَّه أعلم، المحتضرين (٥٨ - ٥٩) رقم (٥٠)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٩/ ٤٠٠).
(٢) الحلية (٧/ ٢٧).
(٣) الاستقامة (٢/ ١٦٠)، وانظر المجموع (٣/ ٣١١ - ٣١٢).
[ ١ / ١٨٤ ]
المطلب الثامن: الآثار الواردة في تورع السلف عن أفعالٍ خشية أن تكون بدعة.
٦١ - حدثني محمد، ثنا مالك بن إسماعيل قال: حدثني عبد السلام ابن حرب، عن خلف بن حوشب قال: قال الربيع بن أبي راشد: "اقرأ عليّ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ (^١)، قال: فقرأتها عليه، فبكى ثم قال: "واللَّه لولا أن تكون بدعة، لسحت -أو قال: لهِمت- في الجبال" (^٢).
٦٢ - حدثني القاسم بن هاشم قال: حدثني علي بن عياش، عن إسماعيل بن عياش، ثنا أبو بكر بن عبد اللَّه، عن حبيب بن عبيد، عن العرباض بن سارية (^٣) أنه كان يقول: "ولا أن يقال: فعل أبو نجيح، لألحقت مالي سُبُلَه، ثم لحقت واديا من أودية لبنان، فعبدت اللَّه -﷿- حتى أموت" (^٤).
_________________
(١) سورة الحج، من الآية (٥).
(٢) إسناده صحيح، العزلة والانفراد (٦٩) رقم (٣٤)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٧٧)، ومن طريق المصنف ابن الجوزي في المنتظم (٧/ ٢١٨).
(٣) هو عِرْبَاض بن سارية السلمي، أبو نجيح، صحابي من السابقين الأولين، كان من البكائين ومن أهل الصفة ونزل حمص، مات بعد السبعين، الإصابة (٤/ ٤٨٢)، التقريب (٤٥٥٠).
(٤) إسناده ضعيف؛ مداره على أبي بكر بن عبد اللَّه وهو ابن أبي مريم الغساني ضعيف =
[ ١ / ١٨٥ ]
٦٣ - قال أحمد: حدثني عمرو بن محمد بن أبي رزين قال: "ذكر بعض أصحابنا أن مالك بن دينار قال عند الموت: "لولا أني أخاف أن يكون بدعة لأمرتكم إذا أنا متّ فشُدَّت يدي بشريط، فإذا أنا قدمت على اللَّه فسألني وهو أعلم: ما حملك على ما صنعت؟ قلت: يا رب لم أرض لك نفسى قط" (^١).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة تورع السلف وإحجامهم عن بعض الأفعال
_________________
(١) = وكان قد سرق بيته فاختلط، التقريب (٨٠٣١)، لكن الأثر أصله حسن، العزلة والانفراد (١٢٠) رقم (١١٩)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣/ ٣٨) رقم (١٣٢٥)، وبعضه أحمد في الأسامي والكنى رقم (٣٦)، وكذا ابن سعد في الطبقات (٤/ ٢٧٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٠/ ١٨٥، ١٩٠)، وذكره الذهبي في السير (٣/ ٤٢٢)، وابن حجر في الإصابة (٤/ ١٩٦)، والسخاوي في التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة (٢/ ٢٥٧)، وأخرجه أبو داود في الزهد رقم (٣٧٧) ورقم (٣٧٦) بسند حسن، عن أبي نجيح عن عمرو بن عبسة السلمي وليس العرباض بن سارية، وانظر في تاريخ دمشق الموضع السابق الكلام فيهما هل هما واحد أم اثنان.
(٢) إسناده ضعيف، لإبهام شيوخ عمرو، والأثر حسن من طريق أبي نعيم، المحتضرين (١٤٤) رقم (١٨٨)، ومحاسبة النفس رقم (١١٢) بسند ضعيف فيه مؤمل بن إسماعيل بلفظ ابن الجوزي الآتي، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٦١) بلفظ آخر: "لقد هممت أن آمر إذا مت فَأُغَلّ، فأُدفع إلى ربي مغلولا كما يدفع العبد الآبق إلى مولاه"، وذكره به ابن الجوزي في صفة الصفوة (٢/ ٣٦١) بلفظ: "لولا أنى أكره أن أصنع شيئا لم يصنعه أحد كان قبلي، لأوصيت أهلي إذا أنا مت أن يقيدوني، وأن يجمعوا يدي إلى عنقي فينطلقوا بي على تلك الحال، حتى أدفن كما يصنع بالعبد الآبق".
[ ١ / ١٨٦ ]
خشية أن تكون داخلة في البدعة، وذلك أن مسؤولية العالم عظيمة أمام اللَّه، لأنه محل القدوة، والناس ينظرون إليه ليأخذوا عنه، وقد عقد الشيخ جمال الدين القاسمي ﵀ بابا بعنوان: اجتناب العالم ما يتورّط بسببه العامة فقال: "هذا باب من أبواب الدين، موضوعه إصلاح المعتقدات في العبادات، وتنبيه العامة، حكم ما ألفوه من العادات" (^١)، قال الطرطوشي -﵀- لا تكلم عن التعريف (^٢): "اعلموا -رحمكم اللَّه- أن هؤلاء الأئمة علموا فضل الدعاء يوم عرفة، ولكن علموا أن ذلك بموطن عرفة، لا في غيرها، ولا منعوا من خلا بنفسه، فحضرته نية صادقة أن يدعو اللَّه تعالى، وإنما كرهوا الحوادث في الدين، وأن يظنّ العوام أن من سنة يوم عرفة لسائر الآفاق الاجتماع والدعاء، فيتداعى الأمر إلى أن يدخل في الدين ما ليس منه" (^٣)، وقال أبو شامة ﵀: "إن الرجل العالم المقتدى به، والمرموق بعين الصلاح، إذا فعلها أي صلاة الرغائب كان موهما للعامة أنها من السنن، كما هو الواقع، فيكون كاذبا على رسول اللَّه -ﷺ- بلسان الحال، ولسان الحال قد يقوم مقام لسان القال وأكثر ما أوتي الناس في البدع بهذا السبب، يظن في شخص أنه من أهل العلم والتقوى، وليس في نفس الأمر كذلك، فيرمقون أقواله وأفعاله، فيتبعونه في ذلك فتفسد أمورهم. . . فلا ينبغي للعالم أن يفعل ما يتورط العوام
_________________
(١) الباعث على إنكار البدع والحوادث (٢١).
(٢) وهو اجتماع الآفاقيين عشية عرفة في المسجد والدعاء كما يفعله بعض الحجاج عشية عرفة.
(٣) الحوادث والبدع (٢٥٩)، وانظر الباعث على إنكار الحوادث والبدع (١٢٠).
[ ١ / ١٨٧ ]
بسبب فعله، في اعتقاد أمر على مخالفة الشرع" (^١)، ولما تكلم الشاطبي ﵀ عن ترك السلف لبعض الأمور الجائزة أو المستحبة وجَّه ذلك بقوله: "فهذه أمور جائزة، أو مندوب إليها، ولكنهم كرهوا فعلها خوفًا من البدعة؛ لأن اتخاذها سنة إنما هو بأن يواظب الناس عليها مظهرين لها، وهذا شأن السنة، وإذا جرت مجرى السنن صارت من البدع بلا شك" (^٢).
وعدّ ﵀ هذا من أسبالب نشأة البدع فقال: "فالبدعة تنشأ عن أربعة أوجه:
أحدها: -وهو أظهر الأقسام- أن يخترعها المبتدع.
والثاني: أن يعمل بها العالم على وجه المخالفة، فيفهمها الجاهل مشروعة.
والثالث: أن يعمل بها الجاهل مع سكودت العالم عن الإنكار، وهو قادر عليه، فيفهم الجاهل أبها ليست بمخالفة.
والرابع: من باب الذرائع، وهي أن يكون العمل في أصله معروفًا، إلا أنه يتبدل الاعتقاد فيه مع طول العهد بالذكرى.
إلا أن هذه الأقسام ليست على وزان واحد، ولا يقع اسم البدعة عليها بالتواطؤ، بل هي في القرب والبعد على تفاوت، فالأول هو الحقيق باسم البدعة. . . ويليه القسم الثاني. . . ويليه القسم الثالث. . . ويليه القسم الرابع" (^٣).
_________________
(١) الباعث (١٧٨ - ١٨١) بتصرف.
(٢) الاعتصام (٢٨٠).
(٣) الاعتصام (٣٩٠).
[ ١ / ١٨٨ ]
المبحث الثالث: الآثار الوادة في أحكام المبتدعة في الدنيا والآخرة.
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: الآثار الواردة في أحكام المبتدعة في الدنيا.
المطلب الثاني: الآثار الواردة في أحكام المبتدعة في الآخرة.
[ ١ / ١٨٩ ]
المطلب الأول: الآثار الواردة في أحكام المبتدعة في الدنيا.
وفيه سبع مسائل:
المسألة الأولى: الآثار الواردة في حكم غيبتهم.
المسألة الثانية: الآثار الواردة في حكم لعنهم.
المسألة الثالثة: الآثار الواردة في حكم تزويجهم.
المسألة الرابعة: الآثار الواردة في حكم من خالطهم.
المسألة الخامسة: الآثار الواردة في حكم مجالستهم.
المسألة السادسة: الآثار الواردة في حكم مغفرة ذنوبهم في رمضان.
المسألة السابعة: الآثار الواردة في حكم قتلهم.
[ ١ / ١٩٠ ]
المسألة الأولى: الآثار الواردة في حكم غيبتهم.
٦٤ - حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا عبد الرحمن بن مَغراء، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم قال: "ثلاث كانوا لا يعدوهن من الغيبة: الإمام الجائر، والمبتدع، والفاسق المجاهر بفسقه" (^١).
٦٥ - بلغني عن أحمد بن عمران الأخنسي، حدثنا سليمان بن حيان، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: "ثلاثة ليس لهم غيبة: الظالم، والفاسق، وصاحب البدعة" (^٢)
٦٦ - حدثني محمد، حدثنا يحيى بن أبي بكير، عن شريك، عن عقيل، عن الحسن ﵁ قال: "ثلاثة ليس لهم غيبة: صاحب
_________________
(١) إسناده ضعيف فيه عبد الرحمن بن مغراء صدوق تكلم في حديثه عن الأعمش التقريب (٤٠٣٩)، وانظر الكامل في الضعفاء (٤/ ٢٨٩)، كتاب الصمت وآداب اللسان (١٤٢) رقم (٢٢٢)، الغيبة والنميمة (٨٩) رقم (٨٦)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٥٨) رقم (٢٧٦) مختصرا بلفظ: "ليس لصاحب البدعة غيبة"، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٩٧) إلى البيهقي من قول الحسن وسفيان بن عيينة، وذكره الزبيدي في الإتحاف وعزاه لابن أبي الدنيا والبيهقي، وسيأتي في الرقم التالي بلفظ مقارب.
(٢) إسناده لين، فيه كلام في شيخ المصنف انظر اللسان (١/ ٢٣٤) والإكمال (١/ ١٣٥) مع انقطاع بينهما؛ أنه بلاغ. أخرجه في موضعين كسابقه، في كتاب الصمت وآداب اللسان (١٤٢) رقم (٢٢٦)، والغيبة والنميمة (١٥٢) رقم (٩٥)، وانظر ما سبق برقم (١٨).
[ ١ / ١٩١ ]
هوى، والفاسق المعلن بالفسق، والإمام الجائر" (^١).
٦٧ - حدثني أبي، أنبأنا علي بن شقيق، أنبأنا خارجة، حدثنا ابن جابان، عن الحسن رفعه قال: "ثلاثة لا تحرم عليك أعراضهم: المجاهر بالفسق، والإمام الجائر، والمبتدع" (^٢).
٦٨ - حدثنا علي بن الجعد، أنبأنا الربيع بن صَبيح، عن الحسن -﵁-
_________________
(١) الأثر حسن بطرقه، وإسناد المصنف فيه كلام في شيخه واختلاط شريك، وكلاهما توبع في سنده، كتاب الصمت وآداب اللسان (١٤٥) رقم (٢٣٤)، الغيبة والنميمة (٩٤ - ٩٥) رقم (٩٨)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٥٨) رقم (٢٧٨) من طريقين آخرين عن الحسن، ومن لطيف صنعه أنه اختصره واقتصر على المبتدع فقط فكأنه يشير إلى أن مسالة غيبة الحاكم ليست على هذا الإطلاق واللَّه أعلم، وابن العطار من طريق آخر غير ما سبق، في رسالة فتيا في ذكر الاعتقاد وذم الاختلاف (٦٢) رقم (١٤) وفيه زيادة أن صاحب الهوى الذي يدعو إلى هواه، وسيأتي مختصرا رقم (٦٨)، كما سبق مثله عن إبراهيم رقم (٦٤).
(٢) إسناده ضعيف جدا؛ فيه خارجة بن مصعب بن خارجة، أبو الحجاج السرخسي، متروك، وكان يدلس عن الكذابين، ويقال: إن ابن معين كذبه، وابن جابان لم أعرفه، واستظهر الدكتور نجم خلف أنه تصحيف من ابن جدعان وهو علي بن زيد بن جدعان التيمي وهو ضعيف كما سيأتي (٤٠٢)، لأنه من الرواة عن الحسن، قلت: وقد ورد في كتاب الجوع للمصنف (١٠٦) (١٦٤) الرواية عنه وسماه علي بن زيد، وهو في طبقة ابن جابان هذا، وهذا يؤكد ما استظهره الدكتور واللَّه أعلم. انظر التقريب (١٦٢٢)، تهذيب الكمال (٢/ ٣٣٣) رقم (١٥٧٦). كتاب الصمت وآداب اللسان (١٤٦) رقم (٢٣٨)، الغيبة والنميمة (٩٦) رقم (١٠١). وليست في كتاب الصمت كلمة "رفعه".
[ ١ / ١٩٢ ]
قال: "ليس لمبتدع غيبة" (^١).
٦٩ - حدثني محمد بن عباد بن موسى، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، عن همام عن قتادة قال: قال عمر بن الخطاب -﵁-: "ليس لفاجر حرمة، وكان رجل قد خرج مع يزيد بن المهلب (^٢)، فكان الحسن إذا ذكره هرته (^٣) " (^٤).
_________________
(١) إسناده لين، مداره على الربيع بن صبيح عن الحسن وهو صدوق سيء الحفظ، وكان عابدا مجاهدا التقريب (١٩٠٥)، كتاب الصمت وآداب اللسان (١٤٢) رقم (٢٢٤)، الغيبة والنميمة (٩٠) رقم (٨٨)، واللالكائي شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٥٨) رقم (٢٨٠)، والبيهقي شعب الإيمان (٥/ ٣٣٩) رقم (٦٧٩٣)، (٧/ ١١١) رقم (٩٦٧٥)، وأورده العجلوني في كشف الخفاء وقال: "أخرج البيهقي في الشعب بسند جيد عن الحسن. . ".
(٢) يزيد بن المهلب بن أبي صفرة أبو خالد الأزدي، ولي المشرق بعد أبيه، ثم ولي البصرة، لسليمان بن عبد الملك، ثم عزله عمر بن عبد العزيز، له أخبار في السخاء والشجاعة، خرج على يزيد بن عبد الملك وغلب على البصرة، وتسمّى بالقحطاني، فسار لحربه مسلمة بن عبد الملك فقتله سنة (١٠٢ هـ)، كان الحسن البصري -﵀- من أشد الناس معارضة لخروجه، وله في ذلك مواقف وأخبار، وذلك لأنه رأى ما حصل قبله من القتل الشديد في وقعة ابن الأشعث كما قال ابن كثير، انظر الطبقات الكبرى لابن سعد (٥/ ٣٧٩)، سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٠٤ - ٥٠٦)، البداية والنهاية (٩/ ٢٢٠).
(٣) أي طعن فيه، انظر لسان العرب (٢/ ١٠٣).
(٤) إسناده منقطع؛ لأن قتادة لم يسمع من عمر -﵁-، كتاب الصمت وآداب اللسان (١٤٤) رقم (٢٣٢)، ذم الغيبة والنميمة (٩٤) رقم (٩٦)، وأورده الغزالي في =
[ ١ / ١٩٣ ]
٧٠ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا حسين الجعفي، عن هانئ بن أيوب قال: سألت محارب بن دثار (^١) عن غيبة الرافضة (^٢)؟، قال:
_________________
(١) = الإحياء (٣/ ١٣٣)، والزبيدي في الإتحاف (٧/ ٥٥٨) وعزاه للمصنف.
(٢) هو مُحَارِب بن دثار السدوسي، قاضي الكوفة، ثقة إمام زاهد، مات (١١٦ هـ)، الكاشف (٢/ ٢٤٣)، التقريب (٦٤٩٢).
(٣) الرافضة هي إحدى فرق الشيعة الإمامية وفي سبب تسميتهم بهذا الاسم أقوال؛ فقيل: لأنهم رفضوا إمامة زيد بن علي بن الحسين في أوائل القرن الثاني الهجري إبان خلافة هشام بن عبد الملك، واتبعه الشيعة وناصروه وبينما كانت المعارك دائرة بين زيد وجيوش الخلافة، سأله الشيعة عن رأيه في أبي بكر وعمر -﵄-، فقال زيد: غفر اللَّه لهما ما سمعت أحدا من أهلي تبرأ منهما، وأنا لا أقول فيهما إلا خيرا، قالوا: فلم نقاتل إذن؟، فقال زيد: إن هؤلاء ليسوا كأولئك إن هؤلاء -أي الأمويين- ظلموا الناس وظلموا أنفسهم، وإني أدعو إلى كتاب اللَّه وسنة نبيه وإحياء السنن وإماتة البدع، فإن تسمعوا خيرا لكم، وإن تأبوا فلست عليكم بوكيل، فرفضوه وانصرفوا عنه ونقضوا بيعته، فقال: رفضتموني، فسمّوا رافضة، وأطلق على أتباعه الزيدية، وقيل: لرفضهم أكثر الصحابة ورفضهم إمامة الشيخين، وقيل لرفضهم الدين، انظر مقالات الإسلاميين (١/ ٨٩) مع تعليق الشيخ محيي الدين عبد الحميد، الملل والنحل (١/ ١٥٥)، مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٥ - ٣٦)، دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين "الخوارج والشيعة" (١٧٩ - ١٨١)، فرق معاصرة لشيخنا د/ غالب العواجي (١/ ١٦٣)، وانظر في تفننهم في سب الصحابة الكرام ما نقله عبد اللَّه الجميلي في كتابه بذل المجهود في مشابهة الرافضة لليهود (٢/ ٤٦٩ - ٤٨٥) فقد اعتنى بتوثيق هذا الأمر من كتبهم المعتمدة القديمة والمعاصرة فجزاه اللَّه خيرا.
[ ١ / ١٩٤ ]
"إنهم إذًا لقومٌ صُدُق (^١) " (^٢).
٧١ - حدثني محمد، حدثنا مروان بن معاوية، عن زائدة بن قدامة قال: قلت لمنصور بن المعتمر (^٣): "إذا كنت صائما أنال من السلطان؟ قال: لا، قلت: فأنال من أصحاب الأهواء؟ قال: نعم" (^٤).
_________________
(١) كذا ضبطها المحقق، ويمكن ضبطها هكذا على الاضافة: "لقومُ صدقٍ"، والمعنى المراد أنهم ليسوا قوما عدولا وإنما هم قوم سوء أو كذب أو أوصاف مذمومة أخرى واللَّه أعلم، انظر لسان العرب (٧/ ٣٠٧ - ٣٠٩).
(٢) أخرجه المصنف في موضعين: كتاب الصمت وآداب اللسان (١٤٢) رقم (٢٢٥)، وذم الغيبة (١٤٨) رقم (٨٨) بالسند نفسه، وفيه هانئ بن أيوب الحنفي، ذكره ابن حبان في الثقات، إلا أن ابن سعد قال فيه: "كان عنده أحاديث وفيه ضعف"، كما اختلف فيه قول الذهبي نفسه فقال مرة: "صدوق"، ومرة: "ثقة"، رغم ذكره لتضعيف ابن سعد، وأما ابن حجر فقال: "مقبول"، والظاهر أن الإسناد حسن لا سيما وأنه صاحب القصة وهو السائل، وفي ذلك زيادة عناية وتثبت فيها، وهي من مقويات السند، واللَّه أعلم، انظر: تهذيب الكمال (٧/ ٣٨٧) رقم (٧١٣٨)، الكاشف (٢/ ٣٣٣)، ميزان الاعتدال (٤/ ٢٩٠)، والتقريب (٧٣٠٩).
(٣) هو منصور بن المعتمر بن عبد اللَّه السلمي، أبو عتَّاب من أئمة الكوفة، ثقة ثبت، ومناقبه جمة، مات سنة (١٣٢ هـ)، الكاشف (٢/ ٢٩٧)، التقريب (٦٩٠٨).
(٤) رجاله ثقات عدا شيخ المصنف وهو العكلي فقد أورده ابن حبان في الثقات (٩/ ١١٤) ثم قال: "يخطئ أحيانا"، وقال عنه الحافظ في التقريب (٦٠٣٣): "صدوق يخطئ"، والأثر ورد من طرق أخرى، كتاب الصمت وآداب اللسان (١٤٥) رقم (٢٣٥)، ذم الغيبة والنميمة (١٥٣ - ١٥٤) رقم (٩٨)، وابن الجعد في مسنده (١/ ١٥١) رقم (٨١٧)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة =
[ ١ / ١٩٥ ]
٧٢ - حدثنا عبيد اللَّه بن جرير، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا المبارك، عن الحسن ﵁ قال: "إذا ظهر فجوره فلا غيبة له، قال: نحو المخنث، ونحو الحرورية (^١) " (^٢).
٧٣ - حدثني عبيد اللَّه، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا الصلت ابن طريف المغولي قال: سمعت الحسن ﵁ قلت: رجل قد علمتُ عنه الفجور، وقتلتُه علما، أفذكري له غيبة؟ قال: "لا، ولا نعمت عين للفاجر" (^٣).
_________________
(١) = (٨/ ١٣٤٢) رقم (٢٣٩١)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٥/ ٤١)، وقبله بقليل بلفظ: "فأقع فيمن يتناول أبا بكر وعمر؟ . . "، والخطيب في تاريخه (١٠/ ١٧٩)، وابن عساكر في تاريخه (٤٤/ ٣٨٨)، وأورده الزبيدي في الإتحاف (٧/ ٥٥٧ - ٥٥٨) وعزاه للمصنف.
(٢) هو أحد ألقاب الخوارج التي اشتهروا به، نسبة إلى موضع قريب من الكوفة يسمى حروراء خرج فيه أسلافهم على جيش علي -﵁- بعد اصطلاحه مع أهل الشام، انظر مقالات الإسلاميين (١/ ١٢٧)، وكتاب الخوارج (٣٢ - ٣٣) لفضيلة الدكتور غالب العواجي.
(٣) إسناده ضعيف فيه المبارك بن فضالة وسيأتي (٩٣)، أنه يدلس ويسوي وقد عنعن، كتاب الصمت وآداب اللسان (١٤٥ - ١٤٦) رقم (٢٣٦)، و(١٥٤) رقم (١٠٠)، وأورده الزبيدي في الإتحاف (٧/ ٥٥٧) وعزاه للمصنف.
(٤) في سنده الصلت بن طريف البصري، أورده الذهبي في الميزان (٢/ ٣١٨) وقال: "مستور، خرج له الدارقطني، -وذكر له حديثا مضطربا-. . . قال ابن القطان: والصلت لا يعرف حاله"، واستدرك عليه الحافظ في اللسان (٣/ ١٩٦) بقوله: =
[ ١ / ١٩٦ ]
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة جواز غيبة المبتدع، وأن ذلك ليس من الغيبة المحرمة التي في الشرع عنها، وقد تضمنت الآثار أن الغيبة تشرع لمن أظهر بدعته، أو أصرَّ عليها مع بيان الحق له كما في أثر الحسن مع الصلت بن طريف وهذا يرجع إلى الأول فإنه نوع من الإظهار، أو كانت بدعته تخرجه عن العدالة كبدعة الرفض كما في أثر محارب بن دثار، وقد بيّن العلماء متى تجوز غيبة المسلم فلم يختلفوا على إيراد المبتدع في جملة ذلك، وقد حصرت في أسباب أوردها النووي فقال: "اعلم أن الغيبة تباح لغرض صحيح شرعي، لا يمكن الوصول إليه إلا بها، وهو ستة أسباب: -ثم ذكرها ومنها-
الرابع: تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم، وذلك من وجوه: . . . منها إذا رأى متفقه يتردد إلى مبتدع أو فاسق يأخذ عنه العلم، وخاف أن يتضرر التفقه بذلك، فعليه نصيحته ببيان حاله، بشرط أن يقصد النصيحة، وهذا مما يغلط فيه، وقد يحمل المتكلم بذلك الحسد، ويلبس الشيطان عليه ذلك، ويخيل إليه أنه نصيحة فليتفطن لذلك. . .
الخامس: أن يكون مجاهرا بفسقه أو بدعته. . . فيجوز ذكره بما يجاهر
_________________
(١) = "وذكره ابن حبان في الثقات". كتاب الصمت وآداب اللسان (١٤٦) رقم (٢٣٧)، الغيبة والنميمة (٩٦) رقم (١٠٢). وأورده الزبيدي في الإتحاف (٧/ ٥٥٧) وعزاه للمصنف.
[ ١ / ١٩٧ ]
به ويحرم ذكره بغيره من العيوب إلا أن يكون لجوازه سبب آخر مما ذكرناه" (^١).
وقد شرح شيخ الإسلام ابن تيمية هذه الأسباب فقال: "الشخص المعين فيذكر ما فيه من الشر في مواضع. . . ومنها أن يكون على وجه النصيحة للمسلمين في دينهم ودنياهم. . . وإذا كان النصح واجبا في المصالح الدينية الخاصة والعامة، مثل نقلة الحديث الذين يغلطون أو يكذبون. . . ومثل أئمة البدع: من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة، أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة، فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين، حتى قيل لأحمد بن حنبل: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال: إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين، هذا أفضل، فبَيَّن أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم من جنس الجهاد في سبيل اللَّه؛ إذ تطهير سبيل اللَّه ودينه ومنهاجه وشرعته، ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين، ولولا من يقيمه اللَّه لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين" (^٢).
وقد نبّه العيني ﵀ إلى فائدة مهمة في غيبة أهل البدع بعد موتهم، حيث ناقش الأسباب الستة التي أوردها النووي وغيره، ثم علق
_________________
(١) رياض الصالحين (٤٥٠ - ٤٥٢) بتصرف.
(٢) المجموع (٢/ ٢٢٩ - ٢٣٢).
[ ١ / ١٩٨ ]
عليها بقوله: "ذكر الغزالي والنووي إباحة العلماء الغيبة في ستة مواضع، فهل تباح في حق الميت أيضا؟ وأن ما جاز غيبة الحي به جازت غيبة الميت به؟ أم يختص جواز الغيبة في هذه المواضع المستثناة بالأحياء؟ ينبغي أن ينظر في السبب المبيح للغيبة: إن كان قد انقطع بالموت كالمصاهرة والمعاملة، فهذا لا يذكر في حق الميت؛ لأنه قد انقطع ذلك بموته، وإن لم ينقطع ذلك بموته كجرح الرواة، وكونه يؤخذ عنه اعتقاد أو نحوه، فلا بأس بذكره به ليحذر ويتجنب" (^١).
_________________
(١) عمدة القاري (٨/ ١٩٨).
[ ١ / ١٩٩ ]
المسألة الثانية: الآثار الواردة في حكم لعنهم.
٧٤ - حدثني هارون بن عبد اللَّه، حدثني محمد بن أبي كبشة (^١) قال: "سمعت هاتفا في البحر ليلا، فقال: كذب المريسي (^٢) على اللَّه -﷿-، ثم هتف ثانية فقال: لا إله إلا اللَّه، على ثمامة (^٣) والمريسي لعنة اللَّه، قال: وكان معنا في المركب رجل من أصحاب بشر المريسي فخر ميتا" (^٤).
_________________
(١) في طبعتي مصطفى عطا، ومجدي السيد (لبشة) وقال مجدي: "غير واضحة نهائيا في المخطوط"، والتصويب من مصادر التخريج، وهو محمد بن أبي كبشة الأنماري، يروي عن أبيه -وله صحبة-، ذكره ابن حبان وقال: "قدم الكوفة، فكتب عنه ختناه: أوسط البجلي، وسالم بن أبي الجعد، الثقات لابن حبان (٥/ ٣٧٢)، تعجيل المنفعة (٣٧٥)، كما فيهما (لعنه) بدل (لعنة) والمثبت أولى.
(٢) هو بشر بن غياث بن أبي كريمة، أبو عبد الرحمن المريسي، مبتدع ضال، تفقه على أبي يوسف فبرع، وأتقن علم الكلام، ثم جَرَّد القول بخلق القرآن، وناظر عليه، ولم يدرك الجهم بن صفوان، وإنما أخذ مقالته، واحتج لها، ودعا إليها، مات سنة (١١٨ هـ) أو التي بعدها، تاريخ بغداد (٧/ ٥٦)، لسان الميزان (٢/ ٢٩).
(٣) هو ثمامة بن أشرس، أبو معن النميري البصري، من كبار المعتزلة، ومن رؤوس الضلالة، كان له اتصال بالرشيد، ثم بالمأمون، مات سنة (١١٣ هـ)، تاريخ بغداد (١/ ١٤٥)، لسان الميزان (٢/ ٨٣).
(٤) إسناده صحيح، كتاب الهواتف (٩٢) رقم (١٣٠)، شرح اعتقاد أهل السنة للالكائي (٣/ ٤٢٧) رقم (٦٤٥)، والسنة لعبد اللَّه (١/ ١٦٩) رقم (١٩٥)، ومن طريقه ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (١/ ٣٩٧ - ٣٩٨)، تاريخ بغداد (٧/ ٦٩ - ٧٠) و(١٠/ ١٥٨) في ترجمة الرجلين بإسنادين كأنه يشير إلى صحة القصة =
[ ١ / ٢٠٠ ]
التحليل والتعليق
تضمن أثر ابن أبي كبشة ﵀ جواز لعن المبتدع المعين، وقد أتى ما يؤيد فعل هذا الهاتف عن بعض السلف فقد أورد الشاطبي ﵀ أثرا عن أبي داود فيه أنه ما: "لعن أحدًا قط إلا رجلين: أحدهما: رجلٌ ذكر له أنه لعن مالكًا، والآخر: بشر المريسي" (^١)، وكذا جاء عن وكيع لعنة المريسي (^٢)، والإمام مالك لعن بشرا كذلك (^٣).
ولا شك أن الأصل أن ينزه المسلم لسانه عن اللعن والسب بأنواعه، فقد ثبت عن النبي -ﷺ- أنه قال: "لا ينبغي للصديق أن يكون لعانا" (^٤)، قال ابن ناصر الدين الدمشقي فيما نقله عن النووي: "اتفق العلماء على تحريم اللعن، فإنه في اللغة: الإبعاد والطرد، وفي الشرع: الإبعاد من رحمة اللَّه، فلا يجوز أن يبعد من رحمة اللَّه من لا يعرف حاله وخاتمة أمره معرفة قطعية؛ فلهذا قالوا: لا يجوز لعن أحد بعينه مسلما كان، أو كافرا، أو دابة، إلا من علمنا بنص شرعي أنه مات على الكفر، أو يموت عليه، كأبي جهل،
_________________
(١) = واشتهارها، وذكره الذهبي في السير (١٠/ ٢٠٦) من طريق شيخ المصنف، ومحمد ابن أبي كبشة وثقه ابن حبان! انظر الثقات (٥/ ٣٧١)، وتعجيل المنفعة (٣٧٥)، والإكمال للحسيني (٣٨٤).
(٢) الاعتصام (٢٦٨).
(٣) الصواعق المرسلة (٤/ ١٤٠٢).
(٤) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٤٦٧).
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة -﵁- (٤/ ٢٠٠٥) رقم (٢٥٩٧).
[ ١ / ٢٠١ ]
وإبليس، وأما اللعن بالوصف فليس بحرام كلعن الواصلة" (^١)، ومن منهج السلف أنهم لا يعيِّنون في نصوص الوعيد، وإنما يطلقون الكلام على النوع دون الأعيان، قال شيخ الإسلام: "إن نصوص الوعيد من الكتاب والسنة كثيرة جدا، والقول بموجبها واجب على وجه العموم والإطلاق من غير أن يعين شخص من الأشخاص، فيقال: هذا ملعون ومغضوب عليه، أو مستحق للنار، لا سيما إن كان لذلك الشخص فضائل وحسنات. . . لما تقدم أن موجب الذنب يتخلف عنه بتوبة، أو استغفار، أو حسنات ماحية، أو مصائب مكفرة، أو شفاعة، أو لمحض مشيئته ورحمته. . . فإذا قلنا بموجب -وذكر بعض نصوص الوعيد- إلى غير ذلك من أحاديث الوعيد لم يجز أن نعين شخصا ممن فعل بعض هذه الأفعال، ونقول: هذا المعين قد أصابه هذا الوعيد" (^٢).
هذه القاعدة العامة التي بنى أهل السنة عليها منهجهم، ولهذا فإن ما صدر عن بعضهم من لعن بعض أعيان أهل البدع؛ عده بعض العلماء نزاعا في المسألة ثم ذكروا له توجيها، قال شيخ الإسلام: "في لعنة المعين إذا كان فاسقا أو داعيا إلى بدعة نزاع" (^٣)، وقال في توجيه ذلك: "من
_________________
(١) الرد الوافر (١١)، وانظر تفسير القرطبي (٢/ ١٨٨ - ١٨٩)، وتفسير ابن كثير (١/ ٢٠٢)، عمدة القاري (١/ ٢٠٣)، فيض القدير (١/ ٥٤)، الزواجر (٢/ ٦٠)، الكبائر للذهبي (١٦٦).
(٢) المجموع (٢٠/ ٢٨٨ - ٢٨٩).
(٣) المجموع (٦/ ٥١١).
[ ١ / ٢٠٢ ]
جوَّز من أهل السنة والجماعة لعنة الفاسق المعين؛ فإنه يقول: يجوز أن أصلي عليه وأن ألعنه؛ فإنه مستحق للثواب مستحق للعقاب؛ فالصلاة عليه لاستحقاقه الثواب، واللعنة له لاستحقاقه العقاب، واللعنة البعد عن الرحمة، والصلاة عليه سبب للرحمة، فيرحم من وجه ويبعد عنها من وجه" (^١)، كما ذكر ابن حجر ﵀ بعض التوجيهات الأخرى فقال: "قيل إن المنع -أي من لعن المعين- خاص بما يقع في حضرة النبي -ﷺ- لئلا يتوّهم الشارب عند عدم الإنكار -أي إنكار النبي -ﷺ- على من لعنه- أنه مستحق لذلك -أي اللعن- فربما أوقع الشيطان في قلبه ما يتمكن به من فتنه، وإلى ذلك الإشارة بقوله في حديث أبي هريرة: "لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم"، وقيل المنع مطلقا في حق من أقيم عليه الحد؛ لأن الحد قد كفر عنه الذنب المذكور، وقيل المنع مطلقا في حق ذي الزلة، والجواز مطلقا في حق المجاهرين، وصوَّب ابن المنير أن المنع مطلقا في حق المعين، والجواز في حق غير المعين. . . واحتج شيخنا الإمام البلقيني على جواز لعن المعين بالحديث الوارد في المرأة إذا دعاها زوجها إلى فراشه فأبت لعنتها الملائكة حتى تصبح وهو في الصحيح (^٢)، وقد توقف فيه بعض من يقيناه بأن اللاعن لها الملائكة فيتوقف الاستدلال به على جواز التأسي بهم، وعلى التسليم فليس في الخبر تسميتها، والذي قاله شيخنا أقوى؛ فإن
_________________
(١) منهاج السنة (٥٦٩ - ٥٧٠).
(٢) أخرجه البخاري برقم (٦٧٨١) من حديث أبي هريرة.
[ ١ / ٢٠٣ ]
الملك معصوم، والتأسي بالمعصوم مشروع، والبحث في جواز لعن المعين وهو الموجود" (^١).
وقال ﵀: "الحق أن من منع اللعن -لعن الفاسق المعين- أراد به معناه اللغوي، وهو الإبعاد من الرحمة، وهذا لا يليق أن يدعى به على المسلم، بل يطلب له الهداية والتوبة والرجوع عن المعصية، والذي أجازه أراد به معناه العرفي وهو مطلق السب، ولا يخفي أن محله إذا كان بحيث يرتدع العاصي به وينزجر، وأما حديث الباب فليس فيه إلا أن الملائكة تفعل ذلك ولا يلزم منه جوازه على الإطلاق" (^٢)، وزاد ابن عابدين معنى آخر وهو أن المراد باللعن في حق المسلم الفاسق الطرد عن منازل الأبرار وليس الطرد من رحمة اللَّه فجاز بهذا الاعتبار (^٣).
والذي يظهر لي من خلال هذه النقولات أن من ثبت عنه لعن المبتدع المعين فإما أن يكون ذلك من باب مطلق السب والحط عليه والإذلال والصغار، أو أنه ترجح له كفره، فإن السلف مطبقون على كفر الجهمية عموما (^٤)، ونقل عن بعضهم تكفير بعض أعيانهم واللَّه أعلم (^٥).
_________________
(١) فتح الباري (١٢/ ٧٦).
(٢) فتح الباري (٩/ ٢٩٥).
(٣) حاشية ابن عابدين (٣/ ٤١٦).
(٤) وهذا لا يستلزم تكفير جميع أعيانهم، انظر مجموع الفتاوى (٢٠/ ١٨٥).
(٥) انظر در التعارض (٥/ ٢٥٧، ٣٠٩)، المجموع (١٢/ ٤٨٥).
[ ١ / ٢٠٤ ]
المسألة الثالثة: الآثار الواردة في حكم تزويجهم.
٧٥ - حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثني أبو مسلمة (^١) المنقري قال: سمعت سلّام بن أبي مطيع (^٢) يقول: "لا أعلمه يحلّ لرجل أن يزوِّج صاحب بدعة، ولا صاحب الشراب، أما صاحب البدعة فيدخل ولده النار، وأما صاحب الشراب فيطلق ولده (^٣) ولا يعلم، ويفعل ويفعل" (^٤).
التحليل والتعليق
تضمن أثر سلام بن أبي مطيع تحريم تزويج الرجل موليته رجلا مبتدعا، معللا ذلك بأنه يدخل ابنه النار، وقد سبق بيان أن البدع من جملة المعاصي، كما سبق بيان ن بعضها يكون كفرا، وبعضها يكون من الكبائر، فلا شك أن صاحب البدعة معرض للوعيد، وهذه المسألة بحثها
_________________
(١) الصواب أبو سلمة المنقري، وهو موسى بن إسماعيل التبوذكي ثقة ثبت التقريب (٦٩٩٢).
(٢) هو سلام بن أبي مطيع، أبو سعيد الخزاعي مولاهم البصري، ثقة صاحب سنة، من خطباء أهل البصرة وعقلائهم، في روايته عن قتادة ضعف، مات بطريق مكة، مات سنة (١٦٤ هـ) وقيل بعدها، الكاشف (١/ ٤٧٤)، التقريب (٢٧١١).
(٣) أفاد د. نجم خلف محقق كتاب العيال أن الجملة هكذا في المخطوط، ولعل فيها سقطا من الناسخ تقديره: "فيطلق أم ولده"، فسقطت كلمة "أم"، على أنه يمكن أن تكون صوابا، والمعنى أنه يطلق العنان لولده فلا يهتم بتربيته وعيالته ونحو ذلك، واستظهر المعنى الأول واللَّه أعلم.
(٤) إسناده صحيح، العيال (٢٧١) رقم (١٢٣).
[ ١ / ٢٠٥ ]
الفقهاء في مباحث الكفاءة في النكاح، حيث ذكروا أن المبتدع لا يكون كفؤا للسنية (^١)، وقال ابن قدامة في المغني: "فصل فأما أهل البدع؛ فإن أحمد قال في الرجل يزوج الجهمي: يفرق بينهما، وكذلك إذا زوّج الوَاقِفِيّ إذا كان يخاصم ويدعو، وإذا زوَّج أخته من هؤلاء اللقطة، وقد كتب الحديث فهذا شر من جهمي يفرق بينهما" (^٢)، وهذا الأمر راجع إلى هجر المبتدع والابتعاد عنه ومفاصلته، قال الشاطبي في تعداد الأحكام التي تلحق بالمبتدع: "الحادي عشر: الأمر بأن لا يناكحوا، وهو من ناحية الهجران، وعدم المواصلة" (^٣).
ولما كان هذا الأمر من باب الهجر ينظر إلى أحوال المبتدع وحال بدعته، فمن كانت بدعته مكفرة فهو أشد نهيا؛ لأنه لا ولاية للكافر على المسلم، قال شيخ الإسلام عند كلامه على كفر الجهمية والرافضة، وما نقل عن السلف في ذلك وفي فيهم عن تزويجهم وعيادتهم وغير ذلك: "فإن هاتين الفرقتين هما أعظم الفرق فسادا في الدين، وأصلهما من الزنادقة المنافقين، ليستا من ابتداع المتأولين، مثل: قول الخوارج والمرجئة والقدرية؛ فإن هذه الآراء ابتدعها قوم مسلمون بجهلهم، قصدوا بها طاعة اللَّه فوقعوا في معصيته، ولم يقصدوا بها مخالفة الرسول ولا محادته، بخلاف
_________________
(١) انظر زاد المعاد (٥/ ١٦١).
(٢) المغني (٧/ ٣٠).
(٣) الاعتصام (٩٠).
[ ١ / ٢٠٦ ]
الرفض والتجهم فإن مبدأهما من قوم منافقين، مكذبين لما جاء به الرسول، مبغضين له، لكن التبس أمر كثير منهم على كثير من المسلمين الذين ليسوا بمنافقين ولا زنادقة، فدخلوا في أشياء من الأقوال والأفعال التي ابتدعها الزنادقة والمنافقون، ولبسوا الحق بالباطل وفي المسلمين سماعون للمنافقين" (^١)، ومن كانت بدعته غير مكفرة فهو على أحوال أيضًا: "التعزير يكون لمن ظهر منه ترك الواجبات، وفعل المحرمات: كتارك الصلاة والزكاة، والتظاهر بالمظالم والفواحش، والداعي إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة التي ظهر أنها بدع، وهذا حقيقة قول من قال من السلف والأئمة إن الدعاة إلى البدع لا تقبل شهادتهم، ولا يصلى خلفهم، ولا يؤخذ العلم، ولا يناكحون فهذه عقوبة لهم حتى ينتهوا، ولهذا يفرقون بين الداعية وغير الداعية؛ لأن الذاعية أظهر المنكرات فاستحق العقوبة، بخلاف الكاتم فإنه ليس شرا من المنافقين الذين كان النبي -ﷺ- يقبل علانيتهم، ويكل سرائرهم إلى اللَّه مع علمه بحال كثير منهم" (^٢)، ولما تكلم ﵀ عن بعض أنواع الهجر الذي شرع تعزيرا للمبتدع كرد شهادته وروايته وعدم الصلاة خلفه قال: "تنازع الفقهاء في الصلاة خلف أهل الأهواء والفجور؛ منهم من أطلق الإذن، ومنهم من أطلق المنع، والتحقيق: أن الصلاة خلفهم لا ينهى عنها لبطلان صلاتهم في
_________________
(١) الصواعق المرسلة (٤/ ١٤٠٤)، وانظر تلبيس الجهمية (٢/ ٧٩).
(٢) المجموع (٢٨/ ٢٠٥).
[ ١ / ٢٠٧ ]
نفسها، لكن لأنهم إذا أظهروا المنكر استحقوا أن يهجروا، وأن لا يقدموا في الصلاة على المسلمين، ومن هذا الباب ترك عيادتهم، وتشييع جنائزهم، كل هذا من باب الهجر المشروع في إنكار المنكر للنهي عنه، وإذا عرف أن هذا هو من باب العقوبات الشرعية علم أنه يختلف باختلاف الأحوال، من قلة البدعة وكثرتها، وظهور السنة وخفائها، وأن المشروع قد يكون هو التأليف تارة والهجران أخرى" (^١).
_________________
(١) منهاج السنة (١/ ٦٣ - ٦٤) بتصرف.
[ ١ / ٢٠٨ ]
المسألة الرابعة: الآثار الواردة في حكم من خالطهم.
٧٦ - حدثنا أحمد بن إسماعيل البتي، حدثني عبد اللَّه بن قريش البخاري، عن أبي توبة، عبد اللَّه بن المبارك قال: قال الأوزاعي (^١): "من خفيت علينا بدعته فلن تخفي علينا أُلفته" (^٢).
التحليل والتعليق
تضمن أثر الأوزاعي ﵀ أن من خالط المبتدع فهو منهم، وقد بين القرطبي ﵀ الاستدلال على هذه المسألة من قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾ (^٣) فقال: "ومضى في النساء
_________________
(١) هو عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو الأوزاعي، أبو عمرو الفقيه، شيخ الإسلام، ثقة جليل زاهد، كان رأسا في العلم والعبادة، مات سنة (١٥٧ هـ)، التقريب (٣٩٩٢).
(٢) إسناده حسن، فيه شيخ المصنف لم أجد له ترجمة، إلا أن المزي ذكره في تهذيب الكمال (٤/ ٢٤٢) في الرواة عن عبد اللَّه بن قريش وقال: "شيخ لابن أبي الدنيا"، وكذا ابن حجر في تهذيب التهذيب (٢/ ٤٠٥)، قلت: ولعله أحمد بن إسماعيل السني ذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٤٢) وقال: "مستقيم الحديث"، الإخوان (١٢٢) رقم (٤٠).
(٣) سورة النساء، الآية (١٤٠)، وموضع كلامه المنقول في سورة الأنعام.
[ ١ / ٢٠٩ ]
وهذه السورة النهي عن مجالسة أهل البدع والأهواء، وأن من جالسهم حكمه حكمهم. . . فألحق -أي اللَّه ﷿ في الآيتين- من جالسهم بهم، وقد ذهب إلى هذا جماعة من أئمة هذه الأمة، وحكم بموجب هذه الآيات في مُجَالِسِ أهلِ البدع على المعاشرة والمخالطة، منهم أحمد بن حنبل والأوزاعي وابن المبارك، فإنهم قالوا في رجل شأنه مجالسة أهل البدع، قالوا: ينهى عن مجالستهم، فإن انتهى وإلا ألحق بهم يعنون في الحكم" (^١)، ولما تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية على بعض المبتدعة الباطنية قال: "من كان محسنا للظن بهم، وادَّعى أنه لم يعرف حالهم، عُرِّف حالهم؛ فإن لم يباينهم ويظهر لهم الإنكار، وإلا أُلحق بهم، وجُعل منهم" (^٢).
وعليه فيجوز التحذير منه ومنابذته ليحذره الناس، وقد سئل شيخ الإسلام عن: "الشهادة على العاصي والمبتدع، هل تجوز بالاستفاضة والشهرة، أم لا بد من السماع والمعاينة؟ وإن كانت الاستفاضة في ذلك كافية، فمن ذهب إليه من الأئمة وما وجه حجته؟ " فأجاب ﵀: "ما يجرح به الشاهد وغيره، مما يقدح في عدالته ودينه، فإنه يشهد به إذا علمه الشاهد به بالاستفاضة، ويكون ذلك قدحا شرعيا كما صرح بذلك طوائف الفقهاء من المالكية والشافعية والحنبلية. . . هذا إذا كان المقصود تفسيقه لرد شهادته وولايته، وأما إذا كان المقصود التحذير منه واتقاء
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (٧/ ١٤٢).
(٢) مجموع الفتاوى (٢/ ١٣٣).
[ ١ / ٢١٠ ]
شره فيكتفي بما دون ذلك، كما قال عبد اللَّه بن مسعود: "اعتبروا الناس بأخدانهم"، وبلغ عمر بن الخطاب -﵁- أن رجلا يجتمع إليه الأحداث فنهى عن مجالسته، فإذا كان الرجل مخالطا في السير لأهل الشر يحذر عنه" (^١).
وذلك أن من خالط أهل البدع وباسطهم، إما أن يكون منهم متخف ببدعته لحاجة في نفسه، وإما أنه داخله شيء من أهوائهم، ومن كان كذلك وجب الحذر منه ولو لم نتيقن أنه منهم، وباب الحذر غير باب الحكم على الشخص كما بيّنه شيخ الإسلام في النقل السابق، وقال القرطبي ﵀ مبينا خطورة المخالَطَة على المخالِط: "نهى اللَّه ﷿ المؤمنين بهذه الآية أن يتخذوا من الكفار واليهود وأهل الأهواء دخلاء وَوُلَجَاء يفاوضونهم في الآراء، ويسندون إليهم أموالهم، ويقال: كل من كان على خلاف مذهبك ودينك فلا ينبغي لك أن تحادثه" (^٢).
_________________
(١) الفتاوى الكبرى (٢/ ٢٨ - ٢٩)، وأثر ابن مسعود في الإخوان للمصنف رقم (٣٨)، والطبراني الكبير رقم (١٨٩١٩)، وتتمته: "فإن الرجل يخادن من يعجبه".
(٢) الجامع لأحكام القرآن (٤/ ١٧٨ - ١٧٩) بتصرف.
[ ١ / ٢١١ ]
المسألة الخامسة: الآثار الواردة في حكم مجالستهم.
٧٧ - حدثني أبو بكر بن أبي النضر، حدثنا سعيد بن عامر، عن حزم، عن غالب القطان قال: "رأيت مالك بن دينار في المنام وعليه نحو من ثيابه في مسجده، وهو يقول: صنفان من الناس لا تجالسوهما: صاحب دنيا مترف فيها، وصاحب بدعة قد غلا فيها، ثم قال: حدثني بهذا الحديث حكيم، وكان رجلا من جلسائه يقال له: حكيم، قال: وكان معنا في الحلقة، قال: قلت: يا حكيم أنت حدثت مالكا بهذا الحديث؟ قال: نعم، قلت: عن من؟ قال: عن المقامع (^١) من المسلمين" (^٢).
٧٨ - حدثنا أبو إسحاق الأزدي، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: سألت مالك بن أنس عن القدري والمخنث؛ أيجوز لي أن أجعله سترا بين يدي؟ فقال: "إذا تحققت أنهما كذلك فلا تجعلهما سترة في الصلاة" (^٣).
_________________
(١) أي عن الحديد، فكانه يشير إلى أن هذا الكلام مأخوذ عن أئمة كبار، لهم صلابة في الدين واللَّه أعلم.
(٢) إسناده حسن؛ فيه حزم وهو القطعي صدوق يهم كما سيأتي (ص ١٠٣)، المنامات (٩٠) رقم (١٦٨)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٦٢ - ١٦٣) رقم (٢٩٢)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٧٩)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٦/ ٤٤٣).
(٣) سبق الأثر مخرجا (٤٤).
[ ١ / ٢١٢ ]
التحليل والتعليق
تضمن الأثران السابقان في السلف عن مجالسة أهل البدع، وتحذيرهم من ذلك، حتى إن الإمام مالكا ﵀ نهي أن يتخذ القدري سترة في الصلاة، وهذا أمر مشهور عن السلف، كما قال ابن القيم ﵀ في بيان موقف السلف من البدع التي ظهرت في زمانهم: "فصاح بهم من أدركهم من الصحابة، وكبار التابعين من كل قطر، ورموهم بالعظائم، وتبرأوا منهم، وحذروا من سبيلهم أشد التحذير، ولا يرون السلام عليهم ولا مجالستهم، وكلامهم فيهم معروف في كتب السنة وهو أكثر من أن يذكر هاهنا" (^١).
ونقل ابن العربي عن ابن خويز منداد المالكي: "من خاض في آيات اللَّه تركت مجالسته، وهجر مؤمنا كان أم كافرا، قال: وكذلك منع أصحابنا. . . مجالسة الكفار وأهل البدع، وألا تعتقد مودتهم ولا يسمع كلامهم ولا مناظرتهم"، وقد ذكر البربهاري ﵀ بعض ما يصيب المسلم من مجالسة المبتدع فقال: "أدنى ما كان يصيب الرجل من مجالستهم: أن يشك في دينه، أو يتابعهم، أو يرى رأيهم على الحق، ولا يدري أنهم على حق أو على باطل، فصار شاكا فهلك" (^٢).
كما أن من مقاصد النهي عن مجالستهم ولو كان العبد قادرا على
_________________
(١) الصواعق المرسلة (٣/ ١٠٧٠).
(٢) شرح السنة (٤٤).
[ ١ / ٢١٣ ]
مناقشتهم ورد باطلهم، محاصرة بدعتهم وعدم نشرها، قال شيخ الإسلام: "يوجد في كلام كثير منهم -أي السلف- من النهي عن مجالسة أهل البدع، ومناظرتهم ومخاطبتهم، والأمر بهجرانهم، وهذا لأن ذلك قد يكون أنفع للمسلمين من مخاطبتهم؛ فإن الحق إذا كان ظاهرا قد عرفه المسلمون، وأراد بعض المبتدعة أن يدعو إلى بدعته، فإنه يجب منعه من ذلك فإذا هُجر وعُزِّر. . . أو قُتِل، كان ذلك هو المصلحة" (^١).
_________________
(١) درء التعارض (٧/ ١٧٢ - ١٧٣) بتصرف.
[ ١ / ٢١٤ ]
المسألة السادسة: الآثار الواردة في حكم مغفرة ذنوبهم في شعبان.
٧٩ - حدثنا إبراهيم قال: نا ابن المبارك قال: أنا الحجاج، عن مكحول، عن كثير بن مرّة (^١) قال: "يغفر اللَّه فيه (أي: شهر شعبان) من الذنوب إلا لمشرك أو مشاحن، قال عبد اللَّه: سمعت الأوزاعي يفسر المشاحن فقال: "كل صاحب بدعة فارق عليها أمّته" (^٢).
التحليل والتعليق
تضمن أثر الأوزاعي ﵀ بيان خطورة البدع وأن أهلها مستثنون
_________________
(١) هو كثير بن مرة الحضرمي، الفقيه، عالم أهل حمص، كان إماما عالما، طلَّابة للعلم، أدرك سبعين بدريا، ثقة من الثانية ووهم من عده في الصحابة، تذكرة الحفاظ (١/ ٥١)، التقريب (٥٦٣١).
(٢) إسناد الحديث ضعيف؛ فيه حجاج وهو ابن أرطأة وهو صدوق كثير الخطأ والتدليس، التقريب (١١٢٧)؛ والأثر صحيح لأنه من رواية عبد اللَّه عن الأوزاعي، فضائل رمضان (٢٩) رقم (٥)، وإسحاق في مسنده (٣/ ٩٨١) رقم (١٧٠٢)، والدراقطني في النزول رقم (٨٣) عن ابن المبارك به، وابن حجر في الأمالي المطلقة (١٢٥) ونقل عن أحمد مثل قول الأوزاعي هنا ثم قال: "وقد فسره الأوزاعي بأخصر من هذا التفسير. . . قال: . . . ليس المشاحن في هذا الحديث من لا يكلم الرجل بل الذي في قلبه شحناء لأصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم"، وذكره ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث (٢/ ٤٤٩)، وانظر تخريجا موسعا للحديث في الصحيحة رقم (١١٤٤).
[ ١ / ٢١٥ ]
من بعض الفضل الذي يناله المؤمنون في الدنيا، وفسّر المشاحن الذي يستثني من المغفرة في شهر شعبان، بأنه المبتدع الفارق للجماعة، وقد بيّن الإمام أحمد وجه ذلك بقوله: "المراد بالمشاحن في حديث عائشة: أهل البدع، لأنهم يشاحنون أهل السنة ويعادونهم" (^١)، ولا جرم أن هذا حال أهل البدع فإنهم يدخلون دخولا أوليا في المشاحن؛ كما تقدم ذكر بعض صفاتهم من كونهم أصحاب خصومات في الدين، وصعافقة وغير ذلك من الصفات السيئة التي يشملها لفظ المشاحن واللَّه أعلم.
_________________
(١) الدعاء للطبراني (١٩٥)، والأمالي المطلقة لابن حجر (١٢٥).
[ ١ / ٢١٦ ]
المسألة السابعة: الآثار الواردة في حكم قتلهم.
٨٠ - حدثنا علي بن الجعد قال: أخبرنا قيس بن الربيع قال: أخبرنا أبو حصين، عن قبيصة قال: "أتي عليّ بزنادقة فقتلهم، ثم حفر لهم حفرتين فأحرقهم فيها، فقال قبيصة شعرا:
لِتَرمِ بي الحوادث حيث شاءت إذا لم ترم بي في الحفرتين
إذا ما حُشَّتَا حطبا ونارا فذاك الغيّ نقدا غير دين" (^١).
التحليل والتعليق
تضمن أثر قبيصة جواز قتل أصحاب البدع لبدعتهم، وتعزير المبتدع بالقتل أمر مشهور وسنة متبعة من أئمة الإسلام، فكم إمام عزّر مبتدعا زنديقا وعُدّ ذلك من حسناته، قال شيخ الإسلام عن خالد بن عبد اللَّه القسري وهو قاتل الجعد بن درهم يوم الأضحى: "على رؤوس من حضره من المسلمين، لم يعبه به عائب، ولم يطعن عليه طاعن، بل استحسنوا ذلك من فعلم وصوبوه" (^٢)، "الداعي إلى البدعة مستحق العقوبة باتفاق المسلمين، وعقوبته تكون تارة بالقتل، وتارة بما دونه، كما
_________________
(١) إسناده ضعيف، فيه قيس بن الربيع وسيأتي (٧١٣)، الإشراف (٢٢٩) رقم (٢٧٠)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٩/ ٢٤٨)، وأورد الحافظ في الفتح (٦/ ١٥١) عدة طرق للأثر، وأصل قصة تحريق علي -﵁- ثابت في الصحيح، وقد اعتني الحافظ بتخريج طرقها وتوجيهها انظر الفتح الموضع السابق و(١٢/ ٢٧٠ - ٢٧٢).
(٢) درء التعارض (٥/ ٣٠٤).
[ ١ / ٢١٧ ]
قتل السلف جهم بن صفوان، والجعد بن درهم، وغيلان القدري وغيرهم" (^١).
ومسألة قتل المبتدع فيها تفصيل طويل في كتب الفقه، وذلك أنها من باب التعزير ولهذا ينظر إلى حال البدعة وحال المبتدع، هل هي مكفرة أو مفسقة؟، وهل يستتاب صاحبها أم لا، وهل يقتل حدا أم كفرا، قال شيخ الإسلام: "قتل هؤلاء له مأخذان؛ أحدهما: كون ذلك كفرا، كقتل المرتد، أو جحودا أو تغليظا، وهذا المعنى يعم الداعي إليها وغير الداعي، وإذا كفروا فيكون قتلهم من باب قتل المرتد، والمأخذ الثاني: لما في الدعاء إلى البدعة من إفساد دين الناس، ولهذا كان أصل الإمام أحمد وغيره من فقهاء الحديث وعلمائهم، يفرقون بين الداعي إلى البدعة وغير الداعي، في رد الشهادة، وترك الرواية عنه، والصلاة خلفه، في الكتب الستة ومسند أحمد الرواية عن مثل عمرو بن عبيد ونحوه، ولم يترك عن القدرية الذين ليسوا بدعاة، وعلى هذا المأخذ فقتلهم من باب قتل المفسدين المحاربين؛ لأن المحاربة باللسان كالمحاربة باليد وهجره ولهذا ترك" (^٢).
وقد لخّص الإمام الشاطبي -﵀- أحكام المبتدعة تلخيصا دقيقا حمع فيه كل أنواع العقوبات التي تنزل بهم، مع بيان حال البدعة والمبتدع المستحق لذلك على وجه الإجمال فقال: "إن القيام عليهم
_________________
(١) الفتاوى الكبرى (٢/ ٢٩).
(٢) الفتاوى الكبرى (٤/ ٦٠٢ - ٦٠٣).
[ ١ / ٢١٨ ]
بالتثريب، أو التنكيل، أو الطرد، أو الإبعاد، أو الإنكار، هو بحسب حال البدعة في نفسها: من كونها عظيمة المفسدة في الدين، أم لا، وكون صاحبها مشتهرًا بها أو لا، وداعيًا إليها أو لا، ومستطيرًا بالأتباع وخارجًا عن الناس أو لا، وكونه عاملًا بها على جهة الجهل أو لا.
وكل من هذه الأقسام له حكم اجتهادي يخصه؛ إذ لم يات في الشرع في البدعة حد لا يزاد عليه ولا ينقص منه، كما جاء في كثير من المعاصي، كالسرقة، والحرابة، والقتل، والقذف، والجراح، والخمر وغير ذلك. لا جرم أن المجتهدين من الأمة نظروا فيها بحسب النوازل، وحكموا باجتهاد الرأي، تفريعًا على ما تقدم لهم في بعضها من النص، كما جاء في الخوارج من الأثر بقتلهم، إما جاء عن عمر بن الخطاب -﵁- في صبيغ العراقي.
فخرج من مجموع ما تكلم فيه العلماء أنواع.
إحداهما: الإرشاد والتعليم وإقامة الحجة، كمسألة ابن عباس -﵁- حين ذهب إلى الخوارج فكلمهم حتى رجع منهم ألفان أو ثلاثة آلاف.
والثاني: الهجران، وترك لكلام والسلام، حسبما تقدم عن جملة من السلف في هجرانهم لمن تلبس ببدعة، وما جاء عن عمر -﵁- من قصة صبيغ العراقي.
والثالث: كما غرب عمر صبيغًا، ويجري مجراه السجن وهو:
الرابع: كما سجنوا الحلاج قبل قتله سنين عديدة.
[ ١ / ٢١٩ ]
والخامس: ذكرهم بما هم عليه، وإشاعة بدعتهم كي يحذروا، ولئلا يغتر بكلامهم، كما جاء عن كثير من السلف في ذلك.
السادس: القتل إذا ناصبوا المسلمين، وخرجوا عليهم، كما قاتل علي -﵁ - الخوارج، وغيره من خلفاء السنة.
والسابع: القتل إن لم يرجعوا من الاستتابة، وهو قد أظهر بدعته، وأما من أسرها وكانت كفرًا، أو ما يرجع إليه فالقتل بلا استتابة وهو:
الثامن: لأنه من باب النفاق كالزنادقة.
والتاسع: تكفير من دل الدليل على كفره، كما إذا كانت البدعة صريحة في الكفر كالإباحية، والقائلين بالحلول كالباطنية، أو كانت المسألة في باب التكفير بالمال، فذهب المجتهد إلى تكفيره كابن الطيب في تكفيره جملةً من الفرق، وينبني على ذلك:
والعاشر: وذلك أنه لا يرثهم ورثتهم من المسلمين ولا يرثون أحدًا منهم، ولا يغسلون إذا ماتوا، ولا يصلون عليهم، ولا يدفنون في مقابر المسلمين، ما لم يكن المستتر، فإن المستتر يحكم له بحكم الظاهر، وورثته أعرف بالنسبة إلى الميراث.
والحادي عشر: الأمر بأن لا يناكحوا، وهو من ناحية الهجران، وعدم المواصلة.
والثاني عشر: تجريحهم على الجملة، فلا تقبل شهادتهم ولا روايتهم، ولا يكونون ولاةً ولا قضاةً، ولا ينصبون في مناصب العدالة من إمامة أو
[ ١ / ٢٢٠ ]
خطابة، إلا أنه قد ثبت عن جملة من السلف رواية جماعة منهم، واختلفوا في الصلاة خلفهم من باب الأدب ليرجعوا عما هم عليه.
والثالث عشر: ترك عيادة مرضاهم، وهو من باب الزجر والعقوبة.
والرابع عشر: ترك شهود جنائزهم كذلك.
والخامس عشر: الضرب كما ضرب عمر -﵁- صبيغًا" (^١).
_________________
(١) الاعتصام (٩٠ - ٩١).
[ ١ / ٢٢١ ]
المطلب الثاني: الآثار الواردة في أحكام المبتدعة في الآخرة.
وفيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: الآثار الواردة في تسليط بعض الحيات عليهم بعد موتهم.
المسألة الثانية: الآثار الواردة في عذاب أهل البدع في قبورهم.
المسألة الثالثة: الآثار الواردة في تحويل وجوههم عن القبلة في قبورهم.
[ ١ / ٢٢٢ ]
المسألة الأولى: الآثار الواردة في تسليط بعض الحيات عليهم بعد موتهم.
٨١ - حدثني محمد بن الحسين، حدثني أبو إسحاق صاحب الشاة (^١) قال: "دعيت إلى ميت لأغسله، فلما كشفت الثوب عن وجهه إذا بحيّة قد تطوّقت على حلقه، فذكر من عظمها قال: فخرجت ولم أغسله، قال: ذكروا أنه كان يشتم السلف" (^٢).
التحليل والتعليق
تضمن أثر أبي إسحاق إثبات بعض ما يناله صاحب البدعة بعد موته من أنواع العذاب، وقد ذكر ابن القيم ﵀ هذا الأثر في كتابه الروح في معرض بيانه إمكانية إطلاع اللَّه لعباده على بعض أنواع عذاب القبر، وهو أحد أوجه الرد على الملاحدة منكري عذاب القبر، وذكر أنه: "يقع أحيانا لمن شاء اللَّه أن يريه ذلك" (^٣)، قلت: وله ﷾ في ذلك الحكمة البالغة، والآيات الباهرة، ولو لم يكن إلا اتعاظ أهل البدع وترهيبهم من وخيم أفعالهم، وسوء منقلبهم، ولذلك فإنك تجد أن كثيرا من هذه العقوبات التي حصيت لهؤلاء كانت عبرة لغيرهم، أو عبرة لهم أنفسهم إن حصلت في الدنيا.
_________________
(١) ووقع عند ابن القيم في الروح "الشاط"، والذي يظهر لي أنه السلعة، وهو أحمد بن إسحاق بن عيسى الأهوازي، أبو إسحاق البزاز، صاحب السلعة، صدوق مات سنة (٢٥٠ هـ)، التقريب (٨).
(٢) إسناده حسن؛ شيخ المصنف صدوق كما سيأتي (١٥١)، القبور (١٢٠) رقم (١٢٩)، وابن القيم عن المصنف في الروم (٧٠) وفيه أنه كان يسب الصحابة، والسيوطي في شرح الصدور (١٨٤).
(٣) الروح (١/ ٣٢٣).
[ ١ / ٢٢٣ ]
المسألة الثانية: الآثار الواردة في عذاب أهل البدع في قبورهم.
٨٢ - حدثنا أبو بكر الصيرفي قال: "مات رجل كان يشتم أبا بكر وعمر ﵄ ويرى رأي جهم (^١)، فأريه رجل في النوم، كأنه عريان على رأسه خرق سوداء، وعلى عورته أخرى، فقال: ما فعل اللَّه بك؟ قال: جعلني مع بكر القيسي، وعون بن الأعسر، وهما نصرانيان" (^٢).
٨٣ - حدثنا أبو بكر (^٣)، حدثنا شيخ قال: "مات رجل لي، وبيني وبينه نسب، وكان ممن يخوض في هذه الأمور، فأريته في النوم كأنه أعور، فقلت: يا فلان ما هذا الذي أرى عليك؟ قال: تنقصت أصحاب محمد -ﷺ- فنقصني هذا، ووضع يده على عينه الواهية" (^٤).
٨٤ - حدثني الحسين بن يحيى قال: حدثنا مكي بن إبراهيم البلخي قال: حدثنا موسى بن عبيدة، عن داود بن بكر (^٥): "أن رجلا مرض، فلما حضرته الوفاة قال: هذه الملائكة يضربون وجهه ودبره، يقول ذلك
_________________
(١) هو جهم بن صفوان، أبو محرز الراسبي، مولاهم السمرقندي، الكاتب المتكلم، رأس الضلالة، ورأس الجهمية، كان صاحب ذكاء وجدل، قيل إن سلم بن أحوز قتله لإنكاره أن اللَّه كلم موسى ﵇، سير أعلام النبلاء (٦/ ٢٦).
(٢) فيه شيخ المصنف، لم أجد له ترجمة، المنامات (١٠٩) رقم (٢٢١)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٠/ ٤٠٣).
(٣) الصيرفي الذي سبق قبله.
(٤) إسناده ضعيف الإبهام الشيخ، المنامات (١٠٩) رقم (٢٢٢).
(٥) كذا، وأظنه مصحفا فإن داود بن بكر لم يذكر من الرواه عنه موسى بن عبيدة، ولا ذكر هو في شيوخ موسى، ولعله داود بن مدرك فهو من شيوخ موسى، واللَّه أعلم.
[ ١ / ٢٢٤ ]
لأهله: فقلت لداود: ما هو؟ قال: كان رجلا يقول بالتكذيب بالقدر" (^١).
التحليل والتعليق
تضمنت الآثار السابقة ذكر بعض أنواع عذاب القبر الذي يحل بأهل البدع، ولا شك أن المبتدع مستحق للذم والعقوبة، في الدنيا والآخرة، وما ورد في ذلك من الرؤى المنامية، ليس فيها حكم شرعي حتى يتوقف في قبوله، وإنما هي تفاصيل لأحكام ثبتت بالأدلة الشرعية؛ فإن البدعة على أقسام كما سبق، منها الكبيرة والصغيرة، ومنها المكفرة وغير المكفرة، وهي عموما من جملة المعاصي، بل شرٌّ منها، فلذلك فإن هذه الرؤى وكذلك ما يطلع اللَّه بعض عباده على شيء من عذاب القبر يستأنس به، وقد اعتنى علماء المسلمين بذكرها وإيرادها في كتبهم، بل إنهم ألفوا فيها استقلالا كما قال ابن القيم: "وهذه الأخبار وأضعافها، وأضعاف أضعافها، مما لا يتسع لها الكتاب، مما أراه اللَّه سبحانه لبعض عباده من عذاب القبر ونعيمه عيانا، وأما رؤية المنام فلو ذكرناها لجاءت عدة أسفار، ومن أراد الوقوف عليها فعليه بكتاب "المنامات" لابن أبي الدنيا، وكتاب "البستان" للقيرواني، وغيرهما من الكتب المتضمنة لذلك، وليس عند الملاحدة والزنادقة إلا التكذيب بما لم يحيطوا بعلمه" (^٢).
_________________
(١) إسناده ضعيف، فيه موسى بن عبيدة وهو الربذي ضعيف ولا سيما في عبد اللَّه بن دينار، وكان عابدا التقريب (٧٠٣٨)، المحتضرين (٢٣٤) رقم (٣٥١).
(٢) الروح (١/ ٣٢٥).
[ ١ / ٢٢٥ ]
المسألة الثالثة: الآثار الواردة في تحويل وجوههم عن القبلة في قبورهم.
٨٥ - حدثني أبو عبد اللَّه بن بحير، حدثني الحسن بن فرات -شيخ من أهل الثغر ذكر من فضله-: "أنه شهد الفزاري يعني أبا إسحاق ذات يوم وأتاه رجل، فسأله عن توبة النباش: هل له من توبة؟ قال: نعم، إن صحّت نيّته، وعلم اللَّه الصدق منه، فقال الرجل: كنت أنبش القبور، وكنت أجد قوما وجوههم لغير القبلة، فلم يكن عند الفزاري في ذلك شيء، فكتب إلى الأوزاعي يخبره بأمر النباش، فكتب الأوزاعي: تقبل توبته إذا صحّت نيته، وعلم اللَّه الصدق من قوله، وأما قوله إنه كان يجد قوما وجوههم لغير القبلة، فأولئك قوم ماتوا على غير السنة" (^١).
التحليل والتعليق
تضمن أثر الأوزاعي ﵀ ما سبق ذكره من إثبات بعض أنواع عذاب القبر الذي يصيب المبتدع، وهو كالتي سبقت في المبحث المنصرم، لكن أفردته لبيان شناعة مخالفة السنة، وإبراز خطورة الاستهانة بذلك،
_________________
(١) إسناده لين؛ شيخ المصنف لم أجده، واستظهر د. مصلح الحارثي، ود. نجم خلف أنه أحمد بن بحر العسكري، لكن يشكل أنهما ذكرا أن الأصول الخطية فيها بحير واللَّه أعلم، والحسن بن فرات لا أدري هل هو القزاز فإنه كوفي وهذا شيخ من أهل الثغر، القبور (١٠١) رقم (٩٩)، وذكره ابن القيم عن المصنف في الروح (٦٨)، والسيوطي مختصرا في شرح الصدور (١٨٤)، وابن رجب في الأهوال (١١٦).
[ ١ / ٢٢٦ ]
كما قصدت بذلك بيان كيفية تعامل العلماء مع هذه الرؤى حيث لم يتحرج الأوزاعي -﵀- في بيان سبب ما رآه النباش وتفسيره وتوجيهه، وهذا عكس ما ذكره ابن القيم عن الملاحدة من أنهم ليس عندهم إلا التكذيب بما لم يحيطوا به علما، فأهل السنة ينزلون الشرع على الواقع، ومن لم يكن عنده علم أحاله على من له علم، ولا يصادمون بينهما (^١).
_________________
(١) انظر إعلام الموقعين (٤/ ٣٧٣) ففيه بحث مهم في ذلك وإن كان أوسع من جانب المعتقد بل يتضمن أمور الشريعة كلها.
[ ١ / ٢٢٧ ]